← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

وبعث رسول الله ﷺ من منزل أبى أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، فقدما إلى مكة لفاطمة وأم كلثوم ﵉ ابنتى رسول الله ﷺ ، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وحمل زيد بن خارثة امرأته أمّ أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبى بكر معهم بعيال أبى بكر فيهم عائشة، فقدموا المدينة فأنزلهم فى بيت حارثة بن النعمان، وكانت رقيّة بنت رسول الله ﷺ بالحبشة مع زوجها عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق بسنده إلى أبى أيوب قال: لما نزل رسول الله ﷺ فى بيتى نزل فى السّفل، وأنا وأم أيوب فى العلو، فقلت له: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى، إنى أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فاظهر أنت وكن فى العلو، وننزل نحن ونكون فى السّفل، فقال: «يا أبا أيوب، إنّ أرفق بنا ومن يغشانا أن نكون فى سفل البيت» ، قال: فلقد انكسر حبّ «١» لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننّشف بها الماء؛ تخوّفا أن يقطر على رسول الله ﷺ فيؤذيه، قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغى بذلك البركة حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، قال: فردّه ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك للبركة، قال: «فإنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى «٢» فأما أنتم فكلوه» ، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة. والله المستعان.

стр. 5637

ذكر بناء مسجد رسول الله ﷺ وبيوته بالمدينة قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى معمر بن راشد عن الزهرىّ قال: بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع المسجد، وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا فى حجر أبى أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله ﷺ بالغلامين فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى ﷺ حتى ابتاعه منهما. قال ابن سعد: وقال غير معمر عن الزهرى: فابتاعه بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، فكان جدارا مجدّرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلى بأصحابه فيه، ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل الذى بالحديقة وبالغرقد الذى فيه أن تقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان فى المربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت، وبالعظام أن تغيّب، وكان فى المربد ماء مستنجل «١» فسيّروه حتى ذهب، فأسّس رسول الله ﷺ المسجد وأسسوا معه، فجعلوا طوله مما يلى القبلة إلى مؤخّره مائة ذراع، وفى هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربّع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة؛ ثم بنوه باللّبن، وبناه رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل ينقل الحجارة معهم بنفسه، ويقول: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار» قال: وقال قائل من المسلمين يرتجز: لئن قعدنا والنبىّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل

стр. 5638

قال: ودخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلونى؛ يحملون علىّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته «١» بيده، وكان رجلا جعدا، ويقول: «ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية» ، قال ابن سعد: وجعل رسول الله ﷺ قبلة المسجد إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا فى مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذى يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذى يدخل منه رسول الله ﷺ ، وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع، وسقفه جريدا، فقيل له: ألا تسقّفه؟ فقال: «عريش «٢» كعريش موسى خشيبات وثمام «٣» الشأن أعجل من ذلك» قال: وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء، بنى لعائشة رضى الله عنها [فى البيت الذى يليه شارع إلى المسجد «٤» ] على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أرسل رسول الله ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة «٥» . ذكر بناء المسجد الذى أسّس على التقوى وهو مسجد قباء قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى بسنده إلى سهل بن سعد وأبى غزيّة وأبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنهم قال: لما صرفت القبلة أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء فقدّم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسّسه، وقال:

стр. 5639

«جبريل يؤمّ بى البيت» ، ونقل رسول الله ﷺ وأصحابه الحجارة لبنائه، وكان رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت ماشيا، وقال ﷺ : «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرة» ، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يأتيه يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل. قال: وكان أبو أيوب يقول: هذا المسجد الذى أسس على التقوى. وكان أبىّ بن كعب وغيره يقولون: بل هو مسجد رسول الله ﷺ . ذكر ما أصاب المهاجرين من حمّى المدينة، ودعاء رسول الله ﷺ لهم روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحّمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه ﷺ . قالت: فكان أبو بكر رضى الله عنه، وعامر بن فهيرة وبلال، موليا أبى بكر مع أبى بكر فى بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا [الحجاب «١» ] وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدّة الوعك، فدنوت من أبى بكر فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: كلّ امرئ مصبّح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله قالت: فقلت والله ما يدرى أبى ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

стр. 5640

لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه «١» كلّ امرئ مجاهد بطوقه ... كالثّور يحمى جلده بروقه «٢» فقلت: والله ما يدرى عامر ما يقول؛ قالت: وكان بلال إذا تركته الحمّى اضطجع بفناء البيت، ثم يرفع عقيرته «٣» فيقول: ألا البيت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بفجّ «٤» وحولى إذخر «٥» وجليل «٦» وهل أردن يوما مياه مجنّة «٧» ... وهل يبدون لى شامة «٨» وطفيل قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدّة الحمى، فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشدّ، وبارك لنا فى مدّها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة» ؛ وهى الحجفة. ذكر مؤاخاة رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كان ذلك بعد مقدم رسول الله ﷺ ؛ روى محمد بن سعد عن الزهرىّ وغيره قال: لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحقّ والمواساة، يتوارثون بعد الممات دون ذوى الأرحام، وكانوا تسعين رجلا؛ خمسة

стр. 5641

وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار، قال ويقال: مائة؛ خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، فلما كانت وقعة بدر وأنزل الله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) «١» . فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة فى الميراث. ذكر كتاب رسول الله ﷺ الذى أمر بكتبه بين المهاجرين والأنصار، وموادعة يهود، وإقرارهم على دينهم، وما اشترطه فيه عليهم ولهم كان مضمون الكتاب على ما أورده ابن هشام عن ابن إسحاق: «بسم الله الرحمن للرحيم، هذا كتاب من محمد النبىّ [ ﷺ «٢» ] بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم «٣» يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم «٤» بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم «٥» الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تقدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها

стр. 5642

بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النّجّار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، [وبنو النّبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين «١» ] وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا» بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل، وإنه لا يحالف «٣» مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى «٤» دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وإن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس، وإنه من [تبعنا «٥» من] يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة «٦» ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن فى قتال فى سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء «٧» بعضهم عن بعض؛ بما نال دماءهم فى سبيل الله ،

стр. 5643

وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن، وإن من اعتبط «١» مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولىّ المقتول، وإن المؤمنين عليه كافّة، ولا يحل لهم [إلا «٢» ] القيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما فى هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شىء فإن مردّه إلى الله وإلى محمد [ ﷺ «٣» ] وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم؛ إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ «٤» إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، [وإن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف «٥» ] ، وإن ليهود بنى الأوس مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من بنى ثعلبة [كأنفسهم «٦» ] وإن لبنى الشّطنّة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن البرّ دون الإثم، وإن موالى ثعلبة كأنفسهم، وإنّ بطانة «٧» يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من قتل فبنفسه [فتك، وأهل بيته «٨» ] إلا من ظلم، وإن الله على أبّر هذا «٩» ، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، [وإن بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ

стр. 5644

بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة «١» ] ، وإن الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردّه إلى الله وإلى محمد رسول الله، وإن الله على أتقى ما فى هذه الصحيفة وأبرّه، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب فى الدين، على كل أناس «٢» حصّتهم من جانبهم الذى قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البرّ المحض من أهل هذه الصحيفة- ويقال مع البر المحسن- وإن البرّ دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبرّه، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برّ واتّقى ومحمد رسول الله» . ذكر أخبار المنافقين من الأوس والخزرج وما أنزل فيهم من القرآن وقد رأيت أن أجمع ما فرقه أهل السير من أخبار المنافقين، وأضم بعضه إلى بعض، وأورده جملة واحدة، فإن ذلك لم يكن فى وقت واحد ولا فى سنة بعينها، بل أورده أهل السير بحسب ما وقع، وفرقوه فى الغزوات وغيرها، فآثرت جمعه فى هذا الموضع، وما كان قد وقع فى غزاة أو حادثة نبهت عليه فى موضعه على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.

стр. 5645

قال محمد بن إسحاق ﵀: كان رجال من الأوس والخزرج ممن أسلم وهو على جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعثة، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره، واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام، واتخذوه جنّة من القتل، ونافقوا فى السّر، وكان هواهم مع يهود؛ لتكذيبهم وجحودهم الإسلام، فكان منهم من الأوس من بنى عمرو بن عوف، ثم من بنى لوذان بن عمرو بن عوف: زوىّ بن الحارث، ومن بنى حبيب بن عمرو: جلاس بن سويد بن صامت، وأخوه الحارث بن سويد، قال: وجلاس هو الذى قال عند تخلفه عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شرّ من الحمير، فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله ﷺ عمير بن سعد، وكان فى حجر جلاس خلف على أمه بعد أبيه، فلما تكلم جلاس بهذا قال له عمير: والله يا جلاس، إنك لأحبّ الناس إلىّ، وأحسنهم عندى يدا، وأعزّهم علىّ أن يصيبه شىء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنّك، ولئن صمتّ عليها ليهلكن دينى، ولإحداهما أيسر علىّ من الأخرى، ثم مشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال، فحلف جلاس لرسول الله ﷺ بالله لقد كذب علىّ عمير، وما قلت ما قال، فأنزل الله تعالى فيه: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) «١» ، قال ابن إسحاق: فزعموا أنه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير. والله أعلم بالصواب.

стр. 5646

وأما أخوه الحارث بن سويد فإنه قتل المجذّر بن ذياد البلوىّ فى يوم أحد ولحق بقريش، وكان المجذّر قتل سويد بن صامت فى بعض الحروب التى كانت بين الأوس والخزرج، فلما كان يوم أحد قتله بأبيه. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ فيما يذكرون- أمر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقتله إن هو ظفر به ففاته، وكان بمكة ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه- فيما حكى عن ابن عباس رضى الله عنهما: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) «١» إلى آخر القصة. وكان من المنافقين من بنى ضبيعة ابن يزيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بجاد بن عثمان بن عامر. ونبتل ابن الحارث، وهو الذى قال له رسول الله ﷺ فيما حكى: «من أحبّ أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث» ، وكان رجلا جسيما أدلم «٢» ، ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع «٣» الخدّين، وكان يأتى رسول الله ﷺ ويتحدث إليه ويسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذى قال: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه. فأنزل الله تعالى فيه: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) «٤» ، وأخبر جبريل رسول الله ﷺ به وبصفته فيما حكاه ابن إسحاق. وأبو حبيبة بن الأزعر، وكان ممن بنى مسجد الضّرار. وثعلبة بن حاطب، ومعتّب بن قشير، وهما اللذان عاهدا الله (لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) «٥» ، ومعتّب هو الذى

