Полный текст (13 172 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
زعارّة «١» خلق، وحدّة نفس، وتجهّم وجه، وشدّة غيظ، ولهذا يقال فى الرجل إذا اشتدّ غضبه وكثر غيظه على عدوّه: «لبس له جلد النّمر» ، أى «٢» تخلّق بأخلاقه؛ والنّمر بعيد الوثبة، وربّما وثب أربعين ذراعا صعودا إلى مجثمه الذى يأوى اليه، وقد شوهد وهو يثب فى اللّيل فيصير فى داخل زريبة الغنم فيأخذ الشاة فيحذفها إلى خارج الزّريبة، ثمّ يثب فيسبقها إلى الأرض، ويتناولها من الهواء قبل أن تسقط على الأرض؛ ومن خصائصه الغريبة أنّ المعضوض منه يطلبه الفأر حيث كان، ويقصده ليبول عليه، فإن ظفر به وبال عليه مات؛ والناس يحترزون على من يجرحه النّمر غاية الاحتراز، والفأر يطلب المجروح كلّ الطلب، ومن أعجب ما سمعت أنّ إنسانا جرحه النّمر فاحترز على نفسه من الفأر، فركب فى مركب، ووقف به فى الماء وقد وثق بذلك، وظنّ أنّ الفأر لا يصل إليه، فاتّفق لنفوذ القضاء المقدّر الذى لا حيلة فى دفعه أنّ حدأة اختطفت فأرا من الأرض، وطارت فخاذت المجروح فلمّا سامته الفأر بال عليه فمات. وقد وجد فى بعض الكتب القديمة: أنّ النّمر إذا عضّ إنسانا أخذ زهر السّمّاق «٣» ودلك به الجرح، فإنّ الفأر لا يقاربه، ويكون فى ذلك شفاؤه؛ وأخبرنى من عاين ذلك عند التّجربة؛ والنّمر يحبّ شرب الخمر، وبها يصاد، فإنه اذا سكر نام؛ وزعموا أنّه يتولّد بينه وبين اللّبؤة سبع يسمّى الذراع «٤» على قدر الذئب العظيم، كثير الجراءة، لا يأوى معه شىء من السباع والوحوش.
стр. 3117
ووصف كشاجم النّمر من طرديّة «١» فقال:
وكالح كالمغضب المهيج ... جهم المحيّا ظاهر النّشيج «٢»
يكشر عن مثل مدى العلوج «٣» ... أو كشبا أسنّة الوشيج
مدبّج الجلد بلا تدبيج ... كأنّه من نمط «٤» منسوج
تريك فيه لمع التدريج ... كواكبا لم تك فى بروج
ولم أقف فى وصف النّمر على غير ذلك فأذكره.
стр. 3118
الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى الفهد والكلب والذئب والضبع والنّمس
ذكر ما قيل فى الفهد
يقال للذّكر: الفهد، وللأنثى: فهدة «وهما البنّة، ولذلك يكنى أبابنّة «١» » ، وجروه الهوبر، والأنثى هبيرة «٢» ؛ قال أرسطو: إنّ الفهد متولّد بين أسد ونمرة، أو لبؤة ونمر؛ ويقال: إنّ الفهدة إذا حملت وثقل حملها حنا عليها كلّ ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فاذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدّته لنفسها، حتى اذا علّمت أولادها الصيد تركتها؛ وبالفهد يضرب المثل فى شدّة النوم؛ قال بعض الشعراء:
رقدت مقلتى وقلبى يقظا ... ن يحسّ الأمور حسّا شديدا
يحمد النّوم فى الجواد كمالا ... يمنع الفهد «٣» نومه أن يصيدا
стр. 3119
وقال الجاحظ: قال صاحب «١» المنطق: والفهد إذا اعتراه الداء الذى يقال له:
(خانقة الفهود) أكل العذرة فبرأ منه؛ قال: والسباع تشتهى رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها «٢» ، وربّما قرب بعضها من بعض فيطمع الفهد فى نفسه، فإذا أراده الفهد «٣» وثب عليه السبع «٤» فأكله؛ قالوا: وليس شىء فى الحيوان فى جرم الفهد إلّا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابّة؛ والإناث أصعب خلقا وأكثر جراءة وإقداما من الذكور؛ ومن خلق الفهد الحياء، وذلك أنّ الرّجل يمرّ بيده على سائر جسده فيسكن لذلك، فإذا وصلت يده إلى مكان الثّفر «٥» قلق حينئذ وغضب؛ ويقال: أوّل من صاد بالفهد كليب وائل، وقيل: همّام بن مرّة، وكان صاحب لهو وطرب؛ وأوّل من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وأكثر من اشتهر باللّعب بها أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدّعوة العبّاسيّة، وأوّل من استسنّ حلقة «٦» الصيد المعتضد بالله؛ والمواضع التى توجد فيها الفهود ما يلى بلاد الحجاز إلى اليمن، وما يلى
стр. 3120
الحجاز إلى العراق، وما يلى بلاد الهند الى تبّت «١» ، وتوجد أيضا فى برّيّة عيذاب من أعمال قوص من الدّيار المصريّة.
وقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظما ونثرا؛ فمن ذلك قول أبى إسحاق الصابى فى رسالة طرديّة «٢» جاء منها: ومعنا فهود أخطف من البروق، وأسرع من السهم حين المروق؛ وأثقف «٣» من اللّيوث، وأجرى من الغيوث؛ وأمكر من الثعالب وأدبّ من العقارب؛ خمص الخصور قبّ «٤» البطون، رقش «٥» المتون؛ حمر الآماق خزر «٦» الأحداق، هرت «٧» الأشداق؛ عراض الجباه غلب «٨» الرّقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب؛ تلحظ الظّباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها؛ تتبع مرابضها وآثارها، وتشمّ روائحها وأبشارها.
