← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

أى فى دين الإسلام «من يشاء» من أهل مكة قبل أن تدخلوها. قال: وقال بعض العلماء: قوله «لعذّبنا» جواب لكلامين أحدهما (وَلَوْلا رِجالٌ) والثانى (لَوْ تَزَيَّلُوا) أى تميّزوا. وقال قتادة فى قوله: (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) أى أن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركى مكة. وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله : (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) قال: «هم المشركون من أجداد رسول الله ﷺ وممن كان بعدهم فى عصره، كان فى أصلابهم المؤمنون، فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله الكافرين عذابا أليما» . قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ) ، قال ابن إسحاق: يعنى سهيل بن عمرو حين حمى «١» أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم. وأن محمدا رسول الله. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) ، قال: كلمة التقوى يعنى الإخلاص؛ وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال فى قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى) : «لا إله إلا الله» . وهو قول ابن عباس وعمرو بن ميمون ومجاهد وقتادة والضحاك وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير وعكرمة وطلحة بن مصرّف والربيع والسدّىّ وابن زيد. وقال عطاء الخراسانىّ: هى لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعن علىّ رضى الله عنه قال: كلمة التقوى: لا إله إلا الله والله أكبر، وهو قول ابن عمر. وقال عطاء بن أبى رباح: هى لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

стр. 5987

له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير. وعن الزهرىّ: كلمة التقوى هى بسم الله الرحمن الرحيم. قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) ، قال: الرؤيا التى أراها إياه فى مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام. قوله: (فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا) أى أن الصلاح كان فى الصلح. (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) قيل: صلح الحديبية. ثم قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) أى أنك نبىّ صادق فيما تخبر. ثم وصف تعالى رسوله ﷺ وأصحابه فقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) . قال الثعلبىّ رحمه الله تعالى: قوله: «محمّد رسول الله» تم الكلام هاهنا، يعنى الكلام الأوّل، ثم قال مبتدئا: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) أى غلاظ لا تأخذهم فيهم رأفة. (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) أى متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض. (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) * أى يدخلهم جنّته. «ورضوانا» يرضى عنهم. «سيماهم» علامتهم. (فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) واختلف العلماء فى هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض فى وجوههم يوم

стр. 5988

القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنهم سجدوا فى الدنيا؛ وهى رواية العوفى عن ابن عباس. وقال عطاء بن أبى رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا. وقال شهر بن حوشب: يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال آخرون: هو السّمت الحسن والخشوع والتواضع. وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله تعالى: (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) أهو الأثر يكون بين عينى الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عينى الرجل مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور فى وجوههم من الخشوع. وقال ابن جريح: هو الوقار والبهاء. وقال شمر بن عطية: هو التهيّج وصفرة الوجه وأثر السهر. وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى. وقال عكرمة وسعيد بن جبير: هو أثر التراب فى جباههم. وقال عطية الخراسانىّ: دخل فى هذه الاية كل من حافظ على الصلوات الخمس. (ذلِكَ مَثَلُهُمْ) أى ذلك الذى ذكرت «مثلهم» صفتهم (فِي التَّوْراةِ) * قال: وهاهنا تم الكلام. ثم قال: (وَمِثْلَهُمْ) * صفتهم (فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) ؛ قال أنس: «شطأه» نباته. وقال ابن عباس: سنبله. وقال مجاهد والضحاك: ما يخرج تحت الحلقة «١» فينمو ويتم. وقال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه. وقال السدّى: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. وقال الفراء: الأشطأ: الزرع إذا نبت سبعا أو ثمانيا أو عشرا. وقال الأخفش: فراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرّخ، قال الشاعر: أخرج الشطء على وجه الثرى ... ومن الأشجار أفنان الثمر قال: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد ﷺ ، يعنى أنهم كانوا يكونون قليلا، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون. قال قتادة: مثل أصحاب

