Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
هذه المساحة وضائع، ونأمر بإنجامها فى السنة ثلاثة أنجم، ونجمع فى بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور أو طرف من الأطراف فتق «١» أو ما نكرهه واحتجنا الى تداركه أو حسمه بذلنا الأموال التى عندنا ولم نحتج الى استئناف جبايتها، فما الذى ترون فيما رأيناه من ذلك وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولا نطق بكلمة. فكرر كسرى عليهم القول ثلاثا، فقام رجل من عرضهم وقال: أتضع أيها الملك- عمرك الله- خالدا من هذا على الفانى؟ من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يغيض، وعين أو قناة ينقطع ماؤها. فقال له كسرى: ياذا الكلفة المشئوم، من أىّ طبقات الناس أنت؟ فقال: من الكتّاب. فقال كسرى:
اضربوه بالدّوىّ حتى يموت، فضربه الكتاب خاصة تبرؤا منهم الى كسرى من رأيه، وما صدر من مقالته حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون بما ألزمتنا أيها الملك به من خراج. ثم اجتمعت الآراء على وضع ما ذكرناه من الوضائع، فاستقرّت على ذلك إلى أن جاء الإسلام، وبها أخذ عمر رضى الله عنه لما فتحت بلاد فارس.
ذكر قطعة من سير كسرى أنو شروان وسياسته
قال الشيخ أبو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم:
إنه قرأ فيما كتبه أنو شروان من سيرة نفسه فى كتاب عمله فى سيرته وما ساس به مملكته: قال كسرى: كنت يوما جالسا بالدّسكرة وأنا سائر الى همذان لنصيف هناك؛ وقد أعدّ الطعام للرسل الذين بالباب من قبل خاقان والهياطلة والصين وقيصر ونقفور؛ ودخل رجل من الأساورة مخترطا سيفه حتى وصل الى السّتر فى ثلاثة أماكن، وأراد الدخول حيث نحن والوثوب علينا، فأشار علىّ بعض خدمى
стр. 5042
أن أخرج إليه بسيفى، فعلمت أنه إن كان إنما هو رجل واحد فسوف يحال بيننا وبينه، وإن كانوا جماعة فإنّ سيفى لا يغنى شيئا؛ فلم أخف ولم أتحرّك من مكانى؛ وأخذه بعض الحرس فإذا هو رجل رازىّ من حشمنا وخاصّتنا، فلم يشكّوا أنّ على رأيه كثيرا من الناس، فسألونى ألّا أجلس ولا أحضر للشرب حتى يستبين الأمر، فلم أجبهم الى ذلك لئلّا ترى الرسل منّى جبنا، فخرجت لشربى، «١» فلما فرغنا هدّدت الرازىّ بالعقوبة وقطع اليمين، وسألته أن يصدقنى عن الذى حمله على ذلك، وأنه إن صدقنى لم تنله عقوبة بعد ذلك؛ فذكر أنّ قوما وضعوا من قبل أنفسهم كتبا وكلاما، وذكروا أنه من عند الله، أشاروا عليه بذلك وأخبروه أنى إن قتلته وإن قتلنى أدخل الجنة. فلما فحصت عن ذلك وجدته حقّا؛ فأمرت بتخلية الرازىّ وبردّ ما أخذ منه، وتقدّمت بضرب رقاب أولئك الذين أشاروا عليه حتى لم أدع منهم أحدا.
وقال أنو شروان: إنى لما أحضرت القوم الذين اختلفوا فى الدين وجمعتهم للنظر فيما يقولونه، بلغ من جرأتهم وخبثهم وقوّة شياطينهم أن لم يبالوا بالقتل والموت فى إظهار دينهم الخبيث، حتى إنى سألت أفضلهم رجلا على رءوس الناس عن استحلاله قتلى، فقال: نعم، استحلّ قتلك وقتل من لا يطاوعنا على ديننا! فلم آمر بقتله حتى إذا حضر وقت الغداء أمرت أن يحبس الغداء وأرسلت اليه بطرف الطعام، وأمرت الرسول أن يبلّغه عنّى أنّ بقائى له أنفع مما ذكر؛ فأجاب الرسول إنّ ذلك حقّ، ولكن سألنى الملك أن أصدقه عن ذات نفسى ولا أكتمه شيئا مما أدين به، وإنما أدين بما أخذته من مؤدّبى.
стр. 5043
قال أنو شروان: لمّا غدربى قيصر وغزوته فذلّ وطلب الصلح وأنفذ إلىّ بمال وأقرّ بالخراج والفدية، تصدّقت على مساكين الروم وضعفائهم وضعفاء مزارعيهم مما بعث به قيصر بعشرة آلاف دينار، وذلك فيما وطئته من أرض الروم دون غيرها.
وقال: لمّا أمرت بتصفح أمر الرعية بنفسى ورفع البلاء والظلم عنهم، وما ينوبهم من ثقل الخراج؛ فإنّ فيه مع الأجر تزيين [أهل «١» ] المملكة وغناهم وقدرة الوالى على أن يستخرج منهم إن هو احتاج الى ذلك- وقد كان فى آبائنا من يرى أنّ وضع الخراج عنهم السنة والسنتين والتخفيف أحيانا مما يقوّيهم على عمارة أرضيهم- جمعت العمال ومن يؤدّى الخراج فرأيت من تخليطهم ما لم أرله حيلة إلا التعديل والمقاطعة على بلدة بلدة، وكورة كورة، ورستاق رستاق، وقرية قرية، ورجل رجل؛ فاستعملت عليهم أهل الثقة والأمانة فى نفسى، وجعلت فى كل بلد مع كل عامل أمناء يحفظون عليه، ووليت قاضى القضاة بكل كورة النظر فى أهل كورته، وأمرت أهل الخراج أن يرفعوا ما يحتاجون الى رفعه إلينا الى القاضى الذى وليته أمر كورهم حتى لا يقدر العامل أن يزيد شيئا، وأن يؤدّوا الخراج بمشهد من القاضى، وأن تعطى به البراءة، وأن يرفع خراج من هلك منهم، ولا يزاد الخراج ممن لم يدرك من الأحداث، وأن يرفع القاضى وكاتب الكورة وكاتب أهل الكورة وكاتب أهل البلد والعامل محاسبتهم الى ديواننا وقت الكتب بذلك.
وقال: رفع الينا موبذان موبذ أنّ قوما سمّاهم من أهل الشرف، بعضهم بالباب كان شاهدا وبعضهم ببلاد أخر، دينهم مخالف لما رويناه عن نبينا وعلمائنا، وأنهم يتكلمون بدينهم سرّا ويدعون اليه الناس، وأن ذلك مفسدة للملك، وحيث
стр. 5044
لا تقوم الرعيّة [إلا «١» ] على هوى واحد، فيحرّمون جميعا ما يحرّم الملك، ويستحلّون ما يستحلّ الملك فى دينه؛ فإنّ ذلك إذا اجتمع للملك قوى بجنده لأجل الموافقة بينهم وبين الملك، فآستظهر على قتال الأعداء؛ فأحضرت أولئك المختلفين فى الأهواء، وأمرت أن يخاصموا حتى يقفوا على الحقّ ويقرّوا به، وأمرت أن يقصوا عن مدينتى وعن بلادى ومملكتى، ويتتبع كل من هو على هواهم فيفعل به ذلك.
وقال: إن الترك الذين فى ناحية الشمال كتبوا إلينا بما أصابهم من الحاجة، وأنهم لا يجدون بدّا- إن لم نعطهم شيئا- من أن يغزونا، وسألوا خصالا إحداها أن نتخذهم فى جندنا، ونجرى عليهم ما يعيشون به، وأن نعطيهم من أرض الكرج «٢» وبلنجر «٣» وتلك الناحية ما يعيشون به، فرأيت أن أسير فى ذلك الطريق الى باب صول «٤» ، وأحببت أن يعرف من قبلنا من الملوك هناك نشاطنا للأسفار وقوّتنا عليها متى هممنا، وأن يروا ما رأوا من هيبة الملوك وكثرة الجنود وتمام العدّة وكمال السلاح ما يقوون به على أعدائهم، ويعرفون به قوّة من خلفهم إن هم احتاجوا اليه، وأحببنا بمسيرنا أن نجرى لهم على أيدينا الجوائز والحملان «٥» ، والقرب من المجلس واللطف فى الكلام ليزيدهم ذلك مودّة لنا ورغبة فينا، وحرصا على قتال أعدائنا، وأحببت أيضا التعهد لحصونهم، وأن أسأل أهل الخراج عن أمرهم فى مسيرنا.
فسرت فى طريق همذان وأذربيجان. فلما بلغت الى باب الصول ومدينة فيروز خسرو يمّمت تلك المدائن العتيقة، وتلك الحدود، وأمرت ببناء حصون أخر. فلما بلغ
стр. 5045
خاقان الخزر نزولنا هناك تخوّف أن نغزوه، فكتب أنه لم يزل- منذ ملكت- يحب موادعتى، وأنه يرى الدخول فى طاعتى؛ ورأى بعض قوّاده- لمّا شاهد حاله- تركه وأتانا فى ألفين من أصحابه؛ فقبلناه وأنزلناه فى تلك الناحية، وأجريت عليه وعلى أصحابه الرزق، وأمرت لهم بحصن هناك، وأمرت بمصلّى لأهل ديننا، وجعلت فيه موبذا وقوما نسّاكا، وأمرتهم أن يعلموا من دخل من الترك فى طاعتنا ما فى طاعة الولاة من المنفعة العاجلة فى الدنيا، والثواب الآجل فى الأخرى، وأن يحثّوهم على المودّة والصحبة «١» والعدل والنصيحة ومجاهدة العدوّ، وأن يعلّموا أحداثهم رأينا ومذهبنا، وأقمت لهم فى تلك التخوم الأسواق، وأصلحت طرقهم «٢» وقوّمت السكك. ونظرنا فيما اجتمع لنا هناك من الخيل والرجال فإذا هو بحيث لو كان بوسط فارس لكان منزلنا بها فاضلا.