стр. 3121
ومن رسالة طرديّة لضياء الدّين نصر الله بن الأثير الجزرىّ يصف فهدا بعد ان ذكر ظبيا، قال: فأرسلنا عليه فهدا سلس الضّريبه «١» ، ميمون النقيبه، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبه؛ كأنما ينظر من جمره، ويسمع من صخره، ويطأ من كلّ برثن على شفره؛ وله إهاب قد جبل «٢» من ضدّين: بياض وسواد، وصوّر على أشكال العيون فتطلّعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد؛ وهو يبلغ المدى الأقصى فى أدنى وثباته، ويسبق الفريسة ولا يقبضها إلّا عند التفاته.
وقال أحمد بن زياد بن أبى كريمة يصفها بعد أن وصف الكلب من ابيات:
بذلك أبغى الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الأكفال «٣» رحب التّرائب
مرقّقة الأذناب نمر «٤» ظهورها ... مخطّطة الاذان غلب «٥» الغوارب
стр. 3122
مدنّرة «١» ورق «٢» كأنّ عيونها ... حواجل «٣» تستوعى «٤» متون الرّواكب
اذا قلّبتها فى الحجاج «٥» حسبتها ... سنا ضرم فى ظلمة الليل ثاقب
مولّعة «٦» فطس «٧» الأنوف عوابس ... تخال على أشداقها خطّ كاتب
стр. 3123
نواصب للآذان حتّى كأنّها «١» ... مداهن، للإجراس «٢» من كلّ جانب
ذوات «٣» أشاف «٤» ركّبت فى أكفّها ... نوافذ فى صمّ الصخور نواشب
ذراب «٥» بلا ترهيف قين «٦» كأنّها ... تعقرب أصداغ الملاح الكواعب
فوارس ما لم تلق حربا، ورجلة «٧» ... إذا آنست بالبيد شهب «٨» الكتائب
стр. 3124
تروّ وتسكين يكون دريئة ... لهنّ «بذى الأسراب «١» » فى كلّ لاحب «٢»
تضاءل حتّى ما تكاد تبينها ... عيون لدى الضّبرات «٣» غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث «٤» جريها ... ضراء «٥» مبلّات «٦» بطول التّجارب
توسّد أجياد الفرائس «٧» أذرعا ... مرمّلة «٨» تحكى عناق الحبائب
وقال ابن المعتزّ:
ولا صيد إلّا بوثّابة ... تطير على أربع كالعذب «٩»
ملمّعة «١٠» من نتاج الرّياح ... تريك على الأرض شيئا عجب
стр. 3125
تضمّ الطريد إلى نحرها ... كضمّ المحبّة من لا يحب
إذا ما رآى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطب
لها مجلس فى مكان الرّديف ... كتركيّة قد سبتها العرب
ومقلتها سائل كحلها ... وقد حلّيت سبحا من ذهب
متى أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطلب
غدت وهى واثقة أنّها ... تقوم بزاد الخميس اللّجب
وقال محمد بن أحمد السّرّاج يصفه:
وأهرت «١» الشّدق فى فيه وفى يده ... ما فى الصوارم والخطّيّة الذّبل
تساهم اللّيل فيه والنهار معا ... فقمّصاه «٢» بجلباب من المقل
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلع لناظره إلّا على وجل
وقال آخر:
وأهرت «٣» الشّدق بادى السّخط مطّرح الحياء ... جهم المحيّا سيئ الخلق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة أعطته ... الرّشاء «٤» جدا «٥» من ثوبها اليقق «٦»
стр. 3126
ونقّطته حباء «١» كى يسالمها ... على «٢» المنايا نعاج «٣» الرمل بالحدق
وقال آخر:
تغاير اللّيل فيه والنهار معا ... فحليّاه بجلباب من الحدق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلع على وجهه من شدّة الحنق «٤»
ذكر ما قيل فى الكلاب
يقال: إن بين الكلب والضّبع عداوة شديدة، وذلك أنه إذا كان فى مكان مرتفع ووطئت الضّبعة «٥» ظلّه فى القمر رمى نفسه إليها مخذولا فأكلته؛ ويقال: إنّ الإنسان متى حمل لسان ضبع لم ينبح عليه كلب؛ ومتى دهن كلب بشحمها جنّ؛ وفى طبع الكلب أنه يحمى ربّه، ويحمى حريمه شاهدا وغائبا، ونائما ويقظان؛ والكلب أيقظ الحيوان عينا فى وقت حاجته «٦» الى النوم، وأنومها نهارا عند استغنائهم عن حراسته؛ ومن عجيب أمره أنه يكرم الجلّة من الناس وأهل الوجاهة؛ فلا ينبح على أحد منهم، وربّما حاد عن طريقهم [وينبح «٧» ] على الأسود والوسخ الثوب والزّرىّ الحال والصغير.
