← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ويقال: أخيب صفقة من شيخ مهو. وهو حىّ من عبد القيس اشتروا الفسو من إياد وكانوا يعرفون به، فعرفت به عبد القيس. قال الميدانى: هذا الشيخ اسمه عبد الله بن بيدرة، اشترى الفسو من إياد ببردى حبرة، وقال لقومه: اشتريت لكم عار الدهر، فقالت عبد القيس في ذلك: إن الفساة قبلنا إياد ... ونحن لا نفسو ولا نكاد. وفيهم يقول شاعر: يا من رأى كصفقة ابن بيدره ... من صفقة خاسرة مخسّره؟ المشترى العار ببردى حبره! ... شلّت يمين صافق ما أخسره! أخسر صفقة من أبى غبشان. فإنه باع مفاتيح الكعبة من قصىّ بزقّ خمر. أضلّ من سنان. وهو ابن أبى حارثة المرّى؛ وكان قومه عنفوه على الجود، فركب ناقة له ورمى بها الفلاة، فلم ير بعد ذلك. وسمته العرب ضالّة غطفان؛ وقالوا: إن الجانّ استفحلته تطلب كرم نجله. أبطش من دوسر. وهى كتيبة النعمان. أهدى من قيس بن زهير. أفرغ من حجّام ساباط. يقال إنه كان إذا أعوزه من يحجمه حجم أمّه. فلم يزل يحجمها حتى نزف دمها، فماتت. أندم من الكسعىّ. واسمه محارب بن قيس، وقيل غامد بن الحارث. وكان أرمى الناس، لا يخطئ له سهم، فخرج ومعه قوس وخمس سهام فرمى صيدا في الليل فأصاب سهمه ونفذ، فوقع في الحجر فقدح نارا. ثم رمى كذلك حتى استنفد السّهام. وهو يظن أنه أخطأ في الجميع فكسر قوسه، وخلع إبهامه. فلما أصبح رأى رميّته، فندم على فعله. أمنع من الحارث بن ظالم. وسيأتى خبره في وقائع العرب أبخل من مادر. وسيأتى خبره في باب الهجاء.

стр. 562

أكذب من مسيلمة الحنفىّ، (وخبره مشهور في دعواه النبوّة) ومن المهلّب، (وكان يكذب لأصحابه في حرب الأزارقة، يعدهم بالنّجدة والإمداد) . أحمق من راعى ضأن ثمانين، (وذلك أن أعرابيا بشّر كسرى ببشارة سرّ بها، فقال له كسرى: سلنى ما شئت! فقال: أسألك ضأنا ثمانين) ؛ ومن هبنّقة، وهو ذو الودعات؛ واسمه يزيد بن ثروان أحد بن قيس بن ثعلبة؛ وبلغ من حمقه أنه ضلّ له بعير، فنادى من وجد بعيرى فهو له، فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان. وفيه يقول الشاعر: عش بجدّ وكن هبتقة القي ... سىّ نوكا أو شيبة بن الوليد. ربّ ذى إربة مقلّ من الما ... ل وذى عنجهية مجدود. العنجهية الجهل أحمق من ربيعة البكّاء. هو ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ومن حمقه أن أمّه تزوّجت بعد أبيه، فدخل عليها الخباء، وكان قد التحى فوجد زوجها بياضعها، فتوهّم أنه يريد قتلها، فبكى وهتك الخباء، فاجتمع الناس وسألوه عن شأنه، فأخبرهم أنه وجده على بطنها يريد قتلها، فقالوا: «أهون مقتول» فصار مثلا. أتيه من أحمق ثقيف. وهو يوسف بن عمرو. ألصّ من شظاظ. وهو رجل من بنى ضبّة. أزنى من قرد. وهو قرد بن معاوية بن هذيل. أمطل من عرقوث. وقال كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الاباطيل. أشام من خوتعة. وهو رجل من بنى غفيلة بن قاسط أخى النمر بن قاسط. أشأم من قدار (وهو عاقر الناقة) ؛ ومن أحمر ثمود (وهو عاقرها أيضا) .

стр. 563

أشأم من طويس. وهو مخنّث، كان يقول إنه ولد يوم مات النبىّ ﷺ ؛ وفطم يوم مات أبو بكر؛ وبلغ يوم قتل عمر؛ وتزوّج يوم قتل عثمان؛ وولد له يوم قتل علىّ. أمكر من قيس بن زهير. وأمّا من ضرب بها المثل من النساء يقال. أنجب من مارية. ولدت لزرارة: حاجبا، ولقيطا، وعلقمة. أنجب من بنت [١] الحارث. ولدت لزياد العبسىّ بنيه الكلمة، وهم: ربيعة الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحافظ، وأنس الفوارس. أنجب من أمّ البنين [٢] . ولدت لمالك بن جعفر بن كلاب، ملاعب الأسنة عامرا، فارسا. أنجب من عاتكة: ولدت لعبد مناف هاشما، وعبد شمس، والمطّلب. أسرع من نكاح أمّ خارجة. وهى عميرة بنت سعد بن عبد الله بن قدار بن ثعلبة بن معاوية بن زيد ابن الغوث بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان. ولدت في نيّف وعشرين حيّا من العرب. كان الرجل يقول لها: خطب! فتقول: نكح! قال أبو الفرج الأصبهانى: فمن ولدت، الدّيل، وليث، والحارث بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة؛ وغاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة؛ والعنبر، وأسيد، والهجيم بنو عمرو بن تميم؛ وخارجة ابن يشكر (وبه كانت تكنّى) ؛ وسعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقيا (وهو أبو المصطلق) .

стр. 564

قال: وزعموا أن بعض أزواجها طلّقها فرحل بها ابن لها عن حيه إلى حيها فلقيها راكب، فلما تبينته، قالت لابنها: هذا خاطب لى لا شكّ فيه، افتراه يعجلنى أن أنزل عن بعيرى، فجعل ابنها يسبّها. أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها. وذلك أن زوجها طلقها، فطالبته بمهرها، فأخذ أحد خلخاليها من رجلها وأعطاها إيّاه، فرضيت به. أحمق من دغة. هى مارية بنت مغنج [١] بن ربيعة بن عجل، وقيل بنت منعج؛ تزوّجت وهى صغيرة فى بنى العنبر بن تميم، فحملت. فلما أدركها المخاض، ظنّت أنها تريد الخلاء فتبرزت فولدت فاستهلّ الولد. فانصرفت وهى تقدّر أنها إنما أحدثت. فقالت لضرّتها يا هنتاه، هل يفغر الجعرفاه؟ قالت: نعم، ويدعو أباه! فمضت ضرّتها للولد فأخذته، فبنو العنبر تسمّى بنى الجعراء. أبصر من زرقاء اليمامة. وهى امرأة من طسم، كانت تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال. وسيأتى إن شاء الله تعالى خبرها في وقعة طسم وجديس. أزنى من هرّ. وهى امرأة يهودية؛ وهى التى قطع المهاجر يدها فيمن قطع من النساء حين شمتن بموت رسول الله ﷺ . أشبق من حبّى المدنيّة. أشأم من البسوس. وهى جارة جسّاس بن مرّة، صاحبة الناقة التى قتل بسببها كليب، وثارت الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة. ويقال: أمنع من أمّ قرفة. وهى امرأة مالك بن حذيفة بن بدر الفزارى. كان يعلّق في بيتها سبعون سيفا، كلّ سيف لذى محرم منها. فضرب بها المثل. والله أعلم.

стр. 565

الباب الثالث من القسم الأوّل من الفن الثانى (فى الغزل، والنّسيب، والهوى، والمحبة، والعشق) ولنبدأ بذكر الهوى، لأنه السبب الباعث على الغزل. وذلك أنه إذا حلّ في الأجسام ارتاحت النفوس، ورقّت القلوب، وانجذبت الخواطر، وصفت الأذهان، وسهل على القرائح فأبرزته الألسن. والله أعلم وأحكم. ذكر شىء مما قيل في الهوى، والمحبة، والعشق، وما قيل في ماهية العشق، وحقيقته وسببه، وما قيل في مدحه، وذمّه، والممدوح منه، والمذموم، وضرر العشق في الدّنيا، والآفات التى تجرى على العاشق: من المرض، والجنون، والضّنا، والمخاطرات بالنفوس، وإلقائها إلى الهلاك. ثم نذكر أخبار ومن أخرجه عن دينه حتّى كفر بربه، ومن قتل، وقتل فيه، ومن قتل نفسه. ثم نذكر ما ورد في التحذير من فتنة النساء، وذمّ الزنا، والنظر إلى المردان، والتحذير من اللّواط، وعقوبة اللائط، وغير ذلك من أمر العشق، على ما سنشرحه إن شاء الله تعالى فنقول، وبالله التوفيق. أمّا ماهية العشق وحقيقته، فقد تكلم عليه أوائل الحكماء والفلاسفة وغيرهم من المسلمين، على ما نشرحه إن شاء الله تعالى.

стр. 566

فأما كلام الحكماء والفلاسفة فقال أفلاطون: العشق، حركة النفس الفارغة بغير فكرة. وسئل ديوجانس عن العشق، فقال: سوء اختيار صادف نفسا فارغة. وقال أرسطاطاليس: العشق، هو عمى الحسّ عن إدراك عيوب المحبوب. وقال فيثاغورس: العشق، طبع يتولد في القلب ويتحرّك وينمى ثم يتربّى، ويجتمع إليه موادّ من الحرص، وكلما قوى ازداد صاحبه في الاهتياج واللّجاج، والتمادى في الطمع، والفكر في الأمانىّ، والحرص على الطلب، حتى يؤدّيه ذلك إلى الغم المقلق. وإلى هذا المعنى أشار المتنبى بقوله: وما العشق إلا غرّة وطماعة: ... يعرّض قلب نفسه فيصاب. وقال بعض الفلاسفة: لم أرحقّا أشبه بباطل، ولا باطلا أشبه بحق من العشق: هزله جدّ، وجدّه هزل، وأوّله لعب، وآخره عطب. وقد ذهب بعضهم إلى أنه مرض وسواسىّ شبيه بالماليخوليا. وأما كلام الإسلاميين وما قالوه فيه فقد حكى عن أبى العالية الشامىّ، قال: سأل المأمون يحيى بن أكثم عن العشق ما هو؟ فقال: هو سوانح للمرء يهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه! قال فقال له ثمامة: اسكت يا يحيى! إنما عليك أن تجيب في مسئلة طلاق أو محرم صاد ظبيا، أو قتل نملة؛ فأما هذه فمسائلنا نحن! فقال له المأمون: ما العشق؟ يا ثمامة، فقال: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مملّك، ومالك قاهر، مسالكه لطيفة،

стр. 567

ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة؛ ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطى عنان طاعتها، وقيود تصرفها، توارى عن الأبصار مدخله، وغيض في القلوب مسلكه! فقال له المأمون: أحسنت والله، يا ثمامة! وأمر له بألف دينار. وحكى عن الفضل بن يعقوب: قال لما اجتمع ثمامة بن أشرس، ويحيى بن أكثم عند المأمون، قال ليحيى: خبّرنى عن العشق ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، سوانح تسنح للعاشق يؤثرها، ويهيم بها تسمّى عشقا! فقال له ثمامة: يا يحيى، أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا، ونحن بهذا أحذق منك! فقال المأمون: فهات ما عندك! فقال: يا أمير المؤمنين، إذا امتزجت خواطر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضىء به نواظر العقول، ويتصوّر من ذلك اللمح نور خاص بالنفوس متصل بجواهرها يسمّى عشقا! فقال له المأمون: صدقت، هذا وأبيك الجواب! وحكى عن الأصمعىّ، قال: دخلت على هرون الرشيد، فقال: يا أصمعىّ، إنى أرقت ليلتى هذه، فقلت: ممّ؟ أنام الله عين أمير المؤمنين، قال: فكّرت فى العشق ممّ هو، فلم أقف عليه، فصفه لى حتّى إخاله جسما مجسما! قال الأصمعىّ: لا والله ما كان عندى قبل ذلك فيه شىء فأطرقت مليّا، ثم قلت: نعم يا سيّدى، إذا تقاربت الأخلاق المشاكلة وتمازجت الأرواح المشابهة، لمح نور ساطع يستضىء به العقل، وتهتز لإشراقه طباع الحياة، ويتصوّر من ذلك النور خلق خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمّى العشق! فقال: أحسنت والله! يا غلام، أعطه وأعطه وأعطه! فأعطيت ثلاثين ألف درهم.

стр. 568

وحكى عن الأصمعىّ أنه قال: لقد أكثر الناس في العشق، فما سمعت أوجز ولا أجمل من قول أعرابيّة (وقد سئلت عن العشق) فقالت: ذلّ وجنون. قلت: هذه صفة ثمرة العشق ومآله. والتحقيق أن العشق شدّة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها، فإذا قوى فكره فيه تصوّرت حصولها وتمنّت ذلك، فيتجدّد من شدّة الفكر مرض. وقيل لبعضهم: ما العشق؟ فقال: ارتياح في الخلقة، وفرح يجول في الرّوح، وسرور ينساب في أجزاء القوى. وقال أبو العيناء: سألت أعرابيّا عن الهوى، فقال: هو أظهر من أن يخفى. وأخفى من أن يرى، كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى. وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة، فقال: التى لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء. وسئل بعض الصوفية عن الهوى والمحبة فقال: الهوى يحلّ في القلب، والمحبة يحلّ فيها القلب! وللعشق مراتب من ابتدائه إلى انتهائه. ذكر مراتب العشق وضروبه قالوا: أوّل ما يتجدّد الاستحسان للشخص تحدث إرادة القرب منه، ثم المودّة. (وهو أن يودّ لو ملكه) ، ثم يقوى الودّ فيصير محبة، ثم يصير هوى (فيهوى بصاحبه فى محابّ المحبوب من غير تمالك) ، ثم يصير عشقا، ثم يصير تتيّما (والتتيّم حالة يصير بها المعشوق مالكا للعاشق لا يوجد في قلبه سواه) ، ثم يزيد التتيّم فيصير ولها (والوله إلخروج عن حدّ الترتيب، والتعطل عن أحوال التمييز) .

стр. 569

وقال بعضهم: أوّل مراتب العشق الميل إلى المحبوب، ثم العلاقة، ثم الحب، ثم يستحكم الهوى فيصير مودّة تزيد بالمؤانسة، وتدرس بالجفاء والأذى، ثم الخلّة، ثم الصّبابة (وهى رقة الشوق) تولّدها الألفة، ويبعثها الإشفاق، ويهيجها الذكر، ثم تصير عشقا. وهو على أضرب. فمبدؤه يصفى الذهن، ويهذّب العقل. كما قال ذو الرياستين لأصحابه: «اعشقوا، ولا تعشقوا حراما! فإن عشق الحرام يطلق اللسان ويرفع التبلّد ويطلق كفّ البخيل ويبعث على النظافة ويدعو إلى الذكاء، فإذا زاد؛ مرض الجسد، فإذا زاد؛ أخرج العقل وأزال الرأى فاستهلك، ثم يترقّى فيصير ولها، ويسمّى ذو الوله مدلّها، ومستهاما، ومستهترا، وحيران؛ ثم بعدها التتيّم فيدعى متيّما، والتتيّم نهاية الهوى، وآخر العشق؛ ومن التتيّم يكون الداء الدّوىّ، والجنون الشاغل» . وقال بعض الحكماء: أوّل الحب العلاقة (وهو شىء يحدثه النظر أو السمع فيخطر للبال، ويعرض للفكر، ويرتاح له القلب، ثم ينمى بالطمع، واللّجاج، وإدمان الذكر) ، ثم يقوى فيصير حبّا، ثم يصير هوى، ثم يصير خلّة، ثم عشقا، ثم ولها، فيسمّى صاحبه مدلّها، ومستهاما، وهائما، وحيران، ثم يصير متيّما، وهو أرفع منازل الحب، لأن التتيم التعبّد؛ والوجد ألم الحب، والهيمان الذهاب في طلب غرض لا غاية له؛ والكلف والشّغف اللهج بطلب الغرض. وقال الفرّاء: اللّوعة، حرقة القلب من الحب. وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: العلاقة الحب اللازم للقلب؛ والجوى الهوى الباطن؛ واللّوعة حرقة الهوى؛ واللاعج الهوى المحرق؛ والشّغف أن يبلغ الحب شغاف القلب (وهو جلد دونه) ؛ والتّتيم أن يستعبده الهوى؛ والتّبل أن يسقمه الهوى،

стр. 570

يقال: رجل متبول؛ والتّدليه، ذهاب العقل من الهوى، يقال: رجل مدلّه؛ والهيوم أن يذهب على وجهه؛ والشّغف إحراق القلب مع لذة يجدها وهو شبيه باللّوعة. وقال أبو عبد الله بن عرفة: الإرادة قبل المحبة، ثم المحبة، ثم الهوى، ثم العشق. وقال ابن دريد: الصّبابة رقّة الهوى. واشتقاق الحب من أحب البعير، إذا برك من الإعياء. ذكر ما قيل في الفرق بين المحبة والعشق قالوا: المحبة جنس، والعشق نوع. فإن الرجل يحب أباه وأمه، ولا يبعثه ذلك على تلف نفسه، بخلاف العاشق. وقد حكى أن بعض العشاق نظر إلى جارية كان يهواها، فارتعدت فرائصه وغشى عليه، فقيل لبعض الحكماء: ما الذى أصابه؟ فقال: نظر من يحبّه، فانفرج قلبه، فتحرّك الجسم لانفراج القلب! فقيل له: فنحن نحب أهالينا ولا يصيبنا ذلك فقال: تلك محبة العقل، وهذه محبة الرّوح! وقالوا: كل عشق يسمّى حبّا، وليس كل حب يسمّى عشقا. لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة، كما أن السّرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة. قال الشاعر: ثلاثة أحباب: فحبّ علاقة، ... وحبّ تملّاق، وحبّ هو القتل!

стр. 571

وأما سبب العشق وما قيل فيه، فقالوا: سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها فتستحسنه وتميل إليه. وأكثر أسباب المصادفة النظر. ولا يكون ذلك بالملح، بل بالتثبت في النظر ومعاودته بالنظر، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس، ورامت التقرّب منه، وتمنّت الاستمتاع به. فيصير فكرها فيه، وتصويرها إياه في الغيبة حاضرا، وشغلها كله به، فيتجدّد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى. وكلما قويت الشهوة البدنية، قوى الفكر في ذلك. وقد أمر الله بغضّ البصر فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) . فقرن غض البصر بحفظ الفرج، لأنه يسببه ويؤول إليه. وعن علىّ رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ ! قال: «لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى! وليست لك الآخرة» . وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «العينان تزنيان، وزناهما النظر» . وعن علىّ رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ ! «يا علىّ، اتّق النظرة بعد النّظرة! فإنها سهم مسموم، يورث الشّهوة في القلب» . وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس» . وعن يحيى بن سعيد قال: كان عيسى بن مريم ﵇ يقول: «النظر يزرع في القلب الشهوة، وكفى بها خطيئة!» .

стр. 572

وعن سفيان قال: قال عيسى ﵇: «إيّاكم والنظر! فإنّه يزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة!» . وقال الحسن البصرىّ: من أطلق طرفه، أطال أسفه. وقال ذو النون: اللّحظات تورث الحسرات: أوّلها أسف، وآخرها تلف. فمن تابع طرفه، تابع حتفه. وقال حكيم: أوّل العشق النظر، وأوّل الحريق الشّرر. وقال أبو الفرج بن الجوزىّ: البصر صاحب خبر القلب. ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها، فيجول الفكر فيها فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة. فاحذر من شر النظر! فكم أهلك من عابد، وفسخ عزم زاهد! وهو سبب الآفات، إلا أن علاجه في بدايته قريب. فإذا كرر تمكن الشرّ فصعب علاجه. فإن النظرة إذا أثّرت في القلب، فإن أعجل الحازم بغضها وحسم المادّة من أوّلها سهل علاجه، وإن كرر النظر نقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرّغ ونقشها فيه. فكلما تواصلت النظرات كانت كالمياه تسقى بها الشجرة، فلا تزال تنمو فيفسد القلب، ويعرض عن الفكر فيما أمر به، ويخرج بصاحبه الى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات، ويلقى في التلف. وقد أكثر الشعراء في وصف ما يحدثه النظر من البلايا، فمن ذلك، قول الفرزدق: تزوّد منها نظرة لم تدع له ... فؤادا، ولم يشعر بما قد تزوّدا. فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا.

стр. 573

وقال إبراهيم بن العباس بن صول الكاتب: فمن كان يؤتى من عدوّ وحاسد، ... فإنّى من عينى أتيت ومن قلبى! هما اعتورانى نظرة ثم فكرة، ... فما أبقيا لى من رقاد ولا لبّ! وقال إسمعيل بن عمار الأعرابىّ: عينان مشئومتان، ويحهما! ... والقلب حيران مبتلى بهما. عرّفتاه الهوى لظلمهما، ... يا ليتنى قبله عدمتهما! وقال أبو عبد الله المارستانىّ: رمانى بها طرفى فلم يخط مقتلى، ... وما كلّ من يرمى تصاب مقاتله! إذا متّ، فابكونى قتيلا لطرفه ... قتيل عدوّ حاضر ما يزايله! وقال ابن المعتز: متيّم يرعى نجوم الدّجى ... يبكى عليه رحمة عاذله! عينى أشاطت بدمى في الهوى، ... فابكوا قتيلا بعضه قاتله! وقال المتنبى: وأنا الّذى اجتلب المنيّة طرفه ... فمن المطالب؟ والقتيل القاتل! وقال ابن المعتز: وما أدرى، إذا ما جنّ ليل، ... أشوقا في فؤادى أم حريقا؟ ألا يا مقلتىّ، دهيتمانى ... بلحظكما فذوقا! ثم ذوقا! وقال أبو عبد الله بن الحجاج: يا من رأى سقمى يزي ... د وعلّتى تعيى طبيبى. لا تعجبنّ فهكذا ... تجّنى العيون على الدّلوب!

стр. 574

وقال أبو منصور بن الفضل: لواحظنا، تجنى ولا علم عندها ... وأنفسنا مأخوذة بالجرائر. ولم أر أغبى من نفوس عفائف ... تصدّق أخبار العيون الفواجر. ومن كانت الأجفان حجّاب قلبه ... أذنّ على أحشائه بالفواقر! وقال أبو محمد بن الخفاجىّ: رمت عينها عينى، وراحت سليمة! ... فمن حاكم بين الكحيلة والعبرا؟ فياطرف، قد حذّرتك النظرة التى ... خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا! ويا قلب، قد أرداك من قبل مرة! ... فويحك! لم طاوعته مرّة أخرى؟ وقال عبد المحسن بن غالب الصورىّ: ما نظرة إلا لها سكرة ... كأنّما طرفك خمّار. هذا هوى يصدر عنه جوى ... يتلوه لوعات وأفكار. وهذه أفعالها، هذه! ... ما بعد رأى العين إخبار. ولم يكن أوّل من غرنى! ... كلّ غرير الطّرف غرّار! وقال أبو شجاع الوزير: لأعذّبنّ العين غير مفكّر ... فيها، جرت بالدمع أم فاضت دما! ولأهجرنّ من الرّقاد لذيذه ... حتّى يصير على الجفون محرّما! سفكت دمى، فلأسفكنّ دموعها ... وهى التى بدأت فكانت أظلما! هى أوقعتنى في حبائل فتنة: ... لو لم تكن نظرت، لكنت مسلّما! وقال آخر عفا الله عنه: يا عين أنت قتلتنى، ... وجعلت ذنبك من ذنوبى!

стр. 575

وأراك تهوين الدّمو ... ع كأنّها وفق الحبيب. تالله، أحلف صادقا ... والصّدق من شيم الأريب! لو ميّزت نوب الزما ... ن من البعيد إلى القريب، ما كنّ إلا دون ما ... جنت العيون على القلوب! وقال آخر، وأجاد: أنا ما بين عدوّي ... ن هما: قلبى وطرفى. ينظر الطّرف ويهوى ال ... قلب، والمقصود حتفى. وقال ابن الحريرىّ: فتصبّر، ولا تشم كلّ برق! ... ربّ برق فيه صواعق حين! واغضض الطّرف، تسترح من غرام ... تكتسى فيه ثوب ذلّ وشين. فقياد الفتى موافقة النف ... س، وبدء الهوى طموح العين. فصل قالوا: ومن أسباب العشق، سماع الغناء وإنشاد الغزل. فإن ذلك يصوّر في النفس نقوش صور فتخمّر خميرة صورة موصوفة، ثم تصادف نظرا مستحسنا، فتتعلق النفس بما كانت تطلبه حالة الوصف. فصل وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس، وأنه يضعف ويقوى على قدر التشاكل. واستدل بقول النبىّ ﷺ ! «الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» . قال: وقد كانت الأرواح موجودة

стр. 576

قبل الأجسام، فمال الجنس إلى الجنس. فلما افترقت في الأجساد، بقى في كل نفس حب ما كان مقارنا لها. فإذا شاهدت النفس من نفس نوع موافقة، مالت إليها ظانّة أنها هى التى كانت قرينتها. فإن كان التشاكل في المعانى كانت صداقة ومودّة، وإن كان في معنى يتعلق بالصورة، كان عشقا. وإنما يوجد الملل والإعراض من بعض الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة. وأنشدوا على ذلك: وقائل: كيف تهاجرتما؟ ... فقلت قولا فيه إنصاف: لم يك من شكلى ففارقته، ... والناس أشكال وألّاف. قال أبو الفرج بن الجوزىّ: فإن قيل إذا كان سبب العشق نوع موافقة بين شخصين في الطباع، فكيف يحب احدهما صاحبه والآخر لا يحبه؟ فالجواب أنه يتفق فى طبع المعشوق ما يوافق طبع العاشق، ولا يتفق في طبع العاشق ما يلائم طبع المعشوق. فإذا كان سبب العشق اتفاقا في الطباع بطل قول من قال: إن العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة. إنما يكون العشق لنوع مناسبة وملاءمة، ثم قد يكون الشىء حسنا عند شخص غير حسن عند آخر. وحكى على ذلك حكاية رفعها بالسند إلى علىّ بن الحسين القرشىّ، عن رجل من أهل المدينة كان أديبا ظريفا طلّابا للأدب والملح، قال: كنت يوما في مجلس رجل من قريش ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة، ومعنا فتى من أقبح ما رأته العين، والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها. فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا فتى من أحسن الناس وجها، وأثراهم ثوبا، وأطيبهم ريحا، فأقبل علىّ صاحب البيت، فقال: إن في أمر هذين لعجبا! قلت: وما ذاك؟ قال: هذه الجارية تحب هذا (يعنى القبيح الوجه) وليس لها في قلبه محبة، وهذا

стр. 577

الحسن الوجه يحبها، وليس له في قلبها محبة. فبينا نحن على شرابنا إذ سرّ الفتى الحسن الوجه فتغنّى وقال: بيد الذى شغف الفؤاد بهم ... فرج الذى ألقى من السّقم! فاستيقنى أن قد كلفت بكم ... ثم افعلى ما شئت عن علم! فأقبلت عليه، وقالت: قد علمنا ذاك، فمه! ثم تركته، وأقبلت على القبيح الوجه، فلبثنا ساعة، ثم تغنى الفتى أيضا: ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى ... بثينة لا يخفى علىّ كلامها! فقالت: اللهم أعط عبدك ما سأل! فغاظتنى، فقلت لها: يا فاجرة تختارين هذا، وهو أقبح من ذنوب المصرّين، على هذا الذى هو أحسن من توبة التائبين، فقالت لى: ليس الهوى بالاختيار! ثم أنشأت تغنى وتقول: فلا تلم المحبّ على هواه ... فكلّ متيمّ كلف عميد يظنّ حبيبه حسنا جميلا، ... وإن كان الحبيب من القرود! فقلت: أجل! إنه لكما قلت، وليس في هذا حيلة، وذكرت قول عمر ابن أبى ربيعة: فتضاحكن، وقد قلن لنا: ... حسن في كلّ عين ما تودّ! فصل قالوا: ويتأكد العشق بإدمان النظر، وكثرة اللقاء، وطول الحديث. فإن انضم إلى ذلك معانقة أو تقبيل فقد تمّ استحكامه. وقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابّين ووصلت بلّة من ريق كل واحد منهما إلى معدة الآخر، اختلط ذلك بجميع البدن ووصل إلى جرم

стр. 578

بد، وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه، فإنه يخرج مع ذلك النفس شىء من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء، فإذا استنشق من ذلك الهواء دخل في الخياشيم، فوصل بعضه إلى الدماغ فسرى فيه كسريان النّور في جرم البلّور، ووصل بعضه إلى جرم الرئة، ثم إلى القلب فيدبّ في العروق الضوارب في جميع البدن فينعقد في بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجا، فيتولد به العشق وينمى. هذا ما قيل في سبب العشق والله أعلم. وأما ما قيل في مدحه وذمّه والممدوح منه والمذموم، قال ابن الجوزىّ فى كتابه المترجم ب «ذمّ الهوى» : اختلف الناس في العشق، هل هو ممدوح أو مذموم. فقال قوم: هو ممدوح، لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع، ولا يقع عند جامد الطبع. ومن لم يجد منه شيئا فذلك من غلظ الطبيعة. فهو يجلو العقول، ويصفّى الأذهان، ما لم يفرط. فإن أفرط عاد سمّا قاتلا. وقال آخرون: هو مذموم، لأنه يستأسر العاشق ويجعله في مقام المستعبد. قال: قلت: وفصل الحكم فى هذا الفصل أن نقول: أما المحبة والودّ والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يذم، وأما العشق الذى يزيد على حدّ الميل والمحبة فيملك العقل ويصرّف صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم. ويتحاشى من مثله الحكماء. هذا ما قيل في مدحه وذمّه مجملا. والله تعالى أعلم. فأما الممدوح منه، وهو الذى قدّمنا ذكره، فقد وقع فيه جماعة من الخلفاء والأكابر فلم يعب عليهم ولا نقصهم. وقد تكلموا في مدحه وتفضيله بما سنذكر منه إن شاء الله تعالى طرفا.

стр. 579

فقالوا: العشق يولّد الأخلاق الحميدة! وقالوا: لو لم يكن في الهوى إلا أنه يشجّع الجبان، ويصفّى الأذهان، ويبعث حزم العاجز، لكفاه شرفا! وقال أعرابىّ: من لم يحبّ قط فهو ردىء التركيب جافى الطبع كزّ المعاطف. وقد روى أن الشعبىّ كان ينشد: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى، ... فأنت وعير في الفلاة سواء! وسمع ابن أبى مليكة غناء وهو يؤذّن، فطرب. فقيل له في ذلك، فقال: إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا. وسئل أبو نوفل: هل يسلم أحد من العشق؟ فقال: نعم الجلف الجافى الذى ليس فيه فضل ولا عنده فهم. فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دماثة أهل الحجاز ورقّة أهل العراق، فهيهات! وحكى أبو الفرج بن الجوزىّ بسند يرفعه إلى اليمان بن عمرو مولى ذى الرياستين، قال: كان ذو الرياستين يبعثنى ويبعث أحداثا من أهله إلى شيخ عالم بخراسان، له أدب وحسن معرفة بالأمور، ويقول لنا: تعلّموا منه الحكمة، فإنه حكيم!، وكنا نأتيه. فإذا انصرفنا من عنده، سألنا ذو الرياستين واعترض ما حفظناه فنخبره به. فقصدناه ذات يوم، فقال: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة ولكم جدات ونعم، فهل فيكم عاشق؟ فقلنا: لا. فقال: اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان العيىّ، ويفتح جبلّة البليد، ويبعث على التنظيف وتحسين اللباس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذّكاء، ويشرّف الهمة! وإياكم والحرام! فانصرفنا من عنده إلى ذى الرياستين، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذلك فهبناه أن نخبره. فعزم علينا فأخبرناه، فقال: صدق والله! فهل

стр. 580

تعلمون من أين أخذ هذا؟ فقلنا: لا. قال ذو الرياستين: إن بهرام جوركان له ابن، وكان قد رشّحه للأمر من بعده، فنشأ الفتى ناقص الهمة، ساقط المروءة، خامل النفس، سيئ الأدب. فغمه ذلك ووكّل به من يلازمه من المؤدّبين والحكماء ليعلموه. فكان يسألهم عنه فيحكون عنه ما يغمّه من سوء فهمه وقلة أدبه. إلى أن سأل بعض مؤدّبيه يوما، فقال له المؤدّب: قد كنا نخاف سوء أدبه، فحدث من أمره ما صيّرنا إلى اليأس من فلاحه، قال: وما ذاك الذى حدث؟ قال: إنه رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها حتى غلب عليه هواها، فهو لا يهذى إلا بها، ولا يتشاغل إلا بذكرها. فقال بهرام: الآن رجوت فلاحه! ثم دعا بأبى الجارية، فقال: إنى مسرّ إليك سرّا فلا يعدونّك. فضمن له ستره. فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها، فإذا استحكم طمعه فيها تجنّت عليه وهجرته، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ومن همته همة الملوك، وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك. ثم ليعلمه خبرهما، فقبل أبوها ذلك منه. ثم قال للمؤدّب الموكل به خوّفه منى وشجعه على مراسلة المرأة! ففعل ذلك وفعلت الصبيّة ما أمرها به أبوها. فلما انتهت إلى التجنى عليه، وعلم الفتى السبب الذى كرهته له، أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرّماية وضرب الصوالجة حتّى مهر في ذلك. ثم رفع إلى أبيه أنه محتاج من الدوابّ والآلات والمطاعم والملابس والندماء إلى فوق ما عنده. فسرّ الملك بذلك، وأمر له بما طلب. ثم دعا مؤدّبه، فقال: إن الموضع الذى وضع به ابنى نفسه من حبّ هذه المرأة لا يزرى به. فتقدّم إليه أن يرفع ذلك إلىّ ويسألنى أن أزوّجه إياها. ففعل. ورفع الفتى ذلك إلى أبيه، فاستدعى أباها، وزوّجه بها، وأمر بتعجيلها إليه، وقال له:

стр. 581

إذا اجتمعت بها فلا تحدث شيئا حتّى آتيك! فلما اجتمع أتاه، فقال: يا بنىّ لا يضعنّ منها عندك مراسلتها إيّاك، وليست في حبالك! فإنى أنا أمرتها بذلك. وهى أعظم الناس منّة عليك، بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك، حتّى بلغت الحدّ الذى تصلح معه للملك بعدى. فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك! ففعل الفتى ذلك، وعاش مسرورا بالجارية، وعاش أبوه مسرورا به، وأحسن ثواب أبيها، ورفع مرتبته وشرفه بصيانة سره وطاعته، وأحسن جائزة المؤدّب، وعقد لابنه على الملك من بعده. قال اليمان: ثم قال لنا ذو الرياستين: سلوا الشيخ الآن: لم حملكم على العشق؟ فسألناه: فحدّثنا بحديث بهرام جور وابنه. فهذا ممن ارتفع بالهوى وترقّى بسببه إلى مرتبة الملك. وحكى ابن الجوزىّ أيضا، قال: حدّث القاسم بن محمد النّميرىّ، قال: ما رأيت شابا ولا كهلا من ولد العباس أصون لنفسه، وأضبط لجأشه وأعفّ لسانا وفرجا من عبد الله بن المعتزّ! وكان ربما عبثنا بالهزل في مجلسه، فجرى معنا فيه فيما لا يقدح به عليه قادح. وكان أكثر ما يشغل به نفسه سماع الغناء، وكان كثيرا ما يعيب العشق، ويقول: هو ضرب من الحمق! وكان إذا رأى منا من هو مطرق أو مفكّرا تهمه بالعشق ويقول: وقعت والله يا فلان! وقلّ عقلك وسخفت! إلى أن رأيناه، وقد حدث به سهو شديد، وفكر دائم، وزفير متتابع، وسمعناه ينشد أشعارا منها: مالى أرى الثّريّا ... ولا أرى الرّقيبا؟ يا مرسلا غزالا، ... أما تخاف ذيبا؟

стр. 582

وسمعناه مرة أخرى ينشد، وهو يشرب في إناء قد لفه، فاتهمناه فيه، وكتب عين هذا الشعر: ما قليل منك لى بقليل، ... يا منى عينى وغاية سولى! سل بحقّ الله عينيك عنّى: ... هل أحسّت في الهوى بقتيل؟ أنت أفسدت حياتى بهجر، ... ومماتى بحساب طويل! وأنشد: أسر الحبّ أميرا ... لم يكن قبل أسيرا. فارحموا ذلّ عزيز ... صار عبدا مستجيرا! وأنشد يوما، وقد راى دار بعض الناس، فقال: أيا داركم فيك من لذّة ... وعيش لنا، كان ما أطيبه! ومن قينة أفسدت ناسكا، ... وكانت له في التّقى مرتبه. وقال أيضا مرّة: لقد قتلت عيناك نفسا كريمة، ... فلا تأمنن إن متّ سطوة ثائر! كأنّ فؤادى في السّماء معلّق، ... إذا غبت عن عينى، بمخلب طائر. وأنشد يوما، وفي يده خاتم: حصلت منك على خا ... تم حوته البنان! فما يفارق كفّى ... كأنّه قهرمان. يا أهل ودّى بعدتم ... وأنتم جيران! قال النميرىّ: فقلت له: جعلنا الله فداك! هذه أشياء قد كنت تعيب أمثالها منا، ونحن الآن ننكرها منك! وكان يرجع عن بعض ذلك تصنعا، ثم لا يلبث

стр. 583

مستوره ان يظهر حتى تحقق عندنا عشقه، ودخل في طبقة المرحومين، فسمعته يوما ينشد: مكتوم، يا أحسن خلق الله ... لا تتركينى هكذا بالله! ثم تنفس إثر ذلك فأجبته: قد ظفر العشق بعبد الله ... وانهتك السّتر بحمد الله. فقل له: سمّ لنا سيّدى ... هذا الذى تهوى، بحقّ الله! فضحك وقال: لا، ولا كرامة! فكتبت إليه من الغد: بكت عينه وشكا حرقة ... من الوجد في القلب ما تنطفى. فقلت له: سيّدى، ما الذى ... أرى بك؟ قال: سقام خفى. فقلت: أعشق؟ فقال: اقتصر ... على ما ترى بى، أما تكتفى؟ فكتب إلىّ: يا من يحدّث عنّى ... بظنّ سمع وعين! إن كنت تخطب سرّى، ... فارجع بخفّى حنين! فكتبت إليه: هيهات لحظك عندى ... يقرّ فيه بعشقك! دع عنك خفّى حنين ... واحرص على حلّ ربقك! تعال نحتال فيما ... تهوى، برفقى ورفقك! وصرت إليه فقال: يا أبا طيب، قد عصيت إبليس أكثر مما عصى ربّه إلى أن أوقعنى في حبائله، فأنشدته:

стр. 584

من أين لا كان إبلي ... س جاءنى بك يسعى؟ أبداك لى من بعيد ... فقلت: طوعا وسمعا! فأخبرنى بقصته. فسعيت له بلطيف الحيلة وأعاننى بحزم الرأى حتّى فاز بالظفر. قال أبو بكر الصولى: اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائدا وقال: ما عراك، يا بنىّ؟ فأنشأ يقول: أيّها العاذلون، لا تعذلونى ... وانظروا حسن وجهها تعذرونى! وانظروا هل ترون أحسن منها، ... إن رأيتم شبيهها فاعذلونى! بى جنون الهوى، وما بى جنون ... وجنون الهوى جنون الجنون! قال: فتتبع أبوه الحال حتّى وقع عليها، فابتأع الجارية التى شغف بها بسبعة آلاف دينار، ووجّهها إليه. وحكى أن الرشيد كان له ثلاث جوار اشتدّ شغفه بهنّ، فقال العباس بن الأحنف على لسانه: ملك الثّلاث الآنسات عنانى ... وحللن من قلبى بكلّ مكان! مالى تطاوعنى البريّة كلّها، ... وأطيعهنّ وهنّ في عصيانى؟ ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه عززن أعزّ من سلطانى! أخذ المعنى والروىّ سليمان بن الحكم المستعين، أحد خلفاء بنى أمية بالأندلس، فقال: عجبا يهاب الليث حدّ سنانى، ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان! وأقارع الأهوال لا متهيّبا ... منها سوى الإعراض والهجران! وتملّكت نفسى ثلاث كالدّمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان!

стр. 585

ككواكب الظلماء لحن لناظر ... من فوق أغصان على كثبان. هذى الهلال، وتلك بنت المشترى ... حسنا، وهذى أخت غصن البان! حاكمت فيهنّ السّلوّ إلى الصّبا ... فقضى لسلطان على سلطان. فأبحن من قلبى الحمى وثنيننى ... عن عزّ ملكى كالأسير العانى. لا تعذلوا ملكا تذلّل في الهوى! ... ذلّ الهوى عزّ وملك ثانى! إن لم أطع فيهنّ سلطان الهوى ... كلفا بهنّ، فلست من مروان! وإذا الكريم أحبّ، أمّن إلفه ... خطب القلى وحوادث السّلوان! وقال العباس: لا عار في الحبّ إنّ الحبّ؛ مكرمة ... لكنّه ربّما أزرى بذى الخطر! وأما القسم المذموم منه، وهو الذى ثنّينا بذكره في صدر هذا الفصل فقد أكثر الناس القول في ذمه، وبيّنوا أسبابه. فقال ابن الجوزىّ: بيان ذمه أن الشىء إنما يعرف مذموما أو ممدوحا بتأمل ذاته وفوائده وعواقبه، وذات العشق لهج بصورة، وهذا ليس فيه فضيلة فتمدح، ولا فائدة في العشق للنفس الناطقة، إنما هو أثر غلبة النفس الشّهوانية. وقال بعض الحكماء: ليس العشق من أدواء الحصفاء الحكماء، إنما هو من امراض الخلعاء الذين جعلوا دأبهم ولهجهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإمراح النظر في المستحسنات من الصور. فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس، ثم تألف، ثم تتوق، ثم تلهج، فيقال «عشق» . وليس هذا من صفة الحكماء:

стр. 586

لأن الحكيم من استطال رأيه على هواه، وتسلطت حكمته على شهوته. فرعونات طبعه مقيّدة أبدا كصبىّ بين يدى معلمه أو عبد بمرأى سيده؛ وما كان العشق قط إلا لأرعن بطّال. وقلّ أن يكون لمشغول بصناعة أو بتجارة، فكيف لمشغول بالعلوم والحكم، فإنها تصرفه عن ذلك. ولهذا لا تكاد تجده في الحكماء. وقال ابن عقيل: العشق مرض يعترى النفوس العاطلة، والقلوب الفارغة المتلمحة للصور لدواع من النفس، ويساعدها إدمان المخالطة، فيتأكد الإلف ويتمكن الأنس، فيصير بالإدمان شغفا. وما عشق قط إلا فارغ. فهو من علل البظّالين وأمراض الفارغين من النظر في دلائل العبر، وطلب الحقائق؛ المستدل بها على عظم الخالق. ولهذا قلما تراه إلا في الرّعن البطرين، وأرباب الخلاعة النّوكى. وما عشق حكيم قط: لأن قلوب الحكماء أشدّ تمنعا عن أن توقفها صورة من صور الكون مع شدّة تطلبها، فهى أبدا تلحظ وتخطف ولا تقف. وقلّ أن يحصل عشق من لمحة، وقلّ أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرة، فإنه مارّ في طلب المعانى، ومن كان طالبا لمعرفة الله لا توقفه صورة عن الطلب لأنها تحجبه عن الصور. وقال ابن الجوزىّ: واعلم أن العشاق قد جاوزوا حدّ البهائم في عدم ملكة النفس فى الانقياد إلى الشهوات: لأنهم لم يرضوا أن يصيبوا شهوة الوطء وهى أقبح الشهوات عند النفس الناطقة من أىّ موضع كان حتى أرادوها من شخص بعينه فضمّوا شهوة إلى شهوة، وذلّوا للهوى ذلّا على ذل. والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها حسب. وهؤلاء استخدموا عقولهم في تدبير نيل شهواتهم. ثم قال: والعشق بيّن الضرر في الدّين والدنيا. أما في الدّين فإنه يشغل القلب عن الفكر فيما له خلق: من معرفة الله تعالى، والخوف منه، والقرب إليه. ثم ينفذ ما ينال

стр. 587

من موافقة غرضه المحرّم الذى يكون فيه خسران آخرته، ويعرّضه لعقوبة خالقه. فكلما قرب من هواه، بعد من مولاه. ولا يكاد العشق يقع في الحلال المقدور عليه فان وقع، فياسرعان زواله! قالت الحكماء: كل مملوك مملول. وقال الشاعر: وزادنى شغفا بالحبّ أن منعت ... أحبّ شىء إلى الإنسان مانحا. فان كان المعشوق لا يباح، اشتدّ القلق به والطلب له. فإن نيل منه غرض، فالعذاب الشديد في مقابلته. على أن بلوغ الغرض يزيد ألما فتربى مرارة الفراق على لذّة الوصال. كما قال الشاعر: كلّ شىء ربحته في التّدانى ... والتّلاقى، خسرته في الفراق. فإن منعه خوف الله تعالى عن نيل غرض، فالامتناع عذاب شديد فهو معذب فى كل حال. هذا ضرره في الدّين. وأما ضرره في الدّنيا فإنه يورث الهمّ الدائم، والفكر اللازم، والوسواس، والأرق، وقلة المطعم، وكثرة السهر. ويتسلط على الجوارح فتنشأ الصفرة في البدن، والرّعدة فى الأطراف، واللّجلجة في اللسان، والنّحول في الجسد. فالرأى عاطل، والقلب غائب عن تدبير مصلحة، والدموع هواطل، والحسرات تتتابع، والزّفرات تتوالى، والأنفاس لا تمتدّ، والأحشاء تضطرم. فإذا غشّى على القلب غشاء ثانيا أخرج إلى الجنون. وما أقربه حينئذ من التلف! قال: هذا، وكم جنى من جناية على العرض، ووهّن الجاه بين الخلق. وربما أوقع فى عقوبات البدن وإقامة الحدود. وقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهى كامنة في الدماغ والقلب والكبد.

стр. 588

وفي الدماغ ثلاثة مساكن: مسكن للتخيّل، وهو في مقدّم الرأس؛ ومسكن للفكر، وهو في وسطه؛ ومسكن للذّكر، وهو في مؤخّره. ولا يسمى عاشقا إلا من إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيله فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به. وقال الجاحظ: ذكر لى عن بعض حكماء الهند أنه قال: إذا ظهر العشق عندنا فى رجل أو امرأة، غدونا على أهله بالتعزية. قال: وبلغنى أن عاشقا مات بالهند عشقا، فبعث ملك الهند إلى المعشوق فقتله به. وقال الربعى: سمعت أعرابية تقول: مسكين العاشق! كل شىء عدوّه! هبوب الريح يقلقه، ولمعان البرق يؤرّقه، ورسوم الديار تحرقه، والعذل يؤلمه، والتذكّر يسقمه، والبعد والقرب يهيجه، والليل يضاعف بلاءه، والرقاد يهرب منه. ولقد تداويت بالقرب والبعد فلم ينجع فيه دواء، ولا عزّ بى عزاء. وقال شاعر: وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا ... يملّ، وأن النّأى يشفى من الوجد! بكلّ تداوينا، فلم يشف ما بنا! ... على أنّ قرب الدار خير من البعد! وأنشد المارستانىّ: إذا قربت دار كلفت، وإن نأت ... أسفت! فلا بالقرب أسلو ولا البعد!

стр. 589

وإن وعدت زاد الهوى لانتظارها، ... وإن بخلت بالوعد متّ على الوعد! ففى كلّ حبّ لا محالة فرحة، ... وحبّك ما فيه سوى محكم الجهد! وحكى الزبير بن بكّار قال: حدّثنى موهوب بن راشد قال: وقفت امرأة من بنى عقيل على أخت لها، فقالت لها: يا فلانة، كيف أصبحت من حبّ فلان؟ قالت: قلقل والله حبّه الساكن، وسكّن المتحرّك! ثم أنشدتها: ولو أنّ ما بى بالحصى فلق الحصى، ... وبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب! ولو أنّنى أستغفر الله كلّما ... ذكرتك لم يكتب على ذنوب! قالت: لا جرم والله، لا أقف حتّى أسأله كيف أصبح من حبّك! فجاءته فسألته فقال: إنما الهوى هوان، وإنما خولف باسمه، وإنما يعرف ما أقول من كان مثلى قد أبكته المعارف والطلول. وقال مسلم بن عبد الله بن جندب الهذلىّ: خرجت أنا وريان السوّاق إلى العقيق فلقينا نسوة نازلات من العقيق ذوات جمال وفيهن جارية حسناء العينين، فأنشد ريان قول أبىّ: ألا يا عباد الله، هذا أخوكم ... قتيل! فهلّا فيكم اليوم ثائر؟ خذوا بدمى إن متّ كلّ خريدة ... مريضة جفن العين، والطّرف ساحر! وأقبل علىّ، وأشار إليها فقال: يا ابن الكرام دم أبيك في أثوابها فلا تطلب أثرا بعد عين! قال: فأقبلت علىّ امرأة جميلة، أجمل من تيك، فقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن أسيرنا لا يفكّ، وقتيلنا لا يودى، فاحتسب أباك، واغتنم نفسك! ومضين.

стр. 590

ذكر شىء من الشعر المقول في ذمّ العشق والحب قال الأصمعىّ: سئل أعرابىّ عن الحبّ، فقال: وما الحب؟ وما عسى أن يكون؟ هل هو إلا سحر أو جنون. ثم قال: هل الحبّ إلا زفرة بعد زفرة، ... وحرّ على الأحشاء ليس له برد؟ وفيض دموع العين منّى كلّما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو؟ وقال: قلت لأعرابىّ: ما الحب؟ فقال: الحبّ مشغلة عن كلّ صالحة ... وسكرة الحبّ تنفى سكرة الوسن. وقال محمد بن عبد الله بن مبادر: من فتى أصبح في الحبّ ... سقاه الحبّ سمّا؟ كلّما أخفى جوى الحبّ ... ، عليه الدمع نمّا. ساهر لا يطعم النو ... م إذا الليل ادلهمّا. كلّما راقب نجما ... فهوى، راقب نجما. أنتمو همّى فإن لم ... تصلونى متّ غمّا. يا ثقاتى، خطم الحبّ ... لكم انفى وزمّا! يا أخى، دائى جوى الحبّ ... وداء الناس حمّى. لا تلم مفتضحا في ال ... حبّ، إن الحبّ أعمى! وقال محمد بن ابى أمية: فو الله، ما أدرى امن لوعة الهوى ... صبرت على التقصير أم ليس لى قلب؟ أقبّح أمرا، والفؤاد يودّه، ... أجنّ فؤادى في الهوى؟ بل هو الحبّ.

стр. 591

وقال أبو عبادة البحترىّ: قال بطلا وأفال الراى من ... لم يقل إن المنايا في الحدق! إن تكن محتسبا من قد ثوى ... بحمام، فاحتسب من قد عشق! وقال أبو تمام: أمّا الهوى فهو العذاب، فإن جرت ... فيه النّوى فالتّيم كلّ التّيم. وقال ابن أبى حصينة: والعشق يجتذب النفوس إلى الرّدى ... بالطّبع، واحسدا لمن لم يعشق! طرق الخيال فهاج لى بطروقه ... ولها، فليت خيالها لم يطرق! وقال صالح بن عبد القدّوس: عاص الهوى إن الهوى مركب ... يصعب بعد اللّين منه الذّلول! إن يجلب اليوم الهوى لذّة ... ففى غد منه البكا والعويل. وقال ابن المعتزّ: فكأنّ الهوى امرؤ علوىّ ... ظنّ أنّى وليت قتل الحسين! وكأنّى لديه نجل زياد ... فهو يختار أوجع القتلتين! وقال أبو عبد الله بن الحجاج: ويحك، يا قلبى ما أغفلك! ... تعشق من يعشق أن يقتلك؟ وأنت يا طرفى أوقعتنى، ... ويحك يا طرفى مالى ولك؟ قد كان من حقّ بكائى على ... تبتّلى بالحبّ أن يشغلك. حتّى توصلت لقتلى، فلا ... كنت ولا كان الذى أرسلك!

стр. 592

وقال عبد المحسن بن غالب الصورىّ: وكان ابتداء الذى بى مجونا، ... فلمّا تمكّن أمسى جنونا. وكنت أظنّ الهوى هيّنا ... فلاقيت منه عذابا مهينا. وقال أبو بكر بن محمد بن عمر العنبرىّ: يا صاح، إنّى مذ عرفت الهوى ... غرقت في بحر بلا ساحل! عينى لحينى نظرت نظرة ... رحت بها في شغل شاغل. علّقته في البيت من فارس؛ ... لكنّه في السّحر من بابل. يظلمنى، والعدل من شأنه! ... ما أوجع الظّلم من العادل! وقال آخر: من سرّه أن يرى المنايا ... بعينه منظرا صراحا. فليحس كأسا من التجنّى ... وليعشق الأوجه الملاحا! يا أعينا أرسلت مراضا ... فاختلست أعينا صحاحا! وقال آخر: ما أقتل الحبّ! والإنسان يجهله ... وكلّ ما لم يذقه فهو مجهول. راح الرّماة إلى بعض المها، فإذا ... بعض الرّماة ببعض الصّيد مقتول! وأما الآفات التى تجرى على العاشق من المرض والضّنا والجنون والمخاطرات بالنفوس وإلقائها إلى الهلاك، فهى كثيرة جدّا، مشاهدة ومسموعة. فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج بن الجوزىّ بسند يرفعه، قال: لما بعثت قريش عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشىّ يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين، فراسل عمارة جارية لعمرو بن العاص كانت معه فصغت إليه. فاطلع عمرو على ذلك

стр. 593

فوجد على عمارة. وكان عمارة أخبر عمرا أن زوجة النجاشىّ علقته وأدخلته إليها فوشى عمرو بعمارة عند النجاشىّ وأخبره بالخبر، فقال له النجاشىّ: ائتنى بعلامة أستدلّ بها على ما قلت! ثم عاد عمارة فأخبر عمرا بأمره وأمر زوجة النجاشىّ، فقال له عمرو: لا أقبل هذا منك إلا أن تعطيك من دهن الملك الذى لا يدّهن به غيره. فكلمها عمارة فى ذلك، فقالت: أخاف من الملك فأبى أن يرضى منها حتّى تعطيه من ذلك الدّهن فأعطته منه فأعطاه عمرا فجاء به عمرو إلى النجاشىّ فنفخ سحرا في إحليل عمارة. فذهب مع الوحش (فيما تقول قريش) فلم يزل متوحّشا يرد ماء في جزيرة بأرض الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبى ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على الماء فأخذه فجعل يصيح به: يا بجير أرسلنى! فإنى أموت إن أمسكتنى! فأمسكه فمات في يده. وحكى عن محمد بن زياد الأعرابىّ قال: رأيت بالبادية أعرابيا في عنقه تمائم وهو عريان وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل ومن خلفه عجوز آخذة بطرف الحبل وهو يعضّ ذراعيه، فقلت للعجوز: من هذا؟ فقالت: ابن ابنتى! فقلت لها: أبه مسّ من الجنّ؟ فقالت: لا والله ولكنه نشأ وابنة عمّ له في مكان واحد، فعلّقها وعلّقته. فحبسها أهلها ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى ما ترى! فقلت لها: ما اسمه قالت: عكرمة. فقلت: أيا عكرمة ما أصابك؟ قال: أصابنى داء قيس وعروة وجميل: فالجسم منى نخيل، والفؤاد عليل. قال: فتركته ومضيت. وحكى عن عباس بن عبيد، قال: كان بالمدينة جارية ظريفة حاذقة بالغناء فهويت فتى من قريش، فكانت لا تفارقه ولا يفارقها. فملّها الفتى وفارقها، وتزايدت محبتها له حتى ولهت. وتفاقم الأمر بها حتّى هامت على وجهها ومزّقت ثيابها، فرآها مولاها فى ليلة من الليالى، وهى تدور في السّكك ومعه أصحاب له، فجعلت تبكى وتقول:

стр. 594

الحبّ أوّل ما يكون لجاجة ... تأتى به وتسوقه الأقدار. حتّى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار. قال: فما بقى أحد إلا رحمها. فقال لها مولاها: يا فلانة، امضى معنا إلى بيتنا! فأبت وقالت: شغل الحلى أهله أن يعارا قال: وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها جارية أخرى مجنونة فقالت لها: فلانة، كيف أنت؟ قالت: كما لا أحب، فكيف أنت من ولهك وحبّك؟ قالت: على ما لم يزل، يتزايد على مرّ الأيام! قالت لها: فغنّى بصوت من أصواتك فإنى قريبة. الشّبه بك! فأخذت قصبة توقّع بها وغنّت: يا من شكا ألما للحبّ شبّهه ... بالنار في القلب من حزن وتذكار! إنّى لأعظم ما بى أن أشبّهه ... شيئا يقاس إلى مثل ومقدار. لو أنّ قلبى في نار لأحرقها، ... لأنّ أجزاءه أذكى من النّار! ثم مضت. وحكى عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: قدم علىّ بنيسابور إبراهيم بن سبابة الشاعر البصرى. فأنزلته علىّ فجاء ليلة من الليالى وهو مكروب قد هاج. فجعل يصيح بى: يا أبا أيوب! فخشيت أن يكون قد غشيته بلية، فقلت: ما تشاء؟ فقال: أعيانى الشادن الرّبيب! فقلت: بماذا؟ فقال: أشكو إليه فلا يجيب! فقلت: داره وداوه!

стр. 595

فقال: من أين أبغى شفاء دائى؟ ... وإنما دائى الطّبيب! فقلت: إذن يفرّج الله ! فقال: يا ربّ، فرّج إذا وعجّل، ... فإنّك السامع المجيب! ثم انصرف. وحدث عن على بن محمد النوفلىّ عن أبى المختار عن محمد بن قيس العبدىّ، قال: إنى لبمزدلفة بين النائم واليقظان إذا سمعت بكاء حرقا وغناء عاليا. فاتبعت الصوت فإذا أنا بجارية كأنها الشمس حسنا ومعها عجوز. فلطئت بالأرض لأمتع عينى بحسنها، فسمعتها تقول: دعوتك يا مولاى سرا وجهرة ... دعاء ضعيف القلب عن محمل الحبّ! بليت بقاسى القلب لا يعرف الهوى ... وأقتل خلق الله للهائم الصبّ! فإن كنت لم تقض المودّة بيننا ... فلا تخل من حبّ له أبدا قلبى! رضيت بهذا ما حييت فإن أمت ... فحسبى معادا في المعاد به حسبى! قال: وجعلت تردّد هذه الأبيات وتبكى، فقمت إليها وقلت: بنفسى من أنت؟ مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين؟ قالت: نعم! والله إنه يفعل تصبرا وفي قلبه أكثر مما في قلبى! قلت: فإلى كم البكاء؟ قالت: أبدا! أو يصير الدمع دما وتتلف نفسى غما. فقلت: إن هذه آخر ليلة من ليالى الحج، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه، رجوت أن يذهب حبه من قلبك! قالت: يا هذا، عليك بنفسك في طلب رغبتك، فإنى قد قدّمت رغبتى إلى من ليس يجهل بغيتى! وحوّلت وجهها عنى، وأقبلت على بكائها وشعرها.

стр. 596

وحكى أبو الفرج، عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزىّ في كتابه المترجم ب «ذمّ الهوى» بسند رفعه إلى هشام بن عروة، قال: أذن معاوية بن أبى سفيان يوما للناس، فكان فيمن دخل عليه فتى من بنى عذرة. فلما أخذ الناس مجالسهم، قام الفتى العذرىّ بين السماطين فأنشأ يقول: معاوى، يا ذا الفضل والحلم والعقل ... وذا البرّ والإحسان والجود والبذل! أتيتك لمّا ضاق في الأرض مسكنى ... وأنكرت مما قد أصبت به عقلى. ففرّج- كلاك الله- عنّى فإننى ... لقيت الذى لم يلقه أحد قبلى! وخذ لى- هداك الله- حقّى من الذى ... رمانى بسهم كان أهونه قتلى! وكنت أرجّى عدله إن أتيته ... فأكثر تردادى مع الحبس والكبل! سبانى سعدى وانبرى لخصومتى ... وجار ولم يعدل وغاصبنى أهلى. فطلّقتها من جهد ما قد أصابني! ... فهذا أمير المؤمنين من العدل؟ فقال معاوية: أدن بارك الله عليك! ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إننى رجل من بنى عذرة، تزوّجت ابنة عمّ لى. وكانت لى صرمة من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتنى نائبة الزمان وحادثات الدهر، رغب عنى أبوها. وكانت جارية فيها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها. فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخا به راجيا لنصرته. فذكرت له قصتى، فأحضر أباها وسأله عن قضيتى. وكان قد بلغه جمالها، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لك، وزوّجنى بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابىّ! فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لى خصما وعلىّ منكرا! فانتهرنى وأمر بى إلى السجن وأرسل إلىّ أن أطلقها فلم أفعل. فحبسنى وضيق علىّ وعذبنى بأنواع العذاب، فلما أصابنى مسّ الحديد وألم العذاب ولم أجد

стр. 597

بدّا عن ذلك، طلقتها. فما استكملت عدّتها حتّى تزوّج بها. فلما دخل بها أرسل إلىّ فأطلقنى. وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيرا بك، وأنت غياث المكروب، وسند المسلوب. فهل من فرج؟ ثم بكى وقال في بكائه: فى القلب منّى نار ... والنار فيها استعار! والجسم منّى نحيل ... واللون فيه اصفرار. والعين تبكى بشجو ... فدمعها مدرار. والحبّ داء عسير ... فيه الطّبيب يحار. حمّلت منه عظيما ... فما عليه اصطبار. فليس ليلى ليلا ... ولا نهارى نهار! فرقّ له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتابا غليظا، وكتب في آخره: ركبت أمرا عظيما لست أعرفه ... أستغفر الله من جور امرئ زانى! قد كنت تشبه صوفيّا له كتب ... من الفرائض أو آيات فرقان. حتّى أتانا الفتى العذرىّ منتحبا ... يشكو إلىّ بحقّ غير بهتان. أعطى الإله عهودا لا أخيس بها: ... أو لا فبرّئت من دين وإيمان! إن أنت راجعتنى فيما كتبت به ... لأجعلنّك لحما بين عقبان! طلّق سعاد، وجهّزها معجّلة ... مع الكميت، ومع نصر بن ذبيان! فما سمعت كما بلّغت من عجب ... ولا فعالك حقّا فعل إنسان! ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر بن ذبيان وقال: اذهبا به إليه! قال: فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم وقرأه تنفس الصّعداء، وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلّى بينى وبينها سنة ثم عرضنى على السيف! وجعل يؤامر نفسه

стр. 598

فى طلاقها فلا يقدر. فلما أزعجه الوفد طلقها وأسلمها إليهما. فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت عليه من الجمال المفرط، قالوا: لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين! وكتب ابن الحكم كتابا لأمير المؤمنين معاوية، ودفعه إليهما مع الجارية. فكان مما كتب فيه يقول: لا تحنثنّ أمير المؤمنين فقد ... أوفى بعهدك في رفق وإحسان. وما ركبت حراما حين أعجبنى، ... فكيف سمّيت باسم الخائن الزانى؟ أعذر فانك لو أبصرتها لجرت ... منك الأمانى على تمثال إنسان! وسوف تأتيك شمس ليس يعدلها ... عند البريّة من إنس ومن جان! حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت، ... أقول ذلك في سرّ وإعلان! فلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه، قال: لقد أحسن في الطاعة، ولكن أطنب فى ذكر الجارية! ولئن كانت أعطيت حسن النّغمة مع هذا الوصف الحسن فهى أكمل البرية! فأمر بإحضارها، فلما مثلت بين يديه، استنطقها فإذا هى أحسن الناس كلاما وأكملهم شكلا ودلالا. فقال: يا أعرابىّ، هذه سعدى! ولكن هل لك عنها من سلوة بأفضل الرغبة؟ قال نعم، إذا فرّقت بين رأسى وجسدى! فقال: أعوّضك عنها يا أعرابىّ ثلاث جوار أبكار ومع كل واحدة ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهنّ. فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات. فقال له: ما بالك يا أعرابىّ؟ قال: أشرّبال وأسوأ حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فعند من أستجير من جورك؟ ثم أنشأ يقول: لا تجعلنى والأمثال تضرب بى ... كالمستغيث من الرّمضاء بالنار! اردد سعاد على حيران مكتئب ... يمسى ويصبح في همّ وتذكار!

стр. 599

قد شفّه قلق ما مثله قلق. ... وأسعر القلب منه أىّ إسعار! كيف السّلوّ، وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبّار؟ قال: فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال: يا أعرابىّ، أنت مقرّ بأنك طلقتها! ومروان مقرّ بأنه طلقها، ونحن نخيرها فان اختارتك أعدناها إليك بعقد جديد، وإن اختارت سواك زوّجناه بها. ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال: ما تقولين، يا سعدى؟ أيما أحبّ إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وسلطانه وما تصيرين إليه عنده، أو مروان بن الحكم في عسفه وجوره، أو هذا الأعرابى في فقره وسوء حاله؟ فأنشأت تقول: هذا [١] ، وان كان في فقر وإضرار، ... أعزّ عندى من قومى ومن جارى! وصاحب التّاج أو مروان عامله ... وكلّ ذى درهم عندى ودينار! ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدزات الأيام! وإن لى معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى! والله إنى لأحق من صبر معه في الضراء كما تنعّمت معه في السرّاء! فعجب كلّ من كان حاضرا. فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد، وأمر لهما بألف دينار. فأخذها وانصرف يقول: خلّوا عن الطّريق للأعرابى! ... ألم ترقّوا، ويحكم ممّا بى؟ قال: [٢] فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابى.

стр. 600

ولقد ساق ابن الجوزى في كتابه من أخبار العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا، وقصّ كثيرا من أخبارهم، تركنا إيراد ذلك رغبة في الاختصار، لأنه أمر غير منكور. وأما من خاطر بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه، فمن ذلك ما روى عن أبى ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال: كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوسا عامّا للناس: فبينا هو جالس في مستشرف له وقد ادخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصّة غير مترجمة. فيها: «إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنينى ثلاثة أصوات ثم ينفذ فىّ ما شاء من حكمه، فعل!» . فاستشاط من ذلك غضبا وغيظا، وقال: يا رباح! علىّ بصاحب هذه القصة! فخرج الناس جميعا فأدخل عليه غلام كما عذّر، من أحسن الفتيان، فقال له عبد الملك: يا غلام، هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وما الذى غرّك منّى؟ والله لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة! ثم قال: علىّ بالجارية فجىء بها كأنها فلقة قمر! وبيدها عودها ووضع لها كرسىّ، فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال لها: يا جارية، غنينى بشعر قيس بن ذريح: لقد كنت حسب النفس، لو دام ودنا؛ ... ولكنما الدنيا متاع غرور! وكنّا جميعا قبل أن يظهر الهوى ... بأنعم حالى غبطة وسرور. فما برح الواشون حتّى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة لظهور.
следующие страницы →