← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

وابنه شيرويه، وكانا يكتبان اليه ويستشيرانه فى الأمر الذى يهمهما ويعملان برأيه. فلمّا مات شيرويه وملّكت الفرس عليها ابنه أردشير- مع حداثة سنه- لم يشاوره عظماء الفرس فى ذلك، فعظم عليه انفرادهم عنه، وجعل ذلك ذنبا لهم، وبسط يده وطمع فى الملك، واستهان بعظماء الفرس، ودعا الناس لنفسه، وأقبل بجنده نحو المدائن، فعمد مهآذر جشنس الى مدينة طيسبون، فحصّنها وحوّل أردشير ومن بقى من نسل الملوك ونسائهم والأموال والخزائن والكراع «١» وغير ذلك إليها؛ فورد شهر براز الى مدينة طيسبون وحاصرها ونصب عليها المجانيق، فعجز عنها لحصانتها، فأخذ فى أعمال المكايد والحيل، فلم يزل يتلّطف برجل يقال له: نيوخسرو ويراسله هو وغيره، حتى فتحوا له باب المدينة فدخلها، وقتل جماعة من الرؤساء واستصفى أموالهم وقتل أردشير بن شيرويه. وكان ملكه سنة ونصفا، وقيل: إنما ملك نصف سنة، وقيل: خمسة أشهر. وملك بعده شهر براز، وقيل فيه: شهريار، ولم يكن من أهل بيت المملكة. قال: ولمّا جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدّة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء؛ فدعا بالطست، فوضع أمام ذلك السرير، ومدّ أمامه ما يستتر به، وبقى يتبرّز فى ذلك الطست. قال: ثم آمتعض رجل يقال له: فسفرّوخ «٢» [بن ما خرشيذان «٣» ] وأخوان له من قتل شهر براز أردشيرين شيرويه وغلبته على الملك، فتحالفوا على قتله. وكان من السنّة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض،

стр. 5077

وبأيديهم السيوف والتّراس «١» والرّماح؛ فإذا حاذاهم الملك وضع كلّ واحد منهم ترسه على قريوس سرجه، ثم يضع جبهته عليه كهيئة السجود. قال: واتفق ركوب شهر براز فى بعض الأيام فوقف فسفرّوخ وأخواه وهم بالقرب من بعضهم بعضا، فلمّا حازاهم شهر براز طعنه فسفرّوخ، ثم طعنه أخواه فسقط عن دابّته، فشدّوا رجله بحبل وجرّوه إقبالا وإدبارا ساعة، وساعدهم العظماء «٢» على ذلك، وقتلوا جماعة ممن كان قد ساعد شهر براز على قتل أردشير. فكان ملكه أربعين يوما، وقيل عشرين يوما. وملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز ويقال لها: بوران دخت. قال: فأحسنت السّيرة وبسطت العدل، وأمرت برمّ القناطر والجسور، وإعادة ما تشعّث من العمارات، ووضعت بقايا الخراج، وكتبت الى الناس عامّة كتبا تعلمهم ما هى عليه من الإحسان، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهية والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون أنه ليس ببطش الرجال تدوّخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكائدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر؛ ولكنّ ذلك بالله ، وحسن النيّة واستقامة التدبير. وأمرت بالمناصحة وحسن الطاعة، وردّت خشبة الصليب على ملك الروم. وكان ملكها سنة وأربعة أشهر. ثم ملك رجل يقال له: جشنسده وهو ابن عمّ أبروير، وكان ملكه أقلّ من شهر، وقيل: إن الذى ملك يزدجرد بن كسرى وهو طفل.

стр. 5078

ثم ملكت بعده آزرميدخت بنت كسرى أبرويز، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكان عظيم فارس يومئذ فرّخ هرمز أصبهبذ خراسان؛ فأرسل إليها يسألها أن تزوّجه نفسها، فأرسلت اليه: التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت اليه قضاء حاجتك منّى؛ فصر الىّ ليلة كذا وكذا، ففعل وركب اليها فى تلك الليلة، وتقدّمت الى صاحب حرسها أن يرصده فى الليلة التى تواعدا للالتقاء فيها، فإذا رآه يقتله، فرصده صاحب الحرس؛ فلمّا جاء قتله وجرّ برجله وطرحه فى رحبة دار الملك. فلمّا أصبح الناس ورأوه علموا أنه لم يقتل إلّا لأمر عظيم، ثم أمرت بتغييب جثّته فغيّبت. وكان رستم بن فرّخ هرمز هذا- وهو رستم صاحب القادسيّة- عظيم البأس، قويّا فى نفسه، فلمّا بلغه ما صنع بأبيه أقبل فى جند عظيم حتى نزل المدائن؛ فقبض على آزرميدخت وسمل عينيها وقتلها بعد ذلك. فكانت مدّة ملكها ستة أشهر. واختلف فيمن ملك بعد آزرميدخت، فقيل رجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له: كسرى [بن] مهرجشنس «١» ، فلبس التاج وقتل بعد أيام. ويقال: بل كان رجل يسكن ميسان يقال له فيروز، فملّكوه كرها. وكان ضخم الرأس، فلمّا توّج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطيّر العلماء من افتتاح الأمر بالضيق وقتلوه. ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان قد لجأ الى موضع من الغرب بالقرب من نصيبين، يقال له: «حصن الحجارة» حين قتل شيرويه بن كسرى أبرويز إخوته، وهو فرّخ زاباذ «٢» خسرو بن كسرى أبرويز، فانقاد الناس له طوعا زمانا

стр. 5079

يسيرا ثم استعصوا عليه وخالفوه. وكان ملكه ستة أشهر. وكان أهل اصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز باصطخر، وكان قد هرب إليها حين قتل شيرويه إخوته. فلمّا بلغ عظماء أهل اصطخر أنّ من بالمدائن خالفوا الملك فرّخ زاذ خسرو أتوا يزدجرد ببيت نار أردشير، فتوّجوه هناك وملّكوه، وكان حدثا، ثم أقبلوا به الى المدائن وقتلوا فرّخ زاذ خسرو بحيل احتالوها عليه. وملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك؛ فملك وكان العظماء والوزراء يدبّرون الملك لحداثة سنّه، وهو آخر الملوك الساسانيّة وعليه انقرضت دولتهم، فلم تقم لهم قائمة، وتردّد الى بلاد خراسان والى بلاد الترك، وعاد فقتل بمرو من بلاد خراسان فى سنة إحدى وثلاثين من الهجرة لسبع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفّان رضى الله عنه. وكانت مدّة ملك يزدجرد منذ ملك وإلى أن قتل عشرين سنة، إلّا أنّ فيها مدّة لا يعدّ فيها مع الملوك؛ لأنه كان مشرّدا طريدا على ما نذكر أخباره مفصّلة، وكيف فتحت بلاده ومدنه بلدا بلدا، ومدينة مدينة فى خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان رضى الله عنهما. فعدّة ملوك الفرس الأول والساسانيّة على هذا المساق الذى ذكرناه اثنان وخمسون ملكا منهم ثلاث نسوة. فالفرس الأول عشرون ملكا منهم امرأة واحدة. والملوك الساسانيّة اثنان وثلاثون ملكا فيهم امرأتان. وذكر بعض المؤرّخين أنّ ملوك الفرس ستّون ملكا، وأنّ مدّة ملكهم أربعة آلاف سنة وسبعون سنة وشهورا. والله أعلم.

стр. 5080

ذكر أخبار ملوك اليونان وأنسابهم قد تنازع الناس فى اليونانيّين، فذهبت طائفة منهم أنهم ينتمون الى الروم ويضافون الى ولد إسحاق؛ وقالت طائفة: إنّ يونان هو ابن يافث بن نوح. وقال آخرون: إنه يافث بن الأصغر. وذهب قوم الى أنهم من ولد أوراش بن «١» ماذان ابن سام بن نوح. وذهب آخرون الى أنهم من قبيل متقدّم فى الزمن الأوّل. وقال المسعودىّ: وقد ذكر أنّ يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر بن شالخ، وأن أمره فى الانفصال عن دار أخيه كان سبب «٢» الشكّ فى الشركة فى النسب، وأنه خرج من أرض اليمن. وكان يونان جبّارا عظيما، وسيما جسيما. وكان جزل الرأى، كبير الهمّة، عظيم القدر. وهكذا ذكر يعقوب بن إسحاق الكندىّ فى نسب يونان أنه أخ لقحطان، وردّ عليه أبو العباس [عبد «٣» الله بن محمد] الناشى فى قصيدته حيث قال: أبا يوسف إنّى نظرت فلم أجد ... على الفحص رأيا صحّ منك ولا عقدا وصرت حكيما عند قوم إذا امرؤ ... بلاهم جميعا لم يجد عندهم عهدا أتقرن إلحادا بدين محمد ... قد جئت شيئا- يا أخا كندة- إدّا وتخلط قحطانا بيونان ضلّة ... لعمرى لقد باعدت بينهما جدّا قيل: ولمّا كثر ولد يونان خرج يطلب موضعا يسكنه، فأتى الى موضع من الغرب، فأقام به هو ومن معه من ولده، وكثر نسله إلى أن أدركه الموت، فجعل

