Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
قال الكسائىّ: وغلب موسى على مدينة أريحا، وهرب من كان بها من الجبّارين.
وقيل: إنما دخل موسى الآن أرض كنعان، وإن مدينة أريحا فتحها يوشع ابن نون بعد وفاة موسى- ﵇ على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار يوشع.
ذكر خبر مدينة بلقاء وخبر بلعم بن باعورا وما يتّصل بذلك
قالوا: ولمّا دخل موسى ببنى إسرائيل أرض كنعان، سار منها يريد مدينة بلقاء.
قال مقاتل: سمّيت بلقاء لأنّ ملكها كان يقال له: بالق، وكان بها بلعم بن باعورا، وهو الذى أنزل الله تعالى فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
الآيات.
وقيل: نزلت الآيات فى غيره- على ما نذكره إن شاء الله تعالى آخر القصّة-.
واختلف أيضا فى اسمه ونسبه.
فقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: هو بلعم بن باعورا.
وقال ابن مسعود- رضى الله عنه-: بلعم بن ابر.
وقال مجاهد: بلعام بن باعر.
وقال الثعلبىّ: قال أكثر المفسّرين: هو بلعام بن باعورا بن أيدن بن مأرب ابن لوط، وكان من الكنعانيّين.
وقال عطية عن ابن عبّاس: هو من بنى إسرائيل.
стр. 4482
وقال على بن أبى طلحة عنه: هو من الكنعانيّين من مدينة الجبّارين.
وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء.
قالوا: فلمّا أقبل موسى ببنى إسرائيل إلى مدينة بلقاء، كان أهلها يعبدون الأصنام، فلمّا بلغ الملك مسير موسى- ﵇ إليه استشار أكابر دولته؛ فقالوا له: إنّ فرعون لم يطقه مع كثرة جنوده، فأنت أولى ألّا تطيقه، غير أنّ هاهنا رجلا يعرف ببلعام مجاب الدعوة، التمس منه أن يدعو عليهم ليكفيك ربّك أمر موسى. فبعث الملك إليه وأحضره وتحدّث معه فى أمر موسى؛ فقال: حتى أستأذن ربّى. ودخل بلعم مصلّاه واستأذن فى الخروج، فأوحى إليه أن هذا العسكرهم بنو إسرائيل، وعليهم موسى رسولى، ولا تخرج إليهم. فقال بلعم لرسل الملك: إنّ ربى قد منعنى من ذلك، فانصرفوا وعرّفوا الملك.
وكان لبلعم امرأة، فأهدى لها الملك هديّة نفيسة، وسألها أن تكلّم زوجها فى التوجّه مع الملك؛ فسألته؛ فقال: قد استأذنت ربّى فنهانى. فلم تزل به حتى استأذن الله ثانيا؛ فأوحى الله إليه: أنى نهيتك عن ذلك، والآن قد جعلت الأمر إليك. فطابت نفسه بالخروج مع الملك. حكاه الكسائىّ.
وقال الثعلبىّ فى تفسيره، وعزاه إلى ابن عباس وابن إسحاق والسدّىّ وغيرهم:
إن موسى- ﵇ لما قصد حرب الجبّارين ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتى قوم بلعام- وكان عنده اسم الله الأعظم- فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلّها بنى إسرائيل، وإنّا قومك وبنو عمّك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يردّ عنّا موسى وقومه. فقال: ويلكم، هو نبىّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون، كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! وإنى إن فعلت ذلك ذهبت
стр. 4483
دنياى وآخرتى. فراجعوه فى ذلك، فقال: حتى أوامر ربّى.- وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به فى المنام- فآمر فى الدعاء عليهم، فقيل له فى المنام:
لا تدع عليهم. فقال لقومه: إنى قد نهيت عن الدعاء عليهم. فأهدوا إليه هديّة فقبلها، ثم راجعوه فى الدعاء عليهم، فقال: حتى أؤامر. فآمر فلم يجر إليه شىء فقال: قد آمرت فلم يجر إلىّ شىء. فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرّة الأولى. فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن؛ فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بنى إسرائيل يقال له:
(حبّان) ؛ فلما سار عليها غير كثير ربضت، فنزل عنها فضربها، حتى إذا آلمها قامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فنزل عنها وضربها حتى إذا آلمها أذن لها بالكلام، فتكلّمت حجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟
ألا ترى الملائكة أمامى يردّوننى عن وجهى هذا؟ تذهب إلى نبى الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها؛ فخلّى الله سبيلها؛ فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل (حبّان) جعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشرّ إلا صرف به لسانه إلى قومه؛ ولا يدعو لقومه بخير إلّا صرف لسانه إلى بنى إسرائيل؛ فقال قومه: يا بلعم أتدرى ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا. قال: فهذا مالا أملك. واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلّا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمّلوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ السّلع، ثم أرسلوهنّ إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإنّهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا؛ فلما دخل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى «١» بنت صعور برجل من عظماء بنى إسرائيل يقال له:
стр. 4484
زمزى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵈ فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها؛ ثم أقبل حتى وقف على موسى فقال له: إنى أظنك ستقول: هذه حرام عليك. قال موسى: أجل، هى حرام عليك، لا تقربها. قال: فو الله لا نطيعك فى هذا. ثم دخل بها قبّته فوقع عليها فأرسل الله تعالى الطاعون على بنى إسرائيل فى الوقت؛ وكان فنحاص بن العيزار ابن هارون صاحب أمر موسى رجلا قد أعطى بسطة فى الخلق وقوّة فى البطش وكان غائبا حين صنع زمزى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فى بنى إسرائيل فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت كلّها من حديد، ثم دخل عليهما القبّة وهما مضطجعان فنظمهما بحريته، ثم خرج بهما رافعا حربته إلى السماء قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته- وكان بكر العيزار- وجعل يقول: اللهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك؛ ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بنى إسرائيل فى الطاعون- فيما بين أن أصاب المرأة إلى أن قتله فنحاص- فوجدوه قد أهلك منهم سبعين ألفا فى ساعة واحدة من النهار.
قال: فمن هناك يعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص من كلّ ذبيحة ذبحوها الخاصرة «١» والذراع واللّحية، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار بن هارون.
قال الثعلبىّ أيضا: وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى. فقال: إنه من أهل دينى فلا أدعو عليه. فنحت الملك خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان
стр. 4485
وقد وقفت، فضربها، فقالت: لم تضربنى وأنا مأمورة؟ فلا تظلمنى، وهذه نار أمامى قد منعتنى أن أمشى. فرجع فأخبر الملك؛ فقال: لتدعونّ عليه أو لأصلّبنّك.
فدعا على موسى باسم الله الأعظم ألّا يدخل المدينة، فاستجيب له، ووقع موسى فى التّيه بدعائه، فقال موسى: يا ربّ بأىّ ذنب وقعنا فى التّيه. فقال: بدعاء بلعام.
قال: ربّ بما سمعت دعاءه علىّ فاسمع دعائى عليه. فدعا موسى أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان. فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت كحمامة بيضاء، فذلك قوله فَانْسَلَخَ مِنْها.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيّب وأبو روق وزيد بن أسلم:
نزلت هذه الآية فى أميّة بن أبى الصّلت، وكانت قصته أنه كان فى ابتداء أمره قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فى ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا- ﷺ حسده وكان قد قصد بعض الملوك، فلما رجع مرّ بقتلى بدر، فسأل عنهم؛ فقيل: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبيّا ما قتل أقرباءه. فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله- ﷺ فسألها رسول الله- ﷺ عن وفاة أخيها؛ فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الّذى عند رجليه للّذى عند رأسه: أوعى؟ قال:
وعى. قال: أزكا «١» قال: أبى. [قالت] «٢» : فسألته عن ذلك؟ فقال: خير أريد بى فصرف عنّى. ثم غشى عليه، فلمّا أفاق قال:
стр. 4486
كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر أمره إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى ... فى قلال الجبال أرعى الوعولا
إنّ يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يوما ثقيلا
ثم قال لها رسول الله- ﷺ أنشدينى من شعر أخيك.