وقال: فلما أتى لملكنا ثمان وعشرون سنة جدّدت النظر فى أمر المملكة والعدل على الرعية، والنظر فى أمرهم، وإحصاء مظالمهم، وإنصافهم. وأمرت موبذ كل ثغر ومدينة وبلد وجند بإنهاء ذلك الىّ. وأمرت بعرض الجند، من كان منهم بالباب بمشهد منّى، ومن غاب فى الثغور والأطراف بمشهد من القائد وبادوستان «٣» والقاضى وأمين من قبلنا. وأمرت بجمع أهل كور الخراج فى كل ناحية من مملكتى الى مصرها «٤» مع القائد وقاضى البلد والكاتب والأمين. وسرّحت من
стр. 5046
قبلى من عرفت صحبته وأمانته ونسكه وعلمه، ومن جرّبت ذلك منه الى كل مصر ومدينة حيث أولئك العمال والغلمان وأهل الأرض ليجمعوا بينهم وبين أهل أراضيهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يرفع الأمر كلّه على حقّه وصدقه، فما نفذ لهم فيه أمر أو صحّ فيه القضاء فرضى به أهله فرغوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه الىّ.
وبلغ اهتمامى بتفقّد ذلك ما لولا الذى أدارى من الأعداء والثغور لباشرت أمر الخراج والرعية بنفسى قرية قرية حتى أتعهدها وأكلّم رجلا رجلا من أهل مملكتى؛ غير أنى تخوّفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو أعظم منه، الأمر الذى لا يغنى فيه أحد غنائى ولا يقدر على إحكامه غيرى، ولا يكفينيه كاف، مع الذى فى الشخوص الى قرية قرية من المئونة على الرعية من جندنا، ومن لا نجد بدّا من إخراجه معنا. وكرهنا أيضا إشخاصهم إلينا مع تخوّفنا أن يشتغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم، أو يكون فيهم من يدخل عليه من ذلك مئونة فى تكلّف السير الى بابنا، وقد ضيّع قراه وأنهاره وما لا يجد بدّا من تعهده فى السنة كلها فى أوقات العمارة، ففعلنا ذلك بهم ووكّلنا موبذان «١» موبذ بذلك، وكتبنا به الكتب وسرّحنا من وثقنا به، ورجونا أن يجرى مجرانا وأشخصناه وقلّدناه ذلك.
قال: ولما أمّن الله جميع أهل مملكتنا من الأعداء فلم يبق منهم إلا نحو ألفى رجل من الديلم الذين عسر افتتاح حصونهم لصعوبة الجبال عليها، لم نجد شيئا أنفع لمملكتنا من أن نفحص عن الرعية، وأولئك الأمناء الذين وصّيناهم بإنصاف أهل الخراج. وكان بلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا فى ذلك،
стр. 5047
فأمرت بالكتب الى قاضى كورة كورة أن يجمع أهل الكورة بغير علم عاملهم وأولى أمرهم فيسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم، ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه، ويكتب حال رجل رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضا من أهل تلك الكورة، ويبعث به الىّ ويسرّح ممن يجتمع رأى أهل الكورة عليه بالرضا نفرا، وإن أحبّوا أن يكون فيمن يشخص بعض سفلتهم أيضا فعل ذلك.
فلما حضروا جلست للناس وأذنت لهم بمشهد من عظماء أرضنا وملوكهم وقضاتهم وأحرارهم وأشرافهم، ونظرت فى تلك الكتب والمظالم، فأيّة مظلمة كانت من العمال ومن وكلائنا، أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بينة؛ لعلمنا بضعف أهل الخراج منهم، وظلم أهل القوّة من السلطان لهم، وأيّة مظلمة كانت لبعضهم من بعض ووضحت لنا، أمرت بإنصافهم قبل البراح، وما أشكل وأوجب الفحص عنه شهود البلد وقاضيها سرّحت معه أمينا من الكتاب، وأمينا من فقهاء ديننا وأمينا ممن وثقنا به من خدمنا وحاشيتنا، فأحكمت ذلك إحكاما وثيقا. ولم يجعل الله لذوى قرابتنا ورحمنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحقّ والعدل؛ فإن من شأن قرابة الملك وحاشيته أن يستطيلوا بعزّته وقوّته، فإذا أهمل السلطان أمرهم هلك من جاوره إلّا أن يكون فيهم متأدّب بأدب ملكه، محافظ على دينه، شفيق على رعيّته، وأولئك قليل؛ فدعانا الذى اطلعنا عليه من ظلم أولئك ألا نطلب البيّنة عليهم فيما ادّعى قبلهم. ولم نزل نردّ المظالم، ولم نرد أيضا ظلم أحد ممن كان عزيزا بنا، منيعا بمكانه ومنزلته عندنا، فإن الحقّ واسع للضعفاء والأقوياء والفقراء والأغنياء؛ ولكنا لما أشكلت الأمور فى ذلك علينا كان الحمل على خواصّنا وخدمنا أحبّ الينا من أن نحمل على ضعفاء الناس ومساكينهم، وأهل الفاقة والحاجة منهم. وعلمنا أن أولئك الضعفاء لا يقدرون على ظلم من حولنا. وعلمنا مع ذلك
стр. 5048
أن الذين أعدينا «١» عليهم من خاصّتنا يرجعون من نعمتنا وكرامتنا الى ما لا يرجع اليه أولئك. ولعمرى إن خواصّنا الينا، وآثر خدمنا فى أنفسنا الذين يحفظون سيرتنا فى الرعية، ويرحمون أهل الفاقة والمسكنة وينصفونهم؛ فإنه قد ظلمنا من ظلمهم، وجار علينا من جار عليهم، وأراد تعطيل ذمتنا التى هى حرزهم وملجأهم.
قال: ثم كتب الينا على رأس سبع وثلاثين سنة من ملكنا، أربعة أصناف من الترك من ناحية الخزر، ولكل صنف منهم ملك، يذكرون ما دخل عليهم من الحاجة، وما لهم من الحظ فى عبوديتنا، وسألوا أن نأذن لهم فى القدوم بأصحابهم لخدمتنا، والعمل لما نأمرهم به، وألا نحقد عليهم ما سلف منهم قبل ملكنا، وأن ننزلهم منزلة سائر عبيدنا، فإنا سنرى فى كل ما نأمرهم به من قتال وغيره كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا، فرأيت فى قبولى إياهم عدة منافع، منها: جلدهم وبأسهم، ومنها: أنى تخوّفت أن تحملهم الحاجة على إتيان قيصر أو بعض الملوك فيقووا بهم علينا، وقد كان فيما سلف يستأجر منهم قيصر لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الأجرة.
وكان لهم فى ذلك القتال بعض الشوكة بسبب أولئك الأتراك؛ لأن الترك ليس عندهم لذة للحياة، فهو الذى يجرئهم مع شقاء معايشهم على الموت؛ فكتبت اليهم إنّا نقبل من دخل فى طاعتنا، ولا نبخل على أحد بما عندنا، وكتبت الى مرزبان «٢» الباب آمره بأن يدخلهم أوّلا أوّلا، فكتب إلىّ إنه قد أتاه منهم خمسون ألفا بنسائهم وأولادهم وعيالهم. ولما بلغنى ذلك أحببت أن أقرّبهم الىّ ليعرفوا إحسانى إليهم، وأعظّمهم ليطمئنّوا الى قوّادنا، حتى إذا أردنا تسريحهم مع بعض قوّادنا كان كل واحد بصاحبه واثقا، فشخصنا الى أذربيجان، فلما نزلتها أذنت
стр. 5049
لهم فى القدوم، وأتانى عند ذلك طرائف من هدايا قيصر، وأتانى رسول خاقان الأكبر، ورسول صاحب الروم، ورسول صاحب خوارزم، ورسول ملك الهند، والداور «١» ، وكابل «٢» شاه، وصاحب سرنديب «٣» ، وصاحب كله «٤» ، وكثير من الرسل، وتسعة وعشرون ملكا فى يوم واحد، وانتهيت الى أولئك الأتراك الثلاثة والخمسين ألفا فأمرت أن يصفّوا هناك وركبت لذلك، فكان يومئذ من أصحابى وممن قدم علىّ ومن دخل فى طاعتى وعبوديّتى من لم يسعهم مرج كان طوله عشرة فراسخ، فحمدت الله كثيرا وأمرت أن يصفّ أولئك الأتراك فى أهل بيوتاتهم على سبع مراتب، ورأست عليهم منهم، وأقطعتهم وكسوت أصحابهم، وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرت لهم بالمياه والأرضين، وأسكنت بعضهم مع قائد لى باللان «٥» ، وقسمتهم فى كل ما احتجنا اليه من الثغور، وضممتهم الى المرزبان؛ فلم أزل أرى من مناصحتهم واجتهادهم فيما نوجههم له ما يسرنا فى جميع البلدان والثغور وغيرها.
стр. 5050
قال: وكتب الىّ خاقان الأكبر يعتذر الىّ من بعض غدراته ويسأل المراجعة والتجاوز؛ وذكر فى كتابه ورسالته أن الذى حمله على عداوتى وغزو أرضى من لم ينظر له، وناشدنى الله أن أتجاوز عنه، وتوثّق لى بما أطمئنّ اليه. وذكر أن قيصر قد أرسل اليه وزعم أنه يستأذننى فى قبول رسله، وأنه لا يعمل فى قبول رسل أحد إلا بما آمره، ولا يجاوز أمرى، ولا يرغب فى الأموال ولا فى المودّات لأحد إلا برضائى، وكان دسيس «١» لى فى الترك يكاتبنى بندم خاقان وندم أصحابه على غدره وعداوته إياى، فأجبته: إنى لعمرى ما أبالى إن طبيعة نفسك وغريزتك غدرت بنا أم أطعت غيرك فى ذلك، وما ذنبك فى طاعة من أطعت فى ذلك إلا كذبتك فيما فعلته برأى نفسك، وإنى قد استحققت أشد العقوبة. وكتبت أنى لا أظن شيئا من الوثيقة تفى لكم إلا وقد كنت ضيعته، ولا أظن شيئا وثقت لنا به من قبل اليوم ثم غدرتم، فكيف نطمئنّ اليك ونثق بقولك؟ ولسنا نأمنك على مثل ما فعلت من الغدر ونقض العهد والكذب فى اليمين. وذكرت أن رسل قيصر عندك، ووقفنا على استنئذانك إيانا فيهم؛ وإنى لست أنهاك عن مودّة أحد. وكرهت أن يرى أنى أتخوّف مصادقته وأهاب ذلك منه. وأحببت أن أعلمه أنى لا أبالى بشىء مما جرى بينهما. ثم سرحت لمرمة المدائن والحصون التى بخراسان وجمع الأطعمة والأعلاف اليها ما يحتاج اليه الجند، وأمرت أن يكونوا على استعداد وحذر، ولا يكون من غفلتهم ما كان فى المرة الأولى وهم على حال الصلح.
