← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

أما والله لو شئت لأخبرتك من قريش، فتبسم رسول الله ﷺ ، قال علىّ: فقلت: يا أبا بكر؛ لقد وقعت من الأعراب على باقعة «١» ، قال: أجل يا أبا الحسن، «ما من طامّة إلا وفوقها طامّة» ، و «البلاء موكل بالمنطق» . قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدّم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فقال: بأبى وأمى هؤلاء غرر الناس! وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مفروق قد غلبهم جمالا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيتيه «٢» ، وكان أدنى القوم مجلسا، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ قال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جدّ؛ فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما نكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشدّ ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللّقاح «٣» ، والنصر من عند الله، يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلّك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله ﷺ ، ألا هو ذا، قال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك، وإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدّم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظلّه بثوبه، فقال رسول الله ﷺ : «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

стр. 5602

وأن محمدا عبده ورسوله، وإلى أن تأوونى وتنصرونى، فإنّ قريشا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنىّ الحميد» . فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟ فو الله ما سمعت كلاما أحسن من هذا، فتلا رسول الله ﷺ : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إلى قوله: (وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) «١» ، فقال مفروق: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، قال: فتلا عليه رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) ، إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، «٢» فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك «٣» قوم كذبوك وظاهروا «٤» عليك- وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا. قال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنى أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أوّل ولا آخر، إنه زلل فى الرأى، وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الزلّة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر فى العاقبة، وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنّى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنّى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة فى تركنا ديننا، ومشايعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين صيرين «٥» : اليمامة والسّمامة، فقال رسول الله ﷺ : «ما هذان الصّيران» ؟. فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأمّا ما كان من أنهار كسرى؛ فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره

стр. 5603

غير مقبول، وأما ما كان مما يلى مياه العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا؛ أنا لا نحدث حدثا، ولا نأوى محدثا، فإنى أرى أن هذا الأمر الذى تدعونا إليه يا أخا قريش مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نأويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ : «ما أسأتم فى الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلّا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثّكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبّحون الله وتقدّسونه» ؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذاك، قال: فتلا رسول الله ﷺ : (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً) «١» ) ، ثم نهض قابضا على يد أبى بكر وهو يقول: «يا أبا بكر، أيّة أخلاق فى الجاهلية ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم من بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم» ، قال: فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ ، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ قد سرّ بما كان من أبى بكر، ومعرفته بأنسابهم. ذكر بيعة العقبة الأولى قال محمد بن إسحاق: فلما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ [فى «٢» ] الموسم الذى لقى فيه الأنصار «٣» ، فعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: «من أنتم» ؟ قالوا:

стр. 5604

نفر من الخزرج، قال: «أمن موالى يهود» ؟ قالوا: نعم، قال «١» : «أفلا تجلسون أكلمكم» ؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض [عليهم «٢» ] الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان يهود معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم؛ فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: إن نبيّا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتّبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلّموا والله أنه للنّبىّ الذى توعّد «٣» به يهود، فلا تسبقنّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فتقدم عليهم فتدعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدّقوا. قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى «٤» : فاختلف علينا فى أوّل من أسلم من الأنصار وأجاب. فذكروا الرجل بعينه، وذكروا الرجلين، وذكروا أنه لم يكن أحد أوّل من الستة. وذكرهم. وقال محمد بن عمر بن واقد: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم، وهو المجمع عليه، وهم من بنى النجّار: أسعد بن زرارة بن عدس، وعوف بن الحارث [وهو «٥» ] ابن عفراء. ومن بنى زريق: رافع بن مالك. ومن بنى سلمة بن سعد: قطبة

стр. 5605

ابن عامر بن حديدة. ومن بنى حرام بن كعب: عقبة بن عامر بن نابى. ومن بنى عبيد بن عدى بن ساعدة: جابر بن عبد الله؛ ولم يذكر ابن إسحاق غيرهم. قال: ثم قدموا المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأسلم من أسلم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر رسول الله ﷺ . قال الواقدى: وأوّل مسجد قرئ به القرآن بالمدينة مسجد بنى زريق. والله أعلم. ذكر بيعة العقبة الثانية (وقد ترجم عليها بعضهم بالأولى) قال: فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا. قال محمد بن سعد: ليس [فيهم «١» ] عندنا خلاف، فلقوه بالعقبة، وهى العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، وكان من هؤلاء خمسة ممّن حضر البيعة الأولى من الستة المجمع عليهم، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر بن حديدة، ومنهم من وقع الاختلاف فيه: هل شهد البيعة الأولى أو لم يشهدها؟ وهم ستة نفر: معاذ بن الحارث [وهو «٢» ] ابن عفراء، أخو عوف، وذكوان بن [عبد «٣» ] قيس بن خلدة، وعبادة بن الصامت ابن قيس، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك، وعويم بن ساعدة، وهما من الأوس. وممن لم يشهد البيعة الأولى بلا خلاف: العباس بن عبادة بن نضلة.

