← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

إلّا عرشها فإنّها تركته بقصرها وأغلقت عليه سبعة أبواب وسارت إلى سليمان ومعها ملوك اليمن وأكابرها وساداتها، فبلغ ذلك سليمان. قال أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى: شخصت بلقيس إلى سليمان ﵇ فى اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل منهم مائة ألف. قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: وكان سليمان رجلا مهيبا، لا يبتدأ بشىء حتى يكون هو الذى يسأل عنه. فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا «١» قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس. قال: وقد نزلت منّا بهذا المكان؟ قالوا نعم. قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: كما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ. قال: فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال: «يأيها الملأ أيّكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين. قال عفريت من الجنّ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنّى عليه لقوىّ أمين» قال: أريد أسرع من ذلك. «قال الّذى عنده علم من الكتاب- وهو آصف بن برخيا- أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك» . قال: وكان عنده اسم الله الأعظم. «فلمّا رآه مستقرّا عنده قال هذا من فضل ربّى ليبلونى أأشكرأم أكفر ومن شكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ ربّى غنىّ كريم» . ثم قال سليمان: «نكّروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون» . فأقبل عفريت من الجنّ وقال: يا نبىّ الله، إنّ رجليها كحافر حمار. قال له سليمان: إن كان ذلك كما قلت وإلا عاقبتك. قال: يا نبىّ الله، أريد أن أتّخذ لك صرحا «٢» من قوارير، وأجرى فيه ماء، وأنزل فيه الحيتان والسمك، فلا يشكّ من رآه أنه

стр. 4622

ماء جار، فاتّخذه كذلك. فلمّا فرغ منه شكره. فقال: يا نبىّ الله، أعف عنّى فإنّى كذبت على بلقيس فى رجليها، فعفا سليمان عنه. وأقبلت بلقيس فجعلت تنظر إلى الجنّ والإنس والطير والوحش وغيرهم، وهم قيام لا يضرّ بعضهم بعضا. فلما قاربت الصّرح الممرّد إذا بعرشها، فتعجّبت. فقيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو، وعلمت أنّه هو، وأنه من قدرة الأنبياء. قال: فلمّا أقبلت إلى الصرح حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها. فناداها سليمان: إنه صرح ممرّد من قوارير. فأرسلت ثوبها على ساقيها حياء من سليمان، ثم «قالت ربّ إنّى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين» ثم أسلم قومها. قال الثعلبىّ: اختلف العلماء فى أمرها بعد إسلامها، فقال أكثرهم: لمّا أسلمت بلقيس أراد سليمان أن يتزوّجها. فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا!. فسأل الإنس: بم يذهب هذا؟ فقالوا: بالموسى. فقالت المرأة: لم يمسّنى الحديد قطّ، فكرهه سليمان. فسأل الجنّ، فقالوا: لا ندرى. فسأل الشياطين فمكروا عليه، فلمّا ألحّ عليهم قالوا: نحن نحتال عليه حتى يكون كالفضّة البيضاء، فآتّخذوا لها النّورة «١» والحمّام. قال ابن عبّاس رضى الله عنهما: هو أوّل يوم اتّخذت فيه النّورة. وقال الكسائىّ فى سياقة خبره: ثم قالت بلقيس: يا نبىّ الله، أرى خاتمك منقوشا، فما الذى عليه؟ قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . قالت: ومن محمد؟ قال: نبىّ يخرج فى آخر الزمان، فآمنت

стр. 4623

بلقيس به. ثم قال لها بعد إيمانها: أتحبّين أن ترجعى إلى بلادك وما كنت فيه؟ قالت: لا، بل أكون معك من بعض نسائك، فتزوّج بها سليمان ﵇. هذا ما أورده الكسائىّ. وفيه زيادات نقلها أبو إسحاق الثعلبىّ قد ذكرناها فى أثناء القصّة ونبّهنا عليها ونسبناها إلى قائلها. وحكى الثعلبىّ أيضا فى هذه القصة زيادات قد رأينا إثباتها؛ فمن ذلك وصف قصرها وعرشها. ذكر صفة القصر الذى بنته بلقيس وصفة عرشها قال أبو إسحاق الثعلبىّ قال الشعبىّ: يروى أنّ بلقيس لمّا ملكت أمرت فحمل إليها خمسمائة أسطوانة من الرّخام، كلّ أسطوانة خمسون ذراعا، وأمرت بها فنصبت على تلّ قريب من مدينة صنعاء، وخطّت بين كلّ أسطوانتين عشرة أذرع، ثم جعلت على ذلك سقفا مبسوطا بألواح الرّخام وألحم بعضها إلى بعض بالرّصاص حتى صارت كانها لوح واحد. ثم بنت فوق ذلك قصرا مربّعا من آجرّ وجعلت فى كل زاوية من زواياه قبّة من ذهب مشرفة فى الهواء، وفيما بين ذلك مجالس حيطانها من ذهب وفضّة مرصّعة بأنواع الجواهر الملوّنة، فكانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب الذهب والجوهر فيكاد يعش العيون وتحار فيه الأبصار. وجعلت باب ذلك القصر مما يلى المدينة بدرج من الرخام الأبيض والأحمر والأخضر، وفى جانبه حجرا لحجّابها وبوّابيها وحرسها وخدمها وحشمها على قدر مراتبهم. قال: وأمّا صفة عرشها فكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزّمرّد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بأنواع الجواهر، وله أربع قوائم:

стр. 4624

قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زمرّد أخضر، وقائمة من درّ أصفر، وصفائح السرير من ذهب. وعليه سبعة بيوت، على كل بيت باب مغلق، وكان ثمانين ذراعا فى ثمانين ذراعا، وطوله فى الهواء ثمانون ذراعا، فذلك قوله: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ . أى سرير ضخم. ذكر خبر وادى القردة قال الكسائىّ: وبينما سليمان ﵇ مع بلقيس ذات يوم إذ قال لها: أكل اليمن فى طاعتك؟ قالت: نعم، إلّا واد عن يمين سبأ، فيه أشجار ومياه غلبت عليه القردة وأزاحوا عنه سكّانه، وهو واد طويل عريض، وهم فى كثرة، وإنهم على سنن اليهود لا يتبايعون يوم السبت. فبعث سليمان العقاب ليأتيه بخبرهم. فطار إلى الوادى وعاد اليه قبل أن يقوم من مقامه ذلك، وأخبره بكثرتهم. فركب سليمان الريح على بساطه فى قبّة القوارير، وسار فى نفر من بنى إسرائيل حتى نزل على شفير الوادى، فعلم القردة أنه سليمان، فبادروا إلى طاعته وأتوه، وقالوا: يا نبىّ الله، إنّا من نسل اليهود الذين اعتدوا فى السبت، ونحن على دين موسى نعمل بأحكام التوراة، وسألوه أن يقرّهم فى ذلك الوادى، فأقرّهم فيه وكتب لهم سجلّا على لوح من نحاس وجعله فى عنق كبيرهم يتوارثونه، ثم انصرف عنهم. هكذا نقل. والصحيح أنّ الذين اعتدوا فى السبت وغيرهم ممن مسخ لم يعقبوا. وفى الصحيح: إنّ الله لم يجعل لمسيخ «١» نسلا.

стр. 4625

ذكر خبر الرجل الذى قبض بأرض الهند قال الكسائىّ: كان سليمان ﵇ قد سأل الله تعالى أن يريه ملك الموت فأراه إيّاه، وكان يعوده ويأتيه فى كل خميس. فأتاه فى بعض الأيام على صورة البشر، وجعل يطيل النظر إلى رجل فى مجلس سليمان حتى ارعب ذلك الرجل. فلمّا فارقه ملك الموت قال: يا نبىّ الله، لقد فزّعنى هذا الرجل الذى كان فى مجلسك من نظره إلىّ، فمن هو؟ قال: هو ملك الموت. قال: يا نبىّ الله أسألك أن تأمر الريح أن تحملنى إلى أرض الهند، فأمرها سليمان فحملته من مجلسه ووضعته بأرض الهند. ثم جاء ملك الموت إلى سليمان، فقال له: قد كنت اليوم عندى وأنت تنظر إلى ذلك الرجل نظرا شافيا حتى خاف منك. قال: يا نبىّ الله، إنى كنت قد أمرت بقبض روحه فى موضع من أرض الهند فى هذا اليوم، فلمّا رأيته عندك عجبت متى يصل إلى الهند، فإذا الريح قد جاءت به، فألقته فى البقعة التى أمرت بقبض روحه فيها، فقبضت روحه هناك. فعجب سليمان ﵇ من ذلك. ذكر خبر الفتنة وذهاب خاتم سليمان ﵇ ورجوعه اليه قال الكسائىّ: كان سليمان ﵇ كلّما نزل بمنزل من البرارى بنت الجنّ والشياطين له قصرا بديعا، فإذا تحوّل عنه خرّبوه. وكان له قصر على ساحل البحر من بناء الجنّ، فأمرهم أن يتركوه على حالته. فجاء سليمان إلى ذلك القصر فنزله، وكان صخر الجنىّ معه وهو شديد الحرص على أن يسلبه الخاتم؛ لأنه كان قد علم أن ملكه فى خاتمه. وكان لسليمان جارية اسمها «الأمينة» فكان إذا أراد الدخول الى الخلوة بنسائه يسلّم الخاتم إليها، فإذا اغتسل أخذ خاتمه منها، وكذلك إذا أراد الوضوء. فجاء سليمان فى بعض الأيام فنزل ذلك القصر وأراد