قال: وكان شكرى لله تعالى لما وهب لى وأعطانى متصلا بنعمه الأول التى وهبها لى فى أوّل خلقه إياى؛ فإنما الشكر والنّعم عدلا كفّتى الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخفّ الى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه، فإذا كانت النعم
стр. 5051
كثيرة والشكر قليلا انقطع الحمل وهلك ظهر الحامل، وإذا كان ذلك مستويا استمرّ الحامل. وكثير النعم يحتاج صاحبها الى كثير الشكر، وكثير الشكر يجلب كثير النعم. ولما وجدت الشكر بعضه بالقول، وبعضه بالعمل، ونظرت فى أحبّ الأعمال الى الله وجدته الشىء الذى أقام به السموات والأرض، وأرسى به الجبال، وأجرى به الأنهار وبرأ به البريّة. وذلك الحقّ والعدل فلزمتهما. ورأيت ثمرة الحقّ والعدل عمارة البلدان التى بها معايش الناس والدوابّ والطير وسكان الأرض.
ولما نظرت فى ذلك وجدت المقاتلة أجراء أهل العمارة، ووجدت أهل العمارة أجراء المقاتلة، فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان المدافعتهم عنهم، ومجاهدتهم من ورائهم، فحقّ على أهل العمارة أن وفّوهم أجورهم؛ فإن عمارتهم تتمّ بهم، وإن أبطأوا عليهم بذلك أو هنوهم فقوى عدوّهم؛ فرأيت من الحق على أهل الخراج ألا يكون لهم من عمارتهم إلا ما أقام معايشهم، وعمروا به بلدانهم، ورأيت ألا أجتاحهم وأستفرغ ذات أيديهم للخزائن والمقاتلة، فإنى إذا فعلت ذلك ظلمت المقاتلة مع ظلم أهل الخراج؛ وذلك أنه إذا فسد «١» العامر فسد المعمور، وكذلك أهل الأرض والأرض، فإنه إذا لم يكن لأهل الخراج ما يعيشهم ويعمرون به بلادهم هلكت المقاتلة الذين قوّتهم بعمارة الأرض؛ فلا عمارة للأرض إلا بفضل ما فى يد أهل الخراج؛ فمن الإحسان الى المقاتلة والإكرام لهم أن أرفق بأهل الخراج وأعمر بلادهم، وأدع لهم فضلا فى معايشهم؛ فأهل الأرض وذوو الخراج أيدى المقاتلة والجند وقوتهم، والمقاتلة أيضا أيدى أهل الخراج وقوتهم.
ولقد ميزت ذلك بجهدى وطاقتى، وفكرت فيه فما رأيت أن أفضّل هؤلاء على هؤلاء إذ وجدتهما كاليدين المتعاونتين والرجلين المترادفتين.
стр. 5052
ولعمرى ما أعفى أهل الخراج من الظلم من أضرّ بالمقاتلة، ولا كفّ الظلم عن المقاتلة من تعدّى على أهل الخراج. ولولا سفهاء الأساورة لأبقوا على أهل الخراج والبلاد إبقاء الرجل على ضيعته التى منها معيشته وحياته وقوّته، ولولا جهّال أهل الخراج لكفّوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثار للمقاتلة على أنفسهم.
قال: ولما فرغنا من إصلاح العامة والخاصة بهذين الركنين من أهل الخراج والمقاتلة كان ذلك ثمرة العدل والحقّ الذى دبّر الله العظيم خلائقه به، وشكرت الله على نعمته والمقاتلة فى أداء حقه على مواهبه، وأحكمنا أمر المقاتلة وأهل الخراج ببسط العدل، وأقبلنا بعد ذلك على السّير والسّنن، ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم من أمورنا، والأكبر فالأكبر عائدا على جندنا ورعيتنا، ونظرنا فى سير آبائنا من لدن بستاسف الى ملك قباذ أقرب آبائنا. ثم لم نترك إصلاحا فى شىء من ذلك إلا أخذناه، ولا فساد إلا أعرضنا عنه، ولم يدعنا حبّ الآباء إلى قبول ما لا خير فيه من السنن، ولكنّا آثرنا حبّ الله وشكره وطاعته.
ولما فرغنا من النظر فى سير آبائنا وبدأنا بهم، وكانوا أحقّ بذلك، فلم ندع خقا إلا آثرناه، ووجدنا الحق أقرب القرابة. نظرنا فى سير أهل الروم والهند فاصطفينا محمودها، وجعلنا عيار «١» ذلك عقولنا، وميزانه بأحلامنا، فأخذنا من جميع ذلك ما زيّن سلطاننا، وجعلناه سنة وعادة، ولم تنازعنا أنفسنا الى ما تميل به أهواؤنا، وأعلمناهم ذلك وأخبرناهم به، وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم من السير ونهيناهم عنه وتقدّمنا إليهم فيه؛ غير أنا لم نكره أحدا على غير دينه وملّته، ونحسدهم ما قبلنا، ولا منع ذلك انقباض بعلم ما عندهم، فإن الإقرار بمعرفة الحقّ
стр. 5053
والعلم والاتباع له من أعظم ما تزيّنت به الملوك. ومن أعظم المضرة على الملوك الأنفة من العلم والحميّة من طلبه، ولا يكون عالما من لا يتعلّم.
ولما استقصيت ما عند هاتين الأمتين من حكمة التدبير والسياسة، ووصلت بين مكارم أسلافى، وما أحدثته بالرأى، وأخذت به نفسى، وقبلته عن الملوك الذين لم يكونوا منا، وثبت على الأمر الذى نلت به الظفر والخير، ورفضت سائر الأمم لأنى لم أجد عندهم رأيا ولا عقولا ولا أحلاما، ووجدتهم أصحاب بغى وحسد وكلب وحرص وشحّ وسوء تدبير وجهالة ولؤم عهد وقلة مكافأة. وهذه أمور لا تصلح عليها ولاية، ولا تتمّ لها نعمة.
قال ابن مسكويه: وقرأت مع هذه السير فى آخر هذه الكتاب الذى كتبه أنوشروان فى سيرة نفسه أن أنوشروان لما فرغ من أمور المملكة وهذبها جمع إليه الأساورة مع القوّاد والعظماء والمرازبة والنساك والموابذة وأماثل الناس معهم فخطبهم فقال:
ذكر خطبة أنوشروان
قال: أيها الناس، أحضرونى فهمكم، وارعونى أسماعكم، وناصحونى أنفسكم، فإنى لم أزل واضعا سيفى على عنقى منذوليت عليكم غرضا للسيوف والأسنة، وكل ذلك للمدافعة عنكم، والإبقاء عليكم، وإصلاح بلادكم مرة بأقصى الشرق، وتارة فى آخر المغرب، وأخرى فى نهاية الجنوب، ومثلها فى جانب الشمال، ونقلت الذين اتهمتهم إلى غير بلادهم، ووضعت الوضائع فى بلدان الترك، وأقمت بيوت النيران بقسطنطنية، ولم أزل أصعد جبلا شامخا وأنزل عنه، وأطأ حزونه بعد سهوله، وأصبر على المخمصة «١» والمخافة، وأكابد البرد والحر، وأركب هول البحر وخطر المفازة؛
стр. 5054
إرادة هذا الأمر الذى قد أتمة الله لكم: من الإثخان فى الأعداء، والتمكن فى البلاد، والسعة فى المعاش، ودرك العز، وبلوغ ما نلتم؛ فقد أصبحتم بحمد الله ونعمته على الشرف الأعلى من النعمة، والفضل الأكبر من الكرامة والأمن، وقد هزم الله أعداءكم وقتّلهم؛ فهم بين مقتول هالك، وحىّ مطيع لكم سامع؛ وقد بقى لكم عدوّ عددهم قليل، وبأسهم شديد، وشوكتهم عظيمة؛ وهؤلاء الذين بقوا أخوف عندى عليكم، وأحرى أن يهزموكم ويغلبوكم من الذين غلبتموهم من أعدائكم، وأصحاب السيوف والرماح والخيول؛ وإن أنتم أيها الناس غلبتم عدوّكم هذا الباقى، غلبتكم لعدوّكم الذين قاتلتم وحاصرتم، فقد تمّ الظّفر والنصر، وتمّت فيكم القوّة، وتمّ بكم العزّ، وتمّت عليكم النعمة، وتمّ لكم الفضل، وتمّ لكم الاجتماع والألفة والصحة والسلامة؛ وإن أنتم قصّرتم ووهنتم، وظفر هذا العدوّ بكم فأين الظّفر الذى كان منكم، فاطلبوا أن تقتلوا من هذا العدوّ الباقى مثل ما قتلتم من ذلك العدوّ الماضى؛ وليكن جدّكم فى هذا واجتهادكم واحتشادكم أكبر وأجلّ وأحزم وأعزم وأصح وأشدّ، فإن أحقّ الأعداء بالاستعداد له أعظمهم مكيدة، وأشدهم شوكة، وليس الذى كنتم تخافون من عدوّكم الذى قاتلتم بقريب من هؤلاء الذين آمركم بقتالهم الآن؛ فاطلبوه وصلوا ظفرا بظفر، ونصرا بنصر، وقوّة بقوّة، وتأييدا بتأييد، وعزما بحزم وعزم، وجهادا بجهاد؛ فإن بذلك اجتماع إصلاحكم، وتمام النعمة عليكم، والزيادة فى الكرامة من الله لكم، والفوز برضوانه فى الآخرة.
ثم اعلموا أن عدوّكم من الترك والروم والهند وسائر الأمم لم يكونوا ليبلغوا منكم- إن ظهروا عليكم وغلبوكم- مثل الذى يبلغ هذا العدوّ منكم إن غلبكم وظهر عليكم؛ فإن بأس هذا العدوّ أشدّ، وكيده أكبر، وأمره أخوف من ذلك العدوّ.