стр. 5647

قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ها هنا، فأنزل الله تعالى فى ذلك من قوله: (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) «١» إلى آخر القصة. وهو الذى قال يوم الأحزاب: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، فأنزل الله فيه: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً) «٢» . والحارث بن حاطب- وقال ابن هشام: ثعلبة والحارث ابنا حاطب، هما من بنى أمية بن زيد من أهل بدر، وليسا من المنافقين- والله أعلم. ومنهم عبّاد بن حنيف أخو سهل، وبحزج؛ وهو ممن بنى مسجد الضّرار، وعمرو بن خذام، وعبد الله بن نبتل، وجارية بن عامر ابن العطّاف وابناه زيد ومجّمع؛ وهم ممن بنى مسجد الضّرار. وكان مجمّع غلاما حدثا قد جمع من القرآن أكثره، فكان يصلى بهم فيه، فلما كان فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه كلّم عمر فى مجمّع ليصلى ببنى عمرو بن عوف فى مسجدهم، فقال عمر: لا، أو ليس بإمام المنافقين فى مسجد الضّرار! فقال: يا أمير المؤمنين والله الذى لا إله إلا هو ما علمت بشىء من أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا؛ فزعموا أن عمر تركه يصلى بقومه. ومن بنى أمية بن زيد بن مالك وديعة بن ثابت وهو ممن بنى مسجد الضّرار، وهو الذى قال: إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيه وفيمن قال بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) «٣» إلى آخر القصة. ومن بنى عبيد بن زيد بن مالك خذام بن خالد، وهو الذى أخرج مسجد الضّرار من داره، وبشر ورافع ابنا زيد. ومن بنى النّبيت مربع بن قيظىّ وهو الذى قال لرسول الله ﷺ حين أجاز حائطه، ورسول الله

стр. 5648

صلى الله عليه وسلم عامد إلى أحد: لا أحلّ لك يا محمد إن كنت نبيّا أن تمرّ بحائطى، وأخذ فى يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به؛ فآبتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : «دعوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصيرة» ، وضربه سعد بن زيد بالقوس فشجّه؛ وأخوه أوس بن قيظىّ، وهو الذى قال لرسول الله ﷺ يوم الخندق: إن بيوتنا عورة، فأذن لنا أن نرجع إليها، فأنزل الله تعالى فيه: (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) «١» . ومن بنى ظفر- واسم ظفر كعب- حاطب بن أمية بن رافع، وبشير بن أبيرق، وهو أبو طعمة سارق الدّرعين الذى أنزل الله فيه: (وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً) «٢» . وقزمان حليف لهم. قال ابن إسحاق بسنده: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «إنه لمن أهل النار» ، فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا حتى قتل تسعة من المشركين، وأثبتته الجراحة، فحمل إلى دار بنى ظفر، فقال له رجال من المسلمين: أبشر يا قزمان، فقد أبليت اليوم، وقد أصابك ما ترى فى الله، قال: بماذا أبشّر، والله ما قاتلت إلا حميّة عن قومى، فلما اشتدّت به جراحه أخذ سهما من كنانته، فقطع به رواهش يده فقتل نفسه. قال ابن إسحاق: ولم يكن فى بنى عبد الأشهل منافق ولا منافقة إلا أن الضحاك بن ثابت أحد بنى كعب رهط سعد بن زيد قد كان يتّهم بالنفاق وحبّ يهود. قال ابن إسحاق: وكان جلاس ابن سويد قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر، هم الذين دعاهم رجال من قومهم من المسلمين فى خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ ، فدعوهم إلى حكّام الجاهلية فأنزل الله فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ

стр. 5649

أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً) «١» إلى آخر القصة. فهؤلاء الذين ذكرناهم من الأوس. ومن الخزرج من بنى النجار رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو ابن قيس، وقيس بن عمرو بن سهل. ومن بنى جشم بن الخزرج الجدّ بن قيس، وهو الذى يقول: يا محمد ائذن لى ولا تفتنّى، فأنزل الله تعالى فيه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) «٢» ؛ وكان رسول الله ﷺ قد قال له وهو فى جهازه إلى تبوك: «يا جدّ، هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر» ؟ قال: يا رسول الله، أو تأذن لى ولا تفتنّى؟ فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «أذنت لك» ، فأنزل الله تعالى فيه ما أنزل. ومن بنى عوف بن الخزرج عبد الله بن أبىّ بن سلول، وكان رأس المنافقين وكانوا يجتمعون إليه. قال محمد بن إسحاق: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وسيد أهلها عبد الله بن أبىّ بن سلول، لا يختلف عليه فى شرفه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين- حتى جاء الإسلام- غيره؛ قال: ومعه رجل من الأوس هو فى قومه شريف مطاع، وهو أبو عامر عبد الله ابن عمرو بن صيفىّ بن النعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، وهو أخو حنظلة الغسيل «٣» وكان قد ترهّب فى الجاهلية ولبس المسوح، وكان يقال له: الراهب، فشقيا بشرفهما.

стр. 5650

فأما عبد الله بن أبىّ فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ثم يملّكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن، ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرّا على نفاق. وقد روى عن [أسامة ابن زيد «١» ] بن حارثة قال: ركب رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده من شكوى أصابته، على حمار عليه إكاف فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف، وأردفنى ﷺ خلفه، قال: فمر بعبد الله بن أبىّ بن سلول، وهو فى ظلّ مزاحم «٢» أطمه، وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله ﷺ تذمّم «٣» من أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلّم ثم جلس فتلا القرآن، ودعا إلى الله ، وذكّر بالله وحذّر وبشّر وأنذر، قال: وهو زامّ «٤» لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من مقالته، قال: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقّا، فاجلس فى بيتك فمن جاءك له فحدّثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به، ولا تأته فى مجلسه بما يكره منه. فقال عبد الله بن رواحة فى رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشنا به وأتنا فى مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ما نحبّ، وما أكرمنا الله به وهدانا له، فقال عبد الله حين رأى من خلاف قومه ما رأى: متى ما يكن مولاك خصمك لم تزل ... تذلّ ويصرعك الذين تصارع وهل ينهض البازى بغير جناحه ... وإن جذّ يوما ريشه فهو واقع قال: فقام رسول الله ﷺ فدخل على سعد بن عبادة وفى وجهه ما قال عدوّ الله، فقال سعد: والله يا رسول الله، إنى لأرى فى وجهك شيئا؛ لكأنك

