Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
فلما رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشّار. والله أعلم.
قالوا: فلما أمسى هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس ﵇ فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عزوجل ففعل ذلك، فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذّبان. واختلف العلماء فى كيفيّة عذابهما فقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه:
هما معلّقان بشعورهما إلى قيام الساعة. وقال قتادة: كبّلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما. وقال مجاهد: إن جبّا ملئ نارا فجعلا فيه. قال حصيف: معلّقان منكّسان فى السلاسل. وقال عمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد.
وروى أنّ رجلا أراد تعلم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلّقين بأرجلهما، مزرقّة أعينهما، مسودّة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلّا قدر أربع أصابع، وهما يعذّبان بالعطش، فلمّا رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، وقد نهى عن ذكر الله هناك. فلمّا سمعا كلامه قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالا: من أىّ أمة أنت؟ قال: من أمة محمد ﷺ . قالا:
وقد بعث؟ قال نعم. قالا: الحمد لله! وقد أظهرا الاستبشار. فقال الرجل: وممّ استبشاركما؟ قالا: إنه نبىّ الساعة. وقد دنا انقضاء عذابنا.
стр. 4902
قال: وأمّا كيفية تعلّم السحر، فقد روى فيه خبر جامع، وهو ما رواه أبو إسحاق بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: قدمت علىّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغى رسول الله ﷺ بعد موته تسأله عن شىء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة رضى الله عنها لعروة: يابن أختى، فرأيتها تبكى حين لم تجد رسول الله ﷺ ، فكانت تبكى حتى إنى لأرحمها! تقول: إنى أخاف أن أكون قد هلكت؛ قالت: كان لى زوج فغاب عنّى فدخلت علىّ عجوز فشكوت ذلك إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك به فلعلّه يأتيك، فلمّا كان الليل جاءتنى بكبشين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما فقالا:
ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر، قالا: إنما نحن فتنة فلا تكفرى وارجعى، فأبيت فقلت: لا، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما فقالا: فعلت؟ قلت نعم، قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت:
لم أرشيئا، فقالا: لم تفعلى، إرجعى إلى بلادك فلا تكفرى، قالت: فأبيت، فقالا:
إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت فاقشعرّ جلدى فرجعت إليهما فقلت:
قد فعلت، فقالا: هل رأيت شيئا؟ فقلت: لم أرشيئا، فقالا: كذبت لم تفعلى، إرجعى إلى بلادك فلا تكفرى فإنك على رأس أمرك؛ قالت: فأبيت، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت إليه فبلت فرأيت فارسا مقنّعا بحديد خرج منّى حتى ذهب فى السماء وغاب عنّى حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت؛ قالا:
فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنّعا بالحديد خرج منّى حتى ذهب فى السماء حتى ما أراه، قالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك؛ اذهبى. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا، وما قالا لى شيئا. فقالت: لن تريدى شيئا إلا كان؛ خذى هذا القمح فابذرى،
стр. 4903
فبذرت، قلت: أطلعى، فأطلعت «١» ، فقلت، أحقلى، فأحقلت «٢» ، ثم قلت: أفركى «٣» ، فأفركت، ثم قلت: أطحنى، فأطحنت، ثم قلت: أخبزى، فأخبزت. فلما رأيت أنى لا أريد شيئا إلا كان، سقط فى يدى وندمت. والله يا أمّ المؤمنين ما فعلت شيئا قطّ، ولا أفعله أبدا.
قال: وقال بعضهم: إنهما لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، فيتعلّم الشقىّ منهما فى خلال صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما، فلا يكون على هذا التأويل كفرا وإنما يكون العمل به كفرا. وقد أنكر بعضهم أن يكونا ملكين قال: وإنما كانا ملكين. وقرئ فى الشواذّ: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)
(بكسر اللام) . وقيل: كانا علجين ببابل «٤» . حكاه القاضى عياض فى كتاب الشفا «٥» . والله تعالى أعلم.
ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك .
قال: وعديم أوّل من صلب «٦» ؛ وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات، وكان لها زوج من أصحابه، فأمر
стр. 4904
بصلبهما على منارتين، وجعل ظهر كلّ منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنارتين اسمهما وما فعلاه وتاريخ الوقت الذى عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزنا.
قال: وبنى أربع مدائن وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطّلّسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزا كثيرة. وعمل فى الشرق منارا وأقام على رأسه صنما «١» موجّها إلى الشرق، مادّا يديه يمنع دوابّ البحر والرمال أن تتجاوز حدّه، وزبر فى صدره تاريخ الوقت الذى نصبه فيه؛ ويقال: إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا؛ ولو لاه لغلب الماء المالح من البحر الشرقىّ على أرض مصر. وعمل قنطرة على النيل فى أوّل بلاد النوبة ونصب عليها أربعة أصنام موجّهة [إلى أربع جهات الدنيا «٢» ] فى يدى كل صنم جرس يضرب به إذا أتاهم آت من تلك الناحية؛ فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى. وهو الذى عمل البربا على باب النوبة، ويقال:
إنه عمل فى إحدى المدائن الأربع التى ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء لا ينقص على طول الدهر ولا يتغيّر؛ وكان أهل تلك الناحية يشربون منه ولا ينقص ماؤه؛ وإنما عمل ذلك لبعدهم عن النيل وقربهم من البحر لمالح. وقد ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك لقربهم من البحر المالح، لأن الشمس فيما ذكروا ترفع بحرّها بخارا فيحصل من ذلك البخار حرّ بالهندسة، وقيل بالسحر. وملكهم عديم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبعمائة سنة وثلاثين سنة. وقيل:
إنه دفن فى إحدى المدائن ذات العجائب فى أزج من رخام ملوّن بزرقة، مبطّن برخام أصفر، وطلى جسده بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك وسط المدينة، فهى محروسة بما يمنع منها من الروحانيّين.
стр. 4905
قال: وذكر بعض القبط أنّ عديما هذا عمل لنفسه فى صحراء قفط على وجه الأرض قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقودة على ثمانية آزاج من صنفها، على رأسها أكرة من ذهب، عليها طائر من ذهب، متوشّح بجوهر، منشور الجناحين، يمنع من الدخول إليها، وقطرها مائة ذراع فى مثلها، وجعل جسده فى وسطها على سرير من ذهب مشبّك وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بذهب مغروزة بجوهر منظوم؛ والآزاج مفتحة، طول كل أزج ثمانية أذرع، وارتفاع القبّة أربعون ذراعا تلقى الشعاع على ما حولها من الأرض، وجعل حوله فى القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها، منها: مائدة من أدرك رمّانىّ أحمر وآنيتها منها. ومائدة من ذهب فيلمونى «١» يخطف البصر، وهو من الذهب الذى تعمل منه تيجان الحكماء، وآنيتها منها. ومائدة من حجر الشمس المضئ بآنيتها. ومائدة من الزبرجد المخروط الذى يخالطه شعاع أصفر بآنيتها، قال: وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعى سالت عيونها. ومائدة من كبريت أحمر ومدبّر بآنيتها.
ومائدة من ملح مدبّر برّاق يكاد نوره يخطف الأبصار بآنيتها. ومائدة من زئبق معقود وقوائمها وحافاتها من زئبق أصفر معقود مضىء، وعليها آنية من زئبق أحمر معقود.
وجعل فى القبّة جواهر كثيرة ملوّنة وبرانىّ صنعة مدبّرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية وأتراس من حديد أبيض مدبّر، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب، [عليها سروج من ذهب «٢» ] وسبعة توابيت من الدنانير التى ضربها وصوّر عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية فى برانىّ الحنتم «٣» ، ومن أصناف الأحجار شىء كثير.
стр. 4906
قال: وقد ذكر من رأى تلك القبة وأقاموا عليها أياما فما قدروا على الوصول إليها، وأنهم إذا قصدوها وكانوا منها على مقدار ثمانية أذرع دارت القبّة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا ما فيها. ومن أعجب ما ذكروا أنهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون غير الصورة التى يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنهم رأوا وجهه فى قدر ذراع ونصف بالذراع الكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدّروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة، وأنهم لمّا تهيأ أن يصلوا إليها فنى ماؤهم وخافوا على أنفسهم فرجعوا ليمتاروا ما يكفيهم من الزاد ففعلوا، ثم رجعوا فأقاموا أياما يطوفون تلك الصحراء، ثم أخبروا أنهم رأوا بها عجائب كثيرة وصنوفا من الوحش لم يروا مثلها.
قال: وفى كتبهم أنهم لا يصلون إليها إلا بأن يذبح لها ديك أفرق ويبخّر بريشه من بعد، ثم يسأل من المرّيخ الوصول حتى يصل، وتكون الكواكب النيّرة على مثل ما كانت عليه وقت نصبها من اجتماعها فى البروج: يكون زحل والمشترى والمرّيخ فى برج واحد، والشمس والقمر فى برج واحد، والزّهرة وعطارد فى برج واحد، ويتكلّم عليها بصلاة الكهنة سبع مرّات، فإذا وصل إليها لطّخ حائطها بدم الديك الذى قرّبه لها ويأخذ ما شاء من المال والتماثيل ولا يكثر المقام فيها ولا يقيم غير ساعة واحدة.
قال: وذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم لم يكونوا من تلك الناحية وإنما خرجوا يطلبون غيرها؛ فإنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا من يعرفها ولا رآها غير رجل شيخ منهم، فإنه ذكر أن ابناله خرج فى بعض الأمور ومعه جمل له فرآها ولم يصل إليها، وبحث عن أمرها فعرف أن قوما من الشرق جاءوا فى طلبها وأنهم أقاموا يطوفون بقفط أياما وخرجوا إليها فما رجع أحد منهم ولا عرف لهم خبر.