стр. 5055
يأيها الناس، إنى قد نصبت «١» لكم كما رأيتم، ولقيت ما قد علمتم بالسيف والرّمح والمفاوز والبحار والسهولة والجبال؛ أقارع عدوّا عدوّا، وأكالب جندا جندا، وأكابد ملكا ملكا، لم أتضرّع إليكم هذا التضرّع فى قتال أولئك الجنود والملوك، ولم أسألكم هذه المسألة فى طلب الجدّ منكم، والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد، وإنما فعلت هذا لعظم خطره، وشدّة شوكته، ومخافة صولته بكم. وإن أنا أيها الناس لم أغلب هذا العدوّ وأنفه عنكم، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء، ونفيت عنكم أضعفها، فأعينونى على نفى هذا العدوّ المخوف عليكم، القريب الدار منكم؛ فأنشدكم الله أيها الناس لمّا أعنتموتى عليه حتى أنفيه عنكم، وأخرجه من بين أظهركم فيتمّ بلائى عندكم، وبلاء الله فيكم عندى، وتتمّ النعمة علىّ وعليكم، والكرامة من الله لى ولكم، ويتمّ هذا العز والنصر، وهذا الشرف والتمكين، وهذه الثروة والمنزلة.
يأيها الناس، إنى تفكرت بعد فراغى من كتابى هذا، وما وصفت من نعمة الله علينا فى الأمر الذى لمّا غلب دارا الملوك والأمم وقهرها، واستولى على بلادها، ولمّا تحكّم أمر هذا العدوّ، هلك وهلكت جنوده بعد السلامة والظّفر والنصر والغلبة؛ وذلك أنه لم يرض بالأمر الذى تمّ له به الملك، واشتدّ به السلطان، وقوى به على الأعداء، وتمّت عليه به النعمة، وفاضت عليه من وجوه الدنيا كلّها الكرامة، حتى احتال له بوجوه النميمة والبغى؛ فدعا البغى الحسد «٢» فتقوّى به وتمكّن، ودعا الحسد بغض أهل الفقر لأهل الغنى، وأهل الخمول لأهل الشرف؛ ثم أتاهم الإسكندر وهم على ذلك من تفرّق الأهواء، واختلاف الأمور، وظهور البغضاء
стр. 5056
وقوّة العداوة فيما بينهم والفساد منهم. ثم ارتفع ذلك إلى أن قتله صاحب حرسه وأمينه على دمه، للذى شمل قلوب العامة من الشر والضغينة، ونبت فيها من العداوة والفرقة، وكفى الإسكندر مؤنة نفسه؛ وقد اتعظت بذلك اليوم وذكرته.
يأيها الناس، فلا أسمعنّ فى هذه النعمة تفرقا ولا بغيا ولا حسدا ظاهرا، ولا وشاية ولا سعاية، فإن الله قد طهّر من ذلك أخلاقنا وملكنا، وأكرم عنه ولا يتنا، وما نلت ما نلت بنعمة ربنا وحمده بشىء من الأمور الخبيثة التى نفتها العلماء، وعافتها الحكماء؛ ولكن نلت هذه الرتبة بالصحة والسلامة، والحب للرعية، والوفاء والعدل والاستقامة والتؤدة. وإنما تركنا أن نأخذ عن هذه الأمم التى سميناها، أعنى من الترك والبربر والزنج والجبال وغيرهم، مثل ما أخذنا عن الهند والروم لظهور هذه الأخلاق فيهم وغلبتها عليهم. ولا تصلح أمة قط وملكها على ظهور هذه الأخلاق التى هى أعدى أعدائكم.
يأيها الناس، إن فيما بسط الله علينا بالسلامة والعافية والاستصلاح غنى لنا عما نطلب بهذه الأخلاق الرديئة المشئومة؛ فأكفونى فى ذلك أنفسكم، فإنّ قهر هذه الأعداء أحبّ إلىّ وخير لكم من قهر أعدائكم من الترك والروم. فأما أنا أيها الناس فقد طبت نفسا بترك هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم.
يأيها الناس، إنى قد أحببت أن أنفى عدوّكم الظاهر والباطن؛ فأما الظاهر منهما فإنّا بحمد الله ونعمته قد نفيناه وأعاننا الله عليه وحصد لنا شوكته، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسيتم وأجهدتم، فافعلوا فى هذا العدوّ كما فعلتم فى ذلك العدوّ، واعملوا فيه كالذى عملتم فى ذلك، واحفظوا عنّى ما أوصيكم به فإنى شفيق عليكم ناصح لكم.
أيها الناس، من أحيا هذه الأمور فينا فقد أفسد بلاءه عندنا بقتاله من كان يقاتلنا من أعدائنا، فإن هذه أكثر مضرة، وأشدّ شوكة، وأعظم بلية، وأضر تبعة.
стр. 5057
واعلموا أن خيركم يأيها الناس من جمع إلى بلائه السالف عندنا المعونة لنا على نفسه فى هذا الغابر. واعلموا أن من غلبه هذا غلبه ذاك، ومن غلب هذا فقد قهر ذاك؛ وذلك أن بالسلامة والألفة والمودّة والاجتماع والتناصح منكم يكون العزّ والقدرة والسلطان، ومع التحاسد والبغى والنميمة والسبّ يكون ذهاب العز، وانقطاع القوّة وهلاك الدنيا والآخرة؛ فعليكم بما أمرناكم به، واحذروا ما نهيناكم عنه، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. عليكم بمواساة أهل الفاقة، وضيافة السابلة «١» ، وأكرموا جوار من جاوركم، وأحسنوا صحبة من دخل فيكم من الأمم، فإنهم فى ذمّتى، ولا تجبهوهم ولا تظلموهم، ولا تسلّطوا عليهم، ولا تحرجوهم، فإن الإحراج يدعو إلى المعصية، ولكن اصبروا لهم على بعض الأذى، واحفظوا أمانتكم وعهدكم، واحفظوا ما عهدت إليكم من هذه الأخلاق، فلا تصلحوا إلا معها، وبالله تعالى ثقتنا فى الأمور كلها. ثم هلك أنو شروان بعد ثمان وأربعين سنة من ملكه.
ثم ملك بعده ابنه هرمز بن كسرى أنو شروان. وأمه قاقم بنة خاقان ملك الترك. وقيل: بل ابنة ملك من ملوك الخزر. قال: وكان كثير الأدب، حسن السياسة، جميل النية، وافر الإحسان إلى الضعفاء والمساكين.
وكان من سيرته المرتضاة أنه يجرى الخير والعدل على الرعية، ويشدّد على العظماء المتسلطين على الضعفاء. وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى المياه ليصيف هناك، فأمر فنودى فى مسيره أن يتحامى مواضع الحروث، ولا يسير فيها الراكب لئلا يضروا بأحد، ووكّل بتعهد ما يجرى فى عسكره، ومعاقبة من تعدّى أمره وتغريمه لصاحب
стр. 5058
الحرث عوضا عما أفسده له. وكان ابنه كسرى أبرويز فى عسكره فغار مركب من مراكبه ووقع فى حرث كان على الطريق، فأفسد ما مرّ عليه، فأخذ ودفع إلى الرجل الموكل من جهة هرمز بمعاقبة من أفسد هو أو دوابّه شيئا من الحرث، فلم يجسر الرجل الموكل من جهة هرمز أن ينفّذ أمر هرمز فى ابنه أبرويز، فرفع الأمر إلى هرمز فأمره أن يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرّم كسرى أبرويز لصاحب الحرث؛ فخرج الرجل لإنفاذ الأمر، فدس له كسرى رهطا من العظماء يسألونه التثبت فى الأمر، فكلّموه فلم يجب إلى ذلك. فسألوه تأخير إنفاذ الأمر فى المركب حتى يكلموا هرمز، ففعل، ولقى أولئك الرهط هرمزا وأعملوه أن ذلك المركب الذى غار إنما غار زعارة «١» ، وأنه أخذ لوقته. وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وبتره، لما فى ذلك من سوء الطّيرة فلم يجبهم إلى ما سألوه، وأمر بالمركب فجدعت أذناه وبترذنبه، وغرم كسرى كما يغرم غيره من الجند ثم ارتحل.
قال: وركب ذات يوم فى أوان إيناع الكرم يريد ساباط «٢» المدائن، وكان ممرّه على بساتين وكروم، فنظر بعض الأساورة إلى كرم فرأى حصرما، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلامه وقال: اذهب بها إلى المنزلة واطبخها بلحم واصنع منها مرقة فإنها نافعة فى هذا الإبّان، فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصاح به، فبلغ إشفاق الأسوار من عقوبة هرمز أن دفع إنى حافظ الكرم منطقة محلّاة بالذهب كانت فى وسطه، وسأله أن يأخذها عوضا عما أخذه من الحصرم، ولا يرفع الأمر إلى الملك.
стр. 5059
فهذه كانت سيرته فى العدل، وهذا كان خوف جنده وأساورته منه. وكان مظفّرا منصورا، وكان أديبا داهيا، إلا أنه كان مقصيا للأشراف وأهل البيوتات والعلماء. وقيل: إنه قتل ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل منهم، ولم يكن له رأى إلا فى تآلف السّفلة وأسقاط الناس واستصلاحهم. وحبس خلقا كثيرا من العظماء، وحطّ مراتب جماعة كبيرة، وقصّر بالأساورة ففسدت عليه نيات أكابر جنده وعظماء مملكته، فكان عاقبة سوء هذا التدبير أن خرج عليه جماعة من الملوك منهم شابه [شاه «١» ] ملك الترك فى ثلاثمائة ألف مقاتل، وسار إلى باذغيس «٢» ، وذلك بعد مضىّ إحدى عشرة سنة من ملكه، وخرج عليه ملك الروم فى ثمانين ألف مقاتل، وخرج عليه ملك الخزر حتى سار إلى باب الأبواب، وخرج عليه من العرب خلق كثير، فنزلوا فى شاطئ الفرات وشنّوا الغارات على أهل السواد، فاجترأ عليه أعداؤه وغزوا بلاده.
