← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وقال فى صياحه: يا غافلين اذكروا الله. ثم قال: يا نبىّ الله، إنى كنت مع أبيك آدم وكنت أوقظه أوقات الصلوات، ومع نوح فى الفلك، ومع أبيك إبراهيم وكنت أسمعه يقول: «اللهمّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذّل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شىء قدير» . واعلم يا نبىّ الله أنى ما صحت صيحة إلا أفزعت بها الجن والشياطين. ففرح سليمان به وأمره أن يكون معه حيثما كان. ووقف كل طير بين يديه، وفرغ من حشر الطيور وعرفها بأسمائها ومنطقها، وكانوا يعبدون الله بالليل والنهار، وكذلك الوحوش والسباع، حتى عرف كل واحد منهم باسمه وصفته ونعته «١» . ذكر خبر العنقاء فى القضاء والقدر قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- بسند رفعه الى جعفر بن محمد الصادق قال: عاتب سليمان الطير فى بعض عتابه فقال لها: إنك تأتين كذا، وتفعلين كذا، فقالت له: والله ربّ السماء والثّرى، إنا لنحرص على الهدى، ولكن قضاء الله يأتى إلى منتهى علمه وقدره. قال سليمان: صدقت، لا حيلة فى القضاء. فقالت العنقاء: لست أومن بهذا. قال لها سليمان: أفلا أخبرك بأعجب العجب؟ قالت بلى. قال: إنه ولد الليلة غلام فى المغرب، وجارية فى المشرق، هذا ابن ملك

стр. 4587

وهذه بنت ملك، يجتمعان فى أمنع المواضع وأهولها على سفاح بقدر الله تعالى فيهما. قالت العنقاء: يا نبىّ الله، وقد ولدا؟ قال: نعم الليلة. قالت: فهل أخبرت بهما؟ من هما وما اسمهما واسم أبويهما؟ قال: بلى، اسمهما كذا وكذا، واسم أبويهما كذا وكذا. قالت: يا نبىّ الله، فإنى أفرّق بينهما وأبطل القدر. قال: فإنك لا تقدرين على ذلك. قالت بلى. فأشهد سليمان عليها الطير وكفلتها البومة. ومرّت العنقاء وكانت فى كبر الجمل عظما، ووجهها وجه إنسان، ويداها وأصابعها كذلك؛ فحلّقت فى الهواء حتى أشرفت على الدنيا وأبصرت كل دار فيها، وأبصرت الجارية فى مهدها قد احتوشتها الظئور والخول، فآختلست المهد والجارية وطارت، ومرّت حتى انتهت بها إلى جبل شاهق فى السماء، أصله فى جوف البحر، وعليه شجرة عالية فى السماء، لا ينالها طائر إلا بجهد، لها ألف غصن، كل غصن كأعظم شجرة فى الأرض، كثيرة الورق، فاتخذت لها فيه وكرا عجيبا واسعا وطيئا، وأرضعتها واحتضنتها تحت جناحها، وصارت تأتيها بأنواع الأطعمة والأشربة، وتكنّها من الحرّ والبرد، وتؤنسها بالليل، ولا تخبر أحدا بشأنها، وتغدو إلى سليمان وتروح إلى وكرها. وعلم سليمان بذلك ولم يبده لها، وبلغ الغلام مبلغ الرجال، وكان ملكا من ملوك الدنيا، وكان يلهو بالصيد ويحبّه ويطلبه حتى نال منه عظيما. فقال يوما لأصحابه: كل صيد البر وفلواته ومفازاته قد تمكنت من صيده، فلو ركبت البحر لأنال من صيده فإنه كثير الصيد كثير العجائب!. فقال وزير من وزرائه: نعم ما رأيت، وهو أكثر ما خلق الله صيدا. فأمره بجهازه، وهيأ السفن وجعل يختار من كل شىء يملكه، وأخذ من الوزراء والندماء والمشيرين والجوارى والغلمان والطباخين والخبازين والبزاة والصقور وغير ذلك مما يريده ويشتهيه من الملاهى

стр. 4588

والشراب، وركب ومرّ فى البحر يتصيّد ويتلذذ لا يعرف شيئا غير ذلك، حتى سار مسيرة شهر، فأرسل الله تعالى على سفينته ريحا عاصفا خفيفة ساقتها حتى وصلت بها الى جبل العنقاء الذى فيه الجارية، وذلك مسيرة خمسين سنة فى خمسين ليلة، ثم ركدت سفينته بإذن الله تعالى، وأصبح الغلام فرأى سفينته راكدة، فأخرج رأسه من السفينة، فرأى الجبل وهو فى لون الزعفران [صفرة «١» ] ، وطوله لا يدرى أين منتهاه ولا عرضه، ورأى الشجرة فإذا هى كثيرة الأغصان والورق، ورقها عرض آذان الفيلة ليس لها ثمر، بيضاء الساق، فقال: إنى أرى عجبا، أرى جبلا شاهقا لم أر مثله، وأرى شجرة حسنة قد أعجبنى منظرها. فحرّك سفينته نحو الجبل، فسمعت الجارية التى فى عشّ العنقاء صوت الماء وكلام الناس، ولم تكن سمعت قبل ذلك شيئا من ذلك؛ فأخرجت رأسها من العشّ، فتطلّعت فرأى الملك صورتها فى الماء، ورأى عجبا من جمالها وكثرة شعرها وذوائبها؛ فرفع رأسه إلى الشجرة فرأى الجارية، فأبصر أمرا عظيما فأخذه القلق، فناداها: من أنت؟ فأفهمها الله تعالى لغته وقالت: لا أدرى ما تقول ولا من أنت إلا أنى أراك يشبه وجهك وجهى وكلامك كلامى، وإنى لا أعرف شيئا غير العنقاء، وهى أمى التى ربّتنى وتسمينى بنتها. فقال لها الغلام: وأين العنقاء أمك؟ قالت: فى نوبتها. قال: وما نوبتها؟ قالت: تغدو كل يوم إلى ملكها سليمان فتسلّم عليه وتقيم عنده إلى الليل، ثم تروح وتجيئنى وتحدّثنى بما فعل سليمان وبما حكم وقضى، وإنه لملك عظيم، على ما تصف أمى العنقاء، وإنها تخبرنى أنه يشبهنى إلا أنها تخبر أنه أحسن وجها وأتمّ منى.

стр. 4589

قال: فآنذعر الغلام وفزع، ثم قال: قد عرفته، هو الذى قتل أبى وسبى ذرّيته، وإنى لمن طلقائه وممن يؤدّى إليه الخراج، ورسله الطير والرياح، ثم بكى الغلام. فقالت الجارية: وما يبكيك؟ قال: أبكى على وحدتك فى مثل هذا الموضع الذى ليس به أنيس ولا أحد، وإن مثلك فى الدنيا عدد الشجر والمدر، وكلهم فى مقاصير الذهب والفضة والعيش الهنئ والّلذة الحسنة مع الأزواج يتعانقون ويتنّعمون، ويتوالدون أولادا مثل خلقتك وخلقتى، أرأيت إن هاجت الريح وأزعجتك من وكرك من يمسكك أن تقعى فى البحر؛ فإن وقعت فى البحر فمن ذا الذى يخرجك. قال: ففزعت من قوله وقالت: وكيف لى أن يكون معى إنسىّ مثلك يحدّثنى مثل حديثك، ويحفظنى من خوف ما ذكرت. فقال لها الغلام: أولا تعلمين أن الله الذى اتخذ سليمان نبيّا وسخّر له الطير والرياح هو الذى رحمك وساقنى إليك إلفا وصاحبا وأنيسا، وأنى من أبناء الملوك. قالت الجارية: وكيف تصير إلىّ وأصير إليك، وهذه العنقاء تنام وتحضننى إلى صدرها بين جناحيها؟ قال الغلام: تكثرين جزعك ووحشتك وبكاءك على العنقاء ليلتك هذه إذا انصرفت إليك، فإذا قالت لك: ما تخشين وما شأنك، فأخبريها بحديثك، ثم انظرى إلى ما يكون ردّها عليك فتخبرينى به. فراحت العنقاء فوجدتها حزينة كئيبة. فقالت لها: يا بنيّة، ما شأنك؟ قالت: الوحدة والوحشة، وإنى لجزعة على نفسى لذلك. فقالت لها: يا بنيّة لا تخافى ولا تحزنى، فإنى أستأذن سليمان أن آتيه يوما وأتخلّف عنه يوما. فلمّا أصبحت أخبرت الغلام بجوابها. فقال لها: لا تريدى هذا، ولكن سأنحر من دوابّى هذه فرسا وأبقر بطنه وأخرج ما فى جوفه وأقيّره وأطيّنه وأدخل أنا فى جوفه، وألقيه على قرقور «١» سفينتى هذه، فإذا جاءتك العنقاء فقولى لها: إنى

стр. 4590

أرى عجبا، خلقة ملقاة على هذه السفينة، فلو اختطفتيها وحملتيها إلى وكرى هذا، فأنظر وأستأنس بها، كان أحبّ إلىّ من كينونتك عندى نهارا وإمساكك عنى خبر سليمان. فرجعت العنقاء فوجدتها فى مثل حالها، وشغل سليمان عنها، فلم تصل إليه فى استئذانها إيّاه بالمقام يوما فى منزلها. فقالت لها: إن نبىّ الله شغل عنى اليوم بالحكم بين الآدميين فلم أصل اليه. قالت لها: فإنّى لا أريد أن تتخلّفى عنه نهارا لمكان أخبار سليمان، وإنى أرى فى البحر عجبا، شيئا مرتفعا ما هو؟ قالت العنقاء: هذه سفينة قوم سيّارة ركبوا البحر. قالت: فما هذا الذى أرى ملقى على رأس هذه السفينة؟ قالت: كأنه ميتة رموها. قالت: فاحمليها إلىّ لأستأنس بها وأنظر إليها. فانقضّت العنقاء فاختطفت الفرس والغلام فى بطنها فحملتها إلى عشّها. فقالت: يا أمّاه، ما أحسن هذا! وضحكت، ففرحت العنقاء بذلك وقالت: يا بنيّة، لو علمت لقد كنت آتيك بمثل هذا منذ حين. ثم طارت العنقاء إلى نوبتها إلى سليمان، وخرج الغلام من جوف الفرس فلاعبها ومسّها ولا مسها وافتضّها فأحبلها، وفرح كل واحد منهما بصاحبه واستأنس به. وجاء الخبر إلى سليمان باجتماعهما من قبل الريح، ووافت العنقاء، وكان مجلس سليمان يومئذ مجلس الطير؛ فدعا بعرفاء الطير وأمرهم ألّا يدعوا طائرا إلا حشروه، ففعلوا؛ ثم أمر عرفاء الجنّ فحشروا الجنّ من ساكنى البحار والجزائر والهواء والفلوات والأمصار، ففعلوا وحشروهم، وأحضروا الإنس وكل دابّة، واشتدّ الخوف وقالوا: نشهد بالله أن لنبىّ الله أمرا قد أهمّه. فأوّل سهم خرج فى تقديم الطير سهم الحدأة، وكانت الطير لا تتقدّم إلا بسهام، فتقدّمت الحدأة واستعدت على زوجها، وكان قد جحدها ولدها، فقالت: يا نبىّ الله، إنه سفدنى، حتى احتضنت بيضى وأخرجت ولدى جحدنى. فأمر سليمان بولدها فأتى به، فوجد الشبه واحدا،