стр. 4907
قال: وكان عديم قد أوصى إلى ابنه شدّاث عند موته أن ينصب فى كل حيّز من أحياز عمومته منارا ويزبر عليه اسمه، فانحدر إلى الأشمونين فعمل منارا وزبر عليه اسمه وعمل بها ملاعب، وعمل فى صحرائها منارا وأقام عليه صنما ذا رأسين باسم كوكبين كانا مقترنين فى الوقت «١» . وخرج إلى أتريب وبنى فيها قبّة عظيمة مرتفعة «٢» على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وجعل على رأسها صنما صغيرا من ذهب، وعمل هيكلا للكواكب. وكان أبوه البودسير أوّل من أقام للكواكب فأخذ ذلك عنه. ومضى إلى حيّز صا فعمل فيه منارا على رأسه مرآة من أخلاط تورى الأقاليم، ورجع إلى أبيه فعهد له بالملك.
فملك شدّاث «٣» بن عديم وهو الذى بنى الأهرام الدهشوريّة من الحجارة التى قطعت فى زمان أبيه. قال: من أنكر أن يكون العاديّة دخلوا مصر إنما غلطوا باسم شدّاث بن عديم فقالوا شدّاد بن عاد لأنه أكثر ما يجرى على ألسنتهم، وقلة ما يجرى على ألسنتهم شدّاث بن عديم؛ وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوى على أهلها غير بخت نصّر. وشدّاث الذى عمل مصاحف النار نجيّات «٤» ، وعمل هيكل أرمنت «٥» وأقام فيه أصناما بأسماء «٦» الكواكب من ذهب وفضة وحديد أبيض ونحاس
стр. 4908
مذهب ورصاص مصفّى وزئبق معقود. وهذه الأجساد المعدنيّة فى طباع الكواكب وفى قسمتها. فلما فرغ منه زيّنه بأحسن زينة ونقشه بأحسن النقوش من الجواهر الملوّنة والزجاج المعمول الملوّن وكساه الوشى والديباج ولم يترك شيئا من التحف إلا عمله، وكذلك عمل فى المدن الداخلة من أنصنا «١» هيكلا، والقبّة التى أقامها بأتريب «٢» وهيكلا شرقىّ الإسكندرية، وأقام لزحل صنما من صوّان أسود على عبر النيل من الجانب الغربىّ. وبنى شدّاث من الجانب الشرقىّ مدائن وجعل فيها صورة صنم قائم له إحليل إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر فمسّه بكلتا يديه أزال عنه ذلك وانتشر وقوى على الباه، وجعل فى إحداها بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحتهما المرأة التى انعقد لبنها درّ وصلح أمرها.
وفى أيامه بنيت قوص «٣» العالية، بناها لابن له كان سخط على أمّه فحوّلها إليها وأسكن معها قوما من أهل الحكمة وأهل الصناعات. وقيل: إن شطب «٤» بنيت فى أيامه؛ وعمل الصورتين الملتصقتين لكثرة النسل. وكانت الحبش والسودان عاثوا فى بلده فأخرج لهم ابنه منقاوش فى جيش عظيم فقتل منهم وسبى واستعبد الذين سباهم وصار ذلك سنّة لهم، واقتطع معدن الذهب من أرضهم وأقام ذلك
стр. 4909
السبى يعملون فيه ويحملون الذهب إليه؛ وهو أوّل من أحبّ الصيد واتخذ الجوارح، وولّد الكلاب السلوقيّة من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل البيطرة وما تعالج به الدوابّ، وعمل من العجائب والطلّسمات لكل فنّ ما لا يحصى كثرة، وجمع التماسيح، بطلّسم عمله لها، إلى بركة بناحية أسيوط فكانت تنصبّ إليها من النيل انصبابا فتقتلها، وتستعمل جلودها فى السفن وغيرها، وتستعمل لحومها فى الأدوية والعقاقير المؤلّفة. قال: وبعض القبط يحكى أنه عمل بمصر اثنتى عشرة ألف أعجوبة وطلّسما، ولم يعمل فى بلد كما عمل فيها ولا تهيّأ لأهله ما تهيّأ لهم من ذلك.
قال: وأقام شدّاث فى الملك تسعين سنة وخرج يطرد «١» فأكبّ فرسه فى وهدة فقتله. وفى بعض كتبهم: أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه فى أمر من الأمور، فأمر بطرحه من أعلى الجبل إلى أسفل فطرح فتقطّع جسده، وندم على فعله ذلك فرأى فى منامه أنه سيصيبه مثل ذلك فكان يتوقّاه، وآلى على نفسه ألا يعلو جبلا، وأوصى إن أصابه شىء أن يجعل ناووسه فى الموضع الذى يلحقه فيه ما يلحقه، ويزبر عليه: ليس ينبغى لذى القدرة أن يخرج عن الواجب ويفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شدّاث بن عديم بن قفطريم الملك، عمل ما لا يحلّ له فكوفئ عليه بمثله.
قال: ولمّا هلك عمل له سرب فى سفح الجبل فيه قبّة على مجلس قد صفّح بالفضّة وجعل فيه على سرير ملكه، وجعل معه من الأموال والجواهر والتماثيل وأصناف الحكم والمصاحف شىء كثير. وكان له أربعمائة وأربعون سنة.
وملك بعده ابنه منقاوش «٢» بن شدّاث؛ فملك بحزم وحنكة وأظهر مصاحف الحكم وأمر بالنظر فيها، وأن ينسخ منها لهم بخطّ العامّة ليفهموها، وردّ الكهنة إلى
стр. 4910
مراتبهم. وهو أوّل من عمل له الحمّام من ملوك مصر. وكان كثير النكاح؛ تزوّج عدّة نساء من بنات عمه وبنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكانا بجميع ما يصلحه من البنيان العجيب والصور المتقنة والغروس الحسنة والآلات العجيبة، وأسكنهنّ فيها. وقد قال بعض أهل الأثر: إنه الذى بنى منف لبناته وكنّ ثلاثين بنتا ونقلهنّ إليها، وعمل مدنا غيرها ومصانع، وعمل هيكلا لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلّسمات كثيرة وعجائب أغرب فيها بفضل حكمة أبيه وجدّه، وعمل فى السنة اثنى عشر عيدا لكل شهر عيد يعمل فيه من الأعمال ما كان موافقا لبرج ذلك الشهر؛ وكان يطعم الناس فى تلك الأعياد ويوسّع عليهم، ففرح الناس به ورأوا معه ما لم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد، وألزم أصحاب الكيمياء العمل فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا؛ فاجتمع عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج نفيس مسبوك وغير ذلك، فأحبّ كنزه فدعا أخاله فقال له: قد ترى كثرة هذا الذهب والجوهر، وما عمل من هذه التماثيل الكثيرة، ولست آمن أن يتسامع بنا الملوك فيغزونا من أجله، فأمعن فى أرض الغرب ثم انظر مكانا حريزا خفىّ الأثر ثم أحرزه فيه ثم استره بعلامات واكتب صفة المكان وطريقه وعلامته. قال: ويقول أهل الأثر: إنه حمل معه اثنتى عشرة ألف عجلة، منها من الجوهر ثلاثمائة عجلة، وسائرها من الذهب الإبريز الصفائح والمضروب، ومن آلات الملوك وطرائفهم وسلاحهم وأوانيهم؛ فسار فى الجنوب يوما ثم أخذ مغرّبا اليوم الثانى وبعض الثالث، فانتهى إلى جبل أسود منيف ليس له مصعد بين جبال مستديرة حوله، فعمل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغاور ودفن فيها ما كان معه وردمها وزبر عليها ورجع؛ فمكث أربع سنين يبعث كل سنة عجلا عظيمة تدفن فى نواح شتّى.
стр. 4911
وهو الذى عمل فى أنديمس المدينة بيتا تدور به تماثيل لجميع العلل، وكتب على رأس كل تمثال ما يصلح له من العلاج، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك ضنّا بالحكمة. وعمل فى هذه المدينة صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همّه ونسيه؛ وكان الناس يأتونها ويطوفون حولها ثم عبدوها من بعد. وعمل تمثالا روحانيّا من صفر مذهب بجناحين لا يمرّ به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده، وكان الناس يمتحنون به فامتنعوا من الزنا فرقا منه، واستمرّ كذلك إلى زمن كلكمن الملك؛ وذلك أن بعض نسائه، وكانت حظية عنده، عشقت رجلا من خدم الملك وخافت أن ينتهى إليه خبرها فيمتحنها بذلك الصنم فيقتلها، فاحتالت لذلك فخلا بها الملك فى بعض الليال، وهما يشربان، فأخذت فى ذكر الزوانى وجعلت تسبهنّ وتذمهنّ، فذكر الملك ذلك الصنم وما فيه من المنافع للناس، وما يستحقّ من عمله من الثناء والذكر الجميل؛ فقالت المرأة:
إنه كذلك وقد صدق الملك، غير أن منقاوش لم يصب الرأى فى أمره؛ قال الملك:
وكيف قلت ذلك؟ قالت: لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح العامّة دون نفسه، وهذا أكبر العجز؛ وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب فى دار الملك حيث تكون نساؤه وجواريه، فإن اقترفت إحداهنّ ذنبا علم بها فيكون رادعا لهنّ متى عرض بقلوبهنّ شىء من الشهوة؛ لأن شهواتهنّ أغلب وأكثر من شهوات الرجال؛ ولو حدث- وأعوذ بسعد الله الأعلى- فى دار الملك شىء من هذا فأحبّ امتحانه فضح نفسه وشاع فى الخاصّ والعامّ أمره، وإن عاقب بغير أمر يتحققه كان متعدّيا آثما، وإن لم يمتحنه صبر على المكروه. قال الملك: صدقت، فكيف الوجه فى هذا الأمر؟ قالت: يأمر الملك بنزع هذا الصنم من مكانه ونقله إلى داره ففعل فبطل عمله، وامتحن فلم يصنع شيئا، فعملت المرأة ما كانت همت به وانهمكت فيه.