فأما شابه [شاه «٣» ] ملك الترك فإنه أرسل إلى هرمز وإلى عظماء ملكه من الفرس يؤذنهم بإقباله فى جيوشه زمرا زمرا، وأعلمهم أنه يريد غزو الروم، ويسلك إليهم من بلادهم، وأمرهم أن يعقدوا له قناطر على كل نهر يمرّ عليه فى بلادهم من الأنهار التى لا قناطر عليها، وكذلك فى الأودية، وأن يسهّلوا له الطرق والمسالك وقال: فإننى قد أجمعت على المسير إلى بلاد الروم من بلادكم، فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، وجمع أكابر مملكته وعرض ذلك عليهم، وشاورهم فيما يفعله، فاجتمعت الآراء على قصد ملك الترك وحربه، فندب إليه رجلا من أهل الرأى والنجدة يقال له بهرام جوبين، فاختار بهرام من العسكر اثنى عشر ألفا
стр. 5060
من الكهول دون الشباب، وسار بهم حتى انتهى إلى هراة «١» وباذغيس، ولم يشعر شابه [شاه «٢» ] ملك الترك ببهرام حتى وافاه ونزل بالقرب من معسكره، فكانت بينهما حروب كثيرة آخرها أن بهرام جوبين قتل شابه برمية رماه [بها «٣» ] فاستباح عسكره، وأقام بهرام موضعه، فوافاه برموذة «٤» بن شابه وكان يعدل بأبيه، فحار به فهزمه بهرام جوبين وحصره فى بعض الحصون، ثم ألحّ عليه حتى استسلم له، فوجهه أسيرا إلى هرمز، وغنم كنوزا عظيمة، فيقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجواهر والأوانى وسائر الأمتعة وقرمائتى ألف وخمسين ألف بعير فى مدّة تلك الأيام، فشكره هرمز على ذلك، وأمره أن يتقدّم بمن معه إلى بلاد الترك فلم يره بهرام صوابا، ثم خاف سطوة هرمز.
وحكى له أن الملك يستقلّ ما حمله إليه من الغنائم فى جنب ما وصل إليه منها، وأنه يقول فى مجالسه قد ترفّه بهرام واستطاب الدّعة، وبلغ ذلك الجند فخافوا مثل خوفه. فيقال إن بهرام جمع ذات يوم وجوه عسكره وأجلسهم على مراتبهم ثم خرج عليهم فى زىّ النساء وبيده مغزل وقطن حتى جلس فى موضعه؛ وحمل إلى كل واحد من أولئك القوم مغزل وقطن ووضع بين أيديهم، فامتعضوا من ذلك وأنكروه وقالوا: ما هذا الزىّ! فقال بهرام: إن كتاب الملك ورد علىّ بذلك ولا بدّ من امتثال أمره إن كنتم طائعين له، فأظهروا أنفة وحميّة وأجمعوا كلهم على خلع
стр. 5061
هرمز، فخلعوه وأظهروا أن ابنه كسرى أبرويز أصلح للملك منه، وساعدهم على ذلك خلق كثير ممن كان بحضرة هرمز.
ولما اتصل ذلك بهرمز أنفذ جيشا كثيفا مع بعض قوّاده لمحاربة بهرام جوبين، فأشفق أبرويز من الحديث وخاف سطوة أبيه ببهرام، فهرب إلى أذربيجان، فاجتمع إليه هناك عدّة من المرازبة ومن الأصبهبذين، فأعطوه بيعتهم ولم يظهر أبرويز شيئا، وأقام بمكانه إلى أن بلغه قتل القائد الذى كان قد بعثه هرمز لمحاربة بهرام جوبين، وهو أذبيحشيش، وهزيمة الجيش الذى كان معه واضطراب أمر هرمز أبيه، وكتبت أخت أذبيحشيش إلى كسرى أبرويز تخبره بضعف أبيه هرمز، وأعلمته أن العظماء والوجوه قد أجمعوا على خلعه، وأن بهرام جوبين إن سبقه إلى المدائن احتوى على الملك. قال: ولم يلبث العظماء أن وثبت على هرمز وفيهم بندويه «١» وبسطام خالا أبرويز وخلعوه وسملوا عينيه، وتركوه تحرّجا من قتله. فكان ملكه إلى أن خلع وسمل اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك بعده ابنه كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان. قال:
ولما ملك بادر بمن معه إلى المدائن وسبق إليها بهرام جوبين وتتوّج وجمع إليه الوجوه والأشراف، وجلس على السرير ومنّاهم، وأمرهم بالسمع والطاعة، فاستبشر الناس به ودعوا له وأجابوه ودخلوا تحت طاعته. فلما كان فى اليوم الثانى أتى إلى أبيه فسجد له، واعتذر وقال: إنك تعلم أيها الملك إننى برىء مما جناه إليك هؤلاء القوم الذين فعلوا بك ما فعلوا، وإنما هربت خوفا منك وإشفاقا على نفسى، فصدّقه هرمز وقال: يا بنىّ! إن لى إليك حاجتين فاسعفنى بهما، إحداهما: أن
стр. 5062
تنتقم لى ممن عاون على خلعى وسمل عينىّ ولا تأخذك بهم رأفة، والأخرى تؤنسنى كل يوم بثلاثة نفر ممن لهم أصالة رأى، وتأذن لهم بالدخول إلىّ؛ فتواضع له أبرويز وقال: عمرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أطلنا «١» ومعه أهل الشجاعة والنجدة، ولسنا نقدر أن نمدّ يدا إلى من أتى إليك ما أتى؛ فإنهم وجوه أصحابك؛ ولكن إن أمكننى الله من المنافق فأنا خليفتك وطوع أمرك.
قال: وأما بهرام جوبين فإنه ورد إلى النهروان، فخرج كسرى أبرويز إليه وواقفه بها وجعل النهر بينه وبينه، ودار بينهما كلام كثير. كل ذلك فى استصلاح بهرام ورجوعه إلى الطاعة، وهو لا يجيب إلى ذلك ولا يردّ إلا ما يسوء أبرويز حتى يئس منه وأجمع على حربه والتقوا واقتتلوا. وكان بينهما أخبار كثيرة وأحاديث طويلة آخرها أن أبرويز ضعف عنه بعد أن قتل بيده ثلاثة نفر من الأتراك، وكانوا من أشدهم وأعظمهم شجاعة ووسامة، وكانوا قد التزموا لبهرام بقتل أبرويز، وضمن لهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة.
قال: ثم رأى أبرويز من أصحابه فتورا فسار الى أبيه وشاوره فرأى المسير الى الروم، وأحرز نساءه وشخص فى عدّة يسيرة فيهم بندويه وبسطام وكردى أخو بهرام؛ لأنه كان معاديا لأخيه، شديد الطاعة والنصيحة لأبرويز. فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام، وأشفقوا أن يردّ هرمز الى الملك، ويكاتب ملك الروم عن هرمز فى ردّهم فيتلفوا؛ فذكروا ذلك لأبرويز واستأذنوه فى إتلاف هرمز فلم يحر جوابا، فانصرف بندويه وبسطام وطائفة معهما الى هرمز فخنقوه ثم رجعوا الى كسرى فقالوا: سر على خير طالع، وأيمن طائر؛ فحثّوا دوابّهم وساروا الى الفرات فقطعوه، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له: خرشيذان
стр. 5063
وساروا الى بعض الديارات التى فى أطراف العمارة، فلما أوطنوه للراحة لحقتهم خيل بهرام جوبين، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له: احتل لنفسك فإن القوم قد طلبوك «١» . فقال كسرى: ما عندى حيلة. فقال بندويه:
إنى سأحتال لك بأن أبذل نفسى دونك؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: تدفع لى ثوبك وزينتك لأعلو الدير وتنجو أنت ومن معك من وراء الدير، فإن القوم إذا وصلوا ورأوا هيئتك علىّ اشتغلوا بى عن غيرى، وطاولتهم حتى تفوتهم، ففعل ذلك.
وخرج أبرويز ومن معه، ثم وافت خيل بهرام الدير وعليهم قائد لهم يقال له بهرام ابن سياوش فاطلع عليهم بندويه من فوق الدير وعليه زينة أبرويز وثيابه، وأوهمهم أنه هو، وسأله أن ينظره الى غد ليصير فى يده سليما ويسير به الى بهرام جوبين، فأمسك عنه وحفظ الدير ليلة كاملة بالحرس. فلما أصبح اطلع عليه فى بزّته وحليته وقال: إن علىّ وعلى أصحابى بقية شغل من استعداد وصلوات وعبادات فأمهلنا.
ولم يزل يدافعه حتى مضى عامة النهار وأمعن أبرويز، وعلم بندويه أنه قد فاتهم، ففتح الباب حينئذ وأعلم بهرام سياوش بأمره، فانصرف به الى بهرام جوبين فحبسه.
وأما بهرام جوبين فإنه دخل المدائن وجلس على سرير الملك، وجمع العظماء فخطبهم وذمّ أبرويز ودار بينهم كلام، فكان كلهم منصرفا عنه إلا أن بهرام تتوّج وانقاد له الناس خوفا، ثم إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك ببهرام جوبين، فظهر بهرام على ذلك، فقتل سياوش وأفلت بندويه ولحق بأذربيجان، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية فكاتب ملك الروم منها، وراسله بجميع من كان معه وسأله نصرته، فأجابه الى ذلك وزوّجه ابنته مريم وحملها إليه، وأمدّه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألفا من المقاتلة، عليهم رجل يقال له سرجس، يتولى تدبير
стр. 5064
أمرهم، ورجل آخر من أبطال الروم، كان يعدّ بينهم بألف رجل، وسأله ترك الأتاوة التى كان أبوه ومن قبله من ملوك الفرس يستأدونها من ملوك الروم إذا هو ملك، فأجابه الى ذلك، وفرح بالجيش الذى أمدّه به ملك الروم، واغتبط بهم وأراحهم خمسة أيام، ثم عرضهم وعرّف عليهم العرفاء وسار بهم حتى نزل من أذربيجان فى صحراء تدعى الدنق «١» فوافاه هناك بندويه ورجل من أصبهبذى الناحية يقال له موسيل فى أربعين ألف مقاتل، فانضمّوا إليه، ووافاه الناس بالخيل من أصبهان وفارس، وانتهى الى بهرام جوبين مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حروب شديدة قتل فيها الكمىّ الرومىّ بضربة ضربه بها بعض الفرس على رأسه فقدّ رأسه وبدنه، وعاد فرسه بنصف بدنه الباقى الى المعركة.