стр. 4591

فألحقه بالذكر وقال لها: لا تمكّنيه من السّفاد أبدا حتى تشهدى على ذلك الطير لكيلا يجحدك بعدها أبدا. فإذا سفدها ذكرها صاحت وقالت: يا طيور «١» سفدنى اشهدى، يا معشر الطير اشهدى. ثم خرج سهم العنقاء فتقدّمت، فقال لها سليمان: ما قولك فى القدر؟ قالت: يا نبىّ الله، إن لى من القوّة والاستطاعة ما أدفع الشر وآتى الخير. قال لها: وأين شرطك الذى بينى وبينك أنك تفرّقين بقوّتك واستطاعتك بين الجارية والغلام؟ قالت: قد فعلت. قال سليمان: الله أكبر! فأتينى بها الساعة والخلق شهود لأعلم تصديق ذلك، وأمر عريف الطير الّا يفارقها حتى يوافى بها. فمرّت العنقاء، وكانت الجارية اذا قربت منها العنقاء تسمع حفيف أجنحتها، فيبادر الغلام فيدخل جوف فرسه، فقالت كالفزعة: إن لك لشأنا إذ رجعت نهارا. قالت: لعمرى إن لى لشأنا، إن سليمان قد أمرنى بإحضارك الساعة لأمر جرى بينى وبينه فى أمرك، فأنا أرجو نصرتى اليوم فيك. قالت: فكيف تحملينى؟ قالت: على ظهرى. قالت: وهل أستقرّ على ظهرك وأنا أرى أهوال البحر فلا آمن أن أزلّ وأسقط فأهلك! قالت: ففى منقارى. قالت: وهل أصبر فى منقارك! قالت: فكيف أصنع؟ لابدّ من إحضارك إلى سليمان، وهذا عريف الطير معى، وقد دعا بكفيلى البومة. قالت: أدخل جوف هذا الفرس، ثم تحملين الفرس على ظهرك أو فى منقارك، فلا أرى شيئا ولا أسقط ولا أفزع. قالت: أصبت. فدخلت فى جوف الفرس واجتمعت مع الغلام، وحملت العنقاء الفرس بما فيه فى منقارها، وطارت حتى وقعت بين يدى سليمان، فقالت: يا نبىّ الله، هى الآن فى جوف الفرس، فأين الغلام! فتبسّم سليمان- ﵇ طويلا وقال لها: أتؤمنين

стр. 4592

بقدر الله تعالى وقضائه! إنه لا حيلة لأحد «١» فى دفع قضاء الله تعالى وقدره وعلمه السابق الكائن من خير وشرّ. قالت العنقاء: أومن بالله وأقول: إن المشيئة للعباد والقوّة، فمن شاء فليعمل خيرا ومن شاء فليعمل شرّا. قال سليمان: كذبت ما جعل الله من المشيئة إلى العباد شيئا، ولكن من شاء الله أن يكون سعيدا كان سعيدا، ومن شاء أن يكون كافرا كان كافرا، فلا يقدر أحد أن يدفع قضاء الله وقدره بحيلة ولا بفعل ولا بعلم، وإن الغلام الذى قد ولد بالمغرب والجارية التى ولدت بالمشرق قد اجتمعا الآن فى مكان واحد على سفاح، وقد حملت منه الجارية ولدا. قالت العنقاء: لا تقل يا نبىّ الله هذا، فإن الجارية معى فى جوف فرسى هذا. قال سليمان: الله أكبر! أين البومة المتكفّلة بالعنقاء؟ قالت: هأنا. قال سليمان: على مثل قول العنقاء أنت؟ قالت نعم. قال سليمان: يا قدر الله السابق قبل الخلق أخرجهما على قضاء الله وقدره. قال: فأخرجهما جميعا من جوف الفرس. فأما العنقاء فتاهت وفزعت فطارت فى السماء وأخذت نحو المغرب، واختفت فى بحر من بحار المغرب وآمنت بالقدر وحلفت لا ينظر «٢» الطير فى وجهها أبدا استحياء منها. وأمّا البومة فلزمت الآجام والجبال وقالت: أمّا بالنهار فلا خروج ولا سبيل إلى المعاش. فهى إذا خرجت نهارا وبّختها الطير واجتمعت عليها وقالت لها: يا قدريّة، فهى تخضع لهذا. هذا ما كان من شأن العنقاء فى القضاء والقدر. فلنرجع إلى أخبار سليمان ﵇.

стр. 4593

ذكر خبر خاتم سليمان ﵇ قال الكسائىّ: وأوحى الله تعالى إلى جبريل- ﵇ أنه قد سبق فى علمى أنى أملّك سليمان الدنيا، ليعلم الجن والإنس أنى لم أخلق خلقا هو أفضل من ذريّة آدم؛ وأمره أن يأخذ خاتم الخلافة من الجنة ويأتيه به. فجاء جبريل إلى سليمان ومعه الخاتم وهو يضىء كالكوكب الدرّىّ، ورائحته كالمسك، وعليه كتابة «١» بغير قلم، وهى: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فأعطاه لسليمان وقال له: هنيئا لك يا بن داود بهذه الهديّة، وكان فى يوم الجمعة لسبع وعشرين «٢» خلت من المحرّم. فلما صار الخاتم فى كفّ سليمان لم يتمكن من النظر إليه حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكذلك كل من كان ينظر إليه «٣» . قال وقيل: إن الخاتم أنزل من تحت العرش من نور برهان الله، وقيل لسليمان: لا تنزعه من كفّك إلا بأمانة، وجعل الله عزّه فيه، فتختمّ سليمان به وصعد على كرسيّه واستقبل الناس بوجهه ورفع اليه الخاتم وهو يلمع، وقال: هذا الخاتم جمع فيه عزّى وسلطانى وفضّلنى به ربى على العالمين، وسلّطنى على كل شيطان مريد. ثم سجد شكر الله تعالى وسجد معه الناس. ثم نزل عليه بعد نزول الخاتم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* فكان لا يقرؤها على شىء إلا خضع وذلّ، فتلاها على بنى إسرائيل فلم يسمعها أحد إلا امتلأ فرحا. ثم أمر بعد ذلك باتخاذ البيض والسيوف، فكان عنده اثنا عشر ألف درع من نسج داود.

стр. 4594

وقيل: إن داود لم يعمل أكثر من سبع أدرع، ثم قال سليمان: يا بنى إسرائيل، إنى أمرت بمجاهدة أعداء الله؛ ثم جمع الخيول «١» وشرع فى الاستعداد للحرب. ذكر خبر حشر الجن لسليمان بن داود ﵉ قال الكسائىّ: وأمر الله- جبريل- ﵇ أن يحشر الجنّ، فنشر جناحه الأيمن على شرق الأرض، والأيسر على غربها، ونادى: أيتها الجنّ والشياطين، أجيبوا سليمان بن داود بإذن الله، فخرجت من سائر الأماكن وهى تقول: لبّيك لبّيك يا حجة الله. فحشرها الى سليمان طائعة ذليلة تسوقها الملائكة، وهى يومئذ أربعمائة وعشرون فرقة، كل فرقة تدين بدين غير دين الأخرى، فوقفت بأجمعها بين يدى سليمان، فنظر الى عجائب صورها وسجد لله شكرا؛ ثم قام على قدميه والخاتم فى إصبعه، فلما نظرت إليه الجنّ خرّت ساجدة ثم رفعت رءوسها وقالت: يابن داود، قد حشرنا إليك وأمرّنا بالطاعة لك، فختم على أكتافهم بخاتمه وجنّدهم وصفّد مردتهم بالحديد ولم يتخلّف منهم إلا صخر الجنىّ تغيّب فى جزيرة، وسنذكر خبره إن شاء الله تعالى. قال: وبقى إبليس بغير أعوان وفرّق سليمان الشياطين فى الأعمال المختلفة. من الحديد والنحاس وقطع الصخور والأشجار وعمارة القرى والمدن والحصون، وأمرهم بعمل القدور والجفان؛ قال الله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ «٢» . قيل: كان يأكل من كل جفنة ألف إنسان. وشغل

стр. 4595

طائفة منهم بغوص البحار واستخراج الأصداف والجواهر منها، وأمر بعضهم بحفر الآبار وشقّ الأنهار والقنوات، وبعضهم بإخراج الكنوز والمعادن، وغير ذلك من الأعمال. ثم حشر له بعد ذلك الهوامّ من الحيّات والعقارب وغيرها من الحشرات وسخّرت له. فسأل كلا منها عن اسمها [وضرّها ونفعها «١» ] ومأكلها ومشربها ومسكنها ومقدار أعمارها وعادتها وغير ذلك من أحوالها، فأخبرته، ثم صرفهم وأمرهم ونهاهم. والله أعلم. ذكر خبر مطابخه ﵇ قال الكسائىّ: وأمر سليمان أن تصنع الأطعمة للخلق الذين معه، حتى كان طبّاخوه ينادون فى عسكره: من أراد طعاما فليأت حتى نصنعه له كما يريد، فإن سليمان نصبنا لذلك. وكانت موائده منصوبة، كل مائدة طول ميل وأطول، ومعه عدّة من الطبّاخين، مع كل طباخ شيطان يعينه، ورتب فى كل مخبز ألف خباز، وفى كل مطبخ ألف طباخ. قال ويقال: إنه كان يذبح فى مطبخه فى كل يوم من الإبل والبقر والغنم زيادة على ثلاثين ألف رأس، ويستعمل فى مطابخه كل يوم كذا وكذا كرّا من الملح، وكانت موائده منصوبة لعامّة الناس فقيرهم وغنيّهم؛ وكان يلقى للطير فى كل يوم من الحبوب سبعون ألف كرّ- والكر عشرة أجربة، والجريب ثلاثون قفيزا «٢» - وكانت تظل البلاد بأجنحتها.

