Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
فجسّها بيده- وكان ضرير البصر- ونحّى الصّبىّ عنها، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم صلّى الصبح مع النبىّ ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : قتلت بنت مروان؟ قال: نعم، فهل علىّ فى ذلك شىء؟ قال: لا ينتطح فيها عنزان «١» .
قال محمد بن إسحاق: فرجع عمير بن عدىّ إلى قومه، وبنو خطمة يومئذ كثير موجهم «٢» في شأن ابنه مروان، ولها يومئذ بنون خمسة رجال، فقال:
يا بنى خطمة، أنا قتلت ابنة مروان، فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون «٣» . قال: فذلك اليوم أوّل ما عزّ الإسلام فى دار بنى خطمة، وكان من أسلم منهم يستخفى بإسلامه، وعمير هو أوّل من أسلم من بنى خطمة. قال: وأسلم يوم قتلها رجال من بنى خطمة لما رأوا من عزّ الإسلام.
ذكر سريّة سالم بن عمير العمرىّ إلى أبى عفك اليهودىّ
قال ابن سعد: كانت سريّة سالم فى شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وكان أبو عفك «٤» من بنى عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان «٥» يحرّض على رسول الله ﷺ ويقول الشعر، فقال سالم
стр. 5812
ابن عمير- وهو أحد البكّائين «١» وقد شهد بدرا-: علىّ نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه؛ فجاء وقد نام أبو عفك بالفناء فى ليلة صائفة، فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خشّ فى الفراش، فصاح [عدوّ الله «٢» ] ، فثار إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه.
ذكر غزوة بنى قينقاع
(وهى بضم النون وقيل بكسرها «٣» ) غزاها رسول الله ﷺ فى يوم السبت النصف من شوّال على رأس عشرين شهرا من مهاجره.
قال ابن سعد: وكانوا حلفاء عبد الله بن أبىّ بن سلول، وكانوا أشجع يهود، وكانوا صاغة، فوادعوا رسول الله ﷺ ، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد، ونبذوا العهد والمدّة، فأنزل الله تعالى على نبيّه ﷺ : (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) «٤» .
وقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق فى سبب غزوة بنى قينقاع: إن رسول الله ﷺ جمعهم بسوق بنى قينقاع «٥» ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله
стр. 5813
مثل ما نزل بقريش من النّقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنّى نبىّ مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم؛ قالوا: يا محمد، لا يغرّنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنّا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس.
فأنزل الله تعالى فيهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ «١» )
. حكاه ابن إسحاق بسند يرفعه إلى ابن عباس.
وقال ابن هشام فى سبب هذه الغزاة: إنّ امرأة من العرب حلّت بجلب «٢» لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضبهم، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.
عدنا إلى مساق حديث ابن سعد؛ قال: فسار رسول الله ﷺ إليهم، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى القعدة، وكانوا أوّل من غدر من اليهود، وحاربوا وتحصّنوا فى حصنهم، فحاصرهم أشدّ الحصار، حتى قذف الله فى قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، وأن لرسول الله ﷺ أموالهم، وأن لهم النساء والذّرّيّة، فأمر
стр. 5814
بهم فكتفوا، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السّلمى. فكلّم عبد الله بن أبىّ فيهم رسول الله ﷺ وألحّ عليه، فقال: خذهم، لعنهم الله «١» ؛ وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، وولّى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات «٢» ، فما كان أقلّ بقاءهم فيها.
وقال ابن إسحاق فى خبر عبد الله بن أبىّ بن سلول: إنه قام إلى رسول الله ﷺ حين أمكنه الله من بنى قينقاع، فقال: يا محمد، أحسن فى موالىّ.
وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، أحسن فى موالىّ. قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده فى جيب درع «٣» النبى ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : أرسلنى، وغضب حتى ظهر ذلك فى وجهه، ثم قال: ويحك! أرسلنى؛ قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن فى موالىّ، أربعمائة حاسر «٤» وثلاثمائة دارع «٥» ، قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم فى غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله ﷺ : هم لك.
وحكى أيضا قال: كان لبنى قينقاع من عبادة بن الصامت من الحلف مثل الذى لهم من عبد الله بن أبىّ، فمشى عبادة إلى رسول الله ﷺ وتبرّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: أتولّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. فأنزل الله تعالى فيه وفى عبد الله بن أبىّ:
стр. 5815
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ «١» )
إلى قوله: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ «٢» )
وذلك لعبادة بن الصامت.
قال محمد بن سعد: وأخذ رسول الله ﷺ [من سلاحهم «٣» ] ثلاث قسىّ، منها: الكتوم، كسرت بأحد، والرّوحاء، والبيضاء، وأخذ درعين:
الصّغديّة، وأخرى فضّة؛ وأخذ ثلاثة أسياف: سيف قلعىّ «٤» ، وسيف يقال له:
بتّار؛ وسيف آخر؛ وثلاثة أرماح، ووجد فى حصنهم سلاحا كثيرا وآلة الصّياغة، فأخذ ﷺ صفيّة «٥» والخمس، وفضّ «٦» أربعة أخماس على أصحابه، وكان الذى تولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة.
ذكر غزوة السّويق
قال محمد بن سعد: خرج رسول الله ﷺ من المدينة لخمس خلون من ذى الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرّم الدّهن حتى يثأر من محمد وأصحابه.
стр. 5816
قال ابن إسحاق: نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة «١» حتى يغزو محمدا ﷺ .