стр. 4626

الوضوء، فدفع الخاتم الى الجارية. فجاء صخر وقد ألقى على نفسه صورة سليمان، فقال للجارية: هات الخاتم، فناولته إيّاه وهى لا تعلم. فلمّا صار الخاتم فى يد صخر لم يستقرّ فى يده لأنه شيطان، فرماه فى البحر، فجاء حوت بإذن الله فآبتلعه. ومضى صخر وهو على صورة سليمان فجلس على كرسيّه ومعه الناس وهم يظنّون أنه سليمان؛ فذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ «١» قيل: الجسد هو صخر الجنى. قال: وخرج سليمان من الخلاء وقد غيّر الله صورته إلى صورة صخر، فطلب الخاتم، فقالت الجارية: أعوذ بالله منك، قد دفعت الخاتم إلى سليمان. فعلم أنّ الله قد أوقع به البليّة، فخرج يريد القصر ويقول للناس: أنا سليمان، والناس يهزءون بقوله ويقولون: لست سليمان أنت صخر الجنّىّ. فجعل سليمان يدور على جميع الناس وهم على كلمة واحدة فى إنكاره، وجعل يدور فى القرى ويقول: أنا سليمان والناس يشتمونه حتى لزق بطنه بظهره من الجوع، فقال: إلهى إنّك ابتليت كثيرا من الأنبياء ولم تحرمهم رزقك. إلهى إنّى تائب إليك من خطيئتى. فلم يزل سليمان كذلك أربعين يوما لم يطعم شيئا، ثم وجد قرصة يابسة ملقاة، فأخذها ولم يقدر على أكلها ليبسها، فأقبل الىّ ساحل البحر وقعد يبلّ القرصة فاستلبتها الأمواج من يده. فقال: إلهى رزقتنى بعد أربعين يوما قرصة يابسة نزلت حتى أبلّها فاستلبتها الأمواج من يدى وأنت المتكفّل بأرزاق العباد، وأنا عبدك المذنب، فارزقنى فأنت الرزّاق الكريم. ثم جعل يمشى على الساحل وهو يبكى، فإذا هو بقوم يصطادون السمك، فسألهم شيئا من الطعام فمنعوه وطردوه وقالوا له: انصرف عنّا، فما رأينا أوحش من وجهك. قال: ما عليكم من وجهى إذا أطعمتمونى؟!. قالوا: وحقّ سليمان

стр. 4627

إن قمنا إليك لنوجعنّك ضربا إن لم ترح «١» عنّا. قال: يا قوم، فأنا والله سليمان. فضربه رجل منهم على رأسه وقال: أتكذب على نبىّ الله! فبكى حتى بكت الملائكة لبكائه ورحمه أولئك القوم وناولوه سمكة وأعطوه سكّينا، فشقّ بطنها ليصلحها ويشويها ويأكلها، فخرج الخاتم من بطنها فغسله وجعله فى إصبعه، وعاد إليه حسنه وجماله، فوضع السمكة وسار يريد قصره، فجعل يمرّ بتلك القرى، فكلّ من كان قد أنكره عرفه وسجد له. فبلغ ذلك صخرا الجنّىّ فهرب. وعاد سليمان الىّ قصره واجتمع له الإنس والجنّ والشياطين والسباع والهوامّ كما كانوا أوّل مرّة. فبعث العفاريت فى طلب صخر فأتوه به، فأمر أن ينقروا له صخرتين وصفّده بالحديد وجعله بينهما وأطبقهما عليه وختم عليه بخاتمه وطرحه فى بحيرة طبريّة. فيقال: إنه فيها إلى يوم القيامة. ثم أمر الله الرياح أن تحشر له سائر الشياطين فحشرت له، فصفّد مردتهم بالحديد وحبسهم. هذا ما أورده الكسائىّ فى قصّة الفتنة، وهو أولى ما أورده وأشبه ما نقل. وحكى الثعلبىّ ﵀ فى خبر الفتنة قال قال محمد بن إسحاق قال بعض العلماء عن وهب بن منبّه قال: سمع سليمان ﵇ أنّ فى جزيرة من جزائر البحر رجلا يقال له «صيدون» ملك عظيم الشأن لم يكن لأحد من الناس عليه سبيل لمكانه فى البحر. وقال غيره: إن هذه الجزيرة مسيرة شهر فى مثله، وفيها عجائب كثيرة وأشجار وأنهار، وفى وسطها مجلس على عمد من مرمر ملوّن، والمجلس من ذهب مفصل بأنواع الجواهر يشرف على جميع الجزيرة. وقيل: إنه كان ساحرا، فكانت الجنّ تطيف به وتعمل له العجائب، فدلّ سليمان عليها فغزاه.

стр. 4628

نرجع إلى سياق الثعلبىّ قال: فخرج سليمان إلى الجزيرة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والإنس، فقتل ملكها وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنت الملك واسمها «جرادة» لم ير الناس مثلها حسنا وجمالا، فاصطفاها سليمان لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلّة ثقة، وأحبّها سليمان حبّا لم يحبّه شيئا من نسائه، وكانت منزلتها عنده منزلة عظيمة، وكان لا يذهب حزنها ولا ترقأ «١» دمعتها على أبيها. فشقّ ذلك على سليمان وقال لها: ويحك! ما هذا الحزن الذى لا يذهب، والدمع الذى لا يرقأ!. قالت: إنى أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزننى ذلك. قال سليمان: فقد بدّلك الله ملكا أعظم من ملكه، وسلطانا أعظم من سلطانه، وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك كلّه. قالت: إنّ ذلك كذلك، ولكن إذا ذكرته أصابنى ما ترى من الحزن. ولو أنك أمرت الشياطين فصوّروا لى صورته فى دارى أراها بكرة وعشيّة لرجوت أن يذهب ذلك، وأن يسكن عنّى بعض ما أجد فى نفسى. فأمر سليمان الشياطين أن يمثّلوا صورة أبيها فى دارها حتى لا تنكر منه شيئا، فمثّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه. فعمدت إليه حين صنعوه فأزّرته وقمّصته وعمّمته بمثل ثيابه التى كان يلبس. ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو على ذلك التمثال هى وولائدها فيسجدن له كما كانت تصنع ذلك فى ملكه، وتفعل ذلك بكرة وعشيّة وسليمان لا يعلم بشىء من ذلك أربعين يوما. وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صدّيقا، وكان لا يردّ من باب سليمان متى أراد دخوله من ليل أو نهار، فأتاه فقال: يا نبىّ الله، كبرت سنّى، ودقّ عظمى، ونفد عمرى، وقد حان منّى الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثنى عليهم بعلمى، وأعلّم الناس

стр. 4629

ما يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا، فذكر من مضى من أنبياء الله وأثنى على كلّ منهم بما فيه، وذكر ما فضّلهم الله به حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك فى صغرك، وأورعك وأفضلك فى صغرك، وأحكم أمرك فى صغرك، وأبعدك من كل ما تكره فى صغرك، ثم انصرف. فوجد سليمان فى نفسه من ذلك. فلمّا دخل سليمان داره أرسل إلى آصف بن برخيا فقال: ذكرت من مضى من أنبياء الله، وأثنيت عليهم خيرا فى كل زمانهم، وفى كل حال من أمورهم؛ فلما ذكرتنى جعلت نثنى علىّ بخير فى صغرى وسكتّ عما سوى ذلك من أمرى فى كبرى، فماذا أحدثت فى آخر أمرى؟ قال: لأنّ غير الله يعبد فى دارك أربعين يوما فى هوى امرأة. قال سليمان: فى دارى! قال: نعم فى دارك. فاسترجع سليمان ثم دخل داره فكسر ذلك الصنم، وخافت تلك المرأة. ثم أمر سليمان بثياب الطّهر فأتى بها، وهى ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا تمسّها امرأة ذات دم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرّماد تذلّلا لله تعالى وتضرّعا إليه، يبكى ويدعو ويستغفر مما كان فى داره، فلم يزل ذلك دأبه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره. وكان له وليدة يقال لها «الأمينة» ، فكان إذا دخل لحاجته أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهّر، فوضعه يوما من الأيام عندها ثم دخل لقضاء حاجته، فأتاها صخر الجنّىّ على صورة سليمان لا ينكر منه شىء، فقال لها: يا أمينة، خاتمى؛ فناولته إيّاه، فجعله فى يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الجنّ والإنس والطير. وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد تغيّر عن حليته وهيئته عند كل من يراه. فقال: يا أمينة. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. قالت: كذبت لست سليمان، وقد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سريره فى ملكه،