стр. 4596

ذكر خبر الرزق الذى سأل سليمان الله تعالى أن يجريه على يديه قال الكسائىّ: ولمّا نظر سليمان- ﵇ إلى عظم ما آتاه الله- من الملك، سأل الله تعالى أن يجعل أرزاق المخلوقات على يديه. فأوحى الله تعالى إليه: إنك لا تطيق ذلك. قال: يا رب فيوما واحدا؛ فأوحى الله إليه: إنك لا تطيق ذلك. قال: يا رب فساعة واحدة؛ فأوحى الله إليه: إنى قد أعطيتك ذلك، فاستعدّ الآن لأرزاق خلقى واجمع لهم. فأخذ فى الأستعداد حتى جمع ما ينيف على حمل مائة ألف بغل وبعير، وسار يريد ساحل البحر، حتى أتاه ووضع ما جمعه هناك، ونادى مناديه فى سكّان البحر احضروا لقبض أرزاقكم. فاجتمع الحيتان والضفادع ودوابّ البحر على صور مختلفة، وإذا بحوت قد أخرج رأسه وقال: اشبعنى يابن داود، وهو على مثال الجبل. فقال سليمان: دونك الطعام، فأكل جميع ذلك، ثم قال: زدنى يا نبىّ الله، والله ما أصابنى الجوع منذ خلقنى ربى كما أصابنى اليوم حين جعل رزقى على يديك. فعجب سليمان منه وقال: هل فى البحر مثلك؟ فقال: إنى لفى زمرة من الحيتان فيها سبعون ألف زمرة، كل زمرة مثل عدد الرمل؛ وفى البحر حيتان لو دخلت أنا فى جوف أحدها ما كنت إلا كخردلة فى أرض فلاة. فبكى سليمان عند ذلك وقال: رب أقلنى عثرتى. فأقاله الله تعالى، ثم أوحى إليه: أن قف يابن داود حتى ترى جنودى، فإنّ ما رأيت قليل. فوقف وإذا بالبحر قد اضطرب اضطرابا عظيما وخرج منه شىء أعظم من الجبل يشقّ البحر شقّا وهو يقول: سبحان من تكفّل بأرزاق العباد، ثم نادى: يآبن داود، لولا اليد الباسطة عليك لكنت أضعف الخلائق، وإنك لم تقدر أن تشبع حوتا واحدا ولا نال كلّ طعمه، فكيف تقدر أن تتكفّل بأرزاق الخلائق!. ثم مرّ ذلك الحوت، فنظر سليمان إلى خلق عظيم، وقال: إلهى، هل خلقت خلقا

стр. 4597

أكبر من هذا؟ فأوحى الله تعالى إليه: إنّ فى البحر من يحتاج أن يأكل سبعين ألفا مثل هذا ولا يشبعه، ولا يشبعه إلا نعمتى ولطفى. فعلم سليمان أنّ الذى أعطيه ليس بشىء فى قدرة الله . والله الواسع المتفضّل. ذكر خبر بناء بيت المقدس وابتداء أمره قال أبو إسحاق الثعلبىّ- رحمه الله تعالى- فى سبب بناء بيت المقدس: إن الله تعالى بارك فى نسل إبراهيم- ﵇ حتى جعلهم فى الكثرة غاية لا يحصون. فلما كان زمن داود- ﵇ لبث فيهم مدّة مديدة بأرض فلسطين وهم يزدادون كلّ يوم كثرة، فأعجب داود بكثرتهم فأراد أن يعلم عدد بنى إسرائيل فأمر بعدهم، وبعث لذلك عرفاء ونقباء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ من عدّتهم، فكانوا يعدّون زمانا من الدهر حتى عجزوا وأيسوا أن يحيط علمهم بعدد بنى إسرائيل. فأوحى الله تعالى إلى داود: إنى وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ابنه فصدّقنى واتمر بأمرى أن أبارك له فى ذرّيته حتى يصيروا أكثر من عدد نجوم السماء، حتى لا يحصيهم العادّون. وإنى قد أقسمت أن أبتليهم ببليّة يقل منها عددهم، ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم. وخيره بين أن يبتليهم بالجوع والقحط ثلاث سنين، وبين أن يسلّط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر، وبين أن يسلّط عليهم الطاعون ثلاثة أيام. فجمع داود بنى إسرائيل وأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه وخيّره فيه. فقالوا: أنت أعلم بما هو أيسر لنا، وأنت نبيّنا فانظر لنا غير الجوع فلا صبر لنا عليه، وتسليط العدوّ أمر فاضح. فإن كان ولا بدّ فالموت، لأنه بيده لا بيد غيره. فأمرهم داود أن يتجهّزوا للموت، فاغتسلوا وتحنّطوا ولبسوا الأكفان وبرزوا إلى صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد بالذارىّ والأهلين، وأمرهم داود أن

стр. 4598

يضجّوا إلى الله تعالى وأن يتضرّعوا إليه لعله أن يرحمهم. فأرسل الله عليهم الطاعون فأهلك منهم فى يوم وليلة ألوف كثيرة لا يدرى عددهم، ولم يفرغوا من دفنهم إلا بعد مدّة شهرين. فلما أصبحوا فى اليوم الثانى خرّ داود ساجدا يبتهل إلى الله تعالى، فاستجاب الله تعالى منه وكشف عنهم الطاعون ورفع عنهم الموت. ورأى داود الملائكة سالّين سيوفهم فأغمدوها وهم يرقون فى سلّم من ذهب من الصخرة إلى السماء. فقال داود لبنى إسرائيل: إن الله قد منّ عليكم ورحمكم فجدّدوا له شكرا. قالوا: وكيف تأمرنا؟ قال: آمركم أن تتّخذوا من هذا الصعيد الذى رحمكم الله فيه مسجدا لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذكر الله تعالى. فأخذ داود فى بنائه. فلمّا أرادوا أن يبتدئوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم فى بنيانهم، فقال لبنى إسرائيل: إنّ لى فيه موضعا أنا محتاج إليه، فلا يحلّ لكم أن تحجبونى عن حقى. قالوا له: يا هذا، ما من أحد من بنى إسرائيل إلا وله فى هذا الصعيد حقّ مثل حقّك، فلا تكن أبخل الناس ولا تضايقنا فيه. فقال: أنا أعرف حقى وأنتم لا تعرفون حقكم. قالوا له: إمّا أن ترضى وتطيب نفسا وإلا أخذناه كرها. قال لهم: أو تجدون ذلك فى حكم الله تعالى وحكم داود؟! قال: فرفعوا خبره إلى داود فقال: أرضوه. فقالوا: نعم نأخذه منه يا نبىّ الله بثمنه. قال: خذوه بمائة شاة. فقال الرجل: زدنى يا نبىّ الله؛ فقال: بمائة بقرة. قال: زدنى يا نبىّ الله؛ قال فبمائة بعير. قال: زدنى يا نبىّ الله، فإنما تشتريه لله تعالى. فقال داود: أمّا إذ قلت هذا فاحتكم أعطك. قال: تشتريه منى بحائط مثله زيتونا ونخلا وعنبا؟ قال نعم. قال: أنت تشتريه لله تعالى فلا تبخل. قال: سل ما شئت أعطك، وإن شئت أؤجرك نفسى. قال: أو تفعل ذلك يا نبىّ الله؟

стр. 4599

قال: نعم إذا شئت. قال: أنت أكرم على الله تعالى من ذلك، ولكن تبنى حوله جدارا ثم تملؤه ذهبا وإن شئت ورقا. قال داود: هو هيّن. فآلتفت الرجل إلى بنى إسرائيل وقال: هذا هو التائب والمخلص. ثم قال لداود: لأن يغفر الله تعالى لى ذنبا واحدا أحبّ إلىّ من كل ما وهبت لى، ولكن كنت أختبركم. فأخذوا فى بناء بيت المقدس، وذلك فيما قيل لإحدى عشرة سنة مضت من خلافة داود. وكان داود ينقل لهم الحجارة على عاتقه، وكذلك خيار «١» بنى إسرائيل حتى رفعوه قامة. فأوحى الله تعالى إليه: إن هذا بيت مقدّس، وأنت سفّاك للدماء، ولست بانيه، ولكن ابن لك أملّكه بعدك اسمه سليمان أسلّمه من سفك الدماء وأقضى إتمامه على يديه ويكون له صيته وذكره. قال: فصلّوا فيه زمانا إلى أن توفّى الله نبيّه داود واستخلف سليمان وأمره بإتمام بناء بيت المقدس. فجمع سليمان الإنس والجنّ والشياطين وقسم عليهم الأعمال، فخصّ كلّ طائفة منهم بعمل، فأرسل الجن والشياطين فى تحصيل الرّخام والمها «٢» الأبيض الصافى من معادنه؛ وأمر ببناء المدينة بالرّخام والصّفّاح، وجعلها اثنى عشر ربضا «٣» ، وأنزل كلّ ربض منها سبطا من الأسباط. فلمّا فرغ من المدينة ابتدأ فى بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقا، فريقا منهم يستخرجون الذهب والفضّة من معادنها، وفريقا يغوصون فى البحر ويستخرجون أنواع الدّرّ ويقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفريقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر أنواع الطيّب من أماكنها؛ فأتى من ذلك بشىء لا يحصيه إلا الله تعالى. ثم أحضر الصّنّاع