стр. 5606

روى محمد بن إسحاق عن عبادة بن الصامت قال: كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء- وذلك قبل أن تفترض الحرب- على ألّا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحدّه فى الدنيا فهو كفّارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذب، وإن شاء غفر. قال: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم فى الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة. قال محمد بن سعد: ثم انصرفوا إلى المدينة، فأظهر الله الإسلام، وكان أسعد ابن زرارة يجمّع «١» بالمدينة بمن أسلم، وروى أن مصعب كان يجمّع بهم. والله أعلم. ذكر بيعة العقبة الثالثة وهم السبعون (وترجم عليها ابن سعد بالثانية) قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى، عن محمد بن عمر بن واقد، بإسناد إلى عبادة بن الصامت، وسفيان بن أبى العوجاء، وقتادة، ويزيد بن رومان، قال الواقدى: دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: لما حضر الحج مشى أصحاب النبىّ ﷺ الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج، وموافاة رسول الله ﷺ ، والإسلام يومئذ فاش بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلا أو رجلين فى خمر «٢» الأوس والخزرج،

стр. 5607

وهم خمسمائة حتى قدموا على رسول الله ﷺ بمكة، فسلّموا عليه، ثم وعدهم منى، وسط أيام التشريق ليلة النّفر الأوّل؛ إذا هدأت الرّجل [أن» ] يوافوه فى الشّعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل «٢» العقبة، وأمرهم ألّا ينبهوا نائما، ولا ينتظروا غائبا. قال: فخرج القوم بعد هدءة يتسلّلون، الرجل والرجلان، وقد سبقهم رسول الله ﷺ إلى الموضع، معه العباس بن عبد المطلب، ليس معه غيره. وقال محمد بن إسحاق: إنهم سبقوه إلى الشّعب وانتظروه، وهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدىّ، حتى أقبل ومعه عمّه العباس. قال ابن سعد: فكان أوّل من طلع على رسول الله ﷺ : رافع ابن مالك الزّرقىّ، ثم توافى السبعون، ومعهم امرأتان، فكان أوّل من تكلم العباس ابن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج، إنكم قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمد من أعزّ الناس فى عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله، ومن لم يكن منا على قوله منعه للحسب والشرف، وقد أبى محمد الناس كلّهم غيركم «٣» ، فإن كنتم أهل قوّة وجلد وبصر بالحرب؛ واستقلال بعداوة العرب قاطبة، ترميكم عن قوس واحدة، فارتئوا رأيكم «٤» ، ولا تفرّقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع، فإنّ أحسن الحديث أصدقه.

стр. 5608

وقال ابن إسحاق: «١» إنّ العباس قال: يا معشر الخزرج، إنّ محمدا منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عزّ من قومه، ومنعة فى بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللّحوق بكم؛ فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه فى عزّ ومنعة من قومه وبلده. قال ابن سعد: فقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت، وإنا والله لو كان فى أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنّا نريد الوفاء والصدق، وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق- فيما رواه بسنده عن كعب بن مالك: فقلنا له: سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلّم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب فى الإسلام ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعونى فيما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم والذى بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا «٢» - يعنى نساءنا- فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل «٣» الحروب، وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. قال ابن سعد: ويقال: إن أبا الهيثم بن التّيهان كان أوّل من تكلم فأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ «٤» ، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ قال: ولغطوا. فقال العباس وهو آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه

стр. 5609

وسلم: أخفوا جرسكم فإن علينا عيونا، وقدّموا ذوى أسنانكم فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرّقوا إلى محالكم. فتكلّم البراء بن معرور، فأجاب العباس، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله، وكان أوّل من ضرب على يد رسول الله البراء بن معرور- ويقال: أبو الهيثم بن التيهان، ويقال: أسعد بن زرارة- ثم ضرب السبعون كلّهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ موسى أخذ من بنى إسرائيل اثنى عشر نقيبا فلا يجدنّ منكم أحد فى نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لى جبريل» ، ثم قال «١» للنقباء: «أنتم كفلاء على غيركم، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومى» ، قالوا: نعم، قال: فلما بايعوا وكملوا، صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم فى محمد والصّبأة معه قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله ﷺ : «انفضّوا إلى رحالكم» ، فقال العباس ابن عبادة بن نضلة: يا رسول الله، والذى بعثك بالحقّ لئن أحببت لنميلنّ على أهل منى بأسيافنا، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله ﷺ : «إنا لم نؤمر «٢» بذلك فانفضّوا إلى رحالكم» ، فتفرّقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلّة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنا بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة، وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايم الله ما حىّ من العرب أبغض إلينا إن شبّت «٣» بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم

стр. 5610

بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أبىّ يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومى ليفتاتوا علىّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومى حتى يؤامرونى، فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور؛ فتقدّم إلى بطن يأجج «١» ، وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم فى كل وجه، ولا تعدّوا طريق «٢» المدينة؛ وحزّبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعة «٣» ، وجعلوا يضربونه ويجرّون شعره، وكان ذا جمّة «٤» حتى دخلوا «٥» مكة، فجاءه مطعم بن عدىّ، والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من أيديهم، وائتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكّروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعا إلى المدينة. ذكر تسمية من شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ قال محمد بن إسحاق: كانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، فكان من شهدها من الأوس أحد عشر رجلا، وهم أسيد بن الحضير، وأبو الهيثم بن التيّهان، وسلمة ابن سلامة بن وقش، وظهير بن رافع بن عدىّ، وأبو بردة هانئ بن نيار، ونهير ابن الهيثم بن نابى، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ورفاعة بن عبد المنذر، وعبد الله ابن جبير بن النعمان، ومعن بن عدىّ بن الجدّ بن عجلان، وعويم بن ساعدة. وشهدها من الخزرج أحد وستون رجلا: منهم من بنى النجّار أحد عشر رجلا،