стр. 4912
قال: ويقال: إن منقاوش بنى هيكلا للسحرة على جبل القصير وقدّم عليه رجلا منهم يقال له مسّيس، فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلّا بضريبة يأخذونها منهم للملك. وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التخاييل «١» العجيبة، فيجتمع الناس إليهم ويعجبون من أعمالهم، وأمر أن يبنى لهم هيكل للعبادة يكون لهم خصوصا، وجعل فيه قبّة فيها صورة الشمس والكواكب، وجعل حولها أصناما وعجائب، وكان الملك يركب إليه ويقيم سبعة أيام، وجعل فيه عمودين زبر عليهما تاريخ الوقت الذى عمل فيه، وهما بعين شمس، ونقل منقاوش إلى عين شمس كنوزا وجواهر وطلّسمات وعقاقير وعجائب ودفنها بها وبنواحيها.
قال: وكان منقاوش قسم خراج البلاد أرباعا: فربع منه للملك خاصة يعمل منه ما يريد، وربع لأرزاق خدمه، وربع ينفق فى مصالح الأرض وما يحتاج إليه من حفر ترعها وعمل جسورها وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث وحاجة تنزل. وكان خراج البلد فى ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف دينار.
وهو مقسوم على مائة وثلاث كور بعدّة الآلاف. وأقام ملكا إحدى وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل: من سمّ جعل له فى طعامه، وعمل له ناووس فى صحراء المغرب، وقيل: فى غربىّ قوص؛ ودفن معه من مصاحف الحكمة والصنعة المعمولة وتماثيل الذهب والجوهر، ومن الذهب المضروب شىء كثير، ودفن معه روحانىّ الشمس من ذهب يلمع، وله جناحان من زبرجد، وصنم على صورة امرأته التى كانت أحظى نسائه عنده وكان يحبّها، فأمر أن تعمل صورتها
стр. 4913
فى هياكلهم جميعا، فعمل له تمثالها من ذهب بذؤابتين من ذهب أسود، وألبست حلّة من جواهر منظومة وجعلت جالسة على كرسىّ، فكانت تجعل بين يديه فى موضع تجلس فيه يتسلّى بذلك عنها، فدفنت معه عند رجليه.
وملك بعده ابنه مناوش بن منقاوش؛ ملك بوصيّة من أبيه، فطلب الحكمة على عادة أبيه واستخرج كتبها وأكرم أهلها، وبذل فيهم الجوائز وطلب الإغراب فى عمل العجائب، وكان كل واحد من ملوكهم يجهد جهده فى أن تعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله وتثبت فى كتبهم وتزبر على الحجارة فى تواريخهم.
قال: ومناوش هذا أوّل من عبد البقر من أهل مصر، وكان السبب فى ذلك أنه اعتلّ علّة يئس منه فيها، وأنه رأى فى منامه صورة روحانىّ عظيم يخاطبه ويقول له:
إنك لا يخرجك من علّتك إلا عبادة البقر لأن الطالع كان وقت حلولها بك فى صورة ثور بقرنين؛ ففعل ذلك، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلسا فى قصره وسقفه بقبّة مذهبة، فكان يبخّره ويطيّب موضعه، ووكّل به سادنا يقوم به ويكنس تحته، وكان يتعبّد له سرّا من أهل مملكته، فبرأ من علّته وعاد إلى أحسن أحواله.
ويقال: إنه أوّل من عمل العجل وضبّبها بالذهب، وعمل فيها قبابا من الخشب المذهبة وفرشت بأحسن الفرش، وكان يركب عليها مع من أحبّ. وقيل:
إنه عمل له ذلك فى علّته لأنه كان لا يقدر على الركوب؛ وكانت البقر تجرّه فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه، وإن مرّ بالمكان الخراب أمر بعمارته. وقيل: إنه نظر إلى ثور أبلق من البقر الذى يجرّ عجلته فأعجبه حسن بشرته فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه إلى كل موضع يسلكه إعجابا به، وجعل عليه جلّا من الدّيباج المنسوج بالذهب، فلما كان فى بعض الأيام- وقد خلا فى موضع منفرد عن أتباعه والثور قائم بين يديه-
стр. 4914
إذ خاطبه الثور وقال: لو رفّهنى الملك عن السير معه وجعلنى فى الهيكل وعبدنى وأمر أهل مملكته بعبادتى كفيته جميع ما يريده، وعاونته على أمره، وقوّيته فى ملكه، وأزلت عنه جميع علله؛ فارتاع لذلك وأمر بالثور أن يغسل ويطيّب وينظّف ويدخل الهيكل، وأمر بعبادته. وعبد ذلك الثور مدّة وصارت فيه آية أنه لا يبول ولا يروث ولا يأكل إلّا أطراف ورق القصب الأخضر فى كل شهر مرّتين، فافتتن الناس به وصار ذلك أصلا لعبادة البقر.
قال: وابتنى مناوش مواضع وكنز فيها كنوزا وأقام أعلاما. وبنى فى صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس وأقام فيها منارا ودفن حولها كنوزا. قال: ويقال: إن هذه المدينة قائمة، وإن قوما جازوا بها من نواحى الغرب وقد أضلّوا الطريق فسمعوا بها عزيف الجنّ ورأوا أضواء نيرانهم. قال: وفى بعض كتبهم أنّ ذلك الثور، بعد مدّة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف، ويؤخذ من رأسه هو شعرات، ومن ذنبه ومن نحاتة قرونه وأظلافه، ويجعل ذلك فى التمثال، وعرّفهم «١» أنه يلحق بعالمه وأمرهم أن يجعلوا «٢» جسده فى جرن من حجر [أحمر «٣» ] ويدفن فى الهيكل وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل فى شرفه والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر فى الزيادة، وينقش على التمثال علامات الكواكب السبعة ففعلوا ذلك، وعملت الصورة من ذهب ملمّع على شبه الثور، وجعل له قرنان من ذهب وكلّلا بأصناف الجواهر، وجعلوا عينيه جزعتين سوادا فى بياض، ودفن جسد الثور فى الجرن الأحمر.
قال: وجعل فى المدينة شجرة تطلع كل لون من الفاكهة، ومنارا فى وسطها طوله ثمانون ذراعا، وعلى رأسه قّبة تتلون فى كل يوم لونا حتى تمضى سبعة أيام
стр. 4915
ثم تعود إلى اللون الأوّل فيكسو المدينة من تلك الألوان، وجعل حول المنار ماء شقّه إليه من النيل، وجعل فى ذلك الماء سمكا من ذلك اللون، وجعل حول المدينة طلّسمات رءوسها رءوس قردة وأبدانها أبدان الناس، كل واحد منها لدفع مضرّة أو اجتلاب منفعة، وعمل على أبواب المدينة، وهى أربعة أبواب «١» ، على كل باب صنما، ودفن تحت كلّ صنم كنزا من الكنوز؛ وباب كل واحد منها على قياس مائة ذراع منه إلى الجهة التى وجهه منصرف إليها، وكتب على كل واحد منها قربانه وبخوره والوصول إليه، وأسكنها السحرة فكانت تعرف بمدينة السحرة، ومنها كانت أصناف السحرة تخرج.
قال: وأقام مناوش فى الملك سبعا وثلاثين سنة وملك، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربىّ، وجعل وصيّته إلى ابنه من بعده هرميس بن منقاوش، فملك إحدى عشرة سنة لم يبن بنيانا ولا نصب منارا ولا عمل فى أيامه أعجوبة حتى إنه لم يكن يذكر فى عداد ملوكهم. فهذا ما أورده فى أخبار قفطريم بن قبطيم وبنيه على توال واتساق فلنذكر أخبار أشمون.
ذكر أخبار أشمون ومن ملك من بنيه
هو أشمون بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇؛ وهو أخو قفطريم أبى الملوك الذين قدّمنا ذكرهم. كان ملكه من أشمونين إلى منف، ومن الشرق إلى البحر المالح، ومن الغرب إلى حدود برقة، وهو آخر حدّ مصر،
стр. 4916
ومن الصعيد إلى حدّ أخميم. وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت وباسمه سمّيت، وكان طولها اثنى عشر ميلا فى مثلها. قال إبراهيم: وأشمون أوّل من اتّخذ الملاعب بأنصنا والبهنسا وغيرها، وبنى القصور وغرس الغروس، وبنى مدينة تعرف بقمنطر ذات العجائب، وهى بالقرب من مدينة السحرة التى تقدّم ذكرها فى أخبار منقاوش. قال: وفى وسط هذه المدينة قبّة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبّة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبرئه، وفى شرقها سرب لطيف له أربعة أبواب، لكل باب منها عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منها صاحبه بما يحدث فى قومه، ومن دخل تلك البربا على غير طهارة نفخوا عليه فأصابته علّة فظيعة لا تفارقه إلى أن يموت. وكانوا يقولون إنّ فى وسطه مهبط النور وهو فى صورة العمود، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شىء من الروحانيّات، ويسمع كلامهم ويرى ما يعملون، وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب فى يده مصحف فيه علوم الكهنة، فمن أحبّ ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره، فيثبت ذلك العلم فى صدره. ويقال: إن هاتين المدينتين قمنطر ومدينة السحرة بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد، وأنهما بحالهما.