стр. 4600

وأمرهم بنحت تلك الحجارة وتنضيدها ألواحا، وإصلاح تلك الجواهر وتثقيبها؛ فكانوا يعالجونها فتصوّت صوتا شديدا لصلابتها. فكره سليمان تلك الأصوات، فدعا الجنّ فقال لهم: هل لكم حيلة فى نحت هذه الجواهر من غير تصويت؟ فقالوا: يا نبىّ الله، ليس فى الجنّ أكثر تجارب ولا أكثر علما من صخر. فاستدعاه. وكان من أمره فى حضوره إليه والتلطف فى تحصيل حجر السامور ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبار صخر. قالوا: فلمّا أتى بحجر السامور، وهو حجر الماس، استعمله فى أدوات الصّنّاع. فسهّل عليهم نحت الحجارة. قالوا: فبنى سليمان المسجد بالرّخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمّده بأساطين المها الصافى، وفصّصه بألواح الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيت فى الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد؛ وكان يضىء فى الظلمة كالقمر ليلة البدر. قالوا: فلما فرغ من بنائه جمع أحبار بنى إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله تعالى، وأنّ كلّ شىء فيه خالص لله تعالى. واتخذ ذلك اليوم عيدا، فلم يتخذ فى الأرض قطّ أعظم منه ولا من الأطعمة التى عملت فيه. قيل: إنه ذبح من الخراف خمسين ألفا، ومن البقر خمسة وعشرين ألفا معلوفة، ومن الغنم أربعمائة ألف شاة. قالوا: ومن أعاجيب ما اتّخذ سليمان ببيت المقدس أنه بنى بيتا وطيّن حيطانه بالخضرة وصقله؛ فكان إذا دخله الورع البارّ استبان خياله فى ذلك الحائط أبيض؛

стр. 4601

وإذا دخله الفاجر استبان خياله فى الحائط أسود. فارتدع عند ذلك كثير من الناس عن الفجور والخيانة. ونصب فى زاوية من زوايا المسجد عصا آبنوس، فكان من مسّها من أولاد الأنبياء لم تضرّه، ومن مسّها من غيرهم احترقت يده. قالوا: ولمّا فرغ من بناء بيت المقدس قرّب قربانا على الصخرة، ثم قال: اللهمّ أنت وهبت لى هذا الملك منّا منك على، وجعلتنى خليفتك فى أرضك، وأكرمتنى به من قبل أن أكون شيئا، فلك الحمد. اللهمّ إنى أسألك لمن دخل هذا المسجد خصالا: ألّا يدخله أحد فيصلّى فيه ركعتين مخلصا فيهما إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، ولا يدخله مستتيب إلا تبت عليه، ولا خائف إلا أمّنته، ولا سقيم إلا شفيته، ولا مجدب إلا أخصبته وأغنيته. وإذا أجبت دعوتى فاجعل علامتها أن تقبل قربانى. قال: فنزلت نار من السماء فسدّت ما بين الخافقين ثم امتدّ منها عنق فاحتمل القربان وصعد به الى السماء. وقال سعيد بن المسيّب: لمّا فرغ سليمان بن بناء بيت المقدس تغلّقت أبوابه، فعاجلها سليمان فلم تنفتح حتى قال فى دعائه: بصلوات أبى داود إلا ما فتحت الأبواب، ففتحت. ففرّغ له سليمان- ﵇ عشرة آلاف من قرّاء بنى إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتى ساعة من ليل أو نهار إلا والله يعبد فيها فيه. وحكى الكسائىّ فى خبر بناء بيت المقدس قال: فأوحى الله تعالى إلى سليمان- ﵇ أن تبنى بيت المقدس وترفع قواعده كما رفع إبراهيم قواعد البيت العنيق، وأن تبنيه على صخرة المعراج. فأمر سليمان الجانّ أن تقطع الصخور. وتنقل الرّخام والأحجار والعمد وآلات العمارة إليه؛ ثم أمر بالبناء على الأساس

стр. 4602

الذى كان داود وضعه. فلما كمل البناء انهار وانهدم؛ فأمر أن يحفر أساسه حتى يبلغ الماء، وعقد البناء بالحجارة المنحوتة بعضها على بعض، فغلب الماء على البناء فما انعقد الأساس. فأمر أن تصنع قلال النحاس والرّصاص، وختمها بخاتمه، وجعلها تحت الأساس. ثم أمر بالبناء فوقها فبنيت وارتفع البناء، وعمل فيه عشرة الاف عمود من الرّخام الملوّن، يلى كلّ عمود سارية من الذهب، وسارية من الفضة؛ ومحاريب الذهب والفضة، وكمل البناء والزخرفة فى أربعين يوما. قال: وكان يعمل فيه فى كل يوم ألف عفريت من الجنّ وألف شيطان وألف من الإنس. وفرغ منه يوم عرفة، واتخذ له قناديل من الذهب بسلاسل الفضّة. قال الثعلبىّ: فكان بيت المقدس على ما بناه سليمان إلى أن غزاه بختنصّر، فخرّب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان فى سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدرّ والياقوت وسائر الجواهر، فحمل ذلك معه إلى دار مملكته من أرض العراق. قال: ثم لم يزل خرابا إلى أن بنى فى الإسلام. قال الكسائىّ: ثم أمر الله سليمان بجهاد العدوّ، فرغب فى جمع الخيل، فأهديت إليه من جهة ملوك الأطراف الخيول المسوّمة؛ فاجتمع له ما ينيف عن سبعين ألف فرس بسروج الذهب والفضة بأجلّة الديباج. وسار صوب بلاد الشأم. وكان إذا خرج للغزو لا يستصحب شيطانا ولا جنّيّا بل العبّاد من بنى إسرائيل. والله المعين.

стр. 4603

ذكر خبر وادى النمل وما قيل فيه قال: ولمّا سار سليمان لقصد الغزو مرّ فى طريقه بوادى النمل. قال الكسائىّ: إنه مرّ بوادى السدير «١» (واد من الطائف) فأتى وادى النمل «٢» . قال الكسائىّ: فنظر إليهم وإذا هم يزيدون على مائة ألف كردوس مثل السحاب «٣» ، وهم زرق العيون، ولهم أيد وأرجل. فقال سليمان: إنى أرى سحابة فى الأرض لا أعلم ما هى. فحملت إليه الريح قول النملة كما أخبر الله تعالى عنها: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها «٤» . قال: ونزل الناس معه، فقال: أتدرون ما هذا السواد؟ هذه أمّة من الأمم يقال لها النمل، وأخبرهم بقول النملة، وسجد وسجدوا شكرا لله تعالى. ودخلت النمل مساكنها زمرة بعد زمرة، والنملة تناديهم: الوحا الوحا «٥» فقد وافتكم الخيل. فصاح بها سليمان وأراها الخاتم فجاءته خاضعة، فوقفت بين يديه وهى أكبر من الذئب، فسجدت بين يديه ثم قالت: يا نبىّ الله، ما سجدت قبلك إلا لأبيك إبراهيم، وهأنا بين يديك مرنى بأمرك. فقال: ما الذى تكلّمت به قبل وصولى إليك؟ قالت: يا نبىّ الله، إنى رأيتك فى موكبك وعسكرك، فناديت النمل أن يدخلوا مساكنهم لئلّا يحطمهم جندك، وأنا كمثل غيرى من الملوك أريد الإصلاح لقومى. فقال لها: كم عددكم؟

стр. 4604

وما تأكلون وما تشربون؟ قالت: يا نبىّ الله، لو أمرت الجنّ والشياطين أن يحشرونا إليك لعجزوا، وليس على وجه الأرض واد ولا جبل ولا غابة إلا وفى أكنافها مثل سلطانك كراديس من النمل. ولو تفرّق كردوس واحد فى الأرض لما وسعته. ولقد خلقنا قبل أبيك آدم، وإنا لنأكل رزق ربنا ونشكره. فأمرها أن تعرض النمل عليه. فنادتهم، فمرّوا به زمرة بعد زمرة، وسلّموا عليه بلغاتهم وهو ينظر إليهم. فقالت: ملكة النمل: يا نبىّ الله، منّا ما يأوى الجبال، ومنّا ما يأوى قرب المياه والأشجار والزرع، وفى الهواء وهى الطيّارة، فإذا نبتت أجنحتها هلكت واختطفتها الطير. والنملة لا تموت حتى يخرج من ظهرها كراديس من النمل. وليس على ظهر الأرض أحرص من النملة؛ وإنها لتجمع فى صيفها ما يملأ بيتها وهى مع ذلك تظن أنها لا تشبع. وتسبيحها تسأل ربّها أن يوسّع الرزق على خلقه. قال الثعلبىّ قال الضحّاك: اسم النملة [التى كلمت سليمان «١» ] «طاحية «٢» » وقيل: «حرمى «٣» » . والله أعلم. ذكر خبر البعوض وما قيل فيه قال الكسائىّ: ولمّا نظر سليمان إلى كثرة النمل قال: إلهى هل خلقت أكثر من النمل؟ فأوحى الله إليه: نعم وسترى ذلك. ثم أمر الله تعالى ملك البعوض أن يحشرها لسليمان، فحشرها من شرق الأرض وغربها. فأقبلت كراديس البعوض

стр. 4605

كالسّحاب يتبع بعضها بعضا حتى وقف منهم كردوس على سليمان، وأقبل ملكهم وقال: يا نبىّ الله، مالك وللضّعفاء من خلق ربّك ألهيتهم عن التسبيح!. يابن داود، إنّا فى هذه الأرض قبل أبيك آدم بألفى عام ما عرضنا على آدمىّ غيرك، نأكل من رزق ربنا، ولا نفتر عن ذكره صباحا ولا مساء. قال: أخبرونى كم أنتم؟ وأين مأواكم؟ ومن أين تزرقون؟ قال ملكهم: يا نبىّ الله، تحت يدى سبعون سحابة، كلّ سحابة تملا المشرق والمغرب، لكلّ زمرة موضع معلوم، تأكل كل واحدة رزقها، ولولا خوف المعاد لأكلنا ما فى الدنيا. ثم سجدوا وانصرفوا. وكان سليمان إذا أراد أن يدرك قوما بعث إليهم البعوض فيأكل جميع ما فى مدينتهم. ذكر خبر الخيل وما قيل فيها قال الله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ* فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ «١» . قال أبو الحسن علىّ بن ابراهيم الحوفى «٢» فى «كتاب البرهان فى علوم القرآن» فى تفسيره هذه الآية: الصافن من الخيل الذى يجمع بين يديه. وقال الفرّاء: الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس إذا رفع إحدى رجليه حتى يكون على طرف الحافر. قال ابن زياد: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصّفن أن يقوم الفرس على ثلاث ويرفع رجلا واحدة، يكون طرف الحافر على الأرض. قال: وكانت لها أجنحة. قال: والجياد السّراع. وذكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. قال وقوله: «إنى أحببت