стр. 5611

وهم أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب، ومعاذ بن الحارث بن رفاعة، وأخوه عوف ابن الحارث، وأخوه معوّذ بن الحارث، وعمارة بن حزم بن زيد، وأسعد بن زرارة ابن عدس «١» ، وسهل بن عتيك بن النعمان، وأوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، وأبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود، وقيس بن أبى صعصعة، وعمرو بن غزيّة ابن عمرو بن ثعلبة. ومن بنى الحارث بن الخزرج سبعة نفر، وهم: سعد بن الربيع بن عمرو، وخارجة بن زيد بن أبى زهير، وعبد الله بن رواحة، وبشير بن سعد بن ثعلبة، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، وخلّاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو، وعقبة ابن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة «٢» . ومن بنى بياضة بن عامر بن زريق ثلاثة نفر، وهم: زياد بن لبيد بن ثعلبة ابن سنان، وفروة [بن «٣» ] عمرو بن ودقة «٤» ، وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان. ومن بنى زريق بن عامر بن زريق ثلاثة نفر: رافع بن مالك بن العجلان ابن عمرو، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلّد بن عامر بن زريق- وكان خرج إلى رسول الله ﷺ فكان معه بمكة فهاجر، فكان يقال له: مهاجرىّ أنصارى- وعبّاد بن قيس بن عامر بن خالد. ومن بنى سلمة بن سعد بن علىّ بن أسد أحد عشر رجلا: البراء بن معرور ابن صخر، وابنه بشر بن البراء، وسنان بن صيفىّ بن صخر، والطفيل بن النعمان

стр. 5612

ابن خنساء، ومعقل بن المنذر بن سرح، ويزيد بن المنذر بن سرح، ومسعود ابن يزيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد، ويزيد بن حرام بن سبيع، وجبّار ابن صخر بن أمية بن خنساء، والطفيل بن مالك بن خنساء. ومن بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة: كعب بن مالك بن أبى كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد، وهو الشاعر. ومن بنى غنم بن سواد بن غنم خمسة نفر، وهم: سليم بن حديدة، ويزيد ابن عامر بن حديدة، وهو أبو المنذر «١» ، وأبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو، وصيفىّ ابن سواد بن عباد، وقطبة بن عامر بن حديدة، أخو يزيد. ومن بنى نابى بن عمرو بن سواد بن غنم خمسة نفر: ثعلبة بن غنمة بن عدىّ ابن نابى، وعمرو بن غنمة بن عدىّ، وعبس بن عامر بن عدىّ. وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة، وخالد بن عمرو بن عدىّ. ومن بنى حرام بن كعب سبعة «٢» نفر، وهم: عبد الله بن عمرو بن حرام، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وثابت بن الجذع- والجذع ثعلبة ابن زيد-، وعمير بن الحارث بن ثعلبة، وخديج بن سلامة بن أوس، ومعاذ ابن جبل بن عمرو بن أوس، مات بعمواس عام الطاعون. ومن بنى عوف بن الخزرج أربعة نفر، وهم: عبادة بن الصامت بن قيس، والعباس بن عبادة بن نضلة- وكان ممن خرج إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة فأقام «٣» فكان يقال له: مهاجرىّ أنصارى، قتل يوم أحد-

стр. 5613

وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة حليف لهم من بنى عصيّة من بلىّ، وعمرو بن الحارث بن لبدة بن عمرو. ومن بنى سالم بن غنم بن عوف- وهم بنو الحبلىّ- رجلان: رفاعة بن عمرو ابن ثعلبة بن مالك، وعقبة بن وهب بن كلدة بن الجعد حليف لهم، وكان ممن خرج إلى رسول الله ﷺ مهاجرا إلى مكة، فكان يقال له: مهاجرى أنصارىّ. ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان: سعد بن عبادة بن دليم ابن حارثة، والمنذر بن عمرو بن خنيس، وامرأتان، وهما: نسيبة ابنة كعب ابن عمرو، وهى أم عمارة، وأم منيع، واسمها أسماء بنت عمرو بن عدىّ بن نابى، ولم يصافحهنّ رسول الله ﷺ ، فإنه كان لا يصافح النساء، وإنما كان يأخذ عليهن، فإذا أقررن قال: اذهبن، وكان النقباء من هؤلاء اثنى عشر رجلا، وهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع بن عمرو، وعبد الله بن رواحة ابن امرئ القيس، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله ابن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت بن قيس، وسعد بن عبادة بن دليم، والمنذر بن عمرو بن حنيس «١» ويقال: ابن خنيس، هؤلاء من الخزرج. ومن الأوس ثلاثة نفر: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ورفاعة بن عبد المنذر. قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: وأهل العلم يعدّون أبا الهيثم بن التيهان، ولا يعدّون رفاعة. والله أعلم بالصواب.

стр. 5614

ذكر أوّل آية أنزلت فى القتال قال محمد بن إسحاق: كان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة الأولى لم يؤذن له فى الحرب، ولم تحلل له الدماء، وإنما أمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن دينهم، وأخرجوهم من بلادهم، فلما عتت قريش على الله؛ أذن الله تعالى لرسوله ﷺ فى القتال، فكانت أوّل آية أنزلت فى إذنه تعالى له فى الحرب، قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) «١» . ثم أنزل الله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) ؛ أى حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) «٢» ، أى حتى يعبد الله لا يعبد غيره. ذكر أوّل من هاجر من مكة إلى المدينة قال محمد بن إسحاق: لما أذن الله تعالى لنبيّه ﷺ فى الحرب، وبايعه الأنصار على الإسلام، والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر النبىّ ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللّحوق بإخوانهم من الأنصار؛