стр. 5989

محمد ﷺ فى الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. «فآزره» قوّاه وأعانه وشدّ أزره. «فاستغلظ» ، فغلظ وقوى. «فاستوى» تم وتلاحق نباته وقام. (عَلى سُوقِهِ) أصوله. (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) يعنى أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم ليغيظ بهم الكفار. قال الثعلبىّ بسند يرفعه إلى الحسن فى قوله : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) قال: محمد رسول الله. والّذين معه» ، أبو بكر. (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) عمر بن الخطاب. (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) عثمان بن عفان (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) على بن أبى طالب. (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً) * طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة. (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) ، قال: هم المبشّرون، أولهم أبو بكر وآخرهم أبو عبيدة. (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) قال: نعتهم فى التوراة والإنجيل كمثل زرع. وقال: الزرع: محمد ﷺ . (أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أبو بكر الصديق. «فآزره» عمر بن الخطاب. «فاستغلظ» عثمان؛ يعنى استغلظ عثمان للإسلام. (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) على بن أبى طالب، يعنى استقام الإسلام بسيفه. (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) قال: المؤمنون. (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) قال: قول عمر لأهل مكة: لا نعبد الله سرّا بعد اليوم. رضوان الله عليهم أجمعين. ذكر خبر أبى بصير ومن لحق به وانضم إليه قد اختلف فى اسمه، فقيل: عبيد بن أسيد بن جارية. وقال ابن إسحاق: عتبة بن أسيد بن جارية. وعن أبى معشر قال: اسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن

стр. 5990

أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن قسىّ، وهو ثقيف ابن منبّه بن بكر بن هوازن، حليف لبنى زهرة. وخبره وإن لم يكن داخلا فى جملة الغزوات والسرايا فليس هو مناف لها، وموجب إيرادنا إياه فى هذا الموضع لتعلقه بغزوة الحديبية، ولأن ردّه كان من شروط الهدنة. ونحن نورده هاهنا على ما أورده الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى، رحمه الله تعالى، فى كتابه المترجم بدلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، وما أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام عن محمد ابن إسحاق رحمهم الله تعالى، يدخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة انفلّت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفىّ من المشركين، فأتى رسول الله ﷺ مسلما مهاجرا، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفىّ إلى رسول الله ﷺ ، وبعثا رجلا من بنى عامر بن لؤىّ، ومعه مولى لهم، ويقال: كانا من بنى منقذ، أحدهما مولى والآخر من أنفسهم، اسمه جحش بن جابر، وكان ذا جلد ورأى فى أنفس المشركين، وجعل لهما الأخنس فى طلب أبى بصير جعلا، فقدما على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا فى ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك» . فقال: يا رسول الله، أتردّنى إلى المشركين يفتنوثنى فى دينى؟ قال: «انطلق، فإن الله سيجعل لك فرجا

стр. 5991

ومخرجا» ، ودفعه إليهما، فخرجا به، حتى إذا كانا بذى الحليفة «١» سلّ جحش سيفه، ثم هزّه وقال: لأضربنّ بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم؛ قال: ناولنيه أنظر إليه. فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد، ويقال: بل تناول أبو بصير سيف جحش بفيه، وهو نائم، فقطع به إساره، ثم ضربه به حتى برد؛ وطلب الآخر فجمز «٢» مذعورا مستخفيا، حتى دخل المسجد إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» ؛ فأقبل واستغاث برسول الله ﷺ ، فقال: «ويحك! مالك؟» فقال: قتل صاحبكم صاحبى. وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله ﷺ وقال: وفت ذمتك يا رسول الله، وأدّى الله عنك، دفعتنى إليهما فتعرفت أنهم سيعذبوننى ويفتنوننى عن دينى، فقتلت المنفذىّ، وأفلتنى هذا. فقال رسول الله ﷺ : «ويل أمّه مسعر «٣» حرب لو كان معه رجال!» ، وجاء أبو بصير بسلبه فقال: خمّس يا رسول الله؛ فقال رسول الله ﷺ : «إنى إن خمسته لم أوف لهم بالذى عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت» . فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا مسلمين من مكة حيث قدم، ولم يطلبهم أحد، وساروا حتى نزلوا بين العيص وذى المروة من أرض جهينة، على طريق عيرات قريش مما يلى سيف البحر، لا تمر

стр. 5992

بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو- واسم أبى جندل العاص بن سهيل «١» على ما أورده الزبير بن بكار- فى سبعين راكبا أسلموا، فلحقوا بأبى بصير حين «٢» بلغهم أن رسول الله ﷺ قال: «ويل امه مسعر حرب لو كان معه رجال» ، فقطعوا مادة قريش من طريق الشام. وكان أبو بصير يصلى لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبى جندل ناس من بنى غفار وأسلم وجهينة وطوائف من الناس، حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير، لا تمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وقال أبو جندل فى ذلك: أبلغ قريشا عن أبى جندل ... أنّا بذى المروة بالساحل فى معشر تخفق راياتهم ... بالبيض فيها والقنا الذّبّل «٣» يأبون أن تبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولم يأتل» فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تسأله بأرحامهم «٥» إلا آواهم، وقالوا: لا حاجة لنا بهم. قال البيهقىّ: وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع

стр. 5993

أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله ﷺ خير لهم فيما أحبوا وكرهوا. وحكى البيهقى: أن هؤلاء هم الذين مرّ بهم أبو العاص بن الربيع فأخذوا ما معه، فلما بلغهم ما قاله رسول الله ﷺ أطلقوا من أسروا من أصحاب أبى العاص، وردّوا إليهم جميع ما أخذوه حتى العقال، وقد تقدم خبر أبى العاص، وقيل: إنما أخذ فى غير هذه السّريّة. والله أعلم. قال: وكتب رسول الله ﷺ كتابا إلى أبى بصير وأبى جندل يأمرهما أن يقدما عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مرّ بهم من قريش وعيراتهم. فقدم كتاب رسول الله ﷺ على أبى جندل وأبى بصير، وأبو بصير قد أشرف على الموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ فى يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا، وقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش. ذكر غزوة خيبر وفتحها وما يتصل بذلك قال محمد بن سعد: غزاها رسول الله ﷺ فى جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره. وقال محمد بن إسحاق وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى: فى المحرم من السنة. وخيبر على ثمانية برد من المدينة. قالوا: أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالتهيؤ لغزاة خيبر، واجلب «١» من حوله يريدون الغزاة معه، فقال رسول الله ﷺ : «لا يخرجنّ معنا

стр. 5994

إلا راغب فى الجهاد» ، وشقّ ذلك على من بقى بالمدينة من اليهود، فخرج واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارىّ، قاله ابن سعد والبيهقى. وقال ابن إسحاق: استخلف نميلة بن عبد الله الليثى؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها. قال ابن إسحاق: لما سار رسول الله ﷺ إلى خيبر قال فى مسيره لعامر بن الأكوع- وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان-: «انزل يابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك «١» » ، فنزل يرتجز برسول الله ﷺ ، فقال: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا إنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا «٢» فقال له رسول الله ﷺ : «يرحمك ربّك» . ومن رواية البيهقى: «غفر لك ربّك» . قال: وما خص بها رسول الله ﷺ أحدا قط إلا استشهد. قال ابن إسحاق: فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: وجبت والله يا رسول الله، لو متّعتنا بعامر؛ فقتل يوم خيبر شهيدا، رجع سيفه عليه وهو يقاتل، فكلمه كلما شديدا فمات.

стр. 5995

قال: ولما خرج رسول الله ﷺ من المدينة سلك على عصر «١» فبنى له فيه «٢» مسجدا، ثم على الصهباء «٣» ، ثم أقبل بجيشه حتى نزل بواد يقال له: الرّجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ ، قال: فلما سمعت غطفان بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعوا، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة «٤» سمعوا خلفهم فى أموالهم وأهليهم حسّا، وظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا فى أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر. قال: ولما أشرف رسول الله ﷺ على خيبر قال لأصحابه: «قفوا» فوقفوا، ثم قال: «اللهم ربّ السموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أظللن، وربّ الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله» . قال: ولما نزل بساحتهم ولم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، وأصبحوا وأفئدتهم تخفق، وفتحوا حصونهم، وغدوا إلى أعمالهم، معهم المساحى «٥» ، والكرازن- وهى الفئوس- والمكاتل- وهى الزنابيل- فلما نظروا إلى

стр. 5996

رسول الله ﷺ قالوا: محمد والخميس «١» - يعنون الجيش- فولوا هاربين إلى حصونهم، وجعل رسول الله ﷺ يقول: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ، ووعظ رسول الله ﷺ الناس، وفرّق بينهم الرايات، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر، إنما كانت الأولوية «٢» ، فكانت راية رسول الله ﷺ السوداء من برد لعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، ودفعه إلى على بن أبى طالب، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة؛ وكان شعارهم: «يا منصور أمت» ، وكانت حصون خيبر حصونا ذوات عدد، منها النّطاة، وحصن الصّعب ابن معاذ، وحصن ناعم، وحصن قلعة الزّبير «٣» ، هذه حصون النطاة. والشّقّ وبه حصون منها: حصن أبىّ، وحصن النّزار. وحصون الكتيبة منها: القموص، والوطيح، وسلالم. وسنذكر إن شاء الله فتحها حصنا حصنا. قال: وخرج مرحب اليهودىّ من حصنهم، قد جمع سلاحه وهو يقول: قد علمت خيبر أنّى مرحب ... شاكى «٤» السلاح بطل مجرّب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرّب «٥» إن حماى للحمى لا يقرب