стр. 4630

فعرف سليمان أنّ خطيئته قد أدركته، فجعل يقف على الدار من دور بنى إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ويسبّونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون يزعم أنه سليمان. فلمّا رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر منه الى السوق فيعطونه كلّ يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوى الأخرى فيأكلها. فمكث كذلك أربعين صباحا عدّة ما كان ذلك الوثن فى داره. قال: وأنكر آصف وعظماء بنى إسرائيل حكم عدوّ الله الشيطان فى تلك المدّة. فقال آصف: يا معشر بنى إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان بن داود ما رأيت؟ قالوا نعم. قال: أمهلونى حتى أدخل على نسائه وأسألهنّ هل أنكرن منه فى خاصّة أمره ما أنكرناه فى عامّة أمر الناس. فدخل على نسائه فقال: ويحكنّ! هل أنكرتنّ من أمر نبىّ الله سليمان ما أنكرناه؟ فقلن: أشدّ وأعظم، ما يدع امرأة منّا فى دمها، ولا يغتسل من جنابة. فقال آصف: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج إلى بنى إسرائيل فقال: ما فى الخاصّة أعظم ممّا فى العامّة. فلمّا مضت أربعون صباحا طار الشيطان عن مجسمه ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فابتلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه حتى إذا كان آخر النهار أعطاه سمكتيه، فأعطى السمكة التى ابتلعت الخاتم، وحمل سليمان سمكتيه فباع التى ليس فيها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فاستقبله الخاتم من جوفها فأخذه، فجعله فى يده ووقع ساجدا لله تعالى، وعكفت عليه الطير والوحش والجنّ. وأقبل إليه الناس ورجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين بإحضار صخر فأدخله فى صخرة عظيمة، ثم شدّ عليه أخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرّصاص، ثم أمر به فقذف فى البحر.

стр. 4631

هذا حديث وهب. وقال السّدّىّ فى سبب الفتنة: كان لسليمان مائة امرأة وكانت منهن امرأة يقال لها «جرادة» وهى آثر نسائه وآمنهنّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجته نزع خاتمه ولم يأتمن عليه غيرها. فجاءها يوما من الأيام فقالت له: إنّ أخى بينه وبين فلان خصومة، وإنى أحبّ أن تقضى له إذا جاءك. قال نعم، ولم يفعل؛ فابتلى بقوله وأعطاها خاتمه ودخل المذهب «١» ، فخرج الشيطان فى صورته فقال لها: هاتى الخاتم، فأعطته إيّاه، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعده فسألها أن تعطيه الخاتم فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا! وخرج من مكانه. ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما، فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قرّاء بنى إسرائيل وعلماؤهم، فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنّا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا حكمه «٢» ، فأبكى النساء عند ذلك. فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوها، فطار الشيطان من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم فى البحر فابتلعه الحوت. فأقبل سليمان فى حالته التى كان فيها حتى انتهى إلى صيّادين وهو جائع فاستطعمهم من صيدهم وقال: إنّى سليمان بن داود. فقام إليه بعضهم فضربه بعصاه فشجّه. فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيّادون صاحبه الذى ضربه وقالوا: بئسما صنعت حيث ضربته. فقال: إنه زعم أنه سليمان بن داود!

стр. 4632

فأعطاه سمكتين. فقام إلى ساحل البحر فشقّ بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه فى بطن إحداهما، فأخذه ولبسه وردّ الله تعالى عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير فعكفت عليه، فعرفه القوم فقاموا يعتذرون إليه مما صنعوا. فقال: ما أؤاخذكم على عدوانكم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا ما كان لا بدّ منه. وجاء حتى أتى ملكه، فأخذ الشيطان فجعله فى صندوق من حديد ثم أطبقه وأقفل عليه بقفل وختمه بخاتمه، ثم أمر به فألقى فى البحر، وهو فيه كذلك «١» إلى يوم القيامة. قال: وفى بعض الروايات أنّ سليمان لمّا افتتن سقط الخاتم من يده، فأخذه سليمان فأعاده الى يده، فسقط من يده. فلما رآه لا يثبت فى يده أيقن بالفتنة. وقال آصف لسليمان: إنّك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك أربعة عشر يوما؛ ففرّ إلى الله تعالى تائبا من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير فى عملك وأهل بيوتك بسيرتك حتى يتوب الله عليك ويردّك إلى ملكك. ففرّ سليمان هاربا إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم ووضعه فى يده فثبت. وإنّ الجسد الذى قال الله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً هو آصف كاتب سليمان، وكان عنده علم من الكتاب. فأقام آصف فى ملك سليمان يسير سيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يوما، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائبا إلى الله تعالى، وردّ الله تعالى عليه ملكه، وقام آصف من مجلسه وجلس سليمان على كرسيّه وأعاد الخاتم فى يده فثبت فيها. قال أبو إسحاق: وقيل فى سبب ذلك ما روى عن سعيد بن المسيّب أنّ سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيّام، فأوحى الله تعالى إليه أن يا سليمان احتجبت عن عبادى ثلاثة أيّام فلم تنظر فى أمورهم ولم تنصف مظلوما من ظالم. وذكر

стр. 4633

حديث الخاتم وأخذ الشيطان إيّاه كما تقدّم، وقال فى آخره: قال علىّ: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله ليسلّطه على نسائه «١» . قال وقال بعض المفسّرين: كان سبب فتنة سليمان أنه أمر ألّا يتزوّج امرأة إلّا من بنى إسرائيل، فتزوّج من غيرهم فعوقب على ذلك. وقيل: إن سليمان لمّا أصاب ابنة الملك صيدون أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت وامتنعت، فخوّفها فقالت: إن أكرهتنى على الإسلام قتلت نفسى. فخاف سليمان أن تقتل نفسها، فتزوّج بها وهى مشركة أربعين يوما، وكانت تعبد صنما لها فى خفية من سليمان إلى أن أسلمت، فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما. قال وقال الشعبىّ فى سبب ذلك: إنّ سليمان ولد له ولد، فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفكّ مما نحن فيه من البلاء والسّخرة، وما لنا إلا أن نقتل ولده أو نخبله. فعلم سليمان بذلك، فأمر السحاب أن يأخذ ابنه، وأمر الريح فحملته، وغدا ابنه فى السحاب خوفا من مضرّة الشيطان. فعاقبه الله تعالى بخوفه من الشيطان، ومات الولد فألقى ميّتا على كرسيّه، فهو الجسد الذى ذكره الله تعالى فى كتابه العزيز؛ قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ.

стр. 4634

ذكر عزم سليمان ﵇ أن يطوف على نسائه قال الكسائىّ: كان سليمان ﵇ قد أعطى من القوّة ما إنه يأتى على خمسمائة حرّة وسبعمائة سرّيّة. فقال فى يوم: لأطوفنّ على ألف امرأة وأجامعهنّ كلهنّ، فتحمل كل واحدة منهنّ بغلامين فارسين يركبون الخيل ويغزون البلاد، ولم يقل إن شاء الله. وطاف عليهنّ فلم تحمل منهنّ غير واحدة، حملت بنصف إنسان، قيل: إنه الجسد الذى ألقى على كرسىّ سليمان. والله تعالى أعلم. والذى ثبت من هذه القصة ما رويناه من صحيح البخارىّ بسندنا المتقدّم اليه. قال البخارىّ حدّثنا خالد بن مخلد حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبى الزّناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال: «قال سليمان بن داود لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد فى سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل، ولم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا إحدى شقّيه فقال النبىّ ﷺ لو قالها لجاهدوا فى سبيل الله. قال شعيب وابن أبى الزناد تسعين وهو أصح «١» » . ذكر وفاة بلقيس زوجة سليمان ﵇ قال الكسائىّ: أقامت بلقيس عند سليمان سبع سنين وسبعة أشهر ثم توفّيت، فدفنها بمدينة «٢» تدمر من أرض الشام تحت حائط، ولم يعلم أحد بموضع قبرها إلى أيّام الوليد بن عبد الملك بن مروان.