فأنشدته:
لك الحمد والنّعماء والفضل ربّنا ... ولا شىء أعلى منك جدّا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزّته تعنو الوجوه وتسجد
وهى قصيدة طويلة، حتى أتت على آخرها.
وأنشدته قصيدته الّتى يقول فيها:
يوقف الناس للحساب جميعا ... فشقّى معذّب وسعيد
ثم أنشدته قصيدته الّتى يقول فيها:
عند ذى العرش تعرضون عليه ... يعلم الجهر والسّرار الخفيّا
يوم نأتى الرحمن وهو رحيم ... إنّه كان وعده مأتيّا
يوم آتيه- مثل ما قال- فردا ... ثم لا أدر «١» راشدا أم غويّا
أسعيدا إسعاده أنا أرجو ... أو مهانا بما اكتسبت شقيّا
إن أؤاخذ بما اجترمت فإنّى ... سوف ألقى من العذاب فريّا
ربّ إن تعف فالمعافاة ظنّى ... أو تعاقب فلم تعاقب بريّا
فقال رسول الله ﷺ : آمن شعره وكفر قلبه. وأنزل الله تعالى فيه:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
الآيات.
стр. 4487
ومنهم من قال: إنّ الآيات نزلت فى البسوس، وكان رجلا أعطى ثلاث دعوات مستجابة، وكانت له امرأة، وكان له منها ولد، فقالت: اجعل لى منها دعوة واحدة. فقال: لك فيها دعوة، فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلنى أجمل امرأة فى بنى إسرائيل. فدعا لها، فصارت أجمل امرأة فى بنى إسرائيل؛ فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب ودعا عليها، فصارت كلبة نبّاحة، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمّنا كلبة نبّاحة والناس يعيّروننا بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال الّتى كانت عليها. فدعا الله تعالى، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات.
وقال أبو سعيد: نزلت فى أبى عامر بن نعمان بن صيفىّ الراهب الذى سمّاه رسول الله ﷺ : الفاسق، وكان قد ترهّب فى الجاهليّة ولبس المسوح وقدم المدينة، فقال للنبىّ ﷺ : ما هذا الذى جئت به؟ فقال:
جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم. قال: فأنا عليها، فقال له النبىّ ﷺ :
لست عليها، ولكنّك أدخلت فيها ما ليس منها. ثم خرج إلى كفّار قريش.
وأخباره تذكر- إن شاء الله- فى سيرة سيّدنا رسول الله- ﷺ .
فهذا ما قيل فى تفسير هذه الآية.
قال الكسائىّ: ونادى موسى فى قومه بعد رفع الطاعون عنهم: «أن احملوا» .
فحملوا واقتتلوا، فقتل الملك وبلعم، وانهزم الباقون، وغنم بنو إسرائيل من النساء والولدان شيئا كثيرا. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 4488
ذكر خبر وفاة هارون ﵊
قال الكسائىّ:- وذكر وفاة هارون إثر خبر البقرة وقتل عاميل- قال:
لمّا كان بعد قتل عاميل نظر هارون إلى جبل فى التّيه بعيد من العسكر، فقال:
يا موسى، ألا نمضى إلى ذلك الجبل فننظر إلى خضرته ونضارته. فمضيا من الغد ومعهما أولاد هارون، فأتوه فإذا هو جبل كثير المياه والعشب والكهوف وفيه كهف واسع يسطع نورا، فدخلوه وإذا هم بسرير من ذهب عليه أنواع من الفرش، فصعد هارون إليه ونام، فجاء طوله، فهمّ أن ينزل، فأتاه ملك الموت فى صورة شابّ حسن، فقبض روحه، وغسّلته الملائكة، وصلّى موسى عليه، وسدّوا باب الكهف، وعاد موسى إلى بنى إسرائيل، فسألوه عن هارون، فأخبرهم بوفاته قالوا: بل قتلته. فقال: ماذا لقيت منكم يا سفهاء بنى إسرائيل، أقتل أخى وشقيقى؟ ثم دعا ربّه أن يريهم إيّاه على صورته. فأمر الله تعالى الملائكة أن يخرجوا سريره من الكهف، فأخرجوه وحملوه فى الهواء حتى نظرت إليه بنو إسرائيل، ثم نادت الملائكة: يا بنى إسرائيل، هذا سرير هارون قد قبضه الله تعالى إليه.
وقال أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسيره فى وفاة هارون- ﵇ قال السدّىّ: أوحى الله تعالى إلى موسى- ﵇ أنى متوفى هارون، فأت به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون- ﵉ نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم يريا شجرة مثلها، وإذا بيت مبنى، وفيه سرير عليه فراش واذا فيه ريح طيّبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه وقال: يا موسى، إنّى أحبّ أن أنام على هذا السرير. قال: نم عليه. قال: إنى أخاف أن يأتى ربّ هذا البيت فيغضب علىّ. قال موسى: لا ترهب، أنا أكفيك ربّ هذا البيت، فنم.
стр. 4489
قال: يا موسى، بل نم معى، فإن جاء ربّ البيت غضب علىّ وعليك جميعا. فلمّا ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسّه قال: يا موسى خدعتنى. فلمّا قبض- ﵇ رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بنى إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحبّ بنى إسرائيل له. فلمّا أكثروا عليه قام فصلّى ركعتين، ثم دعا الله تعالى، فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض؛ فصدّقوه.
وقال الثعلبىّ أيضا. وقال عمرو بن ميمون: مات هارون- ﵇ فى التّيه، ومات قبل موسى، وكانا خرجا فى التّيه إلى بعض تلك الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف إلى بنى إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال:
مات. قالوا: كذبت، ولكنّك قتلته لحبّنا إيّاه- وكان محبّبا فى بنى إسرائيل- فتضرّع موسى إلى الله تعالى وشكا ما لقى من بنى إسرائيل؛ فأوحى الله إليه: أن انطلق بهم إلى قبره، فإنّى باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا وأنك لم تقتله. فانطلق بهم موسى إلى قبره، فنادى: يا هارون. فخرج من قبره ينفض رأسه؛ فقال:
أنا قاتلك؟ قال: لا، ولكنّى متّ. قال: فعد إلى مضجعك. فعاد- ﵇ وانصرفوا.
ذكر وفاة موسى بن عمران- ﵊ -
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀ قال ابن إسحاق: كان موسى- ﵇ قد كره الموت وأعظمه، فأراد الله تعالى أن يحبّب إليه الموت ويكره إليه الحياة؛ وكان يوشع بن نون يغدو عليه ويروح، فيقول له موسى: يا نبىّ الله ما أحدث الله إليك. فيقول له يوشع: يا نبىّ الله، ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل
стр. 4490
كنت أسألك عن شىء ممّا أحدث الله إليك حتى تكون أنت تبتدئ به وتذكره؟
ولا يذكر له شيئا.
فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحبّ الموت.
وعن وهب أنه قال- وذكر من كرامة موسى ﵇ أنه ضاق ببنى إسرائيل ذرعا لمّا كثّروا عليه؛ فأوحى الله تعالى إلى ألف نبىّ أن يكونوا أعوانا له؛ فلمّا مال الناس إليهم وجد موسى فى نفسه، فأماتهم الله تعالى لكرامته فى يوم واحد.
والذى صحّ لنا من خبر وفاة موسى- ﵇ ما ثبت فى صحيح البخارىّ وهو ما حدّثنا به الشيخان المسندان المعمّران: شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن أبى طالب نعمة بن حسن بن علىّ بن سنان الشّحنة الصالحىّ الحجّار، وستّ الوزراء أمّ محمد «١» (وزيرة) ابنة الشيخ الإمام العالم شمس الدين أبى حفص عمر ابن القاضى وجيه الدين أسعد بن المنجا التنوخىّ الدمشقيّان، قراءة عليهما، وأنا أسمع بالمدينة المنصوريّة بخطّ (بين القصرين بالقاهرة المعزّيّة) ، وذلك فى يوم السبت السابع من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، بقراءة الشيخ علاء الدين علىّ بن الماردينى، قالا: حدّثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدىّ، قال: أخبرنا الشيخ أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعيب السّجزىّ الصوفىّ ثم الهروىّ، قال: أخبرنا الإمام جمال الدين أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود الداودىّ، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حمويه التنوخىّ، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن مطر الفهرىّ، قال: حدّثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن
стр. 4491
إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف الجعفىّ مولاهم البخارىّ- ﵀ قال:
حدّثنا محمود، حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكّه، فرجع إلى ربّه فقال: أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت. فردّ الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطّت به يده بكل شعرة سنة. قال: أى رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر. قال: قال رسول الله- ﷺ : فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر.