стр. 5081

وصيّته إلى الأكبر من ولده واسمه جريبوش، وأوصاه بأولاده ونسله، ومات وبقى ابنه على مكانه، وكثر نسلهم فغلبوا على بلاد الغرب من الفرنجة والنّوكبرد والصقالبة وغيرهم. وذكر بطليموس فى كتابه: أن أوّل ملك ملك من ملوك اليونانين فيلبّس وتفسيره محبّ الفرس، وقيل اسمه نفليص، وقيل فيلفوس. وكانت مدّة ملكه سبع سنين. ثم ملك بعده ابنه الإسكندر ذو القرنين وليس هو صاحب الخضر رضى الله عنه. والإسكندر هذا هو الذى قتل دارا بن دارا ملك الفرس، ونثر عقد مملكة فارس، وقرّر ملوك الطوائف فيما ذكرناه. وكان سبب قتله لدارا أن سائر الملوك كانت تؤدّى الإتاوة الى ملوك الفرس منذ دوّخ بختنصّر البلاد، وذلّل لهم الملوك على ما ذكرناه آنفا فى أخبار الفرس، ولا حاجة الى إعادته. قالوا: وكان فيلبّس أبو الإسكندر قد صالح دارا على إتاوة يؤدّيها اليه فى كل سنة. فلمّا ولى الإسكندر وظهر أمره، وكان بعيد الهمّة، فامتنع أن يودّى الى دارا الخراج الذى كان يحمله أبوه اليه، فأسخط دارا ذلك، فكتب اليه يؤنّبه بسوء صنيعه بتركه حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج وقال فى كتابه: إنما دعاك الى حبس ذلك الصّبا والجهل، وبعث اليه بصولجان وكرة وبقفيز من السمسم. يعلمه بذلك أنه إنما ينبغى لك أن تلعب مع الصبيان بالصولجان ولا تتقلّد الملك ولا تلبث به، ويعلمه أنه إن لم يقتصر على ما أمره به وتعاطى الملك بعد أن أمره باعتزاله بعث اليه بمن يأتيه به فى وثاق. وأنّ عدّة جنوده الذين يبعث بهم اليه كعدّة حبّ السمسم الذى بعث به إليه.

стр. 5082

فكتب إليه الإسكندر فى جواب ذلك: أنه قد فهم ما كتب به، ونظر الى ما أرسله إليه من الصّولجان والكرة وتيمّن به لإلقاء الملقى الكرة الى الصّولجان وإحرازه إيّاها، وأنه شبّه الأرض بالكرة، وتفاءل بملكه إياها واحتوائه عليها، وأنه يجترّ ملك دارا الى ملكه، وبلاده الى حيّزه؛ وأنه نظر الى السمسم الذى بعث به كنظره الى الصولجان والكرة لدسمه، وبعده عن المرارة والحرافة «١» ، وبعث الى دارا مع كتابه بصرّة من خردل، وأعلمه فى الجواب أنّ ما بعث به إليه قليل، غير أن ذلك مثل الذى بعث به فى القوّة والحرافة والمرارة، وأنّ جنوده فيما وصف به منه. فلمّا وصل الى دارا جواب كتاب الإسكندر. جمع جنده وتأهّب لحربه وسار نحو بلاده، وتأهّب الإسكندر أيضا للقائه وسار نحو دارا، فالتقيا جميعا بأرض الجزيرة «٢» واقتتلا سنة، وقد كان دارا ملّه قومه وأحبّوا الراحة منه، فلحق كثير من وجوه الفرس بالإسكندر وأطلعوه على عورة دارا وقوّوه عليه، ثم وثب على دارا حاجباه فقتلاه وتقرّبا برأسه إلى الإسكندر، فلما أتوه بها أمر بقتلهما وقال: هذا جزاء من تجرّأ على ملكه. وقد ذكر أنه سيق اليه أسير غدر به صاحب شرطته، فقال له الإسكندر: بما اجترأ عليك صاحب شرطتك؟ قال: بتركى ترهيبه وقت إساءته، وإعطائى إيّاه وقت الإحسان باليسير من فعله نهاية رغبته، فقال الإسكندر: نعم العون على إصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال، وأصلح منه الترهيب وقت الحاجة، ثم أمر الإسكندر بقتله.

стр. 5083

وقد قيل: إنه لمّا هزمه الإسكندر فرّ جريحا فخرج فى طلبه فى ستّة آلاف حتى أدركه، ثم لم يلبث دارا أن هلك، فأظهر الإسكندر عليه الحزن ودفنه فى مقابر الملوك «١» . وقيل: إنّ الإسكندر كان قد نادى ألّا يقتل دارا وأن يؤسر. فلمّا علم الإسكندر بما تمّ على دارا سار حتى وقف عنده [فرآه يجود «٢» بنفسه] فنزل [الإسكندر «٣» ] عن دابته وجلس عند رأسه، وأخبره أنه ما أمر بقتله، وأنّ الذى أصابه لم يكن عن رأيه. وقال: سلنى ما بدا لك فإنّى أسعفك به، فقال له دارا: لى اليك حاجتان: إحداهما أن تنتقم لى من الرجلين اللذين قتلانى وسمّاهما له، والأخرى أن تتزوّج ابنتى روشنك، فأجابه الى ذلك، وأمر بصلب الرجلين اللذين فتكا بدارا. ويقال: إنّ الرجلين اللذين قتلاه إنما فعلا ذلك عن رأى الإسكندر، وأنه كان شرط لهما شرطا على قتله، فلما طعناه دفع اليهما ما كان شرطه لهما ثم قال: قد وفّيت لكما بالشرط ولم تكونا شرطتما لأنفسكما وأنا قاتلكما لا محالة، فإنه ليس ينبغى لقتلة الملك أن يستبقوا إلّا بذمّة لا تخفر، فقتلهما وصلبهما.

стр. 5084

ويقال: إن الإسكندر فى الأيّام التى نازل فيها دارا كان يسير اليه بنفسه على أنه رسول فيتوسّط العسكر ويعرف كثيرا مما يحتاج اليه، فكان دارا يستحسن سمته، ويحسن صلته ومجازاته، ثم اتّهمه، وأحسّ الإسكندر بذلك فما عاد اليه بعدها. ذكر شىء من مكايد الإسكندر وحيله فى حروبه من ذلك أنه لمّا التقى بدارا يوم الحرب أمر مناديه فنادى: يا معشر الفرس، قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمانات، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل عن العسكر وله منّا الوفاء بما ضمنّاه، فاتهمت الفرس بعضها بعضا، وكان ذلك أوّل اضطراب حدث فيهم. ومن ذلك أنه لمّا شخص عن فارس الى أرض الهند تلقاه ملكها قور «١» فى جمع عظيم من الهنود ومعه ألف فيل عليها المقاتلة بالسلاح وفى خراطيمها السيوف والعمد، فلم تقف لها دوابّ الإسكندر وفرّت فكانت الهزيمة عليه، فلمّا بلغ الإسكندر مأمنه أمر باتّخاذ فيلة من نحاس «٢» مجوّفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها، ثم أمر فملئت نفطا وكبريتا، وألبسها الدروع وجرت على العجل، وعاود حرب الهند، وجعل بين كلّ تمثالين جماعة من أصحابه. فلمّا نشبت الحرب أمر بإشعال النيران فى أجواف تلك التماثيل وانكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند، فخرجت

стр. 5085

النيران من خراطيم التماثيل فولّت الفيلة مدبرة ورجعت على أصحابها، فكانت الدائرة على الهند وقتل ملكهم قور. ومما يحكى عنه أنه نزل على مدينة حصينة فتحصّن فيها أهلها، فتعرّف خبرها فقيل له: إن فيها من الميرة ما يكفيهم زمنا طويلا، وإنّ بها من العيون والأنهار ما لا يقدر على قطعه، فارتحل عنها ودسّ جماعة من التّجار متنكّرين، فدخلوها وأمدّهم بالأموال الكثيرة، وأمرهم أن يبتاعوا الأقوات ويغالوا فى أثمانها، ففعلوا ذلك حتى حازوا أكثر ما فيها. فلما علم الإسكندر بذلك كتب اليهم يأمرهم بإحراق ما حصلوه من الأقوات وأن يهربوا، ففعلوا كما أمرهم، وعاد الى المدينة وحاصرها وزحف عليها فأعطوه الطاعة وملك المدينة. وكان إذا أراد أن يحاصر مدينة شرّد من حولها من أهل القرى وتهدّدهم بالسبى فيلجأوا الى المدينة ويعتصموا بها، فلا يزال كذلك حتى يعلم أنه قد دخلها أضعاف أهلها وأسرعوا فى الميرة فيحاصرهم حينئذ فيفتح المدينة. ومما يحكى عنه أنه كتب الى معلّمه أرسطاطاليس «١» ، وكان الإسكندر يشاوره فى كثير من أموره، ويقتدى بآرائه، ويعمل بما يشير به عليه ولا يعدل عنه. وأرسطاطاليس هذا هو تلميذ أفلاطون، وأفلاطون صاحب الفراسة تلميذ سقراط.

