← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

يتكلّم على باب الكواكب السبعة، فإنى سوف ألقى روحانيّة الكواكب على تلك الصور فتنطق. وإذا فرغت من ذلك فاجعل لكل مرتبة من المراتب التى قسمتها بابا من تلك الأبواب، وليكن باب الأسد لأهل بيت المملكة، وسائر الأبواب لسائر المراتب. فإذا تقدّم الخصمان إلى شىء من تلك الصور التصقت بالظالم وشدّت عليه شدّا عنيفا يؤلمه حتى يخرج لخصمه من حقّه، الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، فيعرف بذلك المظلوم من الظالم، ومن كان له قبل أحد حقّ ودعاه الى تلك الصور فلم يجئ معه فأتاه المظلوم، وقد عرّف الصورة ذلك، أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه ولم يتحرّك. فاستراح الملك الى تلك الصورة. ولم تزل على ذلك حتى أزالها الطوفان مع ما أزال من أعمالهم وطلّسماتهم وعجائبهم. وعملت فى أيام سهلوق أعمال كثيرة، وكتبت سيرته وما عمل من العجائب فى مصحف. وعمل عقاقير كثيرة وتماثيل ومحرّكات وصنعة، وأمر أن يحمل ذلك كلّه إلى ناووس عمله لنفسه فى الجبل الغربىّ ونقل اليه حكمه. وهلك بعد أن ملك تسعا وستين سنة وحمل إلى ناووسه، وأقام أهل المملكة ووجوه المدينة ونساؤهم عند ناووسه شهرا يبكون عليه ويتوجّعون عنده، واغتّموا عليه غمّا لم يغتمّوه على ملك قبله، وأقاموا لناووسه سدنة يخدمونه. وملك بعده ابنه سوريد بن سهلوق؛ وكان أبوه قد قلّده الملك قبل مهلكه، فملك واقتفى سيرة أبيه فى العمارة ومصالح البلد والإنصاف بين الناس والأخذلهم من نفسه وأهل بيته، وعمل الهياكل وبنى المنارات، ونصب الأعلام والطّلّسمات فأحبّه الناس. وبنى بالصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها عجائب كثيرة. وهو أوّل من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على أقدارهم، وأوّل من أمر بالإنفاق على الزّمنى والمرضى من خزائنه. وعمل مرآة من أخلاط كان ينظر منها جميع الأقاليم ما أخصب منها وما أجدب وما حدث فيها، وكانت المرآة على منارة من النحاس وسط مدينة أمسوس،

стр. 4867

وكان يعلم من المرآة من يقصد مدينته من جميع النواحى فيتأهّب له. وهو أوّل من عمل صحيفة فى كلّ يوم يكتب فيها جميع ما يكون فى يومه وما يعمله ويرفع اليه، ثم يخلد فى خزانته يوما بيوم. وإذا مضى الشهر نقلت إلى مصحف الملك وختمه بخاتمه، وما صلح أن يزبر على الحجارة زبره: وكذلك ما عمل من الصنائع وما أحدث منها. وكان يعطى الرغائب على الصّناعات العجيبة والحكم الغريبة. وعمل فى المدائن صورة امرأة جالسة فى حجرها صورة صبىّ كأنها ترضعه، فمن أصابتها علّة بجسمها مسحت ذلك الموضع من جسد تلك الصورة فيزول عنها ما تجد، وكذلك إن قلّ لبنها مسحت ثديها، وإن أحبّت أن يعطف عليها زوجها مسحت وجهها يدهن طيّب وقالت افعلى كذا وكذا، وإن قلّت حيضتها مسحت فوق ركبها، وإن كثر دمها ونزفت مسحت تحت ركبها، وإن أصاب ولدها شىء فعلت مثل ذلك بالصبىّ فيبرأ، وإن عزّت «١» ولادتها ومسحت رأس الصبىّ سهلت ويسهل افتضاضها، وإذا بخرته ومسحته بدهن طيّب منع جميع التوابع. وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكفّ عن زناها. وما كان من أعمال الليل بخّرت ليلا، وما كان من أعمال النهار بخّرت نهارا. وكانت تعمل أعمالا كثيرة إلى أن أزالها الطوفان. قال: وفى بعض كتب القبط أنها وجدت بعد الطوفان وأنهم استعملوها وعبدوها. وصورتها مصوّرة فى جميع البرابى، واسمها نبلوية، والذى دلّهم عليها قرابة فليمون «٢» الكاهن. قال: وعمل سوريد عجائب كثيرة، منها الصنم الذى يقال له نكرس «٣» المعمول من عدّة أخلاط كان يعمل أعمالا كثيرة فى الطبّ ودفع الأسقام

стр. 4868

والعلل، ويعرفون به من تبرئه الأدوية فيعيش، وإن كان يموت فله علامات فيقصرون عن علاجه، وكانوا يغسلون المواضع التى بإزاء أعضاء العلل منه ويسقى لصاحب الداء فيزول عنه. وهو أوّل من عمل الأفروثنات «١» وزبر فيها جميع العلوم. وهو الذى بنى الهرمين الكبيرين. ذكر خبر بناء الأهرام وسبب بنائها وشىء من عجائبها قال: كان بناء الأهرام قبل الطوفان بنحو ثلاثمائة سنة. وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا «٢» هذا نبذة من خبر الأهرام فى الباب الثالث من القسم الخامس من الفنّ الأوّل؛ وذلك فى السّفر الأوّل من هذه النسخة. ونحن الآن نذكر من خبرها خلاف ما قدّمناه مما أورده إبراهيم بن القاسم الكاتب مما اختصره من كتاب العجائب الكبير لإبراهيم بن وصيف شاه. قال: كان سبب بنائها أن الملك سوريد رأى رؤيا أفزعته؛ رأى كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الناس يخرّون على رءوسهم، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة، فغمّه ذلك ولم يذكره لأحد، وعلم أنه سيحدث فى العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك [بأيام] كأنّ الكواكب الثابتة [نزلت الى الأرض «٣» ] فى صور طيور تنصبّ «٤» ، وكأنها تتخطّف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأنّ الجبلين انطبقا عليهم، وكأنّ الكواكب النيّرة مظلمة كاسفة؛ فانتبه أيضا مذعورا فزعا، فدخل الى هيكل الشمس وجعل يمرّغ خدّيه ويبكى. ولمّا أصبح أمر

стр. 4869

بجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصرفآ جتمعوا، وكانوا مائة وثلاثين، فخلابهم وقصّ عليهم رؤياه، فأعظموه وأكبروه وأوّلوه على أمر عظيم يحدث فى العالم. فقال لهم فليمون- وكان من كبارهم وكان لا يبرح من حضرة الملك لأنه رأس كهنة أمسوس-: إنّ فى رؤيا الملك لعجبا وأمرا كبيرا، والملوك رؤياهم لا تجرى على فساد ولا كذب لعظم أخطارهم، وكبر أقدارهم. وأنا أخبر الملك عن رؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لأحد من الناس. فقال له الملك: قصّها علينا. قال: رأيت كأنى مع الملك على رأس المنار الذى فى أمسوس، وكأنّ الفلك قد انحطّ من موضعه حتى قارب سمت رءوسنا، وكان علينا كالقبّة «١» المحيطة بنا، وكأنّ [الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها «٢» ] قد خالطتنا فى صور مختلفة، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انضمّوا الى قصره، وكأنّ الملك رافع يديه ليدفع الفلك أن يبلغ رأسه، وأمرنى أن أفعل فعله ونحن على وجل شديد، إذ رأينا منه نورا مضيئا طلعت علينا منه الشمس، فكأنّا استغثنا بها، فخاطبتنا بأنّ الفلك سيعود الى موضعه اذا مضت ثلاثمائة دورة، وكأنّ الفلك لصق بالأرض ثم عاد الى موضعه، ثم انتبهت فزعا. فعند ذلك قال لهم الملك: خذوا ارتفاع الكواكب فانظروا هل من حادثة تحدث. فنظروا فأخبروه بأمر الطوفان وبعده بذكر النار [التى تخرج من برج الأسد تحرق العالم «٣» ] ، فذكروا له أن ذلك يكون فى وقت عيّنوه له من مقارنات النجوم ونزولها فى الأبراج على ما حرّروه من الدقائق، وشرحه إبراهيم فى كتابه مما لا فائدة لنا فى ذكره. قال: فلما تبيّن ذلك له أمر بقطع الأساطين العظام ونشر البلاط

стр. 4870

الكبير المصفّح، واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحضار الصخور السود التى جعلها أساسا من ناحية أسوان، وكانت تحمل على أطواف «١» . وقيل: كانت لهم فراقلّ من خوص لها عذب وعليها كتابة منقوشة، فكانوا إذا ضربوا بها الحجارة عدت على وجه الأرض وحدها مقدار رمية سهم حتى وضعت الأساسات. وأمر أن يزبر على البلاط المنشور المهندم جميع علومهم. ثم بنى الأهرام الثلاثة الأول: الشرقىّ، والغربىّ، والملوّن؛ فكانوا يجعلون فى وسط البلاطة قلب حديد قائما ويركّبون عليه بلاطة أخرى مثقوبة الوسط، ثم يدخل ذلك القلب الحديد فى ثقب البلاطة التى تطبق عليه، ويذاب الرّصاص ويصبّ حول البلاطة بعد أن تؤلّف الكتابة التى عليها. وجعل أبوابها من تحت الأرض بأربعين ذراعا فى آزاج «٢» مبنيّة بالحجارة فى الأرض، طول كل أزج مائة وخمسون ذراعا. قال: فأما باب الهرم الشرقىّ فإنه من الناحية الجنوبية «٣» على قياس مائة ذراع من وسط حائط الهرم الى الناحية الجنوبيّة، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج ثم يدخل اليه منه. وأما باب الهرم الغربىّ فمن الناحية الغربيّة يقاس أيضا من وسط الحائط الغربىّ الى الغرب مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج المبنىّ ويدخل منه اليه. وأما باب الهرم الملوّن فمن الناحية البحرية «٤» يقاس أيضا من وسط الحائط البحرىّ مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل الى باب الأزج. وجعل طول كل واحد منها أربعمائة