стр. 5615

وقال: «إن الله قد جعل لكم إخوانا، ودارا تأمنون بها» ، فخرجوا أرسالا «١» ، وأقام رسول الله ﷺ بمكّة ينتظر الإذن من الله فى الهجرة إلى المدينة، فكان أوّل من هاجر من المهاجرين من قريش: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله المخزومىّ، وكانت هجرته قبل بيعة العقبة بسنة، وكان قد قدم من أرض الحبشة، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار هاجر إلى المدينة، فنزل بقرية بنى عمرو بن عوف بقباء على أحمد بن مبشّر ابن عبد المنذر، ثم كان أوّل من قدمها بعد أبى سلمة عامر بن ربيعة حليف بنى عدىّ بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم «٢» ، ثم عبد الله بن حجش ابن رئاب، حليف بنى أمية ابن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد بن حجش، وهو أبو أحمد، وكان رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكّة بغير قائد، وكانت عنده الفرعة بنت أبى سفيان بن حرب، نزل هؤلاء كلهم بقباء على أحمد ابن مبشر أيضا، ثم قدم المهاجرون أرسالا، ثم خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعياش بن أبى ربيعة فى عشرين من المسلمين، منهم: زيد بن الخطّاب أخو عمر، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وخنيس ابن حذافة السهمىّ، وواقد بن عبد الله التميمىّ حليف بنى عدىّ، وعبد الله وعمرو ابنا سراقة بن المعتمر- ويقال: عمر بدل عمرو- وخولىّ بن أبى خولىّ، حليف الخطاب، وأخوه مالك- ويقال: هلال بن أبى خولىّ بدل مالك- وبنو البكير الأربعة: إياس، وعاقل، وخالد، وعامر. ويقال: وكان مع عمر ابنه عبد الله ابن عمر.

стр. 5616

قال ابن إسحاق: فنزل عمر بن الخطاب، وعيّاش بن أبى ربيعة فى بنى عمرو ابن عوف بقباء، فجاء أبو جهل والحارث ابنا هشام إلى عيّاش إلى المدينة، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، فكلماه فى الرجوع، وقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يمشط رأسها مشط، ولا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقّ لها. قال عمر ابن الخطاب: فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا [ليفتنوك «١» ] عن دينك فاحذرهم، فو الله لو آذى أمّك القمل لامتشطت، ولو اشتد عليها حرّمكة لاستظلّت. فقال: أبرّ قسم أمى، ولى هناك مال فآخذه. قال عمر: فقلت له: يا عياش، والله إنك لتعلم أنى من أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما. قال: فأبى إلا أن يخرج معهما، فقلت: أما إذ فعلت فخذ ناقتى هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا أخى والله لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبنى «٢» على ناقتك؟ قال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض أوثقاه «٣» رباطا، ثم دخلا به [مكة «٤» ] ، وفتناه فافتتن. رواه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر. قال ابن إسحاق: ودخلا به مكة نهارا موثقا، وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال ابن عمر فى حديثه فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى

стр. 5617

الكفر لبلاء أصابهم، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم، وفى قولنا وقولهم لأنفسهم: (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) » ، قال عمر: فكتبتها بيدى فى صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص، فلما قرأها لحق برسول الله ﷺ بالمدينة. قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثنى من أثق به أنّ رسول الله ﷺ قال وهو بالمدينة: «من لى بعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن أبى العاص» ؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما، فخرج إلى مكة، فقدمها مستخفيا، فلقى امرأة تحمل طعاما فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين- تعنيهما- فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا قد حبسا فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما، ثم أخذ مروة «٢» فوضعها تحت قيديهما، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما «٣» ، ثم حملهما على بعيره وسار بهما، فعثر فدميت إصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت نعود إلى تتمة أخبار عمر فى هجرته- قال ابن إسحاق: ونزل عمر بن الخطاب حين نزل «٤» المدينة ومن لحق به من أهله وقومه، وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله

стр. 5618

ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمىّ- وكان صهره على ابنته حفصة خلف عليها رسول الله ﷺ بعده- وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وواقد بن عبد الله التميمىّ، حليف لهم، وخولىّ بن خولىّ، ومالك بن خولىّ، حليفان لهم، وبنو البكير الأربعة: إياس، وعاقل، وعامر، وخالد، حلفاؤهم، وهم من بنى سعد بن ليث، على رفاعة بن المنذر بقباء «١» ، ثم تتابع المهاجرون «٢» ، فنزل طلحة بن عبيد الله، وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف «٣» أخى بلحارث بن الخزرج «٤» ، ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة، ونزل حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كنّاز بن حصين، وابنه مرثد الغنويّان حليفا حمزة ابن عبد المطلب، وأنسة وأبو كبشة موليا رسول الله ﷺ على كلثوم ابن هدم «٥» أخى بنى عمرو بن عوف بقباء- ويقال: بل نزلوا على سعد بن خيثمة، ويقال: بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة- ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه الطّفيل والحصين، ومسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطلب، وسويبط بن سعد بن حريملة «٦» ، أخو بنى عبد الدار، وطليب بن عمير أخو بنى عبد بن قصىّ، وخبّاب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة أخى بلعجلان بقباء، ونزل

стр. 5619

عبد الرحمن بن عوف فى رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخى بلحارث ابن الخزرج فى دار بلحارث، ونزل الزبير بن العوام، وأبو سيرة بن أبى رهم بن عبد العزّى على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة «١» دار بنى جحجبى «٢» . ونزل مصعب بن عمير بن هاشم أخو بنى عبد الدار على سعد بن معاذ ابن النعمان فى دار بنى عبد الأشهل. ونزل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبى حذيفة، وعتبة بن غزوان بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخى بنى عبد الأشهل فى دار بنى عبد الأشهل. ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت ابن المنذر أخى حسان بن ثابت فى دار بنى النجار. وكان يقال: نزل العزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا. ذكر اجتماع قريش فى دار الندوة، وتشاورهم فى شأن النبى ﷺ ، واتفاقهم على قتله، وحماية الله تعالى له، وخبر الشيخ النجدىّ، وهو إبليس، خزاه الله قال محمد بن إسحاق، يرفعه إلى عبد الله بن عباس وغيره قالوا: لما «٣» رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيع وأصحاب من غيرهم من غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا فى دار الندوة- وهى دار قصىّ بن