стр. 5086

ويحكى عن أفلاطون أنه كان يصوّر له صورة إنسان لم يره قطّ ولا عرفه فيقول: صاحب هذه الصورة من أخلاقه كذا، ومن هيئته كذا، فيكون الرجل كما أخبر عنه، فيقال: إنه صوّر له صورة نفسه، فلمّا عاينها قال: هذا رجل محبّ فى الزنا فقيل له: إنها صورتك، فقال: نعم أنا كذلك، ولولا أنى أملك نفسى لفعلت وإنى لمحبّ فيه. نرجع إلى أخبار الإسكندر فيما كتب به الى أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا: إنه كتب اليه يخبره أنّ فى عسكره من الروم جماعة من خاصّته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعدهممهم فى شجاعتهم وكثرة آلتهم، وأنه لا يرى لهم عقولا تفى بتلك الفضائل التى تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل بمجرّد الظّنّة مع وجوب الحرمة. فكتب إليه أرسطاطاليس: قد فهمت كتابك، وما وصفت به أصحابك. أمّا ما ذكرت من بعد هممهم فإنّ الوفاء من بعد الهمّة. وأمّا ما ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها، فمن كانت هذه حاله فرفّهه فى معيشته واخصصه بحسان النساء، فإنّ رفاهية العيش توهن العزم، وتحبب السلامة، وتباعد من ركوب الخطر والغرر «١» ، وليكن خلقك حسنا تخلص اليك النيّات، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط إخوتك مثله، فليس ينبغى مع الاستئثار محبّة، ولا مع المواساة بغضة. واعلم أنّ المملوك إذا اشترى لم يسأل عن مال مولاه، وإنما يسأل عن خلقه.

стр. 5087

وكتب اليه الإسكندر يعلمه أنه شاهد بإيران شهر «١» رجالا ذوى أصالة فى الرأى، وجمال فى الوجوه، ولهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم هيئات وخلفا لو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، وأنه إنما ملكهم بحسن الاتفاق والبخت، وأنه لا يأمن إذا ظعن عنهم وثوبهم ولا تسكن نفسه إلّا ببوارهم. فكتب إليه أرسطاطاليس: فهمت كتابك فى رجال فارس؛ فأما قتلهم فهو من الفساد فى الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض فارس أمثالهم، لأنّ إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقل، والسداد فى الرأى، والاعتدال فى التركيب؛ فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وكثّرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممّن بعدهم، وإخراجك إيّاهم فى عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكنّى أشير عليك برأى هو أبلغ لك فى كل ما تريد من القتل وغيره، وهو أن تستدعى أولاد الملوك منهم وممّن يستصلح للملك ويترشّح له، فتقلّدهم البلدان وتولّيهم الولايات ليصير كلّ واحد منهم ملكا برأسه، فتتفرّق كلمتهم، ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدّى بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على أمر واحد، ولا تجتمع كلمتهم. ففعل الإسكندر ذلك، فتمّ أمره وأمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى أرض الهند حتى قتل ملكها مبارزة بعد حروب عظيمة. ثم صار إلى أرض الصّين وطاف مما يلى القطب الشمالىّ ورجع إلى العراق فمات فى طريقه بشهر زور «٢» ، ويقال: بل فى قرية من قرى بابل. وكان عمره ستّا وثلاثين

стр. 5088

سنة. وفى بعض النسخ ثلاثا وثلاثين سنة. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة وشهورا. وقيل: سبعة عشر سنة. وقتل دارا فى السنة الثالثة من ملكه. قال: وبنى الإسكندر اثنتى عشرة مدينة وسمّاها كلّها الإسكندرية منها: مدينة جىّ «١» بأصبهان، وثلاث مدن بخراسان وهى: هراة «٢» ومرو «٣» وسمرقند. وبنى بأرض بابل مدينة لروشنك «٤» . وبنى بأرض يونان سبع مدن. ومن عجيب ما قيل فى نسب الإسكندر: أنه من ولد دارا الأكبر، وأنه أخو دارا الأصغر، وذلك أن دارا الأكبر بن أردشير تزوّج ببنت ملك الزّنج هلاى، فلمّا حملت» منه استخبث ريحها، فأمر أن تحتال لذلك، فكانت تغتسل بماء السندروس «٦» فأذهب ذلك كثيرا من دفرها «٧» ، ثم عافها وردّها [إلى أهلها «٨» ] وقد علقت منه بالإسكندر فقيل له الإسكندروس. هذا ما نقله عبد الملك بن عبدون فى كتابه المترجم

стр. 5089

بكمامة الزهر وصدفة «١» الدرّ، قال: واختلف فى مدّته فذكر الخوارزمىّ فى تاريخه أنه [كان «٢» ] قبل الهجرة بتسعمائة سنة، وثلاث وثلاثين سنة. وذكر أبو محمد ابن قتيبة فى كتاب المعارف: أن بينه وبين الهجرة أربعمائة «٣» سنة. والله أعلم بالصواب. ذكر شىء من أخبار الإسكندر وما اتفق له مع ملكى الهند والصين فأما خبره مع ملك الهند قال عبد الملك بن عبدون: إن الإسكندر لمّا دوّخ البلاد وقهر الملوك سار نحو الهند وقتل ملكها الأعظم فورا صاحب مدينة المانكير «٤» . فلما دانت له ملوك الهند بلغه أنّ بأقاصى ديارها ملكا من ملوكها ذا حكمة وسياسة وإنصاف لرعيّته، وأنه ليس فى بلاد الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله يقال له

стр. 5090

كندكان، وأنه قاهر لنفسه مانع [لها «١» ] من الشهوة الغضبية، فكتب إليه الإسكندر كتابا يقول فيه: أما بعد، فإذا أتاك كتابى هذا فإن كنت قائما فلا تقعد، وإن كنت ماشيا فلا تلتفت حتى تدخل فى طاعتى، وإلّا مزّقت ملكك وألحقتك بمن مضى من ملوك الهند من قبلك. فلمّا ورد عليه الكتاب أجاب بأحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه قد اجتمع عنده أشياء لم تجتمع عند غيره مثلها: فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن منها؛ وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحدّة مزاجه وحسن قريحته، واعتداله فى بنيته، واتساعه فى علمه؛ وطبيب لا يخشى عليه معه داء ولا شىء من العوارض إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية، وحلّ العقدة التى عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحسّىّ، وإذا كانت بنية الإنسان وهيكله قد نصبا فى هذا العالم غرضا للآفات والحتوف والبلايا؛ وقدح اذا ملاته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شىء، وإنّى منفذ جميع ذلك الى الملك وصائر اليه. فلمّا قرأ الإسكندر كتابه قال: كون هذه الأشياء عندى ونجاة هذا الحكيم من صولتى أحبّ الىّ من ألا تكون عندى ويهلك. فأنفذ اليه الإسكندر جماعة من الحكماء اليونانيين والروم فى عدّة من الرجال وتقدّم اليهم أنه إن كان قد صدق فيما كتب به إلىّ فاحملوا ذلك الى عندى واتركوه فى موضعه، وإن تبيّنتم الأمر على خلاف ذلك، وأنه أخبر عن الشىء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حدّ الحكمة فأشخصوه الىّ. فلمّا انتهوا الى مملكة الملك خرج اليهم وتلقّاهم بأحسن لفاء، وأنزلهم بأحسن منزل. فلما كان فى اليوم الثالث جلس لهم مجلسا خاصّا للحكماء دون من كان معهم من المقاتلة. فقال بعضهم لبعض: إن صدقنا فى الأوّل صدقنا فيما بعد ذلك مما ذكر.