стр. 4635

قال موسى بن نصير: بعثت فى أيّام الوليد إلى مدينة تدمر ومعى العباس بن الوليد بن عبد الملك، فجاء مطر عظيم فانهار بعض حائط المدينة، فانكشفت عن تابوت طوله ستون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا متّخذ من حجر كالزّعفران مكتوب عليه: «هذا تابوت بلقيس الصالحة أسلمت لثلاث عشرة سنة خلت من ملك سليمان، وتزوّج بها يوم عاشوراء سنة أربع عشرة خلت من ملكه، وتوفّيت يوم الاثنين من ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين مضت من ملكه، وقد دفنت ليلا فى حائط مدينة تدمر، ولم يطّلع على دفنها إنس ولا جنّ ولا شيطان» . قال: فرفعنا غطاء التابوت واذا هى غضّة كانها دفنت ليلتها. فكتبتا بذلك إلى الوليد فأمر بتركه فى مكانه، وأن يبنى عليه بالصخر والمرمر، ففعلنا ذلك. ذكر خبر وفاة سليمان بن داود ﵉ قال الكسائىّ: ملك سليمان شرق الأرض وغربها وطاف أقطارها حتى انتهى إلى السّدّ «١» الذى هو بالقرب من جبل قاف «٢» ، فوقف هناك ثم قال للريح: هل

стр. 4636

جريت هاهنا قطّ؟ قالت: لا يا نبىّ الله، وإنه آخر الدنيا وليس وراءه إلا علم الله تعالى. ثم أمر الريح فاحتملته حتى نظر إلى التّنّين المحدق بالعالم، فسار أياما على طرف من أطرافه فإذا هو بملك، فقال: يابن داود إن هذا التّنين محيط بالعالم الذى هو مسيرة خمسائة عام. ثم ارتفع إلى مستقرّ الغام ونظر إلى مجمع القطر، ونزل من هناك إلى مسكن الليل والنهار فاذا هو بملك يقول: اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا. ثم أمر الريح أن تحطّ بساطه إلى الأرض المقدّسة، وكانت مدّة غيبته مائة وثلاثين يوما. وكان فى طول سفرته هذه يرى شخصا بين يديه يسبق كل شىء، فسأله من هو؟ فأخبره أنه ملك الموت، فوقعت عليه الرّعدة وتغيّر لونه وجعل ابنه رحبعم خليفته، وأوصى الناس بالسمع والطاعة له. وأخذ فى الصوم والصلاة طول ليله، فإذا أصبح خرج من محرابه إلى روضة هناك فيها نبات حسن يتسلّى به. فخرج فى بعض الأيام فرأى نبتا غريبا لم يكن قد رآه قبل ذلك اليوم. فقال: أيها النبت ما أنت؟ قال: أنا الخرنوب الذى لا أنبت فى موضع إلا خرّبته. فقال سليمان: فما تصنع هاهنا فلست من نبات الرياض بل من نبات البرارى؟ قال: قد أمرت أن أنبت هاهنا. فعاد سليمان من الغد وهو على حاله وقد زاد نباته. فقال له سليمان: ألم آمرك أن تلحق بموضعك من البرراى!. قال الخرنوب: يا نبىّ الله. إنّ هذا الموضع سيخرب عن قريب، فسكت سليمان. فلما ضعف عن العبادة توكأ على عصاه. فبينا هو فى محرابه متوكئا قائما يتلو الزّبور والتوراة إذ أتاه ملك الموت، فرفع رأسه إليه فناوله شمّة فشمّها فمات. وبقى سليمان على حالته لم يسقط إلى الأرض ولم يتحرّك ولا مال. فهابوه وما جسروا أن يتقدّموا إليه. وقالوا: إنه لم يمت، ولم تزل الإنس والجنّ والشياطين والوحش

стр. 4637

والطير فى الطاعة والأعمال حتى مضت سنة، ثم وقعت الأرضة فى أسفل العصا؛ فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ . فخرّ سليمان عند ذلك كالخشبة اليابسة، وكانت الجنّ قبل ذلك تدّعى علم الغيب؛ قال الله تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ «١» أى فى تلك السنة فى نقل الصخور والبنيان وغير ذلك. وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ رحمه الله تعالى فى خبر وفاة سليمان ﵇: قال أهل التاريخ: لبث سليمان فى ملكه بعد أن ردّه الله عليه تعمل له الجنّ ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابى وقدور راسيات وغير ذلك، ويعذّب من الشياطين من يشاء، ويأمرهم بحمل الحجارة الثقيلة ونقلها إلى حيث أحبّ. فأتاهم إبليس وهم فى العمل فقال: كيف أنتم؟ فقالوا: ما بنا طاقة لما نحن فيه. فقال لهم: تذهبون تحملون الحجارة وترجعون فرّاغا لا تحملون شيئا؟ قالوا نعم. قال: فأنتم فى راحة. فأبلغت الريح ذلك سليمان، فأمرهم أن يحملوا ذاهبين وراجعين. فقال لهم إبليس: تعملون بالليل؟ قالوا لا. قال: فأنتم فى راحة. فأبلغت الريح ذلك سليمان، فأمرهم أن يعملوا بالليل والنهار. فأتاهم إبليس فسألهم فشكوا إليه أنهم يعملون بالليل والنهار. فقال لهم إبليس: وفعلها؟ قالوا: نعم. قال: فتوقّعوا الفرج، فقد بلغ الأمر منتهاه. فما لبثوا إلا يسيرا حتى مات سليمان.

стр. 4638

قال ابن عبّاس وغيره: كان سليمان يتحنّث «١» فى بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقلّ من ذلك وأكثر، يدخله ومعه طعامه وشرابه، فدخله فى المرّة التى مات فيها. قال: وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوما يصبح فيه إلا نبت فى بيت المقدس شجرة فيسألها سليمان ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمى كذا وكذا. فيقول: لأى شىء تصلحين؟ فتقول: لكذا وكذا؛ [فيأمر «٢» بها فتقطع] ، فإن كانت تنبت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتب عليها لكذا وكذا. فبينا هو يصلّى ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: الخرنوبة. قال: ولأىّ شىء نبتّى؟ قالت: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حىّ، أنت الذى على وجهك هلاكى وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها فى حائط له، ثم قال: اللهمّ عمّ عن الجنّ موتى حتى يعلم الإنس أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب. وكانت الجنّ يخبرون الإنس أنهم يعلمون الغيب وأنهم يعلمون ما فى غد. قال: ثم دخل سليمان المحراب فقام يصلّى متكئا على عصاه، فمات على تلك الحالة، ولم يعلم بذلك أحد من الشياطين، وهم فى ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم. قال وقال عبد الرحمن [بن زيد «٣» ] قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بى فأعلمنى. قال: فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك وقد بقيت لك سويعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلّى واتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه.

стр. 4639

قال وفى رواية أخرى: أنّ سليمان قال ذات يوم لأصحابه: قد آتانى الله من الملك ما ترون، وما مرّ علىّ يوم فى ملكى بحيث صفا لى من الكدر، وقد أحببت أن يكون لى يوم واحد يصفولى إلى الليل ولا أغتمّ فيه، وليكن ذلك غدا. فلما كان من الغد دخل قصرا له، وأمر بإغلاق أبوابه ومنع الناس من الدخول عليه ورفع الأخبار إليه لئلا يسمع شيئا يسوءه، ثم أخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ عليها ينظر فى ممالكه، إذ نظر إلى شابّ حسن الوجه، عليه ثياب بيض قد خرج عليه من جانب قصره فقال: السلام عليك يا سليمان. فقال سليمان: وعليكم السلام، كيف دخلت هذا القصر وقد منعت من دخوله؟ أما منعك البوّاب والحجّاب!. أما هبتنى حين دخلت قصرى بغير إذنى!! فقال: أنا الذى لا يحجبنى حاجب، ولا يمنعنى بوّاب، ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرّشا، وما كنت لأدخل هذا القصر بغير إذن. فقال سليمان: فمن أذن لك فى دخوله؟ قال: ربّه. فارتعد سليمان وعلم أنه ملك الموت. فقال له: أنت ملك الموت؟ قال نعم. قال: فيم جئت؟ قال: جئت لأقبض روحك. قال: يا ملك الموت، هذا يوم أردت أن يصفو لى وما أسمع فيه ما يغمّنى. قال له: يا سليمان، إنك أردت يوما يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغتمّ فيه، وذلك اليوم لم يخلق فى الدنيا، فارض بقضاء ربك فإنه لا مردّ له. قال: فاقبض كما أمرت، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه. قال الثعلبىّ قالوا: وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلّاه أينما كان. وكان للمحراب كوى بين يديه ومن خلفه، فكان الشيطان الذى يريد أن يدخل يقول: ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر. فدخل شيطان من أولئك فمرّ، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان

стр. 4640

فى المحراب إلا احترق، فمرّ ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع ولم يسمع، ثم رجع فوقع فى البيت فلم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميّتا، فخرج فأخبر الناس أنّ سليمان قد مات، ففتحوا عنه وأخرجوه ووجدوا منسأته- وهى العصا بلسان الحبشة «١» - قد أكلتها «٢» الأرضة، فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا، فأيقن الناس أنّ الجنّ كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، فلم يلبثوا فى العذاب سنة يعملون. قال: ثم إنّ الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب طعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكننا سننقل إليك الماء والطين. قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلى الطين الذى يكون فى جوف الخشب فهو مما تأتيها به الشياطين شكرا لها؛ فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ وهى الأرضة، ويقال لها القادح أيضا، وهى دويبّة تأكل العيدان تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أى عصاه فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ ... الآية. قال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدّة ملكه أربعين سنة، وملّك يوم ملّك وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقال الكسائىّ قال وهب: عاش سليمان ستين سنة، منها فى الملك والنبوّة أربعون سنة. قال: وتفرّقت الإنس والجنّ وغيرهم، فتفرّق بنو إسرائيل بعده