стр. 4606

حبّ الخير عن ذكر ربّى حتى توارت بالحجاب» إنه لها عن الصلاة حتى فاتته. قال قتادة والسّدىّ: الخير: الخيل. وروى عن علىّ- رضى الله عنه- أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: هى العصر، وهى التى فتن بها سليمان. «حتّى توارت بالحجاب» ، يعنى الشمس حتى تغيب فى مغيبها. وقوله: «ردّوها علىّ» أى الخيل التى عرضت علىّ فشغلتنى عن الصلاة. «فطفق مسحا بالسوق والأعناق» ، أى جعل يمسح فيها السّوق وهو جمع ساق. قال بعضهم: عقرها وضرب أعناقها؛ قاله قتادة والحسن والسّدّىّ. وقال ابن عباس- رضى الله عنهما-: جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حبّا لها. وقيل: كشف عن عراقيبها وضرب أعناقها وقال: لا تشغلينى عن عبادة ربّى مرّة أخرى. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون الله أباح له ذلك لأنه لا يجعل التوبة من الذنب بذنب أعظم منه. والله أعلم. وقال الثعلبىّ- ﵀ فى قصّة الخيل قال الكلبىّ: غزا سليمان أهل نصيبين، فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، كان داود أصابها من العمالقة. قالوا: فصلّى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيّه، فعرض عليه منها تسعمائة «١» فرس؛ فتنبّه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غابت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك؛ فاغتمّ وقال: ردّوها علىّ، فردّت عليه، فعرقبها بالسيف، وقرّبها إلى الله- وبقى منها مائة فرس. فما فى أيدى الناس من الخيل العراب فهى من نسل تلك المائة. وقال كعب: كانت الأفراس أربعة عشر فرسا، فأمر بضرب أعناقها وسوقها بالسيف وقتلها؛ فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما؛ لأنه ظلم

стр. 4607

الخيل بقتلها. قال الثعلبىّ وقال قوم: «فطفق مسحا بالسّوق والأعناق» حبسها فى سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بميسم «١» الصّدقة. وروى عن علىّ بن أبى طالب- رضى الله عنه- أن الله تعالى أمر الملائكة الموكّلين بالشمس فردّوها، وصلّى سليمان العصر فى وقتها. ذكر خبر بساط سليمان ﵇ قال الكسائىّ: وكان سليمان إذا ركب الرّيح تقدّم أمام بساطه البعوض ثم الزنابير وكل ما يطير فى الهواء، ثم الشياطين. وكان إذا أراد أن يركب الريح دعا الرياح الثمانية: الشّمال والجنوب والصّبا والدّبور والصّرصر والعقيم والكرس والراكى «٢» ، فيبسط بعضها على بعض، ثم يبسط بساطه على هذه الرياح، وكان من السندس الأخضر، أخضر البطن أحمر الظهر، أهداه الله تعالى إليه من الجنة، لا يعلم طوله وعرضه إلا الله تعالى. وقيل: كان طوله ثلاثمائة وسبعين فرسخا فى عرض عشرة آلاف ذراع. وكان سليمان إذا ركبه جعل الّلون الأخضر مما يلى الأرض، فإذا رفع الناس رءوسهم اليه يرونه على لون السماء. وكان يجلس على كرسيّه وعن يمينه ويساره القضاة والعلماء والأحبار من بنى إسرائيل على كراسىّ معدّة لهم، وهو جالس فى وسط البساط وزمام الريح بيده، ويتغدّى على مسيرة شهر ويتعشى على مسيرة شهر؛ قال الله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ «٣» . قال: وكان سليمان إذا ركب الرياح على بساطه يرى كل شىء عليه من الجنّ والإنس والشياطين والهوامّ وغيرهم، والطير تظلّه، ولا يقف على مدينة إلا فتحها.

стр. 4608

ذكر خبر صخر الجنى قال: وجمع سليمان- ﵇ عفاريت الجنّ والشياطين وأمرهم بإحضار صخر الجنىّ، فقالوا: يا نبىّ الله، إنّ الله قد أعطاه قوّة جماعة منّا؛ ويصعب علينا حمله إليك، وما لنا إلا أمر واحد وهو أنه يأتى فى كل شهر الى عين فى جزيرة فيشرب ماءها. والرأى أن ننزفه منها ونملأها خمرا، فإذا جاء وشربه وسكر ذهبت قوّته فنحمله ونأتيك به. ثم خرجوا ففعلوا ذلك، واختفوا فى تلك الجزيرة. فجاء صخر ليشرب فاشتمّ رائحة الخمر وقال: أيتها الخمرة إنك لطيّبة غير أنك تسلبين العقل وتجعلين الحليم جاهلا، وأمرك كلّه ندامة، وانصرف ولم يشرب. ثم عاد فى اليوم الثانى وقد أجهده العطش فقال: ما من قضاء يأتى من الله إلا كان مبرما، ثم نزل على العين فشرب حتى امتلأ، ثم قام ليخرج فسقط، فتبادرت العفاريت إليه ومعهم طابع خاتم سليمان، فلما رآه ذلّ وخضع، فحملوه حتى وقفوه بين يدى سليمان وهو يخرج من فيه لهب النيران، ومن منخريه الدّخان. فلما عاين الخاتم ضعفت قوّته وخرّ ساجدا على وجهه، ثم رفع رأسه وقال: يا نبىّ الله، سيزول هذا الملك عنك ولا يبقى إلا ذكره. قال: صدقت. ثم قال له: يا نبىّ الله، ما الذى أحوجك إلىّ وأنا بالعبد منك لا أختلط بالآدميين؟ فقال له سليمان: إنّ الناس قد اشتكوا من وقع الحديد وصوته على الحجر. فقال: عليك بوكر العقاب وعشّه وبيضه، فليس شىء من الطيور أبصر منه، فأتى به. فوضعه فى البرّيّة وغطّاه بجام من القوارير شديد الصفاء فوضعه على عشّ العقاب. فجاء العقاب فلم يرعشّه، فطار فى الهواء حتى نظر إلى عشّه فى تلك البرّيّة، فانقضّ عليه وضرب الجام برجله ليكسره فلم يقدر على ذلك، فطار وتعلّق فى الهواء وغاب يومه وليلته، ثم أقبل صبيحة اليوم الثانى وفى منقاره قطعة من حجر السامور، فانقضّ على الجام بذلك الحجر

стр. 4609

فضربه به، فانشقّ الجام نصفين ولم يسمع له صوت، وأخذ العقاب عشّه وبيضه وترك حجر السامور هناك، فأخذه صخر وهو فى صفاء المرآة وحرّ النار. فدعا سليمان بالعقاب وسأله عن حجر السامور من أين احتمله، فأخبره أنه من جبل شامخ. فبعث سليمان الجن والشياطين فحملوا منه ما قدروا، فكان يقطع به الأحجار والصخور والجزع من غير أن يسمع له وقع. قال: ثم قال صخر: يا نبىّ الله، أتحبّ أن أتّخذ لك مدينة؟ قال نعم؛ فاتخذها. فعجب سليمان من ذلك، وأمره أن يتّخذ له مدينة دون تلك المدينة حتى يحملها معه على بساطه حيثما ذهب. فقال: يا نبىّ الله، لك كلّما أردت السفر مدينة على أىّ لون شئت. فبنى له مدينة فى طول عسكره وعرضه، وجعل لكل سبط من الأسباط قصرا فى طول ألف ذراع وعرضه مثل ذلك، وفى كل قصر بيوت وغرف، ثم بنى بعد ذلك مجلسا من القوارير فى طول ألف ذراع، وعرضه مثل ذلك، يجلس فيه العلماء والقضاة. وبنى لسليمان قصرا عجيبا فى طول خمسة آلاف ذراع، وعرضه مثلها، وزخرفه بألوان القوارير ورصّعه بأنواع الجواهر، وجعل فيه جميع الصور والتماثيل وأتقن صنعته. وكان مما صنع صخر لسليمان الكرسىّ. ذكر صفة كرسىّ سليمان ﵇ وما انتهى إليه أمره قالوا: وكان مما عمله صخر الجنىّ لسليمان- ﵇ الكرسىّ، وكان سليمان أمره باتخاذه ليجلس عليه للقضاء، وأمره بأن يعمله بديعا مهولا بحيث إنه إذا رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب. قال: فعمل له الكرسىّ وكان من أنياب الفيلة وفصّصه بالياقوت واللؤلؤ، والزّبرجد وأنواع الجوهر، وحفّه بأربع نخلات من ذهب، شماريخها من الياقوت

стр. 4610

الأحمر والزّبرجد الأخضر، على رأس نخلتين طاووسان من ذهب، وعلى رأس النخلتين الأخربين نسران من ذهب، بعضها يقابل بعضا، وجعل مقابل جنبى الكرسىّ أسدين من ذهب، على رأس كل أسد منهما عمود من الزّمرّد الأخضر، وعقد على النخلات أشجار كروم من الذهب، عناقيدها من الياقوت الأحمر. قالوا: وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسىّ كله بما فيه دوران الرحا المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وكذلك كان يفعل فى كل درجة يصعد فيها سليمان. فإذا استوى سليمان بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان، ثم يستدير الكرسىّ بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان، والأسدان مائلان برءوسهما إلى سليمان، ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب جاثمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسىّ التوراة، فيفتحها سليمان- ﵇ ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء. فإذا دعا بالبيّنات [و] تقدّمت الشهود لإقامة الشهادات دار الكرسىّ بما فيه من جميع ما حوله دوران الرحا المسرعة. قال أبو إسحاق الثعلبىّ قال معاوية لوهب بن منبّه: ما الذى كان يدير ذلك الكرسىّ؟ قال: بلبلتان «١» من ذهب. قال: فإذا دار الكرسىّ بسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتها فتفزع منها الشهود ويداخلهم الرعب الشديد، فلا يشهدون إلا بالحق.