стр. 5091

فلمّا أخذت الحكماء مراتبها واستقرّت بها مجالسها أقبل عليهم مباحثا فى أصول العلوم الفلسفية وفروعها، وعلى كم فنّ يحتوى العلم الفلسفىّ فى أصوله، والى كم يتفرّع. قال عبد الملك بن عبد الله بن عبدون- ﵀: وقد ذكر أن العلم الفلسفىّ ينقسم على أربعة أنواع: أحدها الرياضيّات، والثانى المنطقيّات، والثالث الطبيعيّات، والرابع الإلهيّات. قال: فأما الرياضيّات فأربعة أنواع: الواحد علم الحساب، والثانى علم الهندسة، والأصل فيه النقطة، وهى فيه كالواحد فى علم الحساب، والثالث علم النجوم، والرابع علم الموسيقى. وهو علم تأليف الألحان. وأما العلوم المنطقيّات فخمسة أنواع: الواحد معرفة صناعة الشعر، وأنواع البديع كالتكافؤ والتفريع والحشو والتتبيع والتسميط والترصيع والالتفاتة والإشارة والمقابلة والاستعارة والتبليغ والتلويح والتصدير والتوشيح والتجنيس والتضادّ والترديد والاستطراد والتقسيم والتسهيم والإحالة والتتميم. والثانى معرفة صناعة الخطابة. والثالث صناعة الجدل. والرابع صناعة البرهان. والخامس صناعة المغالطين فى المناظرة ولجدل. وأما العلوم الطبيعيّات فسبعة أنواع: الواحد علم المبادى الجسمانيّة، وهى خمسة أشياء: الهيولى والصورة والزمان والمكان والحركة. والثانى علم السماء والأرض، وهو معرفة ماهية جواهر الأفلاك والكواكب وكيفيتها وكيفية تركيبها وعلّة دورانها، وهل تقبل الكون والفساد كما تقبل الأركان الأربعة التى دون فلك القمر أولا، وما علّة حركات الكواكب واختلافها فى السرعة والإبطاء، وما علّة سكون الأرض فى وسط الفلك فى المركز، وهل خارج العالم جسم آخر أم لا. وهل

стр. 5092

فى الكون والفساد موضع فارغ لا شىء فيه، وما شاكل هذه المباحث. والثالث علم الكون والفساد وهو علم معرفة جواهر الأركان [الأربعة «١» ] التى هى النار والهواء والماء والأرض. والرابع علم حدوث الجواهر بتغيّرات الهواء وتأثيرات الكواكب بحركاتها ومطارح شعاعاتها على الأركان الأربعة وانفعالاتها بعضها ببعض بقدرة الله تعالى. والخامس علم المعادن التى تنعقد من البخارات المختنقة فى بطن الأرض والعصارات المتحلّلة من الهواء. والسادس علم النبات على اختلاف أنواعه فى هيآته وأشكاله واختلاف صموغه وطعومه وخواصّه وروائحه ومنافعه ومضارّه. السابع علم الحيوان، وهو معرفة كلّ جسم يغتذى ويحسّ ويعيش ويتحرّك على اختلاف أنواعه، وما شاكل ذلك مما ينسب الى علم الطبيعيّات كعلم الطبّ والبيطرة وسياسة الدوابّ والسباع والطيور والحرث والنسل وعلم الصنائع أجمع داخل فى علم الطبيعيات. وأما العلوم الإلهيّات فخمسة أنواع؛ أوّلها: معرفة البارى بجميع صفاته، وأنه أوّل كلّ شىء وآخر كلّ شىء، والخالق لكلّ شىء، والعالم بكلّ شىء، وأنه ليس كمثله شىء. والثانى علم الروحانيّات من الجواهر البسيطة العقليّة، وهى الصورة المجرّدة من الهيولى المستعملة للأجسام المطهّرة، ومعرفة ارتباط أبعضها ببعض، وقبض بعضها عن بعض، وهى أفلاك روحانيّة تحيط بأفلاك جسمانيّة. والثالث علم النفوس والأرواح السارية فى الأجسام الفلكيّة والطبيعيّة من لدن الفلك المحيط الى منتهى مركز الأرض. والرابع علم السياسة وهى خمسة انواع؛ أولها: السياسة النبويّة، والسياسة الملوكيّة، والسياسة العامّيّة والسياسة الخاصّيّة والسياسة الذاتيّة. فأما السياسة النبويّة فالله ﵎ يختصّ بها من يشاء من

стр. 5093

عباده ويهدى لاتباعهم من يشاء لا معقّب لحكمه، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. وأما السياسة الملوكية فهى حفظ الشريعة على الأمة وإحياء السنّة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وأما السياسة العامّيّة فهى الرياسات على الجماعات كرياسة الأمراء على البلدان وقادة الجيوش وترتيب أحوالهم على ما يجب وينبغى من الأمور وإتقان التدبير. وأما السياسة الخاصّيّة فهى معرفة كلّ إنسان بنفسه، وتدبيره أمر غلمانه وأولاده، ومن يليهم من أتباعه وقضاء حقوق الإخوان. وأما السياسة الذاتية فهى أن يتفقّد الإنسان أفعاله وأحواله وأخلاقه وشهوته فيزمّها بزمام عقله، وغضبه فيردعه وما شاكل ذلك. والخامس من العلوم الإلهيات علم المعاد وكيفية انبعاث الأرواح وقيام الأجساد وحشرها للحساب يوم الدين، ومعرفة حقيقة جزاء المحسنين وعقاب المسيئين. *** نرجع إلى خبر الملك الهندىّ مع أصحاب الإسكندر، قال: ولمّا تكلّم مع الحكماء اليونانيين فى العلوم الفلسفية وطال الخطب فى مناظرتهم أخرج الجارية اليهم، فلمّا ظهرت لأبصارهم لم يقع طرف كلّ واحد منهم على عضو من أعضائها فتعدّى ببصره إلى غير ذلك العضو اشتغالا بحسنه عمّا سواه حتى خاف القوم على عقولهم، ثم رجعوا إلى أنفسهم وقهروا سلطان هواهم، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدّم الوعد به وصرفهم، وبعث بالفيلسوف والطبيب والجارية والقدح [معهم «١» ] . فلمّا وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الفيلسوف والطبيب، ونظر إلى الجارية فحار عند مشاهدتها، فأمر قيّمة الجوارى بالقيام عليها، ثم صرف همّته إلى الفيلسوف والطبيب وإلى علم ما عندهما، وقصّ عليه الحكماء ما جرى لهم مع الملك الهندىّ من

стр. 5094

المباحث فى العلوم الفلسفيّة، فأعجبه ذلك وتأمّل أغراض القوم ومقاصدهم، وأقبل ينظر فى مطاردة الهند يعلّلها فى معلولاتها، وما يصفه اليونانيون أيضا من عللها فى معلولاتها على حسب ما قدّمت من أوضاعها، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما خبّر عنه، فأجال فكره فيما يختبره به، فدعا بقدح فملاه سمنا ولم يجعل للزيادة عليه موضعا، ودفعه لرسول وقال: احمل هذا إلى الفيلسوف ولا تكلّمه بشىء، فلمّا دفعه اليه دعا الفيلسوف بألف إبرة فغرزها فى السمن وصرفه اليه، فأمر الإسكندر بضرب تلك الإبر كرة متساوية الأجزاء وردّها اليه، فأمر الفيلسوف ببسطها وجلائها حتى صارت جسما تردّ صورة مقابليها لصفائها وردّها إلى الإسكندر، فدعا بطست وجعل تلك المرآة فيه وصبّ عليها الماء حتى غمرها وردّها اليه، فأخذها الفيلسوف وعمل منها طرجهارة «١» طافية على الماء وصرفها اليه، فملأها الإسكندر ترابا وردّها اليه، فلمّا نظر الفيلسوف إلى التراب تغيّر لونه وبكى ثم ردّها إلى الإسكندر ولم يضع فيها شيئا. فلمّا كان فى اليوم الثانى جلس الإسكندر جلوسا خاصّا ودعا بالفيلسوف، ولم يكن رآه قبل ذلك اليوم، فلمّا أقبل نظر الإسكندر [من الفيلسوف «٢» ] إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية فقال فى نفسه: هذه بنية تضادّ الحكمة، فإذا اجتمع له حسن الصورة والفهم كان أوحد زمانه، فأدار الفيلسوف إصبعه حول وجهه ثم وضعه على أرنبة أنفه وأسرع نحو الإسكندر وحيّاه بتحية الملك، فأشار اليه بالجلوس وقال: لم أدرت إصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبة

стр. 5095

أنفك؟ قال: علمت أنك تقول فى نفسك، إذا نظرت إلى حسن صورتى وإتقان بنيتى قلّما تجتمع هذه الخلقة مع الحكمة، وإذا كان على هذا كان صاحبها أوحد زمانه، فأريتك مصداقا لما سنح لك أنه كما ليس لك فى الوجه إلا أنف واحد فكذلك ليس فى ديار الهند على هذه الصفة أحد غيرى. فقال الإسكندر: حسن ما أتيت به! فما بالك حين بعثت اليك بالقدح السمن غرزت فيه الإبر وردّدته؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إنّ قلبى قد امتلأ علما فليس لأحد فيه مستزاد، فأعلمتك أنّ علمى سيزيد فيه كما زادت هذه الإبر فى هذا السمن. قال: فما بالك حين عملت لك الإبر كرة صنعت منها مرآة صقيلة وصرفتها إلىّ؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إن قلبى قد قسا من سفك الدماء واشتغل بهذا العالم فلا يقبل العلم ولا يرغب فيه، فأخبرتك أنى سأعمل الحيلة فى ذلك، كما جعلت من الكرة مرآة مورية للأجسام. قال: فما بالك حين جعلتها لك فى الطست وصببت عليها الماء جعلتها طرجهارة طافية على الماء؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إنّ الأيام قد قصرت والأجل قريب، ولا يدرك العلم الكثير فى المهل القليل، فأخبرتك أنى سأعمل الحيلة فيه فى غير مدّة طويلة، كما جعلت هذه المرآة الراسبة طافية فى أسرع وقت. قال: فما بالك حين ملأت ذلك الإناء ترابا ردّدته إلىّ ولم تحدث فيه شيئا؟. قال: علمت أنك تقول: ثم الموت، وأنه لا بدّ منه، فأخبرتك أن لا حيلة فى ذلك. قال الإسكندر: قد أجبتنى على مرادى فى جميع ذلك ولأحسننّ إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة. فقال له الفيلسوف: لو أحببت المال لما كنت عالما، ولست أدخل على علمى ما يضادّه، فإن القنية توجب الخدمة، وقد ملكت أيها الملك الرحيم بسيفك أجسام رعيّتك فأملك قلوبهم بإحسانك فهو خزانة سلطانك، واحذر العامّة فإنها إذا قدرت