قال: وحكى عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو على مصر، فعرّفه أنه تاه فى صحراء الشرق وأنه وقع على مدينة خراب، وأنه وجد فيها شجرة تحمل من كل فاكهة، وأنه أكل منها وتزوّد؛ فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتى هرمس وفيها كنوز كثيرة؛ فوجّه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زادا وماء، فأقاموا يطوفون شهرا فى تلك الصحارى فلم يقفوا لها على أثر. ويقال: إن أشمون عمل فى وقته على باب الأشمونين إوزّة من نحاس، فكان الغريب إذا دخل المدينة صاحت الإوزّة وخفقت بجناحيها فيعلم به، فإن أحبّوا منعوه، وإن أحبّوا تركوه.
стр. 4917
قال: وفى أيامه كثرت الحيّات فكانوا يصيدونها ويعملون من لحومها الأدوية والدّرياقات، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادى الحيّات فى جبال لوبية ومراقية فسجنوها هناك. قال: وهو أوّل من عمل النوروز بمصر ورتبه سبعة أيام يدمنون فيها الأكل والشرب واللهو. وفى زمانه بنيت البهنسا وأقام بها أسطوانات، وجعل فيها «١» مجلسا من زجاج أصفر وعليه قبّة مذهبة، فكانت الشمس إذا طلعت على القبّة ألقت شعاعها على المدينة. وعمل فيها عجائب كثيرة يطول الشرح بذكرها.
قال: ويقال إن أشمون كان أوّل إخوته ملكا، وكان أعدل بنى أبيه وأرغبهم فى صنعة تبقى ويبقى ذكرها. وهو الذى بنى المجالس المصفّحة بالزجاج الملوّن فى وسط النيل. وتزعم القبط أنه بنى سربا تحت الأرض من الأشمرنين إلى أنصنا تحت النيل. وقيل: إنه عمله لبناته لأنهنّ كنّ يمضين إلى هيكل الشمس. وكان هذا السرب مبلّط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج الثخين الملوّن. وقيل: إنه كان أطول إخوته ملكا. وقال أهل الأثر: إنه ملك ثمانمائة سنة، وإن قوم عاد انترعوا منه الملك بعد ستمائة سنة من ملكه وأقاموا تسعين سنة واستوبؤا البلد فانتقلوا [إلى الدّثينة من طريق الحجاز إلى وادى القرى فعمروها «٢» ] واتخذوا [بها «٣» ] المنازل والمصانع فسلّط الله عليهم الذّرّ فأهلكهم، وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد. ويقال: إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ودفن فى أحد الأهرام الصّغار القبليّة. وقيل: بل عمل له ناووس فى غربى الأشمونين ودفن معه فيه من الأموال والعجائب شىء كثير، وأصنام الكواكب السبعة التى كانت فى هيكل المرآة التى ترى منها الأقاليم، ودفن معه ألف سرج من ذهب وفضّة، وعشرة آلاف
стр. 4918
خابية صغار من ذهب وفضّة وزجاج، وألف عقّار مدبّرة لفنون الأعمال وزبر عليه اسمه ومدّة ملكه والوقت الذى مات فيه.
واستخلف ابنه مناقيوس بن أشمون. وكان جلدا محنّكا فاستأنف العمارة وبنى القرى ونصب الأعلام، وجمع الحكمة ومصاحف الملوك والحكماء وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة وانفرد بها، وعمل عليها حصنا ونصب عليه أربعة أعلام، فى كل ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنما من نحاس وأخلاط، فى أيديها آلات السلاح وزبر على صدرها آياتها.
قال: وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة من أعلم الناس بالسحر وأبصرهم بأخذ التماسيح والسباع، وكان يعلّم الغلمان السحر فإذا حذقوا علّم غيرهم؛ فأمر الملك أن تبنى له مدينة ويحوّل إليها فبنيت، وهى إخميم. وملك مناقيوس نيّفا وأربعين سنة ومات فدفن فى الهرم المحاذى لإطفيح، ونقل معه شىء كثير من المال والجواهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه والوقت الذى مات فيه.
وملك بعده ابنه- ولم يسمّه إبراهيم «١» - فكان أحزم من أبيه، فعظم فى عيون أهل مصر. وهو أوّل من عمل الميدان وأمر أصحابه برياضة أنفسهم فيه. وأوّل من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى والزمنى وأودعها العقاقير ورتّب فيها الأطبّاء وأجرى عليهم ما يسعهم، وأقام الأمناء على ذلك، وصنع لنفسه عيدا وسماه عيد الملك؛ فكان الناس يجتمعون اليه فى يوم من السنة، فيأكلون ويشربون
стр. 4919
سبعة أيام وهو يشرف عليهم فى مجلس قد بنى له على عمد قد طوّقت ذهبا وألبست فاخر الذهب المنسوج، وعليه قبّة مصفّحة من داخلها وخارجها بالذهب والزجاج المسبوك، وكان يعطى كلّ قوم قسطهم من النظر ثم يكثرون الدعاء له وينصرفون الى مواضعهم.
وفى أيامه بنيت سنتريّة «١» فى صحراء الواحات، عملها من حجارة بيض مربّعة على تقدير واحد، وجعل فى كل حائط من حيطانها بابا فى وسطه شارع ينتهى الى الحائط المجاور له من الجهة الأخرى، وجعل فى كل شارع أبوابا يمنة ويسرة تنتهى طرقاتها الى داخل المدينة، وجعل فى وسط هذه المدينة ملعبا يدور به من كل ناحية سبع درج؛ وعمل عليه قبّة من خشب مدهون على عمد «٢» عظيمة من رخام، وفى وسطه منار من رخام عليه صنم من صوّان أسود يدور مع الشمس بدورانها، وبسائر نواحى القبّة صور معلّقة تصفر وتصيح بلغات مختلفة. وكان الملك يجلس على الدرجة العالية من الملعب وحوله بنوه وأقار به وأبناء الملوك، وعلى الدرجة الثانية رؤساء الكهنة [والوزراء «٣» ] ، وعلى الثالثة رؤساء الجيش، وعلى الرابعة أصحاب الفلسفة والمنّجمون والأطبّاء وأصحاب العلوم، وعلى الخامسة أصحاب العمارات، وعلى السادسة أصحاب المهن، وعلى السابعة العامّة؛ فيقال لكل طائفة منهم: انظروا من دونكم ولا تنظروا من فوقكم، فإنكم لا تلحقونهم. فكان فى هذا ضرب من التأديب.
قال: وكان للملك عدّة نسوة، وكان يحبّ منهنّ امرأتين ويتحظّاهما ويجمع بينهما فى مجلس واحد، فمال لإحديهما فى بعض الأيام دون الأخرى، فغارت
стр. 4920
وغرب عقلها وتناولت سكّينا ودخلت الى الملك وهو مغتر وتلك المرأة جالسة الى جنبه فضربتها بالسكّين، وقام الملك دونها ليمنعها منها فضربته على فؤاده فخرّ صريعا، وقبض على المرأة وحبست، ومات الملك. وقد أوصى بقتل المرأة ووضع رأسها على ناووسه. ومدّة ملكه ستون سنة.
وملك بعده ابنه مرقورة الملك؛ فدخل عليه العظماء وهنوه ودعوا له بدوام الملك والنعمة، وكان حازما عاقلا، فأخذ فى حسن التدبير وتقويم العمارة وترتيب المراتب، وجعل لرأس الكهّان الحكومة فى أمر الدّين. قال: وفى كتبهم أنه أوّل من ذلّل السباع بمصر وركبها. قال: وبنى [المدن «١» وعمّر] الهياكل وأقام الأصنام التى غربى منف، وكان ملكه نيّفا وثلاثين سنة، وعمل له ناووس على طريق الغرب على مسافة يومين.
وقلّة ابنه بلاطس بن مرقورة، فملك وهو صبىّ، وكانت أمّه تدبّر الملك مع الوزراء والكهنة، وكانت حازمة مجرّبة، فأجرت الأمور على ما كانت فى حياة أبيه، وأحسنت الى الأولياء، وعدلت فى الرعيّة، ووضعت عنهم بعض الخراج فأحبّوها.
وعملت فى وقته البركة العظيمة فى صحراء الغرب، وجعل فى وسطها عمود طوله ثلاثون ذراعا، فى أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فهى لا تنقص أبدا، وجعل حولها أصنام حجارة ملوّنة من كل صنف على صور الحيوان والوحش والطير، وكان كل جنس يأتى الى صورته ويألفها فيؤخذ ولا يدرى.
قال: ولمّا ترعرع الملك أحبّ الصيد ولهج به، فعملت له أمّه متنزّها فيه مجالس مركّبة على أساطين من المرمر مصفّحة بالذهب، عليها قباب مرصّعة بالتصاوير
стр. 4921
العجيبة والنقوش المؤلّفة، يطلع من تحتها الماء فى فوّارات وتنصب الى أنهار مصفّحة بالفضّة تفضى الى حدائق فيها بدائع الغروس، عليها تماثيل تصفر بأصناف اللغات، ونضّدت بأنواع الفواكه، وأرخت عليها ستور الدّيباج المنسوجة بالذهب، واختارت له من بنات الملوك الحسان وأزوجته منهنّ، وبنت حول تلك الجنة مجالس يجلس فيها الوزراء والكهنة وأشراف أهل الصناعات يرفعون اليه ما يعملونه، فكان أكثر مقام الملك فى تلك الجنة، فإذا فرغوا من أعمالهم نقل اليهم الطعام والشراب من مطبخه، ولا يزالون فى أكل وشرب بقية يومهم وليلتهم، وأقاموا على ذلك والأمور جارية على السداد.