стр. 3127
وأمّا ما فى الكلب من المنافع الطيّبة
- فقد قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ بول الكلب يستعمل على الثآليل «١» ، ودم الكلب لنهوشه «٢» ولسمّ السهام «٣» الأرمنيّة «٤» ؛ وقال إبراهيم بن هرمة- رحمة الله تعالى عليه-:
أوصيك خيرا به فإنّ له ... سجيّة لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفى علىّ فى غسق الليل ... إذا النار نام موقدها
وقال أيضا:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
فصل
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فى كتاب الحيوان: وزعموا أنّ ولد الذئب [من الكلبة «٥» ] يقال له: الدّيسم، وروى لبشّار بن برد فى ديسم العنزىّ أنه قال:
أديسم يا ابن الذئب من نسل زارع ... أتروى هجائى سادرا غير مقصر
قال: وزارع، اسم الكلب، يقال للكلاب: أولاد زارع؛ قال: وزعم صاحب «٦» المنطق أنّ أصنافا أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع اختلاف الجنس والصورة
стр. 3128
معروفة النّتاج مثل الذئاب التى تسفد الكلاب فى أرض رومية «١» ؛ قال: وتتولّد أيضا كلاب سلوقيّة بين ثعالب وكلاب؛ قال: وبين الحيوان الذى يسمّى باليونانيّة «طاغريس «٢» » والكلب تحدث هذه الكلاب الهنديّة؛ قال: وليس يكون ذلك من الولادة الأولى؛ هذا ما حكاه الجاحظ عن صاحب المنطق. وحكى الجاحظ عن بعض البصريّين عن بعض أصحابه، قال: وزعموا أنّ النّتاج الأوّل يخرج صعبا وحشيّا لا يلقّن ولا يؤلّف؛ وزعم لى بعضهم عن رجل من أهل الكوفة من بنى تميم أنّ الكلبة تعرض لهذا السبع حتى تلقح، ثم تعرض لمثله مرارا حتى يكون جرو البطن الثالث قليل الصعوبة يقبل التلقين، وأنّهم يأخذون إناث الكلاب ويربطونها فى تلك البرارىّ، فتجىء هذه السباع فتسفدها، قال: وليس فى الأرض أنثى يجتمع على حبّ سفادها، ولا ذكر يجتمع له من النّزاع «٣» إلى سفاد الأجناس المختلفة أكثر فى ذلك من الكلب والكلبة؛ وقال: اذا ربطوا هذه الكلاب الإناث فى تلك البرارىّ، فإن كانت هذه السباع هائجة سفدتها، وإن لم تكن السباع هائجة فالكلبة مأكولة؛ قال الجاحظ: ولو تمّ للكلب معنى السّبع وطباعه ما ألف الإنسان واستوحش «٤» من السّبع، وكره الغياض، وألف الدّور، واستوحش من البرارىّ
стр. 3129
وجانب القفار، وألف المجالس والدّيار؛ ولو تمّ له معنى البهيميّة فى الطبع والخلق والغذاء ما أكل الحيوان، وكلب «١» على الناس، نعم حتّى ربّما وثب على صاحبه؛ وذكر من معايب الكلب وذمّه، فقال: إنّه حارس محترس منه، ومؤنس شديد الإيحاش من نفسه، وأليف كثير الجناية «٢» على إلفه، وانما قبلوه «٣» حين قبلوه على أن ينذرهم بموضع السارق، وتركوا طرده لينبّههم على مكان المبيّت «٤» ، وهو أسرق من كلّ سارق، وأدوم جناية من ذلك المبيّت»
، فهو سرّاق وصاحب بيات، وأكّال للحوم الناس إلّا أنّه يجمع «٦» سرقة الليل مع سرقة النهار، ثم لا تجده أبدا يمشى فى خزانة «٧» أو مطبخ أو فى عرصة دار أو فى طريق أو برارىّ، أو على ظهر جبل أو فى بطن واد إلّا وخطمه «٨» أبدا فى الأرض يشمّم ويستروح؛ وإن كانت الأرض بيضاء حصّاء «٩» ، أو دوّيّة «١٠» ملساء، أو صخرة خلقاء «١١» ، حرصا وجشعا، وشرّها وطمعا، نعم حتّى
стр. 3130
تجده أيضا لا يرى كلبا إلّا شمّ استه، ولا يشمّ غيرها منه، ولا تراه يرمى بحجر أبدا إلّا رجع إليه فعضّ عليه، لأنه لمّا كان لا يكاد يأكل إلّا شيئا رموا به اليه صار ينسى لفرط شرهه وغلبة الجشع على طبعه أنّ الرامى إنما «١» أراد عقره أو قتله، فيظنّ لذلك أنه إنّما أراد إطعامه والإحسان اليه، كذلك يخيّل اليه فرط النّهم، وتوهمه غلبة الشّره، ولكنّه رمى «٢» بنفسه على الناس عجزا ولؤما، وفسولة «٣» ونقصا، وخاف السباع واستوحش من الصّحارى؛ وسمعوا بعض المفسّرين يقول فى قوله : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)
: إنّ المحروم هو الكلب؛ وسمعوا فى المثل:
«اصنع المعروف ولو إلى كلب» ، فلذلك عطفوا عليه، واتّخذوه فى الدّور، على أنّ ذلك لا يكون إلّا من سفلتهم وأغبيائهم، ومن قلّ تقزّزه «٤» ، وكثر جهله، وردّ الآثار إمّا جهلا وإمّا معاندة؛ ووصف «٥» فى ذمّه ومعايبه ما ذكره صاحب الدّيك من ذمّ الكلاب، وتعداد أصناف معايبها ومثالبها، من لؤمها وخبثها «٦» وضعفها وشرهها وغدرها وبذائها وجهلها وتسرّعها ونتنها وقذرها، وما جاء فى الآثار من النّهى
стр. 3131
عن اتّخاذها وإمساكها، ومن الأمر بقتلها وإطرادها «١» ، ومن كثرة جناياتها وقلّة ودّها «٢» ، وضرب المثل بلؤمها ونذالتها وقبحها وسماجة نباحها وكثرة أذاها وتقذّر «٣» المسلمين من دنوّها «٤» ، وأنّها تأكل لحوم الناس، وأنّها مطايا الجنّ، ونوع من المسخ، وأنّها تنبش القبور، وتأكل الموتى، وأنّها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس، إلى غير ذلك من مساويها، ثم ذكر قول من عدّد محاسنها وصنّف مناقبها وأخذ فى ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها وتفدية الرجال لها، وذكر كسبها وحراستها ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التى فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة والفطنة العجيبة، والحسّ اللّطيف، والأدب المحمود، وصدق الاسترواح، وجودة الشّمّ، وذكر حفظها وإتقانها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللّئام، وصبرها على الجفاء، واحتمالها للجوع، وشدّة منّتها «٥» وكثرة يقظتها، وعدم «٦» غفلتها، وبعد أصواتها، وكثرة نسلها، وسرعة قبولها ولقاحها مع «٧» اختلاف طبائع ذكورتها «٨» والذّكورة «٩» من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها
стр. 3132
وتردّدها فى أصناف السّباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وغير ذلك من محاسنها؛ وأورد ذلك بألفاظ طويلة، وأدلّة كثيرة، واستطرادات يطول الشرح فى ذكرها فأضربنا عن ذلك رغبة فى الاختصار؛ فلنذكر ما يحتاج الكاتب الى الاطّلاع عليه ويدور فى ألفاظ الكتّاب من وصف كلاب الصّيد، التى لا بدّ للكاتب من معرفة جيّدها وأفعالها، ليضمّنه ما يصدر عنه من الرسائل الطّرديّة، فنقول: دلائل النّجابة والفراهة «١» فيها تعرف من خلقتها وألوانها ومولدها.