стр. 5096

أن تقول قدرت أن تفعل فاحترز من أن تقول تأمن أن تفعل، فالملك السعيد من ملك الرعيّة بالرغبة والرهبة، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم الإحسان، فخيّره الإسكندر فى المقام معه، أو الانصراف إلى بلاده، فاختار الرجوع إلى موضعه. وأمّا القدح فملأه ماء ثم أورد عليه الناس فلم ينقص شربهم منه شيئا، فيقال إنه كان معمولا من خواصّ الهند الروحانيّة مما تدّعيه الهند، ويقال إنه كان لآدم أبى البشر ﵇، مبارك له فيه حين كان بأرض سرنديب، فورث عنه إلى أن انتهى إلى هذا الملك الهندىّ. وأما الطبيب فإنه كان له معه منظرات دلّت على ثبوت قدمه فى علمه، وأنه كما وصف صاحبه أوكاد. هذا خبره مع ملك الهند. وأما خبره مع ملك الصين؛ قال ابو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم: وفى الرواية الصحيحة أن الإسكندر لمّا انتهى إلى بلاد الصين أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال: هذا رسول ملك الصين بالباب يستأذن فى الدخول عليك، قال: أدخله، فأدخله فوقف بين يدى الإسكندر وسلّم ثم قال: إن رأى الملك أن يستخلينى فعل، فأمر الإسكندر من بحضرته أن ينصرفوا، فانصرفوا كلّهم عنه وبقى حاجبه فقال: إنّ الذى جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر الإسكندر أن يفتّش ففتّش، فلم يجد معه سلاحا، فوضع بين يديه سيفا مسلولا وقال له: قف مكانك وقل ما شئت، وأخرج الحاجب ومن كان قد بقى عنده، فلمّا خلا المجلس قال له: أنا ملك الصين لا رسوله، جئت لأسألك عما تريد، فإن كان ممّا يمكن عمله ولو على أصعب الوجوه عملته

стр. 5097

وأغنيتك عن الحرب، فقال له الإسكندر: وما الذى آمنك منّى؟ قال: علمى بأنك عاقل حكيم، ولم تك بيننا عداوة ولا مطالبة بذحل «١» ، وأنك تعلم أنك إن قتلتنى لم يكن ذلك سببا لتسليم أهل الصين إليك ملكهم، ولم يمنعهم قتلى من أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيرى ثم تنسب [أنت «٢» ] إلى غير الجميل وضدّ الحزم. فأطرق الإسكندر وعلم أنه رجل عاقل، ثم قال له: إن الذى أريد منك ارتفاع «٣» مملكتك لثلاث سنين عاجلا ونصف ارتفاع مملكتك لكلّ سنة. قال: هل غير هذا؟ قال لا، قال: قد أجبتك، ولكن سلنى كيف تكون حالك، قال: كيف تكون؟ قال: أكون أوّل قتيل محارب، وأوّل أكيلة مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين. قال: أكون أصلح قليلا وأفسح مدّة، قال: فإن قنعت بارتفاع سنة. قال: يكون فى ذلك بقاء ملكى، وذهاب لجميع لذّتى. قال: فإن قنعت منك بثلث الارتفاع كيف تكون حالك؟ قال: يكون السدس للفقراء ومصالح العباد، ويكون الباقى لجيشى «٤» ولسائر أسباب الملك. قال الإسكندر: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره وانصرف. فلمّا طلعت الشمس أقبل جيش الصين وقد طبّق الأرض وأحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك، وتواثب أصحابه فركبوا الخيل واستعدّوا للحرب بعد

стр. 5098

الأمن والطمأنينة إلى السّلم. فبينما هم كذلك إذ طلع ملك الصين وهو راكب وعليه التاج، فلمّا تراءى الجمعان نظر الإسكندر إلى ملك الصين فظنّ أنه حضر للحرب، فصاح به: أغدرت؟ فترجّل ملك الصين وقال: لا والله، قال: فادن منّى فدنا منه، فقال له الإسكندر: ما هذا الجيش الكثير؟ فقال: إنّى أردت أن أريك أنّى لم أطعك من قلّة وضعف، ولكنّى رأيت العالم العلوىّ مقبلا عليك ممكنّا لك ممن هو أقوى منك وأكثر عددا، ومن حارب العالم العلوىّ غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والتذلّل له بالتذلّل لك، فقال الإسكندر له: ليس مئلك من يسام الذّل، ولا من يؤدّى الجزية، فما رأيت بينى وبين الملوك من يستحقّ التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك. فقال ملك الصين: ولست تخسر [إذا «١» ] ثم انصرف عنه الإسكندر. فبعث إليه ملك الصين بضعف «٢» ما قرّر معه وانصرف عن الصين. كلام الحكماء عند وفاة الإسكندر قال: لمّا توفّى الإسكندر جعل فى تابوت من الذهب، واجتمع الحكماء فتقدّم الأوّل «٣» فقال: قد كان الإسكندر يخبأ الذهب، وقد أصبح الآن يخبؤه الذهب. وتقدّم الثانى «٤» اليه والناس يبكون ويجزعون فقال: حركّنا بسكونه. وتقدّم

стр. 5099

الثالث «١» اليه فقال: قد كان يعظنا فى حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وتقدّم اليه الرابع فقال: قد جاب الأرضين وسلكها، ثم حصل منها فى أربعة قوائم. ووقف عليه الخامس «٢» فقال: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى. ووقف عليه السادس فقال: قد أمات هذا الميّت كثيرا من الناس لئلّا يموت، وقد مات الآن. ووقف عليه السابع «٣» فقال: مالك لا تقلّ عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقلّ بملك العباد. وقال الثامن «٤» : مالك لا ترغب بنفسك عن المكان الضيّق، وقد كنت ترغب بها عن رحّب البلاد. وقال التاسع: كان لا يقدر عنده على الكلام، واليوم لا يقدر عنده على الصّمت. وقال العاشر: قد كان غالبا فصار مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال الحادى عشر «٥» : ما كان أقبح إفراطك فى التجبّر أمس مع شدّة خضوعك اليوم!. وقالت بنت دارا: ما كنت أحسب أنّ غالب أبى يغلب. وقال رئيس الطبّاخين: قد نضّدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد القوم. قال: ولما مات الإسكندر عرض الملك على ابنه من بعده فأباه واختار العبادة والنّسك. فملك بعد الإسكندر على اليونانيين بطليموس، وهذه التسمية لكلّ من ملك اليونان ككسرى للأكاسرة من الفرس، وقيصر للروم، وخاقان للترك، وطرخان للخزر، والنجاشىّ للحبشة. قال: وكان بطليموس هذا شابّا مدبّرا حكيما عالما. وكان ملكه أربعين سنة، وقيل عشرين سنة، وقيل إنه أوّل من اقتنى البزاة وضرّاها ولعب بها.

стр. 5100

ثم ملك بعده بطليموس الثانى، وهو الذى يقال له: محبّ الأخ، واسمه هيقلوس، وكان ملكه ستّا وعشرين سنة. ثم ملك بعده بطليموس محبّ الأب، وكانت مدّة ملكه سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده بطليموس، وهو صاحب علم الفلك والنجوم وكتاب المجسطى. فكان ملكه أربعا وعشرين سنة. ثم ملك بعده بطليموس محبّ الأمّ. فكان ملكه خمسا وثلاثين سنة. ثم ملك بعده بطليموس الصائغ. فكان ملكه سبعا وعشرين سنة. ثم ملك بعده بطليموس الإسكندرانىّ. فكان ملكه اثنتى عشرة سنة. ثم ملك بعده بطليموس الحديدىّ. فكانت مدّة ملكه ثمانين سنة. ثم ملك بعده بطليموس الجوّال. فكان ملكه أيضا ثمانين سنة، وقيل أقلّ من ذلك. ثم ملك بعده بطليموس الحرب. فكانت مدّة ملكه ثلاثين سنة. ثم ملكت بعده ابنته قلوبطرة، وكانت حكيمة متفلسفة معظّمة للحكماء، ولها كتب مصنّفة فى الطبّ والزينة وغير ذلك، مترجمة باسمها ومنسوبة إليها، وكان زوجها بطليموس ويسمّى أنطونيوس مشاركا لها فى ملك مقدونية وهى مصر. فلمّا أراد الله تعالى ذهاب ملك اليونانيين أيّد عليهم ملك رومية وهو أغسطس، فسار إليها، وكان له مع الملكة قلوبطرة وزوجها حروب كثيرة، فقتل زوج قلوبطرة، فأراد ملك الروم أن يتروّجها لعلمه بحكمتها وليتعلّم منها، فراسلها فعلمت مراده منها، فطلبت حيّة تكون بالحجاز ومصر والشام، وهى نوع من الحيّات تراعى الإنسان حتى إذا نظرت الى عضو من أعضائه قفزت أذرعا نحوه فلم تخطئ ذلك العضو بعينه