стр. 5651

سمعت شيئا تكرهه. قال: «أجل» ، ثم أخبره بما قال ابن أبىّ، فقال: يا رسول الله ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوّجه، فإنه ليرى أنك قد سلبته ملكا. وكانت مقالة عبد الله بن أبىّ هذه قبل تلفظه بالإسلام، وسنورد إن شاء الله تعالى من أخباره فى الغزوات، وانحيازه عن المسلمين بثلث الناس يوم أحد، وما قاله فى غزوة المريسيع وغيرها ما تقف عليه فى مواضعه، مما تستدل به على صحة نفاقه، وإصراره فى الباطن على كفره. وأما أبو عامر فإنه أبى إلا الإصرار على كفره، وفارق قومه حين اجتمعوا على الإسلام، فخرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، وهو أوّل من أنشب الحرب يوم أحد على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال: وكان أبو عامر قد أتى النبى ﷺ حين قدم المدينة فقال: ما هذا الذى جئت به؟ قال: «جئت بالحنيفية دين إبراهيم» ، قال: فأنا عليها، قال له رسول الله ﷺ : «إنك لست عليها» ، قال: بلى، إنك أدخلت يا محمد فى الحنيفية ما ليس منها، قال: «ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية» ، قال: الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا- يعرّض برسول الله ﷺ : أى إنك ما جئت بها كذلك! فقال رسول الله ﷺ : «أجل، فمن كذب يفعل الله به ذلك» ، فكان هو ذاك؛ خرج إلى مكة، فلما افتتحها رسول الله ﷺ خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، فمات به طريدا غريبا وحيدا. ومن المنافقين من أحبار يهود ممن تعوّذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق: سعد ابن حنيف، وزيد بن اللّصيت، ونعمان بن «١» أوفى، وعثمان بن أبى أوفى. وزيد

стр. 5652

ابن اللّصيت هو الذى قاتل عمر بن الخطاب بسوق بنى قينقاع، وهو الذى قال حين ضلت ناقة رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، ولا يدرى أين ناقته! فقال رسول الله ﷺ وجاءه الخبر بما قال ودلّه الله عليها-: «إن فلانا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ولا يدرى أين ناقته، وإنى والله لا آتيكم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها، وهى فى هذا الشّعب، قد حبستها شجرة بزمامها» ، فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله ﷺ وكما وصف. ومنهم رافع بن حريملة وهو الذى قال رسول الله ﷺ حين مات: «قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين» . ورفاعة [بن زيد «١» ] بن التابوت، وهو الذى قال رسول الله ﷺ حين هبت ريح وهو قافل من غزوة بنى المصطلق واشتدّت، حتى أشفق منها المسلمون: «لا تخافوا، فإنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار» ، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد رفاعة بن زيد مات ذلك اليوم الذى هبت فيه الريح. وسلسلة بن برهام، وكنانة بن صوريا. وكان هؤلاء يحضرون المسجد يسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون منهم، ويستهزئون بدينهم. قال ابن إسحاق: فاجتمع يوما منهم فى المسجد ناس، فرآهم رسول الله ﷺ يتحدّثون بينهم بأقصى أصواتهم «٢» ، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا؛ فقام أبو أيوب خالد بن زيد إلى عمرو بن قيس احد بنى النجار- وكان صاحب آلهتهم فى الجاهلية- فأخذ برجله يسحبه حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجنى يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة! ثم أقبل أبو أيوب أيضا إلى رافع بن وديعة أحد بنى النجار فلبّبه

стр. 5653

بردائه، ثم نتره «١» نترا شديدا، ولطم وجهه وأخرجه، وهو يقول: أفّ لك منافقا خبيثا! أدراجك «٢» يا منافق من مسجد رسول الله ﷺ . وقام عمارة ابن حزم إلى زيد بن عمرو- وكان رجلا طويل اللحية- فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه، ثم جمع عمارة يديه فلدمه «٣» بها فى صدره لدمة خرّ منها، فقال: خدشتنى يا عمارة، قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعدّ الله لك من العذاب أشدّ من ذلك، فلا تقر بن مسجد رسول الله ﷺ . وقام أبو محمد مسعود ابن أوس من بنى النجار إلى قيس بن عمرو بن سهل، وكان قيس غلاما شابا ولا يعلم فى المنافقين شاب غيره، فجعل يدفع فى قفاه حتى أخرجه. وقام عبد الله ابن الحارث من بلخدرة «٤» رهط أبى سعيد الخدرىّ إلى الحارث بن عمرو، وكان ذا جمّة، فأخذ بجمّته فسحبه بها سحبا عنيفا على مامر به من الأرض حتى أخرجه، فقال له: لقد أغلظت يابن الحارث، فقال له: إنك أهل لذلك- أى عدوّ الله- لما أنزل فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ فإنك نجس. وقام رجل من بنى عمرو بن عوف إلى أخيه زوىّ بن الحارث فأخرجه إخراجا عنيفا، وأفّف «٥» منه، وقال: غلب عليك الشيطان وأمره. قال: فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين؛ وفى هؤلاء من المنافقين، وفى أحبار يهود أنزل الله تعالى صدر سورة البقرة إلى المائة منها؛ والله أعلم. فالذى منها مما يختص بالمنافقين قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) «٦» إلى قوله: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) «٧» . وقوله:

стр. 5654

(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) «١» أى شك فزادهم الله شكا. وقوله: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ) «٢» لأنهم كانوا يقولون: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. وقوله: (وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ) أى من تهود (قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) أى على مثل ما أنتم عليه (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) «٣» أى إنما نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. ثم ضرب الله لهم مثلا فقال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) «٤» الآية؛ أى يبصرون الحقّ ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله فى ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حقّ. ثم قال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) «٥» أى عن الخير، لا يرجعون إلى هدى. وقوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) «٦» الصّيّب: المطر. قال ابن إسحاق: أى هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل، على الذى هم عليه من الخلاف والتخوف لكم، على مثل ما وصف، من الذى هو فى ظلمة الصّيّب، يجعل أصابعه فى أذنيه من الصواعق حذر الموت. (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) أى منزل ذلك بهم من النقمة. قوله: (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ) أى لشدة ضوء الحقّ (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) أى يعرفون الحقّ ويتكلمون به، فهم من قولهم على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين. (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) «٧» أى لما تركوا الحقّ بعد معرفته. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 5655

وحيث ذكرنا ما ذكرنا من أخبار المنافقين، فلنذكر أخبار يهود، ونجمع ما تفرق منها على نحو ما تقدّم. ذكر شىء من أخبار يهود الذين نصبوا العداوة لرسول الله ﷺ ، وما أنزل فيهم من القرآن قال: لما أظهر الله تعالى دينه، واطمأنّ رسول الله ﷺ بالمدينة، اجتمع إليه إخوانه من المهاجرين والأنصار، واستحكم أمر الإسلام، نصبت احبار يهود العداوة لرسول الله ﷺ بغيا وحسدا، مع تحققهم نبوته، وصحة رسالته، وأنه الذى نص الله تعالى عليه فى التوراة؛ فكانوا يسألون رسول الله ﷺ ويتعنّتونه، وهم من بنى النضير: حيىّ بن أخطب، وأخواه أبو ياسر وحدىّ، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، والربيع ابن الربيع بن أبى الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وكردم بن قيس حليفه أيضا. ومن بنى ثعلبة بن الفطيون «١» - ويقال فيه الفطيوس- عبد الله بن صوريا الأعور، وهو أعلم أهل زمانه بالحجاز بالتوراة، وابن صلوبا، ومخيريق، وكان حبرهم. ومن بنى قينقاع: زيد بن الصّليت- ويقال فيه اللّصيت- وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان، وعزيز ابن أبى عزيز، وعبد الله بن صيف- ويقال ابن ضيف- وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضا، وبحرىّ بن عمرو، وشاس ابن عدىّ بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو، وسكين بن أبى سكين، وعدىّ بن زيد، ونعمان بن أبى أوفى، أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف، وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبى رافع، وخالد، وأزار بن

стр. 5656

أبى أزار- ويقال فيه: آزر بن أبى آزر- ورافع بن حارثة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد، وعبد الله بن سلام بن الحارث؛ وكان حبرهم وأعلمهم، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله. ومن بنى قريظة الزبير بن باطا بن وهب، وعزّال بن سموال، وكعب ابن أسد. وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو، والنّحّام بن زيد، وقردم بن كعب، ووهب بن زيد، ونافع بن أبى نافع، وأبو نافع، وعدىّ بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل بن أبى قشير، ووهب بن يهوذا. ومن يهود بنى زريق لبيد بن أعصم الساحر. ومن يهود بنى الحارثة: كنانة ابن صوريا. ومن يهود بنى عمرو بن عوف قردم بن عمرو. ومن يهود بنى النجار: سلسلة بن برهام؛ هؤلاء أحبار يهود، وأهل العداوة لله تعالى ولرسوله، لم يستثن منهم إلا عبد الله بن سلام ومخيريق، فإنهما أسلما. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع. ذكر إسلام عبد الله بن سلام «١» ، ومخيريق أمّا عبد الله بن سلام فإنه كان عالما حبرا من أحبار يهود؛ حكى محمد بن إسحاق عن خبر إسلامه رواية عن بعض أهله عنه قال: لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته وإسلامه وزمانه الذى كنا نتوكّف «٢» له، فكنت مسرّا لذلك صامتا عليه، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة،

стр. 5657

فلما نزل بقباء فى بنى عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا على رأس نخلة أعمل فيها، وعمتى خلدة «١» بنت الحارث تحتى جالسة، فلما سمعت الخبر كبّرت؛ فقالت عمتى حين سمعت تكبيرى: خيبك الله! والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت. قال: قلت لها: أى عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به؛ قالت: أى ابن أخى، هذا النبى الذى كنا نخبر به أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قلت نعم؛ قالت: فذاك إذا؛ قال: ثم خرجت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت؛ فلما رجعت إلى أهل بيتى فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامى من يهود، ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّ يهود قوم بهت «٢» ، وإنى أحبّ أن تدخلنى بعض بيوتك فتغيّبنى عنهم، ثم تسألهم عنى حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامى، فإنهم إن علموا به بهتونى؛ قال: فأدخلنى رسول الله ﷺ بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه ثم قال لهم: «أىّ رجل الحصين بن سلام فيكم» ؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا؛ فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فو الله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة باسمه وصفته، فإنى أشهد أنه رسول الله، وأو من به، وأصدقه وأعرفه؛ فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بى، فقلت لرسول الله ﷺ : ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؛؟ قال: وأظهرت إسلامى وإسلام أهل بيتى، وأسلمت عمتى خلدة بنت الحارث فحسن إسلامها.