وكانت أيامه سعيدة كثيرة الخصب والسعة للناس والعدل فيهم والإحسان اليهم. وكان له يوم يخرج فيه الى الصيد ويرجع الى جنّته فيأمر لمن معه بالجوائز والأطعمة والأشربة، ويجلس يوما للناس فينظر فى أمورهم ومصالحهم ويقضى حوائجهم، ويجلس يوما للخلوة بنسائه، ثم جدر فمات؛ وعمل له ناووس فى جنّته وجعل فيه من الأموال والجواهر والصنعة والتماثيل كما كان يجعل لآبائه. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة، وانتقل الملك إلى أعمامه.
ذكر أخبار أتريب الملك
هو أتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. قال:
وكان أتريب قد انتقل إلى حيّزه بعد وفاة أبيه قبطيم، وهى المدينة التى كان أبوه بناها له، وكان طولها اثنى عشر ميلا، ولها اثنا عشر بابا، وفى شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على عمد بعضها فوق بعض، منها قبّة فى وسط المدينة، وقبّتان فى طرفيها، وجعل على كل ركن منها مرقبا كبيرا يوقد ليلا، وعلى كل باب من أبوابها
стр. 4922
حرسا كثيرا، وجعل فى كل جانب منها ملعبا ومجالس ومتنزّهات تشرف من تلك المجالس عليها، وشقّ فى عرضها «١» نهرا وعمل عليه قناطر معقودة، وبنى فوقها مجالس يتّصل بعضها ببعض، وجعل حوله منازل تدور بالخليج متّصلة بالقناطر على رياض مزروعة وخلفها الأجنّة والبساتين؛ وعلى كل باب من أبوابها أعجوبة من تماثيل وأصنام متحرّكة وأصنام ينبع الماء من آذانها، ومن داخل كل باب صورة شيطانين من صفر، فكان إذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشيطان الذى عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الريب «٢» بكى الشيطان الذى عن يسرة الباب، وجعل فى كل متنزّه منها من الوحوش الآلفة والطير المغرّدة كل مستحسن، وجعل فوق قباب المدينة صورا تصفر إذا هبّت الرياح، ونصب له فيها مرايا ترى البلدان البعيدة والعجائب الغريبة، وبنى حذاءها فى الشرق مدينة وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة كثيرة فى خلق مختلفة، وجعل فى وسطها بركة إذا مرّ بها الطير سقط عليها فلا يبرح حتى يؤخذ، وجعل لها حصنا [باثنى عشر بابا «٣» ] وجعل على كل باب من أبوابها تمثالا يعمل أعجوبة وعمل حولها أجنّة، وجعل ما يقرب منها من ناحية الشرق مجلسا منقوشا على ثمانى أساطين، وفوق المجلس قبّة عليها طائر منشور الجناحين يصفر كل يوم ثلاث صفرات: بكرة، ونصف النهار، وعند الغروب، وأقام فيها أصناما وعجائب كثيرة، وبنى مدنا كثيرة وأكثر من العمارات، وأقام رجلا يقال له برسان يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير، فى كل دينار سبعة مثاقيل عليها صورته، وعمل منها تماثيل كثيرة. وعاش أتريب فى الملك ثلاثمائة سنة وستين سنة،
стр. 4923
وكانت سنّه خمسمائة سنة. وعمل له ناووس فى جبل بالشرق حفر [له «١» ] تحته سرب بطّن بالزجاج [والمرمر «٢» ] وجعل على سرير من ذهب [مرصّع «٣» ] وحملت إليه ذخائره، وجعل على بابه صورة تنّين لا يدنو منه أحد إلّا أهلكه، وزبر عليه اسمه وتاريخ وقته، وسفوا عليه الرمال.
وملكت بعده ابنته [تدرورة «٤» ] فدبّرت الملك وساسته بأيد وقوّة خمسا وثلاثين سنة ثم ماتت.
فقام بالملك بعدها أخوها «٥» فليمون «٦» بن أتريب؛ فردّ الوزراء إلى مراتبهم، وأقام الكهّان [على مواضعهم «٧» ] ولم يخرج الأمر عن رأيهم، وجدّ فى العمارات وطلب الحكم وعمل بها. وفى أيامه بنيت تنّيس الأولى التى غرّقها البحر، وكان بينها وبين البحر شىء كثير، وحولها الزروع والأشجار والكروم والقرى ومعاصر الخمر وغيرها وعمارة لم يكن أحسن منها، فأمر الملك أن يبنى له [فى «٨» ] وسطها مجالس، وينصب له عليها قباب، وتزيّن بأحسن الزينة والنقوش، وأمر بفرشها وإصلاحها، وكان إذا بدأ النيل فى الزيادة انتقل الملك إليها فأقام بها إلى النّوروز ورجع. وكان للملك بها أمناء يقسّمون المياه ويعطون كل قرية قسطها، وكان على تلك القرى حصن يدور بقناطر، وكان كل ملك يأتى يأمر بعمارتها والزيادة فيها ويجعلها له متنزّها.
стр. 4924
ويقال: إن الجنّتين اللتين ذكرهما الله تعالى فى كتابه كانتا لأخوين من أهل بيت الملك أقطعهما الملك ذلك الموضع. وقد تقدّم ذكر خبرهما عند ذكرنا لبحيرة «١» تنّيس، وهو فى الباب السادس من القسم الرابع من الفن الأوّل فى ذكر البحار والجزائر وهو فى السفر الأوّل من كتابنا هذا.
قال: وفى زمان فليمون بنيت دمياط على اسم غلام له كانت أمّه ساحرة لفليمون. قال: وملك فليمون تسعين سنة، وعمل لنفسه ناووسا فى لجبل الشرقىّ، وحوّل إليه من الأموال والجواهر وسائر الذخائر شيئا كثيرا، وجعل من داخله تماثيل تدور بلوالب فى أيديها سيوف فمن دخلها قطّعته بسيوفها. وجعل عن يمينه ويساره أسدين من نحاس مذهب بلوالب أيضا فمن دنا منهما حطّماه، وزبر على الناووس:
هذا قبر فليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصريم، عمّر عمرا، وبقى دهرا، وأتاه الموت فما استطاع له دفعا، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه، وليأخذ مما بين يديه.
وصار الملك بعده إلى ابنه قرسون بن فليمون؛ وجلس على سرير الملك، ودخل إليه عظماء أهل البلد والخاص والعام فهنؤه بالملك، فتقدّم فى أمر الهياكل والكهنة وطلب الحكمة؛ وكان حدثا جميلا فعشقته إحدى نساء أبيه، وكانت تتولى طيبة «٢» وتزعم أن أباه أمرها بذلك، ثم بعثت إلى ساحرة من أعلم السحرة بمنف «٣»
стр. 4925
فسألتها أن تسحره لها وبذلت لها على ذلك أموالا، وإذا الساحرة قد عشقته أشدّ من عشقها، فسعت بامرأة أبيه وعرّفته ما بذلت لها على ذلك، فأبعدها عن مجلسه ومنعها من الدخول إليه.
وبلغ ملكا من ملوك حمير أن ملك مصر صار إلى غلام حدث غرّ فطمع فيه وسار إليه فى جموع عظيمة، فخرج قرسون نحوه فالتقوا بأيلة «١» واقتتلوا قتالا شديدا حتى تفانّى الفريقان، فأتت تلك الساحرة إلى الملك فقالت: ما تجعل لى إن أعنتك على عدوّك حتى تفضّ جموعه وتظفر به؟ قال حكمك؛ فأخذت عليه بذلك العهود والمواثيق، وأصبحوا للحرب فدخّنت الساحرة بدخن عجيبة وأظهرت تخاييل هائلة، فهرب الحميرىّ فى نفر يسير من ثقاته، وقتل بقية أصحابه، وحاز جميع ما كان فى خزائنهم، وعاد الملك إلى منف بالظفر والغنيمة، فأتته الساحرة فسألته الوفاء بالشرط فقال:
احتكمى ما أحببت، فهذه الأموال والخزائن بين يديك؛ فقالت: ما أريد غير الملك؛ فقال: ويحك! إنك لست من أهل بيت الملك، وقد علمت ما فى هذا على الملك؛ فقالت: قد كان الملوك قبلك يغصبون نساء الناس ويلدن منهم ولا يسألون عن ولاداتهم، وأنا ابنة فلان رئيس الكهنة، ويوشك أن يحتاج الملك إلىّ بعد هذا. ولم تزل به حتى انصرف قلبه اليها، فتزوّجها وأحبّها وحظيت عنده. فضاقت الأرض بامرأة أبيه فأخذت فى أعمال الحيلة عليها؛ فدسّت جارية لها عاقلة لطيفة على ساقى الملك الذى يتولّى شرابه، فاختلطت بجواريه حتى
стр. 4926
تمكّنت من إناء كان فيه شراب للملك فألقت فيه سمّا وعادت فى الوقت إلى مولاتها وأخبرتها، فدخلت إلى الملك فسجدت له وقالت: قد كنت للملك ناصحة، وعليه مشفقة، فأقصانى واختصّ هذه الساحرة الفاجرة، وقد سمّت شرابه فى إناء من صفته كذا وكذا، فليسقها الملك منه ليعلم صدقى؛ فدعا الملك بالإناء فوجده على ما ذكرت، فأحضر الساحرة وأمرها بشرب قدح منه فشربته ولم تعلم ما فيه فسقط لحمها عن عظمها، فأمر بدفنها فى ناووس وزبر عليه اسمها وما همّت به وما صار أمرها إليه، وعاد إلى امرأة أبيه وتزوّج بها وحسنت حالها عنده.
قال: وفى أيامه عمل المنار على بحر القلزم «١» وجعلت على رأسه مرآة من أخلاط تجتذب المراكب على شاطىء البحر، فلا يمكنها أن تبرح أو تعشّر، فإذا عشّرت سترت المرآة فتجوز المراكب.