أمّا فى الخلقة
- فقد قالوا: طول ما بين اليدين والرجلين، وقصر الظّهر وصغر الرأس، وطول العنق، وغضف «٢» الأذنين، وبعد ما بينهما، وزرقة «٣» العينين ونتوء الجبهة وعرضها، وقصر اليدين.
وأمّا فى الألوان
، فإنه يقال: السّود أقلّ صبرا على الحرّ والبرد، والبيض أفره اذا كنّ سود العيون؛ وقد قال قوم: إنّ السّود أصبر على البرد وأقوى.
وأمّا فى ولادتها
- فإنه يقال: إذا ولدت الكلبة جروا واحدا كان أفره «٤» من أبويه، وإن ولدت ذكرا وأنثى كان الذكر أفره «٥» ، وإن ولدت ثلاثة فيها أنثى شبه الأمّ كانت أفره «٦» الثلاثة، وإن كان فى الثلاثة ذكر واحد فهو أفره «٧» .
стр. 3133
ذكر شىء ممّا وصفت به كلاب الصيد نثرا ونظما
قال أبو إسحاق الصّابى يصفها من رسالة طرديّة: ومعنا كلّ كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب؛ حلو الشمائل، نجيب المخايل؛ حديد الناظرين، أغضف «١» الأذنين، أسيل الخدّين، مخطف «٢» الجنبين؛ عريض الزّور «٣» ، متين الظّهر؛ أبىّ النفس، ملهب الشدّ؛ لا يمسّ الأرض إلّا تحليلا «٤» وإيماء، ولا يطؤها إلّا إشارة وإيحاء.
وقال بعض الشعراء:
أبعث كلبا يكسر اليحمورا «٥» ... مجرّبا مدرّبا صبورا
يأنف أن يشاكل الصّقورا ... منفردا بصيده مغيرا
ذا شية تحسبها حريرا ... قد حبّرت نقوشها تحبيرا
إذا جرى حسبته المقدورا ... يكاد للسرعة أن يطيرا
حتفا «٦» لما عنّ له مبيرا «٧» ... أعجز أن أرى له نظيرا
стр. 3134
وقال أبو نواس:
هجنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسف «١» المقود من جذابه «٢»
كأنّ متنيه لدى انسلابه «٣» ... متنا شجاع «٤» لجّ فى انسيابه
كأنّما الأظفور فى قنابه «٥» ... موسى صناع ردّ فى نصابه «٦»
تراه فى الحضر «٧» إذا هاهى «٨» به ... يكاد أن يخرج من إهابه
ترى سوام الوحش إذ تحوى به ... يرحن أسرى ظفره ونابه
وقال أيضا:
كأنّ لحييه «٩» لدى افتراره «١٠» ... شكّ «١١» مسامير على طواره «١٢»
стр. 3135
سمع «١» إذا استروح «٢» لم تماره ... إلّا بأن يطلق من عذاره
فانصاع «٣» كالكوكب فى انحداره ... لفت المشير موهنا «٤» بناره
شدّا «٥» إذا أخصف «٦» فى إحضاره ... خرّق أذنيه شبا أظفاره.
