← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

وقال الكسائىّ فى هذه القصة: أقبل بنو إسرائيل على موسى وقالوا: أرنا الله جهرة. فأوحى الله تعالى إليه: أكلّهم يريد ذلك؟ - وهو أعلم- فقال الصالحون منهم: إن الله أجل من أن نراه فى الدنيا. وقال الباقون: إنما امتنع هؤلاء لضعف قلوبهم. فأوحى الله تعالى إليه: أن اختر منهم سبعين رجلا وسر بهم إلى جبل الطور؛ فسار بهم، ووقع الغمام على الجبل حتى أظله، وأتاه موسى وهم معه؛ فأمر الله تعالى الملائكة أن تهبط إلى الجبل بزيّها وصورها؛ فلما نظر بنو إسرائيل إليهم أخذتهم الرّعدة والخوف، وندموا على ما كان منهم، ونودوا من قبل السماء: يا بنى إسرائيل. فصعقوا كلّهم وماتوا. وساق نحو ما تقدّم. قال: ورجعوا إلى قومهم وخبّروهم بما رأوا. ذكر خبر قارون قال المفسرون: إنّ قارون كان ابن عمّ موسى، لأنه قارون بن يصهر ابن قاهث. وقال ابن إسحاق: هو عمّ موسى، لأن يصهر بن قاهث تزوّج شميش «١» بنت ماويب بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر وقارون ابن يصهر. فعلى هذا القول يكون عم موسى؛ وعلى قول الآخرين يكون ابن عمه، وعليه عامّة أصحاب التواريخ؛ وعليه أهل الكتاب، لا خلاف عندهم فى ذلك.

стр. 4447

قالوا: وكان قارون أعلم بنى إسرائيل بعد موسى وهارون وأفضلهم وأجملهم. قال قتادة: وكان يسمى المبشور «١» لحسن صورته، ولم يكن فى بنى إسرائيل أقرأ للتوراة منه، ولكنّ عدوّ الله نافق كما نافق السامرىّ، فبغى على قومه، كما قال تعالى: (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) . قال الثعلبىّ: واختلفوا فى معنى هذا البغى ما هو، قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: كان فرعون قد ملّك قارون على بنى إسرائيل، وكان يبغى عليهم ويظلمهم. وقال عطاء الخراسانىّ وشهر بن حوشب: زاد عليهم فى الثياب شبرا. وقال شيبان عن قتادة: بغى عليهم بالكبر والبذخ. وقال سعيد عنه: بكثرة المال. وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم، كما قال تعالى: (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ) أى تثقل وتميل بهم إذا حملوها لثقلها. واختلف المفسرون فى عدد العصبة، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى الخمسة. وقال قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقال عكرمة: منهم من يقول: سبعين. وقال الضحاك: ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: هم ستون. وروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت فى الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلا غرّا محجّلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز.

стр. 4448

ويقال: إن قارون كان أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه- وكانت من حديد:- فلما ثقلت عليه جعلها من الخشب، فثقلت عليه، فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، تحمل معه على أربعين بغلا. وقال بعضهم: أراد بالمفاتيح الخزائن. وإليه ذهب أبو صالح. وقال أبو رزين: لو كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافيا. واختلفوا فى سبب اجتماع تلك الأموال لقارون؛ فقيل: كان عنده علم الكيمياء. قال سعيد بن المسيّب: كان موسى يعلم الكيمياء، فعلّم يوشع ثلث العلم، وعلّم كالب ثلثه، وعلّم قارون ثلثه؛ فخدعهما قارون حتى أضافا علمهما إلى علمه. وحكى الكسائىّ: كان قارون من فقراء بنى إسرائيل، فأوحى الله إلى موسى أن يحلّى تابوت التوراة بالذهب، وعلّمه صنعة الكيمياء؛ فجاء قارون إلى أم كلثم أخت موسى- وقد قيل: إنها كانت زوجته- فسألها: من أين لموسى هذا الذهب؟ فقالت: إن الله تعالى قد علّمه صنعة الكيمياء. وكان موسى قد علّمها الصنعة، فتعلّمها قارون منها. قالوا: فكان ذلك سبب أمواله، فذلك قوله كما أخبر الله تعالى عنه: (قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) . وقيل: معناه على علم عندى بالتصرّف فى التجارات والزراعات وسائر أنواع المكاسب والمطالب. وقيل فى سبب جمعه تلك الأموال ما رواه الثعلبىّ بسنده عن أبى سليمان الدارانى انه قال: تبدّى إبليس لقارون وكان قارون قد أقام فى جبل أربعين سنة حتى

стр. 4449

غلب بنى إسرائيل فى العبادة، فبعث إبليس إليه شياطينه فلم يقدروا عليه؛ فأتاه وجعل يتعبد معه، وجعل قارون يتعبّد وإبليس يقهره فى العبادة ويفوقه؛ فخضع له قارون؛ فقال له إبليس: يا قارون، قد رضينا بهذا الذى نحن فيه، لا نشهد لبنى إسرائيل جماعة، ولا نعود مريضا، ولا نشهد جنازة؟ قال: فأحدره من الجبل إلى البيعة، فكانا يؤتيان بالطعام، فقال له إبليس: يا قارون، قد رضينا أن نكون هكذا كلّا على بنى إسرائيل؟ فقال له قارون: فأىّ رأى عندك؟ قال: نكسب يوم الجمعة، ونتعبد بقية الجمعة. قال: فكسبوا يوم الجمعة وتعبدوا بقيتها؛ فقال إبليس: قد رضينا أن نكون هكذا؟ قال قارون: فأىّ رأى عندك؟ قال: نكسب يوما ونتعبّد يوما فنتصدّق ونعطى. قال: فلما كسبوا يوما وتعبّدوا يوما خنس إبليس وتركه، ففتحت على قارون أبواب الدنيا، فبلغ ماله- على ما رواه الثعلبىّ بسنده الى المسيّب بن شريك قال: ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة، وكانت أربعمائة ألف ألف فى أربعين جرابا. قال: فبغى وطغى حين استغنى، فكان أوّل طغيانه وعصيانه أنه تكبّر واستطال على الناس بكثرة الأموال، وكان يخرج فى زينته. قال مجاهد: خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان وعليه المعصفرات. وقال ابن أسلم: خرج فى سبعين ألفا عليهم المعصفرات. قال: وذلك أوّل يوم ظهرت فيه المعصفرات فى الأرض. وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء على سرج من الذهب عليه الأرجوان ومعه ألف فارس عليهم الديباج وعلى دوابّهم الأرجوان؛ ومعه ستّمائة جارية بيض عليهنّ الحلىّ والثياب الحمر، وهنّ على البغال الشهب.

стр. 4450

وحكى الكسائىّ أنّ قارون اتخذ سريرا من الذهب يصعد إليه بمراق، وعليه أنواع من فرش الديباج، وعلى رأسه تاج من الذهب مرصّع بالجوهر. قالوا: فلما خرج فى بعض الأيام فى زينة عظيمة، تمنّى أهل الجهالة والخسارة مثل الّذى أوتيه، وقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فأنكر عليهم أهل العلم بالله تعالى، وقالوا لهم: اتقوا الله واعملوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه، فإن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا من لذّات الدنيا وشهواتها؛ قال الله تعالى: وَلا يُلَقَّاها ، أى لا يوفّق لهذه الكلمة إِلَّا الصَّابِرُونَ ، أى على طاعة الله وعن زينة الحياة الدنيا. قالوا: ثم أوحى الله تعالى إلى نبيّه موسى- ﵇ أن يأمر قومه أن يعلّقوا فى آذانهم خيوطا أربعة، فى كل طرف خيط أخضر كلون السماء فقال موسى: يا رب لم أمرت بنى إسرائيل بتعليق هذه الخيوط الخضر فى آذانهم؟ فقال تعالى: إن بنى إسرائيل فى غفلة، وقد أردت أن أجعل لهم علما فى ثيابهم ليذكرونى به إذا نظروا إلى السماء، ويعلموا أنى منزل منها كلامى. فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا، فإن بنى إسرائيل تحقر هذه الخيوط؟ فقال له: يا موسى، إن الصغير من أمرى ليس بصغير، وإن لم يطيعونى فى الأمر الصغير لم يطيعونى فى الأمر الكبير. قال: فدعا موسى بنى إسرائيل وأعلمهم بأمر الله تعالى؛ ففعلوا ذلك واستكبر قارون فلم يطعه، وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكى يتميزوا من غيرهم. فكان هذا أيضا من بغيه وعصيانه.