стр. 5620

كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها- يتشاورون ما يصنعون فى أمر رسول الله ﷺ «١» ، فلما اجتمعوا لذلك، واتّعدوا له، غدوا فى يوم الموعد، وهو اليوم المسمى يوم الزّحمة «٢» ، فاعترضهم إبليس فى هيئة شيخ جليل عليه بتّ «٣» - قال الواقدى: مشتمل «٤» الصماء فى بتّ- قال: فوقف على باب الدار، فلما رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذى اتّعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألّا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع أشراف قريش، وهم: عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وطعيمة بن عدىّ، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل، والنّضر بن الحارث بن كلدة، وأبو البخترىّ ابن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، وأبو جهل ابن هشام، ونبيه ومنّبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، وغيرهم ممن لا يعدّ من قريش، فقال بعضهم لبعض: إنّ هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا ممن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: احبسوه فى الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهير والنابغة، ومن مضى منهم حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدىّ: لا والله، ما هذا لكم برأى، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذى أغلقتم

стр. 5621

دونه إلى أصحابه، ولأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى، فانظروا فى غيره، فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله [ما «١» ] نبالى أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدىّ: لا والله ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به، والله لئن فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حىّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم ليسير بهم إليكم حتى يطأكم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد؛ دبّروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: إنّ لى فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا، ثم نعطى كلّ فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا، [فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا «٢» ] ، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم. فقال النجدىّ: القول ما قال الرجل؛ هذا الرأى لا أرى «٣» غيره. وحكى أن هذا الرأى كان رأى الشيخ النجدىّ، وأنه لما أشار به قالوا: كلّهم: صدق النجدىّ، صدق النجدىّ! والله أعلم. قال: فتفرّق القوم وقد أجمعوا على ذلك. فأتى جبريل إلى رسول الله ﷺ وأخبره بالخبر، وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه، قال: فلما كانت عتمة

стр. 5622

من الليل اجتمعوا على باب رسول الله ﷺ يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: «نم على فراشى، وتسجّ ببردى هذا الحضرمىّ الأخضر، فنم فيه؛ فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم» . قال: فقال أبو جهل ومن معه على الباب: إن محمدا يزعم أنكم إذا تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردنّ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نار تحرقون فيها. قال: فخرج رسول الله ﷺ ، فأخذ حفنة من تراب فى يده، ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم» ، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر التراب على رءوسهم وهو يتلو هذه الآيات من سورة يس: (يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) . إلى قوله: (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) «١» . ولم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كلّ رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا ينظرون فيه فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول الله ﷺ ، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علىّ عن الفراش؛ فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذى حدّثنا.

стр. 5623

قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل من القرآن فى ذلك اليوم قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) «١» وقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) «٢» . ذكر ابتداء هجرة رسول الله ﷺ وأبى بكر رضى الله عنه قال محمد بن إسحاق: لمّا هاجر أصحاب رسول الله ﷺ إلى المدينة، أقام هو بمكة بعدهم ينتظر الإذن من الله تعالى فى الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق، وعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما، ومن حبس أو فتن. وكان أبو بكر يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة كثيرا فيقول له: «لا تعجل لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا» ، فيطمع أبو بكر أن يكون رسول الله ﷺ إنما يعنى نفسه. وروى عن عائشة أم المؤمنين بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار إما بكرة وإما عشية، [حتى «٣» ] إذا كان اليوم الذى أذن الله تعالى فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره،

стр. 5624

فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله ﷺ : «أخرج عنّى من عندك» قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟ قال: «إن الله أذن لى فى الخروج» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: «الصحبة» . قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ، ثم قال: يا نبىّ الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقط- وقيل: الأريقط- الليثى وكان مشركا، يدلّهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج إلا أبو بكر وآل أبى بكر، وعلى بن أبى طالب، أخبره رسول الله ﷺ بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده، حتى يؤدى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت عنده للناس. ذكر خبر الغار وما قيل فيه قال: لما أجمع رسول الله ﷺ الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور- جبل بأسفل مكة- فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. قال ابن هشام: حدّثنى بعض أهل العلم أن الحسن بن أبى الحسن قال: لما انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلا دخل أبو بكر قبل

стр. 5625

رسول الله ﷺ يلتمس الغار لينظر أفيه سبع أو حيّة بقى رسول الله ﷺ بنفسه. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ ثلاثا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يردّه عليهم. وكان عبد الله بن أبى بكر يكون فى قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن النبىّ ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى فى رعاء من أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره الغنم حتى يعفّى عليه. وقال محمد بن سعد بسنده إلى زيد بن أرقم وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة رضى الله عنهم: إن النبىّ ﷺ ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت فى وجه النبىّ ﷺ فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بأسيافهم وعصيّهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبى ﷺ قدر أربعين ذراعا، نظر أوّلهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: مالك لم تنظر فى الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أن ليس فيه أحد. فسمع رسول الله ﷺ قوله، فعرف أن الله درأ عنه بهما. وقال بعض من حضر فى طلبه: إن عليه من العنكبوت ما هو قبل ميلاد محمد. وقال أبو بكر رضى الله عنه: فنظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار وهم على رءوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» ! قال: ومكثا فى الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر.

