Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
وأمّا كيفيّة عملها [وأخذ «١» ] أجزائها
- فهو أن يأخذ من المسك الجيّد أوقيّة فيسحقه برفق لئلّا يحترق من شدّة السّحق، ثم ينخله بمنخل شعر صفيق «٢» وإن أمكن نخله من غير سحق فهو أجود، ثمّ يأخذ من العنبر الطّيب نصف أوقيّة فيذوّبه فى مدهن على ألطف ما يكون من النار، فاذا كاد يذوب قطّر عليه شيئا من دهن البان المطيّب، ثم ينزله بعد أن يذوب، ويعتبره بأنامله، فإن كان فيه رمل أخرجه، ثم يلقيه على المسك فى الصّلاية؛ ويحذر أن يكون العنبر حارّا فإنّ حرارته تفسد المسك؛ ثم يسحق الجميع فى الصّلاية برفق حتّى يمتزج العنبر بالمسك، ويجردهما بصفيحة ذهب لطيفة، ولا يجردهما بنحاس ولا بحديد فإنّهما يفسدانهما، ثم يرفع الغالية بالبان على حسب ما يحبّ من رقّتها أو ثخنها؛ وليس للبان حدّ يوقف عنده. وإن أراد أن يجعل المسك مثل العنبر أو دونه فعل. هذا ما ذكره الزّهراوىّ فى الغالية. وقد ذكر محمد بن أحمد التّميمىّ فى كتابه المترجم (بجيب العروس) فى باب الغوالى كثيرا منها، نذكر من ذلك ما كان يعمل للخلفاء والملوك والأكابر.
فمن ذلك غالية من غوالى الخلفاء
عن أحمد بن أبى يعقوب: يؤخذ من المسك التّبّتىّ النادر مائة مثقال، يسحق بعد تنقيته من أكراشه وشعره، وينخل بعد السّحق بالحرير الصّينىّ الصّفيق، ويعاد سحقه ونخله، ويكرّر «٣» حتى يصير كالغبار؛
стр. 4027
ثم يؤخذ تور «١» مكّىّ أو زبديّة «٢» صينىّ، فيجعل فى أيّهما حضر من البان الجيّد النادر قدر الكفاية، ويقطّع فيه من العنبر الشّحرىّ الأزرق الدّسم خمسون مثقالا وترفع الزّبديّة بما فيها من البان والعنبر على نار فحم ليّنة لا دخان لها ولا رائحة فتفسده، ويحرّك بملعقة من ذهب أو فضة حتى يذوب العنبر، ثم ينزله عن النار، فإذا فتر طرح المسك فيه، ويضرب باليد ضربا جيّدا حتى يصير جزءا واحدا، ثم يرفع ذلك فى إناء من الذهب أو الفضّة، وليكن ضيّق الرّأس ليمكن تصميمه، أو فى برنيّة زجاج نظيفة، ويسدّ رأسها بصمامة حرير صينىّ محشوّة بالقطن، لئلّا يتصاعد ريحها. قال: فهذه أجود الغوالى كلّها، وإن جعل العنبر نظير المسك فلا بأس. وهذه الغالية المتساوى فيها المسك والعنبر كانت تعمل لحميد الطّوسىّ «٣» ؛ وكانت تعجب المأمون جدّا؛ وكانت هذه الغالية تعمل لأمّ جعفر، إلّا أنّهم كانوا يضيفون الى البان نظير ربعه من دهن الزّنبق «٤»
стр. 4028
الرّصافىّ «١» النّيسابورىّ؛ وكانوا يصنعون هذه الغالية لمحمد بن سليمان، إلّا أنّهم كانوا يجعلون مع البان والزّنبق شيئا من دهن البلسان «٢» الخالص؛ وكانوا أيضا يصنعون لأمّ جعفر غالية يسمّونها غالية العنبر، وذلك أنّهم يجعلون لكلّ ثلاثة أجزاء من المسك عشرة أجزاء من العنبر، وترتيب عملها كما تقدّم.
غالية حجّاجيّة تسمّى الساهريّة «٣»
يؤخذ من المسك التّبّتىّ عشرة مثاقيل، ومن العنبر عشرة مثاقيل، ومن العود الهندىّ المسحوق مثقال واحد، ومن الزّعفران مثقال واحد؛ فيحلّ العنبر بدهن البان الكوفىّ الجيّد ودهن الزّنبق النّيسابورىّ، فإذا ذاب العنبر ينزل عن النار
стр. 4029
ويترك حتّى يفتر؛ ثم يلقى المسك المسحوق المنخول والعود والزّعفران عليه ويضرب «١» ضربا جيّدا محكما، وربّما فتق «٢» بشىء من الكافور، ويرفع فى ظرف ويسدّ رأسه كما تقدّم؛ والله أعلم بالصّواب.
غالية هشام بن عبد الملك- وهى غالية صفراء
يؤخذ من السّنبل «٣» العصافير وزن أربعة دراهم، ومن الصّندل المقاصيرىّ «٤» ثلاثة دراهم، ومن العود الهندىّ الجيّد أوقيّتان؛ وتدقّ هذه الأصناف، وتنخل بحريرة، وينعّم سحقها بعد النّخل، وتلقى عليها من الزعفران القمّىّ «٥» المطحون أوقيّة منخولة بحريرة، ويخلط جميع ذلك، ثمّ يؤخذ الزّبيب الطائفىّ والمرزنجوش «٦» الرّطب
стр. 4030
والنّمّام «١» الرّطب، فتنقع الثلاثة ليلة فى ماء وتمرس وتصفّى وتعجن بها الأخلاط أو تعجن بطلاء عتيق عجنا جيّدا، وتلصق فى باطية «٢» ، وتبخّر بالنّدّ ثلاثة أيّام، وتقلّب كلّ سبع تبخيرات مرّة؛ ثم يؤخذ لها من السّكّ «٣» المثلّث أو المنصّف خمسة عشر مثقالا فتسحق سحقا جيّدا، وتنخل بحريرة، ويؤخذ نصف السّكّ وتعجن به وهو رطب
стр. 4031
ثم يقرّص «١» ويترك ثلاثة أيّام فى الظّلّ، ولا يدنيه من الشمس، فإذا جفّ يسحق فى صلاية، وينخل بحريرة؛ ثمّ يذاب له من العنبر الأزرق أوقيّة ببان الغالية المرتفع الجيّد، وتلقى عليه بقيّة السّكّ وتلك الأخلاط، ويضرب؛ ثم تلقى عليه أوقيّة ونصف من المسك التّبّتىّ المسحوق المنخول بالحريرة، ويضرب فيه بالأصابع حتّى يختلط، ثمّ يوعى، ويحكم سدّه كما تقدّم.