стр. 4451

قالوا: ولما قطع موسى البحر ببنى إسرائيل جعلت الحبورة- وهى رآسة المذبح وبيت القربان- لهارون ﵇؛ وكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم فيدفعونه إلى هارون، فيضعه على المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون فى نفسه من ذلك، وأتى موسى وقال له: يا موسى، لك الرسالة، ولهارون الحبورة، وليس لى من ذلك شىء، وأنا أقرأ للتوراة منكما، لا صبر لى على هذا. فقال موسى: والله ما أنا جعلتها فى هارون، بل الله جعلها له. فقال قارون: والله لا أصدّقك فى ذلك حتى ترينى بيّنة. قال: فجمع موسى رؤساء بنى إسرائيل وقال: هاتوا عصيّكم. فجاءوا بها فخزمها وألقاها فى قبّته التى كان يعبد الله تعالى فيها؛ وجعلوا يحرسون عصيّهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتزّ لها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون، أترى هذا من فعلى؟ قال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر. وذهب قارون مغاضبا، واعتزل موسى بأتباعه؛ وجعل موسى يداريه للقرابة التى بينهما وهو يؤذيه فى كل وقت، ولا يزداد كلّ يوم إلا عتوّا وتجبّرا ومخالفة. ويقال: إنه بنى دارا وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بنى إسرائيل يغدون عليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدّثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: ثم أنزل الله تعالى الزكاة على موسى؛ فلما وجبت الزكاة على بنى إسرائيل أتى قارون موسى فصالحه عن كلّ ألف دينار على دينار، وعن كلّ ألف درهم على درهم، وعن كلّ ألف شاة على شاة، وعن كلّ ألف

стр. 4452

شىء شيئا، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا، فلم تسمح بذلك نفسه، فجمع بنى إسرائيل وقال لهم: يا قوم، إن موسى قد أمركم بكل شىء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم. فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمر بما شئت. فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغىّ فنجعل لها جعلا على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه. فأتوا بها، فجعل لها قارون ألف درهم. وقيل: ألف دينار. وقيل: طستا من ذهب. وقيل: حكمها؛ وقال لها: إنى أموّلك وأخلطك بنسائى على أن تقذفى موسى غدا إذا كان بنو إسرائيل متجمّعين. فلما كان الغد جمع قارون بنى إسرائيل، ثم أتى موسى فقال: إنّ بنى إسرائيل قد اجتمعوا ينظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبيّن لهم اعلام دينهم وأحكامهم وأحكام شرعهم. فخرج إليهم موسى وهم فى براح من الأرض، فقام فيهم خطيبا ووعظهم، وقال فيما قال: يا بنى إسرائيل، من سرق قطعت يده، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة، وإن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت. فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإنّ بنى إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. قال موسى: أنا؟ قال: نعم. قال: ادعها فإن قالت فهو كما قالت. فدعيت؛ فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظّم عليها وسألها بالذى فلق البحر لبنى إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلّا صدقت. فلما ناشدها موسى تداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت: لأن أحدث اليوم توبة أفضل من أوذى رسول الله. وقالت: لا والله بل كذبوا، ولكن جعل لى قارون جعلا على أن أقذفك بنفسى. فلما تكلّمت بهذا الكلام سقط فى يد قارون ونكّس رأسه، وسكت الملأ وعرف قارون أنه قد وقع فى مهلكة، وخرّ موسى ساجدا لله تعالى.

стр. 4453

وقال الكسائىّ فى قصّة هذه المرأة: إن قارون بعث إلى امرأة فاسقة كان موسى قد نفاها من عسكره، فقال لها: إنى أريد أن أتزوّج بك وأنقذك من هذا الفقر إن عملت ما أقول. قالت: وما هو؟ قال: إذا اجتمع بنو إسرائيل عندى فاحضرى وقولى: إن موسى دعانى إلى نفسه فلم أطاوعه، فأخرجنى من عسكره فانصرفت ودخلت على قارون من الغد- وقد اجتمع بنو إسرائيل عنده- فقالت: يا بنى إسرائيل، هذا ما لقى الأخيار من الأشرار؛ اعلموا أن قارون دعانى بالأمس وقال لى كذا وكذا، وأمرنى أن أكذب على نبىّ الله موسى؛ وكذب قارون إنما أخرجنى موسى من عسكره لفسادى، وقد تبت إلى الله تعالى من ذلك. فلما سمع قارون ذلك ندم، ولامه بنو إسرائيل، وبلغ موسى الخبر فغضب ودعا على قارون. قالوا: وجعل موسى يبكى ويقول: يا رب إن عدوّك هذا قد آذانى وأراد فضيحتى، اللهم إن كنت رسولك فاغضب لى وسلّطنى عليه. فأوحى الله تعالى إليه: ارفع رأسك وأمر الأرض بما شئت تطعك. فقال موسى: يا بنى إسرائيل إن الله قد بعثنى إلى قارون كما بعثنى إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معى فليعتزل عنه. فاعتزل بنو إسرائيل قارون ولم يبق منهم إلا رجلان ثم قال موسى: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى كعابهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى حقيّهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى أعناقهم؛ وقارون وصاحباه فى كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشدونه؛ حتى روى فى بعض الأخبار: أنه ناشده سبعين مرة وموسى فى جميع ذلك لا يلتفت إليه، لشدّة غضبه عليه. ثم قال: يا أرض خذيهم. فانطقت عليهم الأرض؛ فأوحى الله إلى موسى: استغاثوا بك سبعين

стр. 4454

مرّة فلم ترحمهم ولم تغثهم، أما وعزتى وجلالى لو إياى دعوا لوجدونى قريبا مجيبا. قال قتادة: ذكر لنا أن الله تعالى يخسف بهم فى كل يوم قامة، وأنه يتخلخل» فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. قالوا: فلما خسف الله تعالى بقارون وصاحبيه أصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم: إن موسى دعا على قارون ليستبدّ بداره وكنوزه وأمواله. فدعا موسى حتى خسف الله تعالى بدار قارون وأمواله الأرض؛ وأوحى الله تعالى إلى موسى: أنى لا أعبّد الأرض لأحد بعدك أبدا؛ فذلك قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ. قال: فلما حلّت نقمة الله تعالى بقارون حمد المؤمنون الله تعالى، وندم الذين كانوا يتمّنون ماله وحاله، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ . والله الفعّال. ذكر خبر موسى والخضر- ﵉ - وهذا الخبر إنما رجعت فيه واعتمدت على ما ورد فى الحديث الصحيح النبوىّ مما خرّجه البخارىّ- رحمه الله تعالى- فى صحيحه، ورويناه بسندنا عنه بسنده عن ابن عباس عن أبىّ بن كعب- رضى الله عنهم- عن النبىّ ﷺ : أن موسى «٢» ﵇ قام خطيبا فى بنى إسرائيل، فسئل: أىّ الناس