стр. 5658

وأمّا مخيريق- قال ابن إسحاق: كان حبرا عالما، وكان غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته وما يجد فى علمه، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك، حتى إذا كان يوم أحد وهو يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أنّ نصر محمد عليكم لحقّ؛ قالوا: إنّ اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت فى هذا اليوم فأموالى لمحمد يصنع فيها ما أراه الله؛ فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله ﷺ فيما حكى يقول: «مخيريق خير يهود» ، وقبض رسول الله ﷺ أمواله، فعامّة صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة منها. قال: وكان مما أنزل الله تعالى فى أمر اليهود صدرا من سورة البقرة، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) «١» أى إنهم قد كفروا بما عندك من ذكر لهم، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يستمعون منك إنذارا أو تحذيرا! وقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) أى عن الهدى لن يصيبوه أبدا، (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) «٢» أى بما هم عليه من خلافك. وقوله تعالى: (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ

стр. 5659

وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) «١» ، أى لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولى وبما جاء به، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التى بأيديكم. ثم قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) «٢» أى تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من التوراة، وتتركون أنفسكم، وأنتم تكفرون بما فيها من عهدى إليكم فى تصديق رسولى، وتنقضون ميثاقى، وتجحدون ما تعلمون من كتابى. [ثم «٣» ] عدّد عليهم أحداثهم فيما سلف، فذكر لهم العجل، وقولهم لموسى: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) «٤» وصعقتهم عند ذلك، ثم إحياء الله لهم وإظلالهم بالغمام، وإنزاله عليهم المنّ والسّلوى، وقوله لهم: (ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ) «٥» أى قولوا ما آمركم به أحطّ به ذنوبكم عنكم؛ وتبديلهم ذلك، إلى ما ذكره الله تعالى من أخبارهم مع موسى. ثم قال الله تعالى والخطاب لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) «٦» قال الفريق الذى أخبر الله عنهم أنهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه؛ وهم الذين قالوا لموسى ﷺ : يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب موسى ذلك من ربه لهم، فقال تعالى: مرهم فليتطهّروا ويطهّروا ثيابهم ويصوموا، ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتى الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجودا وكلمه ربه، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا ما سمعوا، ثم انصرف بهم موسى إلى بنى إسرائيل، فلما جاءهم حرّف فريق ممن سمع ما أمرهم به، وقالوا

стр. 5660

حين قال موسى لبنى إسرائيل: إنّ الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق: إنما قال كذا وكذا خلافا لما قال الله تعالى لهم، فهم الذين عنى الله تعالى. ثم قال: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) «١» أى بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدّثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فأنزل الله تعالى: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) «٢» أى تقرون بأنه نبىّ، وهو يخبرهم أنه النبىّ الذى كنا ننتظره ونجده فى كتابنا، اجحدوه فلا تقرّوا لهم به، قال الله تعالى: (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) «٣» أى إلا تلاوة؛ والأمىّ هو الذى يقرأ ولا يكتب، معناه أنهم لا يعلمون الكتاب فلا يدرون ما فيه، فهم يجحدون نبوّتك بالظن. وقوله تعالى: (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) «٤» قال ابن عباس رضى الله عنهما: قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذّب الله تعالى الناس فى النار بكل ألف سنة من ايام الدنيا يوما واحدا فى النار من أيام الآخرة، وإنما هى سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله تعالى ذلك، ثم قال: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أى من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بما له من حسنة (فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) «٥» . ثم قال تعالى يذمّهم: (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ

стр. 5661

بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) «١» أى تركتم ذلك كله. (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) «٢» . قال ابن إسحاق: أفررتم على أنّ هذا حقّ من ميثاقى عليكم، (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) «٣» ، أى أهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ويخرجوهم من ديارهم معهم، (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ) وقد عرفتم أن ذلك عليكم فى دينكم، (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أى أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفارا بذلك (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) «٤» فأنبهم بذلك من فعلهم، وقد حرّم عليهم فى التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسرائهم فكانوا فريقين، منهم بنو قينقاع ولفّهم «٥» حلفاء الخزرج، والنّضير وقريظة، ولفّهم حلفاء الأوس، وكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النّضير وقريظة مع الأوس يظاهر كلّ واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم

стр. 5662

التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب [أوزارها «١» ] افتدوا أساراهم تصديقا لما فى التوراة وأخذا به، يفتدى بنو قينقاع ما كان من أسراهم فى أيدى الأوس، [و «٢» ] يفتدى بنو النّضير وقريظة ما كان فى أيدى الخزرج منهم، ويطلّون «٣» ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم؛ يقول الله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) «٤» أى تفاديه بحكم التوراة وتقتله، وفى حكم التوراة: ألا تفعل: [تقتله «٥» ] ، وتخرجه من داره، وتظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان ابتغاء عرض الدنيا. ثم قال: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ) أى الآيات التى كانت له من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، والخبر بكثير من الغيوب مما يأكلون وما يدّخرون فى بيوتهم، ثم ذكر كفرهم بذلك كله، فقال: (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) «٦» ثم قال: (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ) «٧» ؛ وذلك أنهم كانوا يقولون للأنصار لما كانوا على جاهليتهم: إنّ نبيا يبعث الآن قد أظلّ زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله ﷺ اتبعه الأنصار