قال الثعلبى: وكان عمر موسى- ﵇ مائة وعشرين سنة، عشرون منها فى ملك أفريدون، ومائة سنة فى ملك منوجهر، وبعث الله تعالى بعد موسى يوشع ﵉.
كمل الجزء الثالث عشر من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكرى التيمىّ القرشى المعروف بالنويرىّ- رحمه الله تعالى- ويليه الجزء الرابع عشر، وأوّله: الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الخامس فيما كان بعد موسى بن عمران ﵉، وهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود ﵈.
والحمد لله رب العالمين
стр. 4492
استدراك
قد وقعت بعض أخطاء مطبعية يسيرة فى هذا الجزء، فرأينا أن نستدرك ما عثرنا عليه منها بعد الطبع، وهى فى ثلاثة مواضع:
(١) وقع فى صفحة ٢٨ سطر ٥ قوله: «إبناء» . والصواب «بناء» بغير ألف فى أوّله.
(٢) وفى صفحة ١٧٣ سطر ٩ قوله: «وخروج» . والصواب:
«وحروب» كما فى بعض النسخ.
(٣) وفى صفحة ٢٢٠ سطر ٣ ما نصه: «أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفينا فمنهم ظالم لنفسه» الخ. وقد كتبنا فى الحاشية رقم ١ من هذه الصفحة ما يفيد أن قوله: «الذين» غير واضح موقعها من الإعراب فى هذه العبارة بخلاف موقعها من الآية المقتبسة منها، وهى قوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا» اه. وقد تبين لنا أن قوله: «الذين اصطفينا» زائدة فى هذه العبارة التى وردت فى كلام المؤلف، فقد ورد هذا الكلام فى كتاب الثعلبى المنقول عنه هذا الكلام- مع اختلاف فى بعض ألفاظه، فليلاحظ- ونصه:
«أجد أمة مرحومة أصفياء يرثون الكتاب فمنهم ظالم لنفسه» الخ.
стр. 4493
كمل طبع «الجزء الثالث عشر من كتاب نهاية الأرب» بمطبعة دار الكتب المصرية فى يوم الثلاثاء ٢٨ شوّال سنة ١٣٥٧ (٢٠ ديسمبر سنة ١٩٣٨) محمد نديم ملاحظ المطبعة بدار الكتب المصرية
стр. 4494
(مطبعة دار الكتب المصرية ٣٤/١٩٣٧/٢٥٠٠)
стр. 4495
فهرس الجزء الرابع عشر
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى
الباب الثانى من القسم الثالث من الفنّ الخامس فيما كان بعد موسى ابن عمران ﵉ ١
ذكر خبر يوشع بن نون ﵇ وفتح أريحا وغيرها ١
ذكر خبر حزقيل ﵇ ٦
ذكر خبر إلياس ﵇ ٩
ذكر دعاء إلياس على قومه وما حل بهم من القحط وخبر اليسع حين اتبع إلياس ٢٤
ذكر رفع البلاء عن قوم إلياس بدعوته واستمرارهم على الكفر ورفع إلياس وهلاك آجاب الملك وامرأته، ونبوّة اليسع ٢٦
ذكر نبوّة اليسع ﵇ ٢٨
ذكر خبر عيلى وأشمويل وما يتصل بذلك ٣١
ذكر ابتداء أمر أشمويل وكيف كانت نبوّته ٣٢
ذكر خبر الملك طالوت وإتيان التابوت وخبر جالوت ٣٦
ذكر قصة التابوت وصفته وما قيل فيه ٣٨
ذكر إتيان التابوت إلى بنى إسرائيل وسبب عوده ٤٢
ذكر مسير طالوت بالجنود وخبر النهر الذى ابتلوا به ٤٤
ذكر خبر داود حين قتل جالوت الملك ٤٥
стр. 4496
ذكر خلافة داود ﵇ ونبوّته ومبعثه إلى بنى إسرائيل وما خصه الله به ٥٤
ذكر خبر داود ﵇ حين ابتلى بالخطيئة ٦١
ذكر ميلاد سليمان بن داود ﵉ ٧٠
ذكر خبر أبشالوم بن داود ٧٠
ذكر خبر الزرع الذى رعته الغنم وما حكم فيه سليمان ﵇ ٧٢
ذكر خبر الذين اعتدوا فى السبت ٧٣
ذكر استخلاف داود ابنه سليمان ﵉ وخبر الصحيفة وابتداء أمر الخاتم ٧٦
ذكر وفاة داود ﵇ ٨٠
ذكر نبوّة سليمان بن داود ﵉ وملكه ٨٢
ذكر حشر الطير لسليمان بن داود ﵉ وكلامها له ٨٢
ذكر خبر العنقاء فى القضاء والقدر ٨٦
ذكر خبر خاتم سليمان ﵇ ٩٣
ذكر خبر حشر الجنّ لسليمان بن داود ﵉ ٩٤
ذكر خبر مطابخه ﵇ ٩٥
ذكر خبر الرزق الذى سأل سليمان الله تعالى أن يجريه على يديه ٩٦
ذكر خبر بناء بيت المقدس وابتداء أمره ٩٧
ذكر خبر وادى النمل وما قيل فيه ١٠٣
ذكر خبر البعوض وما قيل فيه ١٠٤
ذكر خبر الخيل وما قيل فيها ١٠٥
ذكر خبر بساط سليمان ﵇ ١٠٧
ذكر خبر صخر الجنىّ ١٠٨
ذكر صفة كرسىّ سليمان ﵇ وما انتهى إليه أمره ١٠٩
стр. 4497
ذكر خبر بلقيس وابتداء أمرها ١١١
ذكر خبر ميلاد بلقيس وكيف كان وسبب ملكها ١١٣
ذكر خبر سليمان وبلقيس وسبب زواجه بها ١١٦
ذكر صفة القصر الذى بنته بلقيس وصفة عرشها ١٢٣
ذكر خبر وادى القردة ١٢٤
ذكر خبر الرجل الذى قبض بأرض الهند ١٢٥
ذكر خبر الفتنة وذهاب خاتم سليمان ﵇ ورجوعه إليه ١٢٥
ذكر عزم سليمان ﵇ أن يطوف على نسائه ١٣٤
ذكر وفاة بلقيس زوجة سليمان ﵇ ١٣٤
ذكر خبر وفاة سليمان بن داود ﵉ ١٣٥
الباب الثالث من القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار شعيا وإرميا ﵉ وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزير وفتنة اليهود ١٤٢
ذكر قصة شعيا ﵇ ١٤٢
ذكر قصة إرميا ﵇ ١٤٩
ذكر خبر بختنصر وابتداء أمره وكيف ملك ١٥٣
ذكر خبر بختنصر مع دانيال ١٥٨
ذكر خبر عمارة بيت المقدس بعد أن خربه بختنصر وخبر الذى مرّ على قرية ١٦٤
الباب الرابع من القسم الثالث من الفنّ الخامس فى قصة ذى النون يونس ابن متّى ﵇ وخبر بلوقيا ١٧١
ذكر قصة ذى النون يونس بن متّى ﵇ ١٧١
ذكر خبر بلوقيا وما شاهد من العجائب ١٨٢
стр. 4498
الباب الخامس من القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار زكريا وابناه يحيى وعمران ومريم وعيسى بن مريم ﵈ ١٩٥
ذكر نسب زكريا وعمران ﵉ وما يتصل بذلك ١٩٥
ذكر ميلاد مريم بنة عمران ﵇ ١٩٦
ذكر دعاء زكريا أن يرزقه الله الولد ومولد يحيى بن زكريا ١٩٨
ذكر صفة يحيى بن زكريا وحليته ٢٠١
ذكر نبوّة يحيى ﵇ وسيرته وزهده ٢٠١
ذكر مقتل يحيى بن زكريا وأبيه زكريا ﵉ ٢٠٢
ذكر هلاك بنى إسرائيل وخراب بيت المقدس ثانيا ٢٠٦
ذكر خبر حمل مريم بنة عمران بعيسى ﵉ ٢٠٩
ذكر خبر ميلاد عيسى بن مريم ﵉ ٢١٣
ذكر رجوع مريم بعيسى ﵇ بعد مولده الى قومها ٢١٨
ذكر خروج مريم وعيسى ﵉ الى مصر وما ظهر له من المعجزات فى مسيره ومدّة مقامه الى أن عاد ٢١٩
ذكر خبر زكريا ﵇ مع هيرودس الملك وما كان من أمره ٢٢٤
ذكر رجوع عيسى ومريم ﵉ من مصر ٢٢٥
ذكر خبر الحواريين حين اتبعوا عيسى ﵇ وآمنوا به ٢٢٦