قال ابن سعد: فخرج فى مائتى راكب، وقيل: فى أربعين راكبا، فمرّ بالعريض،- بينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال- فقتل رجلا من الأنصار، وأجيرا له، وحرّق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلّت، ثم ولّى هاربا، وبلغ ذلك النبىّ ﷺ ، فخرج فى مائتى رجل من المهاجرين والأنصار فى أثرهم، وجعل أبو سفيان [وأصحابه «٢» ] يتخفّفون للهرب «٣» فيلقون جرّب السويق «٤» وهى عامّة أزوادهم، فأخذها المسلمون؛ فسمّيت غزوة السويق، ولم يلحقهم وانصرف. وكانت غيبته عن المدينة خمسة أيام.
قال محمد بن إسحاق: بلغ قرقرة الكدر «٥» ثم انصرف راجعا، فقال المسلمون حين رجع بهم: يا رسول الله، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: نعم.
ذكر غزوة قرقرة الكدر ويقال قرارة الكدر وهى غزوة بنى سليم
غزاها رسول الله ﷺ للنّصف من المحرّم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره، وهى ناحية معدن بنى سليم، وبينه وبين المدينة ثمانية برد، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، وحمل لواءه علىّ بن أبى طالب، وكان
стр. 5817
قد بلغ رسول الله ﷺ أن بهذا الموضع جمعا من بنى سليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد فى المحالّ أحدا، ووجد رعاء»
منهم غلام يقال له: يسار، فانصرف رسول الله ﷺ وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة، فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النّعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وصار يسار فى سهم النبىّ ﷺ ، فأعتقه حين رآه يصلى. وكانت غيبة رسول الله ﷺ عن المدينة خمس عشرة ليلة.
ذكر مقتل كعب بن الأشرف اليهودىّ وخبر سريّته
قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق وأبو محمد عبد الملك بن هشام ومحمد بن سعد- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض-: كانت سريّة قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهرا من هجرة رسول الله ﷺ . وذلك أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبىّ ﷺ وأصحابه ويحرّض عليهم ويؤذيهم، وكان لما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشير بن إلى من بالمدينة من المسلمين بخبر بدر، فقال كعب بن الأشرف- وكان رجلا من طيئ، ثم أحد بنى نبهان، وكانت أمّه من بنى النّضير «٢» -: أحقّ هذا؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء أشراف العرب
стр. 5818
وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
فلما تيقّن الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطّلب بن أبى وداعة السّهمى، وجعل يحرّض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار «١» ويبكى أصحاب القليب من قريش.
ثم رجع إلى المدينة فشبّب «٢» بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اكفنى ابن الأشرف بما شئت» ؛ وقال: «من لى بابن الأشرف فقد آذانى» ؟ فقال محمد بن مسلمة، أخو بنى عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله؛ قال: «فافعل إن قدرت «٣» على ذلك» . فرجع [محمد بن «٤» ] مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يمسك رمقه؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال له: «لم تركت الطعام والشّراب» ؟ فقال: يا رسول [الله «٥» ] ؛ قلت لك قولا لا أدرى هل أفى لك به أولا؟ قال: «إنما عليك الجهد» قال: يا رسول الله؛ لا بدّ لنا من أن نقول «٦» ، قال: «قولوا ما بدا لكم، فأنتم فى حلّ من ذلك» . فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش- وكان أخا كعب من
стр. 5819
الرّضاعة- وعبّاد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر «١» ، أخو بنى حارثة، فقدّموا إليه سلكان بن سلامة، فجاءه فتحدّث معه ساعة، وتناشدا شعرا، ثم قال أبو نائلة سلكان: ويحك يابن الأشرف! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عنى؛ قال: أفعل، قال: قد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا «٢» عن قوس واحدة، وقطعت عنا السّبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛ فقال كعب:
أنا ابن الأشرف، والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول؛ فقال له سلكان: إنّا نريد التّنحى منه، ومعى رجال من قومى على مثل رأيى، وقد أردت أن آتيك بهم، فنبتاع منك طعاما وتمرا، ونرهنك مايكون لك فيه ثقة ووفاء؛ فقال أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشبّ أهل يثرب وأعطرهم؛ فقال: هذا رهينة وسق «٣» ، وهذا رهينة وسقين، ولكنّا نرهنك سلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح؛ فقال: نعم إن فى الحلقة «٤» لوفاء، وإنما أراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، ثم رجع سلكان إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه عند رسول الله ﷺ ، ففعلوا.
ومشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع «٥» الغرقد، ثم وجههم وقال:
انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ورجع ﷺ إلى بيته، وتوجّهوا،
стр. 5820
وكانت ليلة مقمرة، حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب فى ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون فى هذه الساعة؛ قال: إنّه أبو نائلة، لو وجدنى نائما ما أيقظنى؛ فقالت: والله إنى لأعرف فى صوته الشرّ، فقال لها:
لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب.
وفى حديث البخارىّ من رواية سفيان «١» عن عمرو عن جابر بن عبد الله قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم؛ فقال: إنما هو أخى محمد بن مسلمة، ورضيعى أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب؛ قالوا: ونزل إليهم فتحدّثوا معه ساعة ثم قالوا: هل لك يابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب «٢» العجوز فنتحدّث به بقيّة ليلتنا. فقال: إن شئتم. فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم وضع أبو نائلة [يده «٣» ] فى فود رأس ابن الأشرف، ثم شمّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قطّ من هذا! فقال: هذا عطر أمّ فلان، يريد امرأته، ثم مشى قليلا وعاد لمثلها حتى اطمأنّ، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه وقال: اضربوا عدوّ الله.
فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا «٤» في سيفى حين رأيت أسيافنا لم تغن، فأخذته وقد صاح عدوّ الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فوضعته فى ثنّته «٥» ، ثم تحاملت عليه حتى انتهى إلى عانته «٦» . ثم حزّوا رأسه وحملوه معهم؛ وأصيب الحارث بن أوس، فجرح فى رأسه أو رجله، أصابه بعض أسياف أصحابه
стр. 5821
قال محمد بن مسلمة: فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد، ثم على بنى قريظة ثم على بعاث «١» حتى استندنا «٢» في حرّة «٣» العريض، وقد أبطأ علينا الحارث، ونزفه «٤» الدم فوقفنا له ساعة حتى أتانا فاحتملناه وجئنا به.
قال ابن سعد: فلما بلغوا بقيع الغرقد كبّروا، وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلى، فلما سمع تكبيرهم كبّر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله ﷺ فقال: «أفلحت الوجوه» قالوا: وجهك «٥» يا رسول الله؛ ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله.
قال ابن إسحاق، قال محمد بن مسلمة: وتفل رسول الله ﷺ على جرح صاحبنا فبرأ، فرجعنا إلى أهلينا، فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهودىّ إلا وهو خائف على نفسه.
وفى مقتل كعب بن الأشرف يقول عبّاد بن بشر:
صرخت به فلم يعرض لصوتى ... وأوفى طالعا من رأس جدر «٦»
فعدت له فقال من المنادى ... فقلت أخوك عبّاد بن بشر
وهذى درعنا رهنا فخذها ... لشهر إن وفى أو نصف شهر
стр. 5822
فقال معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغنى من غير فقر
فأقبل نحونا يهوى سريعا ... وقال: أما «١» لقد جئتم لأمر
وفى أيماننا بيض حداد ... مجرّبة بها الكفار نفرى «٢»
فعانقه ابن مسلمة المردّى ... به الكفار كالليث الهزبر
وشدّ بسيفه صلتا عليه ... فقطّره أبو عبس بن جبر «٣»
فكان الله سادسنا فأبنا ... بأنعم نعمة وأعزّ نصر
وجاء برأسه نفر كرام ... هم ناهيك «٤» من صدق وبرّ
ذكر غزوة غطفان إلى نجد (وهى غزوة «٥» ذى أمر؛
ناحية النّخيل، وقصة دعثور بن الحارث «٦» غزاها رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل «٧» على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا
стр. 5823
من بنى ثعلبة ومحارب بذى أمر تجمّعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ . جمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث من بنى محارب، فندب رسول الله ﷺ الناس، وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل فى أربعمائة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فأصابوا رجلا منهم بذى»
القصّة يقال له جبار من بنى ثعلبة، فأدخل على رسول الله ﷺ فأخبره من خبرهم «٢» وقال:
لن يلاقوك، لو سمعوا بمسيرك هربوا فى رءوس الجبال، وأنا سائر معك. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فأسلم وضمّه إلى بلال، ولم يلاق ﷺ أحدا.
قال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقىّ، ﵀: وهربت منه الأعراب فوق ذروة من الجبال، ونزل رسول الله ﷺ ذا امر وعسكربه فأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله ﷺ لحاجته، فأصابه ذلك المطر فبلّ ثوبه، وقد جعل رسول الله ﷺ وادى ذى أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجفّ، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله ﷺ ؛ فقالت الأعراب لدعثور، وكان سيّدها وأشجعها: قد أمكنك محمد، وقد انفرد من أصحابه حيث إن غوّث «٣» بأصحابه لم يغث حتى تقتله؛ فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك منّى اليوم؟ قال: الله. ودفع جبريل فى صدره فوقع
стр. 5824
السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ وقام على رأسه، فقال: من يمنعك منى؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه ثم قال: والله لأنت خير منى. قال رسول الله ﷺ : أنا أحق بذلك منك. فأتى قومه، فقالوا: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف فى يدك؟
قال: قد كان والله ذلك رأيى، ولكن نظرت إلى رجل أبيض «١» طويل فدفع فى صدرى فوقعت لظهرى، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه؛ وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ونزلت هذه الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ «٢» )
الآية. ثم أقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
ذكر غزوة بنى سليم بجران «٣»
غزاها رسول الله ﷺ لستّ خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره- وبحران من ناحية الفرع «٤» ، وبين الفرع وبين المدينة ثمانية برد- وذلك أنه بلغه أن بها جمعا كثيرا من بنى سليم، فخرج فى ثلاثمائة رجل من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم وأغدّ «٥» السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا فى مياههم، فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال.
стр. 5825
ذكر سريّة زيد بن حارثة إلى القردة
(بالقاف، وضبطه ابن الفرات بالفاء وكسر الراء المهملة) بعثه رسول الله ﷺ لهلال جمادى الآخرة، على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة، وهى أوّل سريّة خرج زيد فيها أميرا يعترض لعير قريش فيها صفوان بن أميّة، وحويطب بن عبد العزّى، وعبد الله بن أبى ربيعة، ومعه مال كثير، وكان دليلهم فرات بن حيّان العجلىّ، فخرج بهم على ذات عرق، طريق العراق.
قال ابن إسحاق: وفيها أبو سفيان بن حرب، وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم الذى كانوا يسلكون إلى الشام حين «١» وقعة بدر فكانوا يسلكون طريق العراق، فخرج منهم تجّار، وفيهم أبو سفيان بن حرب معه فضّة كثيرة، وهى أعظم تجارتهم.
قال ابن سعد: فبلغ النبىّ ﷺ ذلك، فوجّه زيد بن حارثة فى مائة راكب، فاعترضوا لها، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير على رسول الله ﷺ فخمسّها، فبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم، وقسم ما بقى بين «٢» أهل السريّة، وأسر فرات بن حيّان، فأسلم، فترك من القتل.
والقردة: من أرض نجد بين الرّبذة والغمرة.