стр. 4641

ثلاث فرق: فرقة كفروا واتبعوا السحرة، وفرقة اعتزلوا وقالوا: لا نطيع بعده أحدا، وفرقة اتبعوا ابنه رحبعم «١» . قال الثعلبىّ: ملك بعد سليمان ﵇ ابنه رحبعم، وكان قد استخلفه فنبّأه الله تعالى ولم يكن رسولا ثم قبض، وكان ملكه سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده ابنه أيشا «٢» بن رحبعم، وكان ملكه ثلاثا وستين سنة. ثم ابنه أينا. وقال الكسائىّ: ملك بعد رحبعم ابنه لايى، وملك بعد لايى ابنه أيشا بن لايى، ثم بعث الله تعالى بعد أن قبض أيشا، شعيا «٣» وهو من ولد هارون بن عمران. وقال الثعلبىّ فى سياقه: لمّا ملك أينا بن أيشا، وكان رجلا صالحا، وكان أعرج، وكان به عرق النّسا، فطمعت الملوك فيه لضعفه، وافترقت ملوك بنى إسرائيل، فغزاهم ملك من ملوك الهند يقال له «زرج «٤» الهندىّ» فى جمع كثير، فبعث الله تعالى عليهم ملائكة فهزموهم، فقصدوا البحر حتى ركبوه جميعا، فبعث الله تعالى عليهم الرياح والأمواج حتى ضربت سفنهم بعضا ببعض، فتكسّرت وغرق زرج ومن كان معه، وألقت الأمواج أثقالهم وأموالهم وسلبهم إلى محلّة بنى إسرائيل، ونودوا أن خذوا ما غنمكم الله وكونوا فيه من الشاكرين. ثم لم يزل يغزوهم الملك بعد الملك من ملوك العراق وغيرهم، فيهلكهم الله تعالى الى أن ظهر فيهم الظلم والفساد، وفشت فيهم المعاصى، وعبد بعض ملوكهم الأصنام، فكان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 4642

الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الخامس فى أخبار شعيا وإرميا ﵉ وخبر بختنصّر وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزير وفتنة اليهود ذكر قصة شعيا ﵇ قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: كان الملك اذا ملك من بنى إسرائيل بعث الله معه نبيّا يرشده ويسدّده ويكون فيما بين الناس وبين الله تعالى، ولا ينزل الله تعالى عليه كتابا إنما يأمر بأحكام التوراة وينهى عن المعصية، ويدعو الناس الى ما تركوا من الطاعة. وكان ممن ملك منهم «صديقة» . فلمّا ملك بعث الله تعالى شعيا بن أمصيا «١» ، فملك ذلك الملك بنى إسرائيل وبيت المقدس زمانا، ثم كثرت فى بنى إسرائيل الأحداث، فبعث الله سنحاريب «٢» ملك بابل، معه ستمائة ألف راية، فأقبل حتى نزل حول بيت المقدس والملك إذ ذاك مريض فى ساقه قرحة، فجاء النبىّ شعيا ﵇ فقال لملك بنى إسرائيل: إن سنحاريب ملك بابل قد أقبل ونزل بك فى ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم. فكبر ذلك على الملك وقال: يا نبىّ الله، هل أتاك وحى فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله

стр. 4643

تعالى بنا وسنحاريب؟ قال: لم يأتنى وحى. فبينما هم كذلك أوحى الله تعالى إلى شعيا أن ائت ملك بنى إسرائيل فمره أن يوصى بوصية ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته. فأتاه شعيا فقال: إنّ ربك قد أوحى إلىّ أن آمرك أن توصى وصيّتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميّت. فلمّا قال له شعيا ذلك أقبل صديقة الملك على القبلة فصلّى ودعا وبكى، فقال وهو يبكى ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص وتوكّل وصبر: [اللهم ربّ الأرباب وإله الآلهة القدّوس المقدس، يا رحمن يا رحيم، يا رءوف يا من لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرنى بنيّتى وفعلى وحسن قضائى فى بنى إسرائيل، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به منّى سرّى وعلانيتى لك «١» ] ، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وكان عبدا صالحا. فأوحى الله تعالى إلى شعيا أن أخبر صديقة أن الله استجاب له وقبل منه ورحمه وأخّر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوّه سنحاريب وجنوده. فأتاه شعيا فأخبره بذلك، فذهب عنه الجزع وخرّ ساجدا لله تعالى ودعاه. فلما رفع رأسه أوحى الله تعالى إلى شعيا أن قل للملك صديقة يأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحة ساقه فيشفى ويبرأ، ففعل ذلك فشفى. وقال الملك لشعيا: سل ربّك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدوّنا هذا. فقال الله تعالى لشعيا: قل له إنى كفيتك عدوّك وأنجيتك منهم، وإنهم سيصبحون موتى إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتّابه. فلمّا أصبحوا جاء صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملك بنى إسرائيل، إن الله تعالى قد كفاك أمر عدوّك؛ فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا. فخرج الملك فالتمس سنحاريب فلم يوجد فى الموتى. فبعث الملك فى طلبه، فأدركه الطّلب فى مغازة وخمسة من كتّابه، أحدهم

стр. 4644

بختنصّر، فجعلوهم فى الجوامع «١» ثم أتوا بهم ملك بنى إسرائيل، فلما رآهم خرّ ساجدا لله تعالى من حين طلعت الشمس إلى العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربّنا؟ ألم يقتلكم بحوله وقوّته ونحن وأنتم غافلون؟! فقال سنحاريب: قد أتانى خبر ربّكم ونصره إيّاكم، ورحمته التى رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادى، فلم أطع مرشدا ولم يلقنى فى الشّقوة إلّا قلّة عقلى، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت علىّ وعلى من معى. فقال صديقة: الحمد لله رب العزّة الذى كفاناكم بما شاء. إنّ ربّنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه، ولكنّه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة فى الدنيا وعذابا فى الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا. ولدمك ودم من معك أهون على الله تعالى من دم قرادة لو قتلت. ثم أمر صديقة أمير جيشه أن يقذف فى رقابهم الجوامع، فطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا «٢» ، وكان يرزقهم فى كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل. فقال سنحاريب لملك بنى إسرائيل: القتل خير مما تفعل بنا، فافعل ما أمرت. فأمر بهم الملك الى سجن القتل، فأوحى الله تعالى إلى شعيا: أن قل لملك بنى إسرائيل: يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم، وأن يكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم. فبلّغ شعيا الملك ذلك، ففعل ما أمر به، وخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل «٣» .

стр. 4645

فلمّا قدموا جمع سنحاريب الناس وأخبرهم كيف فعل الله بجنوده. فقال له كهّانه وسحرته: قد كنا نقصّ عليك خبر ربهم وخبر نبيّهم ووحى الله إلى نبيّهم، فلم تطعنا، وهى أمّة لا يستطيعها أحد من ربّهم. ولبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ومات. واستخلف بختنصّر ابن ابنه على ما كان عليه جدّه، فعمل بعمله وقضى بقضائه، فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله تعالى صديقة ملك بنى إسرائيل، فمرج «١» أمر بنى إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا، ونبيّهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك أوحى الله تعالى إلى شعيا: أن قم فى قومك أوح على لسانك. فلمّا قام أوحى الله تعالى على لسانه وأنطقه بالوحى فقال: يا سماء اسمعى، ويا أرض أنصتى؛ فإنّ الله يريد أن يقصّ شأن بنى إسرائيل الذين ربّاهم بنعمته، واصطنعهم لنفسه، وخصّهم بكرامته، وفضّلهم على عباده، واستقبلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التى لا راعى لها؛ فآوى شاردها، وجمع ضالّها، وجبر كسيرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها. فلمّا فعل ذلك بها تناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا، حتى لم يبق منهم عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير. فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ما جاءهم من الخير. إنّ البعير مما يذكر وطنه فيأتيه، وإنّ الحمار مما يذكر الآرىّ «٢» الذى يشبع عليه فيراجعه، وإنّ الثور مما يذكر المرج «٣» الذى يسمن فيه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من أين «٤» جاءهم الخير وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير، وإنى ضارب لهم مثلا فليسمعوه.