стр. 5101

حتى تثفل عليه سمّا فيموت لوقته ولا يعلم ما خبره، فيتوهّم الناس أنه مات فجأة حتف أنفه. فاحتملت لها. فلمّا كان فى اليوم الذى علمت فيه أن أغسطس يدخل فى قصرها أمرت بأنواع الرياحين والزهور أن تبسط فى مجلسها وأمام سريرها، وجلست على سرير ملكها والتاج على رأسها وفرّقت حشمها وقرّبت يدها من الإناء الذى فيه تلك الحيّة فضربتها فماتت لوقتها، وانسابت الحيّة فى تلك الرياحين ودخل أغسطس حتى انتهى الى المجلس، فنظر إليها جالسة وهو يظنّ أنها باقية، فدنا منها فتبيّن له أنها قد ماتت، فنظر الى تلك الرياحين فقفزت عليه تلك الحيّة فرمته بسمّها وقد خفّ، فبطل شقّه الذى ضربته من جهته، ولولا أنّ سمّها كان قد نقص لمات، فعجب من قتلها لنفسها وما كادته به من إلقاء الحيّة، وكانت قلوبطرة هذه آخر من ملك من اليونانيين. والله أعلم. ذكر أخبار ملوك السّريان قال أبو الحسن علىّ بن عبد الله المسعودىّ فى كتابه المترجم بمروج الذهب «١» : ذكر ذوو العناية بأخبار ملوك العالم أنّ أوّل الملوك بعد الطوفان ملوك اليونان، قال: وقد تنوزع فيهم وفى النبط، فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النّبط، ومنهم من رأى أنهم إخوة لولد «٢» ماس بن نبيط، ومنهم من رأى غير ذلك على حسب تباين الناس فى الأجيال الماضية والقرون الخالية. قال: فكان أوّل من ملك منهم رجل يقال له سوشان، وهو أوّل من وضع التاج على رأسه فى تاريخ السريانيّين. قال: وانقاد له ملوك الأرض، فكان ملكه ستّ عشرة سنة باغيا فى الأرض، ومفسدا فى البلاد، وسفّا كاللدماء.

стр. 5102

ثم ملك بعد يريز «١» ، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة. ثم ملك بعده سماسير بن أبوبا. فكان ملكه تسع سنين. ثم ملك بعده أهريمون فحطّ الخطط، وكوّر الكور، وجدّ فى أمره، وأتقن ملكه، وعمر أرضه. فلّما استقامت له الأحوال وانتظم ملكه بلغ بعض ملوك الهند وهو رتبيل، وهو اسم لمن يملك هذه الجهة من الهند، ما القوم عليه من القوّة، وما بلادهم عليه من العمارة، وأنهم يحاولون الممالك، وقد كان هذا الملك الهندىّ غلب على من حوله من ممالك الهند وانقادت إلى أحكامه، وذلك أنّ ملكه كان مما يلى بلاد الهند والسّند، فسار نحو بلاد بست «٢» وغزنين «٣» ونغر «٤» وبلاد الداور «٥» على النهر المعروف بالهندمند، وهو نهر ببلاد سجستان ويعرف بنهر بست تجرى فيه السفن منها إلى سجستان. قال: وكان بين ملك الهند وملك السريانيّين حروب كثيرة نحوا من سنة ثم أجلت الحرب عن قتل السريانىّ واحتوى الهندىّ على الصّقع وملكه، فكان ملك أهريمون عشر سنين.

стр. 5103

قال: وبقى ذلك الصّقع بيد الملك الهندىّ حتى سار إلى بعض الملوك فأتى عليه وملك العراق وردّ السريانيين. فملّكوا عليهم تسنوا «١» بن سماسير. فكان ملكه إلى أن هلك ثمانى سنين. ثم ملك بعده أهريمون. فكانت مدّة ملكه اثنتى عشرة سنة. ثم ملك بعده ابنه هوريا فزاد فى العمارة وأحسن للرعايا وغرس الأشجار. فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. ثم ملك بعده ماروت «٢» واستولى على الملك. فكان ملكه خمس عشرة سنة. وقيل أكثر من ذلك. ثم ملك بعده أزور وسلحاس «٣» ، ويقال إنهما كانا أخوين. قال: فأحسنا السيرة، وتعاضدا على تدبير الملك. ويقال: إنّ أحد هذين الملكين كان جالسا ذات يوم فى أعلا قصره فنظر إلى طائر قد فرّخ هنالك، وهو يصيح ويضرب بجناحه، فنظر إلى حيّة تنساب إلى الوكر لتأكل الفراخ التى للطائر، فدعا بقوس وسهم ورمى الحيّة فقتلها، وسلمت الفراخ، وغاب الطائر وعاد إلى الملك بعد هنيهة وفى منقاره حبّة وفى مخاليبه حبّتان، وطار حتى وازى الملك، وألقى الحبّ بين يديه فتناوله الملك وقال: ما ألقى هذا الطائر هذا الحبّ إلا لأمر قصد به مكافأتنا على ما فعلناه من خلاص فراخه، ولم يعرف ما هو ذلك الحبّ، واستدعى الحكماء وأراهم فما عرفوه، فقال له حكيم: ينبغى أن يزرع هذا الحبّ ببطن الأرض لينظر ما يكون منه، فأحضر الأكرة وأمرهم بزرعه فزرعوه، والملك

стр. 5104

يراعيه حتى طلع وأزهر وحصرم وأعنب، وهم لا يقربونه خشية أن يكون متلفا، فأمر الملك أن يعصر ماؤه ويودع الآنية وأخرج الحبّ منه وترك بعضه على حاله. فلمّا صار فى الآنية غلا وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك: علىّ بشيخ كبير، فأتى به، فسقاه من هذا العصير. فلمّا شرب منه ثلاثا صال وتكلّم وصفّق بيديه وحرّك رأسه ووقع برجليه على الأرض، فظهر عليه الطّرب والفرح وتغنّى. فقال الملك: هذا شراب مذهب للعقل، وأخلق به أن يكون قتّالا، ألا ترون إلى هذا الشيخ كيف عاد الى حال الصّبا وقوّة الشباب، ثم أمر الملك بالشيخ فرقد، فسكن ونام. فقال الملك: هلك، ثم أفاق الشيخ وطلب الزيادة من الشراب وقال: لقد شربته فكشف عنّى الهموم والغموم، وأزال عنّى الأحزان. فقال الملك: هذا أشرف شراب الرجل، فأكثر من غرس الكروم، واختصّ به دون غيره من الناس، واستعمله بقيّة أيامه، ثم نما بعد ذلك وكثر فى أيدى الناس. وهذا آخر ما أورده المسعودىّ من أخبار السّريان. ذكر أخبار الملوك الكلوانيّين وهم ملوك النّبط ملوك بابل قال المسعودىّ «١» ، ذهب «٢» جماعة من أهل البحث والعناية بأخبار ملوك العالم أنهم ملوك العالم الذين مهّدوا الأرض بالعمارة، وأنّ الفرس الأول إنما أخذوا الملك من هؤلاء كأخذ الروم الملك من اليونان. فكان أوّل من ملك منهم نمروذ الجبّار. فكان ملكه نحوا من ستين سنة. وقد قدّمنا أخبار نمروذ «٣» فى قصّة إبراهيم ﵇.

стр. 5105

قال: ونمروذ هذا هو الذى احتفر أنهارا بالعراق آخذة من الفرات، فيقال: إنّ من ذلك نهر كوثى «١» على طريق الكوفة، وهو بين قصر «٢» ابن هبيرة وبغداد. ثم ملك بعده أبولس، وكان عظيم البطش جبّارا فى الأرض. وكان ملكه نحوا من سبعين سنة. ثم ملك بعده فيزمنوس. وكان باغيا فى الأرض، ملك نحوا من مائة سنة. ثم ملك بعده سوسوس. فكان ملكه نحوا من تسعين سنة. ثم ملك بعده كورس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة. ثم ملك بعده اذ فرنجوا «٣» . فكان ملكه نحوا من عشر سنين. ثم ملك بعده سيهزم. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة، وقيل أكثر. ثم ملك بعده قوسيس. فكان ملكه نحوا من سبعين سنة. ثم ملك بعده أنبوش «٤» . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ثم ملك بعده إيلاوس. فكان ملكه نحوا من خمس عشرة سنة. ثم ملك بعده الجلوس. وكان ملكه نحوا من أربعين سنة.