стр. 4611

قال: فلمّا توفّى الله سليمان- ﵇ وجاء بختنصّر إلى بيت المقدس أخذ الكرسىّ وحمله الى أنطاكية «١» ، وأراد أن يصعد عليه ولم يكن له علم بالصعود عليه ولا معرفة بأحواله. فلما وضع قدمه على الدرجة رفع الأسد يده اليمنى فضربه ضربة شديدة دقّه ورماه، فحمل بختنصّر، فلم يزل يعرج منها ويتوجّع إلى أن مات. وبقى الكرسىّ بأنطاكية حتى غزاهم ملك من ملوك الشام يقال له كداس بن سدارس فهزم خليفة بختنصّر وردّ الكرسى الى بيت المقدس، فلم يستطع أحد من الملوك الصعود اليه. فوضع تحت الصخرة فغاب فلم يعرف له خبر ولا يدرى أين هو. والله أعلم بالصواب. ذكر خبر بلقيس وابتداء أمرها قال الكسائىّ قال كعب: هى بلقيس بنة ذى شرح «٢» ، وهى متولّدة من الإنس والجنّ. وأمّها عميرة بنت ملك الجنّ. وكان لاتصال ذى شرح والد بلقيس بعميرة بنت ملك الجنّ سبب عجيب نذكره على ما حكاه الكسائىّ، قال: أهلك الله تعالى مساكن سبأ بسيل العرم، على ما نذكر ذلك فى كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وهو يلى أخبار ملوك قحطان، وذلك فى الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الخامس

стр. 4612

فى السفر الثالث عشر «١» من هذه النسخة. قال: فلما انقرضوا وأبادهم الفناء توارثها بعدهم جماعة من الملوك ليس هذا موضع ذكرهم، حتى انتهى الملك إلى رجل فظّ غليظ يقال له شراحى الحميرىّ. وكان من عادته مع قومه أنه افترض على أهل مملكته فى كل أسبوع أن يأتوه بجارية من بناتهم فيفتضّها ثم يردّها إلى أهلها. وكان ذو شرح وزيره وهو من أبناء ملوك حمير من ولد سبأ، وكان لذى شرح ألف قصر وألف فرس عتيق «٢» وألف سيف يمان، وكان يرجع الى حسن وجمال وعقل، وكان مولعا بالصيد، فكانت الجنّ تتصوّر له فى صورة الظبى، فإذا صادهم وهمّ بذبحهم كلّموه وقالوا له: لا تعجل فإنّا إنما جئنا لننظر الى محاسن وجهك. وكانت الجنّ تؤذى أهل اليمن، فأقسم ذو شرح أن يقتل ملك الجنّ ويتزوّج بابنته. قال: وكان اسم ملك الجنّ عمير، وكان حسن الوجه، وابنته عميرة. فمرّ ذو شرح ذات يوم فى واد من بلاد اليمن كثير الأشجار فنزل به، حتى جنّة الليل، وكان فى جمع قليل من أصحابه، وكان الوادى الذى نزل به من مساكن الجنّ. فلما مضى بعض الليل سمع همهمة الجنّ، فقام ونادى: يا معشر الجنّ، قد نزلت بكم الليلة على أن تضيفونى فإنى جار لكم، فأسمعونى من أشعاركم. قال: فأنشدته الجنّ من أشعارها، وجاءته عميرة بنت عمير ملك الجن على أحسن صورة. فلما نظر إليها ذهل عقله من حسنها، وغابت عن عينه فشغف بحبّها فقال: يا معشر الجنّ، إن أنتم زوّجتموها منى وإلّا كنت حربا لكم ما عشت أبدا. فنادوه: يا ذا شرح، إنك آدمىّ فكيف تقاتل الجنّ ومسكنهم الهواء وظلمات الأرض! مهلا أيها الآدمىّ لا تعرّض نفسك الى ما لا تقدر عليه وارجع، فإن قدّر لك أمر فسوف تناله. فلما سمع ذلك أيس

стр. 4613

من التزويج وأخذ فى مستأنف أمره فى مؤالفة الجنّ، فكان يهاديهم بما يصلح لهم من الهدايا، فصافاه عمير ملك الجنّ وآخاه وألفه حتى صار عنده كالأخ. فلما رأى ذلك ذو شرح وأنه قد تمكّن من ملك الجنّ قال له: هل لك أن تزوّجنى ابنتك عميرة ليكون لى فى ذلك شرف الى الممات! فرغب فيه عمير ملك الجنّ لحسنه وجماله وشرفه وماله؛ فزوّجه ابنته بحضرة سادات الجنّ. وانصرف ذو شرح الى مدينة سبأ وأهدى هدايا كثيرة الى ملك الجنّ وسادات قومه، ثم زفّت إليه فوطئها فحملت منه. ذكر خبر ميلاد بلقيس وكيف كان وسبب ملكها قال: وولدت عميرة بنت ملك الجنّ بلقيس بنت ذى شرح على أحسن ما تكون من الصّور، ثم ماتت أمها بعد ذلك بقليل، فربّتها الجنّ. فلمّا بلغت مبلغ النساء قالت لأبيها: إنّى كرهت المقام عند الجن فاحملنى الى بلاد الإنس فإنهم أحبّ إلىّ. فقال لها: إنّ للإنس ملكا ظالما وذكر لها سنّته فى بلاد قومه، وأنه يفتضّ الأبكار ثم يردّهن الى أهلهنّ. قالت: لا تخش ذلك علىّ وانقلنى، وسترى ما يكون منّى. فبنى لها قصرا خارج مدينة سبأ من أعظم ما يكون من الأبنية، واتّخذ لها عريشا من العاج والآبنوس والذهب والفضة، ونقلها الى القصر واتّخذ لها أوانى الجوهر. فأقامت بلقيس فى قصرها زمنا طويلا، وانتشر خبرها إلى ملك سبأ، فركب فى موكبه حتى وقف على باب القصر ورأى حسن بنائه، فرجع وأرسل بجارية من جواريه إلى بلقيس، فدخلت عليها ونظرت إليها وإلى ما فى قصرها من التّحف العظيمة وما عندها من جوارى الإنس والجنّ، فعادت إلى الملك وأخبرته بما هى عليه من الجمال وأنها ابنة وزيره. فأحضره وأنكر عليه وقال: كيف اتّخذت

стр. 4614

مثل هذا القصر ولك مثل هذه البنت وأنت وزيرى ولم تعلمنى ولا استأذنتنى فى بنائه!. فقال: أيها الملك، أمّا القصر فإنى أنفقت عليه المال الذى ورثته من أبى. وأمّا البنت فإنها ابنة عميرة بنت ملك الجن، ورغبت فى السكن فى بلاد الإنس، فحملتها الى هذا المكان، فهذه قصتها. فقال: صدقت فزوّجنيها ولابدّ من ذلك. فقال: أحتاج فى ذلك إلى إذنها. قال: استأذنها. فجاء اليها وقال: يا بنيّة، قد وقعت فيما كنت أخشاه عليك، وذكر لها مقالة الملك. فقالت: زوّجنى منه ولا تخف، فإنه لا يصل إلىّ. فزوّجها منه بحضور أكابر أهل المملكة. ولمّا تمّ التزويج كتب الملك كتابا إليها يقول: إنى قد عشقت اسمك قبل أن أنظر إليك، فإذا قرأت هذه الرقعة فعجّلى بحضورك إلىّ. فكتبت إليه: إنى لمشتاقة إلى وجهك أشوق منك إلىّ، غير أن قصرى هذا هو من بناء الجن، وفيه عجائب كثيرة، وقد جمعت فيه ما لا يصلح إلا لمثلك. فإن رأيت أن تتحوّل إلى قصرى فافعل. فلما ورد جوابها عليه ركب لوقته فى حشمه وجنوده وسادات قومه. فبلغ بلقيس فقالت لأبيها: امض إلى الملك وقل له: إنّ ابنتى من بنات الجن ولم تنظر قطّ الى مثل هذه الجنود، ففرّق هؤلاء وادخل إليها منفردا. فقال ذلك للملك، ففرّق جنوده وأتى إليها بمفرده، ودخل القصر وله سبعة أبواب. وكانت بلقيس قد جعلت عند كل باب جارية من بنات الجن من أحسن ما تكون من النساء، وفى أيديهنّ أطباق الذّهب فيها الدنانير والدراهم والطّيب، وأمرتهن أن ينثرن ذلك على الملك. فلمّا دخل توهّم أنّ كل واحدة منهنّ امرأته وهمّ بالنزول عليها، فتقول: أنا خادمتها وهى أمامك، حتى انتهى إلى آخر الأبواب، فتقدّمت إليه جارية وأصعدته إلى العرش، فنظر الى القصر وما فيه من الآلات والزينة، فرأى ما لم يخطر بباله. ثم أقبلت بلقيس والجوارى بين يديها ينثرن على الملك من