ذكر الخصائص والآيات والمعجزات التى أظهرها الله تعالى على يد عيسى ﵇ بعد مبعثه ٢٢٧
ذكر خبر سام بن نوح وغيره الذين أحياهم عيسى بإذن الله ٢٢٩
ذكر خبر يجمع عدّة معجزات من معجزات عيسى ﵇ ٢٣٣
ذكر خبر المائدة التى أنزلها الله من السماء ٢٣٦
ذكر ما قالته الشياطين الثلاثة فى عيسى بن مريم واتبعهم الناس بعدهم ٢٤٣
ذكر خبر إبليس حين عارض عيسى ﵇ وما خاطبه به وجوابه ٢٤٤
стр. 4499
ذكر خبر عيسى مع اليهود حين ظفروا به وأرادوا صلبه وقتله ٢٤٦
ذكر خبر رفع عيسى ﵇ أوّل مرة وهبوطه إلى الأرض ووصيته إلى الحواريين ورفعه ثانيا ٢٤٧
ذكر وفاة مريم بنة عمران ﵍ ٢٤٨
الباب السادس من القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار الحواريين الذين أرسلهم عيسى ﵇ وما كان من أمرهم مع من أرسلوا اليه وخبر جرجيس ٢٥٠
ذكر خبر أخبار الحواريين ٢٥٠
ذكر خبر يوحنا ويونس اللذين توجها إلى إنطاكية ٢٥٠
ذكر خبر توما الحوارى مع ملك الهند وإيمانه به ٢٥٥
ذكر خبر لوقا الحوارى مع ملك فارس ٢٥٧
ذكر خبر جرجيس رحمة الله عليه ٢٥٩
التذبيل على القسم الثالث من الفنّ الخامس ٢٧٠
الباب الأوّل من التذبيل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى ذكر الحوادث التى تظهر قبل نزول عيسى بن مريم ٢٧١
ذكر خبر المتغلبين على البلاد وذلك مما يظهر من الفتن قبل نزول عيسى ﵇ ٢٧٢
ذكر خبر خروج المهدىّ ٢٧٣
ذكر خبر خروج الدجّال وصفته وما يكون من أمره الى أن ينزل عيسى ﵇ ٢٧٥
الباب الثانى من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى خبر نزول عيسى بن مريم ﵇ وقتله الدجّال وخروج يأجوج ومأجوج وفسادهم وهلاكهم ووفاة عيسى ﵇ ٢٧٧
ذكر نزول عيسى بن مريم ﵇ ٢٧٧
ذكر خبر يأجوج ومأجوج ٢٧٨
الحديث الجامع لأخبار عيسى بن مريم ﵇ والدجّال ٢٨١
стр. 4500
الباب الثالث من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم ﵇ الى أن ينفخ إسرافيل فى الصور النفخة الأولى ٢٨٥
ذكر خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ٢٨٥
ذكر خبر قيام الساعة والنفخة الأولى ٢٨٦
الباب الرابع من التذييل على القسم الثالث من الفنّ الخامس فى أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية فى الصور ٢٨٨
ذكر يوم القيامة وأسمائه ٢٨٨
ذكر الحشر والمعاد والنفخة الثانية ٢٨٩
حديث لقيط بن عامر ٢٩٢
القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأصقاع وملوك الأمم والطوائف وخبر سيل العرم ووقائع العرب فى الجاهلية ويشتمل على خمسة أبواب ٢٩٨
الباب الأوّل فى أخبار ذى القرنين الذى ذكره الله فى كتابه العزيز فى سورة الكهف ٢٩٨
ذكر أخبار ذى القرنين ٢٩٨
ذكر خبر دخول ذى القرنين الظلمات مما يلى القطب الشمالىّ لطلب عين الحياة ٣٠٩
الباب الثانى من القسم الرابع من الفنّ الخامس فى أخبار ملوك الأصقاع وهم ملوك الهند والصين والترك وجبل الفتح وملوك مصر ٣١٩
ذكر أخبار ملوك الهند ٣١٩
ذكر تنصيب ابن البرهمن وهو الباهبود ٣٢١
ذكر أخبار ملوك الصين ٣٢٤
ذكر أخبار ملوك الترك ٣٣٢
ذكر جبل الفتح وما عليه من الملوك والأمم ٣٣٤
стр. 4501
الجزء الرابع عشر
تتمة الفن الخامس في التاريخ
تتمة القسم الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الخامس فيما كان بعد موسى بن عمران ﵉
«١» وهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع وعيلى «٢» وأشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود ﵈
ذكر خبر يوشع «٣» بن نون- ﵇ وفتح أريحا وغيرها
قال أبو إسحاق الثّعلبىّ- رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء فيمن تولّى حرب الجبّارين وفيمن كان على يده الفتح، فقال قوم: إنما فتح أريحا «٤» موسى
стр. 4502
- ﵇ وكان يوشع على مقدّمته فسار إليها بمن بقى من بنى إسرائيل ولم يمت فى التّيه، فدخلها يوشع بهم وقتل الجبّارين «١» الذين كانوا فيها، ودخلها موسى ببنى إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله تعالى أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى، ولم يعلم أحد من الناس أين قبره. قال: وهذا أولى الأقاويل بالصدق. وقال الآخرون:
إنما قتل الجبّارين يوشع ولم يسر إليهم إلّا بعد موت موسى. وقالوا: إنما مات موسى وهارون- ﵉ فى التّيه.
قالوا: فلما انقضت مدّة التّيه ومات موسى- ﵇ بعث الله تعالى يوشع بن نون نبيّا، فأخبرهم أنه نبىّ الله تعالى، وأنّ الله- قد أمره بقتال الجبّارين، فصدّقوه وبايعوه. فتوجّه ببنى إسرائيل الى أريحا ومعه تابوت «٢» الميثاق، فأحاط بمدينة أريحا ستّة أشهر، فلمّا كان فى الشهر السابع نفخوا فى القرون «٣» وضجّ الشعب ضجّة واحدة «٤» ، فسقط سور المدينة، فدخلوها وقاتلوا الجبّارين، فهزموهم وهجموا عليهم يقتّلونهم، فكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها، وكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقيّة وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فخشى يوشع أن يعجزوه، فقال: اللهم اردد الشمس علىّ، وقال للشمس: إنك فى طاعة الله، وأنا فى طاعة الله. فسأل الشمس
стр. 4503
أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل غروب الشمس، فردّت عليه الشمس وزيد له فى النهار ساعة واحدة حتى قتلهم أجمعين.
قالوا: ثم أرسل ملوك الأرمانيّين «١» بعضهم الى بعض- وكانوا خمسة «٢» - فجمعوا كلمتهم على حرب يوشع وقومه، فهزمت بنو إسرائيل الملوك حتى أهبطوهم إلى ثنيّة حوران، «٣» فرماهم الله تعالى بأحجار البرد، فكان من قتله البرد أكثر ممّن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وهربت الملوك الخمسة، فاختفوا فى غار، فأمر بهم يوشع فأخرجوا، فقتلهم وصلبهم، ثم أنزلهم وطرحهم فى ذلك الغار، وتتّبع سائر ملوك الشأم فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشأم، وصار الشأم كلّه لبنى إسرائيل، وفرّق عمّاله فى نواحى الشأم.