فلما رآه أبرويز استضحك؛ فعظم ذلك على الروم وعاتبوا أبرويز وقالوا له: هذا جزاؤنا منك! يقتل كميّنا وواحد عصره فى طاعتك وبين يديك ونصحك ونصرتك وأنت تضحك لقتله! فاعتذر بأن قال: إنى والله ما ضحكت لما تكرهون. ولقد شقّ علىّ أن فقدت مثله أكثر مما شقّ عليكم، ولكنى رأيتكم تستصغرون شأن جوبين وتنكرون هربى منه، فذكرت ذلك من قولكم الآن وعلمت أنكم برؤيتكم هذه الضربة تعذروننى وتعلمون يقينا أن هربى إنما كان من أمثال هؤلاء القوم الذين هذا مبلغ نكايتهم فى الأبطال. ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفردا عن العسكر بأربعة عشر رجلا منهم كردى أخو جوبين وبندويه وبسطام حربا شديدا وصل فيها بعضهم الى بعض، وآخر الأمر أن أبرويز استظهر استظهارا يئس منه بهرام جوبين، وعلم
стр. 5065
أنه لا حيلة له فيه ولا قدرة عليه، فانحاز عنه نحو خراسان، ثم سار الى الترك، وسار أبرويز الى المدائن بعد أن فرق فى الجنود من الروم أموالا عظيمة وصرفهم الى ملك الروم.
قال: ولبث بهرام جوبين فى الترك مكرما عند الملك حتى احتال عليه كسرى أبرويز بتوجيهه رجلا يقال له هرمز الى الترك بجوهر نفيس وغيره من الهدايا الى امرأة ملك الترك حتى دسّت لبهرام من قتله؛ فاغتمّ خاقان لموته وأرسل إلى أخته كردية وامرأته يعلمهما بلوغ الحوادث ببهرام، وسأل كردية أخت بهرام أن يتزوّجها وفارق امرأته خاتون بهذا السبب، فأجابته كردية جوابا لينا، ثم ضمت إليها من كان مع أخيها بهرام من المقاتلة، وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس، فأتبعها ملك الترك أخاه نطرا «١» فى اثنى عشر ألف فارس. فيقال إن كردية قاتلت وقتلت نطرا بيدها، ومضت لوجهها حتى بلغت حدود أرض فارس، وكتبت إلى أخيها كردى فأخذ لها أمانا من أبرويز، فلما قدمت عليه اغتبط بها وتزوّج بها أبرويز.
قال: ولم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذى نصره وأمدّه ويهاديه إلى أن وثبت الروم عليه فى شىء أنكروه منه فقتلوه وملّكوا غيره، فبلغ ذلك أبرويز فتألم له وأوى إلى أبرويز ابن الملك المقتول، فتوجه أبرويز وملكه على الروم، ووجه معه جنودا كثيفة مع شهرياز فدوّخ بهم البلاد. وملك صاحب كسرى بيت المقدس وأخذ خشبة الصلب وبعث بها إلى كسرى، وذلك فى أربع وعشرين سنة من ملكه، ثم احتوى على مصر والاسكندرية وبلاد النوبة، وبعث مفاتيح ثغر الإسكندرية إلى كسرى فى سنة ثمان وعشرين من ملكه، وقصد قسطنطينية فأناخ
стр. 5066
على ضفة الخليج الذى هو بالقرب منها وخيم هنالك، فأمره كسرى فخرّب بلاد الروم غضبا على أهلها لما انتهكوا من ملكهم وانتقاما له، ومع ذلك لم يخضعوا لابن ملكهم المقتول ولا منحوه الطاعة، ولا مال اليه واحد منهم؛ غير أنهم قتلوا الملك الذى ملّكوه عليهم بعد أبيه المسمى قوقا لما ظهر لهم من فجوره وسوء تدبيره؛ وملّكوا عليهم رجلا يقال له هرقل. فلما رأى هرقل عظم ما فيه أهل بلاد الروم من تخريب جنود فارس بلادهم، وقتلهم مقاتلتهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم أموالهم تضرّع إلى الله وأكثر الدعاء وابتهل. فيقال إنه رأى فى منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس قد دخل عليه، فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إنى قد أسلمته فى يدك، فلم يقصص رؤياه تلك فى يقظته على أحد حتى توالت عليه أمثالها، فرأى فى بعض لياليه كأن رجلا دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها فى عنق صاحبه، أعنى صاحب المجلس الرفيع، ثم دفعه إليه وقال له: ها قد دفعت اليك كسرى برقبته.
فلما تتابعت هذه الأحلام قصّها على عظماء الروم وذوى العلم منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعدّ هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية، وأخذ عن الطريق الذى فيه شهرياز «١» صاحب كسرى وعدل الى غيرها، وسار حتى أوغل فى بلاد أرمينية ونزل نصيبين سنة، وكان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه. وأما شهرياز فقد كانت كتب كسرى ترد عليه فى الجثوم على الموضع الذى هو به وترك البراح، ثم بلغه أن هرقل قد أقام بجنوده
стр. 5067
بنصيبين، فوجه كسرى لمحاربة هرقل رجلا من قوّاده يقال له: راهزار «١» فى اثنى عشر ألف رجل من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى- وهى الموصل- على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها. وكان كسرى بلغه خبر هرقل، وهو يومذاك بدسكرة «٢» الملك، فنفذ الجيش لمنعه من جواز دجلة، فعسكروا حيث أمرهم كسرى، فقطع هرقل دجلة من موضع آخر الى الناحية التى فيها جنود فارس، فأذكى راهزار العيون عليه، فأخبروه أن هرقل فى سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزار ومن معه من الجند أنهم عاجزون عن مناهضته، فكتب إلى كسرى غير مرة أن هرقل قد دهمه بما لا طاقة له به ولا قبل من الجنود الكثيرة. كل ذلك يجيبه كسرى بأنه إن عجز عن الروم فلن يعجز عن استقبالهم، وبذل دماء الفرس فى طاعته.
فلما تتابعت على راهزار أجوبة كسرى بذلك عبّأ جنده وناهض الروم بهم؛ فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل من الفرس، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم لا يلوون على شىء، وبلغ كسرى ذلك فانحاز من دسكرة الملك الى المدائن، وتحصّن بها لعجزه عن محاربة هرقل، وسار هرقل بجيوش الروم حتى كان قريبا من المدائن، فاستعدّ كسرى لقتاله، فلما بلغه ذلك انصرف الى أرض الروم، وكتب كسرى الى قوّاد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلّوه على كل رجل انهزم منهم، ومن فشل فى تلك الحرب، ولم يرابط مركزه، وأمر بعقوبتهم بحسب ما استوجبوا، فأحوجهم بهذا الكتاب الى الخلاف عليه، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، وكتب الى شهرياز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله فى ذلك ويصف ما نال هرقل منه ومن بلاده.
стр. 5068
وقد حكى أن كسرى عرّف أن له امرأة فى فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال فدعاها وقال: إنّى أريد أن أبعث الى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيرى علىّ أيّهم أستعمل، فوصفت له أولادها فقالت: هذا فرّخان أنفذ من سنان؛ وهذا شهرياز «١» أحكم من كذا، وهذا فلان أروغ من كذا؛ فاستعمل شهرياز؛ فسار الى الروم فظهر عليهم وهزمهم وخرّب مدائنهم.
فلّما ظهرت فارس على الروم جلس فى بعض الأيام فرّخان يشرب؛ فقال فرّخان لأصحابه: لقد رأيت أنّى جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهرياز: اذا أتاك كتابى هذا فابعث إلىّ برأس فرّخان، فكتب اليه:
أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرّخان، وإن له نكاية فى العدوّ وصيتا فلا تفعل، فكتب اليه: إنّ فى رجال فارس خلفا منه، فعجّل إلىّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا الى أهل فارس: إنّى قد نزعت عنكم شهرياز واستعملت فرّخان، فانقاد له شهرياز وقال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس عليه فرّخان، ثم دفع البريد صحيفة صغيرة الى فرّخان كان كسرى قد أعطاها له وقال له: اذا انقاد شهرياز الى طاعة فرّخان فاعط فرّخان هذه الصحيفة، فلما قرأها فرّخان قال: علىّ بشهرياز! فأتى به فقدّم ليضرب عنقه فقال: لا تعجّل علىّ حتى أكتب وصيّتى، ثم دعا بسفط وأخرج منه ثلاث صحائف، وهى التى كان كسرى أمر شهرياز فيها بقتل فرّخان وقال له: كلّ هذه راجعت كسرى فيها عنك، وأنت تريد أن تقتلنى بكتاب واحد؟ فردّ الملك إلى «٢» أخيه واعتذر
стр. 5069
منه، فكتب شهرياز الى هرقل ملك الروم: إنّ لى إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تبلّغها الصّحف، فألقنى ولا تأتينى إلّا فى خمسين روميّا، فإنّى أيضا ألقاك فى خمسين فارسيّا، فأقبل هرقل فى خمسمائة [ألف «١» ] رومىّ، وجعل يضع العيون بين يديه فى الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، فأتته عيونه أنه ليس مع شهرياز إلا خمسين رجلا.
قال: ثم التقيا وقد بسط لهما فى قبّة من الدّيباج ضربت لهما، فاجتمعا ومع كلّ واحد منهما سكّين، ودعوا ترجمانا يترجم لكلّ منهما عن قول الآخر؛ فقال شهرياز لهرقل: إنّ الذين خرّبوا مدينتك وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخى بشجاعتنا وكيدنا، وإنّ كسرى حسدنا وأراد قتل أخى وكتب إلىّ بقتله فأبيت، ثم أمر أخى أن يقتلنى وقد خلعناه جميعا ونحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما ووفّقتما، ثم أشار أحدهما الى صاحبه: إنّ السرّ إنما يكون بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، قال الآخر:
نعم، فقاما جميعا الى الترجمان بسكّينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى أبرويز.
ومما اتفق فى أيامه من الحوادث يوم ذى قار، وسنذكره- إن شاء الله تعالى- فى أيام العرب ووقائعها، ولم نذكر فى هذا الموضع يوم ذى قار على سبيل الإيراد له بل على سبيل التنبيه عليه.