قال: وأقام قرسون ملكا مائتين وستين سنة؛ وقد كان عمل لنفسه ناووسا خلف الجبل الأسود الشرقىّ. وجعل فى وسطه قبّة فيها اثنى عشر بيتا، فى كل بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى، وزبر عليها اسمه ومدّة ملكه. قال: وملك بعده ثلاثة أو أربعة. فهؤلاء الذين سمّاهم من أولاد أتريب ممن ملك منهم. والله أعلم «٢» .
стр. 4927
ذكر» أخبار صابن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام ابن نوح ﵇
قال: ولمّا قسم قبطيم الأرض بين بنيه الأربعة كما تقدّم وانتقل كل واحد منهم إلى حيّزه، خرج صا بأهله وولده وحشمه إلى حيّزه، وهو بلد البحيرة وما يليها إلى برقة، ونزل مدينة صا، وذلك قبل أن تبنى الإسكندرية. وكان صا أصغر ولد أبيه وأحبّهم إليه، فلمّا ملك حيّزه أمر بالنظر فى العمارة، وبنى المدائن والبلدان والهياكل، وعمل فى إظهار العجائب كما صنع إخوته، وطلب الزيادة فى ذلك. وكان مرهون «٢» الهندى «٣» صاحب بنائه «٤» ، فبنى له من حدّ صا إلى حدّ لوبية ومراقية على عبر البحر أعلاما، وجعل على رءوس تلك الأعلام مرايا من أخلاط شتّى: فكان منها ما يمنع من دوابّ البحر وأذاهم، ومنها ما إذا قصدهم عدوّ من الجزائر الداخلة وأصابها الشمس ألقت شعاعها على مراكبهم فأحرقتها، ومنها ما يرى المدائن التى تجاورهم من عدوة البحر وما يعمله أهلها، ومنها ما ينظر منها إلى إقليم مصر فيعلم ما يخصب وما يجدب منه فى كل سنة. وجعل فيها حمامات توقد من نفسها ومستشرفات. وكان كل يوم فى موضع منها بمن يخصّه من حشمه وخدمه، وجعل حولها بساتين وسرّح فيها الطيور المغرّدة والوحش المستوحش والمستأنس والأنهار المطردة والرياض المونقة،
стр. 4928
وجعل شرف القصر من حجارة ملوّنة تلمع إذا أصابتها الشمس فتنشر شعاعها على ما حولها؛ ولم يدع شيئا من آلة النعمة والرفاهية إلا استعمله. فكانت العمارة ممتدّة إلى برقة فى رمال من رشيد إلى الإسكندرية إلى برقة. وكان الرجل يسافر فى أرض مصر لا يحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات، ولا يسير إلا فى ظلال تستره من الشمس. وعمل فى تلك الصحارى قصورا وغرس فيها غروسا، وساق إليها من النيل أنهارا. وكان يسلك من الجانب الغربىّ إلى حدّ الغرب فى عمارة متصلة.
قال: فلما انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم فى تلك الصحارى وخربت تلك المنازل وباد أهلها. قال: ولا يزال من دخل تلك الصحارى يحكى ما رأى فيها من الآثار والعجائب.
قال: ومن ملوكهم مرقونس؛ وكان [فاضلا «١» ] حكيما، محبّا للنجوم والحكمة، فعمل فى أيامه درهم إذا ابتاع به صاحبه شيئا اشترط أن يزن له ما يبتاعه منه بوزن الدرهم ولا يطلب عليه زيادة، فيغترّ البائع بذلك ويقبل الشرط، فإذا تمّ ذلك بينهما وقع فى وزن الدرهم أرطال كثيرة تساوى عشرة أضعافه، وإن أحبّ أن يدخل فى وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل. قال: وقد وجد هذا الدرهم فى كنوزهم فى أيام بنى أميّة، فكان الناس يتعجّبون منه. وقد كانوا وجدوا درهما آخر قيل إنه عمل فى وقته أيضا يكون فى ميزان الرجل، فإذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ الدرهم من ميزانه وقلبه «٢» وقال: اذكر العهد، ومضى فابتاع به ما أراد، فإذا أخذ السّلعة ومضى إلى بيته
стр. 4929
وجد الدرهم قد سبقه إلى منزله، ووجد البائع حيث وضعه ورقة آس أو قرطاس أو مثل ذلك بدور «١» الدرهم.
وقيل: إن فى وقته عملت الآنية الزجاج التى توزن، فإذا ملئت [ثم «٢» ] وزنت لم تزد على وزنها الأوّل شيئا، وهى تحمل من الماء بوزنها. وعمل أيضا فى وقته الآنية التى إذا جعل الماء فيها صار خمرا فى لونه ورائحته وسكره.
قال: وقد وجد من هذه الآنية بإطفيح «٣» فى إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد ابن طولون شربة جزع «٤» بعروة زرقاء ببياض. وكان الذى وجدها أبو الحسن [الصائغ «٥» ] الخراسانىّ هو ونفر معه، فجلسوا ليأكلوا على عبر النيل وشربوا الماء بها فوجدوه خمرا فسكروا منه ورقصوا، فوقعت الشربة فانكسرت على عدّة قطع، فاغتمّ الرجل وجاء بها إلى هارون مكسورة، فأسف عليها وقال: لو كانت صحيحة لاشتريتها ببعض ملكى.
وفى أيامه عملت الصورة الحنتمية من الضفادع والخنافس والذباب والعقارب وسائر الحشرات «٦» ، فكانت إذا جعلت فى موضع من المواضع اجتمع إليها ذلك الجنس بعينه ولا يقدر أن يفارقها حتى يقتل. وعمل فى صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملوّن، وجعل فى وسطه قبّة من الزجاج خضراء صافية اللون؛ وكانت إذا طلعت عليها الشمس ألقت شعاعها على المواضع البعيدة. وعمل من أربع جهاته أربعة مواضع عالية من الزجاج، كلّ مجلس منها بلون، ونقش كلّ مجلس منها بما
стр. 4930
يخالف لونه من الطلّسمات العجيبة والنقوش الغريبة والصور البديعة؛ كل ذلك من زجاج مطابق يشفّ. وكان يقصد هذا الملعب ويقيم فيه الأيام الكثيرة.
وعمل له ثلاثة أعياد فى كل سنة، فكانوا يحجّون إليه ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة أيام؛ فلم يزل ذلك الملعب بحاله تقصده الأمم لتنظر إليه لأنه لم يكن له نظير ولا شكل، ولا عمل [فى العالم «١» ] مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لأنه تعاطى مثله فلم يقدر على ذلك.
وكانت أمّ مرقونس ابنة ملك النوبة، وكان أبوها يعبد نجما يقال له السّها، ويسمّيه إلها، فسألت ابنها أن يعمل لها هيكلا ويفردها «٢» به، فعمله لها وصفّحه بالذهب والفضّة [وأقام فيه صنما «٣» ] وأرخت عليه ستور الحرير، فكانت تدخل إليه مع جواريها وحشمها وتسجد له كل يوم ثلاث مرّات. وعملت فى كل شهر عيدا تقرّب له فيه القرابين وتبخّره ليله ونهاره، ونصبت له كاهنا من النوبة فكان يقوم به ويبخّر [هـ «٤» ] ويقرّب [له «٥» ] ، ولم تزل بابنها حتى سجد له ودعا الناس إلى عبادته.
قال: ولمّا رأى الكاهن أنّ الأمر قد أحكم له من جهة الملك فى عبادة الكواكب، أحبّ أن يكون له مثالا فى الأرض على صورة شىء من الحيوان يتعبّد له ليكون حذاء عينيه؛ فأقام يعمل الحيلة فى ذلك إلى أن اتفق بمصر كثرة العقبان حتى أضرّت بالناس، فأحضره الملك وسأله عن كثرتها فقال: إنّ إلهك أرسلها لتعمل له نظيرا يسجد له. فقال الملك: إن كان ذلك يرضيه فأفعله، فعمل تمثال عقاب طوله ذراعان فى عرض ذراع من ذهب مسبوك، وعمل عينيه من ياقوتتين،
стр. 4931
وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر [أخضر «١» ] ، وجعل فى منقاره كرة «٢» معلّقة وسروله بأدرك أحمر، وأقامه على قاعدة [من «٣» ] فضّة منقوشة، وركّبها على قائمة زجاج أزرق، وجعله فى أزج عن يمين الهيكل، وألقى عليه ستور الحرير، وجعل [له] دخنة معمولة من جميع الأفاويه والصمغ، وقرّب له بعجل أسود وبكارة الفراريج وبواكير الفواكه والرياحين. فلما تمّت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود له فأجابوه. ولم يزل [الكاهن «٤» ] يجهد نفسه فى عبادته، وعمل له عيدا دعاهم فيه إلى أن يبخّر له فى أنصاف الشهور بالمندل وترشّ الهياكل بالخمر العتيقة [التى تؤخذ «٥» ] من رءوس الجوابى «٦» ، ونطق لهم العقاب وعرّفهم أنه أزال عنهم العقبان وضررها؛ وكذلك يفعل فى غيرها ممّا يخافون؛ فسرّ الكاهن بذلك ووجّه إلى أمّ الملك فعرّفها ذلك فصارت الى الهيكل، فلمّا سمعت كلام العقاب سرّها ذلك وأعظمته، وبلغ الملك خبره فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه، فسجد له وأقام له سدنة وأمر أن يزيّن بأصناف الزينة، وكان الملك يقوم بذلك الهيكل ويسجد لتلك الصورة ويسألها عمّا يريد «٧» فتخبره.