وحكى الكسائىّ فى (كتاب المبتدا) أنّ يوشع أخذ فى الجهاد بعد وفاة موسى ﵇ حتى فتح الله على يديه نيّفا وثلاثين مدينة من مدن الكفّار بأرض الشأم. قال: ثم سار ببنى إسرائيل الى أريحا لقتال الجبّارين، وكانوا قد عادوا إليها بعد أن فتحها موسى، فقاتلهم يوم الجمعة، وساق نحو ما تقدّم من حبس الشمس.
قال: وفسد على أهل علم النجوم علوم كثيرة من ذلك اليوم.
قال الكسائىّ: ولما فرغ يوشع بن نون من قتال الجبّارين بأريحا سار ببنى إسرائيل الى أرض بنى كنعان، فقاتلهم حتى قتل أكثر من ثلاثين ملكا، وفتح ثلاثين حصنا.
стр. 4504
قال الثعلبىّ فى تفسيره: ولمّا قتل يوشع الملوك واستباح الأموال جمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله تعالى إلى يوشع أنّ فيها غلولا «١» ، فمرهم فليبا يعوك فبايعوه، فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك!. فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت والجوهر كان قد غلّه، فجعله فى القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان.
قالوا: ثم مات يوشع فدفن فى جبل أفرائيم «٢» ، وكان عمره مائة وستّا «٣» وعشرين سنة، وتدبيره أمر بنى إسرائيل بعد وفاة موسى- ﵇ تسعا وعشرين سنة. وقال الكسائىّ: أربعين سنة. والله تعالى أعلم.
ولما مات استخلف على بنى إسرائيل كالب «٤» بن يوقنّا، وهو من أولاد يهوذا بن يعقوب، وكان من الزّهاد، فسار فيهم أجمل سيرة حتى قبضه الله تعالى.
فاستخلف عليهم ابنه برشاناس «٥» وكان نظير يوسف الصدّيق- ﵇ فى حسنه وجماله، فافتتن الناس به، فسأل الله تعالى أن يغيّر خلقته، فأصابه
стр. 4505
الجدرىّ، فتغيّرت خلقته، فأنكره الناس وأكثروا من سؤاله عن خبره، فشقّ ذلك عليه وشغله عن عبادته، فسأل الله تعالى أن يزيده تشويها، فاسترخى وجهه، وظهرت له أسنان طوال، وقبح حتى كره الناس أن ينظروا إليه، وعرفوا منه الاجتهاد فى عبادة الله تعالى وطاعته، فآختاروه وسمعوا له وأطاعوا، ولم يزل بين أظهرهم أربعين سنة ثم قبضه الله تعالى.
فقام بأمرهم العيزار «١» بن هارون بن عمران، وكان قد أسنّ ولا ولد له، فجعلوا يقولون: ما حرم الولد إلّا لذنب عظيم. فسأل الله الولد، فرزقه ولدا بعد كبر سنّه وإياس زوجته صفّوريّة «٢» بنت عمّه موسى بن عمران وجدّد له قوّة، ولها جمالا وحسنا، وسمّى ولده «سباسبا» «٣» وجاء عالما بالتوراة، فاستخلفه والده على بنى إسرائيل، فقام بأمرهم، وتزوّج بامرأة يقال لها صفّوريّة، فأولدها إلياس. هكذا نقل الكسائىّ.
وقال الثعلبىّ فى قصصه فى خبر ابن كالب وسمّاه «بوساقوس» : وأنه لمّا افتتن الناس به سأل الله تعالى أن يغيّر صورته مع سلامة حواسه وجوارحه فأصابه الجدرىّ. وقال: إنه لبث فيهم مائة سنة، ثم قبضه الله- . ولم يذكر العيزار وابنه، بل ذكر خبر حزقيل. والله تعالى أعلم.
стр. 4506
ذكر خبر حزقيل ﵇
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- قالت العلماء: لمّا قبض الله تعالى كالب وابنه، بعث الله- حزقيل «١» إلى بنى إسرائيل، وهو حزقيل بن بوذى، ويلقّب بابن العجوز.
قال: وإنما لقّب بذلك لأن أمّه سألت الله تعالى الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها، وهو الذى أحيا الله تعالى القوم بعد وفاتهم بدعائه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ «٢» .
قال قال أكثر المفسرين: كانت قرية يقال لها داوردان «٣» قبل واسط وقع بها الطاعون، فخرج منها طائفة هاربين من الطاعون وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقى فى القرية، وسلم الذين خرجوا، فلمّا ارتفع الطاعون رجعوا سالمين. فقال الذين بقوا:
أصحابنا كانوا أحزم منّا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون بها ثانية لنخرجنّ إلى الأرض التى لا وباء فيها. فوقع الطاعون من قابل. فهرب عامّة أهلها، فخرجوا حتى نزلوا واديّا أفيح «٤» ، فلمّا نزلوا المكان الذى يبغون فيه الحياة والنجاة، إذا هم بملك من أسفل الوادى وآخر من أعلاه يناديهم كل واحد منهما أن موتوا «٥» فماتوا.
стр. 4507
وقال الضحّاك ومقاتل والكلبىّ: إنّما فرّ هؤلاء من الجهاد؛ وذلك أنّ ملكا من ملوك بنى إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوّهم، فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت وأعتلّوا وقالوا لملكهم: إنّ الأرض التى نأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء؛ فأرسل الله تعالى عليهم الموت، فلمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا منه. فلمّا رأى الملك ذلك قال: اللهمّ ربّ يعقوب وإله موسى، قد ترى معصية عبادك فأرهم آية فى أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار من حكمك وقضائك. فلما خرجوا قال الله لهم: موتوا، فماتوا جميعا وماتت دوابّهم كموت رجل واحد، فما أتت عليهم ثلاثة أيام حتى انتفخوا وأروحت «١» أجسادهم، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم، فحظروا عليهم حظيرة «٢» دون السّباع وتركوهم فيها.
قال: واختلفوا فى مبلغ عددهم، فقال عطاء الخراسانىّ: كانوا ثلاثة آلاف «٣» .
وقال ابن عباس ووهب: أربعة آلاف. وقال مقاتل والكلبىّ: ثمانية آلاف.
وقال أبو روق: عشرة آلاف. وقال أبو مالك: ثلاثين ألفا. وقال السّدّى:
بضعة وثلاثين ألفا. وقال ابن جريج: أربعين ألفا. وقال عطاء بن أبى رباح:
سبعين ألفا.
стр. 4508
قالوا: فأتت عليهم مدّة وقد بليت أجسادهم، وعريت عظامهم، وتقطّعت أوصالهم، فمرّ بهم حزقيل النبىّ- ﵇ فوقف عليهم متفكّرا متعجّبا، فأوحى الله تعالى إليه: يا حزقيل، تريد أن أريك كيف أحيى الموتى؟ قال نعم، فأحياهم الله جميعا.
قال: هذا قول السّدّىّ وجماعة من المفسّرين. وقال هلال بن يساف وجماعة من العلماء: دعا حزقيل ربّه أن يحييهم فقال: يا ربّ لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك. فقال الله- أو تحبّ أن أفعل؟ قال نعم، فأحياهم.
وقال عطاء ومقاتل والكلبىّ: بل كانوا قوم حزقيل، فأحياهم الله- بعد ثمانية أيام؛ وذلك أنهم لمّا أصابهم ذلك خرج حزقيل فى طلبهم فوجدهم موتى، فبكى وقال: يا ربّ كنت فى قوم يحمدونك ويقدّسونك ويكبّرونك ويهلّلونك فبقيت وحيدا لا قوم لى. فأوحى الله تعالى إليه: إنى قد جعلت حياتهم إليك. فقال حزقيل: احيوا بإذن الله تعالى، فعاشوا.