стр. 4615

أنواع النّثار وعلى رأسها تاج، فصعدت على عرشها. فلمّا رآها الملك فتن بها وكاد يذهل عقله. وأخذت فى مخادعته وملاعبته، ثم أمرت بالطعام فأحضر بين يديه. فآمتنع من الأكل وقال: ما أريد أن أغفل عن وجهك. فأمرت بإحضار الشراب فأتى به فى آلات الجوهر النفيس. وأخذا فى الشرب، فلم تزل به حتى أسكرته وغاب عن عقله ووقع على قفاه لا يعقل من أمره شيئا. فذبحته بلقيس، ثم دعت بأبيها وأعلمته بما فعلت. ففرح وكتب إلى خزّان الملك عن الملك: إنّى قد أحببت النزول بهذا القصر فأجمعوا ما فى الخزائن من الأموال وأنفذوه إلى عندى «١» . فجمعوا الأموال وأنفذوها الى القصر. ثم أمرت بعد ذلك باتخاذ الأطعمة فصنعت ودعت سادات ملوك اليمن. فلمّا جلسوا قدّمت إليهم الأطعمة فأكلوا، ثم قدّم إليهم الشراب فشربوا. فلما أخذ منهم أشرفت بلقيس عليهم وقالت: إنّ الملك يأمركم أن توجّهوا إليه بنسائكم وبناتكم. فغضبوا وقالوا: أما يكفيه أنه فضح بنات العرب حتى طمع فينا نحن!. فقالت لهم: لا تغضبوا حتى أرجع إليه وأعرّفه غضبكم. ثم أمرت أن يعاد عليهم الشراب ثانيا فشربوا ساعة، فعادت إليهم وقالت: قد أخبرت الملك بغضبكم ومقالتكم فقال: لابدّ من ذلك. فازداد القوم غضبا وصاحوا. فقالت: على رسلكم حتى أراجعه وأسأله. ومضت وعادت فقالت: إنى عدت الى الملك فوجدته قد نام، فما رأيكم فى أمر أفعله وأريحكم مما أنتم فيه من شرّه على أن تملّكونى على أنفسكم؟ قالوا نعم. فحلّفتهم على ذلك وأخذت عليهم العهود والمواثيق، وغابت ساعة وعادت ومعها رأس الملك فألقته إليهم، ففرحوا بذلك واستبشروا وملّكوها عليهم. فملكت بضع عشرة سنة حتى بعث الله سليمان نبيّا.

стр. 4616

ذكر خبر سليمان وبلقيس وسبب زواجه بها قال: وكان سبب اتّصال خبرها بسليمان ﵇ أنه بينما هو يسير على بساطه، وكان الهدهد دليله على الماء لأنه يراه من عدّة فراسخ، فارتفع فى الهواء لطلب الماء، فنظر الى هدهد قد أقبل من ناحية اليمن، فالتقيا. فقال له الهدهد السليمانىّ: من أين أنت؟ قال: من اليمن. وسأله الآخر فقال: أنا من الشام من طيور الملك سليمان. قال: ومن سليمان؟ قال: نبىّ الله ملك الجنّ والإنس والطير وجميع المخلوقات. قال: إنّ هذا ملك عظيم. قال: وهل فى اليمن ملك؟ قال: نعم، ملكة يقال لها «بلقيس» تحت يدها عشرة آلاف قائد، تحت يد كلّ قائد كذا وكذا ألفا من العساكر. وحكى الثعلبىّ أنه قال لمّا أخبره بملك سليمان: إن لصاحبكم ملكا عظيما، ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن وتحت يدها اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف مقاتل- والقيل هو القائد بلغة أهل اليمن- فهل أنت منطلق معى حتّى تراها؟ قال نعم. فانطلق الهدهدان حتى أتيا بلاد اليمن وصارا إلى قصرها؛ فنظر إليها [الهدهد «١» السليمانىّ] وإلى قصرها وملكها. وحضر وقت الصلاة لسليمان فلم يجد الهدهد، فقال ما أخبر الله به عنه: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ «٢» أى بحجة بيّنة. ثم دعا العقاب وقال: أنت عريف الطير، فتعرّف لى خبر الهدهد. فطار فى الشرق والغرب، وإذا هو بالهدهد قد أقبل من جهة اليمن، فجاء به إلى سليمان. فاستخبره عن سبب غيبته فقال: «أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبإ

стр. 4617

يقين. إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كلّ شىء ولها عرش عظيم» . وذكر صفة عرشها وما فيه من أصناف الجواهر وغيرها ثم قال: «وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله» وخرّ ساجدا لله، ثم رفع رأسه وقال: «ألّا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء «١» فى السّموات والأرض» . قال سليمان: «سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين» !. ثم سأله عن الماء فقال: هو تحت قائمة كرسيّك. فأمر سليمان بتحويل البساط، فحوّل ونقر الهدهد بمنقاره فخرج الماء، فشرب الناس وصلّوا. ثم قال لهدهد: «اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون» وأقبل سليمان على آصف بن برخيا وقال: أكتب إلى هذه المرأة كتابا لطيفا. فدعا بصحيفة من فضّة وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. إنه من سليمان. ألّا تعلوا علىّ وأتونى مسلمين» . وختم الكتاب وبعثه مع الهدهد فى زمرة من الطير، فأقبلوا نحو اليمن وانقضّوا على قصرها، ودخل الهدهد إلى قبّتها من كوّة «٢» من كوى القبّة وهى نائمة، وقد وضعت خاتم ملكها على صدرها، فوضع الكتاب على نحرها وطار. فلما استيقظت أخذت الكتاب وجمعت قومها ثم قالت: «إنّى ألقى إلىّ كتاب كريم» وفتحته وقالت: إنه من سليمان، وقرأته عليهم وعلمت أنه من قبل رجل عظيم. وجمعت أكابر قومها وأهل العقل والعلم الذين فى مملكتها و «قالت يأيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون. قالوا نحن أولو قوّة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين» . فعلمت عند ذلك أنهم قد أخطلوا الرأى فى عزمهم على الحرب و «قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون. وإنّى مرسلة إليهم بهديّة فناظرة بم يرجع المرسلون» .

стр. 4618

قال: وأرادت أن تختبر حال سليمان ﵇ فقالت: إن طلب الدنيا أرضيناه بالمال وصرفنا أذاه عنّا، وإن كان من الأنبياء ولم ترغّبه الدنيا لم يكن لنا أمر إلا الطاعة له، فمضوا على رأيها، فأمرت باتّخاذ الهدايا. فعاد الهدهد إلى سليمان وأخبره بما كان من أمرها مع قومها. فأمر سليمان أن يفرش ميدانه بلبن الذهب والفضّة، وأن يبنى حول الميدان حائط من الفضة شرفاته من الذهب، على كل شرفة تاج من الذهب مرصّع بالجوهر، وأمر الجنّ أن يأتوا بأولادهم من الذكور والإناث، وأمر بإحضار كل فرس عجيب الخلق. قال الثعلبىّ: إنّ سليمان ﵇ سأل الجنّ عن أحسن دوابّ رأوها فى البحر. قالوا: رأينا دوابّ فى بحر كذا وكذا منمّرة منقّطة مختلفة ألوانها، لها اجنحة وأعراف ونواص. قال: علىّ بها الساعة، فأتوه بها. قال: شدّوها عن يمين الميدان ويساره، ففعلوا. قالوا: وأمر سليمان الشياطين أن يظهروا من التهويلات ما لم يظهروه قبل ذلك اليوم. قال الكسائىّ: وكانت بلقيس قد أعدّت مائة لبنة من الذهب، ومائة لبنة من الفضّة، ومائة غلام أمرد، لكل غلام ضفائر كضفائر النساء، ومائة وصيفة مضمومات الشعر. قال الثعلبىّ: واختلفوا فى عددهم، فقال الكلبىّ: عشرة غلمان وعشر جوار. وقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتا غلام ومائتا جارية. وقال وهب: خمسائة غلام وخمسائة جارية. وألبست الغلمان ثياب الوصائف، وألبست الوصائف ثياب الغلمان. وقال الثعلبىّ: قال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس إلى خمسمائة جارية وخمسائة غلام، فألبست الجوارى لباس الغلمان، وألبست الغلمان

стр. 4619

لباس الجوارى، وجعلت فى سواعدهم أساور من ذهب، وفى أعناقهم أطواقا من ذهب، وفى آذانهم أقراطا وشنوفا «١» من ذهب مرصّعات بألوان الجواهر، وحملت الجوارى على خمسمائة رمكة «٢» ، والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر، وغواشيها من الدّيباج الملوّن، وبعث إليه خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة. قالوا: وعمدت الىّ تاج من ذهب مرصّع بالجواهر، ومائة فرس من جياد خيول اليمن، عليها براقع الحرير وأجلّة الديباج، وبعث بحقّة من ذهب فيها درّة غير مثقوبة، وجزع يمانىّ مثقوب معوّج الثّقب، [وقارورة «٣» ] وبعثت ذلك مع وزيرها، وكتبت جواب كتاب سليمان وقالت: قد بعثت إليك بمائتى وصيف ووصيفة على سنّ واحدة، وأحبّ أن تميّز ذكورهم من إناثهم من غير أن تكشف عنهم، ودرّة غير مثقوبة تأمر من يثقبها من غير أن تستعين بأحد من الإنس والجنّ والشياطين، وجزع مثقوب تدخل فيه خيطا، وقارورة تملؤها ماء ما نزل من السماء ولا نبع من الأرض. فلمّا جاء الرسول ونظر الىّ ميدان سليمان وحيطانه وما على شرفاتها من التّيجان والخيول حول الميدان، دخل على سليمان بالجوارى والغلمان والحقّة والقارورة، ولم يظهر الذهب والفضة والخيل لأنه استحقرها بالنسبة إلى ما رآه.