стр. 4646

قل لهم: كيف ترون فى أرض كانت جرزا «١» زمانا خربة مواتا لا عمران فيها، وكان لها ربّ حكيم قوىّ، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه، فأحاط عليها جدارا وشيّد فيها قصرا وأنبط فيها نهرا، وصفّف فيها غراسا من الزيتون والرمّان والنخيل والأعناب وألوان الثّمار كلها، وولىّ ذلك واستحفظه ذا رأى وهمّة حفيظا قويّا أمينا، فانتظرها، فلمّا أطلعت جاء طلعها خرّوبا؟!. قالوا: بئست الأرض هذه! نرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدمّر نهرها ويقبض قيّمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أوّل مرّة خرابا موانا لا عمران فيها. قال الله لهم: إنّ الجدار ذمّتى، وإنّ القصر شريعتى، وإنّ النهر كتابى، وإنّ القيّم نبيّى، وإنّ الغراس هم، وإن الخرّوب الذى أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة، وإنّى قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، فإنه مثل ضربه الله لهم. يتقرّبون إلىّ بذبح البقر والغنم، وليس ينالنى اللحم ولا آكله. ويدّعون أنهم يتقرّبون إلىّ بالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التى حرّمتها، فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم مترمّلة «٢» بدمائها؛ يشيّدون لى البيوت مساجد ويطهّرون أجوافها، وينجّسون قلوبهم وأجسادهم ويدنّسونها. فأىّ حاجة لى إلى تشييد البيوت ولست أسكنها! وأىّ حاجة لى إلى تزويق المساجد ولست أدخلها! إنما أمرت برفعها لأذكر فيها ولأسبّح، ولتكون مصلّى لمن أراد أن يصلّى فيها. يقولون: لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان الله يقدر على أن يفقه قلوبنا لأفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين ثم ائت بهما ناديهم فى أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إنّ الله يأمركما أن تكونا عودا واحدا. فلمّا قال لهما ذلك اختلطا فصارا واحدا. فقال الله تعالى [قل «٣» ] لهم: إنى قد قدّرت على أن أفقه العودين اليابسين،

стр. 4647

وعلىّ أن أؤلّف بينهما، فكيف لا أقدر على أن أجمع ألفتهم إن شئت! أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبهم وأنا الذى صوّرتها!. يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلّينا فلم تنوّر صلاتنا، وتصدّقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئاب، فى كل ذلك لا يسمع ولا يستجاب لنا. قال الله تعالى: فسلهم: ما الذى يمنعنى أن أستجيب لهم! ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين! الأنّ ذات يدى قلّت! وكيف ويداى مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء، ومفاتيح الخزائن عندى لا يفتحها غيرى!. أو لأن رحمتى ضاقت! فكيف ورحمتى وسعت كلّ شىء، إنما يتراحم المتراحمون بفضلها!. أو لأنّ البخل يعترينى! أولست أكرم الأكرمين. والنّفّاح بالخيرات أجود من أعطى وأكرم من سئل!. لو أنّ هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التى تورث فى قلوبهم [النور «١» ] فنبذوها واشتروا بها الدنيا، إذا لأبصروا من حيث أتوا، وإذا لأيقنوا أنّ أنفسهم هى أعدى العداة لهم. فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزّور ويتقوّون عليه بطعمة الحرام! وكيف أنوّر صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربنى وينتهك محارمى! أم كيف تزكو عندى صدقاتهم وهم يتصدّقون بأموال غيرهم! إنما آجر عليها أهلها المغصوبين. أم كيف أستجيب لهم دعاءهم، وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد!. إنما أستجيب للداعى البرّ، وإنما أسمع قول المستعفّ المستكين. وإنّ من علامة رضاى رضا المساكين. فلو رحموا المساكين، وقرّبوا الضعفاء، وأنصفوا المظلوم، ونصروا المغصوب، وعدلوا للغائب، وأدّوا إلى اليتيم والأرملة والمسكين وكلّ ذى حقّ حقّه، ثم لو كان ينبغى لى أن أكلّم البشر إذا لكلّمتهم؛ وإذا لكنت نور أبصارهم، وسمع آذانهم، ومعقول قلوبهم؛ وإذا لدعمت أركانهم فكنت قوّة أيديهم وأرجلهم؛ وإذا لثبّتّ ألسنتهم وعقولهم.

стр. 4648

يقولون لمّا سمعوا كلامى وبلغتهم رسالاتى إنها أقاويل منقولة، وأحاديث متوارثة، وتآليف مما يؤلّف السّحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، وأن يطّلعوا على علم الغيب بما يوحى إليهم الشياطين لاطلعوا، وكلهم يستخفى بالذى يقول ويسرّه، وهم يعلمون أنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما يبدون وما يكتمون. وإنى قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء اثبتّه على نفسى وجعلت دونه أجلا مؤجّلا لابدّ أنه واقع، فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه، وفى أىّ زمان يكون. وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون فليأتوا بمثل القدرة التى بها أقضى؛ فإنّى مظهره على الّدين كله ولو كره المشركون. وإن كانوا يقدرون على أن يؤلّفوا ما يشاءون فليؤلّفوا مثل الحكمة التى أدبّر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين. فإنّى قضيت يوم خلقت السموات والأرض أن أجعل النبوّة فى الأجراء «١» ، وأجعل الملك فى الرّعاء، والعزّ فى الأذلّاء، والقوّة فى الضعفاء، والغنى فى الفقراء، والثروة فى الأقلّاء، والمدائن فى الفلوات، والآجام «٢» فى المفاوز، والثّرى فى الغيطان، والعلم فى الجهلة، والحكم فى الأميّيّن. فسلهم متى هذا ومن القيّم به وعلى يدى من أسبّبه، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره. وإن كانوا يعلمون فإنى باعث لذلك نبيّا أمّيّا لا أعمى من العميان ولا ضالّا من الضالّين، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب فى الأسواق، ولا متزيّن بالفحش، ولا قوّال للخنا، أسدّده لكل جميل، وأهب له كلّ خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبرّ شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحقّ شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملّته، أحمد اسمه، أهدى به بعد الضّلالة، وأعلّم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأشهّر

стр. 4649

به بعد النّكرة، وأكثّر به بعد القلّة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة؛ وأؤلّف به قلوبا مختلفة، وأهواء متشتّتة، وأمما متفرّقة، وأجعل أمّته خير أمّة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إيمانا بى، وتوحيدا لى، وإخلاصا بى «١» ، يصلّون قياما وقعودا، وركّعا وسجودا، ويقاتلون فى سببلى صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضوانى [ألوفا «٢» ] . ألهمهم التكبير والتوحيد، والتسبيح والتحميد، فى مجالسهم ومسيرهم ومضاجعهم ومتقلّبهم ومثواهم؛ يكبّرون ويهلّلون ويقدّسون على رءوس الأشراف، ويطهّرون لى الوجوه والأطراف، ويعقدون الثياب إلى الأنصاف؛ قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم؛ رهبان بالليل، ليوث بالنهار. ذلك فضلى أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. قال: فلمّا فرغ نبيّهم شعيا من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فانفلقت له شجرة فدخل فيها، فأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إيّاها، فوضعوا المنشار فى وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه فى وسطها. ذكر قصة إرميا ﵇ قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: استخلف الله تعالى على بنى إسرائيل بعد قتلهم شعيا ﵇ رجلا منهم يقال له «ناشية بن آموص» ، وبعث لهم الخضر نبيّا. قال: واسم سمّى الخضر إرميا بن حلقيّا، وكان من سبط هارون ابن عمران. قال: وإنما سمّى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهى تهتزّ «٣» خضراء. فقال الله لإرميا حين بعثه إلى بنى إسرائيل: يا إرميا، من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك فى بطن أمّك قدّستك، ومن

стр. 4650

قبل أن أخرجك من بطن أمّك طهّرتك، ومن قبل أن تبلغ السّعى نبّأتك، ولأمر عظيم اجتبيتك؛ فذكّر قومك نعمى، وعرّفهم أحداثهم، وادعهم إلىّ. وكانت الأحداث قد عظمت فى بنى إسرائيل فركبوا المعاصى واستحلّوا المحارم. فقال إرميا: إنى ضعيف إن لم تقوّنى، عاجز إن لم تنصرنى. فقال الله : أنا ألهمك. فقام إرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله خطبة طويلة بليغة، بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال فى آخرها: وإنى أحلف بعزّتى لأقيّضنّ لهم فتنة يتحيّر فيها الحكيم، ولأسلّطنّ عليهم جبّارا قاسيا قلبه، ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله تعالى إلى إرميا: إنّى مهلك بنى إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح. فلمّا سمع ذلك إرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرّماد على رأسه. فلمّا سمع الله تضرّعه وبكاءه ناداه: يا إرميا، أشقّ عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم يا ربّ، أهلكنى قبل أن أرى فى بنى إسرائيل ما لا أسرّ به. فقال الله : وعزّتى لا أهلك بنى إسرائيل حتى يكون الأمر فى ذلك من قبلك. ففرح بذلك إرميا وطابت نفسه وقال: لا والذى بعث موسى بالحقّ لا أرضى بهلاك بنى إسرائيل. ثم أتى الملك فأخبره بذلك، وكان ملكا صالحا، ففرح واستبشر وقال: إن يعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة، وإن عفا عنا فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحى ثلاث سنين لم يزدادوا إلّا معصية وتماديا فى الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكهم ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلّط الله عليهم بختنصّر فخرج فى ستمائة ألف رأية يريد بيت المقدس. فلمّا فصل «١» سائرا أتى الخبر الملك فقال لإرميا: أين ما زعمت أنّ الله أوحى إليك؟ فقال إرميا: إن الله عزّ وجلّ