ذكر حيلة لأبرويز على ملك الروم
قال: كان أبرويز وجّه رجلا من جلّة «٢» أصحابه فى جيش جرّار الى بلاد الروم، فنكأ «٣» فيهم، وبلغ منهم، وفتح الشام، وبلغ الدرب فى آثار الروم، فعظم أمره حتى خافه
стр. 5070
أبرويز، فكاتبه بكتابين، يأمره فى أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به، ويقبل إليه، ويأمره فى الكتاب الآخر أن يقيم بمكانه، وأنه لمّا تدبّر أمره، وأجال الرأى لم ير من يسدّ مسدّه، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه، وأرسل بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له: أعطه الكتاب الأوّل بالأمر بالقدوم، فإن أجاب الى ذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما وأعلمه أن الكتاب الثانى ورد عليك وأوصله اليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى حتى أتى صاحب الجيش ببلاد الشام فأوصل اليه الكتاب، فلمّا قرأه قال: إمّا أن يكون كسرى قد تغيّر لى وكره موضعى، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلى وأنا فى نحر العدوّ؛ فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه. فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل اليه الكتاب الثانى بالمقام وأوهمه أنّ رسولا ورد به. فلمّا قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعا، ودسّ الى ملك الروم من باطنه فى إيقاع الصلح بينهما على أن يخلى الطريق لملك الروم حتى يدخل الى بلاد العراق على غرّة من كسرى، وعلى أنّ لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق، وللفارسىّ ماوراء ذلك من بلاد فارس، فأجابه ملك الروم الى ذلك وتنحّى الفارسىّ عنه فى ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطريق، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسيا، «١» وكسرى على غير استعداد، وجنده متفرّقون فى أعماله. فلما أتاه الخبر وثب عن سريره وقال: هذا وقت حيلة ومكيدة، لا وقت شدّة، وجعل ينكث الأرض مليّا، ثم دعا برقّ فكتب فيه كتابا صغيرا بخطّ دقيق الى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وأطماعهم فى نفسك، وتخلية الطريق حتى اذا تولج بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته ومن ندبناه معك من خلفه فيكون فى ذلك
стр. 5071
بواره، وقد تمّ فى هذا الوقت ما دبّرناه، وميعادك فى الإيقاع به يوم كذا وكذا، ثم دعا راهبا فى دير بجوار مدينته وقال له: أىّ جار كنت لك، قال: أفضل جار، فقال: قد بدت لنا اليك حاجة، فقال الراهب: الملك أجلّ من أن يكون له إلىّ حاجة، ولكن عندى بذل نفسى، فما الذى يأمر به الملك؟ قال كسرى: تحمل لى كتابا الى فلان صاحبى، قال نعم، قال كسرى: ستمرّ بأصحابك النصارى فأخفه، فلما ولّى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما فى الكتاب؟ قال لا، قال:
فلا تحمله حتى تعلم ما فيه. فلما قرأه أدخله فى جيبه ثم مضى. فلما صار فى عسكر الروم ونظر إلى الصّلبان والقسّيسين وضجيجهم بالتقديس والصلوات احترق قلب الراهب وأشفق عليهم وقال فى نفسه: أنا شرّ الناس إن حملت بيدى حتف النصرانية، وهلاك هؤلاء الخلق؛ فصاح الراهب: أنا لم يحملنى الملك كسرى رسالة ولا معى كتاب، فأخذوه فوجدوا الكتاب معه، وقد كان كسرى أيضا وجّه رسولا قبل ذلك وأمره أن يمرّ بعسكر الروم كأنه رسول الى كسرى من صاحبه الذى وافق ملك الروم ومعه كتاب فيه: إنّ الملك كان قد أمرنى بمقاربة ملك الروم، وأن أخدعه وأخلى له الطريق، فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك فى إعلامى وقت خروجه اليه. فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: قد عجبت من أن يكون هذا الفارسىّ معى على كسرى، ووافاه كسرى أبرويز فيمن أمكنه من جنده، فوجد ملك الروم قد ولّى هاربا فاتبعه يقتل ويأسر من أدرك، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم فأحبّ أن يخلى نفسه ويستر ذنبه. فلمّا فاته ما دبّر خرج خلف ملك الروم يقتل فيهم ويأسر، فلم يسلم منهم إلّا القليل.
стр. 5072
ذكر سبب هلاك أبرويز وقتله
قال: وكان سبب ذلك تجبره واحتقاره للعلماء وعتوّه، وذلك أنه استخفّ بما لا يستخفّ به الملك الحازم، وكان قد جمع من المال ما لم يجمعه أحد من الملوك، وبلغت خيله الى قسطنطينية وأفريقية، وكانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلّا فيل واحد، وخمسون ألف دابّة، ومن الجواهر والأوانى والآلات ما يليق بذلك، وأمر أن يحصى ما جبى من بلاده وسائر أبواب المال سنة ثمانى عشرة من ملكه، فرفع إليه أنّ الذى جبى فى تلك السنة من الخراج وسائر الأبواب كان ستمائة ألف ألف درهم، وأمر أن يحوّل إلى بيت مال بنى بمدينة طيسفون «١» من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز اثنتى عشرة ألف بدرة من أنواع الجواهر وغير ذلك.
قال: فعتا وتجبّر واستهان بالناس والأحرار، وبلغ من جرأته أنه رأى رجلا كان على حرس باب الخاصّة، يقال له: زاذان فرّوخ، فأمره أن يقتل كل مقيّد فى سجن من سجونه، فأحصوا من بالسجون من المقيّدين فبلغوا ستّة وثلاثين ألفا، فلم يقدر زاذان فرّوخ على قتلهم، وتوقّف عن إمضاء أمر كسرى وأعدّ عللا له فيما أمره به فيهم، فكان هذا أحد الأسباب التى كسب بها كسرى عداوة أهل مملكته مع وجود احتقاره إيّاهم، واستخفافه بهم، واطّراحه لعظمائهم.
ومن ذلك أنه سلّط علجا، يقال له: فرّخان زاذ، على الخراج فاستخرج بقاياهم منهم بعنف وعذاب. ومن ذلك أنه أجمع على قتل الفلّ «٢» الذين انصرفوا إليه من
стр. 5073
قبل هرقل، فأكّدت هذه الأسباب بغضه، واستطال الناس مدّته، فكان نتيجة ذلك أنّ قوما من العظماء انصرفوا إلى عقر بابل «١» ، وفيه شيرى «٢» بن أبرويز مع إخوته، وقد كان كسرى أبرويز وكّل بهم مؤدّبين وأساورة، يحولون بينهم وبين من يجتمع بهم من الناس، ويمنعونهم من البراح، فأخذه العظماء وأقبلوا به إلى مدينة بهرسير «٣» ودخلوها ليلا، فخلّى عمّن كان فى سجونها وأخرجهم، واجتمع إليه الفلّ الذين كانوا غلبوا وفرّوا من هرقل وأمر كسرى بقتلهم، فنادوا: قباذ شاهنشاه، وصاروا كلّهم عند الصباح إلى رحبة كسرى، فهرب الحرس، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ «٤» له بالقرب من قصره، يعرف بباغ الهندوان «٥» ، فارّا مرعوبا، فأخذ وحبس بمكان غير دار المملكة، فى دار رجل يقال له: مار اسفند، إلى أن قتل بعد حديث طويل ومراسلات كانت بينه وبين ابنه شيرى بمواطأة العظماء، بعد تقريع عظيم، وتوبيخ كثير، على ما كان منه، ومن سوء تدبيره، وقبح فعاله، وهو يجيبهم بأجوبة إقناعيّة، وله مراسلات ووصايا كتبها إلى ابنه من السجن؛ قد ذكرنا بعضها فيما سلف من هذا الكتاب. وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكه. وبمضىّ آثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه، كانت هجرة سيّدنا رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة.
стр. 5074
قال: ولمّا قبض على كسرى خلّف فى بيت المال من الورق «١» أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر والآلات.
وكان وزيره والقائم بتدبير دولته بزرجمهر الحكيم. ولبزرجمهر هذا قضايا وحكم ومواعظ فى أيدى الناس. ويقال: إنّ بزرجمهر هذا إنما كان وزيرا لكسرى أنو شروان، وهو الذى قتله. وذلك أنّ بزرجمهر ترك المجوسيّة ورجع إلى دين عيسى بن مريم ﵇ ودان به، فقتله كسرى لذلك. ويقال: إنه وجد فى منطقته لمّا قتل كتاب فيه: إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر فى الناس طباعا فالثّقة بكلّ أحد عجز، وإذا كان الموت نازلا فالطّمأنينة إلى الدنيا حمق.
قالوا: ولمّا بلغ بزرجمهر من العمر خمس عشرة سنة دخل على كسرى، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة «٢» فى مجالسها. فوقف وحيّا الملك بتحيّة الملوك ثم قال: الحمد لله المأمون نعمه، المرهوب نقمه، الدالّ عليه، بالرغبة اليه، المؤيّد الملك، بسعوده فى الفلك، حتّى رفع شأنه، وعظم سلطانه، وأنار به البلاد، وأنعش به العباد، وقسّم به فى التقدير، وجوه التدبير، فرعى رعيّته بفضل نعمته، وحماها الموبلات، وأوردها المعشبات، وذاد «٣» عنها الأكّالين، وألّفها بالرّفق واللين، إنعاما من الله عليه، وتثبيتا لما فى يديه. وأسأله أن يبارك له فيما آتاه، ويخيّر له فيما استرعاه، ويرفع قدره فى السماء، ويسير ذكره على وجه الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوى، ولا يوجد له مساوى. وأستوهب الله له
стр. 5075
حياة لا يتنغّص فيها، وقدرة لا يحيد أحد عنها، وملكا لا بؤس فيه، وعافية تديم له البقاء، وتكثر له النّماء؛ وعزّا يؤمّنه من انقلاب رعيّته، أو هجوم بليّته، فإنه مؤتى الخير، ودافع الشرّ.
فلمّا سمعه كسرى أمر فحشى فمه بنفيس الجواهر، ولم تمنعه حداثة سنّه أن استوزره، وقلّده خيره وشرّه؛ فكان أوّل داخل، وآخر خارج. وكان أبوه خامل القدر، وضيع الحال، سفيه المنطق، اسمه البختكان.