стр. 4871

ذراع بالملكى، يكون خمسمائة بذراعنا. وجعل تربيع كل واحد أربعمائة ذراع. وبناها فى الاستواء الى أربعين ذراعا ثم هرّمها «١» . وكان أوّل بنائهم لها فى أوقات السعادة، فلمّا فرغ منها كساها ديباجا ملوّنا من أعلاها الى أسفلها، وعمل لها عيدا عظيما لم يبق فى المملكة أحد إلّا حضره. ثم أمر «٢» بعمل ثلاثين جرنا من حجارة الصوّان ملوّنة فجعلت فى الهرم الغربىّ، ونقل اليها من الكنوز والأموال والجواهر المعدنيّة، والجواهر المسبوكة الملوّنة، والآلات الزّبرجد. والتماثيل المعمولة، والطّلّسمات، والحديد الفاخر، والسلاح الذى لا يصدأ، والزجاج الذى ينطوى «٣» ولا ينكسر، والنواميس والمولّدات والدّخن وأصناف العقاقير والمفردات والمؤلّفات والسموم وغير ذلك شيئا كثيرا لا يدرك وصفه. ونقل الى الآخر وهو الشرقىّ أصنام الكواكب والقباب الفلكيّة، وما عمل أجداده من التماثيل والدّخن التى يتقرّب بها لها ومصاحفها، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التى مضت، والحوادث التى تحدث، والأوقات التى تحدث فيها، ومن يلى مصر من الملوك الى آخر الزمان، وكون الكواكب الثابتة وما يحدث بكونها وقتا وقتا، وجعل فيها المطاهر» التى فيها المياه المدبّرة والبودقات الدهنية وما أشبه هذه الأشياء. وجعل فى الهرم الآخر أجساد الكهنة فى توابيت من الصوّان الأسود، وعند كل كاهن منهم مصحف فيه عجائب صناعته وسيرته وما عمل فى وقته. وكانوا سبع مراتب. فالمرتبة الأولى القاطرون، وهم الذين يعبدون الكواكب السبعة لكل كوكب

стр. 4872

سبع سنين، ومعنى القاطرون جامع العلوم. والمرتبة الثانية لمن يعبد ستّة من الكواكب وهم اللاحقون بالدرجة الأولى. ثم يسمّون صاحب الخمسة وما دونها كل واحد باسم، فجعل فى كل ناحية من الهرم مرتبة من هذه المراتب، فأجسادهم هناك وما عملوه من العجائب. وجعل فى الحيطان «١» من كل جانب مما يدور أصناما [تعمل «٢» ] بأيديها جميع الصنائع على مراتبها وأقدارها، وصفة كل صنعة وعلاجها وما يصلح لها، وكذلك أصحاب النواميس ومن عالج شيئا من الأشياء وجعل فيها أموال الكواكب التى أهديت إليها الكواكب وأموال الكهنة. وجعل لكل هرم منها خادما؛ فخازن «٣» الهرم الشرقىّ صنم من جزع أسود [مجزّع بأسود] وأبيض له عينان مفتوحتان [برّاقتان، وهو] جالس على كرسىّ، ومعه شبيه بالحربة، إذا نظر إليه الناظر سمع من جهته صوتا كالرعد يكاد يفزع قلبه، فيهيم على وجهه ويختلس عقله، ولا يكاد يفارق الهرم حتى يموت فيه. وجعل خازن الهرم الآخر من حجر الصّوّان المجزّع، معه شبيه بالحربة، وعلى رأسه حيّة تطوّق «٤» بها، من قرب منه وثبت عليه من ناحيته وتطوّقت فى عنقه فقتلته [ثم تعود إلى مكانها] . وجعل خازن الهرم الثالث صنما صغيرا من حجر البهتة «٥» على قاعدتيه، من نظر إليه اجتذبه إليه حتى يلتصق به فلا يفارقه حتى يموت. فلمّا فرغ من ذلك حصنها «٦» بالأرواح وذبح لها

стр. 4873

الذبائح لتمنع «١» عن نفسها [من أرادها] إلا من قرّب إليها وعمل لها أعمال الوصول فإنه يصل اليها. قال: وذكر القبط أنه كتب عليها اسم الملك والوقت الذى بناها فيه، ويقول: إنا بنيناها فى ستّ سنين «٢» فقل لمن يأتى بعدنا يهدمها فى ستمائة سنة فإن الهدم أهون من البنيان. وإنا كسوناها الدّيباج الملوّن المذهب المرقوم بالذهب فقل لمن يأتى بعدنا يكسوها حصيرا. فنظروا فوجدوا أحدا لا يقوم بهدمها وكسوتها لأنه لا يستطاع ذلك ولا يقدر عليه. قال: وحكى عن هذه الأهرام عجائب يطول الشرح بذكرها؛ منها أن المأمون لمّا دخل إلى مصر أحبّ أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له: إنك لا تقدر على ذلك. فقال: لا بدّ من فتح شىء «٣» منه. فعولجت الثّلمة المفتوحة منه فأنفق عليها مالا كثيرا لنار توقد وخلّ يرشّ ومنجنيقات ترمى بها، فوجد عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا. فلما انتهوا الى داخل الهرم وجدوا خلف الحائط عند النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب دنانير، وزن كل دينار أوقية «٤» من أواقينا، وكان عددها ألف دينار، فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا ما معناه، ثم أتى المأمون بالذهب والمطهرة فجعل يتعجّب من الذهب وحسنه وجودته وحمرته، فقال: ارفعوا لى حساب ما أنفقتموه على هذه الثّلمة ففعلوا، فوجده بإزاء المال الذى أصابوه لا يزيد ولا ينقص. فعجب المأمون من معرفتهم على طول المدد بأنهم سيفتحونه من ذلك الموضع بعينه، ومعرفتهم بمقدار ما ينفق عليه وتركهم مقداره

стр. 4874

فى موضعه، فقال: كان هؤلاء القوم من العلوم بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا. وقيل: إنّ المطهرة التى وجد فيها الذهب كان من زبرجد، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته، وكانت أحد ما حمل من عجائب مصر. ومن عجائب أخبارها أنّ المأمون لمّا فتح الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلون فيه وينزلون الزلّاقة التى فيه، فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك. وأنّ جماعة من الأحداث اهتمّوا، وكانوا عشرين رجلا، على أن يدخلوا الهرم ولا يبرحوا منه حتى يقفوا على منتهى أمره، فأخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين، وأخذوا السكك والحبال والشمع والوقيد والفؤس والقفاف ودخلوا الهرم، ونزل أكثرهم فى الزلّاقة الأولى والثانية، ومضوا فى أرض الهرم فرأوا فيه خفافيش بقدر العقبان تضرب وجوههم، فانتهوا إلى لصب «١» فى حائط تخرج منه ريح باردة لا تفتر، فذهبوا ليدخلوا فانطفأت سرجهم، فجعلوها فى زجاج وذهبوا ليدخلوا فكاد اللّصب ينطبق عليهم فهابوه فقال أحدهم: اربطوا وسطى بحبل وأنا أدخل، فإذا كاد اللّصب ينطبق فجرّونى إليكم؛ وكان على باب اللّصب أجرنة «٢» فارغة فعلموا أنّ أجساد موتاهم داخل ذلك اللصب، فربطوه بالحبل، فلمّا تقحّم «٣» اللصب انطبق عليه فجرّه أصحابه فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسّر، وسمعوا صيحة هائلة فسقطوا على وجوههم لا يعقلون. فلمّا أفاقوا طلبوا الخروج فأخرجهم أصحابهم بشدة، وسقط بعضهم فى وقت صعودهم من الزلّاقة فنزل، وخرجوا من الهرم فجلسوا فى سفحه متعجّبين، فإنهم كذلك إذ أخرجت لهم الأرض صاحبهم