стр. 4620

وقال الثعلبىّ: إنه كان مما بعثته خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة. قال: فلمّا دنا القوم من الميدان ونظروا الى ملك سليمان ورأوا الدوابّ تروث على لبن الذهب والفضة رموا ما معهم من الهدايا. قال: وفى بعض الروايات أنّ سليمان لمّا أمر بفراش الميدان بلبن الذّهب والفضّة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر اللّبنات التى معهم. فلمّا رأت الرسل موضع اللّبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك، وطرحوا ما معهم فى ذلك المكان. قال: ثم مرّوا على الشياطين، فلمّا نظروا إليهم فزعوا. فقيل لهم: جوزوا فلا بأس عليكم. وكانوا يمرّون على كردوس «١» كردوس من الجنّ والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدى سليمان ﵇. قال الكسائىّ: فقدّم الكتاب إلى سليمان، فأخبر سليمان الرسول بما فيه قبل فتحه وقراءته، وميّز الوصفاء من الوصائف، وأمر دودة فثقبت الدّرّة وأدخلت الخيط فى الجزع، وأمر أن تساق الخيل حتى تعرق وتملأ القارورة من عرقها، وأقبل على وزير بلقيس وقال: ارجع إلى صاحبتك بما جئت به من الهديّة وقل لها: «أتمدّوننى بمال فما آتانى الله خير ممّا آتاكم بل أنتم بهديّتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون» . قال: فعاد الوزير إليها بما جاء به من الهديّة وأخبرها بما كان من أمر سليمان. فقالت لقومها: هل علمتم الان أنّ رأيى كان أصوب من رأيكم فى ترك المحاربة؟ ومن أين لنا طاقة بحرب نبىّ!! ثم جمعت أموالها وكنوزها واستصحبت ذلك معها

стр. 4621

إلّا عرشها فإنّها تركته بقصرها وأغلقت عليه سبعة أبواب وسارت إلى سليمان ومعها ملوك اليمن وأكابرها وساداتها، فبلغ ذلك سليمان. قال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى: شخصت بلقيس إلى سليمان ﵇ فى اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل منهم مائة ألف. قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: وكان سليمان رجلا مهيبا، لا يبتدأ بشىء حتى يكون هو الذى يسأل عنه. فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا «١» قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس. قال: وقد نزلت منّا بهذا المكان؟ قالوا نعم. قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: كما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ. قال: فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال: «يأيها الملأ أيّكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين. قال عفريت من الجنّ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنّى عليه لقوىّ أمين» قال: أريد أسرع من ذلك. «قال الّذى عنده علم من الكتاب- وهو آصف بن برخيا- أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك» . قال: وكان عنده اسم الله الأعظم. «فلمّا رآه مستقرّا عنده قال هذا من فضل ربّى ليبلونى أأشكرأم أكفر ومن شكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ ربّى غنىّ كريم» . ثم قال سليمان: «نكّروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون» . فأقبل عفريت من الجنّ وقال: يا نبىّ الله، إنّ رجليها كحافر حمار. قال له سليمان: إن كان ذلك كما قلت وإلا عاقبتك. قال: يا نبىّ الله، أريد أن أتّخذ لك صرحا «٢» من قوارير، وأجرى فيه ماء، وأنزل فيه الحيتان والسمك، فلا يشكّ من رآه أنه

стр. 4622

ماء جار، فاتّخذه كذلك. فلمّا فرغ منه شكره. فقال: يا نبىّ الله، أعف عنّى فإنّى كذبت على بلقيس فى رجليها، فعفا سليمان عنه. وأقبلت بلقيس فجعلت تنظر إلى الجنّ والإنس والطير والوحش وغيرهم، وهم قيام لا يضرّ بعضهم بعضا. فلما قاربت الصّرح الممرّد إذا بعرشها، فتعجّبت. فقيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو، وعلمت أنّه هو، وأنه من قدرة الأنبياء. قال: فلمّا أقبلت إلى الصرح حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها. فناداها سليمان: إنه صرح ممرّد من قوارير. فأرسلت ثوبها على ساقيها حياء من سليمان، ثم «قالت ربّ إنّى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين» ثم أسلم قومها. قال الثعلبىّ: اختلف العلماء فى أمرها بعد إسلامها، فقال أكثرهم: لمّا أسلمت بلقيس أراد سليمان أن يتزوّجها. فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا!. فسأل الإنس: بم يذهب هذا؟ فقالوا: بالموسى. فقالت المرأة: لم يمسّنى الحديد قطّ، فكرهه سليمان. فسأل الجنّ، فقالوا: لا ندرى. فسأل الشياطين فمكروا عليه، فلمّا ألحّ عليهم قالوا: نحن نحتال عليه حتى يكون كالفضّة البيضاء، فآتّخذوا لها النّورة «١» والحمّام. قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: هو أوّل يوم اتّخذت فيه النّورة. وقال الكسائىّ فى سياقة خبره: ثم قالت بلقيس: يا نبىّ الله، أرى خاتمك منقوشا، فما الذى عليه؟ قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . قالت: ومن محمد؟ قال: نبىّ يخرج فى آخر الزمان، فآمنت

стр. 4623

بلقيس به. ثم قال لها بعد إيمانها: أتحبّين أن ترجعى إلى بلادك وما كنت فيه؟ قالت: لا، بل أكون معك من بعض نسائك، فتزوّج بها سليمان ﵇. هذا ما أورده الكسائىّ. وفيه زيادات نقلها أبو إسحاق الثعلبىّ قد ذكرناها فى أثناء القصّة ونبّهنا عليها ونسبناها إلى قائلها. وحكى الثعلبىّ أيضا فى هذه القصة زيادات قد رأينا إثباتها؛ فمن ذلك وصف قصرها وعرشها. ذكر صفة القصر الذى بنته بلقيس وصفة عرشها قال أبو إسحاق الثعلبىّ قال الشعبىّ: يروى أنّ بلقيس لمّا ملكت أمرت فحمل إليها خمسمائة أسطوانة من الرّخام، كلّ أسطوانة خمسون ذراعا، وأمرت بها فنصبت على تلّ قريب من مدينة صنعاء، وخطّت بين كلّ أسطوانتين عشرة أذرع، ثم جعلت على ذلك سقفا مبسوطا بألواح الرّخام وألحم بعضها إلى بعض بالرّصاص حتى صارت كانها لوح واحد. ثم بنت فوق ذلك قصرا مربّعا من آجرّ وجعلت فى كل زاوية من زواياه قبّة من ذهب مشرفة فى الهواء، وفيما بين ذلك مجالس حيطانها من ذهب وفضّة مرصّعة بأنواع الجواهر الملوّنة، فكانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب الذهب والجوهر فيكاد يعش العيون وتحار فيه الأبصار. وجعلت باب ذلك القصر مما يلى المدينة بدرج من الرخام الأبيض والأحمر والأخضر، وفى جانبه حجرا لحجّابها وبوّابيها وحرسها وخدمها وحشمها على قدر مراتبهم. قال: وأمّا صفة عرشها فكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزّمرّد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بأنواع الجواهر، وله أربع قوائم:

стр. 4624

قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زمرّد أخضر، وقائمة من درّ أصفر، وصفائح السرير من ذهب. وعليه سبعة بيوت، على كل بيت باب مغلق، وكان ثمانين ذراعا فى ثمانين ذراعا، وطوله فى الهواء ثمانون ذراعا، فذلك قوله: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ . أى سرير ضخم. ذكر خبر وادى القردة قال الكسائىّ: وبينما سليمان ﵇ مع بلقيس ذات يوم إذ قال لها: أكل اليمن فى طاعتك؟ قالت: نعم، إلّا واد عن يمين سبأ، فيه أشجار ومياه غلبت عليه القردة وأزاحوا عنه سكّانه، وهو واد طويل عريض، وهم فى كثرة، وإنهم على سنن اليهود لا يتبايعون يوم السبت. فبعث سليمان العقاب ليأتيه بخبرهم. فطار إلى الوادى وعاد اليه قبل أن يقوم من مقامه ذلك، وأخبره بكثرتهم. فركب سليمان الريح على بساطه فى قبّة القوارير، وسار فى نفر من بنى إسرائيل حتى نزل على شفير الوادى، فعلم القردة أنه سليمان، فبادروا إلى طاعته وأتوه، وقالوا: يا نبىّ الله، إنّا من نسل اليهود الذين اعتدوا فى السبت، ونحن على دين موسى نعمل بأحكام التوراة، وسألوه أن يقرّهم فى ذلك الوادى، فأقرّهم فيه وكتب لهم سجلّا على لوح من نحاس وجعله فى عنق كبيرهم يتوارثونه، ثم انصرف عنهم. هكذا نقل. والصحيح أنّ الذين اعتدوا فى السبت وغيرهم ممن مسخ لم يعقبوا. وفى الصحيح: إنّ الله لم يجعل لمسيخ «١» نسلا.

стр. 4625

ذكر خبر الرجل الذى قبض بأرض الهند قال الكسائىّ: كان سليمان ﵇ قد سأل الله تعالى أن يريه ملك الموت فأراه إيّاه، وكان يعوده ويأتيه فى كل خميس. فأتاه فى بعض الأيام على صورة البشر، وجعل يطيل النظر إلى رجل فى مجلس سليمان حتى ارعب ذلك الرجل. فلمّا فارقه ملك الموت قال: يا نبىّ الله، لقد فزّعنى هذا الرجل الذى كان فى مجلسك من نظره إلىّ، فمن هو؟ قال: هو ملك الموت. قال: يا نبىّ الله أسألك أن تأمر الريح أن تحملنى إلى أرض الهند، فأمرها سليمان فحملته من مجلسه ووضعته بأرض الهند. ثم جاء ملك الموت إلى سليمان، فقال له: قد كنت اليوم عندى وأنت تنظر إلى ذلك الرجل نظرا شافيا حتى خاف منك. قال: يا نبىّ الله، إنى كنت قد أمرت بقبض روحه فى موضع من أرض الهند فى هذا اليوم، فلمّا رأيته عندك عجبت متى يصل إلى الهند، فإذا الريح قد جاءت به، فألقته فى البقعة التى أمرت بقبض روحه فيها، فقبضت روحه هناك. فعجب سليمان ﵇ من ذلك. ذكر خبر الفتنة وذهاب خاتم سليمان ﵇ ورجوعه اليه قال الكسائىّ: كان سليمان ﵇ كلّما نزل بمنزل من البرارى بنت الجنّ والشياطين له قصرا بديعا، فإذا تحوّل عنه خرّبوه. وكان له قصر على ساحل البحر من بناء الجنّ، فأمرهم أن يتركوه على حالته. فجاء سليمان إلى ذلك القصر فنزله، وكان صخر الجنىّ معه وهو شديد الحرص على أن يسلبه الخاتم؛ لأنه كان قد علم أن ملكه فى خاتمه. وكان لسليمان جارية اسمها «الأمينة» فكان إذا أراد الدخول الى الخلوة بنسائه يسلّم الخاتم إليها، فإذا اغتسل أخذ خاتمه منها، وكذلك إذا أراد الوضوء. فجاء سليمان فى بعض الأيام فنزل ذلك القصر وأراد
следующие страницы →