صفة غالية أخرى من كتاب محمّد بن العبّاس
يؤخذ من العود الهندىّ الجيّد المطحون المنخول عشرة دراهم، فيجعل فى قدح ويصبّ عليه ماء ورد، ويسحق به، ويسقى ماء الورد ثلاث مرّات، ثم يؤخذ من سكّ المسك خمسة عشر درهما، فتسحق، وتنخل، وتلقى على العود المحلول بماء الورد، ويسحقان جميعا حتّى يجفّ ماء الورد، ويسقيانه، ويسحقان، ثم يسقيان ثلاث مرّات حتّى يصيرا كالهباء، ثم يحلّ العنبر بدهن البان، ويلقى عليه العود والمسك بعد أن ينزل عن النار، ويحرّك بعود، ولا يحرّك بجريدة ولا ظفر، فإذا
стр. 4032
اختلط ردّ إلى الصّلاية وسحق حتى يصير كالعلك، ثم يذرّ عليه من المسك المسحوق بحسب ما يريده صاحبه.
غالية متوسّطة نسبها التّميمىّ الى كتاب أبى الحسن المصرىّ «١»
يؤخذ من المسك ثلاثة مثاقيل، ومن العنبر الأزرق مثقال، ومن سكّ «٢» المسك المرتفع مثقالان، ومن العود الهندىّ مثقالان، ومن بان الغالية ثلاث أواقىّ؛ يحلّ العنبر فى البان بنار ليّنة، وينعّم سحق العود والمسك والسّكّ، وتخلط، وتلقى على العنبر المحلول وهو فاتر، وتضرب ضربا جيّدا حقّ تستوى.
غالية تسمّى الساهريّة «٣» ختم بها التّميمىّ باب الغوالى
وقال فيها: من أحبّ أن يحلّها بالبان فهى غالية لا بعدها؛ ومن تطيّب بها يابسة بماء الورد فهى أطيب ما يكون من المسوحات.
وصفة عملها، أن يؤخذ من المسك التّبّتىّ مثقال، ومن السّكّ المثلّث مثقالان ومن العود الهندىّ ثلاثة مثاقيل، ومن العنبر الشّحرىّ مثقال؛ يسحق كلّ واحد منها بمفرده سحقا ناعما، وينخل بحريرة، إلّا العنبر فإنه يقرّض، ويحلّ فى تور «٤» من
стр. 4033
حجارة، أو فى زبديّة «١» صينىّ؛ ثم يلقى عليه العود والسّكّ، ويخلطان به خلطا جيّدا ويجعل ذلك على الصّلاية؛ فاذا برد وجمد يسحق وينخل بحريرة، ويضاف اليه المسك المسحوق، ويسحق ذلك جميعا، ويرفع؛ فمن أراد أن يستعمل ذلك غالية يحلّ المثقال منه فى مثقال من دهن البان المفتّر، ومن أراد أن يستعمله مسوحا يحلّه بماء الورد.
وأمّا عمل النّدود
- فقد ذكر التّميمىّ منها أنواعا كثيرة؛ فمنها النّدّ المستعينىّ كان يصنع للمستعين بالله العبّاسىّ. قال: يؤخذ من العود الهندىّ خمسون مثقالا ومثله من المسك التّبّتىّ، ومن العنبر الشّحرىّ الأزرق الدّسم خمسون ومائة مثقال ومن الكافور الرّياحىّ «٢» ثلاثة مثاقيل؛ يسحق العود والمسك والكافور سحقا ناعما كلّ واحد منها بمفرده، وينخل المسك بالحريرة، ويحلّ العنبر فى عبّاسيّة «٣» صينىّ أو فى برام «٤» ، ويلقى المسحوق عليه بعد أن ينزل عن النار، ويعجن به عجنا جيّدا
стр. 4034
ثم يمدّ على الرّخامة، ويقطّع شوابير «١» ، ويصفّ على منخل حتّى يجفّ ويرفع. قال:
وأمّا النّد الذى أجمع الناس عليه، فهو أن يؤخذ من العود الجيّد خمسون مثقالا، ومثله من المسك التّبّتىّ، ويحلّ لذلك من العنبر الهندىّ أو الشّحرىّ مائة مثقال وثلاثة مثاقيل، ويعجن بالمسك، ويمدّ شوابير، ويجفّف، ويرفع.
صنعة ندّ آخر
قال التّميمىّ، تركيبه لأبى سعيد يانس الفارسىّ، فجاء غاية فى الجودة؛ يؤخذ من العود الهندىّ القامرونىّ «٢» أو العود القمارىّ «٣» عشرة مثاقيل، ومن المسك التّبّتىّ المنقّى من أكراشه وشعره عشرون مثقالا، يسحق كلّ واحد منهما بمفرده، وينخل بحريرة صينيّة ثم يجمعان على الصّلاية، ويضاف إليهما من الكافور الفنصورىّ «٤» مثقال واحد، ويحلّ
стр. 4035
لذلك من العنبر الشّحرىّ «١» الأزرق ثلاثون مثقالا فى تور حجر أو فى عبّاسيّة صينىّ حلّا لطيفا بنار ليّنة، بعد أن يقرّض العنبر ليسرع انحلاله، وسبيل التّور أن يحمل على النار قبل أن يلقى فيه العنبر، ليقلّ مكث العنبر على النار، فاذا انحلّ العنبر أنزل عن النار وألقى فيه المسك والعود والكافور بعد إنعام سحقها «٢» ، ويضرب ذلك مع العنبر فى التّور بملعقة من فضّة أو حديد ضربا جيّدا حتى يصير جميعه جزءا واحدا؛ ثم تبلّ سكّين ويمسح بها ما تعلّق على الملعقة، ويوضع على قطعة من الرّخام ملساء قد مسح وجهها بالماء، وتبلّ اليد، ويؤخذ بها من المعجون، ويفتل على الرّخامة فتلا متساويا ويقطّع شوابير بسكّين مبلولة بالماء، على ما يراه من المقادير؛ وإن خشيت أن يبرد المعجون فيجمد، جعلت التّور الّذى فيه المعجون على رماد حارّ.
صفة ندّ كانت بنان «٣» العطّارة تصنعه للواثق بالله
يؤخذ من العود الجيّد الهندىّ مائة مثقال، ومن سكّ «٤» المسك خمسون مثقالا ومن المسك التّبّتىّ ثلاثون مثقالا، ومن الكافور الرّياحىّ «٥» تسعة مثاقيل؛ يسحق كلّ واحد منها على انفراده سحقا ناعما، ثم تجمع كلّها على الصّلاية، وتسحق حتّى تختلط
стр. 4036
وتلتئم؛ ثم تؤخذ لها مائتا مثقال من العنبر الهندىّ أو الشّحرىّ «١» فيحلّ فى تور برام أو غضارة «٢» صينىّ «٣» ؛ فاذا ذاب ينزل عن النار، وتلقى عليه المسحوقات، وتخلط به وتعجن عجنا جيّدا، ثم تعمل منه «٤» أقراص أو شوابير «٥» ، وزن كلّ قطعة منها مثقال، وتجفّف.