وقال بعض الأندلسيّين «٧» :
[وأغضف «٨» تلقى أنفه فكأنّما ... يقود به نور من الصبح أنور]
إذا ألهبته شهوة الصّيد طامعا ... رأيت عقيم الرّيح عنه تقصّر
стр. 3136
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:
ومورّس «١» السربال يخلع قدّه «٢» ... عن نجم رجم فى سماء غبار
يستنّ فى سنن الطريق وقد عفا ... قدما فيقرأ أحرف الآثار
عطف الضّمور سراته «٣» فكأنّه ... والنّقع يحجبه هلال سرار «٤»
يفترّ عن مثل النّصال وإنّما ... يمشى على مثل القنا الخطّار
وقال آخر:
ومؤدّب الآساد يمسك صيده ... متوقّفا «٥» عن أكله كالصائم
صبّ «٦» اذا ما صاد عانق صيده ... طرب المقيم إلى لقاء القادم
стр. 3137
وقال آخر:
وما الظّبى منه فى حشاشة «١» نفسه ... ولكنّه كالطفل فى حجر أمّه
يلازمه دون اخترام «٢» كأنّما ... تعلّق خصم عند قاض بخصمه
وقال ابن المرغرىّ «٣» النصرانىّ الأندلسىّ منشدا:
لم أر ملهّى لذى اقتناص ... ومكسبا مقنع الحريص
كمثل خطلاء «٤» ذات جيد ... أتلع «٥» مصفرّة القميص
كالقوس فى شكلها ولكن ... تنفذ كالسهم للقنيص
لو أنّها تستثير برقا ... لم يجد البرق من محيص
محبولة «٦» الظهر لم يخنه ... لحوق بطن به خميص
اتّخذت أنفها دليلا ... قاد إلى الكانس العويص
стр. 3138
وكلبة «١» تاهت على الكلاب ... بجلدة صفراء كالزّرياب «٢»
تنساب مثل الحيّة المنساب «٣» ... كأنّها تنظر من شهاب «٤»
وقال أحمد بن زياد بن أبى كريمة يصف كلب صيد من قصيدة طويلة، أوّلها:
وغبّ غمام مزّقت عن سمائه ... شآمية «٥» حصّاء جون السحائب «٦»
مواجه «٧» طلق لم يردّد جهامه ... تذاؤب «٨» أرواح الصّبا والجنائب
بعثت وأثواب الدّجى قد تقلّصت ... بغرّة مشهور من الصبح ثاقب
стр. 3139
وقد لاح ناعى الليل حتّى كأنّه ... لسارى الدجى فى الفجر قنديل راهب
بها ليل «١» لا يثنيهم عن عزيمة ... وإن كان جمّ الرّشد لوم «٢» الأقارب
لتجنيب «٣» غضف كالقداح لطيفة ... مشرّطة «٤» آذانها بالمخالب
تخال سياطا فى صلاها «٥» منوطة ... طوال الهوادى «٦» كالقداح الشوازب «٧»
اذا افترشت خبتا «٨» أثارت بمتنه ... عجاجا وبالكذّان «٩» نار الحباحب «١٠»
стр. 3140
تفوت خطاها الطّرف سبقا كأنّها ... سهام مغال «١» أو رجوم الكواكب
طراد الهوادى «٢» لاحها «٣» كلّ شتوة ... بطامسة الأرجاء مرت «٤» المسارب
تكاد من الأحراج «٥» تنسلّ كلّما ... رأت شبحا لولا اعتراض المناكب
تسوف «٦» وتوفى كلّ نشز «٧» وفدفد «٨» ... مرابض «٩» أبناء النّفاق «١٠» الأرانب
كأنّ بها ذعرا يطير قلوبها ... أنين المكاكى «١١» أو صرير الجنادب
стр. 3141
تدير عيونا ركّبت فى براطل «١» ... كجمر الغضى خزرا «٢» ، ذراب الأنايب «٣»
إذا ما استحثّت لم يجن «٤» طريدها ... لهنّ ضراء «٥» أو مجارى المذانب «٦»
وإن باصها «٧» صلتا «٨» مدى الطّرف أمسكت ... عليه بدون الجهد سبل المذاهب
تكاد تفرّى «٩» الأهب عنها إذا انتحت ... لنبأة «١٠» شخت «١١» الجرم عارى الرواجب «١٢»
стр. 3142
كأنّ غصون الخيزران متونها ... إذا هى جالت فى طراد الثّعالب
كواشر عن أنيابهنّ كوالح ... مذلّقة «١» الآذان شوس «٢» الحواجب
كأنّ بنات القفر «٣» حين تفرّقت ... غدون عليها بالمنايا الشواعب
ذكر ما قيل فى الذئب
والذئب له أسماء نطقت بها العرب، ذكره ذئب، والأنثى ذئبة وسلقة وسيدانة «٤» ، ويكنى أبا جعدة، ومن أسمائه: نهشل، وأويس، وذؤالة، وأشبة، ونشبة، وكساب، وكسيب «٥» ، والعسعاس، والعسّاس، والخيعل، والعملّس، والطّملّ «٦» ، والشّيذمان «٧» ، والشّيمذان، والخيتعور، والقلّيب، والعلّوش، ورئبال، والسّرحان
стр. 3143
ومصدّر، والعسول، والنّسول، والخاطف، والأزلّ، والأرسح: القليل لحم الوركين، والعمرّد. ويقال لولد الذئب: جرموز، والأنثى: جعدة «١» .