стр. 5826
ذكر غزوة أحد
قال محمد بن سعد فى طبقاته: كانت غزوة رسول الله ﷺ أحدا يوم السبت لسبع خلون من شوّال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره ﷺ .
وقال ابن إسحاق: كانت يوم السبت للنصف من شوّال.
وذلك أن قريشا لما أصيب من أصيب منهم يوم بدر، ورجع من نجا منهم إلى مكة، وجدوا العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة فى دار النّدوة، فمشت أشراف قريش إلى أبى سفيان، فقالوا: نحن طيّبوا أنفس أن تجهّزوا بربح هذه «١» العير جيشا إلى محمد؛ فقال أبو سفيان: وأنا أوّل من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف معى؛ فباعوها فكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، فسلّم إلى أهل العير رءوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون فى تجارتهم للدينار دينارا.
قال ابن سعد وغيره: وفيهم نزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ «٢» )
وبعثت قريش رسلهم إلى العرب يدعونهم «٣» إلى نصرهم فأوعبوا «٤» وألبوا «٥» .
قال ابن سعد: وكتب العبّاس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ بخبر قريش، فأخبر رسول الله ﷺ سعد بن الرّبيع بكتاب
стр. 5827
العباس. وأرجف «١» المنافقون واليهود بالمدينة، وخرجت قريش من مكة بحدّها «٢» وجدّها وأحابيشها «٣» ، ومن تابعها من كنانة وأهل تهامة، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس «٤» وثلاثة آلاف بعير، وخرجوا معهم بالظّعن «٥» التماس الحفيظة «٦» ، وألا يفرّوا، وكان معهم خمس عشرة امرأة، فخرج أبو سفيان ابن حرب- وهو قائد الناس- «٧» معهم بهند بنت عتبة، وخرج عكرمة بن أبى جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أميّة ببرّة «٨» بنت مسعود بن عمرو ابن عمير الثّقفيّة، وهى أم عبد الله بن صفوان، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبّه بن الحجّاج، وهى أم عبد الله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبى طلحة- عبد الله بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار- بسلافة بنت سعد بن شهيد «٩» الأنصاريّة، وخرجت خناس بنت مالك بن المضرّب «١٠»
стр. 5828
مع ابنها «١» أبى عزيز بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى «٢» نساء بنى الحارث ابن عبد مناة.
قال محمد بن إسحاق: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيّا، يقال له: وحشىّ، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلّما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمد بعمىّ طعيمة بن عدى فأنت عتيق.
فكانت هند بنت عتبة كلّما مرّت بوحشىّ أو مر بها، قالت: ويها «٣» أبا دسمة؛ اشف واستشف، وكان وحشىّ يكنى بأبى دسمة.
قال ابن سعد: وشاع خبرهم ومسيرهم فى الناس حتى نزلوا ذا الحليفة، فبعث رسول الله ﷺ أنسا ومؤنسا ابنى فضالة، ليلة الخميس لخمس مضين من شوّال عينين له، فأتيا رسول الله ﷺ بخبرهم، وأنهم قد خلّوا إبلهم وخيلهم فى الزرع الذى بالعريض «٤» حتى تركوه ليس به خضراء، ثم بعث الحباب ابن المنذر [بن الجموح فدخل فيهم «٥» ] فخزرهم، وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، فى عدّة ليلة الجمعة، عليهم السلاح فى المسجد بباب رسول الله ﷺ ، وحرست المدينة حتى أصبحوا، ورأى رسول الله ﷺ تلك الليلة كأنّه فى درع حصينة، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انقصم من عند ظبته، وكأن بقرا تذبح، وكأنه مردف كبشا فأخبر بها أصحابه وأوّلها، فقال: أما الدّرع الحصينة فالمدينة، وأما انقصام سيفى
стр. 5829
فمصيبة فى نفسى، وأما البقر التى تذبح فقتل فى أصحابى، وأما مردف كبشا، فكبش الكتيبة يقتله [الله «١» ] إن شاء الله: فكان رأى رسول الله ﷺ ألا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحبّ أن يوافق على «٢» رأيه، فاستشار أصحابه فى الخروج، فأشار عبد الله بن أبىّ بن سلول ألا يخرج، وكان ذلك رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله ﷺ : امكثوا فى المدينة، واجعلوا النساء والذرارىّ فى الآطام»
. فقام فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، فطلبوا من رسول الله ﷺ الخروج إلى عدوّهم ورغبوا فى الشهادة، وقالوا: اخرج بنا إلى عدوّنا لا يرون أنّا [قد «٤» ] جبنّا عنهم وضعفنا. فغلبوا على الأمر، فصلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس ووعظهم وأمرهم بالجدّ والجهاد «٥» ، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتّهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس بالشخوص، ثم صلّى بالناس العصر، وقد حشدوا، وحضر أهل العوالى «٦» ، ثم دخل رسول الله ﷺ بيته ومعه أبو بكر وعمر، فعمّاه وألبساه «٧» ، وصفّ «٨» الناس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد ابن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء، فردّوا الأمر إليه. فخرج رسول الله ﷺ قد لبس لأمته «٩» ، وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه «١٠» ، واعتمّ وتقلّد السيف، وألقى التّرس فى ظهره، فندموا جميعا على ما صنعوا، وقالوا:
ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك. فقال ﷺ : لا ينبغى
стр. 5830
لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما آمركم به فافعلوا وامضوا على اسم الله، فلكم النصر ما صبرتم. ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء المهاجرين إلى على بن أبى طالب، ويقال:
إلى مصعب بن عمير، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ثم ركب فرسه وتنكّب «١» القوس وأخذ قناة بيده، والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا الدروع، فيهم مائة دارع، وخرج السّعدان أمامه يعدوان، سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، كل منهما دارع، والناس عن يمينه وشماله، فمضى حتى إذا كان بالشّيخين «٢» - وهما أطمان، كان يهودى «٣» ويهودية يقومان عليهما يتحدّثان، فلذلك سميّا بالشيخين، وهما فى طرف المدينة- التفت فنظر إلى كتيبة خشناء «٤» لها زجل «٥» ، فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبىّ من يهود. فقال ﷺ : لا تستنصروا «٦» بأهل الشّرك على أهل الشرك. وعرض من عرض بالشيخين، فردّ من ردّ، وأجاز من أجاز.