стр. 5663

وكفر به يهود، قال الله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) ، ثم قال: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ) «١» ، غضب الله عليهم فيما صنعوا من مخالفتهم حكم التوراة، وغضب عليهم بكفرهم بهذا النبىّ الذى أرسل إليهم، ثم أنّبهم برفع الطور، واتخاذ العجل إلها من دون الله؛ ثم قال تعالى: (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) «٢» أى ادعوا بالموت على أىّ الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، فأعلمهم أنهم لم يتمنوه فقال: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) «٣» أى بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، فيقال: لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقى على الأرض يهودىّ إلا مات، ثم ذكر رغبتهم فى الحياة فقال: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ) «٤» أى ما هو بمنجيه؛ وذلك أنّ المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأنّ اليهودىّ قد عرف ماله فى الآخرة من الخزى بما صنع فيما عنده من العلم. والله تعالى الهادى للصواب، وإليه المرجع والمآب. ذكر سؤال أحبار يهود رسول الله ﷺ واشتراطهم على أنفسهم أنه إن أجابهم عما سألوه آمنوا به، ورجوعهم عن الشرط وذلك أنّ نفرا من أحبار يهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهنّ، فإن فعلت اتبعناك وصدّقناك وآمنا بك؛ فقال: «عليكم بهذا عهد الله وميثاقه إن أخبرتكم بذلك لتصدقنّنى» ؟ قالوا: نعم؛

стр. 5664

قال: «فآسألوا عما بدا لكم» قالوا: أخبرنا كيف يشبه الولد أمّه، وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ : «أنشدكم بالله وبأيّامه عند بنى إسرائيل هل تعرفون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة، ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه» ؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟ قال: «أنشدكم بالله وبأيّامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمون أن نوم الذى تزعمون أنى لست به تنام عينه وقلبه يقظان» ؟ [قالوا «١» : اللهم نعم، قال: «فكذلك نومى، تنام عينى وقلبى يقظان» ] قالوا: فأخبرنا عما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمون أنه كان أحبّ الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها، وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها، فحرم على نفسه أحبّ الطعام والشراب إليه شكرا لله تعالى، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها» ؟ قالوا: اللهم نعم؛ قالوا: فأخبرنا عن الرّوح؟ قال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمونه جبريل، وهو الذى يأتينى» ؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه يا محمد، لنا عدوّ، وهو ملك، إنما يأتى بالشدّة وبسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك، فأنزل الله فيهم: (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ. وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ. أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)

стр. 5665

وذلك أنّ النبىّ ﷺ لما ذكر سليمان فى المرسلين قال بعض أحبار يهود: ألا تعجبون من محمد! يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا، وو الله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله تعالى فى ذلك من قولهم: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) أى باتباعهم السحر وعملهم به، (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ) «١» ، قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أتهم عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: الذى حرم إسرائيل على نفسه: زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم، إلا ما على الظّهر، فإن ذلك كان يقرّب للقربان فتأكله النار. والله أعلم بالصواب. ذكر كتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه إلى يهود خيبر عن ابن عباس رضى الله عنهما: كتب رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه، المصدّق بما جاء به موسى، ألا إنّ الله قد قال لكم: يا معشر أهل التوراة- وإنكم تجدون ذلك فى كتابكم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) «٢» ؛ وإنّى أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم، وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المنّ والسّلوى، وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى

стр. 5666

أنجاهم من فرعون وعمله إلا اخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك فى كتابكم فلا كره عليكم؛ (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) «١» فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه» . ذكر ما قاله أحبار يهود فى قوله تعالى: (الم) * ، و (المص) و (الر) * ، و (المر) حكى محمد بن إسحاق أنّ أبا ياسر «٢» بن أخطب مرّ برسول الله ﷺ وهو يتلو: (الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) «٣» ، فأتى أخاه حيىّ بن أخطب فى رجال من يهود. فقال: تعلّموا، والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه: (الم. ذلِكَ الْكِتابُ) ، فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم، فمشى حيىّ فى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، ألم تذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك: (الم) * ؟ فقال: «بلى» ، قالوا: أجاءك بها جبريل من عند الله؟ قال: «نعم» ، فقالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بيّن لنبىّ منهم ما مدّة ملكه، وما أكل أمته غيرك. فأقبل حيىّ بن أخطب على من معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون فى دين إنما مدّة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم» قال: ماذا؟ قال: (المص) قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون «٤» ومائة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم (الر) * » . قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه

стр. 5667

إحدى وثلاثون ومائتان، هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: «نعم (المر) » قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة، ثم قال: لقد لبّس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندرى أقليلا أعطيت أم كثيرا؟ ثم قاموا عنه؛ فقال أبو ياسر لأخيه حيىّ ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم، لعله قد جمع هذا كلّه لمحمد؛ سبعمائة وأربع [وثلاثون «١» ] سنة، قالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيقال: إنّ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) «٢» نزلت فيهم، وقيل: إنما نزلت فى وفد نجران، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر شىء من مقالات أحبار يهود، وما أنزل من القرآن فى ذلك كان من مقالاتهم ما قاله مالك بن الضّيف «٣» حين بعث رسول الله ﷺ وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم فيه، فقال: والله ما عهد إلينا فى محمد عهد، وما أخذ له علينا ميثاق، فأنزل الله فيه: (أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) «٤» . وقال ابن صلوبا الفطيونى «٥» لرسول الله ﷺ : يا محمد، ما جئتنا بشىء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها؛ فأنزل الله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ) «٦» .