стр. 4651

لا يخلف الميعاد وأنا به واثق. فلمّا قرب الأجل وعزم الله على هلاكهم بعث الله تعالى إلى إرميا ملكا فتمثّل له رجلا من بنى إسرائيل فقال له: يا نبىّ الله، أستفتيك فى أهل رحمى، وصلت أرحامهم ولم آت اليهم إلا حسنا، ولا يزيد إكرامى إيّاهم إلا إسخاطا لى، فأفتنى فيهم. فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه فى صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له إرميا: أو ما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟ فقال: يا نبىّ الله، والذى بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه إلا قدّمتها إليهم وأفضل. فقال له إرميا: ارجع إلى أهلك وأحسن إليهم، واسأل الله تعالى الذى أصلح عباده الصالحين أن يصلحهم. فقام الملك فمكث أيّاما وقد نزل بختنصّر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل وشقّ عليهم. فقال ملكهم لإرميا: يا نبىّ الله، أين ما وعدك الله؟ قال: إنى بربّى واثق. ثم أقبل الملك إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس وهو يضحك ويستبشر بنصر ربّه الذى وعده، فقعد بين يديه وقال له: أنا الذى أتيتك فى شأن أهلى مرّتين. فقال إرميا: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذى هم فيه؟ فقال الملك: يا نبىّ الله، كل شىء يصيبنى منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم فى عمل لا يرضى الله . فقال إرميا: على أىّ عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من سخط الله، فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك. وإنى أسألك بالله الذى بعثك بالحقّ إلّا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. قال إرميا: يا ملك السموات والأرض إن كانوا على حقّ وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فلمّا خرجت الكلمة من فم إرميا أرسل الله صاعقة من السماء فى بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها.

стр. 4652

فلمّا رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه ونبذ الرّماد على رأسه وقال: يا ملك السموات والأرض، أين ميعادك الذى وعدتنى! فنودى: إنه لم يصبهم الذى أصابهم إلّا بفتياك ودعائك. فاستيقن إرميا أنها فتياه، وأن ذلك السائل كان رسول ربه. فطار إرميا حتى خالط الوحوش. ودخل بخنتصّر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم وخرّب بيت المقدس؛ ثم أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه فى بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملئوه؛ ثم أمرهم أن يجمعوا من كان فى بلدان بيت المقدس كلّهم، فجمعوا عنده كل صغير وكبير من بنى إسرائيل، فاختار منهم مائة ألف صبىّ، وقيل سبعين ألف صبىّ. فلمّا خرجت غنائم جنده لتقسم قال له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمها كلها، فآقسم بيننا هؤلاء الصّبيان الذين اخترتهم من بنى إسرائيل، ففعل ذلك، فأصاب كلّ رجل منهم أربعة غلمة. وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل «١» ، وسبعة آلاف من أهل بيت داود ﵇، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف ابن يعقوب، وأخيه بنيامين ﵇، وثمانية آلاف من سبط أشرس «٢» بن يعقوب، وأربعة عشر ألفا من سبط ريالون «٣» بن يعقوب ونفتالى «٤» بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل «٥» ولاوى ابنى يعقوب، ومن بقى من بنى إسرائيل.

стр. 4653

قال: وجعل بختنصّر من بقى «١» من بنى إسرائيل ثلاث فرق، فثلثا أقرّ بالشام، وثلثا سبى، وثلثا قتل. وذهب بآنية بيت المقدّس وسلب حليّة حتى أقدم ذلك بابل، فكان على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلىّ. فذلك قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً* فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعنى بختنصّر وأصحابه فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا «٢» فهذه الواقعة الأولى التى أنزلها الله ببنى إسرائيل لاختلافهم وظلمهم. ولنصل هذا الفصل بخبر بختنصّر. ذكر خبر بختنصر وابتداء أمره وكيف ملك يقال فى اسمه: بختنصّر (بتشديد الصاد وإسكانها) ويقال فيه: بختناصر «٣» . وقد اختلف فى أمره، فقال قوم: إنه ملك الدنيا أجمع. وقال آخرون: بل ملك بابل وما افتتحه. وقال قوم: إنما كان مرزبانا للهراسف الفارسىّ. وقال قوم: كان أصله من أبناء الملوك، وقيل: بل كان من الفقراء. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما نقف عليه من ذلك. فمن ذلك ما رواه أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسير قوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ.. الآيات بسند رفعه إلى سعيد بن جبير قال: كان رجل من بنى إسرائيل يقرأ التوراة، حتى إذا بلغ «بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد» بكى وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف وقال: أى ربّ أرنى هذا الرجل الذى جعلت هلاك بنى إسرائيل على يديه؛ فأرى

стр. 4654

فى المنام مسكين ببابل يقال له بختنصّر، فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلا موسرا. فقيل له: أين تريد؟ قال: أريد التجارة. فسار حتى نزل بابل، فنزل دارا فاكتراها، ليس فيها أحد غيره، فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه. فقال: هل بقى مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفجّ آل فلان مريض يقال له بختنصّر. فقال لغلمته: انطلقوا بنا، فانطلق حتى أتاه فقال له: ما اسمك؟ قال بختنصّر. فقال لغلمته: احتملوه، فنقله إليه فمرّضه حتى برئ، فكساه وأعطاه نفقة، ثم آذن الإسرائيلىّ بالرحيل، فبكى بختنصّر. فقال له الإسرائيلىّ: ما يبكيك؟ قال: أبكى أنك فعلت بى ما فعلت، ولا أجد شيئا أجزيك به. قال: بلى، شيئا يسيرا. فقال له: وما هو؟ قال: إن ملّكت أطعتنى. فجعل يتبعه ويقول: تستهزئ بى! ولا يمنعه من أن يعطيه ما سأله إلّا أنه يرى أنه يستهزئ به. فبكى الإسرائيلى وقال: لقد علمت ما يمنعك مما سألتك إلّا أنّ الله تعالى يريد أن ينفّذ ما قد أمضى وكتب فى كتابه. قال: وضرب الدهر ضربانه «١» فقال صيحون «٢» وهو ملك فارس ببابل: لو أنّا بعثنا طليعة إلى الشام؟ قالوا: وما ضرّك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف فارس، وخرج بختنصّر فى مطبخه لا يخرج إلا ليأكل من مطبخه [ويعيش منه «٣» ] . فلمّا قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر خلق الله فرسانا ورجالا، فكسر ذلك فى ذرعه فلم يسأل. فجعل بختنصّر يجلس فى مجالس

стр. 4655

أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل! فلو غزوتموها فما دون بيت ما لها شىء. قالوا: لا نحسن القتال ولا نقاتل، حتى انتفذ مجالس أهل الشام. ثم رجع أمير الطليعة فأخبر الملك بما رأى. وجعل بختنصّر يقول لفوارس الملك: لو دعانى الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان. فرفع ذلك إلى الملك فدعاه، فقال: إنّ فلان لمّا رأى أكثر أرض الله كراعا «١» ورجالا كسر ذلك فى ذرعه ولم يسألهم عن شىء، وإننى لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله فقلت لهم كذا وكذا، فقالوا لى كذا وكذا. فقال صاحب الطليعة لبختنصّر: بصحبتى لك مائة ألف دينار وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتنى بيت مال بابل ما نزعت. فضرب الدهر ضربانه فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل الى الشام، فإن وجدوا مساغا ساغوا وإلّا استبلوا ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرّك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. قال: بل الرجل الذى أخبرنى بما أخبرنى. فدعا بختنصّر وأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاء الله ولم يخرّبوا ولم يقتلوا. ومات صيحون الملك، فقالوا: استخلفوا رجلا. فقالوا: على رسلكم حتى يأتى أصحابكم فإنهم فرسانكم. فأمهلوا [وأخرّوا «٢» ذلك] حتى جاء بختنصّر بالسّبى وما معه، فقسم ذلك فى الناس. فقالوا: ما رأينا أحدا أحقّ بالملك من هذا فملّكوه. قال: وقال السّدّىّ بإسناده: إنّ رجلا من بنى إسرائيل رأى فى المنام أنّ خراب بيت المقدس وهلاك بنى إسرائيل على يدى غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصّر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم. فأقبل فسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب. فلمّا جاء وعلى رأسه الحطب ألقى الحزمة ثم قعد فى جانب