ويقال: إن الذئب إذا لم يجد ما يأكله استعان بإدخال النسيم فى فيه، فيقتات به؛ وجوفه يذيب العظم، ولا يذيب نوى التمر؛ وقال بعض من اعتنى بسرّ طبائع الحيوان: إنه لا يلتحم عند السّفاد إلا الذئب والكلب، وهو يسفد مضطجعا على الأرض، وذكره عظم؛ والذئب موصوف بالانفراد والوحدة وشدّة التوحّش؛ وإذا خفى عليه موضع الغنم عوى ليؤذنهم بمكانه، ويعلمهم بقربه، فاذا حضرت الكلاب إلى الناحية التى هو فيها راغ عنها الى جهة الغنم التى ليس فيها كلب؛ وهو لا يعود إلى فريسة بعد أن يشبع منها؛ وهو ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى، فإذا اكتفت النائمة وأخذت حقّها من النوم فتحها ونام بالأخرى؛ فهذا أبدا دأبه فى نومه؛ وهو قوىّ حاسّة الشّمّ، قيل: إنّه يشمّ من فرسخ؛ وأكثر ما يعترض الغنم وقت الصبح عند توقّعه فترة الكلاب ونومها؛ ومن عادة الذئاب أنّه إذا افترس ذئبان شاة قسماها على شطرين بينهما بالسويّة؛ والذئب إذا وطئ ورق العنصل «٢» مات لوقته؛ وبينه وبين الغنم معاداة عظيمة، فمنها أنّه إذا جمع بين وتر عمل من أمعاء ذئب وبين أوتار عملت من أمعاء الغنم وضرب بها
стр. 3144
لا يسمع لها صوت؛ واذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعّط «١» جلد الشاة؛ والذئب إذا كدّه الجوع عوى، فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض، فمن ولّى منها وثب الباقون عليه فأكلوه، وهو إذا تعرّض لإنسان وخاف العجز عنه عوى، فيسمعه غيره من الذئاب، فتقبل على الإنسان، فإذا أدمى الإنسان منها واحدا وثب الباقون على المدمى فمزّقوه وتركوا الإنسان، ولذلك قال بعض الشعراء «٢» يعاتب صديقا له أعان عليه فى مصيبة نزلت به:
وكنت كذئب السوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أعان على الدّم
والذئب لا يواجه الإنسان، وإنما يأتيه من ورائه، فإن وجد الإنسان ما يسند ظهره إليه عجز الذئب عن افتراسه.
وقد وصف الشعراء الذئب بما ذكرناه من عادته وطبعه، فقال حميد بن ثور:
ونمت كنوم الذئب عن ذى حفيظة ... أكلت طعاما دونه وهو جائع
ترى طرفيه يعسلان «٣» كليهما «٤» ... كما اهتزّ عود النّبعة المتتابع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
وقال إبراهيم بن خفاجة:
ولربّ روّاغ هنالك أنبط «٥» ... ذلق «٦» المسامع أطلس «٧» الأطمار
стр. 3145
يجرى على حذر فيجمع بسطه «١» ... يهوى فينعطف انعطاف سوار
والعرب تقول فى أمثالها: «أحمق من جهيزة» قالوا: وجهيزة عرس الذئب، لأنّها تدع ولدها وترضع ولد الضّبع «٢» ، وهو معنى قول ابن جذل «٣» الطّعان:
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا
وقول الآخر:
كانوا كتاركة بنيها جانبا ... سفها وغيرهم تربّ وترضع
ويقولون: إنّ الضّبع إذا قتلت أو صيدت فإنّ الذئب يأتى أولادها باللّحم وأنشدوا قول الكميت:
كما خامرت فى حضنها «٤» أمّ عامر ... لدى الحبل «٥» حتّى عال «٦» أوس عيالها
وأوس، هو الذئب كما تقدّم «٧» فى أسمائه.
стр. 3146
ذكر ما قيل فى الضبع
يقال: إنّ الضّبع كالأرنب، تكون مرّة «١» ذكرا ومرّة «٢» أنثى، وهم يسمّون الذكر والأنثى: الضبع «٣» والذّيخ «٤» ، ومن أسمائها: حضاجر، وجيأل، وجعار، وقثام، ونقاث، والعرفاء، لطول عرفها، والعثواء لنفول «٥» شعرها، والعرجاء، والخامعة، وأمّ عامر وأمّ هنبر «٦» ، وأمّ خنّور؛ وولدها الفرعل؛ وحجرها الوجار. والضبعة «٧» مولعة بنبش القبور، وإنّما ذلك لشهوتها فى لحوم الناس؛ ومن عاداتها إذا كان القتيل بالعراء وورم وانتفخ ذكره تأتيه فتركبه وتقضى حاجتها منه، ثم تأكله؛ وهى متى رأت إنسانا نائما حفرت تحت رأسه، فاذا مال رأسه وظهر حلقه ذبحته بأسنانها، وشربت دمه؛ وهى فاسقة، لا يمرّ بها حيوان من نوعها إلّا تعرّضت له حتّى يعلوها؛
стр. 3147
والعرب تضرب المثل بها فى الفساد، فإنّها إذا وقعت فى الغنم عاثت، ولم تكتف بما يكتفى به الذئب؛ وإذا اجتمع الذئب والضّبع فى الغنم سلمت، فإنّ كلّ واحد منهما يمنع صاحبه، ولذلك تقول العرب فى دعائها للغنم: «اللهمّ ضبعا وذئبا» ؛ والضبع إذا وطئت ظلّ الكلب فى القمر وهو على سطح وقع فتأكله؛ وإذا دخل الرجل وجارها ولم يسدّ منافذ الضوء، ثمّ صار إليها من الضياء ولو بقدر سمّ الخياط، وثبت إليه فقتلته؛ وان أخذ معه حنظلا أمن سطوتها؛ وتوصف بالحمق والموق «١» ، وذلك لأنّ من يريدون صيدها يقفون على باب وجارها ويقولون: «أطرقى أمّ طريق «٢» ، خامرى «٣» أمّ عامر» فاذا سمعت كلامهم انقبضت، فيقولون: «ابشرى بكمر «٤» الرّجال، ابشرى بشاء هزلى وجراد عظلى «٥» » وهم مع ذلك يشدّون يديها ورجليها وهى ساكنة لا تتحرّك، ولو شاءت لأجهزت عليهم وقتلتهم وخلّصت نفسها؛ وهذا
стр. 3148
القول فيما أظنّ من خرافات العرب؛ والضبع تلد من الذئب جروا «١» يسمّى العسبار، ويكون منفردا بنفسه، لا يألف السّباع، ويثب على الناس والدوابّ؛ وهى توصف بالعرج، وفيها يقول بعض الأعراب «٢» :