قال محمد بن إسحاق: أجاز رسول الله ﷺ يومئذ سمرة «٧» بن جندب الفزارىّ، ورافع بن خديج أحد بنى حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان
стр. 5831
قد ردّهما، فقيل له: يا رسول الله إن رافعا رام. فأجازه، فقيل له: إن سمرة يصرع رافعا، فأجازه. وردّ رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن ظهير، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة. وردّ عرابة ابن أوس وهو الذى يقول فيه الشمّاخ «١» .
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
قال ابن سعد: وبات رسول الله ﷺ بالشيخين، وكان نازلا فى بنى النّجار، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة فى خمسين رجلا، يطيفون بالعسكر، وأدلج رسول الله ﷺ فى السّحر، ودليله أبو خيثمة «٢» ، فانتهى إلى أحد، فخانت الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالا فأذّن وأقام، فصلّى بأصحابه الصبح صفوفا.
قال ابن إسحاق: ولما كان رسول الله ﷺ بالشّوط «٣» بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبىّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علام نقتل أنفسناها هنا أيها الناس! فرجع بمن اتّبعه من قومه من أهل النّفاق، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بنى سلمة، يقول: يا قوم،
стр. 5832
أذكّركم الله أن تخذلوا «١» قومكم ونبيّكم عند ما حضر عدوّهم؛ قالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنّه يكون قتال. قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فيسغنى الله عنكم نبيّه ﷺ .
قال ابن سعد: انخزل عبد الله بن أبىّ بثلمائة، وبقى رسول الله ﷺ فى سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبى بردة بن نيار. وأقبل يصفّ أصحابه ويسوّى الصّفوف على رجليه، وعليه درعان ومغفر «٢» وبيضة، وجعل له ميمنة وميسرة، وجعل أحدا وراء ظهره، واستقبل المدينة؛ وجعل عينين «٣» - جبلا- عن يساره، وجعل عليه خمسين من الرّماة، واستعمل عليهم «٤» عبد الله بن جبير، وقال: قوموا على مصافّكم هذه «٥» فاحموا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا.
وأقبل المشركون، وقد صفّوا صفوفهم، واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل، ولهم مجنّبتان «٦» مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أميّة، ويقال: عمرو بن العاص. وعلى الرّماة عبد الله بن أبى ربيعة، وكانوا مائة رام، ودفعوا اللّواء إلى طلحة بن أبى طلحة- واسم أبى طلحة عبد الله ابن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار- فسأل رسول الله ﷺ : من
стр. 5833
يحمل لواء المشركين؟ فقيل: عبد الدار. فقال: نحن أحقّ بالوفاء منهم، أين مصعب ابن عمير؟ قال: هأنذا؛ قال: خذ اللّواء؛ فأخذه مصعب، فتقدّم به بين يدى رسول الله ﷺ .
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة، فقال: وما حقّه يا رسول الله؟ قال: تضرب به فى العدوّ حتى ينحنى؛ قال:
أنا آخذه يا رسول الله بحقّه. فأعطاه إيّاه. وكان أبو دجانة إذا أعلم بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ ، أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصّفين.
فقال رسول الله ﷺ حين رآه: إنها لمشية يبغضها الله ورسوله، إلا فى هذا الموطن.
قال ابن هشام: إن الزّبير بن العوّام قال: وجدت «١» في نفسى حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، فقلت: والله لأنظرنّ ما يصنع. فاتّبعته، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه. فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجعل يقول:
أنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسّفح لدى النّخيل
ألا أقوم الدهر فى الكيّول «٢» ... أضرب بسيف الله والرّسول
стр. 5834
قال الزّبير: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان فى المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفّف «١» عليه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتّقاه بدرقته «٢» ، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدله عنها، قال الزّبير، فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمش «٣» الناس حمشا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة.
قالوا: وكان أوّل من أنشب الحرب يوم أحد أبو عامر عبد عمرو «٤» بن صيفىّ ابن مالك بن النعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، وكان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ ، ومعه خمسون غلاما من الأوس، وكان بعد قريشا أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق- وكان فى الجاهلية يسمّى الراهب، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، كما قدمنا من خبره- قال: فلما سمع ردّهم عليه، قال: لقد أصاب قومى بعدى شرّ. ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم «٥» بالحجارة فراضخوه، حتى ولّى هو وأصحابه هاربين.
стр. 5835
قال: وكان أبو سفيان قد قال لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرّضهم بذلك على القتال: يا بنى عبد الدّار، إنكم قد وليتم لواء «١» يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإمّا أن تكفونا لواءنا «٢» ، وإمّا أن تخلّوا بيننا وبينه فنكفيكموه؛ فهمّوا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟ ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبو سفيان.