стр. 4656

من البيت، فكلّمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم وقال: اشتر بهذه طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما، وبدرهم خبزا، وبدرهم خمرا؛ فأكلوا وشربوا، حتى إذا كان اليوم الثانى فعل به كذلك؛ وفى اليوم الثالث كذلك. ثم قال: إنى أحبّ أن تكتب لى أمانا إن أنت ملّكت يوما من الدهر. قال: تسخّر منّى؟ قال: إنى لا أسخر منك، ولكن ما عليك أن تتّخذها عندى يدا! فكلّمته أمّه فقالت: ما عليك إن كان، وإلّا لم ينقصك شيئا، فكتب له أمانا. فقال له: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بينى وبينك فاجعل لى آية تعرفنى بها. قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها، فكساه وأعطاه. ثم إنّ ملك بنى إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ﵉ ويدنى مجلسه ويستشيره فى أمره ولا يقطع أمرا دونه، وإنه هوى أن يتزوّج بنت امرأته. - قال وقيل: كانت بنت أخيه، قال الثعلبىّ: وهو الأصحّ «١» إن شاء الله- فسأله عن ذلك، فنهاه عن نكاحها وقال: لن أرضاها لك. فبلغ ذلك أمّها فحقدت على يحيى ﵇ حين نهاه أن يتزوّج بنتها، فعمدت أمّ الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمراء وطيبّتها وألبستها من الحلىّ، وألبستها فوق ذلك كساء أسود وأرسلتها الى الملك، وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرّض إليه، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا فى طست، ففعلت. فلمّا أخذ منه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطينى ما أسألك. قال: ما تسألينى؟ قالت: أسألك

стр. 4657

أن تبعث إلى يحيى بن زكريّا فتؤتى برأسه فى طست. فقال: ويحك! سلينى غير هذا. قالت: ما أريد إلّا هذا. فلمّا أبت عليه بعث إليه فأتى برأسه، والرأس يتكلّم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا يحلّ لك. فلمّا أصبح إذا دمه يغلى، فأمر بتراب فألقى عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلى، فألقى عليه أيضا فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو فى ذلك يغلى. فبلغ صيحون ملك بابل ذلك فنادى فى الناس، وأراد أنّ يبعث إليهم جيشا [ويؤمّر عليهم رجلا «١» ] . فأتاه بختنصّر فكلّمه وقال: إنّ الذى كنت أرسلت تلك المرّة ضعيف، وإنّى قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهليها [فابعثنى «٢» ] فبعثه. فسار بختنصّر، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصّنوا منه فى مدائنهم فلم يطقهم. فلمّا اشتدّ عليه المقام وجاع أصحابه وأرادوا الرجوع خرجت امرأة عجوز من عجائز بنى إسرائيل فقالت: أين أمير الجند؟ فأتى بها إليه. فقالت: إنه بلغنى أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، قد طال مقامى وجاع أصحابى، فلست أستطيع المقام فوق الذى كان منّى. فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطينى ما أسألك، فتقتل من أمرتك بقتله، وتكفّ إذا أمرتك أن تكفّ؟ فقال لها نعم. قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم اجعل فى كل زاوية ربعا، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنّا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريّا، فإنها سوف تسّاقط، ففعلوا؛ فتساقطت المدينة فدخلوا من جوانبها. فقالت: كفّ يدك واقتل على هذا الدم حتى يسكن، وانطلقت به الى دم يحيى بن زكريّا، وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألفا. فلمّا سكن الدم قالت له: كفّ يدك فإنّ الله تعالى إذا قتل نبىّ لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضى قتله. وأتاه

стр. 4658

صاحب الصحيفة بصحيفته فكفّ عنه وعن أهل بيته، وخرّب بيت المقدس وأمر أن تطرح الجيف فيه، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة. قال: وأعانه الروم على خرابه من أجل أنّ بنى إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. قال: فلمّا خرّبه بختنصّر ذهب معه بوجوه بنى إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت الملك، فلمّا قدم وجد صيحون ملك بابل قد مات فملّك مكانه. ذكر خبر بختنصّر مع دانيال قال: ولمّا سار بختنصّر إلى بابل وملّك بعد موت الملك كان معه دانيال، وكان أكرم الناس عليه هو وأصحابه، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إنّ دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم فسألهم؛ فقالوا: أجل، إنّ لنا ربّا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم. فأمر أن يخدّ» لهم أخدود فخدّ لهم وألقوا فيه وهم ستّة، وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم، ثم قال: اذهبوا بنا لنأكل ونشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم عادوا فوجدوهم سبعة والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدا. فقالوا: ما بال هذا السابع إنما كانوا ستّة! فخرج السابع إلى بختنصّر، وكان ملكا من الملائكة، فلطمه لطمة فصار من الوحش [ومسخه «٢» الله] سبع سنين، [ثم ردّه الله الى صورته وردّ عليه ملكه «٣» ] . هذا ما حكاه السّدىّ. وروى الثعلبىّ بسنده إلى وهب قال: لمّا سار بختنصّر الى بابل وملّك بعد موت ملكها واستتبّ أمره لبث على ذلك مدّة، ثم رأى رؤيا عجيبة فأفزعته وسأل عنها الكهنة والسحرة فعجزوا عن تعبيرها. فبلغ ذلك دانيال وكان فى السجن

стр. 4659

مع أصحابه وقد أحبّه صاحب السجن وأعجب به لمّا رأى من حسن سمته. فقال له دانيال: إنك قد أحسنت إلىّ، وإنّ صاحبكم قد رأى رؤيا، فدلّه علىّ لأعبرّها له. فجاء السجّان فأخبر بختنصّر بقصّة دانيال، فاستدعاه فجاء إليه. وكان من عادة من حضر بين يدى الملك أن يسجد له، فلما أتوا بدانيال قام بين يديه ولم يسجد له. فقال: ما الذى منعك من السجود؟ فقال: إن لى ربّا آتانى العلم والحكمة وأمرنى ألّا أسجد لغيره، فخشيت إن سجدت لغيره أن ينزع منّى الحكمة والعلم ويهلكنى. فأعجب به وقال: نعم ما فعلت حيث وفّيت بعهده، وأجللت علمه؛ ثم قال: هل عندك علم هذه الرؤيا؟ قال: نعم وأبشر، فأخبره برؤيا قبل أن يخبره الملك بها، وعبّرها له. قال الثعلبىّ: وكانت الرؤيا على ما أخبرنا به عبد الله بن حامد فى إسناده عن وهب بن منبّه قال: إنّ بختنصّر رأى فى آخر زمانه صنما رأسه من ذهب، وصدره من فضّة، وبطنه من نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه من فخّار، ثم رأى حجرا من السماء وقع عليه فدقّه، ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها فى الأرض وفرعها فى السماء، ثم رأى عليها رجلا بيده فأس وسمع مناديا ينادى: اضرب جذعها ليتفرّق الطير من فروعها، وتتفرّق الدوابّ والسباع من تحتها، واترك أصلها قائما. فعبّرها دانيال ﵇ له فقال: أمّا الصنم الذى رأيت، فأنت الرأس وأنت أفضل الملوك. وأما الصدر الذى من فضة فابنك يملك من بعدك. وأما البطن الذى رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك. وأما ما رأيت من الفخذين من حديد فيتفرّق الناس فرقتين فى فارس يكون أشدّ الملوك. وأما الفخّار فآخر ملكهم يكون دون الحديد. وأما الحجر الذى رأيته قد ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبىّ يبعثه الله تعالى فى آخر الزمان فيفرّق ملكهم كلّه، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب.

стр. 4660

وأما الشجرة التى رأيت والطير التى عليها والسّباع والدوابّ التى تحتها وما أمر بقطعها، فيذهب ملكك ويردّك الله طائرا تكون نسرا ملك الطير، ثم يردّك الله ثورا ملك الدوّاب، ثم يردّك الله أسدا ملك السباع والوحش سبع سنين، وفى كل ذلك قلبك قلب إنسان، حتى تعلم أنّ الله له ملك السموات والأرض، يقدر على الأرض ومن عليها، وكما رأيت أصلها قائما فإن ملكك قائم. قال: فمسخ بختنصّر نسرا فى الطيور، وثورا فى الدوّاب، وأسدا فى السباع، فكان مسخه كله سبع سنين، ثم ردّ الله تعالى إليه ملكه، فآمن ودعا الناس إلى الله تعالى. قال: وسئل وهب بن منبّه: أكان بختنصّر مؤمنا؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: مات مؤمنا، ومنهم من قال: مات كافرا؛ لأنه حرّق بيت المقدس وكتب الله وقتل الأنبياء، فغضب الله تعالى عليه ولم يقبل توبته. قالوا: فلمّا عبّر دانيال لبختنصّر رؤياه أكرمه وصحبه واستشاره فى أموره وقرّبه منه حتى كان أكرم الناس عليه وأحبّهم إليه، فحسده المجوس على ذلك ووشوا به وبأصحابه الى بختنصّر فقالوا: إنّ دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم وسألهم فقالوا: إنّ لنا ربّا نعبده ولسنا نأكل من ذبائحكم. فأمر بختنصّر بأخدود، فخدّ لهم وألقوا فيه، وهم ستّة، وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم، ثم قالوا: انطلقوا لنأكل ونشرب، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحدا ولم ينكأهم «١» بشىء، ووجدوا معهم رجلا فعدوّهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع وإنما
следующие страницы →