стр. 5626

قال محمد بن سعد: قالت عائشة رضى الله عنها: وجهزناهما أحبّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة فى جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فأوكأت به الجراب، وقطعة أخرى صيرتها عصاما لفم القربة؛ فلذلك سميت أسماء ذات النّطاقين. قال محمد بن سعد بسند يرفعه إلى أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه احتمل ماله كلّه معه،- خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف- فانطلق بها معه، فدخل علينا جدّى أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قال فقلت: كلّا يا أبت، إنه ترك لنا خيرا كثيرا. قالت أسماء: فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوّة البيت حيث كان أبى يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، فوضع يده عليه وقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم؛ فلا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكّن الشيخ بذلك. والله أعلم. ذكر خروج رسول الله ﷺ وأبى بكر رضى الله عنه من الغار، وتوجههما إلى المدينة، وما كان من أمر سراقة بن مالك، وأم معبد وغير ذلك إلى أن انتهيا إلى المدينة كان خروج رسول الله ﷺ وأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه من الغار ليلة الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأوّل، وذلك أنه لما مضت الأيام الثلاثة، وسكن عنهما الناس أتاهما عبد الله بن الأريقط براحلتيهما وبعير له، فقرّب أبو بكر رضى الله عنه الراحلتين إلى رسول الله ﷺ ، وقدّم له أفضلهما «١»

стр. 5627

ثم قال: اركب فداك أبى وأمى يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «إنى لا أركب بعيرا ليس لى» ، قال: فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى! قال: «لا ولكن ما الثمن الذى ابتعتها «١» به» ؟، قال: كذا وكذا، قال: «قد أخذتها بذلك» . قال محمد بن سعد: وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نعم بنى قشير، فأخذ رسول الله ﷺ إحداهما وهى القصواء. قال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر رضى الله عنه مولاه عامر بن فهيرة خلفه ليخدمهما فى الطريق. قال أبو بكر رضى الله عنه: أسرينا ليلتنا ويومنا حتى إذا قام قائم الظهيرة وانقطع الطريق، ولم يمرّ أحد، رفعت لنا صخرة لها ظلّ لم تأت عليه الشمس. قال: فسويت للنبىّ ﷺ مكانا فى ظلها، وكان معى فرو ففرشته، وقلت للنبىّ ﷺ : نم حتى أنفض ما حولك، فخرجت فإذا أنا براع قد أقبل يريد من الصخرة مثلما أردنا، وكان يأتيها قبل ذلك فقلت: يا راعى، لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل المدينة يعنى مكة، قال: قلت: هل فى شائك من لبن؟ قال: نعم، قال: فجاءنى بشاة فجعلت أمسح الغبار عن ضرعها وحلبت فى إداوة معى كثبة «٢» من لبن، وكان معى ماء للنبىّ ﷺ فى إدواة فصببت على اللبن من الماء لأبرده، فوافيت رسول الله ﷺ حين قام من نومه فشرب وقال: «ما آن الرحيل» ؟ قلت: بلى، قال: فأرسلنا حتى إذا كنا بأرض صلبة جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله قد أتينا، قال: «كلا» ، ودعا رسول الله ﷺ ، فارتطم فرس سراقة- أى

стр. 5628

احتبس إلى بطنه- فقال: قد أعلم أن قد دعوتما علىّ فادعوا لى، ولكما علىّ أن أردّ الناس عنكما ولا أضرّكما. قال: فدعا له فرجع ووفى وجعل يردّ الناس ويقول: قد كفيتم ما هاهنا. وقد روى عن سراقة أنه قال لأبى جهل بن هشام: أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأنّ محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه! عليك بكف القوم عنه فإننى ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه بأمر يودّ الناس فيه بأسرهم ... بأنّ جميع الناس طرا «١» تسالمه وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثنى الزّهرى أنّ عبد الرحمن بن مالك ابن جعشم حدّثه عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكّة مهاجرا إلى المدينة، جعلت فيه قريش مائة ناقة لمن يردّه عليهم، فبينما أنا جالس فى نادى قومى أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرّوا علىّ آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعينى أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالّة لهم، قال: لعله «٢» . ثم قمت فدخلت بيتى وأمرت بفرسى فقيد إلى بطن الوادى، وأمرت بسلاحى فأخرج من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى «٣» أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتى، ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره: «لا يضره» ، قال: وكنت أرجو أن أردّه على قريش فآخذ المائة، فركبت الفرس فى أثره، فبينما فرسى يشتدّ بى عثر فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها فخرج السهم

стр. 5629

الذى أكره «لا يضره» ، قال فأبيت إلا أن أتبعه فركبت فى أثره، فلما بدا لى القوم ورأيتهم عثر بى فرسى فذهبت يداه فى الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يده من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع منّى وأنه ظاهر، فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلّمكم، فو الله لا يأتينكم منى شىء تكرهونه، فقال رسول الله ﷺ لأبى بكر: «قل له وما تبتغى منا» ؟ فقال لى ذلك أبو بكر، قلت: تكتب لى كتابا يكون بينى وبينك، قال: «اكتب له يا أبا بكر» ، فكتب لى كتابا فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة ثم ألقاه إلىّ فأخذته فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ ، وفرغ من حنين والطائف، فرحت ومعى الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرّانة «١» ، فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون: إليك إليك ماذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله إنى لأنظر إلى ساقه فى غرزه «٢» كأنها جمارة، فرفعت يدى بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك أنا سراقة بن جعشم فقال رسول الله ﷺ : «يوم وفاء وبرّ، ادنه» ، قال فدنوت منه فأسلمت. والله الهادى للصواب. ومروا على خيمتى أم معبد الخزاعية، واسم أمّ معبد عاتكة بنت خالد بن منقذ ابن ربيعة، ويقال: عاتكة بنت خالد بن خليف» ، وكانت برزة «٤» جلدة تجلس بفناء

стр. 5630

القبة «١» تسقى وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها، فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئا، وكان القوم مرملين مسنتين «٢» ، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة فى كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» ؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، قال: «هل بها من لبن» ؟ قالت: هى أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين أن أحلبها» ؟ قالت: نعم، بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمّى الله، ودعا لها فى شاتها، فتفاجّت عليه- أى فتحت ما بين رجليها- ودرّت، ودعا بإناء يربض الرّهط- أى يرويهم- فحلب فيه ثجاّ «٣» ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب إناء حتى ملأه ثم غادره عندها، وبايعها وارتحلوا عنها، وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه، ولا يدرون من صاحبه وهو يقول: جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا «٤» خيمتى أمّ معبد هما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصىّ ما زوى «٥» الله عنكم ... به من فعال لا تجارى «٦» وسودد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرضد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح «٧» ضرّة «٨» الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب ... تدرّ بها فى مصدر ثم مورد «٩»

стр. 5631

قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان «١» ، ثم سلك بهما أسفل أمج «٢» ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا «٣» ، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرّار «٤» ، ثم سلك بهما ثنية المرة «٥» ، ثم سلك بهما لقفا «٦» - ويقال لفتا «٧» - ثم أجاز بهما مدلجة «٨» لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج «٩» ، ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطّن بهما [مرجح «١٠» ] من ذى الغضوين «١١» ، ويقال: العصوين، ثم بطن ذى كشر «١٢» ، ثم أخذ بهما على الجداجد «١٣» ، ثم على الأجرد «١٤» ، ثم سلك بهما ذا سلم «١٥» [من بطن «١٦» ] أعداء مدلجة تعهن «١٧» ، ثم على العبابيد- ويقال: العبابيب. ويقال:

стр. 5632

العثيانة- ثم أجاز بهما الفاجّة «١» ، ويقال: القاحة، ثم هبط بهما العرج «٢» ، وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله ﷺ رجل يقال له: أوس بن حجر على جمل له إلى المدينة، وبعث معه غلاما له يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج، فسلك ثنية العائر عن يمين ركوبة «٣» - ويقال الغابر- حتى هبط بهما [بطن «٤» ] رئم، ثم قدم بهما قباء على بنى عمرو بن عوف. قال الشيخ شرف الدين الدمياطى: وكان عبد الله بن الأريقط على كفره، ولم يعلم له إسلام. ذكر قدوم رسول الله ﷺ وأبى بكر رضى الله عنه إلى المدينة قال محمد بن إسحاق: كان مقدم رسول الله ﷺ قباء يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضّحا، وكادت الشمس تعتدل، وهو ﷺ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله تعالى بثلاث عشرة سنة. وقال الخوارزمىّ: قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا يوم الاثنين، وهو اليوم الثامن من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل، ويوم عشرين من أيلول، فكان من مبعثه إلى يوم هاجر ودخل المدينة ثلاث عشرة سنة كاملة. قال ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله ﷺ لما سمعوا بخروجه من مكة وتوكّفوا «٥» قدومه، يخرجون إذا صلوا

стр. 5633

الصبح إلى ظاهر الحرّة ينتظرونه، فلا يبرحون حتى تغلبهم الشمس على الظلال فيدخلون، وذلك فى أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله ﷺ جلسوا على عادتهم، حتى إذا لم يبق ظل دخلوا بيوتهم، فقدم رسول الله ﷺ حين دخلوا البيوت، فكان أول من رآه رجل من يهود، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة «١» ، هذا جدكم قد جاء، قال: فخرجوا إلى رسول الله ﷺ وهو فى ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى الله عنه فى مثل سنّه، وأكثر الأنصار لم يكن يعرف رسول الله ﷺ قبل ذلك، فأقبل الناس وما يعرفون من أبى بكر، حتى إذا زال الظل عن رسول الله ﷺ قام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفوه عند ذلك، قال: فنزل رسول الله ﷺ على كلثوم بن هدم أخى بنى عمرو بن عوف، وهو الأصح، وكان إذا خرج من منزل كلثوم جلس للناس فى بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان منزل العزّاب من المهاجرين، ونزل أبو بكر الصديق رضى الله عنه على خبيب بن إساف أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسّنح. وقيل: بل نزل على خارجة بن زيد. وأقام علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بمكة ثلاث ليال، حتى أدّى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت عنده للناس، ثم لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن هدم، فأقام رسول الله ﷺ بقباء من يوم الاثنين إلى آخر يوم الخميس أربعة أيام.

стр. 5634

ذكر خروج رسول الله ﷺ من قباء وتحوله إلى المدينة، وصلاته الجمعة، ونزوله على أبى أيوب خالد بن زيد قال محمد بن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة من منزل كلثوم فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى، وادى رانوناء «١» ، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. قال محمد بن سعد: صلاها بمن كان معه من المسلمين وهم مائة. قال ابن إسحاق: فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، فى رجال من بنى سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا فى العدد والعدّة والمنعة، قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو فى رجال من بنى ساعدة، فقالوا مثل ذلك، وقال مثل ما قال لأولئك، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة فى رجال من بلحارث من الخزرج، فقالوا مثل ذلك، وقال مثل ما قال، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بنى عدىّ بن النجار وهم أخواله اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة «٢» فى رجال من بنى عدىّ بن النجار، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدّة والمنعة، فقال كما قال لأولئك، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجد رسول الله ﷺ ، وهو يومئذ مربد «٣» لغلامين يتيمين من بنى النجار، فى حجر

стр. 5635

معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، فلما بركت ثبت رسول الله ﷺ ولم ينزل، فسارت غير بعيد، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت «١» ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه فى بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ . قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى: لما بركت الناقة جعل الناس يكلمون رسول الله ﷺ فى النزول عليهم، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحطّ رحله فأدخله منزله، فقال رسول الله ﷺ : «المرء مع رحله» ، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، قال زيد بن ثابت: فأول هدية دخلت على رسول الله ﷺ فى منزل أبى أيوب هدية دخلت بها إناء قصعة مثرود فيها خبز وسمن ولبن، فقلت: أرسلت بهذه القصعة أمّى، فقال: «بارك الله فيك» ، ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرم «٢» الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة؛ ثريد وعراق «٣» ، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله ﷺ الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، يتناوبون ذلك حتى تحول رسول الله ﷺ من منزل أبى أيوب، وكان مقامه فيه سبعة أشهر. وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه. والله أعلم.

стр. 5636

وبعث رسول الله ﷺ من منزل أبى أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، فقدما إلى مكة لفاطمة وأم كلثوم ﵉ ابنتى رسول الله ﷺ ، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وحمل زيد بن خارثة امرأته أمّ أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبى بكر معهم بعيال أبى بكر فيهم عائشة، فقدموا المدينة فأنزلهم فى بيت حارثة بن النعمان، وكانت رقيّة بنت رسول الله ﷺ بالحبشة مع زوجها عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق بسنده إلى أبى أيوب قال: لما نزل رسول الله ﷺ فى بيتى نزل فى السّفل، وأنا وأم أيوب فى العلو، فقلت له: يا نبىّ الله، بأبى أنت وأمى، إنى أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فاظهر أنت وكن فى العلو، وننزل نحن ونكون فى السّفل، فقال: «يا أبا أيوب، إنّ أرفق بنا ومن يغشانا أن نكون فى سفل البيت» ، قال: فلقد انكسر حبّ «١» لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننّشف بها الماء؛ تخوّفا أن يقطر على رسول الله ﷺ فيؤذيه، قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغى بذلك البركة حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، قال: فردّه ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك للبركة، قال: «فإنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى «٢» فأما أنتم فكلوه» ، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة. والله المستعان.

стр. 5637

ذكر بناء مسجد رسول الله ﷺ وبيوته بالمدينة قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى معمر بن راشد عن الزهرىّ قال: بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع المسجد، وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا فى حجر أبى أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله ﷺ بالغلامين فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى ﷺ حتى ابتاعه منهما. قال ابن سعد: وقال غير معمر عن الزهرى: فابتاعه بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، فكان جدارا مجدّرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلى بأصحابه فيه، ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل الذى بالحديقة وبالغرقد الذى فيه أن تقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان فى المربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت، وبالعظام أن تغيّب، وكان فى المربد ماء مستنجل «١» فسيّروه حتى ذهب، فأسّس رسول الله ﷺ المسجد وأسسوا معه، فجعلوا طوله مما يلى القبلة إلى مؤخّره مائة ذراع، وفى هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربّع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة؛ ثم بنوه باللّبن، وبناه رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل ينقل الحجارة معهم بنفسه، ويقول: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار» قال: وقال قائل من المسلمين يرتجز: لئن قعدنا والنبىّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل

стр. 5638

قال: ودخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلونى؛ يحملون علىّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته «١» بيده، وكان رجلا جعدا، ويقول: «ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية» ، قال ابن سعد: وجعل رسول الله ﷺ قبلة المسجد إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا فى مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذى يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذى يدخل منه رسول الله ﷺ ، وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع، وسقفه جريدا، فقيل له: ألا تسقّفه؟ فقال: «عريش «٢» كعريش موسى خشيبات وثمام «٣» الشأن أعجل من ذلك» قال: وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء، بنى لعائشة رضى الله عنها [فى البيت الذى يليه شارع إلى المسجد «٤» ] على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أرسل رسول الله ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة «٥» . ذكر بناء المسجد الذى أسّس على التقوى وهو مسجد قباء قال محمد بن سعد فى طبقاته الكبرى بسنده إلى سهل بن سعد وأبى غزيّة وأبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنهم قال: لما صرفت القبلة أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء فقدّم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسّسه، وقال:

стр. 5639

«جبريل يؤمّ بى البيت» ، ونقل رسول الله ﷺ وأصحابه الحجارة لبنائه، وكان رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت ماشيا، وقال ﷺ : «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرة» ، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يأتيه يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل. قال: وكان أبو أيوب يقول: هذا المسجد الذى أسس على التقوى. وكان أبىّ بن كعب وغيره يقولون: بل هو مسجد رسول الله ﷺ . ذكر ما أصاب المهاجرين من حمّى المدينة، ودعاء رسول الله ﷺ لهم روى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحّمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه ﷺ . قالت: فكان أبو بكر رضى الله عنه، وعامر بن فهيرة وبلال، موليا أبى بكر مع أبى بكر فى بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا [الحجاب «١» ] وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدّة الوعك، فدنوت من أبى بكر فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: كلّ امرئ مصبّح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله قالت: فقلت والله ما يدرى أبى ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

стр. 5640

لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه «١» كلّ امرئ مجاهد بطوقه ... كالثّور يحمى جلده بروقه «٢» فقلت: والله ما يدرى عامر ما يقول؛ قالت: وكان بلال إذا تركته الحمّى اضطجع بفناء البيت، ثم يرفع عقيرته «٣» فيقول: ألا البيت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بفجّ «٤» وحولى إذخر «٥» وجليل «٦» وهل أردن يوما مياه مجنّة «٧» ... وهل يبدون لى شامة «٨» وطفيل قالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون، وما يعقلون من شدّة الحمى، فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشدّ، وبارك لنا فى مدّها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة» ؛ وهى الحجفة. ذكر مؤاخاة رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار كان ذلك بعد مقدم رسول الله ﷺ ؛ روى محمد بن سعد عن الزهرىّ وغيره قال: لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحقّ والمواساة، يتوارثون بعد الممات دون ذوى الأرحام، وكانوا تسعين رجلا؛ خمسة
следующие страницы →