стр. 4455

أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردّ العلم إليه؛ فقال: بلى، عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك. وورد فى الحديث الآخر من رواية البخارىّ: بلى عبدنا خضر. قال: أى ربّ ومن لى به؟ قال سفيان من روايته: أى ربّ وكيف لى به؟ قال: تأخذ حوتا فتجعله فى مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ. وربما قال: فهو ثمّة. فأخذ حوتا فجعله فى مكتل، ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما؛ فرقد موسى ﵇، واضطرب الحوت فخرج فسقط فى البحر: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ؛ فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار «١» مثل الطاق؛ فانطلقا يمشيان بقيّة يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال لفتاه: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ؛ ولم يجد موسى النّصب حتى جاوز حيث أمره الله تعالى؛ قال له فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ؛ فكان للحوت سربا ولهما عجبا. قال له موسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً. فرجعا يقصّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلّم موسى، فردّ عليه فقال: وأنّى بأرضك السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بنى إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلّمنى ممّا علّمت رشدا. قال: يا موسى إنى على علم من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه. قال هَلْ أَتَّبِعُكَ . قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* وَكَيْفَ

стр. 4456

تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً . إلى قوله: أَمْراً ؛ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرّت بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهم؛ فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول؛ فلما ركبا فى السفينة جاء عصفور «١» فوقع على حرف السفينة فنقر فى البحر نقرة أو نقرتين «٢» فقال له الخضر: يا موسى، ما نقص علمى وعلمك من علم الله إلّا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر. «فأخذ الفأس «٣» فنزع لوحا» . قال: فلم يفجأ «٤» موسى إلّا وقد قلع لوحا بالقدوم؛ فقال له موسى: ما صنعت؟ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً . وكانت الأولى من موسى نسيانا. فلمّا خرجا من البحر مرّا بغلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه يقلعه بيده هكذا- وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنّه يقطف شيئا- قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً* فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ مائلا، فَأَقامَهُ - أومأ بيده هكذا وأشار سفيان كأنّه يمسح شيئا إلى فوق- قال: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا عمدت إلى حائطهم، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً* قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.

стр. 4457

قال النبىّ- ﷺ : «وددنا أنّ موسى كان صبر فقصّ علينا من خبرهما» . قال سفيان: قال النبىّ- ﷺ : «يرحم الله موسى لو كان صبر لقصّ علينا من أمرهما» . وقرأ ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: «أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا* وأمّا الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين» . ثم قال لى سفيان: سمعته منه مرّتين وحفظته منه. هذا حديث البخارىّ عن علىّ «١» بن عبد الله عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبىّ بن كعب؛ وقصّتهما فى كتاب الله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً* وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً الآيات، إلى قوله: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀ فى قصصه أنّ الخضر- ﵇ اسمه بليا «٢» بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. وروى حديثا عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : إنما سمّى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، وإذا هى تهتزّ تحته خضراء.

стр. 4458

وروى عن مجاهد قال: إنما سمّى الخضر لأنه حيثما صلّى اخضرّ ما حوله. قال الثعلبىّ: وكان الخضر فى أيام أفريدون الملك على قول عامّة أهل الكتب الأوّل. قال: وقيل إنه كان على مقدّمة ذى القرنين الأكبر الذى كان فى أيام ابراهيم- ﵇ وذلك فى أيام مسيره فى البلاد، وأنه بلغ مع ذى القرنين نهر الحياة وشرب من مائه وهو لا يعلم ولا يعلم ذو القرنين، فخلّد، وهو حىّ إلى الآن؛ والله أعلم. وسنذكر- إن شاء الله تعالى- فى السّفر الذى يلى هذا السفر خبره فى ظفره بماء الحياة فى أخبار ذى القرنين. ذكر خبر البقرة وقتل عاميل قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- فى تفسيره عن السّدىّ وغيره: إن رجلا كان فى بنى إسرائيل كان بارّا بأبيه، وبلغ من برّه به أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها منه بخمسين ألفا، وكان فيها فضل وربح؛ فقال له البائع: اعطنى الثمن. فقال: إن أبى نائم، ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلنى حتى يستيقظ فأعطيك الثمن. فقال له البائع: أيقظ أباك وأعطنى المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلاف وأنظرنى حتى ينتبه. فقال الرجل: أنا أعطيك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجّلت النقد. فقال: أنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباهه. ففعل ولم يوقظ أباه؛ فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك، فدعا له وجزاه خيرا، وقال له: أحسنت يا بنىّ، وهذه البقرة لك بما صنعت. وكانت بقيّة بقر كانت لهم.

стр. 4459

قال: وقال ابن عبّاس ووهب وغيرهما: كان فى بنى إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وكان له عجلة، فأتى بها إلى غيضة وقال: اللهم إنى استودعتك هذه العجلة لابنى حتى يكبر. ومات الرجل، فشبّت العجلة فى الغيضة وصارت عوانا وكانت تهرب من كلّ من رامها؛ فلما كبر الأبن- وكان برّا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث: يصلى ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمّه ثلثا؛ فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره، ويأتى به السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطى والدته ثلثه. وحكى الكسائىّ عن وهب قال: كان فى بنى إسرائيل عبد صالح، فمات وترك امرأته حاملا، فولدت غلاما، فسمّته ميشى، فكبر، وكان يحتطب من المواضع المباحة، وينفق على نفسه وأمه، وكان كثير العبادة؛ فلم يزل كذلك حتى كبر وضعف وعجز عن الاحتطاب. قالوا: فقالت له أمه: إن أباك ورّثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها الله- فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يردّها عليك، وإنّ من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها- وكانت تسمّى المذهبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها- فأتى الفتى إلى الغيضة، فرآها ترعى، فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلّمت بإذن الله- وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته، اركبنى فإنّ ذلك أهون عليك. فقال: إنّ أمى لم تأمرنى بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها. فقالت البقرة: وإله بنى إسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر

стр. 4460

علىّ أبدا، فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل، لبرّك بوالدتك. فسار الفتى بها، فاستقبله عدوّ الله إبليس فى صورة راع فقال: أيها الفتى، إنى رجل من رعاة البقر، اشتقت إلى أهلى فأخذت ثورا من ثيرانى، فحملت عليه زادى ومتاعى، حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضى حاجتى، فعدا الثور وسط الجبل وما قدرت عليه، وإنى أخشى على نفسى الهلكة، فإن رأيت أن تحملنى على بقرتك. فلم يفعل الفتى وقال له: اذهب فتوكّل على الله- فلو علم الله منك الصدق لبلّغك بلا زاد ولا راحلة. فقال له إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملنى عليها وأعطيك عشرا مثلها. فقال الفتى: إن أمّى لم تأمرنى بذلك. فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يديه، فنفرت البقرة هاربة فى الفلاة، وغاب الراعى، فدعا الفتى باسم إله إبراهيم، فرجعت إليه وقالت: أيها الفتى البارّ بوالدته، ألم تر إلى الطائر الذى طار، إنه إبليس عدوّ الله اختلسنى، أما إنه لو ركبنى ما قدرت علىّ أبدا، فلمّا دعوت بإله إبراهيم جاء ملك وانتزعنى من يد إبليس وردّنى إليك لبرّك بأمّك وطاعتك لها. فجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له أمّه: إنك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها. قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير، ولا تبعها بغير رضاى ومشورتى. فكان ثمن البقرة فى ذلك الوقت ثلاثة دنانير، فانطلق بها الفتى إلى السوق فبعث الله- ملكا ليرى فى خلقه قدرته، وليخبر الفتى كيف برّه بوالدته، وكان الله تعالى به خبيرا؛ فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضا والدتى. فقال له الملك: فأنا أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر أمّك. فقال الفتى: لو أعطيتنى وزنها ذهبا لم آخذه إلّا برضا أمّى.