стр. 4875

يتكلّم بكلام كاهنىّ فسّره لهم بعض أصحاب الديارات بالصعيد: هذا جزاء من يطلب ما ليس له؛ ثم سقط ميّتا، فحملوه وفطن بهم فأخذوا وأتى بهم إلى الوالى فحدّثوه بالخبر. وفى خبر آخر: أنّ قوما دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطوّفوه فعرض لهم مثل الطريق فساروا فيه فوجدوا قبّة تحتها كالمطهرة يقطر فيها ماء فينشّ «١» ثم يغيض «٢» ولم يدروا ما هو، ووجدوا موضعا كالمجلس المربّع حيطانه كلّها بحجارة ملوّنة عجيبة، فقلّع أحدهم منها حجرا وجعله فى كمّه فانسدّت أذناه من الريح، ولم تزل «٣» تصر وهو معه، ووجدوا مكانا كالفوّارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير يكون الدينار منه زهاء مائة مثقال، فأخذوا منه شيئا فلم يستطيعون أن يمشوا ولم يتحرّكوا حتى تركوه من بين أيديهم. ووجدوا فى مكان آخر كالصّفّة فيها شيخ من حنتم «٤» أخضر كأنه مشتمل بشملة، وبين يديه تماثيل صغار فى صور الصّبيان وكأنه يعلمهم، فأخذوا منه شيئا فلم يقدروا أن يتحرّكوا فردّوه، ومشوا أيضا فى ذلك الطريق فوجدوا بيتا مسدودا فيه دوىّ هائل وزمزمة فلم يتعرّضوا له، ومضوا فوجدوا كالمجلس المرّبع فيه صورة ديك من جواهر معمولة، قائم على أسطوانة خضراء، وله عينان يسرج منهما المجلس، فلما قربوا منه صوّت بصوت مفزع وخفق بجناحيه، فتركوه ومضوا حتى بلغوا صنما من حجر أبيض فى صورة امرأة منكّسة على رأسها ومن جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان نهسها «٥» ، فجعلوا يتعوّذون ويقرءون إلى أن جاوزوها. قال: وقيل إنهم مشوا حتى لاح لهم نور فاتّبعوه فإذا بفوّهة مفتوحة فخرجوا منها فإذا هم

стр. 4876

فى صحراء، وإذا على باب تلك الفوهة تمثالان من حجر أسود معهما كالمزراقين فعجبوا من ذلك. ووجدوا أجرنة منقورة وأسطوانات مخروطة، فساروا منها بعدا فانتهوا إلى ماء وجدوه فى نقار «١» حذاء تلك الفوهة، وأخذوا نحو المشرق فساروا يوما حتى وصلوا إلى الأهرام من خارج فأخبروا والى مصر بخبرهم، فوجّه معهم من يدخل من تلك الفوهة، فطافوا فلم يجدوها وأشكل عليهم أمرها. ووجد الآخذ للحجر الحجر جوهرا نفيسا فباعه بمال. قال: وحكى أنّ قوما فى زمن أحمد بن طولون «٢» دخلوا الهرم فوجدوا فى طاق فى أحد بيوته أستاندانة زجاجا ثخينة فأخذوها وخرجوا، ففقدوا رجلا منهم فدخلوا فى طلبه، إذ خرج عليهم الرجل عريانا يضحك ويقول: لا تتعبوا فى طلبى، ورجع هاربا الى أن دخل، فعلموا أن الجنّ استهوته وشاع أمرهم، فأخذوا الأستاندانة منهم ومنع الناس من الدخول الى الهرم، ووزنت الأستاندانة فكانت أربعة أرطال زجاجا أبيض صافيا، فانتبه رجل من أهل المعرفة لها وقال: لم تعمل إلّا لشىء، وملأها ماء ووزنها فوجد وزنها وهى ملأى مثل وزنها فارغة لا تزيد ولا تنقص فكانت أعجوبة. وحكى أن قوما دخلوا الهرم ومعهم من يريدون يعبثون به، فلمّا همّوا بذلك خرج عليهم غلام أسود أمرد فى يده عصا فأخذ فى ضربهم، فخرجوا هاربين وتركوا ما كان معهم من طعام وشراب وبعض ثيابهم. وحكى أن رجلا دخل بامرأة ليفجر بها فصرعا جميعا ولم يزالا مجنونين مشهورين حتى ماتا.

стр. 4877

قال: وفى بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة وأنها تخرج من برج الأسد فتحرق العالم، عمل فى الأهرام مسارب موّجهة الى آزاج ضيّقة تجتلب الرياح الى داخل بصوت هائل. وعمل فيها مسارب يدخل منها ماء النيل الى مكان ينتهى الى موضع من أرض الغرب وأرض الصعيد، وملأ تلك الأسراب عجائب وطلّسمات وأصناما تنطق. قال: وحكى بعض القبط أن سوريد لمّا أخبره منجّموه قال: انظروا لبلدنا هذا هل تلحقه آفة؟ فنظروا فقالوا: يلحقه طوفان ويلحقه خراب يقيم فيه عدّة سنين وتغلب عليها التنانين. قال: كيف يكون خرابها؟ قالوا: يقصدها ملك فيقتل أهلها ويغنم مالها ويهدم مصانعها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم تكون عمارتها من قبله. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم يقصدها قوم مشوّهون من ناحية مصبّ النيل فيأتون على أكثرها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم ينقطع نيلها ويجلو أهلها عنها؛ فأمر أن يكتب جميع ذلك على الأهرام. قال: وذكر رجل من أهل الغرب ممن يختلف الى الواح ويحمل الشّمار «١» على جمل له أنه بات فى بعض الليالى قرب الهرم فما زال يسمع الضوضاء والعطعطة فهاله ذلك وتباعد عنه بجمله، وكان يرى حول الهرم شبه النيران تأتلق، فلم يزل مرعوبا الى أن سرقته عيناه فنام وأصبح وهو فى الموضع الذى جمع منه الشّمار وشماره موضوع بحاله، فتعجّب من ذلك وشدّ شماره على جمله ورجع الى الفسطاط وآلى على نفسه ألّا يقرب من الهرم بعد ذلك.

стр. 4878

قال: والقبط يذكرون أنّ روحانيّة الهرم الغربى فى صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان، فإذا أرادت أن تستفزّ الإنسىّ ضحكت اليه فاختلسته الى نفسها فيدنو منها فتستهويه ويزول عقله. قال: وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة وعند غروب الشمس. وروحانيّة الهرم الشرقى غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابة. قال: وقد رأوه أيضا يطوف حوله. وروحانيّة الهرم الملوّن فى صورة شيخ يرى عليه برطلة «١» وفى يده مجمرة من مجامر الكنائس وهو يبخّر كذلك فى جميع الأفروثنات «٢» . وأمّا روحانيّات البرابى: فبربا إخميم «٣» روحانيّتها غلام أسود عريان. وروحانيّة بربا قفط «٤» فى صورة جارية سوداء تحمل صبيّا أسود صغيرا. وروحانية بربا دندرة «٥» فى صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان. وروحانية بربا بوصير «٦» فى صورة شيخ

стр. 4879

أبيض عليه زىّ الرهبان ومعه مصحف يحمله. وروحانية بربا سمنّود «١» فى صورة شيخ آدم طوال أشيب صغير اللحية. وروحانيّة بربا عدىّ فى صورة راع عليه كساء ومعه عصا. وهذه البربا فى أعمال المرتاحيّة «٢» من عمل أشمون طنّاح «٣» بقرب تلبانة عدىّ «٤» . قال: ولكلّ من هذه الأهرام والبرابى قرابين وبخورات تظهر كنوزها وتؤلّف بين الناس والروحانيّين الذين بها.

стр. 4880

ولنرجع الى أخبار الملوك قال: وأقام سوريد فى الملك مائة سنة وسبع سنين، وقد كان منجّموه عرّفوه الوقت الذى يموت فيه واليوم والساعة، فأوصى الى ابنه هرجيب وعرّفه ما يعمل، وأمره أن يدخل جسده الهرم، وأن يجعله فى الجرن الذى أعدّه لنفسه ويغشّيه بكافور، ويحمل معه ما أعدّه من فاخر الثياب والسلاح والآلات، فامتثل جميع ما أمره به. ولما مات ملك بعده ابنه هرجيب «١» بن سوريد فسار بستره أبيه فى العدل والعمارة والرأفة بالناس، فأحبّوه. وبنى الهرم الأوّل من أهرام دهشور وحمل اليه من المال والجوهر. وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء واستخراج المعادن ودفن ما تهيّأ له من الكنوز فى كل سنة. وكانت له ابنة أفسدت مع بعض خدمه فنفاها الى ناحية الغرب، وأمر أن تبنى لها مدينة هناك ويقام عليها علم ويزبر عليها اسمها، وأسكن معها كل امرأة مسنّة من أهل بيته. قال: وشجّ رجلا فأمر بقطع أصابعه، ووجد سارقا من العامّة فملّك رقّه الذى سرق منه، وعمل منارات ومصانع وطلّسمات، وملكهم نيّفا وسبعين سنة. وملك عليهم بعده ابنه منقاوش بن هرجيب وكان جبّارا أثيما فآذى الناس وسفك الدماء واغتصب النساء واستخرج كنوز آبائه، وبنى قصورا بالذهب والفضة [وأجرى «٢» ] فيها الأنهار، وجعل حصباءها من صنوف الجواهر، وتخرّق «٣» فى الهبات وأغفل العمارات فأبغضه الناس، وأباح أصحابه غصب نساء العامّة. وأطاف به أهل الشرّ من كل ناحية، وكان يفترع النساء قبل أزواجهنّ، وامتنع عليه قوم

стр. 4881

فى شىء أمرهم به فأحرقهم بالنار، وسلّط رجلا من الجبّارين اسمه قرناس «١» من ولد وراديس بن آدم على الناس ووجّهه لمحاربة الأمم الغربية فقتل منهم أمما. وكان أشجع أهل زمانه ثم هلك، فأغتمّ عليه الملك وأمر أن يدفن مع الملوك فى الهرم. ويقال: بل عمل له ناووسا وأقام عنده أعلاما وزبر عليها اسمه وما عمله فى وقته. وملك منقاوش ثلاثا وسبعين سنة ومات، فجعل فى الهرم مع أجداده فى حوض مرمر مصفّح بالذهب والجوهر، وحمل معه كثير من ذخائره وأمواله وسلاحه وعجائبه. وملك بعد ابنه أقروش «٢» بن منقاوش، وكان عاقلا فخالف آثار أبيه وعدل فى الناس وردّ النساء الّلاتى غصبهنّ منقاوش الى أهلهنّ. وعمل فى وقته فوّارة قطرها مائة ذراع وطولها خمسون ذراعا، وركّب فى جميع جوانبها أطيارا تصفر بأصناف اللغات المطربة لا تفتر. وعمل فى وسط المدينة منارتين من صفر عليهما صورة رأس إنسان من صفر كلّما مضت ساعة من النهار صاح ذلك الرأس صياحا عاليا، وكذلك الليل، فيعلم به دخول الساعات، وجعل فيه علامة لكلّ ساعة تمضى تعرف بها عدّتها. وعمل منارا آخر وجعل على رأسه قبّة صفر مذهب ولطخها بلطوخات، فإذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبّة نارا «٣» يضىء بها أكثر المدينة لا تطفئها الأمطار ولا الرّياح، فإذا كان النهار قلّ ضوءها بضوء الشمس. ويقال: إنه أهدى الدرمسيل [بن محويل «٤» ] الملك ببابل مائدة «٥» من الزبرجد قطرها خمسة أشبار، وكان استهداه ذلك ليجعلها فى بيت القربان. ويقال إنها وجدت بعد الطوفان. ويقال أيضا: إنه عمل على الجبل

стр. 4882

الشرقىّ صنما عظيما قائما على قاعدة [وهو «١» ] مصبوغ بلطوخ أصفر مصوّر بالذهب ووجّهه الى الشمس يدور معها حتى تغرب، ثم يدور ليلا الى الناحية الجنوبيّة حتى يحاذى الشمس «٢» مع الصبح، فلم يزل الى أن سقط فى أيام فرغان «٣» الملك فتهشم. وكان نصبه تعظيما للشمس. ويقال: إن أقروش كان يطلب الولد فنكح ثلاثمائة أمرأة يبتغى الولد منهنّ فلم يكن ذلك. وقيل: إنّ فى عصره عقمت الأرحام لما أراد الله عزوجل من هلاك العالم بالطوفان، وعقمت أرحام البهائم ووقع الموت فيها. وقيل: إن الأسد كثرت فى وقته حتى كانت تتخلّل البيوت، فاحتالوا لها بالطّلّسمات المانعة والحيل المضرّة لها، فكانت تغيب وقتا وتعود، فرفعوا ذلك الى الملك فقال: هذه علامة مكروهة، وأمر أن تعمل أخاديد وتملأ نارا واجترّوا إليها الأسد بالدّخن التى تجلب روحانيتها وألقوها على تلك النّيران، فاجتلبتها تلك الدخن فتهافتت فى تلك النيران فاحترقت. وبنى فى وقته مدائن فى ناحية الغرب تلفت بالطوفان مع أكثر مدنهم. قال: وارتفعت الأمطار عنهم وقلّ الماء فى النيل فأجدبوا، وهلك الزرع بالنار والريح الحارّة وغيرها، فأضرّ ذلك بهم، فاحتالوا لدفع النار بطلّسماتهم فكانت تذهب وتعود. وقيل: إنّ الذى فعل بهم ذلك ساحر من سحرتهم كان منقاوش غصبه امرأته فكان يعمل الحيلة قليلا قليلا فى إفساد طلّسماتهم؛ لأن لكل طلسم شىء تبطل به روحانيته. وبهذه العلّة دخل بختنصّر الفارسىّ مصر وقد كانت ممتنعة من جميع الملوك. فلمّا أفسد ذلك الساحر الطلّسمات، سلّط عليهم تلك الآفات وأفسد طلّسمات التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء وعذّبهم عذابا كبيرا الى أن

стр. 4883

فطنوا به من قبل تلاميذه؛ وذلك أن أحدهم لامه على فعله فانتهره ونفخ فى وجهه فأظلم عليه بصره، فجاء الى وزير الملك وعرّفه القصّة فأنهاها الى الملك، فأمر الملك بإدخاله عليه فأدخل، فسأله عن الخبر فعرّفه يفعل الساحر، فأنفذ اليه جيشا ليأتوه به، فلمّا نظر الساحر الى القوم وقد أقبلوا دخّن دخنة أغشت أبصارهم وارتفعت منها عجاجة نار أحرقت وحالت بينه وبينهم، فهالهم ذلك، فرجعوا الى الملك وعرّفوه ما جرى فأمر بجمع السحرة، وكان من رسم السحرة أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا معهم ولا يخالفونهم ولا ينالهم منهم مكروه ولا يبغونهم الغوائل، فمن فعل ذلك سلب علمه، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته وولده، وكانوا مع الملوك على هذه الحال يوفون بعهودهم. فلمّا اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر، وكان يقال له: أختاليس، وبما عمله وقال: تحضرونه إلىّ وإلّا أهلكتكم؛ فسألوه النّظرة «١» فأنظرهم، فأخذوا أولادهم ونساءهم وخرجوا هاربين، فلمّا خرجوا عنه تكلّموا بينهم وقالوا: إنكم لتعرفون كثرة علم أختاليس وشدّة سحره، وما نرى لنا به طاقة، ومنقاوش الملك الذى نقض عهده وتعدّى عليه وأخذ امرأته غصبا، فاحتالوا لخلاصكم منه؛ فأجمعوا أنهم يصدقون الملك عن أنفسهم، ويستأذنونه فى الذهاب اليه ومداراته حتى يأتوه به بعد أن يأخذوا له أمانا منه ويجدّد العهد بينه وبينه. فمضوا الى الملك وصدقوه عن أنفسهم، فأجابهم الى ما سألوه من ذلك، ثم مضوا الى أختاليس فلطفوا به ووعظوه الى أن أجابهم الى ما أرادوا، فكتبوا الى الملك بذلك، فكتب للساحر أمانا وعهدا، فرجع وردّت اليه امرأته، فأكرمها وردّها الى دار الملك، وعرّفهم أنه لا يرى فى ذمّته أن يلابس امرأة لابسها الملك على حال من الأحوال لما كانوا يراعونه من حقوق الملك، فسرّ الناس بذلك وعجبوا من عقله

стр. 4884

وحكمته، وصلح أمر الناس، وعمل أختاليس طلّسمات وعجائب كثيرة. قال: وملكهم أقروش أربعا وستين سنة، وهلك وليس له ولد ولا أخ، فدفن فى الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجواهره والصنائع التى عملت فى وقته، واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك. فملّكوا عليهم أرمالينوس، فلمّا ملك أمر بجمع الناس وقال: أرى الأمم الغربية قد تطرّقت إليكم فى نواحيكم، ويوشك أن تسير إليكم، وأنا مانع لبلادكم ودمائكم منهم بغزوهم والخروج إليهم وتحويلكم إياهم، وأحتاج الى معونة من حكمائكم بالأعمال الهائلة والتخاييل العجيبة، فشكروه ودعوا له بالتوفيق. وقالت الحكماء: نحن نخرج مع الملك إذا خرج ونبلغ له مجابه أو يقيم ونحن نخرج مع الجيش مكانه ونبذل أنفسنا دونه. فامتنع من ذلك وخرج فى جيش عظيم وحارب تلك الأمم ونكأ «١» فيها أعظم نكاية، ورجع غانما وخلّف فى وجوههم جيشا، فاجتمعت تلك الأمم فهزمت جيشه ورجع أصحابه مغلوبين فعظم ذلك عليه. وكانت أصابته علّة من تغيّر الهواء فأنفذ ابن عمّ له يقال له فرعان بن مسور، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون، وهو أوّل «٢» فرعون تسمّى بهذا الاسم ومن سمّى بعده سمّى تشبيها به؛ فأنفذه الملك أرمالينوس فى جيش عظيم فأجلى تلك الأمم ونفاها الى أطراف البحر، وعاد ومعه خلق كثير من الأسرى والرءوس، فأمر الملك بنصب تلك الرءوس حول مدينته وقتل جميع الأسرى. وكان منهم كاهن فأمر الملك أن يوشر «٣» بمنشار، وهو أوّل من فعل

стр. 4885

ذلك، فأعلم «١» الملك فرعان وألبسه خلعا منظومة بالجوهر، وأمر بأن يطاف به ويذكر فضله، وأمر له ببعض قصوره. واتفق أن امرأة من نساء الملك عشقته وراسلته فامتنع فرعان من ذلك وفاء للملك، ولأنّ التحظّى الى نساء الملوك كان من الأمور العظيمة عندهم. فلمّا طال ذلك عليها أحضرت ساحرة ولا طفتها وذكرت لها حالها ووجدها بفرعان، فضمنت لها بلوغ مأربها منه وسحرته لها، فاهتاج اليها وندم على ردّها وجعل يدسّ اليها الى أن اجتمعت معه، وتمكّن حبّ كلّ واحد منهما من صاحبه، الى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يتّصل به خبرهما وقالت: أنا أعمل الحيلة فى قتله وتكون أنت الملك وأكون لك ونأمن على أنفسنا. فمن شدّة ما عنده من حبّها حسّن لها ذلك، فسمّت الملك فى شرابه فمات لوقته وحمل الى الهرم. وملك بعده فرعان بن مسور وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانته لشجاعته. وهو الذى كان الطوفان فى وقته. قال: ولمّا ملك علا فى الأرض وتجبّر واغتصب الناس أموالهم وأنفسهم ونساءهم، وعمل ما لم يعمله ملك قبله؛ وأسرف فى القتل وهابته الملوك وأقرّوا له. وهو الذى كتب الى الدرمسيل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح ﵇. وذلك أن الدرمسيل بن محويل كتب الى الأقاليم يسألهم: هل يعرفون آلهة غير الأصنام؟ ويذكر قصّة نوح وأنه يريد تغيير ذلك، وأن له إلها غيرها، فكلّ أنكر ذلك. ولمّا أخذ نوح فى بناء السفينة كتب فرعان الى الدرمسيل يشير عليه بإحراقها، وكان عند أهل مصر خبر الطوفان ولكنهم لم يقدروا كثرته وطول مقامه على الأرض، فاتّخذوا السراديب تحت الأرض

стр. 4886

وصفّحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم، واتخذ فرعان منها عدّة له ولأهل بيته. وكان فرعان قد أقصى الكهّان وباعدهم، وكانوا مع الملوك على خلاف ذلك. ولنصل هذا الخبر بخبر الكهّان وما كانوا عليه. ذكر خبر كهّان مصر وحالهم مع الملوك قال: وكهّان مصر أعظم الكهان علما، وأجلّهم فى الكهانة حديثا. وكان حكماء اليونان يصفونهم بذلك، ويشهدون لهم به ويقولون: أخبرنا حكماء مصر بذلك فاستفدناه منهم. وكانوا ينحون فى كهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنها هى التى تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهى التى علّمتهم أسرار الطبائع، ودلّتهم على العلوم المكنونة؛ فعملوا الطلّسمات المشهورة، والنواميس الجليلة، وولّدوا الولادات الناطقة، والصور المتحرّكة؛ وبنوا العالى من البنيان، وزبروا علومهم فى الصلب من الصّوّان، وانفردوا بعمل البرابى، ومنعوا بها الأعداء من بلدهم، وعجائبهم ظاهرة. وكان الذى يتعبّد منهم الكواكب السبعة المدبّرة، لكلّ كوكب سبع سنين، فإذا بلغ هذه الرتبة سمّى قاطرا «١» ، وكان يجلس مع الملك فى المرتبة ويصدر الملك عن رأيه، وإذا رآه قام له. وكان من رسمهم فى كل يوم أن يدخل القاطر إلى الملك فيجلس إلى جانبه، ويدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصناعات فيقفوا حذاء القاطر، وكلّ واحد من الكهنة منفرد بكوكب يخدمه لا يتعدّاه إلى سواه، ويسمّى عبد كوكب كذا، كما كانت العرب تسمّى عبد شمس، فيقول القاطر للكاهن: أين صاحبك؟ فيقول:

стр. 4887

فى البرج الفلانى فى الدرجة الفلانية فى دقيقة كذا، ويسأل الآخر حتى إذا عرف مستقرّ الكواكب قال للملك: ينبغى لك أن تعمل اليوم كذا، وتضع بنيان كذا، وتوجّه جيشا إلى ناحية كذا، وتجامع فى وقت كذا، وتأكل فى وقت كذا، وجميع ما يراه صلاحا له فى أموره كلّها؛ والكاتب قائم يكتب جميع ما يقوله القاطر، ثم يلتفت إلى أهل الصناعات فيقول: انقش أنت صورة كذا على حجر كذا، واغرس أنت كذا، واصنع أنت كذا، حتى يمرّ على أهل الصناعات؛ فيخرجون إلى دار الحكمة ويضعون أيديهم فى تلك الأعمال، ويستعمل الملك جميع ما يأمره القاطر. ويشرح ذلك اليوم فى الصحيفة وتطوى وتودع فى خزانة الملك، فعلى ذلك كانت تجرى أمورهم. وكان الملك إذا نابه أمر جمعهم واصطفّ الناس لهم فى شارع المدينة، ثم يدخلون ركبانا يقدم بعضهم بعضا، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كلّ واحد منهم بأعجوبة: فمنهم من يعلو وجهه نور كنور الشمس فلا يقدر أحد على النظر إليه، ومنهم من يكون عليه بدنة «١» جوهر أخضر أو أحمر أو من ذهب منسوج. ومنهم من يدخل راكبا أسدا متوشّحا بحيّات عظام. ومنهم من تكون عليه قّبة من نور أو من جوهر فى صنوف من العجائب كثيرة. ويصنع كلّ واحد منهم ما يدلّه عليه كوكبه الذى يعبده؛ فإذا دخلوا على الملك قالوا: أرادنا الملك لأمر كذا وقد علمنا، أو أضمر الملك كذا والصواب فيه كذا. فكانوا مع ملوكهم على هذه الحال حتى ملك فرعان فأبعدهم. وكان فليمون «٢» رئيس الكهّان، فرأى فيما يرى النائم كأنّ مدينة أمسوس قد انقلبت بأهلها، وكأنّ الأصنام

стр. 4888

تهوى على رءوسها، وكأنّ ناسا ينزلون من السماء معهم مقامع «١» فيضربون الناس بها، وكأنه قد تعلّق بأحدهم وقال له: ما لكم تفعلون بالخلق هذا! أما ترحمونهم؟ فقال: لأنهم كفروا بإلهم. قال: أفما لهم من خلاص؟ قالوا: نعم، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السفينة، فانتبه وهو يخاطبه، فبقى مرعوبا مما رآه. وكان له امرأة وولدان ذكر وأنثى ومعه تلاميذه، فأجمع على أن يلحق بنوح ﵇، ثم نام أيضا فرأى كأنه فى روضة خضراء، وكأنّ فيها طيورا بيضاء تفوح منها رائحة طيّبة، وكأنه تعجّب من حسنها إذ تكلّم بعض الطيور فقال لأصحابه: سيروا بناننج المؤمنين. قال له فليمون: ومن هؤلاء المؤمنون؟ قال: أصحاب السفينة. فانتبه مرعوبا وأخبر أهله وتلاميذه بذلك ثم نام. فلمّا كان الغد أتى الملك فقال: إن رأى الملك أن ينفذنى إلى در مسيل لأعرف حال هذا الرجل الذى عمل السفينة فأشاهده وأناظره على ما جاء به من هذا الدّين الذى أظهره وأتبيّن حقيقة أمره فليفعل؛ فإنى أرجو أن يكون ذلك سببا لهلاكه ودفعه عما يدّعيه، فأعجب الملك ذلك منه وأذن له فى الخروج، فسار بأهله وولده وتلاميذه حتى انتهوا إلى أرض بابل وقصد نوحا وسأله أن يشرح له دينه ففعل ذلك، فآمن به وجميع من معه، فقال نوح ﵇: من أراد الله عزوجل به الخير لم يصدفه أحد عنه. فلم يزل فليمون مع نوح ﵇ يخدمه هو وولده وتلاميذه إلى أن ركبوا السفينة. وأمّا فرعان الملك فإنه أقام منهمكا فى ضلاله وظلمه، مقبلا على لهوه، واستخفّ بالكهنة والهياكل، وضاقت الدنيا بأهلها، وكثر الهرج والظلم، وفسدت الزروع،

стр. 4889

وأجدبت النواحى، وظلم الناس بعضهم بعضا، ولم يكن أحد ينكر ذلك عليهم، وسدّت الهياكل والبرابى، وطيّنت أبوابها، وجاءهم الطوفان وأقبل المطر عليهم، وكان فرعان سكران فلم يقم إلّا بخرير الماء، فوثب مبادرا يريد [الهرب «١» إلى] الهرم فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه وجعل يخور كما يخور الثور، إلى أن أهلكه الله تعالى بالطوفان، ومن دخل الأسراب منهم هلك بغمّها، ولحق الماء من الأرض والأهرام إلى آخر التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وانقرضت ملوك الدنيا أجمع بالطوفان ولم يسلم إلا أصحاب السفينة كما تقدّم. فعدّة من سمّى لنا من ملوك مصر قبل الطوفان على هذا السّياق تسعة عشر ملكا، ثم ملكها بعد الطوفان من نذكره. ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك قال إبراهيم بن القاسم الكاتب: قال إبراهيم بن وصيف شاه: أجمع أهل الأثر أنّ أوّل من ملك مصر بعد الطوفان مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وذلك بدعوة سبقت له من جدّه. وكان السبب فى ذلك أنّ فليمون الكاهن سأل نوحا ﵇ أن يخلطه بأهله وولده وقال: يا نبىّ الله، إنى قصدتك رغبة فى الإيمان بالله وتصديقك يا نبىّ الله، وتركت وطنى وبلدى فاجعل لى رفعة وقدرا أذكر بهما من بعدى، فزوّج نوح ﵇ بيصر بن حام بنت فليمون الكاهن فولدت له ولدا سمّاه فليمون مصريم «٢» باسم بلده، فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون: ابعث معى يا نبىّ الله ابنى حتى أمضى به إلى بلدى وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه، فأنفذه معه فى جماعة من أهل بيته، وكان

стр. 4890

غلاما مراهقا، فلمّا قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض، ثم بنى له بعد ذلك فى الموضع مدينة وسمّاها درسان «١» ، أى باب الجنة؛ فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنّة من درسان الى البحر. [فصارت هناك «٢» ] زروع وأجنّة وعمارة وكان الذين مع مصريم جبابرة؛ فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع وأقاموا فى أرغد عيش. ونكح مصريم امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا سمّاه قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر، وهم: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا، وكثروا وعمّروا الأرض وبورك لهم فيها. وقيل: كان عدد من وصل مع مصريم ثلاثين نفرا فبنوا مدينة سمّوها مافه، ومعنى مافه ثلاثون بلغتهم، وهى منف؛ وكشف أصحاب فليمون عن كنوز مصر وعلّموهم خطّ البرابى، وأثاروا لهم المعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج والأسباد شم «٣» وغير ذلك، ووصفوا لهم عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها الى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام، فكان يعمل الكيمياء فى الجبل الشرقىّ فسمّى به المقطّم، وعلّموهم أيضا عمل الطلّسمات. وكانت تخرج من البحر دوابّ تفسد زرعهم وأجنّتهم وبنيانهم فعملوا لها الطلّسمات فغابت ولم تعد. وبنوا على عبر البحر مدنا منها: رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا فى وسطها قبّة على أساطين من نحاس مذهب والقبّة مذهبة، ونصبوا فوقها مرآة من أخلاط شتّى قطرها خمسة أشبار؛ وكان ارتفاع القبّة مائة ذراع؛ فكانوا اذا قصدهم قاصد من الأمم التى حولهم، فإن كان مما يهمّهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها على ذلك الشىء فأحرقته؛ فلم تزل على حالها الى أن غلب عليها

стр. 4891

البحر فنسفها. وقيل: إن الإسكندر إنما عمل المنارة تشبّها بها. وقد ذكرنا خبر المنارة فيما تقدّم من كتابنا هذا «١» . وقال: لما حضرت مصريم الوفاة عهد الى ابنه قبطيم بن مصريم؛ فقسم قبطيم مصر بين بنيه الأربعة: فجعل لابنه قفطريم من قفط الى أسوان الى النّوبة، ولأشمون من أشمون الى منف، ولأتريب الحوف كلّه الى الشجرتين الى أيلة من الحجاز، ولصا من ناحية صا البحيرة الى قرب برقة؛ وقال لأخيه فارق: لك من برقة الى المغرب، فهو صاحب إفريقية. وولده الأفارق. وأمر كل واحد من بنيه أن يبنى لنفسه مدينة فى موضعه. وأمر مصريم عند موته أن يحفروا له فى الأرض سربا وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما فى خزائنه من الذهب والجوهر، ويزبروا عليه أسماء الله تعالى المانعة من أخذه. فخفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا فى وسطه مجلسا مصفّحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب، على كل باب منها تمثال من ذهب عليه تاج مرصّع بالجوهر، جالس على كرسىّ من ذهب قوائمه من زبرجد، وزبروا فى صدر كل تمثال آيات عظاما مانعة، وجعلوا جسده فى جرن من المرمر مصفّح بالذهب وزبروا على مجلسه: مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، ومات ولم يعبد الأصنام، إذ لا هرم ولا سقام، ولا حزن ولا اهتمام، وحصنه بأسماء الله العظام، لا يصل اليه إلا ملك ولدته سبعة ملوك يدين بدين الملك الديّان، ويؤمن بالبعث والفرقان، الداعى الى الإيمان فى آخر الزمان. وجعلوا معه فى ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف

стр. 4892

برنية [مملوءة «١» ] من الدرّ الفاخر والصّنعة الإلهية، والعقاقير البرّيّة، والطلّسمات العجيبة، وسبائك الذهب مكدّسة بعضها على بعض، وسقّفوا ذلك بالصخور العظام وهالوا فوقها الرمال [بين جبلين «٢» ] . واستقلّ قبّطيم بالملك بعد أبيه. ويقال: إنّ قبط مصر منسوبون اليه. وهو أوّل من عمل العجائب وأثار المعادن، وشقّ الأنهار. ويقال: إنه لحق البلبلة «٣» وخرج منهم بهذه اللغة القبطية، وعمل ما لم يعمله أبوه من نصب الأعلام والمنارات والعجائب والطلّسمات. وملكهم قبطيم [أربعمائة و «٤» ] ثمانين سنة ومات؛ فاغتمّ عليه بنوه وأهله ودفن فى الشرق فى سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفّحوه بالمرمر الملوّن وجعلت فيه منافذ للرّياح؛ فهى تتخرق فيه بدوىّ عظيم هائل، وجعل فيه من الكبريت الأحمر وأكر من نحاس مطليّة بأدوية مشعلة لاتطفأ، ولطّخوا جسده بالمرّ والكافور والموميا، وجعلوه فى جرن من ذهب فى ثياب منسوجة بالمرجان والدرّ، وكشفوا عن وجهه وجعلوه تحت قبّة ملوّنة، فى وسطها درّة معلّقة تضىء كالسراج، والقبّة على أعمدة بين كلّ عمودين تمثال فى يده أعجوبة، وجعلوا حول الجرن توابيت مملوءة جوهرا وذهبا وتماثيل وصنعة وغير ذلك، وحول ذلك مصاحف القبط والحكمة، وسدّوا عليه بالصخور والرّصاص وزبروا عليه كما زبروا على ناووس أبيه. وملك بعده ابنه قفطريم بن قبطيم؛ وكان أكبر ولد أبيه؛ وكان جبّارا عظيم الخلق، وهو الذى وضع أساسات الأهرام الدّهشوريّة وغيرها ليعمل منها كما عمل الأوّلون، وهو الذى بنى دندرة ومدينة الأصنام. ودندرة: بلد من بلاد إقليم قوص، وهى فى البرّ الغربىّ مشهورة هناك. قال: وأثار من المعادن ما لم يثره غيره،

стр. 4893

وكان يجرّ من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزّبرجد كالأسطوانة، ومن الأسبادشم فى صحراء الغرب كالقلّة. وعمل من العجائب شيئا كثيرا. وبنى منارا عاليا على جبل قفط يرى من البحر الشرقىّ، ووجد هناك معدن زئبق فعمل منه بركة كبيرة، فيقال إنها هناك الى الآن؛ وأما المنار فسقط. وعمل عجائب كثيرة. ويقال: إنه بنى المدائن الداخلة وعمل فيها عجائب كثيرة، منها: الماء الملفوف القائم كالعمود لا ينحلّ ولا يذوب، والبركة التى تسمّى فلسطين، أى صيّادة الطير، إذا مرّ عليها الطير سقط فيها ولم يمكنه أن يبرح حتى يؤخذ. وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر إذا قربت الأسد والحيّات والأشياء المضرّة من تلك المدينة صفر صفيرا عاليا فترجع تلك الدوابّ هاربة. وكان على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب إلّا ألقى عليه النوم والسّبات، فينام عندها ولا يستيقظ حتى يأتيه أهل المدينة وينفخون فى وجهه فيقوم، وإن لم يفعلوا ذلك لم يزل نائما عند الأصنام حتى يهلك. وعمل منارا لطيفا من زجاج ملوّن على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة صورة صنم من أخلاط كثيرة، وفى يده كالقوس كأنه يرمى عنها، فإن عاينه غريب وقف فى موضعه لم يبرح حتى ينجيه أهل المدينة. وكان ذلك الصنم يتوجّه إلى مهبّ الرياح الأربع من نفسه. قال وقيل: إن هذا الصنم على حالته إلى الآن، وإنّ الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفا من ذلك الصنم أن تقع عين الإنسان عليه فلا يزال قائما حتى يتلف. قال: وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه، وهلك لذلك خلق كثير. ويقال: إنه عمل فى بعض المدن الداخلة مرآة من أخلاط ترى جميع ما يسأل الإنسان عنه وهى غربىّ البلد. قال: وعمل خلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة

стр. 4894

ووكّل بها الروحانيّين الذين يمنعون منها؛ فما يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها أو يعمل قرابين أولئك الروحانيين فيصل إليها حينئذ ويأخذ من كنوزها ما أحبّ من غير مشقّة ولا ضرر. قال: وأقام قفطريم ملكا أربعمائة سنة. وأكثر العجائب عملت فى وقته ووقت ابنه البودسير «١» . وكان الصعيد أكثر عجائب من أسفل الأرض. قال: وفى آخر أيام قفطريم هلكت عاد بالريح العقيم. ولمّا حضرت قفطريم الوفاة عمل له ناووس من الجبل الغربىّ قرب مدينة الكهنة، كان عمله لنفسه قبل موته فى سرب فى الجبل كهيئة الدار الواسعة وجعل دورها خزائن منقورة، وجعل فى سقوفها مسارب للرياح، وبنى ذلك بالمرمر، وجعل فى وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان مصفحا بالزجاج الملوّن المسبوك، وجعل فى سقفه جواهر وحجارة تسرج، وجعل فى كل ركن من أركان المجلس تمثالا من الذهب بيده كالبوق، وجعل تحت القبّة دكّة مصفّحة بالذهب، وجعل لها حوافى زبرجد، وفرش فوق الدكّة فرش الحرير، وجعل عليها جسده بعد أن لطخ بالأدوية الممسكة، ومن جوانبه آلات الكافور المخروطة، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج ملكه، وعن جوانب الدكّة أربع تماثيل مجوّفات من زجاج مسبوك مثل صور النساء وألوانهن، بأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقىّ قائمه من الزبرجد، وجعل فى تلك الخزائن: من الزبرجد وسبائك الذهب والتيجان والجواهر وبرانى الحكم وأصناف العقاقير والطّلّسمات، ومن المصاحف الحاوية لجميع العلوم، ما لا يحصى قدره كثرة؛ وجعل على باب المجلس ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على مدخل كل أزج صورتين من نحاس مشوّهتين بأيديهما

стр. 4895

سيفان كالبرق، ووراءهما بلاطة تحتها لوالب فمن وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه، وفى سقف كل أزج كرة عليها لطوخ مدبّر يسرج، وسدّ باب الأزج بالأساطين ورصّوا على سقفه البلاط العظام وردموا فوقها الرمال، وزبروا على باب الأزج: هذا الداخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذى الأيد والفخر، والغلبة والقهر، أفل نجمه وبقى ذكره وعلمه، فلا يصل أحد اليه، ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك بعد سبعمائة وسبعين، ودورات مضت من السنين. قال: ولمّا مات قفطريم ملك بعده ابنه البودسير بن قفطريم؛ فتجبّر وتكبّر وعمل بالسحر واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه أشمون وأتريب وصا ملوكا على أحيازهم إلّا أنه قهرهم بجبروته وقوّته، فكان الذكر له كما كان لأبيه. ويقال: إنه أرسل هرمس الكاهن المصرىّ إلى جبل القمر الذى يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك هيكل التماثيل النحاس، وعدل إلى البطيحة التى ينصبّ اليها ماء النيل. ويقال: إنه الذى عدّل جانبى النيل وقد كان يفيض [فى مواضع وينقطع فى مواضع «١» ] ، وأمره البودسير أن يسير مغرّبا فينظر الى ما هناك، فوقع على أرض واسعة متخرّقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى منائر ومتنزهات، وحوّل اليها جماعة من أهل بيته فعمروا تلك النواحى وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب كلها عمارة، وأقامت كذلك مدة كثيرة وخالطهم البربر فتناكحوا؛ ثم إنهم تحاسدوا وبغى بعضهم على بعض، وكانت بينهم حروب فخرب البلد وباد أهله إلا بقية منازل تسمّى الواحات هى موجودة الى وقتنا هذا. ويقال: إنه عمل عجائب كثيرة فى وقته، منها: قبّة لها أربعة أركان وفى كلّ ركن منها كوّة يخرج منها كالدخان الملتفّ فى ألوان شتّى [يستدلّون بكل

стр. 4896

لون على شىء «١» ] ؛ فما خرج منه أخضر دلّ على العمارة وحسن النبات والزرع وصلاحه، وإن خرج الدخان أبيض دلّ على الجدب وقلّة الزكاء «٢» ، وإن خرج أحمر دلّ على الدماء والحروب وقصد الأعداء، وإن كان أسود دلّ على كثرة الأمطار والمياه وفساد بعض الأرض بذلك، وإن كان أصفر دلّ على النيران وآفات تحدث فى الفلك، وما كان منها مختلطا دلّ على مظالم الناس وتعدّى بعضهم على بعض وإهمال ملوكهم لهم، وأشياء من هذا الضرب. وكانت هذه القبّة على منار أقام زمنا طويلا ثم هدمه بعض الملوك البربر؛ لأنه أراد غزو قوم بتلك الناحية فعلموا بحاله فانتقلوا عن ذلك الموضع الى قرب النيل فلمّا جاء ولم يجدهم هدمه. ومما عمل له فى الصحراء التى تقرب منه- وكانت الوحش قد كثرت وأفسدت عليهم زرعهم وكذلك خنازير الماء- شجرة من نحاس عليها أمثال تلك الوحوش ملجمة أفواهها بخيوط من نحاس، فما يجوز بها من الوحش لا يستطيع الحراك ولا البراح من عندها حتى يؤخذ قبضا ويقتل؛ فأشبع الناس فى لحوم تلك الوحوش وانتفعوا بجلودها زمانا طويلا إلى أن انتزعها بعض ملوك الغرب سرّا من أهل مصر وقدّر أن ينصبها فى بلدهم فتعمل له مثل ذلك، فلمّا عملها بطلت؛ لأنهم كانوا يعملون ما يعملون بطالع يأخذونه له، فلا يزال عمله مستقيما إلى أن تغيّر عن مكانه فبطل عمله. ومما عمل فى وقته أنّ غرابا نقر عين صبىّ من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل شجرة من نحاس عليها تمثال غراب من نحاس فى منقاره حربة بادية الطرفين. منشور الجناحين، وكتب على ظهره كتابا؛ فكانت الغربان تقع على تلك الشجرة

стр. 4897

ولا تبرح حتى تؤخذ فتقتل، ففنى أكثر الغربان وزالت عن تلك الناحية إلى ناحية الشام. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أصاب بعض ملوكهم علّة ووصف له فيها لحم غراب يطبخه ويأكله ويشرب من مرقه فلم يوجد، فوجّه الى آخر العمل الذى بمصر من ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ عليه، فأمر بنزع الشجرة فرجع الغربان وأخذ منها ما عولج به الملك قبل أن يرجع رسوله. ومما عمل فى وقته- وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ظهرت على زروعهم- فعمل لذلك صنما من صوّان أسود على قاعدة منه وعلى كتفه شبه القفّة فيها كالمسحاة، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه حروفا، وأقامه الكاهن بطالع أخذه له ووجهه إلى الغرب؛ فانكشفت تلك الرمال ورجعت إلى ورائها. فتلك الأكداس العالية فى صحراء الغرب منها. ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى أن زال ذلك الصنم عن موضعه. قال: وأقام البودسير مدّة واحتجب عن الناس، وكان يتجلّى لهم فى صورة وجه عظيم، وربما خاطبهم ولا يرونه، ثم غبر «١» مدّة وهم فى طاعته إلى أن رآه ابنه عديم وهو يأمره بالجلوس على سرير الملك. فجلس عديم «٢» بن البودسير على الملك وكان جبارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون. قال: وكان فى وقته الملكان اللذان

стр. 4898

هبطا من السماء، وكانا فى بئر يقال لها أفناوه، وكانا يعلّمان أهل مصر السحر. ويقال: إن عديم استكثر من علمهما ثم نقلا إلى بابل. قال: وأهل مصر من القبط يقولون إنهما شيطانان يقال لهما: مهلة ومهالة، وليس هما الملكين. والملكان ببابل فى بئر هناك يغشاها السحرة إلى يوم الساعة. ولنصل هذا الفصل بخبر هاروت وماروت وإن لم يكن منه؛ وإنما الشئ بالشئ يذكر. والله أعلم. ذكر خبر هاروت وماروت قال الله تعالى: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ «١» ) الآية. قال أبو إسحاق الثعلبىّ فى تفسيره: وكانت قصّتهما- على ما ذكره ابن عباس رضى الله عنه والمفسّرون- أنّ الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بنى آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة؛ وذلك فى زمن إدريس ﵇ فيعيّرونهم بذلك، ودعت عليهم الملائكة وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم فى الأرض واخترتهم فهم يعصونك؛ فقال الله عزّوجل لهم: لو أنزلتكم إلى الأرض وركّبت فيكم ما ركّبت فيهم لركبتم ما ارتكبوا؛ فقالوا: سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نعصيك؛ قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم. قال: وقال الكلبىّ: قال الله لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزّا وهو هاروت، وعزايا وهو ماروت، وغيّر اسمهما لمّا قارفا الذنب، وعزاييل؛ فركّب الله فيهم الشهوة التى ركّبها فى بنى آدم وأهبطهم إلى الأرض، وأمرهم أن يحكموا

стр. 4899

بين الناس بالحق، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير حق، ونهاهم عن الزنا وشرب الخمر. فأما عزاييل فإنه لمّا وقعت الشهوة فى قلبه استقال ربّه وسأله أن يرفعه إلى السماء فأقاله ورفعه، فسجد أربعين سنة ثم رفع رأسه. ولم يزل بعد ذلك مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى. وأما الآخران فإنهما بقيا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء. قال قتادة: فما مرّ عليهما أشهر حتى افتتنا. قال الثعلبىّ: قالوا جميعا: وذلك أنه اختصم اليهما ذات يوم الزّهرة، وكانت من أجمل النساء. قال علىّ رضى الله عنه: كانت من أهل فارس، وكانت ملكة فى بلدها، فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما، فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت، ثم عادت فى اليوم الثانى ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: لا! إلا تعبدا ما أعبد، وتصلّيا لهذا الصنم، وتقتلا النفس، وتشربا الخمر. فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء؛ فإن الله عزوجل نهانا عنها، فانصرفت؛ ثم عادت فى اليوم الثالث ومعها قدح من خمرو فى أنفسهم من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر؛ فشربا فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا، فلمّا فرغا رآهما إنسان فقتلاه. قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم فمسخ الله عزوجل الزّهرة كوكبا. وقال علىّ بن أبى طالب والسدّى والكلبىّ رضى الله عنهم: إنها قالت لهما: لن تدركانى حتى تخبرانى بالذى تصعدان به إلى السماء. فقالا: باسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما بمدركانى حتى تعلّمانيه. فقال أحدهما لصاحبه: علّمها! قال: إنى أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله! فعلّماها ذلك. فتكلّمت به وصعدت

стр. 4900

إلى السماء. فمسخها الله تعالى كوكبا. فعلى قول هؤلاء هى الزّهرة بعينها، وقيّدوها فقالوا: هى هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسية «ناهيد» ، وبالنبطية «بيدخت» . قال: ويدلّ على صحة هذا القول ما رواه الثعلبىّ بسنده إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال: كان النبىّ ﷺ إذا رأى سهيلا قال: «لعن الله سهيلا إنه كان عشّارا «١» باليمن ولعن الله الزّهرة فإنها فتنت ملكين» . وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر رضى الله عنهما ذات ليلة فقال لى: ارمق الكوكبة فإذا طلعت فأيقظنى، فلمّا طلعت أيقظته، فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّا شديدا، فقلت: رحمك الله تسبّ نجما سامعا مطيعا لله؟ ما له يسبّ! فقال: إن هذه كانت بغيّا فلقى الملكان منها ما لقيا. وقال نافع: كان ابن عمر رضى الله عنهما إذا رأى الزّهرة قال: لا مرحبا بها ولا أهلا. وروى أبو عثمان النهدى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن المرأة التى فتن بها الملكان مسخت، فهى هذه الكوكبة الحمراء، يعنى الزّهرة. قال الثعلبىّ: وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا: إن الزهرة من الكواكب «٢» السبعة السيّارة التى جعلها الله قواما للعالم، وإنما كانت هذه التى فتنت هاروت وماروت امرأة، كانت تسمّى زهرة من جمالها، فلمّا بغت جعلها الله تعالى شهابا،

стр. 4901

فلما رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشّار. والله أعلم. قالوا: فلما أمسى هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس ﵇ فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عزوجل ففعل ذلك، فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذّبان. واختلف العلماء فى كيفيّة عذابهما فقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: هما معلّقان بشعورهما إلى قيام الساعة. وقال قتادة: كبّلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما. وقال مجاهد: إن جبّا ملئ نارا فجعلا فيه. قال حصيف: معلّقان منكّسان فى السلاسل. وقال عمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد. وروى أنّ رجلا أراد تعلم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلّقين بأرجلهما، مزرقّة أعينهما، مسودّة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلّا قدر أربع أصابع، وهما يعذّبان بالعطش، فلمّا رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، وقد نهى عن ذكر الله هناك. فلمّا سمعا كلامه قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالا: من أىّ أمة أنت؟ قال: من أمة محمد ﷺ . قالا: وقد بعث؟ قال نعم. قالا: الحمد لله! وقد أظهرا الاستبشار. فقال الرجل: وممّ استبشاركما؟ قالا: إنه نبىّ الساعة. وقد دنا انقضاء عذابنا.

стр. 4902

قال: وأمّا كيفية تعلّم السحر، فقد روى فيه خبر جامع، وهو ما رواه أبو إسحاق بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: قدمت علىّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغى رسول الله ﷺ بعد موته تسأله عن شىء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة رضى الله عنها لعروة: يابن أختى، فرأيتها تبكى حين لم تجد رسول الله ﷺ ، فكانت تبكى حتى إنى لأرحمها! تقول: إنى أخاف أن أكون قد هلكت؛ قالت: كان لى زوج فغاب عنّى فدخلت علىّ عجوز فشكوت ذلك إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك به فلعلّه يأتيك، فلمّا كان الليل جاءتنى بكبشين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلّم السحر، قالا: إنما نحن فتنة فلا تكفرى وارجعى، فأبيت فقلت: لا، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما فقالا: فعلت؟ قلت نعم، قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لم أرشيئا، فقالا: لم تفعلى، إرجعى إلى بلادك فلا تكفرى، قالت: فأبيت، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت فاقشعرّ جلدى فرجعت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا: هل رأيت شيئا؟ فقلت: لم أرشيئا، فقالا: كذبت لم تفعلى، إرجعى إلى بلادك فلا تكفرى فإنك على رأس أمرك؛ قالت: فأبيت، فقالا: إذهبى إلى ذلك التنّور فبولى فيه، فذهبت إليه فبلت فرأيت فارسا مقنّعا بحديد خرج منّى حتى ذهب فى السماء وغاب عنّى حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت؛ قالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنّعا بالحديد خرج منّى حتى ذهب فى السماء حتى ما أراه، قالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك؛ اذهبى. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا، وما قالا لى شيئا. فقالت: لن تريدى شيئا إلا كان؛ خذى هذا القمح فابذرى،

стр. 4903

فبذرت، قلت: أطلعى، فأطلعت «١» ، فقلت، أحقلى، فأحقلت «٢» ، ثم قلت: أفركى «٣» ، فأفركت، ثم قلت: أطحنى، فأطحنت، ثم قلت: أخبزى، فأخبزت. فلما رأيت أنى لا أريد شيئا إلا كان، سقط فى يدى وندمت. والله يا أمّ المؤمنين ما فعلت شيئا قطّ، ولا أفعله أبدا. قال: وقال بعضهم: إنهما لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، فيتعلّم الشقىّ منهما فى خلال صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما، فلا يكون على هذا التأويل كفرا وإنما يكون العمل به كفرا. وقد أنكر بعضهم أن يكونا ملكين قال: وإنما كانا ملكين. وقرئ فى الشواذّ: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) (بكسر اللام) . وقيل: كانا علجين ببابل «٤» . حكاه القاضى عياض فى كتاب الشفا «٥» . والله تعالى أعلم. ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك . قال: وعديم أوّل من صلب «٦» ؛ وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات، وكان لها زوج من أصحابه، فأمر

стр. 4904

بصلبهما على منارتين، وجعل ظهر كلّ منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنارتين اسمهما وما فعلاه وتاريخ الوقت الذى عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزنا. قال: وبنى أربع مدائن وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطّلّسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزا كثيرة. وعمل فى الشرق منارا وأقام على رأسه صنما «١» موجّها إلى الشرق، مادّا يديه يمنع دوابّ البحر والرمال أن تتجاوز حدّه، وزبر فى صدره تاريخ الوقت الذى نصبه فيه؛ ويقال: إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا؛ ولو لاه لغلب الماء المالح من البحر الشرقىّ على أرض مصر. وعمل قنطرة على النيل فى أوّل بلاد النوبة ونصب عليها أربعة أصنام موجّهة [إلى أربع جهات الدنيا «٢» ] فى يدى كل صنم جرس يضرب به إذا أتاهم آت من تلك الناحية؛ فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى. وهو الذى عمل البربا على باب النوبة، ويقال: إنه عمل فى إحدى المدائن الأربع التى ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء لا ينقص على طول الدهر ولا يتغيّر؛ وكان أهل تلك الناحية يشربون منه ولا ينقص ماؤه؛ وإنما عمل ذلك لبعدهم عن النيل وقربهم من البحر لمالح. وقد ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك لقربهم من البحر المالح، لأن الشمس فيما ذكروا ترفع بحرّها بخارا فيحصل من ذلك البخار حرّ بالهندسة، وقيل بالسحر. وملكهم عديم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبعمائة سنة وثلاثين سنة. وقيل: إنه دفن فى إحدى المدائن ذات العجائب فى أزج من رخام ملوّن بزرقة، مبطّن برخام أصفر، وطلى جسده بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك وسط المدينة، فهى محروسة بما يمنع منها من الروحانيّين.

стр. 4905

قال: وذكر بعض القبط أنّ عديما هذا عمل لنفسه فى صحراء قفط على وجه الأرض قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقودة على ثمانية آزاج من صنفها، على رأسها أكرة من ذهب، عليها طائر من ذهب، متوشّح بجوهر، منشور الجناحين، يمنع من الدخول إليها، وقطرها مائة ذراع فى مثلها، وجعل جسده فى وسطها على سرير من ذهب مشبّك وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بذهب مغروزة بجوهر منظوم؛ والآزاج مفتحة، طول كل أزج ثمانية أذرع، وارتفاع القبّة أربعون ذراعا تلقى الشعاع على ما حولها من الأرض، وجعل حوله فى القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها، منها: مائدة من أدرك رمّانىّ أحمر وآنيتها منها. ومائدة من ذهب فيلمونى «١» يخطف البصر، وهو من الذهب الذى تعمل منه تيجان الحكماء، وآنيتها منها. ومائدة من حجر الشمس المضئ بآنيتها. ومائدة من الزبرجد المخروط الذى يخالطه شعاع أصفر بآنيتها، قال: وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعى سالت عيونها. ومائدة من كبريت أحمر ومدبّر بآنيتها. ومائدة من ملح مدبّر برّاق يكاد نوره يخطف الأبصار بآنيتها. ومائدة من زئبق معقود وقوائمها وحافاتها من زئبق أصفر معقود مضىء، وعليها آنية من زئبق أحمر معقود. وجعل فى القبّة جواهر كثيرة ملوّنة وبرانىّ صنعة مدبّرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية وأتراس من حديد أبيض مدبّر، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب، [عليها سروج من ذهب «٢» ] وسبعة توابيت من الدنانير التى ضربها وصوّر عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية فى برانىّ الحنتم «٣» ، ومن أصناف الأحجار شىء كثير.
следующие страницы →