стр. 5106

ثم ملك بعده أونوبس «١» . فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ثم ملك بعده بعنكلوس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين شهرا. ثم ملك بعده سفرين «٢» . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة، وقيل أقلّ. ثم ملك بعده مارنوس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ثم ملك بعده رسطاليم «٣» . فكان ملكه نحوا من أربعين سنة. ثم ملك بعده أسطوس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة. ثم ملك بعده تاولوس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة. ثم ملك بعده العداس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ثم ملك بعده أطيروس. فكان ملكه نحوا من ستين سنة. ثم ملك بعده ساوساس. فكان ملكه نحوا من عشرين سنة. ثم ملك بعده فارينوس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة، وقيل خمسا وأربعين سنة. ثم ملك بعده أدرموس. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة. وغزاه ملك من ملوك فارس فى عقر داره. ثم ملك بعده مسروس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة. ثم ملك بعده أفروس. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة. ثم ملك بعده طاطاوس. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة.

стр. 5107

ثم ملك بعده لاوسيس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة، وقيل خمسا وأربعين سنة. ثم ملك بعده قريطوس. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ثم ملك بعده قروطاوس. فكان ملكه نحوا من عشرين سنة. ثم ملك بعده قراقريس. فكان ملكه نحوا من خمسين سنة، وقيل اثنتين وأربعين سنة. ثم ملك بعده بوليس قنطروس. فكان ملكه نحوا من عشرين سنة. ثم ملك بعده قولا قسما. [فكان ملكه «١» ] نحوا من ستين سنة. ثم ملك بعده هيقلس. فكان ملكه خمسا وثلاثين سنة، وقيل خمسين سنة. وكانت له حروب مع ملوك الصقالبة. ثم ملك بعده سموجد. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ثم ملك بعده مردوج. فكان ملكه نحوا من أربعين سنة، وقيل أقلّ من ذلك. ثم ملك بعده سنحاريب. فكان ملكه نحو من ثلاثين سنة، وهو الذى ابتنى بيت المقدس. ثم ملك بعده منوشا. فكان ملكه نحوا من ثلاثين سنة، وقيل أقلّ من ذلك. ثم ملك بعده بختنصّر الجبّار. فكان ملكه خمسا وأربعين سنة، وقد تقدّم أن بختنصّر «٢» لم يكن ملكا وإنما كان مرزبانا لملوك الفرس الأول، إلا أن يكون هذا غير ذاك. والله أعلم. ثم ملك بعده بيطسقر. فكانت مدّة ملكه نحوا من ستّين سنة، وقيل أقلّ من ذلك.

стр. 5108

ثم ملك بعده دارنوس. فكان ملكه إحدى وثلاثين سنة، وقيل أكثر من ذلك. ثم ملك بعده كشرخوش [فكان ملكه] عشرين سنة. ثم ملك بعده قرطياسة تسعة أشهر. ثم ملك بعده فيجسمنه. فكان ملكه إحدى وأربعين سنة. ثم ملك بعده أجرست. فكان ملكه ثلاثا وستين سنة. ثم ملك بعده شعيا. فكان ملكه ثلاثين سنة «١» ، وقيل تسعة أشهر. ثم ملك بعده داريوس. فكان ملكه عشرين سنة، وقيل تسع عشرة سنة. ثم بعده أنطجست. فكان ملكه تسعا وعشرين سنة. ثم ملك بعده اليسع. فكان ملكه خمس عشرة سنة، وقيل عشرين سنة. قال المسعودىّ: فهؤلاء الملوك الذين أتينا على أسمائهم، وذكرنا مدّة ملكهم، هم الذين شيّدوا البنيان، ومدّنوا المدن، وكوّروا الكور، وحفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستبطوا المياه، وأثاروا الأرض، واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتّخذوا عدّة الحرب، ونصبوا قوانين الحروب، ورتّبوا الميمنة والميسرة والأجنحة، وجعلوا ذلك مثالا لأجزاء أعضاء الإنسان، ورتّبوا الأعلام؛ فجعلوا أعلام القلب على صورة الفيلة والنسور وما عظم من أجناس الحيوان؛ وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع؛ وجعلوا فى الأجنحة أمثال ما لطف منها كالنمر والذئب؛ وجعلوا فى الطلائع كصور الحيّات وما خفى فعله من هوامّ الأرض؛ وتغلغل القوم فى هذه المعانى. قال: والذى ذكرناه من أخبارهم هو المشهور. والله تعالى أعلم.

стр. 5109

ذكر أخبار ملوك الروم وأنسابهم قال المسعودىّ «١» : قد تنازع الناس فى الروم ولأىّ علّة سمّوا بهذا الأسم، فقيل لإضافتهم لمدينة رومية واسمها بالرومية روماس، فعرّب هذا الاسم فسمّى من كان بها روما، والروم لا يسمّون أنفسهم فى لغتهم إلّا رومس. «٢» ومنهم من رأى أن هذا الاسم اسم الأب الأوّل، وهو روم بن شماخلين بن هوبان بن علفا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. ومنهم من رأى أنهم سمّوا باسم جدّهم رومس ابن لبطى بن نويفل بن رومىّ بن الأصغر بن النفر بن العيص، وقيل غير ذلك. وقد ذكرنا فى الأنساب شيئا من ذلك. قال المسعودىّ: وغلبت الروم على ملك اليونانيين، فكان أوّل من ملك منهم طوخاس وهو جانيوس الأصغر بن روم بن شماخلين، فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. وقيل إنّ أوّل من ملك من ملوك الروم قيصر، واسمه غالوس أوليوس. فكان ملكه ثمانى عشرة سنة. وقيل أوّل من ملك منهم بعد ملوك اليونانيين برومية بوليس. فكان ملكه سبع سنين ونصفا. قال: ورومية بنيت قبل الروم بأربعمائة سنة. ثم ملك بعده ابنه أغسطس قيصر. وكان ملكه ستّا وخمسين سنة، وهو أوّل من تسمّى بقيصر، وإنما سمّى بذلك لأنّ أمّه ماتت وهى حامل به فشقّ بطنها عنه، ومعنى قيصر بقر، وكان يفتخر بأنّ النساء لم تلده، وحقيقة هذه اللفظة بالعجميّة

стр. 5110

جيشر، قيل إنما سمى جيشر لأنه ولد بشعر يبلغ عينيه، واسم الشعر بالعجميّة حساريه وقيل جشايره، فعرّب فقيل قيصر، وهو صاحب قلوبطرة ملكة اليونان على ما ذكرناه. واحتوى هذا الملك على مقدونية وهى مصر والإسكندرية، وحاز ما فيهما من الخزائن، وكانت له حروب كثيرة، وكان يعبد الأوثان. وبنى بأرض الروم مدنا تنسب إليه، وكوّر كورا. فمن مدنه قيسارية. ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه ولد المسيح عيسى بن مريم ﵉، وعاش هذا الملك بقيّة عمره وقد بطل شقّه لما ثفلت عليه الحيّة على ما قدّمناه فى أخبار قلوبطرة. ثم ملك بعده طياريس. فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. قال: ولثلاث سنين بقيت من ملكه رفع المسيح ﵇. قال: ولمّا هلك هذا الملك برومية اختلفت الروم وتحزّبت وأقاموا على اختلاف الكلمة والتنازع مائتى سنة وثمانيا وأربعين سنة لا نظام لهم ولا ملك يجمعهم. ثم ملّكوا عليهم طباريس عابس بمدينة رومية. فكانت مدّة ملكه أربع سنين. ثم ملك بعده قلورس برومية. فكان ملكه أربع عشرة سنة، وهو أوّل ملك من ملوك الروم شرع فى قتل النصارى واتباع المسيح ﵇، فقتل منهم خلقا كثيرا، وكانت الروم تعبد التماثيل. ولما هلك هذا الملك ملك بعده نيرون. قال: واستقام ملكه ورغب فى عبادة التماثيل والأصنام، وكان ملكه أربع عشرة سنة وشهورا. ثم ملك بعده ططس واسبابوس مشتركين فى الملك. فكان ملكهما ثلاث عشرة سنة، ولسنة من ملكهما سارا الى الشام، فكانت لهما حروب عظيمة مع بنى إسرائيل قتل فيها من بنى إسرائيل ثلاثمائة ألف وخرّبا بيت المقدس وأزالا رسمه، وكان يعبدان الأصنام.

стр. 5111

قال المسعودىّ: وذكر فى بعض التواريخ أنّ الله تعالى عاقب الروم من ذلك اليوم الذى خرّبوا فيه بيت المقدس أن يسبى منهم فى كلّ يوم سبى فلا يوم إلّا والسّبى واقع فيهم قلّ ذلك أو كثر. ثم ملك بعدهما ذو مطيانس. فكانت مدّة ملكه خمس عشرة سنة. ثم ملك بعده تبرنوس. فكانت مدّة ملكه سنة واحدة. ثم ملك من بعده طومانوس. فكانت مدّة ملكه تسع عشرة سنة. ثم ملك بعده أذربالس. فكانت مدّة ملكه إحدى عشرة سنة، وخرّب سائر ما بقى بالشام لبنى إسرائيل. ثم ملك بعده أبطونيس. فكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة. قال: وبنى بيت المقدس وسمّاه إيلياء. ثم ملك بعده قرمودس. فكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة. ثم ملك بعده سيريرس. فكانت مدّة ملكه ثمانى عشرة سنة. ثم ملك بعده ولده أنطويس. فكانت مدّة ملكه تسع سنين. ثم ملك بعده أنطويس الثانى. فكانت مدّة ملكه أربع سنين، وفى آخر ملكه مات جالينوس الطبيب. ثم ملك بعده الإسكندر مامياس، وتفسير مامياس العاجز. فكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة. ثم ملك بعده عردياس. فكانت مدّة ملكه ستّ سنين. ثم ملك بعده ديقيوس وقيل فيه دقيوس. فكانت مدّة ملكه ستين سنة. قال: فأمعن فى قتل النصارى، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف.

стр. 5112

ذكر خبر أصحاب الكهف قال الشيخ عبد الوهّاب بن المبارك بن أحمد بن الحسين الأنماطىّ فى كتاب المبتدإ يرفعه الى وهب بن منبّه: إنّ أصحاب الكهف كانوا فتية من الروم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فى كتابه العزيز فقال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) الآيات التى فى سورة الكهف «١» . قال: وكان فى إيمانهم عبرة وتفكّر منهم فى عظم الله وجلاله وملكه وسلطانه وأصناف خلقه، لم يأتهم بذلك وحى ولم يقرءوا كتابا، ولم يدركوا زمان نبوّة، وكانوا فى زمن فترة قبل أن يبعث الله عيسى بن مريم ﵇، وهذا القول مخالف لما ذكرناه آنفا، فإنّ المساق الذى قدّمناه من أخبار ملوك الروم يقتضى أن بين رفع عيسى ﵇ وبين ملك دقيوس ما يزيد على مائتى سنة. والله أعلم. قال: وكانوا شبّانا متقاربين فى السنّ قلّما يتفاوتون، وكانوا من فصيلة واحدة يجمعهم النسب، وكانوا فى حسب عظيم من أحساب الروم، من ولد عظمائهم وملوكهم وأشرافهم، وكان للروم فيهم هوى وصبابة شديدة، وكان ملك الروم الأوّل فى آباء أولئك الفتية وينقل فى فصيلتهم التى كانوا منها أكثر من أربعمائة عام حتى انقرضت تلك الفصيلة وزال الملك عنهم. فكان أولئك الفتية عقب أولئك الملوك وبقيّتهم، وكان الروم يتمنّون ملكهم ويمدّون اليهم أعناقهم لما قد بلغهم ما كان الناس فيه فى زمن أسلافهم من الخفض والدعة والعافية والبسط والأمن والسّعة، فكانوا يؤمّلونهم ويرجونهم، وكانت ملوك الروم قد جفوهم وحرموهم وأقصوهم وأضرّوا بهم مخافة منهم على ملكهم لما يعلمون من رأى الروم فيهم، وكانوا مع

стр. 5113

ذلك يكفّون عنهم أذاهم، ويعرفون أنهم مفزع الروم إن اختلفوا ومعوّلهم عليهم، فلم تزل تلك حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى أراد الله تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذى نوّره الله فى قلوبهم. قال قائل منهم: إنى قد رأيت رأيا وقع فى قلبى وأمرا ثبت فيه، فلست أبصر غيره، وليس يخرجه من قلبى شىء، اسمعوا أعرض عليكم، إنّى فكّرت فى خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والسحاب والمطر، والأحياء والأموات، والنبات، والصّغار والكبار، والبقاء والفناء، والشدّة والرخاء، وتقلّب الدنيا بأهلها، والأطباق التى تنصرف عليها الخلق طبقا بعد طبق، وقوما عن قوم: من موت وحياة، ونقص وزيادة، وخفض ورفع، وغنى وفقر، وطول عمر ونقص آخر، وموت صغير وهرم كبير، وأشباه لذلك كثيرة، وهى أكثر من أن تعدّ وتوصف أو تحصى؛ فلمّا نظرت فيها وأعملت الرأى والنظر أجمع رأيى على أنّ لها خالقا بديعا ابتدعها؛ وربّا يملكها ويدبّرها، ويخلقها ويرزقها، ويغنيها ويفقرها، ويرفعها ويخفضها، ويحييها ويميتها ويفنيها، تتقلّب فى قبضته وتعيش برزقه؛ فلمّا تمّ لى الرأى نظرت فى عظمة هذا الربّ الذى ابتدع هذا الخلق وضبطه، ودبّره وأحكم أمره، فإذا قدرته تأتى من وراء ذلك كلّه، ليس من هذا الخلق شىء يفوتها ولا يخرج منها، وإذا هى محيطة بكلّ شىء ومن وراء كلّ شىء، ثم نظرت فى عظمة الربّ هل أصفها كما وصفتها القدرة، وهل أعلم كنهها؟ فتحيّرت فيها، وعجز عنها الحلم والعلم، وحسر عنها العقل والنظر، وما بقى مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلّا أنه قد ألهم بمعرفته وأسرّ بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم، فماذا تقولون، وماذا تعرفون، وماذا تفعلون؟

стр. 5114

قالوا: قد قلت قولا عظيما ووصفت أمرا عجيبا، وما نحسبك إلّا قد أصبت فيه الرأى والنظر، وقد صدّقناك وتابعناك ورأينا رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذى عرفت وواقع قلبك، وإن كنّا لنرى مثل الذى رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق، وإن كان ليكثر أن يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك، ولكنّا لم نشرح منه ما شرحت ولم نصف منه ما وصفت، ولم نعمل الرأى والنظر فى معرفته مثل ما أعملت وعرفت، ولكنّ الله أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا العلم وهذه المعرفة، ولكن حدّثنا عمّا نسألك عنه، وإنما نظرنا فيه بعد ما سمعنا قولك؛ هل ينبغى لهذا الربّ الذى وصفته بما وصفته من العظمة أن يكون له شريك فى ملكه، أو حاجة إلى شىء من خلقه، أو هل يغلبه شىء يستعين عليه بغيره؟ قال لهم: لو كان له شريك فى شىء من أمره لضبط ما ضبط، ولو كانت به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلهم، ولو كان يستعين على شىء يغلبه بغيره إذا ما بلغت قدرته ما بلغت، ولا أحاطت بما أحاطت به، ولا وسع ما اتّسع له من أمر خلقه، وتدبير ما خلق ورزق وأمات وأحيا. قالوا له: صدقت وعرفنا ما تقول وثبت فى قلوبنا، ولكن حدّثنا ما بال خلقه يشركون به وهم يعرفونه حقّ معرفته. قال: لأنه خلق فيهم الأهواء وطبع فيهم الشهوات، وجبلهم على الضعف، وثبّت معهم الشيطان، فمن قبل هذا عدلوا به وهم يعرفون أنّ الذين يدعون من دونه لا يحيونهم ولا يميتونهم، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم، ولا يضروّنهم ولا ينفعونهم، إذا مسّهم الضّرّ فإيّاه يدعون وإليه يجأرون؛ فعند ذلك اجتمع رأيهم على أن يأووا إلى الكهف، وأن يعتزلوا قومهم

стр. 5115

وما يعبدون من دون الله، فعندها قالوا: (رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) إلى قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) * قال: فلمّا اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله آووا إلى الكهف رجاء أن ينشر لهم ربهم من رحمته ويهيّىء لهم من أمرهم مرفقا. قال: وأرادوا أن يكونوا فى عزلة من قومهم وشركهم حتى يفرق لهم رأيهم، فألقى الله عليهم السّبات. قال: وهم من مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس «١» ، وملك الروم يومئذ دقيوس، ويقال- والله أعلم- إنّ عدّتهم سبعة، كان عبد الله بن عباس يسمّيهم بأسمائهم ويقول: ما يعلمهم إلا قليل وأنا من أولئك القليل، منهم مرطالوس، ونونوس، ودانيوس، وسراقيون، واسطاطالوس، ومكسلميس، وتمليخا، وهو الذى بعثوه بورقهم إلى المدينة ليرتاد لهم. هذا قول ابن عباس، قال: وكانوا قوما يطلبون الصّيد لما مسّهم من الضّرّ والحاجة ليس لهم كبير معيشة غيره، فقالوا قولهم هذا ونظروا ما نظروا، وهم يومئذ فى الجبل الذى فيه كهفهم يطلبون الصيد ومعهم كلابهم وبزاتهم وقسيّهم ونبلهم. فلمّا أجمع رأيهم أن يأووا إلى الكهف ليأتمروا فيه، هل يقيمون مع قومهم على شركهم، أم يفارقونهم فينتجعون ناحية من الأرض يحلّون فيها ويوحّدون فيها ربّهم. فبينا هم على ذلك ألقى الله عليهم السّبات وأخفى على جميع خلقه مكانهم، وصرف عنهم الأبصار والعقول، فليس يبصرهم أحد ولا يفطن بمكانهم، فلبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، حتى انقرضت الأمّة التى كانوا فيها والملك الذى كان عليهم، وظهر المسيح عيسى بن مريم ﵇ وآمن به الناس واتّبعوا ملّته ورفعه الله اليه وذهب زمانه وزمان أهل ملّته وهم فى كهفهم.
следующие страницы →