صفة ندّ [آخر] كانت تصنعه لجعفر المتوكّل على الله
يؤخذ من العود الهندىّ القامرونىّ «٦» عشرون مثقالا، ومن السّكّ «٧» المثلّث خمسة عشر مثقالا، ومن الكافور الرّياحىّ مثقالان، ومن المسك التّبّتىّ ستّة مثاقيل، ومن السّكّ الأصفر الطوامير مثقال واحد، ومن الزّعفران الرّوذراورىّ «٨» المسحوق مثقال؛
стр. 4037
يسحق كلّ واحد بمفرده، ثم تجمع على الصّلاية، وتسحق؛ ويؤخذ من العنبر الهندىّ خمسون مثقالا، فيقرّض، ويذاب فى تور مكّىّ، وتخلط فيه الأصناف نحو ما تقدّم، ويقطّع شوابير «١» .
صفة النّدّ الّذى كانت أمّ الخليفة المقتدر «٢» بالله تصنعه وتبخّر به الكعبة وصخرة بيت المقدس فى كلّ جمعة
يؤخذ من المسك التّبّتىّ المنقّى من الأكراش مائة مثقال، يسحق، وينخل ويحلّ له من العنبر الشّحرىّ، وينزل عن النار، فاذا فتر ألقى عليه المسك بمفرده من غير عود ولا غيره، ويضرب ضربا جيّدا، ثم يمدّ على الرّخامة، ويقطّع شوابير ويبخّر به. قال التّميمىّ: كان رئيس الخدم ببيت المقدس يهدى إلى والدى من هذا النّدّ فيحلّه والدى بالبان، فتجىء منه غالية لا شىء أطيب منها.
صفة ندّ آخر عن أمّ «٣» أبيها بنت جعفر بن سليمان- وهو الذى يسمّى اللّفيف «٤» الشريف-
قال التّميمىّ: ولا شىء فى النّدّ أرفع منه- يؤخذ من العود الهندىّ القامرونىّ «٥»
стр. 4038
أوقيّة، فيدقّ وينخل، ويسحق على الصّلاية، ويؤخذ له من السّكّ «١» المثلّث نصف أوقيّة، ومن المسك التّبّتىّ المنقّى من أكراشه، المسحوق المنخول نصف أوقيّة ويجمع الجميع، ويسحق على الصّلاية؛ ويؤخذ من العنبر الهندىّ الأزرق الدّسم أوقيّتان، ويقرّض ويذاب فى تور على نار ليّنة نحو ما تقدّم، ثم يلقى عليه العود والسّكّ والمسك، ويعجن ذلك، ويمدّ على صلاية، ويقطّع شوابير «٢» ، ويجفّف ويرفع. قال التّميمىّ: أجمع العلماء بأمر العطر وأعمال الطّيب أنّ السّكّ اذا كان مثلّثا فله فى النّدّ معنى جيّد وخمرة، والبخور الّذى يدخل فيه يكون له عبق فى الثياب، سيّما «٣» فى بلد مصر والبلاد المعروفة بالعفن. قال: وملاك البخور كلّه جودة العنبر والمسك والعود والكافور والنار الّتى يبخّر بها، وألّا يكون فى الفحم شىء من الزّهومة، فإنّ ذلك يفسد البخور، ويقطع رائحته. وبسط التّميمىّ القول فى النّدود، وقد أوردنا منها ما فيه كفاية؛ وهذه النّدود كلّها الّتى ذكرناها كانوا يصنعونها للبخور خاصّة.
وأمّا الّذى يصنع فى عصرنا هذا بالديار المصرية
- فهو نادر اذا عنى به يصلح للحمل والادّخار والبخور على النار، وتعمل منه عنابر «٤» مختلفة الأشكال والمقادير، من الأكر والوردات والشّوابير «٥» ، وغير ذلك، وتنظم قلائد
стр. 4039
ومعاضد «١» ووشاحات وسبحا، وغير ذلك، ويجعلها الناس بين ثيابهم اذا لبسوها ويمشون بها، ويجلسون ويرقدون وهى لا تتغيّر ولا تتكسّر، ويكسر بعض الأكرة «٢» منها أو الوردة أو الخرزة فتستعمل فى البخور وغيره، وتبقى بقيّتها فى جملة العنبر المنظوم، ولا يضرها الكسر، ولا يتفتّت منها شىء البتّة إلّا إن قرض بالسّنّ أو قطع بالشّفرة أو «٣» المدية؛ وإذا طال مكثه صلح وجاد وصلب، وعبق ريحه على النار، إلّا أنّه متى اختلط بالياسمين ضعف ريحه؛ وإذا تمادت عليه المدد وكثر استعماله وأفسده العرق الردىء كسّر وأضيف اليه شىء من العنبر الخام الشّحرىّ وجن به، ثم بالمسك المسحوق، وأعيد كما كان، أو على أىّ صفة أرادها صاحبه فيجىء غاية فى الجودة، وربّما كان أجود وأنفع من الأوّل؛ وها نحن نذكر كيفيّة عمله ومفرداته ومقاديره؛ والله أعلم.
ذكر كيفيّة عمل النّدّ فى وقتنا هذا ومفرداته ومقاديره
والنّدّ فى وقتنا هذا يسمّى العنبر، فاذا أطلق عندهم اسم العنبر كان هو المراد؛ ويميّز العنبر الأصلىّ إذا أريد بأن يقال فيه: العنبر الخام؛ وهذا النّدّ الّذى يتداوله الناس فى وقتنا هذا ثلاثة أنواع:
فالنوع الأوّل المثلّث
، وهو أجودها وأعطرها؛
стр. 4040
وصفة تركيبه ومقادير أجزائه أن يؤخذ له من العنبر الجيّد الشّحرىّ «١» الرزين الدّسم جزء، ونظيره من العود الهندىّ الجيّد، ونظيره أيضا من المسك التّبّتىّ، ويجعل العود براية أجزاء صغارا، ثم يقلى على نار ليّنة، ويطحن بعد ذلك طحنا ناعما ويسحق المسك بعد تنقيته ممّا لعلّه فيه من شعر أو غيره، ثم يقرّض العنبر صغارا ويوضع فى قدر برام لطيفة شبه رأس الخوذة «٢» على نار فحم ليّنة حتى يحمرّ، ويلقى ذلك العنبر الخام فى القدر، ويحرّك بملعقة من النّحاس مدوّرة الرأس، ثقيلة، لها ساعد فاذا ذاب العنبر يلقى عليه العود المطحون شيئا بعد شىء، ويحرّكان حتّى يختلطا ويصيرا جزءا واحدا، ويجعل العنبر والعود فتائل، ويقسّم المسك على نسبة تلك الفتائل، وتعجن به عجنا جيّدا على حجر يمنىّ معدّ لذلك حتى تختلط به؛ ثم يقطّع ويجعل أكرا بحسب ما يريد، ويرفع. وهذا أجود ما يصنع من أنواع النّدّ فى وقتنا هذا، إلّا أنّه يكون ليّنا لا يكاد يستعمل للّباس «٣» ، بل يحمل فى الجيوب ويبخّر به، ويشمّ، ويوضع بين الثياب، ونحو ذلك.