وقال وهب: أصابهم بلاء وشدّة من الزمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا متنا فاسترحنا ممّا نحن فيه. فأوحى الله- إلى حزقيل: إنّ قومك قد ضجروا من البلاء، وزعموا أنهم ودّوا لو ماتوا فاستراحوا، وأىّ راحة لهم فى الموت! أيظنّون أنّى لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت! فانطلق إلى جبّانة كذا، فإنّ فيها قوما أمواتا. فأتاهم، فقال الله- : قم فنادهم- وكانت أجسامهم وعظامهم قد تفرّقت، فرّقتها الطير والريح- فنادى حزقيل: أيتها العظام، إنّ الله يأمرك أن تكتسى اللحم. فاكتست جميعا اللحم، وبعد اللحم جلدا ودما وعصبا
стр. 4509
وعروقا، فكانت أجسادا، ثم نادى: أيتها الأرواح، إنّ الله تعالى يأمرك أن تعودى فى أجسادك. فقاموا جميعا عليهم ثيابهم التى كانوا فيها، وكبّروا تكبيرة واحدة.
قال: وزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربّنا وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم بعد ما أحياهم الله- وعاشوا دهرا يعرفون أنهم كانوا أمواتا، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد رميما مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التى كتب الله لهم. وقال ابن عباس- رضى الله عنهما- فإنها لتوجد اليوم فى ذلك السّبط من اليهود تلك الريح.
قال قتادة: مقتهم الله- على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقيّة آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم. فلمّا أحياهم الله- قال: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«١» . ثم تلا الثعلبىّ هذه القصّة بقصّة إلياس؛ وذكرها الكسائىّ تلو قصّة العيزار. والله الموفق للصواب.
ذكر خبر إلياس ﵇
قال الله : وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
«٢» . قال الكسائىّ- رحمه الله تعالى- قال كعب «٣» : لمّا ولد إلياس- ﵇ ونسبه أنه إلياس ابن سباسبا «٤» بن العيزار بن هارون. قال: وأمّه صفّوريّة، وجدّته أمّ أبيه
стр. 4510
صفّوريّة «١» بنت موسى بن عمران- ﵇ ظهر ليلة مولده أنوار أضاءت منها محاريب بنى إسرائيل. فلما نظرت ملوك بنى اسرائيل ذلك علموا أنه قد حدث حادث، فتعرّفوا الخبر، فقيل لهم: ولد مولود من ولد هارون ابن عمران.
قال: وكان إلياس على صورة موسى وقوّته، ونشأ أحسن نشأة.
وبنو إسرائيل يقولون: هذا الذى بشّرنا به العيزار، أن الله يهلك الملوك والجبابرة على يديه.
قال: فلمّا بلغ سبع سنين- وكان يحفظ التوراة- قال: يا بنى إسرائيل، إنى أريكم من نفسى عجبا. فصاح بهم صيحة انتشرت فيهم فأرعبت قلوبهم. فلما سكنت روعتهم همّوا بقتله، وقال بعضهم: هو ساحر، فهرب منهم وصعد إلى جبل وهم يتبعونه. فلمّا قربوا منه انفرج له الجبل فدخل فيه، وانصرف القوم.
فنمى الخبر إلى بعض ملوكهم فعذّبهم، ثم انفرج الجبل، وأقام إلياس به يأكل من المباحات حتى استكمل أربعين سنة، والناس قد أخذوا فى عبادة الأصنام وخاضوا فى المعاصى، فبعثه الله تعالى نبيّا ورسولا، وجاءه جبريل بالوحى، وأمره عن الله تعالى أن يتوجّه إلى الملوك والجبابرة الذين يعبدون الأصنام ويدعوهم إلى طاعة الله تعالى وعبادته، وأن يرسلوا معه بنى إسرائيل وأعطاه القوّة، وأمر النار والجبال والوحش بطاعته. فانطلق إلياس إليهم وهم فى سبعين قرية، كلّ قرية منها مدينة، فى كلّ مدينة جبّار يسوسهم، وكلّهم يعبدون صنما يدعى «بعلا» وهو على صورة امرأة، فصار إلياس إلى قرية من قراهم، وكان فيها ملك يقال له
стр. 4511
«آجاب» «١» ، فوقف بالقرب من قصره، وقرأ التوراة بأطيب نغمة، فسمعه الملك، فقال لامرأته: ألا تسمعين؟ ما أطيب هذا الصوت! فقامت المرأة إليه وأشرفت عليه من أعلى القصر وسألته عن حاله وخبره، فأخبرها أنه رسول الله. قالت:
وما حجّتك على دعواك؟ فاستدعى النار فجاءت إليه وشهدت بنبوّته وصدّقته، فأخبرت المرأة زوجها بما رأت منه، فجاء إليه وآمن به هو وامرأته، وأوصاه بالصبر والجهاد، وانصرف إلياس. حتى إذا كان يوم اجتماع القوم وقد خرجوا بزينتهم ونصبوا صنمهم بعلا وقف عليهم ودعاهم إلى الإيمان، فقال فيما أخبر الله تعالى به عنه: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ* أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ «٢» * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
«٣» . فقالوا له: من أنت؟
فقال: أنسيتمونى بعد أن كنت فيكم ومعكم! أنا إلياس. فحثوا فى وجهه التراب ورموه بالحجارة من كلّ جانب. وكان ملكهم الأكبر يقال له «عاميل» ، فأمر بزيت فغلى فى قدر نحاس وقال لإلياس «٤» : إن رجعت وإلّا طرحتك فيه!. فقال:
أنا وحيد فى أرضكم، فريد فى جمعكم، ولكنّى أريكم آية تدلّ على صدق دعواى أنّى رسول الله إليكم. فقال له الملك نعم. فقال إلياس: أيّتها النار اخمدى
стр. 4512
بإذن الله تعالى، فخمدت وسكن غليان الزيت، فعجب الناس من ذلك.
قال الملك: قد أتيت بحجّة، ولكن أمهلنا يومنا لننظر فى أمرك. ففارقهم وأتاهم من الغد ودعاهم، فجمع الملك ملوك قومه وعلماءهم وقال: ما تقولون فى هذا الرجل؟ فقال العلماء: إنّا نرى فى التوراة صفة هذا الرجل أنّه يبعث نبيّا تسخّر له النار والأسود والجبال، وأنه لا يسمع أحد صوته إلّا ذلّ وخضع له. فقال بعض علمائهم: أيها الملك، كذب هؤلاء فيما ذكروه، وهذا ساحر، فلا يهولنّك أمره.
فبسط العذاب على أولئك النفر، فاشتدّ ذلك على إلياس، وخالفه الملك «آجاب» الذى كان قد آمن به؛ ففارقته زوجته ولحقت بإلياس؟ وكانت من الصالحات.
قال: واتّخذ إلياس عريشا بالقرب من قصر الملك «عاميل» ، فأشرفت امرأة عاميل عليه فى بعض الليالى وهو يعبد الله تعالى، فنظرت الى عمود من نور من لدن العريش فى السماء، فآمنت ولحقت به، فأمر زوجها أن تلقى فى النار، فألقيت فيها، فدعا إلياس- ﵇ الله تعالى لها، فلم تعمل النار فيها شيئا، فأطلقها الملك، فلحقت بإلياس. ثم مات ولد لعاميل الملك فجزع عليه وتضرّع إلى صنمه فلم يغن عنه شيئا، فغضب وقال لإلياس: إن ابنى قد مات وعجز إلهى عن إحيائه، فهل تقدر أن تحييه؟ فقال: هذا على ربّى هيّن، ودعا الله تعالى، فقام الغلام يشهد أن لا إله إلا الله، وأن إلياس عبده ورسوله، فآمن الملك وخرج عن الملك وتبع إلياس ولبس الصوف وعبد الله تعالى حتى مات، وماتت زوجته وابنه.
واستمرّ القوم فى ضلالهم وكفرهم ما شاء الله، وإلياس يدعوهم فلا يجيبونه، فأوحى الله تعالى إليه أن ادعهم وأنذرهم، فإن آمنوا وإلّا حبست عنهم الغيث وابتليتهم.