وعمل من الكيمياء والذهب ما لم يعمله أحد من الملوك. فيقال: إنه دفن فى صحراء الغرب خمسمائة دفين. ويقال: إنه عمل على باب صاعمودا وجعل عليه صنما فى صورة امرأة جالسة وفى يدها مرآة ينظر فيها العليل [أو ينظر له أحد فيها «٨» ] فإن كان يموت رآه ميّتا، وإن كان يعيش رآه حيّا؛ والمسافر، فإن كان مقبلا بوجهه علموا أنه راجع، وإن رآه مولّيا علموا أنه متماد، وإن كان مريضا أو ميّتا رأوه كذلك. وعمل بالإسكندرية صورة راهب جالس على قاعدة وعلى
стр. 4932
رأسه كالبرنس «١» وفى يده كالعكّاز إذا مرّ به رجل تاجر جعل بين يديه شيئا من الذهب على قدر بضاعته، وإن حاذاه «٢» عن بعد ولم يفعل ذلك لم يقدر على الجواز ويبيت قائما مكانه، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرّق فى الزمنى والفقراء.
وعمل فى وقته كل أعجوبة طريفة، وأمر أن يزبر اسمه عليها وعلى كل علم وكل طلّسم وصنم. وعمل لنفسه ناووسا فى داخل أرض الغرب عند جبل يقال له سدام، وعمل تحته رحى طوله مائة ذراع فى ارتفاع ثلاثين ذراعا فى عرض عشرين ذراعا، وصفّحه بالمرمر والزجاج الملوّن المسبوك وسقفه بالحجارة الصافية، وعمل فيما دار به مصاطب لطافا مبلّطة بالزجاج، وعمل على كل مصطبة فيها أعجوبة وتمثالا مما عمل فى وقته، وعمل فى وسط الأزج دكّة من زجاج ملوّن، على كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنوّ إليها، وبين كل صورتين كالمنارة عليها حجر مضىء، وجعل فى وسط الدكّة حوضا من ذهب يكون جسده فيه بعد تضميده بالأدوية الممسكة، ونقل إليه ذخائره من الجوهر والذهب وغير ذلك، وأمر أن يسدّ باب الأزج بالصخور والرّصاص وتهال عليه الرمال. وكان ملكه ثلاثا وسبعين سنة، وعمره مائتين وأربعين سنة، وكان جميلا ذا وفرة حسنة فنسكت عامّة نسائه بعده ولزمن الهيكل.
وعهد بالملك إلى ابنه أنساد بن مرقونس؛ فملك بعد أبيه وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة، وكان معجبا جبّارا طمّاح العين، فنكح امرأة من نساء أبيه وانكشف أمره معها، وكان أكبر همّه اللهو واللعب، فجمع كل مله كان فى مملكته وقصده كل من هذه سبيله، وجعل تدبير الملك إلى وزير له يقال له
стр. 4933
مسرور، ورفض العلوم والهياكل والكهنة والنظر فى أمور الناس. وعمل قصورا من خشب عليها قباب من خشب منقوشة ممّوهة وجعلها على أطواف فى النيل، فكان يشرب عليها مع من يحبّه من نسائه وخدمه ومن يلهيه.
وعمل عجلا فى البرّ وحمل عليها الأروقة المذهبة وفرشها بفاخر الفرش، فكان يتنزّه عليها ويجرّها البقر ويقيم فى نزهته شهورا لا يمرّ بموضع نزه إلّا أقام فيه أياما. وولّد من الشجر توليدا كثيرا. واستتفد أكثر ما فى خزائن أبيه لجوائز الملهين والنفقات فى غير وجه. فلمّا أسرف فى ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فأنكروا عليه حاله وسألوه مسألته والمشورة عليه أن يقع عمّا هو عليه فضمن لهم ذلك، وفاوضه فيه فلم ينته عنه، وسلّط أصحابه على الناس فأساءوا إليهم وأضروا بهم. وخرج فى بعض الأيام إلى متنزّه كان له قد صفّح مجالسه بصفائح الذهب والفضة، وغريب الزجاج الملوّن، والجواهر المخروطة، والصهاريج المرّخمة الملوّنة، وأمال إليه المياه، وغرس فيه الرياحين والثمار، وفرش مجالسه بأصناف الفرش؛ وكان إذا أحبّ أن يخلو بامرأة من نسائه خلابها هناك؛ فإنه فى ذلك المكان، وقد أقام به أياما، إذ خرج غلام لبعض حرمه فأتى بعض التجّار فى حاجة أراد أخذها بغير ثمن، فمنعه التجّار منها، فوثب بهم فضربوه حتى أسالوا دمه وحمل، واتصل الخبر بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وأنكرا على الناس فأغلظوا لهما، فانصرفا وعرّفا الملك الخبر، فأراهما أنه لم يحفل بذلك، وأمر بالنداء فى الناس من تعرّض لكم من خدم الملك وأصحابه بأذى فاقتلوه، فشكره الناس وحمدوا فعله على ذلك، وتواصوا بالوثوب على أصحابه، حتى إذا مضى لذلك أسبوع وجه الملك إلى الوزير وصاحب الجيش فعرّفهما أنه قد عزم على الركوب إلى صحراء الغرب يتصيّد هناك، وامر أن يركب معه الجيش ويتزوّدوا لثلاثة أيام ففعلوا، وخرج إلى البرّية فسار حتى إذا اختلط
стр. 4934
الظلام رجع الجيش حتى وافى باب المدينة، وأمر أصحابه أن يضعوا السيف فى الناس فقتلوا خلقا كثيرا، ثم أمر أن ينادى: هذا جزاء من أقدم على الملوك من رعاياهم وأصحاب منهم، وأخرب الموضع الذى ضرب فيه الغلام، فاستغاث به الناس، فتقدّم إلى وزيره أن يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم، ففعل وأمّنهم وقال: من عاد إلى مثل ما كان فقد حلّ لنا دمه، فدعوا له وانصرفوا. ثم احتجب عن الناس واستخف بالكهنة والهياكل فأبغضته العامّة والخاصّة وبغوا الغوائل فاحتال عليه خاصّته بطبّاخه وساقيه فسمّاه وهو ابن مائة وعشرين سنة فمات.
وصار الملك من بعده إلى ابنه صابن أنساد بن مرقونس؛ قال: وأكثر القبط تزعم أن صابن مرقونس أخو أنساد. فملك وهنأه الناس، فوعدهم بالعدل فيهم، والإحسان إليهم، وحسن النظر لهم، وسكن منف وحكم الأحياز كلها، وعمل بها عجائب وطلّسمات، وردّ الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهين وأهل الشرّ ممن كان يصحب أخاه، ونصب العقاب الذى كان أبوه عمله، وشرف هيكله ودعا إليه. وعمل فى منف مرآة كان يرى منها ما يخصب من بلده وما يجدب.
وبنى بداخل الواحات مدينة غرس حولها نخلا كثيرا. ونصب قرب البحر أعلاما كثيرة. وعمل خلف المقطّم صنما يقال له صنم الحيلة، فكان كل من تعذّر عليه أمر يأتيه فيبخّره فيتيسّر عليه ذلك الأمر «١» . وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجرى فى حدودهم. وعمل على غربى النيل منائر يوقد عليها إذا قصدهم قاصد أو نابهم أمر. ويقال: إنه بنى أكثر منف وكل بنيان عظيم بالإسكندرية.
قال: وكان لمّا ملك البلد بأسره جمع الحكماء إليه ونظر فى النجوم- وكان بها حاذقا- فرأى أن بلده لا بدّ أن تغرق بالطوفان من نيلها، ورأى أنها تخرب على
стр. 4935
يدرجل [يأتى «١» ] من ناحية الشأم، فجمع كل فاعل بمصر وبنى فى الواح الأقصى مدينة جعل طول حصنها فى الأرتفاع خمسين ذراعا وأودعها جميع الحكم والأموال.
وبنى المدينة «٢» التى وقع عليها موسى بن نصير فى زمن بنى أميّة، وكان قد أخذ على الواح الأقصى، وكان عنده علم منها، وأقام سبعة أيام يسير فى رمال وصحارى سمت الغرب والجنوب إلى أن ظهرت له مدينة عليها حصن وأبواب حديد، فأصعد إليها الرجال ليقفوا على ما فيها لمّا لم يمكنه فتح أبوابها، ولغلبة الرمال على ما حولها؛ فكانوا إذا علوا الحصن وأشرفوا عليها وثبوا إليها؛ وعرض حصنها عشرون ذراعا؛ فلمّا أعياه أمرها تركها ومضى، فهلك فى تلك الطريق جماعة من أصحابه. فلم يسمع بأحد بعد موسى بن نصير ولا قبله وقع عليها.
قال: وفى تلك الصحارى أكثر متنزّهاتهم ومدائنهم العجيبة؛ إلا أنّ الرمال غلبت عليها. ولم يبق بمصر ملك إلا وقد عمل للرمال دفعا ثم تفسد طلّسماتهم على تقادم الأيام.
стр. 4936
وقال: وحكى قوم من «١» التّنّاء فى ضياع الغرب: أنّ عاملا من عمّالهم عنف بهم فهربوا ودخلوا فى صحراء الغرب وحملوا معهم زادا إلى أن يصلح أمرهم ويرجعوا إلى بلادهم، وكانوا على يوم وبعض آخر قد لحجوا»
فى سفح الجبل، فوجدوا عيرا أهليّا قد خرج من بعض شعابه، فتبعه نفر منهم، فأخرجهم إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطّرد «٣» وقوم يسكنون هناك ويزرعون، فخاطبوهم وعجبوا منهم وسألوهم عن حالهم فعرّفوهم أنهم منذ كانوا يسكنون تلك الناحية ويتناسلون ويزرعون ولا يطالبهم أحد بخراج ولا يؤذيهم، وأنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب قطّ، وقالوا لهم انتقلوا إلينا؛ فخرج القوم بعد أن صلحت أمورهم واجتمعوا على الرجوع إلى ذلك الموضع والسكنى فيه بأهليهم ومواشيهم، فخرجوا يطلبون الطريق مدّة فما عرفوا الطريق ولا تأتّى لهم الوصول إليه بعد ذلك فأسفوا على مافاتهم منه.