وأمّا النوع الثانى- وهو المعتدل
- فأجزاؤه أن يؤخذ من العنبر الخام الجيّد عشرة مثاقيل، ومن النّدّ العتيق الجيّد عشرة مثاقيل، ومن العود الجيّد المطحون عشرون مثقالا؛ ويؤخذ لذلك من المسك الجيّد ما أحبّ المستعمل ويركّب على ما نذكره «٤» .
стр. 4041
وأمّا النوع الثالث- وهو السّوقىّ
- فأجزاؤه أن يؤخذ لكلّ عشرة مثاقيل من العنبر الخام عشرة مثاقيل من العنبر العتيق، وثلاثون مثقالا من العود المطحون ومن المسك.
ذكر صفة خلط أجزاء النّدّ وتركيبه
أوّل ذلك أن يضع القدر البرام «١» المعدّة لذلك على نار فحم ليّنة، ويكون وضعه للقدر على جنبها، ثم يكسّر العنبر العتيق ويضعه فى القدر، فاذا سخن هرسه بالملعقة النّحاس المعدّة لذلك، فاذا انهرس ونعم رفعه من القدر الى وعاء آخر نظيف ثم يمسح القدر، ويكسّر العنبر الخام قطعا صغارا، ويوضع فى القدر على أثر السّخونة ويحرّك بالملعقة حتّى يذوب؛ ثم توضع القدر على النار، ويلقى على العنبر من العود المطحون شىء بعد شىء الى أن يختلط بعضه ببعض ويصيرا جزءا واحدا، ثم يلقى عليه العنبر العتيق، ويخلط بالملعقة حتى يختلط بهما «٢» ، ثم يصبّ على ذلك ماء ورد بقدر واعتدال، ويجسّ بالإبهام والسّبّابة، فإن قبل الفتل أخذ منه شيئا بعد شىء وفتله فتائل على الحجر اليمنىّ المعدّ لذلك؛ فإذا صار جميعه فتائل- وهو الفتل الأوّل- وضع القدر على النار، ووضع بعض الفتائل فيها ويصبّ عليها ماء ورد بقدر، ويعجنها عجنا جيّدا، ثم يعيدها على الحجر، ويعجنها
стр. 4042
بالمسك حتى يختلط بها، بحيث لا يضع المسك على النار اللّيّنة، فاذا اختلط المسك بها فتلها فتائل، ثم يقطّعها أجزاء متساوية على قدر ما يريد، ويضمّه «١» بأصابعه الثلاث:
الإبهام والسّبّابة والوسطى حتى يدخل بعضه فى بعض، ثم يدوره تدويرا جيّدا فى كفّه حتّى يندمج ويصطحب «٢» ، ثم ينخسه «٣» بمسلّة برفق، وينقشه بعد ذلك بالمشطاب «٤» المعدّله، وان كان ساذجا دوّره على الرّخامة. هذه كيفيّة عمله وأجزاؤه؛ فإن نقص عن ذلك منع من بيعه.
стр. 4043
الباب الثامن من القسم الخامس من الفن الرابع فى عمل الرّامك والسّكّ من الرامك والأدهان
فأمّا عمل الرّامك والسّكّ
- فالرامك هو أصل السّكّ الّذى لا يمكن عمله إلّا منه، وصفة عمل الرامك على ما أورده محمد بن أحمد بن سعيد التّميمىّ المقدسىّ فى كتابه المترجم (بجيب العروس وريحان النفوس) ، وقال: إنه استنبطه ودبّره برأيه- يشير الى هذه الصفة التى نذكرها الآن، وإلّا فالرامك قديم، نقله هو عن غيره ممن كان قبله «١» -؛ فقال التّميمىّ فى هذه النسخة «٢» : يعمد إلى العفص النّقىّ الأبيض الجيّد، فيدقّ وينخل، ويعتّق بعد طحنه سنة. قال: ومن الناس من يطبخه بالماء حتّى ينشف الماء، فيستغنى بطبخه عن تعتيقه، وإنّما يراد تعتيقه ليسلس وتذهب منه زعارّة «٣» العفصيّة وطعمها، وطبيخه يفعل ذلك. قال: وتعتيقه أجود. قال:
ثم يؤخذ لكلّ عشرة أرطال من العفص المنخول المعتّق خمسة أرطال من الزّبيب العينونىّ «٤» اللّحم المنقّى من عيدانه، ويؤخذ من البلح الحديث ما قد لقط من تحت
стр. 4044
نخله بعد نضجه، ويجفّف، ويحكم تجفيفه، وينزع نواه، خمسة أرطال، فينقع الزّبيب والبلح فى الشّراب الرّيحانىّ «١» يوما وليلة، ومن لم ينقعهما فى الشراب فلينقعهما فى الميسوس «٢» الطيّب، أو فى الماء القراح، ثم يرفعان على النار، فيغليان غليانا جيّدا حتّى ينضجا، ولا تبقى فيهما قوّة، ويعتصر ماؤهما، فتعجن به العشرة «٣» أرطال العفص المطحون المنخول عجنا جيّدا حتى يصير مثل الحساء أو أرقّ منه ثم يرفع فى طنجير «٤» نحاس غليظ على نار ليّنة، فيطبخ وهو يحرّك بإسطام «٥» حديد، ولا يفتر تحريكه، ويحترز المتولّى لطبخه، بأن يتلثّم، ويلفّ على يديه ورجليه ما يصونهما أن يقع عليهما من ذلك، حتّى اذا غلظ وصار أشقر أنزله عن النار. قال: ومن الناس من يضيف اليه وقت طبخه من عقيد «٦» العنب على كلّ عشرة أرطال رطلا واحدا مع ماء الزّبيب وماء البلح؛ ومنهم من يقتصر على مائهما فقط، فإذا انتهى
стр. 4045
أنزله عن النار، وصبّه على بوارىّ «١» قصب، بعد أن يبرد، ويبسط عليها بسطا رقيقا مستويا بشىء قد دهن بدهن خيرىّ «٢» ؛ ثم يعلّق البوارىّ بعد جفافه عليها فى سقف بيت كنين من الغبار سنة كاملة، بحيث يصل اليها مهبّ ريح الشّمال؛ فهذا عمل الرامك الذى هو أصل السّكّ.
فإذا أحببت أن تصنع منه سكّا فاقلع الرامك عن البوارىّ، ودقّه، واطحنه طحنا ناعما، واسقه أمراق الأفاويه التى يطبخ بها البان، وسنذكرها فى فصل الأدهان- إن شاء الله تعالى-؛ واذا أردت ذلك تجمع أمراق الأفاويه بعد تصفية البان عنها، وغسلها من دهنيّة البان، وسلقها وتصفيتها، فيعجن بها عجنا جيّدا كما عجن أوّلا بماء الزّبيب والبلح، وترفعه على النار وأنت تحرّكه دائما بالإسطام تحريكا جيّدا، وقد تحرّزت ممّا يتطاير منه كما تقدّم، حتى إذا شرب
стр. 4046
تلك الأمراق وقوى، برّدته فى سطول «١» ، وصببته على البوارىّ كما فعلت أوّل مرّة، فتعتّقه أربعة أشهر حتّى يجفّ، ثم تدقّه وتطحنه وتنخله، وتأخذ لكلّ منّ «٢» منه من الهرنوة «٣» وزن ثلاثة دراهم، ومن الصندل المقاصيرىّ «٤» نصف أوقيّة
стр. 4047
ومن العود القمارىّ «١» الدّقّ «٢» الجيّد نصف أوقيّة، ومن الزعفران المسحوق وزن درهمين، ومثقالا واحدا أو مثقالين- إن أحببت- من نافجة «٣» مسك طريّة الفتاق قد نتف ما عليها من الشّعر وحلق، وقرّضت تقريضا صغيرا، ودقّت دقّا ناعما ومن دهن الخيرىّ «٤» الكوفىّ الخالص نصف أوقيّة، ومن العسل الماذىّ «٥» نصف أوقيّة؛ يعجن جميع ذلك بالسّكّ عجنا جيّدا، ويترك ثلاثة أشهر أو أربعة حتّى يجفّ ويتكامل جفافه؛ ثم يدقّ ويطحن، ويعجن بميسوس «٦» ، ويطرح فى كلّ منّ منه من المسك ثلاثة مثاقيل، يعجن بها عجنا جيّدا، ويقرّص أقراصا صغارا ويترك حتّى يجفّ. قال: فهذا أذكى أبواب السّكّ وأصلحه.
فإن أردت أن تصنع منه سكّا مثلّثا أو منصّفا أو دون ذلك، فآعمد إلى كلّ عشرة مثاقيل من السّكّ الأصلىّ الّذى قدّمنا ذكره، فأنعم دقّها وسحقها، وأضف إلى العشرة مثاقيل- ان أردته مثلّثا- من المسك خمسة مثاقيل؛ وإن أردته منصّفا فأضف الى العشرة مثاقيل مثلها من المسك؛ وإن أردته دون المثلّث فأضف الى العشرة مثاقيل ثلاثة مثاقيل، وأنعم عجنه به، وقرّصه، واختمه، وجفّفه؛ فهذه صفة السّكّ المنصّف والمثلّث وما دونه، وهو أفضل أنواع السّكّ وأشرفها.
стр. 4048
صنعة سكّ آخر
يؤخذ من الرامك بعد تجفيفه على البوارىّ «١» كما تقدّم رطلان، يدقّ «٢» وينخل ويسقى من أمراق الأفاويه نحو ما ذكرناه؛ ثم يؤخذ لذلك من العود السّنّ القمارىّ «٣» المسحوق أوقيّة ونصف، ومن الصّندلى المقاصيرىّ «٤» الأصفر الدّسم ثلاث أواقىّ ومن السّنبل «٥» العصافير أوقيّة، ومن الهرنوة «٦» أوقيّة، ومن القرنفل الزّهر أوقيّة، ومن الهال «٧»
стр. 4049
نصف أوقيّة، ومن الزّعفران المائىّ «١» أوقيّتان؛ يدقّ ذلك، ويطحن وينخل، ويلقى على السّكّ فى الطّنجير وهو على نار ليّنة، ويصبّ عليه من دهن الخيرىّ «٢» الكوفىّ
стр. 4050
الخالص أوقيّتان، ومن العسل الماذىّ «١» الأبيض أوقيّتان، ويحرّك ساعة، ثم يوضع عن النار، ويبسط على باريّة «٢» بعد أن يبرد، ويعتّق سنة، ثم يقلع فيدقّ دقّا ناعما ويعجن بميسوس أو بماء قراح، ويلقى على كلّ منّ «٣» منه من المسك ربع مثقال بعد سحقه، ومن العسل خمسة دراهم، ويقرّص ويختم. قال التّميمىّ: هذه الأفاويه- فيما أرى- كثيرة لرطلين عفصا؛ وأنا أرى أن يكون العفص سبعة أرطال بالبغدادىّ، فإنّه «٤» يحتمل ذلك.
صنعة رامك وسكّ آخر
ذكر التّميمىّ عن أحمد بن أبى يعقوب أنّه عمله، وأنّه أجود ما يكون من السّكّ. قال ابن أبى يعقوب: صفة عمل الرّامك أن يؤخذ من العفص البالغ الجيّد، فيرضّ «٥» ، ويصيّر فى قدر كبيرة، ويصبّ عليه من الماء ما يغمره، ثم يطبخ أيّاما، ويزاد فى مائه كلّما نشف حتى ينضج، ثم يخرج العفص فيجعل فى شمس حارّة حتّى يجفّ، ويرفع ذلك الماء الذى طبخ فيه، ويؤخذ ما جلس فيه من العفص فيجفّف، ويضاف الى العفص، ويدقّ، وينخل بمنخل شعر، ثم يردّ إلى القدر؛ ويصبّ عليه ماء كثير، ويطبخ به يومين أو ثلاثة حتى تذهب العفصيّة
стр. 4051
منه، ثم يسحق على صلاية حتّى يجفّ، ويصنع منه أمثال العلك؛ فهذا عمل الرامك، ولم يذكر فيه البلح ولا الزّبيب.
قال: فاذا أردت أن تصنع من هذا الرامك سكّا فخذ منه ستّة أجزاء، ومن نوافج المسك جزءا واحدا، فتنزع الشّعر عن النّوافج، وتقرّضها، وتدقّها دقّا شديدا وتطحنها، ثم اخلطها بالستّة أجزاء، واسحق الجميع على الصّلاية بالماء أو بالشراب أو بالنّضوح حتى يستوى، ثم يقرّص، فاذا جفّ فخذ منه ستّة أجزاء، ومن المسك التّبّتىّ جزءا واحدا، واسحق المسك، وحلّ السّكّ بماء ورد، وأضفه اليه بالعجن الجيّد، وقرّصه يأتك سكّا طيّبا.
فإن أردت أن تعمل منه منصّفا أو مثلّثا أو غير ذلك، فاسحقه، وألق على كل مثقال منه نصف مثقال من المسك، أو ثلث مثقال، أو دون ذلك، واعجنه به وقرّصه.
قال: فهذا أفضل ما يعمل من السّكّ.
وأمّا الأدهان «١» [وما قيل «٢» فيها]
- فهى كثيرة، نقتصر منها على ما يدخل فى أصناف الطّيب والغوالى، مثل دهن البان، ودهن الزّنبق، ودهن الحماحم ودهن الخيرىّ، ودهن التّفّاح، والأدهان المركّبة العطرة، وأدهان تصلح الشّعور.
ولنبدأ بذكر دهن البان وحبّه ومعادنه وكيفيّة طبخه
- قال محمد بن أحمد التّميمىّ: شجر البان شجر عظيم، يحمل حبّا ألطف من البندق
стр. 4052
فى مقدار حبّ النّبق، مستديرا، ذا ثلاثة حدود كحدود «١» أزجّة «٢» النّشّاب، يكسر فيخرج من جوفه حبّ أبيض دهنىّ، تعتريه مرارة يسيرة؛ ومنابته بينبع من أرض الحجاز، وبأرض عمان «٣» ، وباليمن.
قال: ومنه شىء ينبت بأرض مصر، وشىء يجلب من أرض الشّراة «٤» وناحية البلقاء «٥» ، وشىء ينبت على شاطئ البحيرة «٦» المنتنة ما بين زغر «٧»
стр. 4053
وأريحا «١» ؛ وأجوده اليمنىّ والحجازى؛ وأجود حبّه ما كان قشره يضرب الى السّواد؛ وأمّا الأبيض القشر فإنّه ردىء، يعرض له الفوران عند طبخه.
وأمّا كيفيّة إخراج دهنه
- فإنّه يؤخذ هذا الحبّ فيطحن فى أرحية معدّة له، ثم يجعل فى قدر نحاس كبيرة تسع عشر كيالج وأكثر بالكيلجة «٢» الشاميّة، ومقدار كلّ كيلجة ثمن «٣» إردبّ بالكيل المصرىّ، ويكون الحبّ المطحون قد ملأ ثلثى القدر ويصبّ عليه من الماء ما يغمره، وزيادة أربع أصابع مفتوحة، ويوقد تحته بالحطب الجزل «٤» حتّى يغلى، فيطبخ نصف يوم، وكلّما نقص الماء يزاد، حتى إذا انتصف النّهار يقطع عنه الوقود، ويترك حتّى يبرد، ثم يلقط ما طلع فوقه من الدّهن ويجمع فى آنية حتى لا يبقى من الدّهن شىء؛ فهذا استخراج حبّ البان.
وأمّا كيفيّة [طبخه «٥» ] بالأفاويه حتى يصير بانا مرتفعا
- فمنه كوفىّ ومنه مدنىّ.
стр. 4054
أمّا الكوفىّ
- فقال أحمد بن أبى يعقوب مولى ولد العبّاس فيه: يؤخذ الدّهن المستخرج من حبّ البان، فيجعل فى قدر برام «١» كبيرة، ويطبخ بمثله من الماء الصافى، ولا يزال يطبخ أيّاما، وكلّما نشف الماء نقل إلى قدر أخرى، ويصبّ عليه من الماء الصافى نظير الدّهن، ويطبخ حتّى ينشف الماء ويبقى الدّهن؛ يفعل ذلك به ثلاث مرّات؛ ثم يطبخ بالماء الصافى والورد الذى لم يتفتّح ثلاثة أيّام؛ ثم يطبخ بالماء والصندل الأصفر المقاصيرىّ المخروط أيّاما ثلاثة حتّى تذهب عنه رائحة الدّهن؛ ثم يطبخ بالعود الهندىّ السّنّ والماء الصافى يومين أو ثلاثة ثم يطبخ بسكّ المسك المنصّف المسحوق بماء الورد يوما، وهذا الطبخ الّذى بالسّكّ وماء الورد يسمّى: النّشّ، ويسمّى بانه: البان المنشوش.
قال: ثم ينزل ويصفّى، ثم ينشّ بعد طبخه بالسّكّ وماء الورد بالمسك التّبّتىّ المسحوق المحلول بماء الورد الجورىّ نشّا جيّدا حتّى ينشف عنه ماء الورد، ويأخذ البان قوّة المسك.
وأمّا البان المدنىّ
- فإنّ أهل المدينة يطبخونه بالأفاويه الطيّبة مثل
стр. 4055
السّليخة «١» والسّنبل «٢» والقرنفل والكبابة «٣» والهرنوة «٤» والصّندل الأصفر المخروط، وسنّ العود
стр. 4056
الأسود، يطبخونه بكلّ واحد من هذه الأصناف أيّاما مع الماء الصافى؛ ثم يبرّد ويطبخ بالصّنف الآخر حتّى ينتهى- على ما نصفه إن شاء الله [تعالى]- إلّا أنّ هذا الدّهن لا يصلح للغوالى، لأنّه يتغلّب على روائح العنبر والمسك بروائح الأفاويه وحدّتها، فلا تستعمله الملوك إلّا أن تدهن به أيديها فى الشتاء، وتستعمله النساء فى أطيابهنّ وخمرهنّ.
صنعة بان آخر
- قال التّميمىّ فيه: هذا بان ركّبته أنا، واخترعته رأيا من ذات نفسى، فجاء غاية فى الطّيب؛ وهو أن ينقّى من حبّ البان البالغ فى شجره ما كان قشره يضرب إلى السواد، فتنقّى منه مقدار ما يخرج لك من الدّهن زيادة على ثلاثين منّا، وذلك يخرج من مائة منّ من الحبّ البالغ إذا طحن وطبخ وأحكم طبخه- على ما قاله أبو عمران موسى اليهودىّ المعروف بالبانىّ «١» . وقال أبو سعيد اليهودىّ العطّار- وكان عالما بعمل البان وعلاجه وطبخه-: إنّ الكيلجة الفلسطينيّة تخرج منا «٢» من الدّهن، وكلّ كيلجة وربع نصف ويبة بالكيل المصرىّ والويبة سدس إردبّ، فتجعل من الثلاثين منا عشرين منا أوّلا، وعشرة أمناء ثانيا.
قال: فاذا حصّلت من حبّ البان ما يخرج لك ذلك، وطحنته، وجمعت
стр. 4057
دهنه كما تقدّم، تعمد الى قدر برام «١» لم يدخلها شىء من الدنس، تسع أربعين منا- فتصبّ فيها من دهن البان عشرين منّا بعد أن يجلس «٢» ، وتصفّيه؛ ثم تعمد الى منوين من السّليخة «٣» الحمراء تكون قضبانا دقاقا، فتغلى لها من الماء فوق غمرها، وتصبّه عليها فى إناء غضار «٤» أو صفر، وتكمر «٥» الإناء ليرجع بخار الماء اليها وتتركها منقوعة يوما وليلة، أو يومين. ورأى أبو سعيد أن تغلى على النار بعد نقعها ثم يصفّى ماء السّليخة على دهن البان، وتعاود بماء ثان فتغلى به أيضا حتى تخرج قوّتها، وتصفّيه على دهن البان أيضا، وتطبخه حتى ينشف الماء ويبقى الدّهن فترفعه فى قراريب «٦» بعد ترويقه؛ ثم تعمد إلى السّليخة فتغمرها بماء ثالث «٧» ، وتطبخها به
стр. 4058
طبخة خفيفة لتستخرج قوّتها، ثم تصفّيها، وتطبخ بالماء الّذى يخرج منها العشرة «١» أمناء البان الثانية، وتعزلها فى قراريب «٢» مفردة؛ فإن كانت السّليخة قد ضعفت بعد استخراجك منها الماء الأوّل فقوّها بنصف منّ آخر لتطيّب به العشرة أمنان الثانية؛ وكذلك تفعل فى كلّ نوع من الأنواع التى نذكرها إذا استخرجت ماءه الأوّل ورأيته يضعف عن أن يطيّب البان الثانى فقوّه بشىء منه طرىّ، ثم تنقع من السّليخة»
الحمراء التّفّاحيّة المنسوفة منّا ونصف منّ فى ماء حارّ يوما وليلة، ثم تغليه وتصفّيه على العشرين منّ «٤» بان المطبوخة بالسّليخة فى القدر، ثم صبّ عليه من الماء ما تكمّله به حتى يصير الماء نظير الدّهن، واطبخه على الرسم حتّى ينشف الماء ويبقى الدّهن فأعده فى قراريبه، ثم انقع السّليخة أيضا فى ماء ثان، وقوّها إن ضعفت، واطبخ بها العشرة أمناء الدّهن الثانية كما تقدّم؛ ثم برّده، وأعده فى قراريبه؛ ثم خذ من قرفة «٥»
стр. 4059
القرنفل الحارّة الذّكيّة منوين فدقّهما تهشيما، ثم اغل لهما عشرين منا من الماء وصبّه عليهما، واكمره «١» بالغطاء يومين وليلتين، ثم اغله بهما غلية واحدة، وصفّه على البان الأوّل، واطبخه نصف يوم حتّى ينشف الماء ويبقى الدّهن، فبرّده، وأوعه وأحكم سدّه، وانقع القرفة أيضا بماء حارّ، وقوّها بربع منّ، ودعها يوما وليلة ثم اغلها، وصفّ ماءها على البان الثانى حتّى ينشف الماء ويبقى الدّهن، فبرّده وأعده إلى ظروفه، وأحكم سدّها.
قال: فإن أحببت أن ترفعه بالقرنفل- وهو أفضل-، فخذ من القرنفل الجيّد
стр. 4060
الحبّ المنسوف نصف منّ، فهشّمه، واغل له من الماء عشرين منا، وصبّه عليه وهو حارّ، وغطّه يومين وليلتين، ثم صفّه على البان الأوّل فى القدر، واطبخه به وافعل فى طبخه نحو ما تقدّم؛ وانقع القرنفل المسلوق فى سبعة أمناء من الماء الحارّ ثم اغله، واطبخ به البان الثانى كما تقدّم؛ ثم خذ من البسباسة «١» الحمراء نصف منّ فانقعها فى عشرة أمنان من الماء الحارّ يوما وليلة، وصفّ الماء على البان، واطبخه به كما تقدّم، وافعل فى البان الثانى كما تقدّم، ثم يطبخ بماء الورد بعد البسباسة؛ ثم خذ من الورد الفارسىّ الأحمر المنقّى من أقماعه منوين، واغل لهما من الماء الصافى عشرين منا، وصبّها عليهما، واكمره بما يردّ بخاره فيه، ودعه فيه يومين ثم صفّه على البان الأوّل من غير أن تغليه، واطبخه به على الرسم، وصبّ على الورد عشرة أمناء من الماء الحارّ، وقوّه بنصف منّ من الورد الطرىّ، وصفّه على البان
стр. 4061
الثانى، واطبخه به كما تقدّم؛ ثم خذ من السّنبل «١» العصافير الجيّد منا واحدا، واغل له من الماء عشرين منا، وصبّه عليه، واكمره بما يردّ بخاره فيه يومين؛ ثم اسلقه سلقة خفيفة، وصفّه على البان الأوّل، واطبخه على الرسم، وقوّ السّنبل بثمن منّ وانقعه يوما وليلة فى ثمانية أمنان من الماء؛ واغله على النار، وصفّه على البان الثانى، واطبخه به كما تقدّم؛ ثم خذ من الهرنوة «٢» منّا وربع منّ فهشّمه «٣» ، واغل له من الماء عشرين منا، وصبّه عليها «٤» ، واكمره حتّى ينعكس بخاره اليها، واتركه يومين وصفّه على البان الأوّل، واطبخه به؛ ثم قوّ الهرنوة بثمن منّ منها، وانقعها فى عشرة أمناء من الماء الحارّ؛ وصفّه على البان الثانى، واطبخه به كما تقدّم؛ ثم خذ من الصّندل الأصفر المقاصيرىّ «٥» الدّسم منا وأوقيّتين، واخرطه خرطا رفيعا على نطع واجعله فى سفن «٦» ، واغل له عشرين منا ماء، وصبّه عليه، واكمره يومين وليلتين، ثم اغله به، وصفّه على البان الأوّل فى القدر، واطبخه به حتّى ينشف الماء، وبرّده، وأعده إلى ظروفه؛ ثم قوّ الصّندل بأوقيّتين، وانقعه يوما وليلة واغله؛ ثم صفّه على البان الثانى، واطبخه به نحو ما تقدّم؛ ثم خذ من العود
стр. 4062
الأسود السّنّ نصف منّ أو ثلثى منّ إن أحببت فانقعه فى الماء الحارّ، واتركه فيه ثلاثة أيّام وثلاث ليال، ثم اغله على النار، وصفّه على البان الأوّل، وثنّ العود وثلّثه بالماء الحارّ والغليان، واجمع ماءه الثانى والثالث، وصبّهما على البان الأوّل واطبخه بالمياه الثلاثة حتى ينشف الماء ويبقى الدّهن، ثم برّده وأعده إلى ظروفه ثم اغل العود بخمسة أمناء ماء غليانا جيّدا، واطبخ به البان الثانى حتّى ينشف الماء ويبقى الدّهن، فبرّده وأودعه فى ظروفه.
قال: فهذا البان الأوّل الذى لا بعده، والثانى الذى دونه، ولم يبق إلّا نشّه «١» بالمسك وسكّ المسك، على ما نصف إن شاء الله تعالى.
قال التّميمىّ: ورأيت أبا سعيد العطّار يؤثر أن يهشّم القرفة والقرنفل والهرنوة، ويجمع ذلك مع السّنبل فى إناء كبير، ويصبّ عليه من الماء الحارّ ثلاثين منّا، وينقعه فيه يومين وليلتين، ثم يصفّى ويعزل، ويصبّ على الأفواه «٢» ماء حارّا عشرين منّا، ويصفّى على الماء الأوّل فى سفن «٣» ؛ ثم يطبخ به البان الأوّل فى ثلاث سقيات وهو على النار، كلّما نشف ثلث الماء صبّ عليه الثلث الآخر فإذا انتهى يبرّد ويوعى فى ظروفه حتى تثنّى الأفواه بماء ثان للبان الثانى، وتطبخ به على الرسم.
стр. 4063
وقال: هذا أروح وأخفّ مؤونة من تكرار الطبخ بكلّ نوع على حدته إلّا الصّندل والعود، فإنّه لابدّ من طبخهما بماء، كلّ منهما على الانفراد.
قال: ورأى سعيد بن عمّار البانىّ وأبو عمران بن الحارث البانىّ أن يطبخ البان بالماء والأفاويه جميعا بعد نقعها، ولا يصفّى الماء عنها.
وقالا: طبيخه بالأفاويه مع الماء أقوى له، لأن «١» البان ينمحق «٢» فى الأفاويه.
وقال سعيد بن عمّار: تسلق الأفاويه بعد إخراجها من البان، كلّ صنف منها على انفراده، ويؤخذ ماء كلّ صنف منها على حدته، ويترك بما بقى فيه من البان ويعجن به السّكّ «٣» كما ذكرناه قبل.
قال التّميمىّ: وأنا أرى عجن السّكّ بأفواه «٤» قويّة منقوعة خيرا وأفضل. وقال:
عرضت هذه النّسخة «٥» التى اخترعتها- وهى الّتى تقدّم ذكرها- على أبى عمران موسى بن الحران البانىّ فعجب من ذلك، وقال: والله إنّ هذه الطريق لطريقى فى عمل البان وطريق كلّ حاذق، ما عدوت منها شيئا، وما كنت أظنّ أحدا يصل إلى علم مثل هذا من عند نفسه من غير أن يأخذه عن صانع؛ [والله أعلم] .
стр. 4064
صفة نشّ «١» البان على رأى ابى عمران البانىّ
قال أبو عمران: إذا أردت (نشّ) البان فاسحق للعشرين منّا منه بعد أن يبرد ويجلس «٢» من المسك التّبّتىّ مثقالين، ومن سكّ المسك المرتفع أربعة مثاقيل وانخلهما بحريرة، واعجنهما بماء ورد، ثم حلّهما بماء الورد بعد عجنهما حتى يصيرا مثل الحساء، وصبّهما على البان «٣» الذى تريد نشّه فى قدر جديدة معدّة للنّشّ واجعله على الكانون الذى يسمّونه (نافخ نفسه «٤» ) ، أو غيره، وأوقد تحته بنار فحم، وحرّكه بقصبة فارسيّة دائما وهو يغلى حتى ينشف ماء الورد، وعلامة ذلك أن يعلق المسك والسّكّ برأس القصبة مثل الشّمع أو مثل الغالية، فأنزله عند ذلك عن النار واتركه حتّى يبرد، وارفعه.
وأمّا نشّه على ما ورد فى كتاب «٥» العطر المؤلّف للمعتصم بالله-
فهو أن تأخذ من البان الأصلىّ الأوّل الجيّد رطلين، فتجعلهما فى طنجير برام جديد لم يدخله شىء غير البان، ثم خذ لهما من السّكّ «٦» المثلّث المرتفع أوقيّة، ومن العود
стр. 4065
الهندىّ أوقيّة، واسحق كلّ واحد منهما، وانخله بحريرة، ثم اعجنهما بماء الورد حتّى يصيرا أرقّ من الحساء المصنوع من الدقيق، وصبّهما على البان فى الطّنجير وارفعه على نار ليّنة حتى يغلى غليانا رفيقا وأنت تحرّكه دائما بأنبوبة قصب فارسىّ حتّى ينشف ماء الورد، ويعلق السّكّ والعود برأس الأنبوبة، فأنزله حينئذ عن النار، ودعه حتّى يبرد، وصفّه فى إنائه، ثم انزع ما فى أسفل الطّنجير من السّكّ والعود بزأس سكّين، أو بملعقة من حديد، واعزله لعمل الغالية؛ ثم اغسل الطّنجير غسلا جيّدا، وجفّفه، وأعد اليه البان الّذى نششته بالسّكّ والعود، واسحق للرّطلين من المسك أوقيّة، ومن العنبر الشّحرىّ أوقيّة، وانخل المسك بحريرة صفيقة، والعنبر بخامة «١» ، ثم اجمعهما على الصّلاية، واسحقهما جميعا، ثم حلّهما بماء الورد مثلما حللت السّكّ والعود، وصبّهما فى الطّنجير على البان، وارفعه على نار ليّنة، وأدم تحريكه بأنبوبة القصب. ولا تغفل عن تحريكه، وتكون ناره الآن ألين من النار الأولى التى نششت بها السّكّ والعود، فاذا نشف ماء الورد وتعلّق المسك برأس القصبة، فأنزله عن النار، وبرّده، وارفعه.
قال: ونشّ على أثره بما بقى فى الطّنجير من ثفل «٢» المسك والعنبر بانا ثانيا يكون دون الأوّل.
وأمّا دهن الزّنبق «٣» وما قيل فيه
- فمنه أصلىّ خالص، ومنه مولّد؛ فأمّا الخالص فمعروف، ولم أقف على كيفيّة عمله فأذكرها.
следующие страницы →