стр. 4461

فردّها إلى أمّه، وأخبرها الخبر، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضا منى. فانطلق بها إلى السوق، وأتى الملك، فقال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى: إنها أمرتنى ألا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها. فقال الملك: فإنى أعطيك اثنى عشر دينارا على ألّا تستأمرها. فأبى ورجع إلى أمّه فأخبرها بذلك؛ فقالت: إنّ ذلك الرجل الذى يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك فى صورة آدمىّ ليختبرك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل الفتى ذلك؛ فقال له الملك: اذهب إلى أمّك فقل لها: أمسكى هذه البقرة، فإن موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بنى إسرائيل، فلا تبيعوها إلّا بملء مسكها دنانير. فأمسكوا البقرة، وقدّر الله على بنى إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على برّه بأمّه؛ وذلك أنه وجد قتيل فى بنى إسرائيل اسمه (عاميل) ولم يدر قاتله. واختلفوا فى قاتله والسبب فى قتله؛ فقال عطاء والسدّىّ: كان فى بنى إسرائيل رجل كثير المال. وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره، فلما أبطأ عليه موته قتله ليرثه. قال: وقال بعضهم: كان تحت عاميل بنت عمّ له تضرب مثلا فى بنى إسرائيل بالحسن والجمال، فقتله ابن عمّها لينكحها. وقال الكلبىّ: قتله ابن أخيه لينكح ابنته، فلمّا قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك. وقيل: ألقاه بين قريتين. وقال عكرمة: كان لبنى إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا، لكل سبط منهم باب، فوجد قتيل على باب سبط، وجرّ إلى باب سبط آخر؛ فاختصم السّبطان فيه.

стр. 4462

وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يطلب بثأره ودمه ويدّعيه عليه. قالوا: فجاء أولياء القتيل إلى موسى- ﵇ وأتوه بأناس وادّعوا عليهم القتل، وسألوه القصاص؛ فسألهم موسى عن ذلك، فجحدوا، فاشتبه أمر القتيل على موسى- ﵇ ووقع بينهم خلاف. قال الكلبىّ: وذلك قبل نزول القسامة فى التوراة، فسألوا موسى- ﵇ أن يدعو الله ليبيّن لهم ذلك؛ فسأل موسى- ﵇ ربّه ؛ فأمرهم بذبح بقرة؛ فقال لهم موسى ما أخبر الله تعالى به فى قوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . أى تستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة؛ وإنما قالوا ذلك لتباعد ما بين الأمرين فى الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. قال موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، أى من المستهزئين بالمؤمنين؛ فلما علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من الله ، سألوه الوصف، فذلك قوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ. قال: ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم؛ وإنما كان تشديدهم تقديرا من الله- وحكمة. قال: ومعنى ادْعُ لَنا رَبَّكَ . أى سل؛ وهكذا فى مصحف عبد الله: «سل لنا ربّك يبيّن لنا ما هى وما سنّها» . قال موسى: إنه- يعنى الله يقول: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ : لا كبيرة ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أى نصف بين السّنين.

стр. 4463

وقال الأخفش: العوان التى نتجت مرارا، وجمعه عون. فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ : من ذبح البقرة، ولا تكرروا القول. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قال ابن عبّاس: شديدة الصّفرة. وقال قتادة وأبو العالية والربيع: صاف. وقال سعيد بن جبير: صفراء القرنين والظّلف. وقال الحسن: سوداء. والعرب تسمّى الأسود أصفر. وقال العتبىّ: غلط من قال: الصفراء هاهنا السوداء، لأن هذا غلط فى نعوت البقر، وإنما هو من نعوت الإبل، وذلك أن السود من الإبل يشوب سوادها صفرة. وقال آخر: إنه لو أراد السواد لما أكّده بالفقوع، لأنّ الفاقع: البالغ فى الصفرة، كما يقال: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قانئ، وأخضر ناضر. تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إليها، ويعجبهم حسنها وصفاء لونها، لأنّ العين تسرّ وتولع بالنظر إلى الشئ الحسن. وقال علىّ- رضى الله عنه-: من لبس نعلا صفراء قلّ همّه، لأنّ الله تعالى يقول: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أسائمة أم عاملة إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ أى إلى وصفها. قال رسول الله- ﷺ : «وايم الله لو لم يستثنوا لما بيّنت لهم آخر الأبد» . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ، أى مذلّلة للعمل. تُثِيرُ الْأَرْضَ ، أى تقلبها للزراعة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ أى بريئة من العيوب

стр. 4464

وقال الحسن: مسلّمة القوائم، ليس فيها أثر العمل. لا شِيَةَ فِيها ، قال عطاء: لا عيب فيها. وقال قتادة: لا بياض فيها أصلا. وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد. وقال محمد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها. فلما قال هذا قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ ، أى بالوصف البيّن التامّ؛ فطلبوها فلم يجدوا كمال وصفها إلّا عند الفتى البارّ بوالدته؛ فاشتروها منه بملء مسكها ذهبا. وقال السدّىّ: اشتروها بوزنها عشر مرّآت ذهبا. وقيل: اشتروها بوزنها مرّة؛ قاله أبو عبيد. وقيل: بوزنها مرّتين. وقال الكسائىّ: إنهم أتوا إلى ميشى فى بيع البقرة فقال: لا أبيعها إلّا بحضرة موسى. فرضوا بذلك، وأخرج البقرة إلى موسى، قال: بكم تبيعها؟ قال: المساومة بينى وبينك لا خير فيها، لا أبيعها إلّا بملء جلدها ذهبا. فقال موسى لبنىء إسرائيل: ذلك لتشديدكم على أنفسكم فشدّد الله عليكم. فضمنوا له ذلك، قال الله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ من غلاء ثمنها. وقال محمد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها. وقال الكسائىّ: بوفاء المال؛ قال الله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ، يعنى عاميل. فَادَّارَأْتُمْ : اختلفتم، قاله ابن عبّاس ومجاهد. وقال الضحّاك: اختصمتم.

стр. 4465

وقال عبد العزيز بن يحيى: شككتم. وقال الربيع بن أنس: تدافعتم. وأصل الدّرء: الدفع، يعنى ألقى هذا على هذا وهذا على ذاك، فدافع كلّ واحد عن نفسه لقوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ* ، أى يدفعون. قال الله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها يعنى القتيل ببعض البقرة. واختلفوا فى هذا البعض ما هو. فقال ابن عباس: ضربوه بالعظم الّذى يلى الغضروف، وهو المقبل. وقال الضحّاك: بلسانها. قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقوال، لأنّ المراد كان من إحياء القتيل كلامه، واللسان آلته. وقال سعيد بن جبير: بعجم ذنبها. قال يمان بن زرياب: وهو أولى التأويلات بالصواب، لأنّ العصعص أساس البدن الّذى ركّب عليه الخلق، وأنّه أوّل ما يخلق، وآخر ما يبلى. وقال مجاهد: بذنبها. وقال عكرمة والكلبىّ: بفخذها الأيمن. وقال السدّىّ: بالبضعة الّتى بين كتفيها. وقيل: بأذنها. ففعلوا ذلك، فقام القتيل- بإذن الله وأوداجه تشخّب دما، وقال: قتلنى فلان. ثم مات وسقط مكانه؛ قال الله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