وحكى أيضا عن آخرين ضلّوا الطريق فى الغرب، فوقفوا على مدينة عامرة، كثيرة الناس والمواشى والنخيل والشجر، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا، وباتوا فى طاحونة يعمل فيها الخبز «٤» ، فسكروا من الشراب وناموا، فلم ينتبهوا إلّا عند طلوع الشمس، فوجدوا أنفسهم فى مدينة كبيرة خراب ليس فيها أحد، فارتاعوا لذلك وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أخرى عظيمة أكبر من الأولى وأعمر، وأكثر أهلا ودوابّ ومواشى وشجرا ونخلا، فأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون؛ وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم معهم، فأكلوا وشربوا
стр. 4937
وغنّوهم بأصناف الملاهى، وسألوهم عن حالهم فحدّثوهم أنهم ضلّوا عن الطريق فى هذه الصحارى، فقالوا لهم: الطريق بين أيديكم واضح مستقيم لا يمكن أن تغلطوا فيه، فإن أحببتم المسير وجّهنا معكم من يوقفكم على سنن الطريق الكبير الذى يوصلكم إلى منازلكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا رفدناكم وكنتم إخواننا وأحبابنا.
قالوا: فسررنا بذلك من قولهم، وأجمع بعضنا على المقام معهم، وأجمع من كان له منا أهل وولد على أن يسير إلى منزله ويحمل أهله وولده ويعود إليهم. قال: وبتنا عندهم فى خير مبيت، فرحين بما ساق الله إلينا. فلمّا كان من الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا فى مدينة عظيمة ليس فيها أحد من الناس وقد تشعّب بعض حصنها، إلّا أن حولها نخلا قد تساقط ثمره وتكدّس حوله، فلحقنا من الخوف لذلك والارتياع ما استوحشنا له، وخرجنا على وجوهنا هاربين مفكّرين فيما عاينّاه من أهلها، وإنّا لنجد روائح الشراب منّا ومعانى الخمار ظاهرة، فلم نزل نسير يومنا أجمع وليس بنا جوع ولا عطش، حتى إذا كان المساء رأينا راعيا يرعى غنما فسألناه عن العمارة وعن الطريق فدلّنا على الطريق وقال: إنّ العمارة حذاؤكم؛ وإذا بنقار «١» من ماء المطر فشربنا منه وبتنا عليها، ثم أصبحنا فإذا نحن فى خلاف موضعنا الذى كنّا فيه، وإذا آثار العمارة والناس فما سرنا إلّا بعض يوم حتى دخلنا مدينة الأشمونين بالصعيد، فكنّا نحدّث الناس ولا يقبلون منا.
قال: وهذه مدائن القوم القديمة قد غلب عليها الجانّ، ومنها ما قد سترته عن العيون فلا ينظر إليها أحد.
قال: وذكر بعض القبط أن رجلا من بنى الكهنة الذين قتلهم أنساد سار إلى ملك الإفرنجة فذكر له كنوز مصر وعجائبها وخيرها، وضمن له أن يوصّله إلى ملكها
стр. 4938
وأموالها، ويدفع عنه أذى طلّسماتها حتى يبلغ جميع ما يريده ويعرّفه مواضع الكنوز.
فلمّا اتصل بصا الملك أنّ صاحب الإفرنجة يتجهّز إليه، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقى النيل فأصعد إليه أكثر كنوزه وما فى خزائنه، وبنى عليها قبابا وصفّحها بالرّصاص، وأمر ففتحوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعا، وجعلوا فى انتهاء المنحوت منه شبه الطرر البارزة خارجة من النحت بقدر مائة ذراع وهو بين جبال وعرة، فحصّن أمواله هناك. وتجهّز إليه صاحب الإفرنجة فى ألف مركب، فكان لا يمرّ بشىء من أعلام مصر ومناراتها وأصنامها إلّا هدمه وكسره بمعونة الكاهن له.
حتى أتى الإسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيرا من معالمها إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد وصعد إلى منف فحاربه أهل النواحى، وجعل ينهب ما مرّ به ويقتل من قدر عليه إلى أن طلب المدائن الداخلة ليأخذ كنوزها فوجدها ممتنعة بالطلّسمات الشداد والمياه العميقة والخنادق الشدّاخات، فأقام عليها أياما كثيرة يعالج أن يصل إليها، فلمّا لم يمكنه ذلك قتل الكاهن، وهلك جماعة من أصحابه، واجتمع أهل النواحى على مراكبه وأصحابه فقتلوا منهم خلقا وأحرقوا بعض المراكب. ولما تيقّن أهل مصر تلف الكاهن الذى كان معه أرسلوا إليه سحرهم وتهاويلهم، وأتت مع ذلك رياح غرقت كثيرا من مراكبه، وكانّ جل مرامه أن ينجو بنفسه فما عاد إلى الإفرنجة إلا وقيذا «١» بجراحات أصابته، ورجع الناس إلى منازلهم وقراهم، ورجع صا إلى منف فأقام بها وترك ما كنزه على حاله.
قال: ولم يزل بعد ذلك يغزو بلاد الروم وأهل الجزائر ويخرّبها فهابته الملوك، وتتّبع الكهنة فقتل منهم خلقا، وأقام سبعا وستين سنة، وكانت سنة مائة وسبعين سنة وهلك، فدفن بمنف فى ناووس عمله وسط المدينة من تحت الأرض، وجعل
стр. 4939
المدخل إليه من خارج المدينة من الجهة الغربية، وحمل إليه أموالا عظيمة وجواهر كثيرة، وتماثيل وطلّسمات وغير ذلك كما فعل أجداده. وكان فيه أربعة آلاف تمثال ذهب على صور شتّى برّية وبحرية، وتمثال عقاب من جوهر أخضر جعل عند رأسه، وتمثال تنّين من ذهب مشبّك عند رجليه وزبر عليه اسمه وسيرته وغلبته للملوك.
وعهد إلى ابنه تدارس بن صا؛ فملك الأحياز كلها بعد أبيه وصفا له ملك مصر. وكان محنّكا مجرّبا ذا أيد وقوّة ومعرفة بالأمور؛ فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهّلها قياما حسنا. وبنى غربى منف بيتا عظيما للزّهرة وزبر جميع الأخبار- وكان صنم الزهرة من لا زورد مذهّب متوّجا بذهب- وسوّره بسوارين من الزّبرجد الأخضر؛ وكان فى صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبّر، وفى رجليها خلخالان من حجر أحمر شفاف ونعلان من ذهب، وفى يدها قضيب مرجان وهى تشير بسبّابتها كالمسلّمة على من فى الهيكل، وجعل حذاءها من الجانب الآخر تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموّه بذهب موشحة بحجر اللازورد، ووجه البقرة محاذ «١» يا لوجه الزهرة، وجعل بينهما مطهرة من أخلاط للأجساد على عمود رخام مجزّع فيها ماء مدبّر يستشفى به من كل داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها فى كل سبعة أيام، وجعل فيه كراسىّ للكهنة مصفّحة بذهب وفضّة، وقرّب له ألف رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف به. وكانت فرش الهيكل وستوره عن يمين تمثال الزهرة ويساره. وكان فى قبّته صورة رجل راكب على فرس له جناحان وله حربة فى سنانها رأس إنسان معلق، وبقى هذا إلى زمان بخت نصر
стр. 4940
وهو الذى هدمه. ويقال: إن تدارس الملك هذا هو الذى حفر خليج سخا، وارتفع مال البلد فى أيامه مائة ألف ألف [دينار «١» ] وخمسين ألف [ألف «٢» ] دينار. وقصده بعض عمالقة الشأم فخرج إليه واستباحه ودخل إلى فلسطين فقتل منها خلقا كثيرا وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر وهابته الملوك.
قال: وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزّنج والنّوبة فى أرضه فعاثوا وأفسدوا، فأمر بجمع الجيوش وأعدّ المراكب ووجّه قائدا من قوّاده يقال له: بلوطس فى ثلاثمائة ألف، وقائدا آخر فى مثلها، ووجّه فى البحر «٣» ثلاثمائة سفينة فى كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب [ثم خرج فى جيوش كثيرة، فلقى جموع السودان «٤» ] وكانوا فى زهاء ألف ألف فهزموهم، وقتلوا أكثرهم أبرح قتل، وأسر منهم خلقا كثيرا، وتبعهم حتى وصل إلى أرض الفيلة من بلاد الزّنج «٥» فأخذ منها عدّة من النمور والوحش وذللها وساقها معه إلى مصر. وعمل على حدود بلده منارات وزبر عليها مسيره وظفره والوقت الذى سار فيه. ولمّا وصل إلى مصر اعتلّ ورأى رؤيا تدلّ على موته، فعمل لنفسه ناووسا ونقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب والذهب والجوهر والصنعة والتماثيل وهلك؛ فحمل إليه وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذى هلك فيه، وجعل عليه طلّسما تمنع منه.
وعهد إلى ابنه ماليق بن تدارس؛ فملك بعد أبيه. وكان غلاما كريما حسن الوجه، مجرّبا، مخالفا لأبيه وأهل بلده فى عبادة الكواكب والبقر.
следующие страницы →