بالقحط. فدعاهم فقالوا: إنّا لا نؤمن بك ولا بربّك، فاصنع ما أنت صانع.
فحبس الله- عنهم المطر، وغارت العيون وجفّت الأشجار، فأكلوا
стр. 4513
ما عندهم حتى نفد، ثم أكلوا المواشى حتى أكلوا الكلاب والسنانير والفيران، وبلغ بهم الجوع حتى كانوا يأكلون من مات منهم، وإلياس بينهم وهم لا يرونه، ويدعونه وهو لا يجيبهم، وكان الله تعالى قد جعل أمر أرزاقهم إليه، فأوحى الله إليه أن السماء والأرض ومن عليها قد بكت على هؤلاء، وقد هلك كثير من خلقى بسببهم، وكلّ يدعوك ولا ترحمهم، فأنصف خلقى يا إلياس، فإنى أعصى فأرزق، وأكفر فأحلم. ففزع إلياس وقال: يا ربّ ما غضبت إلّا لك، وأنت أعلم بمصالح عبادك.
فأوحى الله اليه أن سر إليهم وادعهم، فإن آمنوا وإلّا كنت أرأف بهم منك.
قال: فانطلق إلياس حتى صار إلى أوّل قرية من قرى مدينتهم، فمرّ بعجوز فقال لها: هل عندك طعام؟ فقالت: وحقّ إلهى بعل ما ذقت الخبز منذ مدّة. قال:
فهلّا تؤمنين بالله! فقالت: إنّ ابنى اليسع على دين إلياس، ولا أراه ينتفع به وقد أشرف على الموت من الجوع. فقال له إلياس: يا اليسع، أتحبّ أن تأكل الخبز؟
فصاح: كيف لى بالخبز! ومات؛ فبكت العجوز ولطمت. فقال لها: إن أحياه الله وجاءك بما تأكلين أتؤمنين بالله؟ قالت نعم. فدعا الله تعالى، فقام اليسع وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن إلياس رسول الله، ورزقهم الله تعالى خبزا ولبنا، فأكلوا، وآمنت العجوز، وخرجت تنذر قومها، فخنقوها فماتت، فاغتمّ اليسع لذلك.
فقال له إلياس: إن الله سيحييها ويجعلكما آية لقومكما. وخرج إلياس إلى قومه وقد اجتمعوا عليها يريدون أكلها؛ فصاح بهم، فتفرّقوا عنها وقالوا: إنك أنت إلياس حقّا، فدعا الله تعالى فأحياها، فأقبل القوم عليه وقالوا: ألا ترى ما نحن فيه منذ سبع سنين! قال: فهلّا دعوتم صنمكم بعلا ليكشف عنكم! قالوا: قد دعوناه فلم يغن شيئا. قال: فإن أغاثكم الله تعالى أتؤمنون؟ قالوا نعم. فسأل الله تعالى فأمطرهم، وجرت أنهارهم وأنبتت أرضهم، وأحيا الله من مات منهم من الجوع،
стр. 4514
فازدادوا كفرّا وعتوّا، فحذّرهم إلياس وأنذرهم وذكّرهم بنعمة الله عليهم. فقالوا:
إنّ القحط قد ارتفع عنّا وهيهات أن يعود أبدا، وإن عاد فلا نبالى، قد جمعنا فى منازلنا ما يكفينا زمنا طويلا. فدعا الله عليهم واعتزلهم، وقال: قد بلّغت الرسالة وأنك لا حق بالملائكة. فاستخلف اليسع على المؤمنين «١» ؛ فقال اليسع: يا نبىّ الله، إنى ضعيف بين قوم كافرين. فأوحى الله تعالى الى اليسع بذلك، وخرج إلياس عن ديار قومه فى يوم جمعة، فإذا هو بفرس يلتهب نورا، وله أجنحة ملوّنة، فناداه:
أقبل يا نبىّ الله. فاستوى على ظهره، وجاءه جبريل فقال: يا إلياس طرمع الملائكة حيث شئت، فقد كساك الله الريش، وقطع عنك لذّة المطعم والمشرب وجعلك آدميّا ملكيّا سماويّا أرضيّا.
قال: ونشر الفرس أجنحته فهو يطير مع الملائكة. ثم أرسل الله- العذاب على قومه، فأحدقت بهم سحابة من جهنّم، واعتزلهم المؤمنون، فأحدقت السحابة بالكفرة، فأمطرت عليهم حجارة من العذاب. قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ
«٢» . قال: ثم انكشفت عن ديارهم وقد صاروا حمما سودا؛ قال الله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
«٣» .
قال: وأقام اليسع مع بنى إسرائيل حتى قبضة الله تعالى.
стр. 4515
هذا ما أورده الكسائىّ فى أخبار إلياس واليسع ﵉.
وأمّا ما حكاه الثعلبىّ- ﵀ فى هذه القصة، فإنه قال:
قال ابن إسحاق والعلماء من أصحاب الأخبار: لمّا قبض الله حزقيل النبىّ- ﵇ عظمت الأحداث فى بنى إسرائيل وظهر فيهم الفساد، ونسوا عهد الله تعالى إليهم فى التوراة حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله- فبعث الله تعالى اليهم إلياس نبيّا. قال الثعلبىّ: وهو إلياس ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون ﵇.
قال: وإنما كانت الأنبياء بعد موسى- ﵇ يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا وضيّعوا من أحكام التوراة، وبنو إسرائيل يومئذ متفرّقون فى أرض الشأم وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لمّا فتح أرض الشأم بوّأها بنى إسرائيل وقسمها بينهم، فأحلّ سبطا منهم بعلبكّ ونواحيها، وهم سبط إلياس، فبعثه الله تعالى إليهم نبيّا، وعليهم يومئذ ملك يقال له «آجاب» «١» قد أضلّ قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنما يقال له «بعل» وكان طوله عشرين ذراعا، وكانت له أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وهم فى ذلك لا يسمعون منه شيئا إلّا ما كان من أمر الملك الذى كان ببعلبكّ فإنه صدّقه وآمن به، وكان إلياس- ﵇ يقوّم أمره ويسدّده ويرشده، وكان لآجاب الملك هذا امرأة يقال لها «أرايل «٢» » ، وكان يستخلفها على رعيّته إذا غاب عنهم فى غزاة
стр. 4516
أو غيرها، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب، وتجلس فى مجلس القضاء فتقضى بين الناس، وكانت قتّالة للانبياء، وكان لها كاتب وهو مؤمن حكيم يكتمها إيمانه، وكان الكاتب قد خلّص من يدها ثلاثمائة نبىّ كانت تريد قتل كلّ واحد منهم إذا بعث، سوى الذين قتلتهم ممن يكثر عددهم؛ وكانت فى نفسها غير محصنة ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها، وهى مع ذلك قد تزوّجت سبعة ملوك من ملوك بنى إسرائيل وقتلتهم كلّهم بالاغتيال؛ وكانت معمّرة حتى يقال: إنها ولدت سبعين ولدا. وكان لآجاب هذا جار من بنى إسرائيل رجل صالح يقال له «مزدكى» وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ومرمّتها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، فكانا يشرفان على تلك الجنينة ويتنزّهان فيها، ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان «آجاب» فى ذلك يحسن جوار «مزدكى» صاحبها ويحسن إليه، وامرأته «أرايل» تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة، وتحتال فى أن تغتصبها منه لمّا تسمع الناس يذكرون»
الجنينة، ويتعجّبون من حسنها ويقولون: ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر، ويتعجّبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها. فلم تزل المرأة تحتال على العبد الصالح «مزدكى» أن تقتله وتأخذ جنينته، والملك ينهاها عن ذلك. ثم اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته، فاغتنمت المرأة غيبة الملك واحتالت على «مزدكى» صاحب الجنينة، وهو غافل عما تريد مقبل على عبادة ربه وإصلاح جنينته، فجمعت «أرايل» جمعا من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على «مزدكى» أنه سبّ زوجها الملك «آجاب» ، فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه، وكان حكمهم فى ذلك
стр. 4517
الزمان على من سبّ الملك القتل إذا قامت البيّنة عليه بذلك. فأحضرت «مزدكى» وقالت: بلغنى أنك سببت الملك وعبته، فأنكر ذلك. فقالت: إنّ عليك شهودا، وأحضرت الشهود فشهدوا عليه بحضرة الناس، فأمرت بقتل «مزدكى» ، فقتل وأخذت جنينته غصبا، فغضب الله- عليهم للعبد الصالح. فلمّا قدم الملك من سفره قال لها: ما وفّقت وما أصبت، ولا أرانا نفلح بعده أبدا، وإن كنّا عن جنينته لأغنياء، قد كنّا نتنزّه فيها، وقد جاورنا وتحرّم بنا منذ زمان طويل، فأحسنّا جواره، وكففنا عنه الأذى لوجوب حقّه علينا، فختمت أمره بأسوأ حال الجوار. وما حملك على اجترائك عليه إلّا سفهك وسوء رأيك وقلّة عقلك وقلّة تفكّرك فى العواقب. فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك. قال: أو ما كان يسعه حلمك ويحدوك عظم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره!.