стр. 4466

قال الكلبىّ: ثم قالوا بعد ذلك: «لم نقتله نحن» ، وأنكروا، فلم يكونوا قطّ أقسى قلبا ولا أشدّ تكذيبا منهم لنبيّهم عند ذلك، ولذلك يقول الله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً. قال الكلبىّ: يبست واشتدّت. وقال أبو عبيدة: جفّت من الشدّة فلم تلن. وقيل: غلظت. وقيل: اشتدّت. وقال الزّجاج: تأويل القسوة ذهاب اللّين والرحمة والخشوع والخضوع. قوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، أى من بعد ظهور الدّلالات، فهى فى غلظها وشدّتها كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ، أى بل أشدّ قسوة. ثم عدّد الله تعالى الحجارة وفضّلها على القلب القاسى، وقال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، أى ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. ذكر بناء بيت المقدس وخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار وهذا البيت ليس هو البيت المقدّس الموجود الآن، وإنما هو الذى تسميه اليهود: «قبة الزمان» ويزعمون أن ذلك نص التوراة، وكان من خبر هذه القصة ما رواه الثعلبىّ بإسناده عن وهب بن منبّه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى- ﵇ أن يتّخذ مسجدا لجماعتهم. وبيت قدس للتوراة، وتابوتا للسكينة وقبابا للقربان، وأن يجعل لذلك المسجد سرادقات باطنها وظاهرها من الجلود

стр. 4467

الملبسة عليها، وأن تكون تلك الجلود من جلود ذبائح القربان، وحيالها من أصواف تلك الذبائح؛ وعهد إليه ألا تغزل تلك الحبال حائض، ولا يدبغ تلك الجلود جنب؛ وأمره أن ينصب تلك السرادقات على عمد من نحاس، طول كلّ عمود منها أربعون ذراعا، ويجعل فيها اثنى عشر قسما مشرجا «١» ، إذا نقضت صارت اثنى عشر جزءا يحمل كلّ جزء بما فيه من العمد سبط من الأسباط من بنى إسرائيل؛ وأمره أن يجعل سعة ذلك السرادق ستّمائة ذراع، وأن ينصب فيه سبع قباب، ستّ قباب منها مشبكة بقضبان الذهب والفضة، كلّ واحدة منهن منصوبة على عمود من فضة طول كل عمود منها أربعون ذراعا، وعليها أربعة دسوت ثياب، الباطن منها سندس أخضر، والثانى أرجوان أحمر، والثالث ديباج أصفر، والرابع من جلود القربان وقاية لها من المطر والغبار، وحبالها التى تمدّ بها من صوف القربان، وأن يجعل سعتها أربعين ذراعا، وأن ينصب فى جوفها موائد من فضّة مربّعة مرصّعة يوضع عليها القربان، سعة كلّ مائدة منها أربع أذرع، كلّ مائدة منها على أربع قوائم من فضّة، طول كلّ قائمة ثلاث أذرع، لا ينال الرجل منها إلّا قائما؛ وأمره أن ينصب بيت المقدس على عمود من ذهب، طوله سبعون ذراعا، وأن يضعه على سبيكة من ذهب أحمر طولها تسعون ذراعا، مرصّعة بألوان الجواهر، وأن يجعل أسفله مشبّكا بقضبان الذهب والفضّة، وأن يجعل حباله التى يمدّ بها من صوف القربان مصبوغة بألوان من أحمر وأصفر وأخضر؛ وأن يلبسه سبعة من الحلل، الباطن منها سندس أخضر، والثانى أرجوان أحمر، والثالث ديباج أصفر، والرابع من الحرير الأبيض، وسائرها من الدّيباج والوشى؛ والظاهر غاشية له من جلود القربان وقاية له من الأذى والندى؛ وأمره أن يجعل سعته سبعين ذراعا، وأن يفرش القباب

стр. 4468

بالقزّ الأحمر؛ وأمره أن ينصب فيه تابوتا من ذهب كتابوت الميثاق، مرصّعا بأنواع الجواهر والياقوت والزمرد الأخضر، وقوائمه من الذهب، وأن يجعل سعته سبع أذرع فى أربع أذرع، وعلوّه قامة موسى ﵇، وأن يجعل له أربعة أبواب: باب تدخل منه الملائكة، وباب يدخل منه موسى، وباب يدخل منه هارون، وباب يدخل منه أولاد هارون، وهم سدنة ذلك البيت وخزّان التابوت، وأمر الله نبيّه موسى أن يأخذ من كلّ محتلم من بنى إسرائيل مثقالا من الذهب فينفقه على هذا البيت، وأن يجعل باقى المال الذى يحتاج إليه فى ذلك من الحلىّ والحلل التى ورثها موسى وأصحابه من فرعون وأصحابه؛ ففعل موسى ذلك، فبلغ عدد رجال بنى إسرائيل ستّمائة ألف وسبعمائة وخمسين رجلا فأخذ منهم ذلك المال. وأوحى الله تعالى إليه أنى منزّل عليكم من السماء نارا لا دخان لها ولا تحرق شيئا، ولا تنطفئ أبدا، لتأكل القرابين المتقبّلة، وتسرج منها القناديل الّتى فى بيت المقدس، وكانت من ذهب معلّقة بسلاسل من ذهب، منظومة باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر؛ وأمره أن يضع فى وسط البيت صخرة عظيمة من الرّخام، وينقر فيها نقرة لتكون كانون تلك النار التى ينزل بها من السماء؛ فدعا موسى أخاه هارون وقال له: إن الله تعالى قد اصطفانى بنار ينزلها من السماء لتأكل القرابين المقبولة ولتسرج منها القناديل، وأوصانى بها، وإنى قد اصطفيتك لها وأوصيتك بها. فدعا هارون ابنيه وقال لهما: إن الله تعالى قد اصطفى موسى بأمر وأوصاه به، وإنه قد اصطفانى له وأوصانى به، وإنى قد اصطفيتكما وأوصيتكما به. وكان أولاد هارون هم الذين يلون سدانة بيت المقدس وأمر القربان والنيران؛ فشربا ذات ليلة ثم ثملا، ثم دخلا البيت وأسرجا القناديل من هذه النار التى فى الدنيا، فغضب

стр. 4469

الله عليهما، وسلط عليهما تلك النار حتى أحرقتهما، وموسى وهارون يدفعان عنهما النار فلم يغنيا عنهما من الله شيئا؛ فأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: هكذا أفعل بمن عصانى ممّن يعرفنى، فكيف أفعل بمن لا يعرفنى، والله أعلم. ذكر ما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر قال الله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ. قال أبو إسحاق الثعلبىّ: اختلفوا فى معنى الملوك؛ فروى عن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة فهو ملك» . وقال أبو عبد الرحمن الحبلىّ: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص- وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ - فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوى إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: وإنّ لى خادما. قال: فأنت من الملوك. وقال الضحّاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك. وقال قتادة: وكانوا أوّل من ملك الخدم، وأوّل من سخّر لهم الخدم من بنى آدم. وقال السدّىّ: يعنى وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم فى أيدى القبط بمنزلة أهل الجزية، فأخرجكم الله تعالى من ذلك الذلّ. وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ، يعنى من عالم زمانكم. وقال مجاهد: يعنى المنّ والسلوى والحجر والغمام.

стр. 4470

قال: ثم أوحى الله تعالى إلى موسى أن يسير ببنى إسرائيل إلى الأرض المقدّسة ويجاهد الجبّارين؛ فأخرجهم موسى- ﵇ لذلك، فقال: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. قال الثعلبىّ: اختلفوا فى الأرض المقدّسة ما هى. فقال مجاهد: هى الطّور وما حوله. وقال الضحاك: هى إيلياء وبيت المقدس. وقال عكرمة والسدّىّ وابن يزيد: هى أريحا. وقال الكلبىّ: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقال قتادة: الشأم كلّه. قال الكسائىّ: فلمّا أخبرهم موسى بذلك قالوا: يا موسى إنّك قلت لنا حين أخرجتنا من مصر: إنّ الله تعالى بعثك لتنقذنا من عذاب فرعون، والآن فإنك تحملنا على ما هو أشقّ منه، وبيننا وبين الأرض المقدّسة المفاوز والقفار، وكيف ندخلها ولا زاد معنا ولا ماء؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، قل لهم: إنى منزّل عليهم المنّ والسلوى، وقد أمرت الحجر أن يتفجّر لهم بالماء العذب، وأمرت الغمام أن يظلّهم ويسير معهم حيث ساروا؛ وألا تنقب خفافهم ونعالهم؛ وأمرت ثيابهم أن يلبسها صغيرهم وكبيرهم. فلما سمعوا ذلك طابت نفوسهم، وساروا نحو الأرض المقدّسة والغمام يظلّهم فى مسيرهم، والسماء تمطر عليهم بالمنّ، والريح بالسلوى، ويجدون كلّ ما يحتاجون إليه، ويضىء لهم بالليل عمود من النور، وتهبّ الريح على السلوى فتمعط ريشها فيطبخونها بغير تعب؛ ويقرع موسى- ﵇ الحجر فتفجّر لهم اثنتا عشرة