من العثو «٣» لا يدرى أرجل شمالها ... بها الظّلع «٤» لمّا هرولت أم يمينها
ذكر ما قيل فى النّمس
والعرب تسمّى النّمس الظّربان، وسمّاه أبو عبيد «٥» الظّرباء «٦» ؛ وهو على قدر الهرّ، وفى قدر الكلب القلطىّ «٧» ؛ وهو منتن الرّيح ظاهرا وباطنا، ولونه إلى الشّبهة، طويل الخطم «٨» جدّا، وليس له أذنان إلّا صماخان، قصير اليدين، وفيهما براثن حداد، طويل الذّنب، ليس لظهره فقار، ولا فيه مفصل، بل عظم واحد من مفصل
стр. 3149
الرأس إلى مفصل الذّنب، وربّما ضربه من ظفر به من الناس بالسيف فلا يعمل فيه حتى يصيب طرف أنفه، لأنّ جلده فى قوّته كالقدّ؛ ولفسوه ريح كريهة حتّى إنّه يصيب الثوب فلا تذهب رائحته منه حتّى يبلى، وهو يفسو فى الهجمة «١» من الإبل فتتفرّق ولا تجتمع لراعيها إلّا بعد تعب؛ والعرب تضرب المثل فى تفريق الجماعات به، فيقولون: «فسا بينهم الظّربان» ؛ وهو لأهل مصر كالقنافذ لأهل سجستان فى قتله الثعابين؛ قالوا: ولو لاه لأكلتهم؛ ومن عادته أنّه إذا رأى الثعبان دنا منه ووثب عليه، فاذا أخذه تضاءل فى الطول حتّى يبقى شبيها بقطعة حبل، فينطوى الثعبان عليه، فاذا انطوى نفخ الظّربان بطنه ثمّ زفر زفرة فيتقطّع الثعبان قطعا؛ قال الجاحظ: وفسو الظّربان أحدّ أسلحته، لأنّه يدخل على الضّبّ فى حجره وفيه حسوله «٢» وبيضه، فيأتى أضيق موضع فى الحجر فيسدّه بيده، ويحوّل دبره فلا يفسو ثلاث فسوات حتّى يخرّ الضّبّ سكران مغشيّا عليه، فيأكله؛ وله جراءة على تسلّق الحيطان فى طلب الطير، فان هو سقط نفخ بطنه حتّى يمتلئ جلده، فلا يضرّه السقوط؛ قالوا: وهو يشبه السّمّور «٣» ، وذهب بعضهم إلى أنّه هو، وإنّما البقعة التى هو فيها غيّرت وبره.
стр. 3150
الباب الثالث من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى السّنجاب والثعلب والدّبّ والهرّ والخنزير
فأما السّنجاب
- فهو حيوان معروف، حسن الوبر، ظهره أزرق اللّون، وبطنه أبيض، ومنه ما يكون ظهره أحمر، وهو ردىء الجنس؛ مبخوس الثّمن؛ وهذا الحيوان سريع الحركة، فاذا أبصر الانسان صعد الشجرة العالية، وهى مأواه؛ وهو كثير ببلاد الصّقالبة والخزر، «ومزاجه بارد رطب، وقيل «١» : حارّ رطب لسرعة حركته» ؛ قال أبو الفرج الببغاء:
قد بلونا الذّكاء فى كلّ ناب «٢» ... فوجدناه صنعة السّنجاب
حركات تأبى السكون وألحا ... ظ حداد كالنار فى الالتهاب
خفّ جدّا على النفوس فلوشا ... ء ترامى «٣» مجاورا للتصابى
واشتهت قربه العيون إلى أن ... خلته عندها أخا للشباب
لابس جلدة إذا لاح خلنا ... بها فى مزرّة «٤» من سحاب
لو غدا كلّ ذى ذكاء نطوقا ... ردّ فى ساعة الخطاب جوابى
стр. 3151
ذكر ما قيل فى الثعلب
هو ذو مكر وخديعة وتحيّل فى طلب الرزق، فمن تحيّله أنّه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه، حتّى يظنّ به أنه قد مات، فاذا قرب منه حيوان وثب عليه فصاده؛ ومنه أنه إذا دخل برج الحمام وكان شبعان قتلها ورمى بها، فاذا جاع عاد «١» إليها فأكلها، وكذلك يفعل مع الدّجاج؛ وهو أيضا من الحيوان الذى سلاحه سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى «٢» ، فاذا تعرّض للقنفذ لقيه القنفذ بشوكه واستدار كالكرة، فيسلح الثعلب عليه، فلا يتمالك القنفذ أن ينسدخ «٣» ، فيقبض الثعلب على مراقّ «٤» بطنه؛ ومن ظريف ما يحكى عنه أنّ البراغيث إذا كثرت فى فروته تناول صوفة بفمه، ثم يدخل النهر برفق وتدريج، والبراغيث تصعد إذا قاربها الماء حتّى تجتمع فى تلك الصوفة التى فى فيه، فعند ذلك يلقيها فى الماء ويخرج منه؛ والذئب يطلب أولاد الثعلب، فإذا ولد له وضع ورق العنصل «٥» على باب وجاره فلا يصل الذئب إليه، لأنّه متى وطئ العنصل «٦» مات لوقته؛ ويقال: إنّ قضيب الثعلب فى خلقة الأنبوب، وأحد شطريه عظم، والآخر عصب ولحم؛ وربّما
стр. 3152
يسفد الثعلب الكلبة فتأتى منه بولد فى خلقة السّلوقىّ الذى لا يقدر على مثله؛ وفرو الثعلب من أجود الأوبار وأفضلها، ومنه الأسود والأبيض والخلنجىّ «١» ، وأدونه الأعرابىّ لقلّة وبره، وما كان منه ببلاد الترك يسمّى البرطاسىّ «٢» لكثافة وبره وحسن لونه، ووبره أنواع، منها السار سينا «٣» [والبرطاسىّ «٤» والغبب «٥» والنيفق «٦» ؛ قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا «٧» ] : والثعلب فيه تحليل، وفراؤه أسخن الفراء، تنفع المرطوبين لتحليلها [آلات المفاصل «٨» ] ؛ قال: واذا طبخ الثعلب فى الماء وطليت به المفاصل الوجعة نفع نفعا جيّدا، وكذلك الزيت الذى يطبخ فيه حيّا أو مذبوحا فإنّه يحلّل ما فى المفاصل، وشحمه يسكّن وجع الأذن إذا قطر فيها؛ ورئته المجفّفة نافعة لصاحب الرّبو جدّا، والشّربة منها وزن درهمين «٩» [والله أعلم بالصواب «١٠» ، وإليه المرجع] [والمآب] .
стр. 3153
قال أبو الفرج الببغاء يصفه:
وأعفر المسك تلقاه فتحسبه ... من أدكن «١» الخزّ مخبوء بخيفان «٢»
كأنّ أذنيه فى حسن انتصابهما ... إذا هما انتصبا للحسّ «٣» زجّان «٤»
يسرى ويتبعه من خلفه ذنب ... كأنّه حين يبدو ثعلب ثانى
فلا يشكّ الذى بالبعد يبصره ... فردا بأنّهما فى الخلقة اثنان
وقال آخر:
جاؤا بصيد عجب من العجب ... أزيرق العينين طوّال «٥» الذنب
تبرق عيناه إلى ضوء الشّهب
стр. 3154
ذكر ما قيل فى الدّبّ
والدّبّ مختلف الطبائع، يأكل ما تأكله السّباع، ويرعى ما ترعاه الدوابّ، ويتناول ما يأكله الناس؛ وفى طبعه أنّه إذا كان أوان السّفاد خلا كلّ ذكر بأنثاه، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة على الأرض، وهى تضع جروها فدرة لحم غير مميّز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى آخر خوفا عليه من النّمل، وهى مع ذلك تلحسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفّس، وفى ولادتها صعوبة، فيزعم بعض من فحص عن طبائع الحيوان أنّ الدّبّة تلد من فيها، وأنّها إنّما تلده ناقص الخلق شوقا إلى الذّكر وحرصا على السّفاد، وهى لشدّة شهوتها تدعو الآدمىّ الى وطئها؛ وفيما حكى لى أنّ إنسانا كان سائرا فى بعض الغياض لمقصده، فصادف دبّة، فأخذته وأومأت إليه بالإشارة أن يواقعها، ففهم عنها وفعل، فلمّا فرغ عمدت الى أقدامه فلحست مواطئها حتّى نعمت «١» ، ولم تزل تكرّر لحسها وتمرّ بلسانها عليها حتّى بقى الرجل يعجز عن الوطء بها على الأرض، فعند ذلك أمنت هربه وتركته، فكانت تغدو وتتكسّب وترجع إليه بما يأكله وهو يواقعها، وهى تتعاهد «٢» لحس رجليه، فلم يزل كذلك حتّى مرّ عليه جماعة من السّفر، فناداهم، فأتوه وحملوه على دوابّهم وساروا به. قالوا:
والأنثى اذا هربت من الصيّادين جعلت جراءها بين يديها، فإذا اشتدّ خوفها عليهم بأن أدركها من يطلبها صعدت بأولادها إلى الأشجار؛ وفى الدّبّ من القوّة والشدّة ما يقطع العود الضخم من الشجرة العاديّة «٣» التى لا تقطعها الفأس إلّا بعد تعب،
стр. 3155
ثم يأخذه بيديه، ويقف على قدميه كالإنسان، ويشدّ به على الفارس، فلا يصيب شيئا إلا أهلكه «١» ؛ وفى طبع هذا الحيوان من الفطنة العجيبة لقبول التأديب والتعليم ما هو مشاهد لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، هذا مع عظم جثّته، وثقل جسمه، لكن لا يطيع معلّمه إلّا بعنف وضرب شديد وتعمية لذكوره؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا: إنّ دم الدّبّ ينضج الأورام الحارّة سريعا؛ والله أعلم بالصواب.
ذكر ما قيل فى الهرّ
والهرّ ضربان: وحشىّ وأهلىّ، وهو يشبه الأسد فى الصورة والأعضاء والوثوب والافتراس والعدو، إلّا أنّه أقلّ جراءة من الأسد وأكثرها من سائر الحيوان؛ وهو يناسب الانسان فى أحوال، منها: أنّه يعطس ويتثاءب ويتمطّى، ويتناول الشىء بيده، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه؛ وفيه «٢» أنّ الأنثى تحدث لها قوّة وشجاعة عند السّفاد، ولهذا فإنّ الذكر يهرب منها عند فراغه، وتكون هذه الشجاعة فى الذّكر قبل السّفاد، فاذا سفد انتقلت إلى الأنثى، والذّكر إذا هاج صرخ صراخا منكرا يؤذى به من يسمعه لبشاعته؛ والأنثى تحمل فى السنة مرتين، ومدّة حملها خمسون يوما، وفى أخلاق بعضها أنّها اذا ولدت تأكل أولادها، ويقال: إنّها إنّما تأكلهم لفرط حبّها لهم؛ وقيل: بل من جنون يعرض لها عند الولادة وجوع؛ والله أعلم؛ وفى هذا الحيوان من الأخلاق الحميدة أنّه يرعى حقّ
следующие страницы →