قال: ولما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة فى النّسوة اللاتى معها، وأخذن الدّفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرّضنهم، فقالت هند فيما تقول:
ويها بنى عبد الدار ... ويها حماة الأدبار
ضربا بكلّ بتار «٣»
وقالت أيضا:
نحن بنات طارق «٤» ... نمشى على النّمارق «٥»
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق «٦»
стр. 5836
قال. وكان شعار المسلمين يوم أحد. أمت، أمت. ودنا القوم بعضهم من بعض، والرّماة يرشقون خيل المشركين بالنّبل، فتولّى «١» هوارب، فبرز طلحة ابن أبى طلحة، صاحب لواء المشركين، وقال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب، فالتقيا بين الصفّين، فبدره علىّ بضربة على رأسه حتى فلق هامته، فوقع وهو كبش الكتيبة، فسرّ رسول الله ﷺ بذلك وكبّر، وكبّر المسلمون، وشدّوا على كتائب المشركين يضربونهم حتى نغضت «٢» صفوفهم، ثم حمل لواء المشركين عثمان بن أبى طلحة، وجعل يرتجز وهو أمام النّسوة:
إنّ على أهل اللواء حقّا ... أن يخضبوا الصّعدة أو تندقّا «٣»
فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره، وبدا سحره «٤» ، ثم رجع حمزة وهو يقول: أنا ابن ساقى الحجيج. فحمل اللواء أبو سعد بن أبى طلحة، فرماه سعد بن أبى وقّاص فأصاب حنجرته، فأدلع «٥» لسانه إدلاع الكلب، فقتله. ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبى طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، فقتله. ثم حمله كلاب بن طلحة ابن أبى طلحة، فقتله الزّبير بن العوّام. ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله. ثم حمله أرطاة بن شرحبيل، فقتله علىّ بن أبى طالب.
стр. 5837
ثم حمله شريح بن قاسط «١» ، فقتل. ثم حمله صؤاب غلامهم «٢» ، وهو حبشىّ، فقاتل يومئذ حتى قطعت يده، فاعتنق اللواء حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهمّ هل أعذرت، واختلف فى قاتله، فقيل: قتله سعد بن أبى وقّاص، وقيل: على بن أبى طالب، وقيل: قتله قزمان على الأصح.
قال: فلما قتل أصحاب اللواء صار ملقى، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثيّة فدفعته لقريش، فلاثوا «٣» به. ثم انكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شىء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا حتى أجهضوهم «٤» عن العسكر، ووقعوا ينهبون العسكر، ويأخذون ما فيه من الغنائم.
قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى الزّبير بن العوّام، أنه قال: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير.
قال ابن سعد: وتكلّم الرّماة الذين على الجبل واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جبير فى نفر يسير دون العشرة، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ ، ووعظ أصحابه وذكّرهم أمر رسول الله ﷺ ، فقالوا:
لم يرد رسول الله هذا، قد انهزم المشركون، فما مقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم، وتركوا الجبل. فنظر خالد بن الوليد إلى خلوّ الجبل وقلة أهله،
стр. 5838
فكرّ بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبى جهل، فحملوا «١» على المسلمين، واستدارت رحاهم، وحالت الريح فصارت دبورا، وكانت قبل ذلك صبا، ونادى إبليس- لعنه الله-: إن محمدا قد قتل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون «٢» على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به من العجلة والدهش، وقتل مصعب ابن عمير، فأخذ اللواء ملك فى صورة مصعب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزّى يا لهبل «٣» . فقتل من أكرمه الله بالشهادة من المسلمين، حتى خلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ ، وثبت ﷺ معه «٤» عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، وسبعة «٥» من الأنصار. ورمى رسول الله ﷺ عن قوسه حتى اندقّت سيتها «٦» ، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، ثم ذبّ بالحجارة. وكسرت يومئذ رباعيته «٧» ﷺ ، وكلمت شفته، وشجّ فى وجهه، وجرح فى وجنته، وكسرت البيضة على رأسه، فسال الدم على وجهه، فجعل يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم؟
فأنزل الله تعالى فى ذلك: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٨» ) .
стр. 5839
وروى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى أبى سعيد الخدرى: أن عتبة بن أبى وقّاص رمى رسول الله ﷺ يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السّفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزّهرىّ شجّه فى جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته، فدخل حلقتان من حلق المغفر فى وجنته، ووقع رسول الله ﷺ فى حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومصّ مالك بن سنان أبو أبى سعيد الخدرىّ، الدّم من وجه رسول الله ﷺ [ثم «١» ] ازدرده، فقال ﷺ : من مسّ دمه دمى لم تمسّه النار.
قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى محمود بن عمرو: لما غشى القوم رسول الله ﷺ قال: من رجل يشترى لنا نفسه؟ فقام زياد بن السّكن [فى خمسة من الأنصار، وبعضهم يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن «٢» ] .
فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا رجلا يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءت فئة المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله ﷺ : أدنوه منى. فأدنوه منه، فوسّده قدمه، فمات، وخدّه على قدم رسول الله ﷺ .
قال: وقاتلت أمّ عمارة نسيبة بنت كعب المازنيّة يومئذ، فحدّثت وقد سئلت عن خبرها، فقالت: خرجت أوّل النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، والدولة والرّيح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقلت: أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف، حتى خلصت الجراحة إلىّ. وكان على عاتقها جرح أجوف له غور،
стр. 5840
فقيل لها: من أصابك بهذا؟ فقالت: ابن قمئة «١» ، أقمأه «٢» الله، لما ولّى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلّونى على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ ، فضر بنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات «٣» ، ولكنّ عدوّ الله كان عليه درعان.
قال ابن إسحاق: وترّس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه، يقع النّبل فى ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النّبل. ورمى سعد ابن أبى وقّاص دون رسول الله ﷺ ، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمّى، حتى إنه ليناولنى السهم ما له من نصل، فيقول: ارم به. قال: وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما. قال: وانتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار، قد «٤» ألقوا بأيديهم، فقال:
ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ؛ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك: لقد وجدنا به سبعين ضربة؛ وأصيب عبد الرحمن بن عوف فى فمه فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، فأصابه بعضها فى رجله فعرج.
стр. 5841
قال ابن إسحاق: وكان أوّل من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله ﷺ ، كعب بن مالك، قال كعب:
عرفت عينيه تزهران تحت «١» المغفر، فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ؛ فأشار إلىّ: أن أنصت، قال: فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا [به] ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر، وعمر، وعلىّ، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، والحارث بن الصّمة، ورهط من المسلمين، فلما أسند «٢» رسول الله ﷺ فى الشعب أدركه أبىّ بن خلف، وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم:
يا رسول الله، أيعطف عليه رجال منّا؟ قال رسول الله: دعوه. فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصّمة، قال: فلما أخذها انتفض ما انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء «٣» عن ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه بها طعنة فى عنقه تدأدأ»
منها عن فرسه مرارا؛ وكان أبىّ بن خلف قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: إنّ عندى العود- فرسا- أعلفه كل يوم فرقا «٥» من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدّم فيه، فقال: قتلنى والله محمد؛ قالوا: ذهب والله فؤادك! والله إن بك
стр. 5842
بأس؛ قال: إنه قد قال لى بمكة: أنا أقتلك، [والله «١» ] لو بصق علىّ لقتلنى. فمات عدوّ الله بسرف «٢» وهم قافلون إلى مكة، وفى ذلك يقول حسان بن ثابت:
لقد ورث الضّلالة عن أبيه ... أبىّ يوم بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظم ... وتوعده وأنت به جهول «٣»
وقد قتلت بنو النّجار منكم ... أميّة إذ يغوّث: يا عقيل «٤»
وتبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل، لأمّهما الهبول «٥»
وأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم، أسرته قليل
وقال حسان أيضا فيه:
ألا من مبلغ عنّى أبيّا ... فقد ألقيت فى سحق السعير «٦»
تمنّى بالضّلالة من بعيد ... وتقسم أن قدرت مع النّذور
تمنّيك الأمانى من بعيد ... وقول الكفر يرجع فى غرور
فقد لاقيت طعنة ذى حفاظ ... كريم البيت ليس بذى فجور «٧»
له فضل على الأحياء طرّا ... إذا نابت ملمّات الأمور
قال: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشّعب خرج علىّ بن أبى طالب حتى ملأ درقته «٨» من الماء، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه وغسل عن وجهه الدّم.
стр. 5843
قال: وبينما رسول الله ﷺ بالشّعب، معه أولئك النّفر من أصحابه، إذ علّت عالية من قريش الجبل، وكان على تلك الخيل خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ [إنه «١» ] لا ينبغى لهم أن يعلونا! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدّن «٢» وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها «٣» .
قال ابن هشام: وصلّى رسول الله ﷺ الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا.
قال ابن إسحاق: ولما أراد القوم الانصراف أشرف أبو سفيان على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت «٤» فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر. فقال رسول الله ﷺ : قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء «٥» ، قتلانا فى الجنّة، وقتلاكم فى النار؛ فقال له أبو سفيان: هلمّ إلىّ يا عمر؛ فقال رسول الله ﷺ لعمر: ايته فانظر ما شأنه؛ فأتاه، فقال له أبو سفيان:
стр. 5844
أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهمّ لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قمئة وأبرّ- لقول ابن قمئة لهم:
إنى قتلت محمدا- قال: واسم ابن قمئة عبد الله.
وروى البخارى عن البراء قال: وأشرف أبو سفيان فقال: أفى القوم محمد؟
فقال: لا تجيبوه، قال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه، قال:
أفى القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر- رضوان الله عليه- نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعل هبل «١» ، فقال النبى ﷺ :
أجيبوه، فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلّ، قال أبو سفيان:
لنا العزّى «٢» ولا عزّى لكم، فقال النبى ﷺ : أجيبوه، قالوا:
ما تقول؟ قال قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم؛ قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر [بها «٣» ] ولم تسؤنى.
قال ابن سعد: ثم نادى أبو سفيان عند انصرافه: إن موعدكم بدر العام القابل.
فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل له: نعم هو بيننا وبينك موعد. ثم بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال:
اخرج فى آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا «٤» الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم
стр. 5845
يريدون المدينة، والذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثم لأناجزنّهم «١» . قال علىّ: فخرجت فى آثارهم فرأيتهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكّة.
ذكر خبر «٢» مقتل حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، وما فعلته هند بنت عتبة، وما قالته من الشعر، وما أجيبت به كان حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، قد قتل من ذكرنا من المشركين آنفا، ومرّ به سباع بن عبد العزّى الغبشانىّ، وكان يكنى بأبى نيار، فقال له حمزة:
هلّم إلىّ يابن مقطّعة البضور «٣» - وكانت أمّة أم أنمار مولاة شريق بن عمر بن وهب الثقفىّ، وكانت ختّانة بمكة- فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. فقال وحشىّ غلام جبير بن مطعم: والله إنى لأنظر إلى حمزة يهدّ الناس بسيفه هدّا ما يقوم له شىء، فو الله إنى لأتهيّأ أريده، وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى، إذ تقدمنى إليه سباع، فلما رآه حمزة قال له ما قال، فضربه حمزة فقتله، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت فى ثنّته «٤» ، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء «٥» نحوى فغلب، فتركته وإيّاها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه، فلم يكن لى بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق.
قال ابن إسحاق: ووقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ ، يجد «٦» عن الآذان والآنف، حتى
стр. 5846
اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم قلائد وخدما «١» ، وأعطت قلائدها وخدمها وقرطها وحشيّا، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تسطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها، ثم قالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمّه وبكرى
شفيت نفسى وقضيت وترى «٢» ... شفيت وحشىّ غليل صدرى
فشكر وحشىّ علىّ عمرى ... حتى ترمّ أعظمى فى قبرى «٣»
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب «٤» فقالت:
خزيت فى بدر وبعد بدر ... يا بنت وقّاع عظيم الكفر «٥»
صبّحك الله غداة الفجر ... بالهاشميّين الطّوال الزّهر
بكل قطّاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلىّ صقرى «٦»
إذ رام شيب وأبوك غدرى ... فخضّبا منه ضواحى النّحر «٧»
ونذرك السّوء فشرّ نذر
وقالت هند غير ذلك من الشعر وأجيبت بمثله، وتركنا ذلك اختصارا.
стр. 5847
قال ابن إسحاق: ومرّ الحليس بن زبّان «١» أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش بأبى سفيان، وهو يضرب فى شدق حمزة بزجّ الرمح، ويقول: ذق عقق «٢» . فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيّد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما «٣» ؛ قال: ويحك! اكتمها عنّى، فإنها كانت زلة. قال ولما فرغ الناس لقتلاهم خرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده، وجدع أنفه وأذناه. فقال حين رآه:
لولا أن تحزن صفيّة وتكون ستّة من بعدى لتركتك حتى تكون فى بطون السّباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلا منهم، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمّه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثّلن بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى قوله: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ «٤» )
قال: فعفا رسول الله ﷺ وصبر. ونهى عن المثل «٥» .
стр. 5848
قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله ﷺ على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قطّ أغيظ إلىّ من هذا! ثم قال: جاءنى جبريل ﵇ فأخبر أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب فى أهل السموات السبع:
حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. قال ابن إسحاق يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسجّى «١» ببرد، ثم صلّى عليه وكبّر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه معهم، حتى صلّى عليه ثنتين وسبعين صلاة «٢» . قالت: وأقبلت صفيّة بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها حمزة، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزّبير ابن العوام: القها فارجعها لا ترى ما بأخيها. فقال [لها «٣» ] : يا أمّاه: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعى، فقالت: ولم؟ وقد بلغنى أنه قد مثّل بأخى، وذلك فى الله ، فما أرضانى «٤» أنا بما كان من ذلك! لأحتسبنّ ولأصبرنّ «٥» إن شاء الله تعالى. فلما جاء الزبير إلى رسول الله [ ﷺ «٦» ] وأخبره بذلك قال: خلّ سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، وصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن. قال: واحتمل ناس [من المسلمين «٧» ] قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها. ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا.
стр. 5849
ذكر [تسمية «١» ] من استشهد من المسلمين يوم أحد
قال ابن إسحاق: استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون رجلا، كان منهم من المهاجرين من بنى هاشم: حمزة بن عبد المطلب، رضى الله عنه، وقد تقدم خبر مقتله. ومن بنى أمية: عبد الله بن جحش، حليف لهم من بنى أسد بن خزيمة «٢» قتله أبو الحكم «٣» بن الأخنس بن شريق. ومن بنى عبد الدار بن قصىّ: مصعب ابن عمير، قتله عبد الله بن قمئة الليثىّ. ومن بنى مخزوم بن يقظة: شمّاس بن عثمان قتله [أبىّ «٤» ] بن خلف.
لم يذكر ابن إسحاق غير هؤلاء الأربعة.
وقال محمد بن سعد فى طبقات الكبرى: وعبد الله، وعبد الرحمن، ابنا الهبيب، من بنى سعد بن ليث، ووهب بن قابوس المزنىّ، وابن أخيه الحارث بن عقبة ابن قابوس. وزاد الثعلبى سعدا مولى عتبة، ولم يذكر الأربعة الذين ذكرهم ابن سعد، بل عدّ المهاجرين خمسة.
واستشهد من الأنصار، من بنى عبد الأشهل اثنا عشر رجلا، وهم:
عمرو بن معاذ بن النّعمان أخو سعد، والحارث بن أنس بن رافع «٥» ، وعمارة بن زياد بن السّكن، وسلمة بن ثابت بن وقش، وأخوه عمرو بن ثابت، وأبوهما ثابت، ورفاعة [بن «٦» ] وقش، واليمان أبو حذيفة بن اليمان، واسمه حسيل بن
стр. 5850
جابر، أصابه المسلمون فى المعركة ولا يدرون، وأراد رسول الله ﷺ أن يديه «١» ، فتصدّق ابنه حذيفة بديته على المسلمين، وصيفىّ بن قيظى، [وخباب ابن قيظى «٢» ] ، وعبّاد بن سهل، والحارث بن أوس بن معاذ.
ومن أهل راتج «٣» ثلاثة نفر، وهم: إياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن التيّهان، ويقال: عتيك بن التيّهان. وحبيب بن زيد بن تيم. ومن بنى ظفر:
يزيد «٤» بن حاطب بن أميّة بن رافع. ومن بنى عمرو بن عوف، رجلان، وهما:
أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد، وحنظلة بن أبى عامر بن صيفىّ بن النعمان، وهو غسيل الملائكة، وكان قد التقى هو وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود فقتله، فقال رسول الله ﷺ : إن صاحبكم لتغسله الملائكة. فسألوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته فقالت:
خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة؛ فقال رسول الله ﷺ : لذلك غسّلته الملائكة. وقال شدّاد بن الأسود حين قتل حنظلة:
لأحمينّ صاحبى ونفسى ... بطعنة مثل شعاع الشمس
ومن بنى عبيد بن زيد «٥» : أنيس بن قتادة. ومن بنى ثعلبة بن عمرو ابن عوف رجلان، وهما: أبو حيّة «٦» بن عمرو بن ثابت، وعبد الله بن جبير
следующие страницы →