стр. 4471

عينا، تجرى كلّ عين إلى سبط من الأسباط؛ وثيابهم جدد بيض لا تخلق، وهم فى خفض ودعة. وقال أبو إسحاق الثعلبىّ، كان ما أنعم الله تعالى به عليهم أنهم قالوا لموسى فى التّيه: أهلكتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفاوز لا ظلّ فيها. فأنزل الله تعالى عليهم غمامة بيضاء رقيقة ليست بغمام المطر أرق وأطيب وأبرد، فأظلّتهم وكانت تسير معهم إذا ساروا، وتدور عليهم من فوقهم إذا داروا؛ وجعل لهم عمودا من نور يضىء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر؛ فقالوا: هذا الظلّ والنور قد حصلا، فأين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ. واختلفوا فيه؛ فقال مجاهد: هو شىء كالصمغ يقع على الأشجار، وطعمه كالشّهد. وقال الضحّاك «١» : هو الطّرنجبين. وقال وهب: الخبز الرّقاق. وقال السدّىّ: عسل كان يقع فى السّحر من الليل فيأكلون منه. وقال عكرمة: أنزل الله- عليهم مثل الزيت الغليظ. وقيل: هو الزنجبيل. وقال الزجّاج: جملة المنّ: ما يمنّ الله به ممّا لا تعب فيه ولا نصب. فكان ينزل عليهم كلّ ليلة ويقع على أشجارهم مثل الثلج، لكلّ إنسان منهم صاع كلّ ليلة؛ فقالوا: يا موسى، قتلنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربّك أن يطعمنا اللحم. فدعا موسى ﵇، فأنزل الله- عليهم السّلوى.

стр. 4472

قالوا: واختلفوا فيه؛ فقال ابن عباس- رضى الله عنهما- وأكثر المفسّرين: هو طائر يشبه السّمانى. وقال أبو العالية ومقاتل: بعث الله- السحابة فمطرت السّمانى فى عرض ميل وقدر طول رمح فى السماء بعضه على بعض. وقال عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من العصفور. فكان يأخذ كلّ واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة من المنّ والسلوى، فإذا كان يوم الجمعة أخذوا ما يكفيهم عن يومين، لأنه لم يكن ينزل عليهم يوم السبت، فذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ولا تدّخروا لغد. فجنوا لغد فقطع الله ذلك عنهم، ودوّد وفسد ما ادّخروا، فذلك قوله تعالى: وَما ظَلَمُونا معناه وما ضرّونا بالمعصية وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن رسول الله- ﷺ أنه قال: لولا بنو إسرائيل لم يخثر الطعام، ولم يخبث اللحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها. ثم قالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى؛ فأوحى الله تعالى إليه: أن أضرب بعصاك الحجر. قال الثعلبىّ: واختلف العلماء فى الحجر؛ فقال وهب: كان موسى- ﵇ يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجّر عيونا، لكلّ سبط عين، وكانوا أثنى عشر سبطا، ثم تسيل كلّ عين فى جدول إلى سبط؛ فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا. فأوحى الله تعالى إليه: لا تقرعنّ الحجارة بالعصا ولكن كلّمها تطعك لعلّهم يعتبرون. فكان يفعل ذلك. فقالوا: كيف بنا لو مضينا إلى الرمل وإلى الأرض التى ليس فيها حجارة؟ فأمر موسى فحمل معه حجرا، فحيثما نزل ألقاه.

стр. 4473

وقال آخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه، والدليل عليه قوله: «الحجر» فأدخل الألف واللام للتعريف والتخصيص؛ وأمر أن يحمله، فكان موسى ﵇ يضعه فى مخلاته، وإذا احتاجوا إلى الماء أخرجه وضربه بعصاه وسقاهم. وقال أبو روق: كان الحجر من الغضار، وكان فيه اثنتا عشرة حفرة ينبع من كل حفرة ماء عذب، فيأخذونه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه؛ فيذهب الماء؛ فكان كلّ يوم يستقى منه ستّمائة ألف. وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذى وضع موسى عليه ثوبه لغسله ففرّ بثوبه؛ فلما وقف أتاه جبريل فقال: يا موسى، إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر فإنّ لى فيه قدرة، ولك فيه معجزة. وقد تقدّم ذكر خبر الحجر. وورد أيضا فى صحيح البخارىّ نحو ما تقدّم. قال أبو إسحاق الثعلبىّ: وكان مما أنعم الله تعالى به على بنى إسرائيل أنهم قالوا لموسى ﵇: من أين لنا اللباس؟ فخلّد الله تعالى ثيابهم التى عليهم حتى إنها لا تزيد على الأيام ومرورها إلّا جدّة وطراوة، ولا تخلق ولا تبلى، وتنمو على صبيانهم كما ينمون. قال: ثم سئم بنو إسرائيل المنّ والسلوى، فقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها. واختلف فى الفوم ما هو؟ فقال ابن عبّاس: هو الخبز، تقول العرب: «فوموا لنا» ، أى اختبزوا.

стр. 4474

وقال عطاء وأبو مالك: هو الحنطة، وهى لغة قديمة. وقال العتبىّ: هو الحبوب كلّها. وقال الكلبىّ والنضر بن شميل والكسائىّ والمؤرّج: هو الثّوم. فقال لهم موسى عند ذلك: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ. قالوا: مصرا من الأمصار، ولذلك نوّنه؛ ولو أراد مصر بعينها لقال: «مصر» ولم يصرفه، كقوله تعالى: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. وقال الضحّاك: هى مصر فرعون. واليهود يزعمون أنّ موسى- ﵇ وبنى إسرائيل حرّم عليهم بنصّ التوراة الدخول إلى مصر حين خرجوا منها عند اتباع فرعون لهم وغرقه، وأنهم لم يدخلوها بعد ذلك. والله أعلم. ولنرجع إلى أخبار النقباء وقتال الجبّارين. ذكر خبر النقباء ومسيرهم إلى أريحا، وقصّة عوج بن عوق «١» وخبر التّيه قال الله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً. قال الثعلبىّ: وذلك أن الله تعالى وعد موسى- ﵇ أن يورثّه وقومه الأرض المقدّسة، وهى الشأم، وكان يسكنها الكنعانيّون الجبّارون ووعدهم أن يهلكهم ويجعل أرض الشأم مسكن بنى إسرائيل؛ فلمّا استقرّت ببنى إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا.

стр. 4475

«هكذا قال الثعلبىّ: بمصر «١» » . واليهود تنكر ذلك، ويقولون: إن نص التوراة عندهم أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه ونجّى موسى وبنى إسرائيل، تنقلوا من مكان إلى آخر. ويذكرون أسماء الأماكن بالعبرانية- وليست تعرف الآن- وكان فى خلال مسيرهم خبر التيه، وكلّ ما تقدّم ذكره من الأخبار يزعمون أنه فى التيه؛ والله أعلم. نعود إلى سياق الثعلبىّ. قال: فأمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا وأرض الشأم، وهى الأرض المقدّسة وقال: يا موسى، إنى قد كتبتها لكم دارا وقرارا، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدوّ، فإنى ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثنى عشر نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على «٢» ما أمروا به. فاختار موسى- ﵇ النقباء. قال: وهذه أسماؤهم؛ «من سبط «٣» روبيل شامل بن زكور. ومن سبط شمعون سافاط بن حرى. ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا. ومن سبط أبين حامل بن بكر

стр. 4476

ابن سورا. ومن سبط يوسف وهو سبط افرايم يوشع بن نون. ومن سبط بنيامين قلطم بن رقوق. ومن سبط زبولون خدى بن سورى. ومن سبط يوسف وهو سبط منشى بن يوسف جدّى بن سوشى. ومن سبط أشير شيانون بن ملكيل. ومن سبط نفتالى حنا بن وقشى. ومن سبط دان جملائيل بن حمل. ومن سبط لاوى حولى بن مليكا» . قال: فسار موسى ببنى إسرائيل حتى إذا دنوا من أرض كنعان- وهى أريحا- بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسّون له الأخبار ويعلمون علمها؛ فلقيهم رجل من الجبّارين يقال له: عوج بن عوق، وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا. قال ابن عمر- رضى الله عنهما-: وكان عوج يحتجز بالسحاب ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها، ثم يأكله. ويروى أنه أتى نوحا- ﵇ يوم الطّوفان فقال له: احملنى معك فى السفينة. فقال له: اذهب يا عدوّ الله فإنّى لم أومر بك؛ وطبّق الماء ما على وجه الأرض من سهل وجبل فما جاوز ركبتى عوج. وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدى موسى. قال: وكان لموسى عسكر فرسخ فى فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم، ثم جاء إلى الجبل وقوّر منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها على العسكر، فبعث الله عليه الهدهد ومعه الطيور، وجعلت تنقر بمناقيرها حتى قوّرت الصخرة وانثقبت حتى وقعت فى عنق عوج. فطوّقته وصرعته، فأقبل موسى وطوله عشر أذرع وطول عصاه عشر أذرع، ونزا فى السماء عشر أذرع، فما أصاب إلّا كعبه وهو مصروع بالأرض، فقتله.

стр. 4477

قالوا: وأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر حتى حزّوا رأسه؛ فلما قتل وقع على نيل مصر فسكره «١» سنة. قالوا: وكانت أمّ عوج يقال لها: عناق، وهى إحدى بنات آدم لصلبه. ويقال: إنها كانت أوّل من بغت على وجه الأرض، وكان كلّ إصبع من أصابعها ثلاث أذرع فى ذراعين، فى كلّ إصبع ظفران حادّان مثل المنجلين، وكان موضع مقعدها جريب من الأرض، فلمّا بغت بعث الله تعالى إليها أسودا كالفيلة وذئابا كالإبل، ونسورا كالحمر، وسلّطها عليها فقتلوها وأكلوها. قالوا: فلمّا لقى عوج النقباء لقيهم وعلى رأسه حزمة حطب، فأخذهم وجعلهم فى حزمته، وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظرى إلى هؤلاء الّذين يريدون قتالنا. فطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلى؟ قالت امرأته: لا، بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل؛ وجعلوا يتعرّفون أحوالهم. وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلّا خمسة أنفس بينهم فى خيشة، ويدخل فى قشر شطر الرّمانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس. قال: فلمّا خرج النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بنى إسرائيل خبر القوم ارتدّوا عن نبىّ الله، ولكن اكتموا وأخبروا موسى وهارون فيكونا هما يريان رأيهما. فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك؛ ثم انصرفوا إلى موسى- ﵇ وجاءوا بحبّة من عنبهم وقر رجل، ثم إنهم نكثوا العهد، وجعل كلّ واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم، ويخبرهم بما رآى، إلّا يوشع وكالب. قال: فلمّا سمع القوم ذلك من النقباء رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا فى أرض مصر، وليتنا نموت فى هذه البريّة ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم.

стр. 4478

وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر؛ فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ. فلما قالوا ذلك وهمّوا بالانصراف إلى مصر، خرّ موسى وهارون- ﵉ سجّدا، وخرق يوشع وكالب ثيابهما، وهما الّلذان أخبر الله تعالى عنهما بقوله: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، أى يخافون الله. وقرأ سعيد بن جبير (يخافون) بضم الياء. قال: كانا من الجبّارين، فأسلما واتبعا موسى. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ، لأن الله تعالى منجز وعده، وإنا أتيناهم فكانت أجسامهم عظيمة قويّة، وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم، وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين. فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون. فلما قالوا ذلك غضب موسى وقال: ربّ إنّى لا أملك إلّا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. وكانت عجلة عجلها موسى- ﵇ فظهر الغمام على قبّة الزمان، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إلى متى يعصينى هذا الشعب، وإلى متى لا يصدّقون بالآيات؟ لأقتلنهم جميعا، ولأجعلنّ بدلهم شعبا أشدّ وأكثر منهم. قال موسى: إلهى لو أنّك قتلت هذا الشعب كلّه كرجل واحد قالت الأمم الذين سمعوا: إنّما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدّسة، فقتلهم فى البرّيّة. وإنك طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب، وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء، فاغفر لهم ولا توبقهم.

стр. 4479

فقال الله تعالى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعد ما سميّتهم فاسقين ودعوت عليهم، لأحرّمنّ عليهم دخول الأرض المقدّسة غير عبدىّ يوشع وكالب ولأتيهنّهم فى هذه البرّيّة أربعين سنة، ولتلقينّ جيفهم فى هذه القفار؛ وأمّا بنوهم الّذين لم يعملوا الخير والشرّ فإنهم يدخلون الأرض المقدّسة، فذلك قوله تعالى: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ في ستّة فراسخ، يسيرون كلّ يوم جادّين، حتى إذا سئموا وأمسوا، فإذا هم فى الموضع الّذى ارتحلوا منه وكانوا ستّمائة ألف مقاتل، مات النقباء العشرة الّذين أفشوا الخبر بغتة، وكلّ من دخل التيه ممّن جاوز عشرين سنة مات فى التّيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قال: إنّا لن ندخلها أبدا. فلما هلكوا وانقضت أربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريّهم، ساروا إلى حرب الجبّارين، فذلك قوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. والله المعين. ذكر مسير موسى- ﵇ وبنى إسرائيل لحرب الجبّارين ودخولهم القرية قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. اختلف المفسّرون فى القرية: قال ابن عبّاس: هى أريحا، وهى قرية الجبّارين، وكان فيها بقيّة من عاد يقال لهم: العمالقة. وقيل: هى بلقاء.

стр. 4480

وقال ابن كيسان: هى الشأم. وقال الضحّاك: الرملة والأردنّ وفلسطين وتدمر. وقال مجاهد: بيت المقدس. وقال مقاتل: إيلياء. وقوله: رغدا، أى موسّعا عليكم. والباب: باب من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب. وقال مجاهد: هو باب فى بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة. وقيل: هو باب القبّة الّتى كان موسى يصلّى إليها. وعن مجاهد أيضا: أنه باب فى الجبل الّذى كلّم الله تعالى عليه موسى كالفرضة. وقوله: سجّدا، أى منحنين متواضعين. وقال وهب: قيل لهم: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله ، وذلك أنّ موسى- ﵇ لما انقضت مدّة التيّه سار بالأبناء إلى القرية ودخلها، ودخل المؤمنون سجّدا كما أمرهم الله تعالى. وقوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ ، قال قتادة: حطّت عنّا خطايانا، أمروا بالاستغفار. قال ابن عبّاس: يعنى لا إله إلا الله، لأنها تحطّ الذنوب. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. قال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم يسجدوا، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا قولا غير الذى قيل لهم، وذلك أنهم أمروا أن يقولوا: حطّة؛ فقالوا: (هطا سمعاثا) ، يعنون حنطة سمراء استخفافا بأمر الله تعالى؛ قال الله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ، وذلك أنّ الله تعالى أرسل عليهم ظلمة وطاعونا، فهلك منهم فى ساعة واحدة سبعون ألفا.