стр. 5668

وقال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجرّ لنا أنهارا نتبعك ونصدّقك، فأنزل الله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) «١» قال: وكان حيىّ بن أخطب [وأخوه أبو ياسر بن «٢» أخطب] من أشدّ يهود للعرب حسدا؛ فكانا جاهدين فى ردّ الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) «٣» قال: ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ ، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شىء، وكفر بعيسى وبالإنجيل، فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شىء، وجحد نبوّة موسى، وكفر بالتوراة، فأنزل الله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) «٤» . وقال رافع لرسول الله ﷺ : يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول فقل لله يكلمنا تكليما حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى فى ذلك: (وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) «٥» . وقال عبد الله بن صوريا الفطيونىّ الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهدى

стр. 5669

إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد؛ وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله تعالى فى أقوالهم: (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إلى قوله: (وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) «١» . وتكلموا عند صرف القبلة بما نذكره إن شاء الله فى حوادث السنة الثانية. قال: وسأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد، نفرا من أحبار يهود عن بعض ما فى التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) «٢» . ودعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه، وحذّرهم عذاب الله، فقال رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم منا، وخيرا منا، فأنزل الله فى ذلك: (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) «٣» . قال: ولما رجع رسول الله ﷺ من غزاة بدر جمع يهود فى سوق بنى قينقاع، وقال لهم: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشا» فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا «٤» لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله فى ذلك من قولهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا

стр. 5670

فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) «١» . قال: ودخل رسول الله ﷺ بيت «٢» المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله ، فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد: وعلى أى دين [أنت «٣» ] يا محمد؟ قال: «على ملة إبراهيم ودينه» قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا؛ فقال لهما رسول الله ﷺ : «فهلم إلى النوارة فهى بيننا وبينكم» ؛ فأنزل الله فيهما: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) «٤» . وقال أحبار يهود ونصارى نجران حين اجتمعوا عند رسول الله ﷺ وتنازعوا، فقال الأحبار: كان إبراهيم يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانيا؛ فأنزل الله تعالى: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) «٥» . وقال عبد الله بن صيف «٦» ، وعدىّ بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، فأنزل الله تعالى فيهم: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ

стр. 5671

تَعْلَمُونَ. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) «١» . وقال أبو رافع القرظىّ حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ : يا محمد، تريد منا أن نعبدك كما يعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وقال رجل من أهل نجران يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا؟ أو كما قال. فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثنى ولا أمرنى» فأنزل الله تعالى: (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) «٢» ، والربانيون هم العلماء والفقهاء؛ ثم ذكر تعالى ما أخذ الله عليهم وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم، فقال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ) «٣» إلى آخر القصة. والله أعلم. ذكر ما ألقاه شأس بن قيس اليهودىّ بين الأوس والخزرج من الفتنة، ورجوعهم إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ قال محمد بن إسحاق: مرّ شأس بن قيس، وكان شيخا عظيم الكفر، شديد الضّغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، قد اجتمعوا فى مجلس يتحدثون، فغاظه ما هم عليه

стр. 5672

من الألفة والجماعة وصلاح ذات البين على الإسلام، بعد ما كان بينهم من العداوة فى الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملا بنى قيلة «١» بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار؛ فأمر شابا من يهود كان معه أن يجلس معهم «٢» ، ثم يذكر يوم بعاث «٣» وما كان قبله، وأن ينشدهم بعض ما كانوا قالوه من الأشعار يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج، فكان الظّفر فيه للأوس، وكان عليهم يومئذ حضير بن سماك الأشهلىّ، أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو ابن النعمان البياضىّ، فقتلا جميعا، ففعل الشاب ذلك، فتكلم القوم، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب؛ أوس بن قيظىّ الأوسىّ، وجبّار بن صخر الخزرجىّ، فتقاولا، ثم قال أحدهما للآخر: إن شئتم رددناها الآن «٤» جذعة؛ فغضب الفريقان جميعا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة، وهى الحرّة، وقالوا: السلاح السلاح، وخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال: «يا معشر المسلمين، الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع عنكم به أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بينكم!» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوّهم، فبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى فى شأس بن قيس: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) «٥»

стр. 5673

وأنزل فى أوس بن قيظىّ وجبّار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) «١» . ذكر ما تكلم به يهود فى شأن من أسلم منهم وما أنزل الله تعالى فى ذلك قال «٢» : لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد ابن عبيد، ومن أسلم معهم من يهود وآمنوا وصدّقوا، قال أهل الكفر من أحبار يهود: ما آمن بمحمد واتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله تعالى فيهم: (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) «٣» ،

стр. 5674

قال: وكان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف فى الجاهلية، فأنزل الله تعالى فيهم: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ) ، [أى تؤمنون بكتابكم وبما مضى من الكتب قبل ذلك وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم كنتم أحقّ بالبغضاء لهم منهم لكم «١» ] ، (وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) «٢» ، قال: ودخل أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى بيت المدراس «٣» على يهود، فوجد جماعة كثيرة منهم قد اجتمعوا إلى حبر من أحبارهم يقال له فنحاص، ومعه حبر آخر يقال له أشيع؛ فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدا لرسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة والإنجيل، فقال لأبى بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنّا بغنىّ، ولو كان عنّا غنيا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الرّبا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الرّبا. فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا

стр. 5675

وقال: والذى نفسى بيده لولا العهد الذى بيننا وبينك لضربت عنقك، أى عدوّ الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، انظر ما صنع بى صاحبك، فقال رسول الله ﷺ لأبى بكر: «ما حملك على ما صنعت» ؟. فقال: يا رسول الله، إنّ عدوّ الله قال قولا عظيما- وذكر قوله- فلما قال ذلك غضبت لله وضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت [ذلك «١» ] ، فأنزل الله فى ذلك تصديقا لأبى بكر رضى الله عنه: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) «٢» ، وأنزل الله تعالى فى أبى بكر وغضبه فى ذلك: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) «٣» . قال: وكان كردم بن قيس، وأسامة بن حبيب ونافع بن أبى نافع، وبحرىّ بن عمرو، وحيىّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التّابوت، يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر فى ذهابها، ولا تسارعوا فى النفقة، فإنكم لا تدرون علام يكون، فأنزل الله تعالى فيهم: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أى من التوراة التى فيها تصديق ما جاء به رسول الله ﷺ (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً. وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً) «٤» قال: وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا تكلم «٥» رسول الله صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →