Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
أو غيرها، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب، وتجلس فى مجلس القضاء فتقضى بين الناس، وكانت قتّالة للانبياء، وكان لها كاتب وهو مؤمن حكيم يكتمها إيمانه، وكان الكاتب قد خلّص من يدها ثلاثمائة نبىّ كانت تريد قتل كلّ واحد منهم إذا بعث، سوى الذين قتلتهم ممن يكثر عددهم؛ وكانت فى نفسها غير محصنة ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها، وهى مع ذلك قد تزوّجت سبعة ملوك من ملوك بنى إسرائيل وقتلتهم كلّهم بالاغتيال؛ وكانت معمّرة حتى يقال: إنها ولدت سبعين ولدا. وكان لآجاب هذا جار من بنى إسرائيل رجل صالح يقال له «مزدكى» وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ومرمّتها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، فكانا يشرفان على تلك الجنينة ويتنزّهان فيها، ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان «آجاب» فى ذلك يحسن جوار «مزدكى» صاحبها ويحسن إليه، وامرأته «أرايل» تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة، وتحتال فى أن تغتصبها منه لمّا تسمع الناس يذكرون»
الجنينة، ويتعجّبون من حسنها ويقولون: ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر، ويتعجّبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها. فلم تزل المرأة تحتال على العبد الصالح «مزدكى» أن تقتله وتأخذ جنينته، والملك ينهاها عن ذلك. ثم اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته، فاغتنمت المرأة غيبة الملك واحتالت على «مزدكى» صاحب الجنينة، وهو غافل عما تريد مقبل على عبادة ربه وإصلاح جنينته، فجمعت «أرايل» جمعا من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على «مزدكى» أنه سبّ زوجها الملك «آجاب» ، فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه، وكان حكمهم فى ذلك
стр. 4517
الزمان على من سبّ الملك القتل إذا قامت البيّنة عليه بذلك. فأحضرت «مزدكى» وقالت: بلغنى أنك سببت الملك وعبته، فأنكر ذلك. فقالت: إنّ عليك شهودا، وأحضرت الشهود فشهدوا عليه بحضرة الناس، فأمرت بقتل «مزدكى» ، فقتل وأخذت جنينته غصبا، فغضب الله- عليهم للعبد الصالح. فلمّا قدم الملك من سفره قال لها: ما وفّقت وما أصبت، ولا أرانا نفلح بعده أبدا، وإن كنّا عن جنينته لأغنياء، قد كنّا نتنزّه فيها، وقد جاورنا وتحرّم بنا منذ زمان طويل، فأحسنّا جواره، وكففنا عنه الأذى لوجوب حقّه علينا، فختمت أمره بأسوأ حال الجوار. وما حملك على اجترائك عليه إلّا سفهك وسوء رأيك وقلّة عقلك وقلّة تفكّرك فى العواقب. فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك. قال: أو ما كان يسعه حلمك ويحدوك عظم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره!.
قالت: قد كان ما كان.
فبعث الله تعالى إلياس- ﵇ إلى «اجاب» الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أنّ الله تعالى قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظهرهم ظلما، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردّا الجنينة على ورتة «مزدكى» أن يهلكهما، يعنى «آجاب» وامرأته، فى جوف الجنينة أشرّ ما يكون بسفك دمهما، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرّى عظامهما من لحومهما، ولا يمتّعان بها إلا قليلا.
قال: فجاء إلياس- ﵇ إلى الملك وأخبره بما أوحى الله- إليه فى أمره وأمر امرأته والجنينة. فلمّا سمع الملك ذلك اشتدّ غضبه عليه، ثم قال له: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعونا إليه إلّا باطلا، والله ما أرى فلانا وفلانا- سمّى ملوكا منهم قد عبدوا الأوثان- إلّا على مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون
стр. 4518
ويتنعّمون مملّكين، ما ينقص من دنياهم أمرهم الذى تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من فضل.
قال: وهمّ الملك بتعذيب إلياس وقتله. فلمّا سمع إلياس- ﵇ ذلك وأحسّ بالشّر، رفضه وخرج عنه. فلحق بشواهق الجبال، ودعا الملك «١» الناس إلى عبادة بعل، وارتقى إلياس- ﵇ أصعب جبل وأشمخه، فدخل مغارة فيه. فيقال: إنه بقى فيه سبع سنين شريدا طريدا خائفا، يأوى الشّعاب والكهوف، ويأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم فى طلبه قد وضعوا عليه العيون يتوكّفون «٢» أخباره ويجتهدون فى أخذه، والله تعالى يستره ويدفع عنه. فلمّا تمّت له سبع سنين أذن الله تعالى فى إظهاره عليهم، وشفا غيظه منهم، فأمرض الله تعالى ابنا لآجاب الملك وكان أحبّ ولده إليه وأعزّهم عليه وأشبههم به، فأدنف «٣» حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلا؛ وكانوا قد فتنوا به وعظّموه حتى «٤» جعلوا له أربعمائة سادن وكّلوهم به وجعلوهم أنبياءه، وكان الشيطان يوسوس إليهم بشريعة من الضلالة، فيبيّنونها للناس فيعملون بها، ويسمّونهم الأنبياء. فلمّا اشتدّ مرض ابن الملك طلب إليهم أن يشفعوا إلى بعل، ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء والعافية، فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله تعالى بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم يمكنه الولوج فى جوفه، وهم مجتهدون فى التضرّع إليه، وهو لا يزداد مع ذلك إلّا خمودا «٥» . فلمّا طال عليهم ذلك قالوا لآجاب: إن فى ناحية الشأم آلهة أخرى، وهى
стр. 4519
فى العظم مثل إلهك، فابعث إليها أنبياءك فليشفعوا لك إليها، فلعلها أن تشفع لك إلى إلهك بعل فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لقد كان أجابك وشفى لك ابنك.
قال آجاب: ومن أجل ماذا غضب علىّ وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ كنت لم أسخطه ساعة قطّ؟ قالوا: من أجل أنّك لم تقتل إلياس وفرّطت فيه حتى نجا سليما وهو كافر بإلهك يعبد غيره، فذلك الذى أغضبه عليك. قال آجاب:
وكيف لى أن أقتل إلياس يومى هذا وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابنى وليس لإلياس مطلب، ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفى ابنى لتفرّغت لطلبه، ولم يكن لى همّ ولا شغل غيره حتى آخذه فأقتله فأريح إلهى منه وأرضيه.
قال: ثم اندفعت أنبياؤه الأربعمائة ليشفعوا الى إلأرباب التى بالشأم ويسألوها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفى ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذى فيه إلياس أوحى الله- إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلّمهم، وقال له: لا تخف فإنّى سأصرف عنك شرّهم، وألقى الرعب فى قلوبهم.
فنزل إلياس- ﵇ من الجبل، فلمّا لقيهم استوقفهم فوقفوا، وقال لهم: إنّ الله- أرسلنى إليكم وإلى من وراءكم، فاستمعوا أيّها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم، فارجعوا إليه وقولوا له: إنّ الله تعالى يقول لك:
ألست تعلم يا آجاب أنّى أنا الله لا إله إلّا أنا إله بنى إسرائيل الذى خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم، أفجهلك وقلّة علمك حملك على أن تشرك بى وتطلب الشفاء لابنك من غيرى ممن لا يملكون لأنفسهم شيئا إلّا ما شئت. إنى حلفت باسمى لأغيظنّك فى ابنك ولأميتنّه فى فوره هذا حتى تعلم أنّ أحدا لا يملك له شيئا دونى.
فلمّا قال لهم إلياس هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبا. فلمّا صاروا إلى الملك قالوا له ذلك، وأخبروه أنّ إلياس انحطّ عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد قشف
стр. 4520
وقحل «١» وتمعّط «٢» شعره وتقشّر «٣» جلده، عليه جبّة من شعر وعباءة قد خلّها «٤» على صدره بخلال، فاستوقفنا، فلمّا صار معنا قذفت فى قلوبنا الهيبة والرّعب، وانقطعت ألسنتنا، ونحن فى هذا العدد الكثير وهو واحد، فلم نقدر على أن نكلّمه ونراجعه ونملأ أعيننا منه حتى رجعنا إليك، وقصّوا عليه كلام إلياس ﵇. فقال آجاب: لا ننتفع بالحياة ما دام إلياس حيّا. ما الذى منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه وتوثقوه وتأتونى به، وأنتم تعلمون أنه طلبتى وعدوّى. قالوا: أخبرناك بالذى منعنا منه ومن كلامه والبطش به. قال آجاب: ما يطاق إدا إلياس إلّا بالمكر والخديعة. فقيّض له خمسين رجلا من قومه ذوى قوّة وبأس، وعهد إليهم عهده، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به «٥» وأن يطمعوه فى أنهم قد آمنوا به هم ومن وراءهم، ليستنيم إليهم ويغترّ بهم، فيمكّنهم من نفسه، فيأتوا به الملك. فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذى فيه إلياس- ﵇ ثم تفرّقوا [فيه] «٦» وهم ينادونه بأعلى أصواتهم ويقولون: يا نبىّ الله، ابرز لنا وأنت آمن على نفسك [فإنا قد آمنا بك وصدّقناك، وملكنا آجاب «٧» ] ، وجميع بنى إسرائيل يقرءون عليك السلام ويقولون:
قد بلّغتنا رسالة ربّك، وعرفنا ما قلت، وآمنّا بك، وأجبناك إلى ما دعوتنا، فهلمّ إلينا فأنت نبيّنا ورسول ربّنا، [فأقم «٨» ] بين أظهرنا واحكم فينا؛ فإنّا ننقاد لما أمرتنا، وننتهى عمّا نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلّف عنّا مع إيماننا وطاعتنا، فتداركنا وارجع إلينا. وكلّ هذا كان منهم مما كرة وخديعة. فلمّا سمع إلياس- عليه
стр. 4521
السلام- مقالتهم وقعت بقلبه وطمع فى إيمانهم وخاف الله تعالى وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر لهم ولم يجبهم بعد الذى سمع منهم. فلمّا أجمع على أن يبرز لهم رجع إلى نفسه فقال: لو أنّى دعوت الله- وسألته أن يعلمنى ما فى أنفسهم ويطلعنى على حقيقة أمرهم. فقال: اللهمّ إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لى فى البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم.
فما استتمّ قوله حتى حصبوا «١» بالنار من فوقهم، فاحترقوا أجمعين.
قال: وبلغ آجاب الخبر فلم يرتدع، واحتال ثانيا فى أمر إلياس، وجهّز فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن فى الحيلة والرأى، فأقبلوا حتى ارتقوا قلل تلك الجبال [متفرقين «٢» ] ، وجعلوا ينادون: يا نبىّ الله، إنّا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته. إنّا لسنا كالذين أتوك من قبلنا، إنّ أولئك فرقة نافقت وخالفتنا، فصاروا إليك ليكيدوك «٣» من غير رأينا ولا علم منّا، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك، وخرجوا إليك سرّا، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، والان فقد كفاك ربّك أمرهم وأهلكهم بسوء نيّاتهم وانتقم لنا ولك منهم. فلمّا سمع إلياس- ﵇ مقالتهم دعا الله تعالى بدعوته الأولى، فأمطر الله عليهم النار، فاحترقوا عن آخرهم، كلّ ذلك وابن الملك فى البلاء الشديد من وجعه- كما وعده الله تعالى على لسان نبيّه إلياس- لا يقضى عليه فيموت، ولا يخفّف عنه من عذابه.
قال: فلمّا سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيا ازداد غضبا إلى غضبه، وأراد أن يخرج «٤» فى طلب إلياس بنفسه، إلّا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه فلم يمكنه، فوجّه نحو إلياس الكاتب المؤمن الذى هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل
стр. 4522
معه، وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا. وإنما أظهر له ذلك لما اطّلع عليه من إيمانه، وكان الملك مع اطّلاعه يغضّ عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة والحكمة وسداد الرأى، فوجّهه نحوه، وأرسل معه فئة من أصحابه، وأوعز إلى الفئة دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد أن يتخلّف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقا به آنسا بمكانه لم يوحشوه ولم يروّعوه، ثم أظهر آجاب للكاتب الإنابة وقال: إنه قد آن لى أن أتوب وأتّعظ، وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذى فيه ابنى؛ وقد عرفت أنّ ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقى منّا فنهلك بدعوته. فانطلق إليه وأخبره أنّا قد تبنا وأنبنا، وأنه لا يصلحنا فى توبتنا وما نريد من رضا ربّنا وخلع أصنامنا إلّا أن يكون إلياس بين أظهرنا يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يرضى به ربّنا. وأمر الملك قومه فاعتزلوا الأصنام، وقال له: أخبر إلياس بأنّا قد خلعنا آلهتنا التى كنّا نعبد وأرجأنا «١» أمرها حتى ينزل إلياس إلينا، فيكون هو الذى يحرقها ويهلكها وكان ذلك مكرا من الملك. فانطلق الكاتب والفئة حتى علوا الجبل الذى فيه إلياس- ﵇ ثم ناداه الكاتب، فعرف إلياس صوته، فتاقت نفسه إليه وأنس بمكانه وكان مشتاقا إلى لقائه، فأوحى الله تعالى إلى إلياس أن ابرز إلى أخيك الصالح فالقه وجدّد العهد به، فبرز إليه إلياس وسلّم عليه وصافحه، وقال له: ما الخبر؟ قال له المؤمن:
إنّه قد بعثنى إليك هذا الجبّار الطاغية وقومه، ثم قصّ عليه ما قالوا، ثم قال: وإنّى خائف إن رجعت إليه ولست معى أن يقتلنى، فمرنى بما شئت أن أفعله وأنتهى إليه، [إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته، وإن شئت جاهدته معك «٢» ]
стр. 4523
وإن شئت فأرسلنى إليه بما تحبّ فأبلّغه رسالتك، وإن شئت دعوت ربّك أن يجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا.
قال: فأوحى الله- إلى إلياس ﵇ أنّ كلّ شىء جاءوك به مكر وخديعة ليظفروا بك، وأن «آجاب» إن أخبرته رسله أنّك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك إليه اتّهمه وعرف أنه قد داهن فى أمرك، فلم يأمن أن يقتله، فانطلق معه فإنّ فى انطلاقك معه عذره وبراءته عند آجاب، وإنى سأشغل عنكما آجاب، وأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له همّ غيره، وأميته على شرّ حال، فإذا مات فارجع عنه ولا تقم. فانطلق معهم حتى قدموا على آجاب، فلمّا قدموا عليه شدّد الله تعالى على ابنه الوجع، وأخذه الموت، فشغل الله تعالى آجاب وأصحابه بذلك عن إلياس، فرجع إلياس سالما إلى مكانه. فلمّا مات ابن آجاب وفرغوا منه وقلّ جزعه، انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذى جاء به، فقال:
ليس لى به علم، وذلك أنّه شغلنى عنه موت ابنك والجزع عليه، ولم أكن أحسبك إلّا قد استوثقت منه. فأضرب عنه آجاب وتركه لما كان فيه من الحزن على ابنه.
فلمّا طال الأمر على إلياس ملّ الكمون فى الجبال والمقام بها واشتاق إلى العمران وإلى الناس فنزل من الجبل، وانطلق حتى نزل بامرأة من بنى إسرائيل، وهى أمّ يونس ابن متّى [ذى النون، فاستخفى عندها ستة أشهر «١» ] ، ويونس يومئذ مولود يرضع، وكانت أمّ يونس تخدمه بنفسها، وتواسيه بذات يدها، ولا تدّخر عنه كرامة تقدر عليها.
ثم إنّ إلياس سئم ضيق البيوت بعد مقامه بالجبال وسعتها، فأحبّ أن يلتحق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أمّ يونس لفراقه وأوحشها فقده، ثم لم تلبث إلّا يسيرا حتى مات ابنها [يونس «٢» ] حين فطمته، فعظمت مصيبتها فيه، فخرجت فى طلب إلياس، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف [فيها «٣» ] حتّى عثرت عليه ووجدته، فقالت:
стр. 4524
إنّى قد فجعت بموت ابنى بعدك، فعظمت فيه مصيبتى، واشتدّ لفقده بلائى، وليس لى ولد غيره، فارحمنى وادع ربّك- ﷻ فيحيى لى ابنى، ويجبر مصيبتى، وإنى قد تركته مسجّى لم أدفنه، وإنى قد أخفيت مكانه. فقال لها إلياس: ليس هذا ممّا أمرت به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما يأمرنى به ربّى، ولم يأمرنى بهذا. فجزعت المرأة وتضرّعت، فعطّف الله قلب إلياس عليها، فقال لها: ومتى مات ابنك؟ قالت: منذ سبعة أيام. فانطلق إلياس معها وسار سبعة أيام أخرى حتى انتهى إلى منزلها فوجد ابنها يونس ميتّا منذ أربعة عشر يوما، فتوضّأ وصلّى ودعا الله فأحيا الله تعالى يونس بن متّى بدعوة إلياس. فلمّا عاش وجلس وثب إلياس وانصرف وعاد إلى موضعه. والله أعلم.
ذكر دعاء إلياس على قومه، وما حلّ بهم من القحط وخبر اليسع حين اتّبع إلياس
قال: ولمّا طال عصيان قومه ضاق إلياس بذلك ذرعا وأجهده البلاء.
فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس، ما هذا الحزن والجزع الذى أنت فيه! ألست أمينى على وحيى، وحجّتى فى أرضى، وصفوتى من خلقى! فسلنى أعطك فإنّى ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم. قال: تميتنى فتلحقنى بآبائى، فإنّى قد مللت بنى إسرائيل وملّونى، وأبغضتهم فيك وأبغضونى. فأوحى الله تعالى إليه: يا إلياس، ما هذا باليوم الذى أعرى منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك إن كنتم صبرتم قليلا، ولكن تسألنى فأعطيك.
قال إلياس: فإن لم تمتنى يا إلهى فأعطنى ثأرى من بنى إسرائيل. قال الله تعالى:
стр. 4525
وأىّ شىء تريد أن أعطيك يا إلياس؟ قال: تمكننى من خزائن السماء سبع سنين، فلا تنشئ «١» عليهم سحابة إلّا بدعوتى، ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلّا بشفاعتى، فإنهم لا يذلّهم إلّا ذلك. قال الله تعالى: يا إلياس، أنا أرحم بخلقى من ذلك وإن كانوا ظالمين. قال: ستّ سنين. قال: أنا أرحم بخلقى من ذلك وإن كانوا ظالمين. قال: فخمس سنين. قال: أنا أرحم بخلقى من ذلك وإن كانوا ظالمين، ولكنى أعطيك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك، فلا تنشأ «٢» عليهم سحابة إلّا بدعوتك، ولا تنزل عليهم قطرة إلّا بشفاعتك. قال إلياس: فبأىّ شىء أعيش؟ قال: أسخّر جيشا من الطير تنقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التى لم تقحط. قال إلياس: قد رضيت. قال: فأمسك الله- عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدوابّ والهوامّ والشجر وجهد الناس جهدا شديدا وإلياس على حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان، وقد عرفه بذلك قومه، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز فى بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا البيت وطلبوه، ولقى أهل ذلك المنزل منهم شرّا.
قال ابن عباس- رضى الله عنهما-: أصاب بنى إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمرّ إلياس- ﵇ بعجوز فقال لها: هل عندك طعام؟
قالت: نعم، شىء من دقيق وزيت قليل. فجاءته بشىء من الدقيق والزيت، فدعا فيهما بالبركة «٣» ومسّهما، فبارك الله فى ذلك حتى ملأت جربها دقيقا وملأت
стр. 4526
خوابيها زيتا. فلمّا رأوا ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مرّ بى رجل من حاله كذا وكذا، فوصفت صفته، فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس؛ فطلبوه فوجدوه فهرب منهم.
ثم أوى ليلة إلى بيت امرأة من بنى إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع ابن أخطوب به ضرّ، فآوته وأخفت أمره، فدعا له فعوفى من الضرّ الذى كان به، واتّبع اليسع إلياس وآمن به وصدّقه ولزمه، وكان يذهب به حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكبر، وكان اليسع غلاما شابّا.
ذكر رفع البلاء عن قوم إلياس بدعوته واستمرارهم على الكفر ورفع إلياس وهلاك آجاب الملك وامرأته، ونبوّة اليسع
قال: ثم أوحى الله تعالى إلى إلياس- ﵇ إنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص سوى بنى إسرائيل من البهائم والدوابّ والطير والهوامّ والشجر بحبس المطر عن بنى إسرائيل. فيزعمون- والله أعلم- أنّ إلياس قال:
يا ربّ دعنى أكن الذى أدعو لهم وآتيهم بالفرج ممّا هم فيه من البلاء الذى أصابهم لعلّهم أن يرجعوا وينزعوا عمّا هم عليه من عبادة غيرك. قيل له: نعم. فجاء إلياس- ﵇ إلى بنى إسرائيل فقال لهم: إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا، وهلكت البهائم والدّوابّ والطير والهوامّ والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور.
فإن كنتم تحبّون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم هذه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هى لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم، ودعوت الله- ففرّج عنكم ما أنتم فيه من البلاء. قالوا: أنصفت. فخرجوا بأوثانهم فدعوها
стр. 4527
فلم تستجب لهم، ولم تفرّج عنهم ما كانوا فيه [من البلاء «١» ] . ثم قالوا لإلياس:
يا إلياس، إن الله قد أهلكنا، فادع الله لنا. فدعا الله تعالى لهم ومعه «٢» اليسع بالفرج ممّا هم فيه وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل التّرس على ظهر البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبّقت الآفاق، ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر [فأغاثهم «٣» ] وحييت بلادهم.
فلمّا كشف الله تعالى عنهم الضّرّ نقضوا العهد ولم ينزعوا عن كفرهم، ولم يقلعوا عن ضلالتهم، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه. فلمّا رأى إلياس- ﵇ ذلك دعا الله تعالى أن يريحه منهم؛ فقيل له- كما يزعمون-:
انظر «٤» يوم كذا وكذا فاخرج فيه «٥» إلى موضع كذا، فما جاءك من شىء فاركبه ولا تهبه. فخرج إلياس ومعه اليسع بن أخطوب، حتى إذا كانا بالموضع الذى أمر إلياس به، أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق الفرس به، فناداه اليسع، يا إلياس: ما تأمرنى؟ فقذف اليه إلياس بكسائى من الجوّ الأعلى، وكان ذلك علامة استخلافه إيّاه على بنى إسرائيل، فكان [ذلك «٦» ] آخر العهد به. ورفع الله- إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب، وكساه الرّيش، فكان إنسيّا ملكيّا أرضيّا سماويّا، وسلّط الله على آجاب الملك وقومه عدوّا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا [به «٧» ] حتى رهقهم، فقتل
стр. 4528
آجاب وامرأته أرايل فى بستان مزدكى، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين فى تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمّت عظامهما «١» .
ذكر نبوّة اليسع ﵇
قال أبو إسحاق- رحمه الله تعالى-: ولمّا رفع الله تعالى إلياس- ﵇ نبّأ اليسع وبعثه رسولا إلى بنى إسرائيل، وأوحى إليه وأيّده بما أيّد به عبده إلياس؛ فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظّمونه وينتهون إلى أمره، وحكم الله تعالى قائم فيهم إلى أن فارقهم اليسع ﵇.
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀ بسند رفعه إلى عبد العزيز بن أبى روّاد قال: إلياس والخضر- ﵉ يصومان شهر رمضان بيت المقدس، ويوافيان الموسم فى كلّ عام.
وروى بسند رفعه إلى زيد مولى عون الطّفاوىّ «٢» عن رجل من أهل عسقلان أنّه كان يمشى بالأردنّ نصف النهار، فرأى رجلا فقال له: يا عبد الله، من أنت؟
قال: فجعل لا يكلّمنى. فقلت: يا عبد الله، من أنت؟ قال: أنا إلياس. قال:
فوقعت علىّ رعدة، فقلت: أدع الله يرفع عنّى ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك. قال: فدعا لى بثمان دعوات: يا برّ، يا رحيم، يا حنّان، يا منّان، يا حىّ، يا قيوم، ودعوتين بالسريانية لم أفهمهما. قال: فرفع الله عنّى ما كنت أجد، فوضع كفّه بين كتفى، فوجدت بردها بين ثديى. قال فقلت: يوحى إليك اليوم؟
قال: منذ بعث الله محمدا رسوله فإنه ليس يوحى إلىّ. قال قلت له: كم من الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: أربعة، اثنان فى الأرض، واثنان فى السماء، فى السماء عيسى
стр. 4529
وإدريس، وفى الأرض إلياس والخضر. قلت: كم الأبدال «١» ؟ قال: ستون رجلا، خمسون منهم من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات؛ ورجلان بالمصّيصة «٢» ، ورجلان بعسقلان، وستة فى سائر البلدان، كلّما أذهب الله واحدا جاء بآخر [مكانه «٣» ] بهم يدفع الله عن الناس [البلاء «٤» ] وبهم يمطرون. قلت: فالخضر أين يكون؟ قال:
فى جزائر البحر. قلت: فهل تلقاه؟ قال نعم. قلت: أين؟ قال: بالموسم.
قلت: فما يكون من حديثكما؟ قال: يأخذ من شعرى وآخذ من شعره. قال:
وذلك حين كان بين مروان بن الحكم وبين أهل الشأم قتال. قال: فقلت:
ما تقول فى مروان بن الحكم؟ قال: ما تصنع به! [رجل جبّار «٥» ] عات على الله- القاتل والمقتول والشاهد فى النار.
стр. 4530
قال قلت: فإنى قد شهدت فلم أطعن برمح ولم أرم بسهم ولم أضرب بسيف، وأنا أستغفر الله- أن أعود إلى ذلك المقام أو مثله أبدا. قال:
أحسنت، هكذا فكن.
قال: فإنى وإيّاه قاعدان إذ وضع بين يديه رغيفان أشدّ بياضا من الثلج، أكلت أنا وهو رغيفا وبعض آخر ثم رفع، فما رأيت أحدا وضعه ولا أحدا رفعه.
قال: وله ناقة ترعى فى وادى الأردنّ، فرفع رأسه إليها، فما دعاها حتى جاءت فبركت بين يديه فركبها. قلت: أريد أن أصحبك. قال: إنك لا تقدر على صحبتى.
قلت: إنى خلو مالى زوجة ولا عيال. قال: تزوج، وإيّاك والنساء الأربع، إيّاك والناشز «١» ، والمختلعة «٢» ، والملاعنة «٣» ، والمبارئة «٤» ، وتزوّج ما بدالك من النساء.
قال: قلت: فإنى أحبّ لقاءك. قال: إذا رأيتنى فقد رأيتنى، ثم قال:
إنى أريد أن أعتكف فى بيت المقدس فى شهر رمضان. قال: ثم حالت بينى وبينه شجرة، فو الله ما أدرى كيف ذهب.
فهذا ما أورده فى خبر إلياس واليسع- ﵉. والله أعلم.
стр. 4531
ذكر خبر عيلى «١» وأشمويل «٢» وما يتّصل بذلك
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀ قال وهب بن منبّه: لمّا قبض الله تعالى اليسع- ﵇ خلفت فى بنى إسرائيل الخلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وكان عندهم التابوت يتوارثونه صاغرا عن كابر، فيه السّكينة «٣» وبقيّة «٤» ممّا ترك آل موسى وآل هارون، وكانوا لا يلقاهم عدوّ فيقدّمون التابوت إلّا هزم الله ذلك العدوّ. وكان الله- ﵎ قد بارك لهم فى جبلهم، لا يدخله عدوّ، ولا يحتاجون معه إلى غيره. وكان أحدهم- فيما يذكرون- يضع التراب على الصّخرة ثم ينثر فيه الحبّ فيخرج الله تعالى له ما يأكله سنة هو وعياله. ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكله سنة هو وعياله. فلمّا عظمت أحداثهم وكثرت ذنوبهم وتركوا عهد الله إليهم سلّط عليهم العمالقة- وهم قوم [كانوا «٥» ] يسكنون غزّة وعسقلان وساحل بحر الروم ما بين مصر وفلسطين- وكان جالوت الملك منهم فظهروا على بنى إسرائيل، وغلبوهم على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما، فضربوا عليهم الجزية،
стр. 4532
وأخذوا توراتهم، ومكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من حالهم يتمادون أحيانا فى غيّهم وضلالتهم، فسلّط الله عليهم من ينتقم منهم ليراجعوا التوبة، حتى بعث الله تعالى فيهم طالوت ملكا. وكانت مدّة ما بين وفاة يوشع بن نون إلى نبوّة أشمويل أربعمائة سنة وستّين سنة، وكان آخر ملوكهم فى هذه المدّة رجل يقال له «إيلاف» وكان يدبّر أمرهم فى ملكه شيخ يقال له «عيلى» الكاهن، وكان حبرهم وصاحب قربانهم، وكانوا ينتهون إلى رأيه.
ذكر ابتداء أمر أشمويل وكيف كانت نبوّته
قال الثعلبىّ قال وهب: كان لأبى أشمويل امرأتان، إحداهما عجوز عاقر لم تلد، وهى أمّ أشمويل، والأخرى ولدت عشرة أولاد. وكان لبنى إسرائيل عيد من أعيادهم قد قاموا بشرائطه وقرّبوا فيه القرابين، فحضر أبو أشمويل وامرأتاه وأولاده العشرة ذلك العيد، فلمّا قرّبوا قربانهم أخذ كلّ واحد منهم نصيبه، فكان لأمّ الأولاد عشرة أنصباء، وللعجوز نصيب واحد، فعمل الشيطان بينهما ما يعمل بين الضرائر من الحسد والبغى، فقالت أمّ الأولاد [للعجوز «١» ] : الحمد لله الذى كثّرنى بولدى وقلّلك، فوجمت العجوز وجوما شديدا. فلمّا كان عند السّحر عمدت العجوز إلى متعبّدها فقالت: اللهمّ بعلمك وسمعك كانت مقالة صاحبتى واستطالتها علىّ بنعمتك التى أنعمت عليها، وأنت ابتدأتها بالنعمة والإحسان، فارحم ضعفى وارحمنى وارزقنى ولدا تقيّا رضيّا أجعله لك ذخرا فى مسجد من مساجدك، يعبدك ولا يكفرك، ويطيعك ولا يجحدك. وإذا رحمت ضعفى ومسكنتى وأجبت دعوتى، فاجعل لها علامة أعرفها بها. فلمّا أصبحت حاضت وكانت من قبل قد يئست من الحيض، فألمّ بها زوجها، فحملت وكتمت أمرها، ولقى بنو إسرائيل
стр. 4533
فى ذلك الوقت من عدوّهم بلاء وشدّة، ولم يكن فى بنى إسرائيل من يدبّر أمرهم، فكاوا يسألون الله تعالى أن يبعث لهم نبيّا يشير عليهم ويجاهدون عدوّهم معه، وكان سبط النبوّة قد هلك، فلم يبق منهم إلّا هذه المرأة الحبلى؛ فلمّا علموا بحبلها تعجّبوا وقالوا: إنما حبلت بنبىّ، لأن الآيسات لا يحبلن إلّا بالأنبياء، فأخذوها وحبسوها فى بيت رهبة أن تلد جارية فتبدل بها غلاما، لما ترى من رغبة بنى إسرائيل فى ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله تعالى أن يرزقها غلاما، فولدت غلاما فسمّته «أشمويل» وقيل فيه «شمعون» . وتقول: سمع الله دعائى.
واختلف فى نسبه، فالذى يقول اسمه شمعون يقول: هو شمعون بن صفيّة بن علقمة بن أبى ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب.
وقال سائر المفسّرين: هو أشمويل، وهو بالعربية إسماعيل بن بالى «١» ابن علقمة بن حام بن النهر بن بهر بن صوف بن علقمة بن ماحت بن عموصا ابن عزريا.
قال مقاتل: هو من نسل هارون- ﵇. وقال مجاهد: أشمويل ابن هلقاثا. والله أعلم.
قالوا: فلمّا كبر الغلام أسلمته أمّه يتعلّم التوراة فى بيت المقدس وكفله عيلى، فلمّا بلغ أشمويل الوقت الذى يبعثه الله- نبيّا أتاه جبريل
стр. 4534
وهو نائم إلى جنب عيلى الكاهن، وعيلى لا يأمن عليه أحدا، فدعاه بلحن الشيخ:
يا أشمويل، فقام فزعا إلى الشيخ فقال: يا أبتاه، دعوتنى؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام؛ فقال: يا بنىّ ارجع. فرجع فنام، ثم دعاه ثانيا، فأتاه فقال: أدعوتنى؟ فقال الشيخ: ما شأنك؟ فقال: أما دعوتنى؟ قال:
لا. قال أشمويل: فإنى سمعت صوتا فى البيت، وليس فيه غيرنا. فقال:
ارجع فتوضّأ وصلّ، فإذا دعيت باسمك فأجب وقل: لبّيك، أنا طوعك، فمرنى أفعل ما تأمرنى. ففعل الغلام ذلك، فنودى الثالثة، فقال: لبّيك أنا طوعك، فمرنى أفعل ما تأمرنى. فظهر له جبريل وقال: اذهب إلى قومك فبلّغهم رسالة ربّك، فإنّ الله تعالى قد بعثك إليهم نبيّا، وإن الله تعالى ذرأك يوم ذرأك [للنبوة «١» ] ورحم وحدة أمّك فى ذلك اليوم الذى تاهت عليها ضرّتها، ولا أحد اليوم أشدّ عضدا «٢» ولا أطيب ولادة منك، فانطلق إلى عيلى [فقل له «٣» ] إنك كنت خليفة الله على عباده، فبقيت زمانا تأمر بأمره، وحاكما بكتابه، وحافظا لحدوده؛ فلمّا امتدّ سنّك، ودقّ عظمك، وذهبت قوتّك، وفنى عمرك، وقرب أجلك؛ وصرت أفقر ما تكون إلى الله تعالى، ولم تزل فقيرا إليه، عطّلت الحدود، وعملت بالرّشا، وأضعت حكومات الخلق، حتى عزّ الباطل وأهله، وذلّ الحقّ وحزبه، وظهر المكر، وخفى المعروف، وفشا الكذب، وقلّ الصدق، وما الله عاهدك على هذا. ولا عليه استخلفك، فبئس ما ختمت به عملك، والله لا يحبّ الخائنين. فبلّغه هذه الرسالة، وقم بعده بالخلافة؛ فلمّا بلّغ أشمويل عيلى هذه الرسالة فزع وجزع.
стр. 4535
قالوا: وكان السبب فيما عاتب الله تعالى عبده عيلى ووبّخه عليه أنه كان له ابنان شابّان، فأحدثا شيئا فى القربان لم يكن فيه، وذلك أنه كان فى مسواط «١» القربان الذى يسوطونه «٢» به كلّابان، فما أخرجا كان للكاهن الذى كان يسوطه، فجعل ابناه لهما كلاليب، فأوحى الله تعالى إلى أشمويل: انطلق إلى عيلى فقل له: منعك حبّ الولد أن تزجر ابنيك أن يحدثا فى قربانى وأن يعصيانى، فلأ نزعنّ الكهانة منك ومن ولديك ولأهلكنّك وإياهما. فأخبر أشمويل عيلى بذلك، ففزع فزعا شديدا وسار إليهم عدوّهم، فأمر عيلى ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدوّ، فخرجا وأخرجا معهما التابوت، فجعل عيلى يتوقّع الخبر؛ فجاءه رحل وهو قاعد على كرسيّه فأخبره أنّ الناس قد انهزموا، وأن ابنيه قتلا. قال: فما فعل بالتابوت؟ قال:
ذهب به العدوّ. فشهق عيلى ووقع ميّتا. فلمّا بلغ ملكهم إيلاف أن التابوت استلب، وأن عيلى قد مات كمدا مالت عنقه فمات كمدا.
قالوا: فلمّا ماتا وأخذ التابوت مرج «٣» أمر بنى إسرائيل واجترأ عليهم عدّوهم فقالوا لأشمويل ما أخبر الله تعالى به عنهم فى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
«٤» الآيات. وذلك بعد ما دبّر أشمويل أمرهم عشر سنين.
стр. 4536
وإنما كان قوام أمر بنى إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو الذى يسير بالجنود ويقاتل العدوّ، والنبىّ يقيم له أمره ويشير عليه ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله تعالى.
قال وهب: بعث الله تعالى أشمويل نبيّا، فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، وكان من أمر جالوت الملك والعمالقة ما كان، فسألوه أن يبعث لهم ملكا؛ فقال لهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا
. فأجابوه بما قصّ الله تعالى فى كتابه: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
«١» الآية.
قال: فلمّا أخذ أشمويل ميثاقهم فى الطاعة والجهاد سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا. والله أعلم بالصواب.
ذكر خبر الملك طالوت وإتيان التابوت وخبر جالوت
قالوا: ولما سألوا أشمويل أن يبعث لهم ملكا، سأل الله تعالى فى ذلك، فأتى بعصا وقرن «٢» فيه دهن القدس، وقيل له: إنّ صاحبكم الذى يكون ملكا طوله طول هذه العصا؛ وقيل له: أنظر إلى القرن الذى فيه الدّهن فإذا دخل عليك رجل فنشّ «٣» الدّهن الذى فى القرن فهو ملك بنى إسرائيل، فادهن به رأسه، وملّكه عليهم؛ فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها؛ وكان طالوت- واسمه بالسّريانيّة «شارك «٤» »
стр. 4537
وبالعبرانيّة شاول «١» بن قيس بن أنيال بن ضرار بن أحرب بن أفيح بن آيش بن بنيامين ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- رجلا دبّاغا يعمل الأدم. قال وهب وعكرمة والسّدّى: كان سقّاء يسقى على حمار من النّيل، فضّل حماره، فخرج فى طلبه. وقال وهب: بل ضلّت حمر لأبى طالوت، فأرسله وغلاما له يطلبانها، فمرّا ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبىّ فسألناه عن أمر حمرنا ليرشدنا ويدعو لنا بخير. فقال نعم. فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران شأن الحمر إذ نشّ الدّهن فى القرن فقام أشمويل وقاس طالوت بالعصا، فكانت على طوله، فقال لطالوت: قرّب رأسك. فقرّبه فدهنه بدهن القدس، ثم قال له: أنت ملك بنى إسرائيل، وقد أمرنى الله تعالى أن أملّكك عليهم. فقال طالوت: أنا؟ قال نعم. قال: أو ما علمت أن سبطى»
أدنى الأسباط فى بنى إسرائيل؟ قال بلى.
قال: أفما علمت أن بيتى أدنى بيوت بنى إسرائيل؟ قال بلى. قال: فبأىّ آية أكون ملكا؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره. فكان كذلك.
ثم قال لبنى إسرائيل: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ
«٣» ؛ وإنما قالوا ذلك لأنه كان فى بنى إسرائيل سبطان: سبط نبوّة، وسبط مملكة؛ فكان سبط النبوّة سبط لاوى بن يعقوب،
стр. 4538
منهم موسى وهارون- ﵉ وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب، منهم سليمان بن داود؛ ولم يكن طالوت من سبط النبوّة ولا المملكة، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنبا عظيما؛ كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا، فغضب الله تعالى عليهم، ونزع النبوّة والمملكة منهم، فأنكر بنو إسرائيل ذلك وقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ
قال أشمويل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً
، أى فضيلة وسعة فِي الْعِلْمِ
وذلك أنه كان أعلم بنى إسرائيل فى وقته. وقال الكلبىّ:
«فى العلم» بالحرب. وَالْجِسْمِ
يعنى بالطّول والقوّة؛ وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه؛ وإنما سمّى طالوت لطوله. وقال ابن كيسان: للجمال، وكان أجمل رجل فى بنى إسرائيل وأعلمهم وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
«١» .
قالوا: فما آية ذلك؟ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
«٢» .
ذكر قصة التابوت وصفته وما قيل فيه
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀: قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار:
إنّ الله تعالى أهبط تابوتا على آدم حين أهبط آدم إلى الأرض، فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الرّسل منهم، وآخر البيوت بيت محمد- ﷺ وهو من ياقوتة حمراء، وإذا هو قائم يصلّى وعن يمينه الكهل المطيع،
стр. 4539
مكتوب على جبينه: هذا أوّل من يتّبعه من أمّته «أبو بكر الصدّيق» وعن يساره «الفاروق» ، مكتوب على جبينه: قرن من حديد لا تأخذه فى الله لومة لائم؛ ومن ورائه ذو النّورين آخذ بحجزته «١» ، مكتوب على جبينه: بارّ من البررة. ومن بين يديه «علىّ بن أبى طالب» شاهر سيفه على عاتقه، مكتوب على جبينه: هذا أخوه وابن عمه المؤيّد بالنصر من عند الله. وحوله عمومته والخلفاء والنّقباء والكبكبة «٢» الخضراء- وهم أنصار الله وأنصار رسوله- نور حوافر دوابّهم يوم القيامة مثل نور الشمس فى الدنيا.
وكان التابوت نحوا من ثلاثة أذرع فى ذراعين، وكان من عود الشّمشار «٣» الذى تتّخذ منه الأمشاط، مموّها بالذهب، فكان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم- ﵇ فلمّا مات كان عند إسماعيل، ثم كان عند قيذار بن إسماعيل، فتنازعه ولد إسحاق وقالوا: إنّ النبوّة قد صرفت عنكم، وليس لكم إلّا هذا النور الواحد، [يعنى نور محمد ﷺ «٤» ] فأعطنا التابوت. فكان قيذار يمتنع عليهم ويقول: إنه وصيّة لأبى، ولا أعطيه أحدا من العالمين.
قال: فذهب ذات يوم يفتح التابوت، فتعسّر عليه فتحه، فناداه مناد من السماء: مهلا يا قيذار، فليس لك إلى فتح هذا التابوت سبيل، إنه وصيّة نبىّ،
стр. 4540
لا يفتحه إلا نبىّ، فادفعه لابن عمّك يعقوب إسرائيل الله؛ فحمل قيذار التابوت على عنقه وخرج يريد أرض كنعان وكان بها يعقوب- ﵇ فلمّا قرب منه صرّ التابوت صرّة سمعها يعقوب، فقال لبنيه: أقسم بالله لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا نحوه. فقام يعقوب وأولاده جميعا إليه، فلمّا نظر يعقوب إلى قيذار استعبر باكيا وقال: يا قيذار، مالى أرادك متغيّرا وقوّتك ضعيفة، أرهقك عدوّ أم أتيت معصية بعد أبيك إسماعيل؟ قال: ما رهقنى عدوّ ولا أتيت معصية ولكن نقل من ظهرى نور محمد، فلذلك تغيّر لونى وضعف ركنى، قال: أفى بنات إسحاق؟ قال: لا، فى العربيّة الجرهميّة، وهى العامريّة، فقال يعقوب: بخ بخ! شرفا لمحمد، لم يكن الله- ليجريه إلا فى العربيّات الطاهرات يا قيذار، وأنا مبشّرك ببشارة. قال: وما هى؟ قال: اعلم أن العامريّة قد ولدت لك البارحة غلاما. قال قيذار: وما علّمك يابن عمّى وأنت بأرض الشأم وهى بأرض الحرم؟
قال يعقوب: علمت ذلك لأنى رأيت أبواب السماء قد فتحت، ورأيت نورا كالقمر الممدود بين السماء والأرض، ورأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة، فعلمت أنّ ذلك من أجل محمد- ﷺ فسلم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى أهله، فوجدها قد ولدت غلاما، فسمّاه «حملا» وفيه نور محمد ﷺ .
قالوا: وكان التابوت فى بنى إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى- ﵇ فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم تداوله أنبياء بنى إسرائيل إلى وقت أشمويل، وكان فيه ما ذكر الله تعالى فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
стр. 4541
قال الثعلبىّ: واختلفوا فى السكينة ما هى؟ فقال علىّ بن أبى طالب: السكينة ريح خجوج «١» هفّافة لها رأسان [كرأس الهرّة «٢» ] ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد:
رأس كرأس الهرّة، وذنب كذنب الهرّة وجناحان. وقال ابن إسحاق عن وهب عن بعض علماء بنى إسرائيل: السكينة، رأس هرّة ميّتة كانت إذا صرخت فى التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.
وقال السّدّىّ عن أبى مالك عن ابن عبّاس: هى طست من ذهب من الجنة كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء. وقال بكّار بن عبد الله عن وهب: روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا فى شىء تخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبى رباح:
هى ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. وقال قتادة والكلبىّ: فعيلة من السكون أى طمأنينة من ربّكم، وفى أىّ مكان كان التابوت اطمأنّوا وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ.
قالوا: كان فيه عصا موسى ورضاض «٣» الألواح، وذلك أنّ موسى لمّا ألقى الألواح تكسرت فوقع بعضها، وجمع ما بقى فجعله فى التابوت. وكان فيه أيضا لوحان من التوراة، وقفيز من المنّ الذى كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون وعصاه. وكان التابوت عند بنى إسرائيل؛ وكانوا إذا اختلفوا فى شىء تكلّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم يستفتحون «٤» به على عدوّهم، فلمّا عصوا وأفسدوا سلّط الله- عليهم العمالقة فاستلبوا التابوت كما تقدّم.
стр. 4542
ذكر إتيان التابوت إلى بنى إسرائيل وسبب عوده
قال أبو إسحاق: لمّا سلب العمالقة قوم جالوت التابوت كان جالوت صغيرا، فأتوا بالتابوت قرية من قرى فلسطين يقال لها أشدود «١» ، وجعلوه فى بيت صنم لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم، فأصبحوا من الغد والصنم تحته، فأخذوه ووضعوه فوقه، وسمّروا قدمى الصنم على التابوت، فأصبحوا من الغد وقد قطعت يد الصنم ورجلاه، وأصبح ملقّى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم كلّها منكّسة، فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه فى ناحية من مدينتهم، فأخذ أهل تلك الناحية وجع فى أعناقهم حتى هلك أكثرهم، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بنى إسرائيل لا يقوم له شىء، فأخرجوه عن مدينتكم، فأخرجوه إلى قرية أخرى، فبعث الله- على تلك القرية فأرا، يبيت «٢» الرجل صحيحا فيقرضه الفأر فيصبح ميّتا قد أكلت ما فى جوفه، فأخرجوه منها إلى الصحراء ودفنوه فى مخرأة لهم، فكان كلّ من تبرّز هناك أخذه الباسور والقولنج «٣» ؛ فتحيّروا؛ فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبى بنى إسرائيل من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة فحملوا التابوت عليها، ثم علّقوها على ثورين، ثم ضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران، ووكّل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فلم يمرّ التابوت
стр. 4543
بشىء من الأرض إلّا كان مقدّسا، فأقبلا حتى وقفا على أرض فيها حصاد لبنى إسرائيل فكسرا برتهما وقطعا حبالهما، ووضعا التابوت فيها ورجعا إلى أرضهما، فلم يرع بنى إسرائيل إلّا التابوت، فكبّروا وحمدوا الله تعالى.
وقال الكسائىّ: إنهم لمّا دفنوه إلى جنب الحشّ «١» وأخذهم الباسور أعادوه إلى الكنيسة. فغزاهم بعض الفراعنة فهزمهم ودخل الكنيسة، وأخذوا التابوت وهمّوا بفتحه فلم يقدروا فهمّوا «٢» بكسره فلم يقدروا، فتركوه؛ فكان القوم يتشاءمون به لما كان يصيبهم من البلاء، فحوّلوه إلى خمس مدائن، فقال أهل المدينة الخامسة:
إن هذا البلاء يصيبكم بسبب هذا التابوت فأخرجوه. وساق نحو ما تقدّم.
وقوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
أى تسوقه. فعند ذلك أقرّوا بملك طالوت.
وقال ابن عبّاس- رضى الله عنهما-: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعوه فى دار طالوت، فأقرّوا بملكه. قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
«٣» .
قال ابن عبّاس- رضى الله عنهما- إنّ التابوت وعصا موسى فى بحيرة «٤» طبريّة، وإنهما يخرجان يوم القيامة. والله أعلم.
стр. 4544
ذكر مسير طالوت بالجنود وخبر النهر الذى ابتلوا به
قالوا: فلمّا أقرّوا بملك طالوت سألوه أن يغزو بهم، وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل. وقيل: ثمانون ألفا لم يتخلّف عنه إلّا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو ضرير لضرّه أو معذور لعذره؛ وذلك أنهم لما رأوا التابوت قالوا: قد أتانا التابوت، وهو النصر لا شكّ فيه؛ فسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لى فى كل ما أرى، لا يخرج معى رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها، ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوّج بامرأة ولم يبن بها؛ ولا يتبعنى إلّا الشابّ النشيط الفارع «١» . فاجتمع له ثمانون ألفا على شرطه- وكانوا فى حرّ شديد- فشكوا قلّة المياه فيما بينهم وبين عدوّهم، وقالوا: إنّ المياه لا تحملنا، فادع الله تعالى أن يجرى لنا نهرا. فقال لهم طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي
أى من أهل دينى وطاعتى؛ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
؛ ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.
قال الكسائىّ: لمّا سألوه أن يجرى لهم نهرا قال: أفعل- إن شاء الله- وسار بهم حتى إذا كانوا فى بريّة وفقدوا الماء وأجهدهم العطش، أتوه، فدعا أن يجرى الله تعالى لهم نهرا؛ فأوحى الله إليه ما أخبر به فى كتابه؛ قال الله تعالى:
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
«٢» الآية. قال: وهو نهر الأردنّ من بلاد فلسطين. وقال الثعلبىّ: قال ابن عبّاس والسّدّىّ: هو نهر فلسطين. وقال قتادة والربيع: هو نهر بين الأردنّ وفلسطين، عذب. قال الكسائىّ: قالوا: وما تغنى عنّا الغرفة ثم عرض لهم النهر فانهمكوا فى شربه. قال الله تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ
стр. 4545
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
قال: واختلفوا فى القليل الذين لم يشربوا؛ فقال السّدّىّ: كانوا أربعة آلاف. وقال غيره: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر؛ وهو الصحيح، لقول رسول الله- ﷺ لأهل بدر: «أنتم اليوم على عدّة أصحاب طالوت حين عبروا النهر» وكان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر.
قالوا: فلم يزد هؤلاء على الغرفة فكانت كفاية لهم ولدوابّهم؛ فمن اغترف غرفة، كما أمر الله، نوّر الله قلبه وصحّ إيمانه، وعبر النهر سالما. والذين شربوا وخالفوا أمر الله- اسودّت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شطّ النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ؛ فقال طالوت للذين عصوا ربهم: ارجعوا فلا حاجة لى بكم فرجعوا. قال الله تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
«١» وإنّما قال ذلك الذين عصوا وشربوا قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
«٢» .
ذكر خبر داود حين قتل جالوت الملك
قال الله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ
«٣» .
قال أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀: قال المفسّرون بألفاظ مختلفة ومعان متفقة: عبر النهر مع طالوت إيشى أبو داود فى ثلاثة عشر ابنا له، وكان داود
стр. 4546
أصغرهم، فأتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه، ما أرمى بقذّافتى «١» شيئا إلّا صرعته. فقال:
أبشر يا بنىّ فإن الله- جعل رزقك فى قذّافتك؛ ثم أتاه مرّة أخرى فقال: يا أبتاه، لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا، فركبته وأخذت بأذنيه فلم يهجنى «٢» ، فقال: أبشر يا بنىّ فإنّ هذا خير يريده الله بك. ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه، إنى لأمشى بين الجبال فأسبّح فما يبقى جبل إلّا سبّح معى.
فقال: أبشر يا بنىّ فإنّ هذا خير أعطاكه الله .
قالوا: فأرسل جالوت إلى طالوت، أن ابرز إلىّ أو أبرز إلىّ من يقاتلنى، فإن قتلنى فلكم ملكى، وإن قتلته فلى ملككم. فشقّ ذلك على طالوت، فنادى فى عسكره: من قتل جالوت زوّجته ابنتى وناصفته ملكى. فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد؛ فسأل طالوت نبيّهم- ﵇ أن يدعو، فدعا الله- فى ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس، وتنّور من حديد، فقيل له:
إنّ صاحبكم الذى يقتل جالوت هو الذى يوضع هذا القرن على رأسه فيغلى الدّهن ثم يدهن به رأسه ولا يسيل على وجهه، يكون على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل فى هذا التنّور فيملأه لا يتقلقل فيه؛ فدعا طالوت بنى إسرائيل، فجرّبهم فلم يوافقه منهم أحد، فأوحى الله- إلى نبيّهم أن فى ولد إيشى من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت إيشى وقال له: اعرض علىّ بنيك. فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السوارى، وفيهم رجل فارع عليهم؛ فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا، فيقول لذلك الجسيم: ارجع فيردّده على التنّور. فأوحى الله- إليه:
إنّا لا نأخذ الرجال على صورهم، ولكنّا نأخذهم على صلاح قلوبهم. فقال لإيشى:
стр. 4547
هل بقى لك ولد غيرهم؟ فقال لا. فقال النبىّ: ربّ إنه زعم أن لا ولد له غيرهم.
فقال كذب. فقال النبىّ: إن ربّى كذّبك. قال: صدق الله يا نبىّ الله، إنّ لى ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فخلّفته فى الغنم يرعاها وهو فى شعب كذا. وكان داود- ﵇ رجلا قصيرا مسقاما «١» مصفارّا أزرق أشقر. فدعاه طالوت. ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادى قد حال بينه وبين الزّربية التى كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين شاتين فيجيزهما السّيل ولا يخوض بهما الماء؛ فلمّا رآه [أشمويل «٢» ] قال:
هذا هو لا شكّ فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم. فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض؛ فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوّجك ابنتى وأجرى حكمك فى ملكى؟ قال نعم. قال: وهل أنست من نفسك شيئا تتقوّى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى فيجىء الأسد أو النّمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم له فأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه. فردّه إلى عسكره؛ فمرّ داود- ﵇ فى الطريق بحجر فناداه: يا داود، احملنى فإنى حجر هارون الذى قتل بى ملك كذا، فحمله فى مخلاته. [ثم مرّ بحجر آخر فناداه: يا داود، احملنى فإنى حجر موسى- ﵇ الذى قتل به ملك كذا وكذا، فحمله فى مخلاته «٣» ] . ثم مرّ بحجر آخر فقال:
احملنى فإنى حجرك الذى تقتل به جالوت، وقد خبأنى الله لك، فوضعه فى مخلاته.
فلما تصافّوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فلبس السلاح وركب الفرس، وسار قريبا، ثم انصرف فرجع إلى الملك، فقال من حوله: جبن الغلام. فجاء فوقف على الملك فقال:
стр. 4548
ما شأنك؟ قال: إنّ الله- إن لم ينصرنى لم يغن عنّى هذا السلاح شيئا، فدعنى أقاتل كما أريد. قال نعم. فأخذ داود مخلاته فتقلّدها، وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم؛ وكان يهزم الجيوش وحده، وكان له بيضة فيها ثلاثمائة منّ حديدا، فلمّا نظر إلى داود ألقى فى قلبه الرّعب، فقال له: أنت تبرز لى؟ قال نعم- وكان جالوت على فرس أبلق، عليه السلاح التامّ- قال: تأتينى بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟
قال: نعم، لأنت شرّ من الكلب. قال: لا جرم لأقسّمنّ لحمك بين سباع الأرض وطير السماء. فقال داود: [باسم «١» الله و] يقسّم الله لحمك. وقال: بسم إله إبراهيم، وأخرج حجرا، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق، ووضعه فى مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب، ووضعه فى مقلاعه، فصارت كلّها حجرا واحدا، ودوّر المقلاع ورماه به، فسخّر الله تعالى له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة وخالط دماغه فخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله تعالى الجيش وخرّ جالوت قتيلا، فأخذه داود فجرّه حتى ألقاه بين يدى طالوت.
وقال الكسائىّ فى هذه القصة: كان مع طالوت سبعة إخوة لداود، وكان داود عند أبيه وهو صغير، فقال له أبوه: قد أبطأ علىّ خبر إخوتك مع طالوت، فاحمل إليهم طعاما وتعرّف لى خبرهم. فمضى داود ومعه مخلاة له فيها الطعام، وقد شدّ وسطه بمقلاع؛ فبينا هو يسير إذا ناداه حجر من الأرض: خذنى فأنا حجر أبيك إبراهيم. فأخذه؛ ثم ناداه حجر آخر: خذنى فأنا حجر أبيك إسحاق. فأخذه؛
стр. 4549
ثم ناداه حجر آخر: خذنى فأنا حجر أبيك يعقوب. فأخذه وسار حتى أتى العسكر، فنزل على إخوته، فلمّا كان من الغد تهيّأ الجيشان للمحاربة، فقال طالوت:
أيها الناس، من كفانى منكم أمر جالوت زوّجته ابنتى، وأشركته فى ملكى، وجعلته خليفتى من بعدى. فلم يجبه أحد إلّا داود؛ فخلع عليه وأركبه وطاف به فى معسكره؛ فلمّا كان من الغد ركبوا، وأقبل جالوت بجيوشه وهو على فيل، وكان طوله ثمانية عشر ذراعا، وطول داود عشرة أذرع، فقال المؤمنون: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
«١» الآية.
فبرز جالوت بين الصفّين فبرز له داود، فقال له جالوت: إنك صغير ولا سلاح معك فارجع، فأبى ذلك، وأخذ تلك الأحجار فوضعها فى مقلاعه ورمى بها، فوقع أحدها بميمنة جالوت فهزمها، والثانى فى الميسرة فانهزموا، والثالث وقع على أنف بيضة جالوت فخرج من قفاه، فسقط جالوت ميّتا، وانهزم أصحابه.
قالوا: ولمّا قتل داود جالوت ذكر الناس داود وعظم فى أنفسهم، فجاء إلى طالوت وقال له: أنجز لى ما وعدتنى، وأعطنى امرأتى. فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير صداق، عجّل صداق ابنتى وشأنك بها. فقال له داود: ما شرطت علىّ صداقا، وليس لى شىء، فتحكّم فى الصداق «٢» ما شئت وأقرضنى مهرها وعلىّ الأداء والوفاء لك. فقال طالوت: أصدقها نصيبك من الملك. فقالت بنو إسرائيل:
لا تظلمه وأنجز له ما وعدته به.
فلمّا رأى طالوت ميل بنى إسرائيل إلى داود وحسن رأيهم فيه قال:
لا حاجة لابنتى فى المال، ولا أكلّفك إلّا ما تطيق، أنت رجل جرىء، وفى جبالنا
стр. 4550
أعداء من المشركين غلف «١» فانطلق وجاهدهم، فإذا قتلت منهم مائتى رجل وجئتنى برءوسهم زوّجتك ابنتى. فأتاهم داود، وجعل كلّما قتل منهم رجلا احتزّ رأسه ونظمه فى خيط حتى نظم رءوسهم فجاء بها إلى طالوت، فألقاها إليه وقال: ادفع إلىّ امرأتى، فزوّجه ابنته وأجرى خاتمه فى ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبّوه وأكثروا من ذكره، فوجد طالوت من ذلك فى نفسه وحسده وأراد قتله.
قال وهب بن منبّه: وكانت الملوك يومئذ يتوكّأون على عصىّ فيغرزون فى أطرافها أزجة من حديد، وكان بيد طالوت منها واحدة، فى رأسها رمّانة من ذهب وفى أسفلها زجّ من حديد، وداود جالس قريبا منه فى ناحية البيت، فرماه بها بغتة ليقتله بها، فلمّا أحسّ داود بذلك حاد عن طريقها، وأمال نفسه عنها من غير أن يبرح من موضعه، فارتكزت فى الجدار، فقال له داود: عمدت إلى قتلى؟
قال طالوت: لا، ولكن أردت أن أقف على ثباتك فى الطّعان وربط جأشك للاقران. قال داود: فألفيته على ما قدّرته فىّ؟ قال: نعم، ولعلك فزعت. قال:
معاذ الله أن أخاف إلّا الله تعالى وأرجو إلا الله، ولا يدفع الشرّ إلا الله. فانتزعها من الجدار ثم هزّها هزّة منكرة وقال له: أثبت كما ثبتّ لك، فأيقن طالوت بالهلاك؛ فقال له: أنشدك الله والحرمة التى بينى وبينك إلّا ما صفحت؛ فقال داود: إن الله تعالى كتب فى التوراة أن اجز السيئة مثلها، واحدة بواحدة والبادى أظلم؛ فقال طالوت: ألا تقول قول هابيل لأخيه قابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
«٢» . قال داود:
قد عفوت عنك لوجه الله تعالى.
стр. 4551
فلبث طالوت زمنا يريد قتل داود، فعزم على أن يأتيه ويغتاله فى داره، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له: ذو العينين، فقالت لداود: إنك مقتول الليلة؛ قال: ومن يقتلنى؟ قالت: أبى، وأخبرته الخبر وقالت: لا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك. فأخذ داود زقّ خمر فوضعه فى مضجعه على السّرير وسجّاه ودخل تحت السّرير ودخل طالوت نصف الليل، فعمد إليه فضربه ضربة بالسيف فسالت الخمر، فلمّا وجد ريحها قال: رحم الله داود، ما كان أكثر شربه للخمر، وخرج، فلمّا أصبح علم أنه لم يصنع شيئا، فقال: إنّ رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق ألّا يدعنى حتى يطلب منى ثأره؛ فاشتدّ حجّابه وحرّاسه وأغلق دونه الأبواب، فأتاه داود ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله الحجّاب عنه وفتح له الأبواب، ودخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج. فلمّا استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها، فقال: رحم الله داود فهو خير منّى، ظفرت به فقصدت قتله، وظفر بى فكفّ عنّى، لو شاء لوضع هذا السهم فى حلقى وما أنا بالذى آمنه. فلمّا كانت الليلة القابلة أتاه ثانيا، وأعمى الله الحجّاب، فدخل وهو نائم، فأخذ إبريق طالوت الذى كان يتوضّأ به وكوزه الذى يشرب منه، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه، ثم خرج وهرب وتوارى؛ فلمّا أصبح ورأى ذلك نصب على داود العيون وطلبه أشدّ الطلب فلم يقدر عليه، ثم ركب طالوت يوما فوجد داود يمشى فى البرّيّة فقال: اليوم أقتل داود، وكان داود إذا فرّ لم يدرك، فركض داود حتى دخل غارا، فأمر الله العنكبوت أن تنسج، فنسجت عليه بيتا، وجاء طالوت إلى الغار فنظر الى بيت العنكبوت فقال: لو كان هاهنا لخرق بيت العنكبوت، فتركه ومضى، وانطلق داود إلى الجبل ومعه المتعبّدون، فجعل يتعبّد فيه.
стр. 4552
وطعن العلماء والعبّاد على طالوت فى شأن داود؛ فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن داود إلّا قتله. وأغرى بقتل العلماء، فلم يكن يقدر فى بنى إسرائيل على عالم [ويطيق قتله إلّا قتله «١» ] ولم يكن طالوت يحارب جيشا إلّا هزمه، حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر جبّاره بقتلها، فرحمها الجبّار وقال: لعلّنا نحتاج إلى عالم فتركها.
ثم وقع فى قلب طالوت التوبة، وندم على ما فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، وكان كلّ ليلة يخرج إلى القبور ويبكى وينادى: أنشد الله عبدا يعلم لى التوبة إلّا أخبرنى. فلمّا كثر عليهم [بكاؤه «٢» ] ناداه مناد من قبر: يا طالوت، أما ترضى [أنك «٣» ] قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا، فازداد بكاء وحزنا، فقال له الجبّار:
مالك أيها الملك؟ قال: هل تعلم لى فى الأرض عالما أسأله؟ هل لى من توبة؟
قال الجبّار: هل تدرى ما مثلك؟ إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء، فصاح ديك فتطيّر به، فقال: لا تتركوا فى هذه القرية ديكا إلّا ذبحتموه. فلمّا أراد أن ينام قال لأصحابه: إذا صاح الدّيك فأيقظونا حتى ندّلج. فقالوا له:
وهل تركت ديكا يسمع صوته؟ وأنت هل تركت فى الأرض عالما؟! فازداد طالوت حزنا وبكاء؛ فلمّا رأى الجبّار ذلك قال له: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلّك أن تقتله؟ قال لا. فتوثّق منه الجبّار وأخبره أنّ المرأة العالمة عنده؛ قال:
فانطلق بى إليها حتى أسألها هل لى من توبة؟ - وكان إنما يعلم ذلك أهل بيت لهم علم بالاسم الأعظم «٤» - فلمّا بلغ طالوت الباب قال له الجبّار: إنها إن رأتك فزعت، فخلّفه خلفه، ثم دخل عليها فقال لها: ألست أعظم عليك حرمة، أنجيتك من القتل وآويتك عندى؟ قالت بلى. قال: فإنّ لى إليك حاجة. قالت:
стр. 4553
وما هى؟ قال: هذا طالوت يسأل هل له من توبة؟ فقالت: لا والله ما لطالوت من توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر أشمويل؟ قال نعم. قالت: فانطلقوا بى إلى قبره، ففعلوا، فصلّت ثم نادت: يا صاحب القبر أخرج. فخرج أشمويل من قبره ينفض رأسه من التراب. فلمّا نظر إليهم ثلاثتهم. المرأة والجبّار وطالوت قال: مالكم! أقامت القيامة؟ قالت: لا، ولكنّ طالوت يسألك هل له من توبة؟
قال أشمويل: يا طالوت، ما فعلت بعدى؟ قال: لم أدع من الشرّ شيئا إلّا فعلته، وقد جئت أطلب التوبة. قال: كم لك من الولد؟ قال: عشرة رجال. قال:
ما أعلم لك من توبة إلّا أن تتخلّى عن مالك وتخرج أنت وولدك فى سبيل الله، ثم تقدّم ولدك حتى يقتلوا بين يديك، ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم. ثم رجع أشمويل إلى القبر وسقط ميّتا، ورجع طالوت أحزن ما كان، رهبة ألّا يتابعه أولاده، وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه، ونحل جسمه. فدخل عليه أولاده فقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذوننى؟ قالوا: بلى، ننقذك بما قدرنا عليه. قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول. قالوا: فاعرض علينا، فذكر لهم القصة. قالوا: فإنك لمقتول؟! قال نعم. قالوا: فلا خير لنا فى الحياة بعدك، قد طابت أنفسنا بالذى سألت. فتجهّز للغز وبماله وولده، فتقدّم ولده فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا؛ ثم تقدّم فقاتل بعدهم حتى قتل. فجاء قاتله إلى داود يبشّره وقال: قد قتلت عدوّك. فقال داود: ما أنت بالذى تحيا بعده. فضرب عنقه.
وحكى الكسائىّ: أنّ طالوت لمّا حسد داود على ما أوتى من القوّة، وهمّ بالغدر مرارا فلم يظفر به وظفر به داود فأبقى عليه، اعتذر له طالوت واتفقا؛ ثم مات أشمويل، فانضمّ بنو إسرائيل إلى داود واختلفوا على طالوت وحاربوه؛ فاستقلّ داود بالملك، وجاهد ببنى إسرائيل وقهر الأعداء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 4554
ذكر خلافة داود ﵇ ونبوّته ومبعثه إلى بنى اسرائيل وما خصه الله به
هو داود بن إيشى «١» بن عويل بن باعد بن سلمون بن يحسون بن عمى بن مارب ابن أرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل- ﵈ قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
«٢» قال الكسائىّ: لمّا مات أشمويل تفرّق بنو إسرائيل واشتغلوا باللهو، فبعث الله تعالى داود- ﵇ وأعطاه سبعين سطرا من الزّبور، وأعطاه حسن الصوت، فكان إذا سبّح سبّحت الجبال معه والطير والوحش؛ قال الله تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
«٣» أى مطيع، وقال أبو إسحاق الثعلبىّ: قالت العلماء بأخبار الأنبياء: لمّا استشهد طالوت أتى بنو إسرائيل إلى داود فأعطوه خزانة طالوت وملّكوه على أنفسهم، وذلك بعد قتل جالوت بسبع سنين، ولم يجتمع بنو إسرائيل بعد يوشع بن نون على ملك واحد إلّا على داود ﵇.
قال: وخصّ الله تعالى نبيّه داود بخصائص:
منها: أنه أنزل عليه الزّبور بالعبرانية خمسين ومائة سورة، فى خمسين منها ما يكون من بختنصر وأهل بابل؛ وفى خمسين ما يكون من أهل إبرون؛
стр. 4555
وفى خمسين منها موعظة وحكمة؛ ولم يكن فيها حلال ولا حرام، ولا حدود ولا أحكام؛ وذلك قوله تعالى: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً «١» ) .
ومنها: الصوت الطيّب، والنغمة اللذيذة، والترجيع فى الألحان؛ ولم يعط الله تعالى أحدا من خلقه مثل صوته، فكان يقرأ الزّبور بسبعين لحنا بحيث يعرق المحموم ويفيق المغشىّ عليه.
وكان إذا قرأ الزبور برز إلى البرّيّة، فيقوم ويقرأ ويقوم معه علماء بنى إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجنّ خلف الناس، وتقوم الشياطين خلف الجنّ، وتدنو الوحوش والسباع حتى تؤخذ بأعناقها، وتظلّه الطير مصيخة «٢» ، ويركد الماء الجارى ويسكن الريح.
قال الثعلبىّ: وما صنعت المزامير والبرابط «٣» والصّنوج إلّا على صوته، وذلك أنّ إبليس حسده واشتدّ عليه أمره، فقال لعفاريته: ترون ما دهاكم؟ فقالوا:
مرنا بما شئت. قال: فإنه لا يصرف الناس عن داود إلّا ما يضادّه ويحادّه «٤» فى مثل حاله. فهيّأ المزامير والأعواد والأوتار والملاهى على أجناس أصوات داود- ﵇ فسمعها سفهاء الناس فمالوا إليها واغترّوا بها.
ومنها: تسبيح الجبال والطير معه؛ قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ «٥» )
. وقوله تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ «٦» )
. يقال: إن داود كان اذا تخلّل الجبال يسبّح الله تعالى جعلت الجبال
следующие страницы →