قالت: قد كان ما كان.
فبعث الله تعالى إلياس- ﵇ إلى «اجاب» الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أنّ الله تعالى قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظهرهم ظلما، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردّا الجنينة على ورتة «مزدكى» أن يهلكهما، يعنى «آجاب» وامرأته، فى جوف الجنينة أشرّ ما يكون بسفك دمهما، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرّى عظامهما من لحومهما، ولا يمتّعان بها إلا قليلا.
قال: فجاء إلياس- ﵇ إلى الملك وأخبره بما أوحى الله- إليه فى أمره وأمر امرأته والجنينة. فلمّا سمع الملك ذلك اشتدّ غضبه عليه، ثم قال له: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعونا إليه إلّا باطلا، والله ما أرى فلانا وفلانا- سمّى ملوكا منهم قد عبدوا الأوثان- إلّا على مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون
стр. 4518
ويتنعّمون مملّكين، ما ينقص من دنياهم أمرهم الذى تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من فضل.
قال: وهمّ الملك بتعذيب إلياس وقتله. فلمّا سمع إلياس- ﵇ ذلك وأحسّ بالشّر، رفضه وخرج عنه. فلحق بشواهق الجبال، ودعا الملك «١» الناس إلى عبادة بعل، وارتقى إلياس- ﵇ أصعب جبل وأشمخه، فدخل مغارة فيه. فيقال: إنه بقى فيه سبع سنين شريدا طريدا خائفا، يأوى الشّعاب والكهوف، ويأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم فى طلبه قد وضعوا عليه العيون يتوكّفون «٢» أخباره ويجتهدون فى أخذه، والله تعالى يستره ويدفع عنه. فلمّا تمّت له سبع سنين أذن الله تعالى فى إظهاره عليهم، وشفا غيظه منهم، فأمرض الله تعالى ابنا لآجاب الملك وكان أحبّ ولده إليه وأعزّهم عليه وأشبههم به، فأدنف «٣» حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلا؛ وكانوا قد فتنوا به وعظّموه حتى «٤» جعلوا له أربعمائة سادن وكّلوهم به وجعلوهم أنبياءه، وكان الشيطان يوسوس إليهم بشريعة من الضلالة، فيبيّنونها للناس فيعملون بها، ويسمّونهم الأنبياء. فلمّا اشتدّ مرض ابن الملك طلب إليهم أن يشفعوا إلى بعل، ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء والعافية، فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله تعالى بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم يمكنه الولوج فى جوفه، وهم مجتهدون فى التضرّع إليه، وهو لا يزداد مع ذلك إلّا خمودا «٥» . فلمّا طال عليهم ذلك قالوا لآجاب: إن فى ناحية الشأم آلهة أخرى، وهى
стр. 4519
فى العظم مثل إلهك، فابعث إليها أنبياءك فليشفعوا لك إليها، فلعلها أن تشفع لك إلى إلهك بعل فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لقد كان أجابك وشفى لك ابنك.
قال آجاب: ومن أجل ماذا غضب علىّ وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ كنت لم أسخطه ساعة قطّ؟ قالوا: من أجل أنّك لم تقتل إلياس وفرّطت فيه حتى نجا سليما وهو كافر بإلهك يعبد غيره، فذلك الذى أغضبه عليك. قال آجاب:
وكيف لى أن أقتل إلياس يومى هذا وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابنى وليس لإلياس مطلب، ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفى ابنى لتفرّغت لطلبه، ولم يكن لى همّ ولا شغل غيره حتى آخذه فأقتله فأريح إلهى منه وأرضيه.
قال: ثم اندفعت أنبياؤه الأربعمائة ليشفعوا الى إلأرباب التى بالشأم ويسألوها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفى ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذى فيه إلياس أوحى الله- إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلّمهم، وقال له: لا تخف فإنّى سأصرف عنك شرّهم، وألقى الرعب فى قلوبهم.
فنزل إلياس- ﵇ من الجبل، فلمّا لقيهم استوقفهم فوقفوا، وقال لهم: إنّ الله- أرسلنى إليكم وإلى من وراءكم، فاستمعوا أيّها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم، فارجعوا إليه وقولوا له: إنّ الله تعالى يقول لك:
ألست تعلم يا آجاب أنّى أنا الله لا إله إلّا أنا إله بنى إسرائيل الذى خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم، أفجهلك وقلّة علمك حملك على أن تشرك بى وتطلب الشفاء لابنك من غيرى ممن لا يملكون لأنفسهم شيئا إلّا ما شئت. إنى حلفت باسمى لأغيظنّك فى ابنك ولأميتنّه فى فوره هذا حتى تعلم أنّ أحدا لا يملك له شيئا دونى.
فلمّا قال لهم إلياس هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبا. فلمّا صاروا إلى الملك قالوا له ذلك، وأخبروه أنّ إلياس انحطّ عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد قشف
стр. 4520
وقحل «١» وتمعّط «٢» شعره وتقشّر «٣» جلده، عليه جبّة من شعر وعباءة قد خلّها «٤» على صدره بخلال، فاستوقفنا، فلمّا صار معنا قذفت فى قلوبنا الهيبة والرّعب، وانقطعت ألسنتنا، ونحن فى هذا العدد الكثير وهو واحد، فلم نقدر على أن نكلّمه ونراجعه ونملأ أعيننا منه حتى رجعنا إليك، وقصّوا عليه كلام إلياس ﵇. فقال آجاب: لا ننتفع بالحياة ما دام إلياس حيّا. ما الذى منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه وتوثقوه وتأتونى به، وأنتم تعلمون أنه طلبتى وعدوّى. قالوا: أخبرناك بالذى منعنا منه ومن كلامه والبطش به. قال آجاب: ما يطاق إدا إلياس إلّا بالمكر والخديعة. فقيّض له خمسين رجلا من قومه ذوى قوّة وبأس، وعهد إليهم عهده، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به «٥» وأن يطمعوه فى أنهم قد آمنوا به هم ومن وراءهم، ليستنيم إليهم ويغترّ بهم، فيمكّنهم من نفسه، فيأتوا به الملك. فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذى فيه إلياس- ﵇ ثم تفرّقوا [فيه] «٦» وهم ينادونه بأعلى أصواتهم ويقولون: يا نبىّ الله، ابرز لنا وأنت آمن على نفسك [فإنا قد آمنا بك وصدّقناك، وملكنا آجاب «٧» ] ، وجميع بنى إسرائيل يقرءون عليك السلام ويقولون:
قد بلّغتنا رسالة ربّك، وعرفنا ما قلت، وآمنّا بك، وأجبناك إلى ما دعوتنا، فهلمّ إلينا فأنت نبيّنا ورسول ربّنا، [فأقم «٨» ] بين أظهرنا واحكم فينا؛ فإنّا ننقاد لما أمرتنا، وننتهى عمّا نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلّف عنّا مع إيماننا وطاعتنا، فتداركنا وارجع إلينا. وكلّ هذا كان منهم مما كرة وخديعة. فلمّا سمع إلياس- عليه
следующие страницы →