стр. 4481

قال الكسائىّ: وغلب موسى على مدينة أريحا، وهرب من كان بها من الجبّارين. وقيل: إنما دخل موسى الآن أرض كنعان، وإن مدينة أريحا فتحها يوشع ابن نون بعد وفاة موسى- ﵇ على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار يوشع. ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتّصل بذلك قالوا: ولمّا دخل موسى ببنى إسرائيل أرض كنعان، سار منها يريد مدينة بلقاء. قال مقاتل: سمّيت بلقاء لأنّ ملكها كان يقال له: بالق، وكان بها بلعم بن باعورا، وهو الذى أنزل الله تعالى فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ الآيات. وقيل: نزلت الآيات فى غيره- على ما نذكره إن شاء الله تعالى آخر القصّة-. واختلف أيضا فى اسمه ونسبه. فقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: هو بلعم بن باعورا. وقال ابن مسعود- رضى الله عنه-: بلعم بن ابر. وقال مجاهد: بلعام بن باعر. وقال الثعلبىّ: قال أكثر المفسّرين: هو بلعام بن باعورا بن أيدن بن مأرب ابن لوط، وكان من الكنعانيّين. وقال عطية عن ابن عبّاس: هو من بنى إسرائيل.

стр. 4482

وقال على بن أبى طلحة عنه: هو من الكنعانيّين من مدينة الجبّارين. وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء. قالوا: فلمّا أقبل موسى ببنى إسرائيل إلى مدينة بلقاء، كان أهلها يعبدون الأصنام، فلمّا بلغ الملك مسير موسى- ﵇ إليه استشار أكابر دولته؛ فقالوا له: إنّ فرعون لم يطقه مع كثرة جنوده، فأنت أولى ألّا تطيقه، غير أنّ هاهنا رجلا يعرف ببلعام مجاب الدعوة، التمس منه أن يدعو عليهم ليكفيك ربّك أمر موسى. فبعث الملك إليه وأحضره وتحدّث معه فى أمر موسى؛ فقال: حتى أستأذن ربّى. ودخل بلعم مصلّاه واستأذن فى الخروج، فأوحى إليه أن هذا العسكرهم بنو إسرائيل، وعليهم موسى رسولى، ولا تخرج إليهم. فقال بلعم لرسل الملك: إنّ ربى قد منعنى من ذلك، فانصرفوا وعرّفوا الملك. وكان لبلعم امرأة، فأهدى لها الملك هديّة نفيسة، وسألها أن تكلّم زوجها فى التوجّه مع الملك؛ فسألته؛ فقال: قد استأذنت ربّى فنهانى. فلم تزل به حتى استأذن الله ثانيا؛ فأوحى الله إليه: أنى نهيتك عن ذلك، والآن قد جعلت الأمر إليك. فطابت نفسه بالخروج مع الملك. حكاه الكسائىّ. وقال الثعلبىّ فى تفسيره، وعزاه إلى ابن عباس وابن إسحاق والسدّىّ وغيرهم: إن موسى- ﵇ لما قصد حرب الجبّارين ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتى قوم بلعام- وكان عنده اسم الله الأعظم- فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلّها بنى إسرائيل، وإنّا قومك وبنو عمّك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردّ عنّا موسى وقومه. فقال: ويلكم، هو نبىّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون، كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! وإنى إن فعلت ذلك ذهبت

стр. 4483

دنياى وآخرتى. فراجعوه فى ذلك، فقال: حتى أوامر ربّى.- وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به فى المنام- فآمر فى الدعاء عليهم، فقيل له فى المنام: لا تدع عليهم. فقال لقومه: إنى قد نهيت عن الدعاء عليهم. فأهدوا إليه هديّة فقبلها، ثم راجعوه فى الدعاء عليهم، فقال: حتى أؤامر. فآمر فلم يجر إليه شىء فقال: قد آمرت فلم يجر إلىّ شىء. فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرّة الأولى. فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن؛ فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بنى إسرائيل يقال له: (حبّان) ؛ فلما سار عليها غير كثير ربضت، فنزل عنها فضربها، حتى إذا آلمها قامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فنزل عنها وضربها حتى إذا آلمها أذن لها بالكلام، فتكلّمت حجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟ ألا ترى الملائكة أمامى يردّوننى عن وجهى هذا؟ تذهب إلى نبى الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها؛ فخلّى الله سبيلها؛ فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل (حبّان) جعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشرّ إلا صرف به لسانه إلى قومه؛ ولا يدعو لقومه بخير إلّا صرف لسانه إلى بنى إسرائيل؛ فقال قومه: يا بلعم أتدرى ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا. قال: فهذا مالا أملك. واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلّا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمّلوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإنّهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا؛ فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى «١» بنت صعور برجل من عظماء بنى إسرائيل يقال له:

стр. 4484

زمزى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵈ فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها؛ ثم أقبل حتى وقف على موسى فقال له: إنى أظنك ستقول: هذه حرام عليك. قال موسى: أجل، هى حرام عليك، لا تقربها. قال: فو الله لا نطيعك فى هذا. ثم دخل بها قبّته فوقع عليها فأرسل الله تعالى الطاعون على بنى إسرائيل فى الوقت؛ وكان فنحاص بن العيزار ابن هارون صاحب أمر موسى رجلا قد أعطى بسطة فى الخلق وقوّة فى البطش وكان غائبا حين صنع زمزى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فى بنى إسرائيل فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت كلّها من حديد، ثم دخل عليهما القبّة وهما مضطجعان فنظمهما بحريته، ثم خرج بهما رافعا حربته إلى السماء قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته- وكان بكر العيزار- وجعل يقول: اللهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك؛ ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بنى إسرائيل فى الطاعون- فيما بين أن أصاب المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوه قد أهلك منهم سبعين ألفا فى ساعة واحدة من النهار. قال: فمن هناك يعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص من كلّ ذبيحة ذبحوها الخاصرة «١» والذراع واللّحية، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار بن هارون. قال الثعلبىّ أيضا: وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى. فقال: إنه من أهل دينى فلا أدعو عليه. فنحت الملك خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان

стр. 4485

وقد وقفت، فضربها، فقالت: لم تضربنى وأنا مأمورة؟ فلا تظلمنى، وهذه نار أمامى قد منعتنى أن أمشى. فرجع فأخبر الملك؛ فقال: لتدعونّ عليه أو لأصلّبنّك. فدعا على موسى باسم الله الأعظم ألّا يدخل المدينة، فاستجيب له، ووقع موسى فى التّيه بدعائه، فقال موسى: يا ربّ بأىّ ذنب وقعنا فى التّيه. فقال: بدعاء بلعام. قال: ربّ بما سمعت دعاءه علىّ فاسمع دعائى عليه. فدعا موسى أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان. فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت كحمامة بيضاء، فذلك قوله فَانْسَلَخَ مِنْها. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيّب وأبو روق وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية فى أميّة بن أبى الصّلت، وكانت قصته أنه كان فى ابتداء أمره قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فى ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا- ﷺ حسده وكان قد قصد بعض الملوك، فلما رجع مرّ بقتلى بدر، فسأل عنهم؛ فقيل: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبيّا ما قتل أقرباءه. فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله- ﷺ فسألها رسول الله- ﷺ عن وفاة أخيها؛ فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الّذى عند رجليه للّذى عند رأسه: أوعى؟ قال: وعى. قال: أزكا «١» قال: أبى. [قالت] «٢» : فسألته عن ذلك؟ فقال: خير أريد بى فصرف عنّى. ثم غشى عليه، فلمّا أفاق قال:
следующие страницы →