قال: ولمّا قبض على أبرويز ملك بعده ابنه: قباذ بن أبرويز ويعرف قباذ بشيرويه. وقباذ هذا هو القابض على أبيه والقاتل له، وقتل سبعة عشر أخا له، وقيل ثمانية عشر، ذوى آداب وشجاعة؛ فكان عاقبة ذلك أنّ الله ابتلاه بالأسقام، فانتقض عليه بدنه، ولم يلتذ بشىء من ملاذّ الدنيا، وجزع بعد قتل إخوته جزعا شديدا؛ وكان يبكى حتى يرمى التاج عن رأسه، وعاش ما عاش مهموما حزينا مدنفا. وفى أيامه فشا الطاعون فأهلك أكثر الفرس. وكان ملكه ثمانية أشهر، وقيل أكثر من ذلك.
وملك بعد وفاته ابنه أردشير بن شيرويه وهو ابن سبع سنين ولم يوجد من بيت الملك غيره.
قال: ولمّا ملّكته الفرس عليها حضنه رجل يقال له: مهآذر جشنس، «١» فأحسن سياسة الملك. وكان شهر براز «٢» المقيم بثغر الروم فى جند ضمّهم اليه كسرى أبرويز
стр. 5076
وابنه شيرويه، وكانا يكتبان اليه ويستشيرانه فى الأمر الذى يهمهما ويعملان برأيه. فلمّا مات شيرويه وملّكت الفرس عليها ابنه أردشير- مع حداثة سنه- لم يشاوره عظماء الفرس فى ذلك، فعظم عليه انفرادهم عنه، وجعل ذلك ذنبا لهم، وبسط يده وطمع فى الملك، واستهان بعظماء الفرس، ودعا الناس لنفسه، وأقبل بجنده نحو المدائن، فعمد مهآذر جشنس الى مدينة طيسبون، فحصّنها وحوّل أردشير ومن بقى من نسل الملوك ونسائهم والأموال والخزائن والكراع «١» وغير ذلك إليها؛ فورد شهر براز الى مدينة طيسبون وحاصرها ونصب عليها المجانيق، فعجز عنها لحصانتها، فأخذ فى أعمال المكايد والحيل، فلم يزل يتلّطف برجل يقال له: نيوخسرو ويراسله هو وغيره، حتى فتحوا له باب المدينة فدخلها، وقتل جماعة من الرؤساء واستصفى أموالهم وقتل أردشير بن شيرويه. وكان ملكه سنة ونصفا، وقيل:
إنما ملك نصف سنة، وقيل: خمسة أشهر.
وملك بعده شهر براز، وقيل فيه: شهريار، ولم يكن من أهل بيت المملكة.
قال: ولمّا جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدّة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء؛ فدعا بالطست، فوضع أمام ذلك السرير، ومدّ أمامه ما يستتر به، وبقى يتبرّز فى ذلك الطست.
قال: ثم آمتعض رجل يقال له: فسفرّوخ «٢» [بن ما خرشيذان «٣» ] وأخوان له من قتل شهر براز أردشيرين شيرويه وغلبته على الملك، فتحالفوا على قتله. وكان من السنّة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض،
стр. 5077
وبأيديهم السيوف والتّراس «١» والرّماح؛ فإذا حاذاهم الملك وضع كلّ واحد منهم ترسه على قريوس سرجه، ثم يضع جبهته عليه كهيئة السجود.
قال: واتفق ركوب شهر براز فى بعض الأيام فوقف فسفرّوخ وأخواه وهم بالقرب من بعضهم بعضا، فلمّا حازاهم شهر براز طعنه فسفرّوخ، ثم طعنه أخواه فسقط عن دابّته، فشدّوا رجله بحبل وجرّوه إقبالا وإدبارا ساعة، وساعدهم العظماء «٢» على ذلك، وقتلوا جماعة ممن كان قد ساعد شهر براز على قتل أردشير. فكان ملكه أربعين يوما، وقيل عشرين يوما.
وملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز ويقال لها: بوران دخت.
قال: فأحسنت السّيرة وبسطت العدل، وأمرت برمّ القناطر والجسور، وإعادة ما تشعّث من العمارات، ووضعت بقايا الخراج، وكتبت الى الناس عامّة كتبا تعلمهم ما هى عليه من الإحسان، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهية والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون أنه ليس ببطش الرجال تدوّخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكائدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر؛ ولكنّ ذلك بالله ، وحسن النيّة واستقامة التدبير. وأمرت بالمناصحة وحسن الطاعة، وردّت خشبة الصليب على ملك الروم. وكان ملكها سنة وأربعة أشهر.
ثم ملك رجل يقال له: جشنسده وهو ابن عمّ أبروير، وكان ملكه أقلّ من شهر، وقيل: إن الذى ملك يزدجرد بن كسرى وهو طفل.
стр. 5078
ثم ملكت بعده آزرميدخت بنت كسرى أبرويز، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكان عظيم فارس يومئذ فرّخ هرمز أصبهبذ خراسان؛ فأرسل إليها يسألها أن تزوّجه نفسها، فأرسلت اليه: التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت اليه قضاء حاجتك منّى؛ فصر الىّ ليلة كذا وكذا، ففعل وركب اليها فى تلك الليلة، وتقدّمت الى صاحب حرسها أن يرصده فى الليلة التى تواعدا للالتقاء فيها، فإذا رآه يقتله، فرصده صاحب الحرس؛ فلمّا جاء قتله وجرّ برجله وطرحه فى رحبة دار الملك.
فلمّا أصبح الناس ورأوه علموا أنه لم يقتل إلّا لأمر عظيم، ثم أمرت بتغييب جثّته فغيّبت. وكان رستم بن فرّخ هرمز هذا- وهو رستم صاحب القادسيّة- عظيم البأس، قويّا فى نفسه، فلمّا بلغه ما صنع بأبيه أقبل فى جند عظيم حتى نزل المدائن؛ فقبض على آزرميدخت وسمل عينيها وقتلها بعد ذلك. فكانت مدّة ملكها ستة أشهر.
واختلف فيمن ملك بعد آزرميدخت، فقيل رجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له: كسرى [بن] مهرجشنس «١» ، فلبس التاج وقتل بعد أيام. ويقال: بل كان رجل يسكن ميسان يقال له فيروز، فملّكوه كرها. وكان ضخم الرأس، فلمّا توّج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطيّر العلماء من افتتاح الأمر بالضيق وقتلوه. ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان قد لجأ الى موضع من الغرب بالقرب من نصيبين، يقال له: «حصن الحجارة» حين قتل شيرويه بن كسرى أبرويز إخوته، وهو فرّخ زاباذ «٢» خسرو بن كسرى أبرويز، فانقاد الناس له طوعا زمانا
стр. 5079
يسيرا ثم استعصوا عليه وخالفوه. وكان ملكه ستة أشهر. وكان أهل اصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز باصطخر، وكان قد هرب إليها حين قتل شيرويه إخوته. فلمّا بلغ عظماء أهل اصطخر أنّ من بالمدائن خالفوا الملك فرّخ زاذ خسرو أتوا يزدجرد ببيت نار أردشير، فتوّجوه هناك وملّكوه، وكان حدثا، ثم أقبلوا به الى المدائن وقتلوا فرّخ زاذ خسرو بحيل احتالوها عليه.
وملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك؛ فملك وكان العظماء والوزراء يدبّرون الملك لحداثة سنّه، وهو آخر الملوك الساسانيّة وعليه انقرضت دولتهم، فلم تقم لهم قائمة، وتردّد الى بلاد خراسان والى بلاد الترك، وعاد فقتل بمرو من بلاد خراسان فى سنة إحدى وثلاثين من الهجرة لسبع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفّان رضى الله عنه.
وكانت مدّة ملك يزدجرد منذ ملك وإلى أن قتل عشرين سنة، إلّا أنّ فيها مدّة لا يعدّ فيها مع الملوك؛ لأنه كان مشرّدا طريدا على ما نذكر أخباره مفصّلة، وكيف فتحت بلاده ومدنه بلدا بلدا، ومدينة مدينة فى خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان رضى الله عنهما.
فعدّة ملوك الفرس الأول والساسانيّة على هذا المساق الذى ذكرناه اثنان وخمسون ملكا منهم ثلاث نسوة. فالفرس الأول عشرون ملكا منهم امرأة واحدة. والملوك الساسانيّة اثنان وثلاثون ملكا فيهم امرأتان. وذكر بعض المؤرّخين أنّ ملوك الفرس ستّون ملكا، وأنّ مدّة ملكهم أربعة آلاف سنة وسبعون سنة وشهورا. والله أعلم.
стр. 5080
ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم
قد تنازع الناس فى اليونانيّين، فذهبت طائفة منهم أنهم ينتمون الى الروم ويضافون الى ولد إسحاق؛ وقالت طائفة: إنّ يونان هو ابن يافث بن نوح. وقال آخرون: إنه يافث بن الأصغر. وذهب قوم الى أنهم من ولد أوراش بن «١» ماذان ابن سام بن نوح. وذهب آخرون الى أنهم من قبيل متقدّم فى الزمن الأوّل.
وقال المسعودىّ: وقد ذكر أنّ يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر بن شالخ، وأن أمره فى الانفصال عن دار أخيه كان سبب «٢» الشكّ فى الشركة فى النسب، وأنه خرج من أرض اليمن. وكان يونان جبّارا عظيما، وسيما جسيما. وكان جزل الرأى، كبير الهمّة، عظيم القدر. وهكذا ذكر يعقوب بن إسحاق الكندىّ فى نسب يونان أنه أخ لقحطان، وردّ عليه أبو العباس [عبد «٣» الله بن محمد] الناشى فى قصيدته حيث قال:
أبا يوسف إنّى نظرت فلم أجد ... على الفحص رأيا صحّ منك ولا عقدا
وصرت حكيما عند قوم إذا امرؤ ... بلاهم جميعا لم يجد عندهم عهدا
أتقرن إلحادا بدين محمد ... قد جئت شيئا- يا أخا كندة- إدّا
وتخلط قحطانا بيونان ضلّة ... لعمرى لقد باعدت بينهما جدّا
قيل: ولمّا كثر ولد يونان خرج يطلب موضعا يسكنه، فأتى الى موضع من الغرب، فأقام به هو ومن معه من ولده، وكثر نسله إلى أن أدركه الموت، فجعل
следующие страницы →