стр. 5997

ثم يقول: هل من مبارز؟ فأجابه كعب بن مالك وهو يقول: قد علمت خيبر أنى كعب ... مفرّج الغمّى جرىء صلب إذ شبّت الحرب تليها الحرب ... معى حسام كالعقيق عضب «١» نطاكم حتى يذال «٢» الصعب ... نعطى الجزاء أو يفىء النّهب «٣» بكفّ ماض ليس فيه «٤» عتب فقال رسول الله ﷺ : «من لهذا» ؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخى بالأمس؛ قال: «فقم إليه، اللهم أعنه عليه» . فخرج إليه حتى دنا منه، فحمل مرحب عليه فضربه، فاتّقاه بالدّرقة، فأمسكت سيفه، وضربه محمد بن مسلمة فقتله. وقد روى أن الذى قتل مرحبا على بن أبى طالب رضى الله عنه، وذلك أن رسول الله ﷺ أعطى اللواء عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ ، يجبنّه أصحابه ويجبنّهم، وكان رسول الله ﷺ قد أخذته الشقيقة «٥» فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر رضى الله عنه راية رسول الله ﷺ ، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع، فأخذها عمر رضى الله عنه فقاتل قتالا شديدا أشدّ من القتال الأوّل، ثم رجع، فأخبر رسول الله ﷺ ذلك، فقال: «أما والله لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يأخذها عنوة» . وفى رواية قال: «يفتح الله على

стр. 5998

يديه» . فبات الناس يذكرون ليلتهم أيّهم يعظاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله ﷺ : «أين على بن أبى طالب» ؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه؛ قال: فأرسل رسول الله ﷺ إليه سلمة بن الأكوع فدعاه، فجاء على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله ﷺ ، وهو أرمد، قد عصب عينيه بشقّة برد قطرىّ «١» ، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «مالك؟» قال: رمدت؛ فقال: «ادن منى» فدنا منه فتفل فى عينيه، ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، وما وجعهما حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية وقال: «امض حتى يفتح الله عليك» قال: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: «انفذ على «٢» رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فو الله لئن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم» روى هذا الحديث أو نحوه أهل الصحة. ومن رواية ابن إسحاق عن سلمة بن الأكوع قال: فنهض علىّ بالراية وعليه حلّة أرجوان حمراء، وقد أخرج خملها «٣» ، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن، وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أنى مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرّب أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت تلهّب كان حماى كالحمى لا يقرب

стр. 5999

فبرز له علىّ بن «١» أبى طالب فقال: أنا الذى سمّتنى أمّى حيدرة «٢» ... كليث غابات شديد قسورة «٣» أكيلكم بالسّيف كيل السّندرة «٤» فاختلفا ضربتين، فبدره علىّ رضى الله عنه فضربه، فقدّ الحجر والمغفر وفلق رأسه، حتى أخذ السيف فى الأضراس. ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، وهو يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أنى ياسر ... شاكى السلاح بطل مغاور «٥» إذا الليوث أقبلت تبادر ... إن حماى فيه موت حاضر وهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام رضى الله عنه، وهو يقول: قد علمت خيبر أنى زبّار ... قرم «٦» لقوم غير نكس «٧» فرّار أين حماة المجد «٨» ؟ أين الأخيار؟ ... ياسر، لا يغررك جمع الكفّار فجمعهم مثل السّراب الختّار «٩» فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابنى يا رسول الله؟ قال: «بل ابنك يقتله إن شاء الله» ثم التقيا، فقتله الزبير. ومن رواية أخرى عن سلمة قال: فخرج

стр. 6000

على رضى الله عنه يهرول هرولة وإنّا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رأيته فى رضم حجارة تحت الحصن، فاطّلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علىّ بن أبى طالب؛ فقال اليهودىّ: علوتم وما أنزل الله على موسى. وقال ابن إسحاق أيضا من رواية أبى رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: خرجنا مع علىّ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علىّ بابا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه، فلم يزل فى يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتنى فى نفر معى سبعة، أنا ثامنهم» ، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه. قال محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقى وغيرهما: إن بنى سهم من أسلم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، جهدنا وما بأيدينا من شىء؛ فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا يعطيهم إياه؛ فقال: «اللهم وإنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوّة، وأن ليس بيدى شىء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها غناء، وأكثرها طعاما وودكا «٢» » ، فغدا الناس، ففتح الله عليهم حصن الصّعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر منه طعاما وودكا. قال البيهقى: وافتتح رسول الله ﷺ حصن ناعم، فانتقل من كان من يهود بحصن مصعب بن معاذ وحصن ناعم إلى قلعة الزّبير، ويقال: حصن ناعم أوّل ما افتتح من حصونهم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فمات. قال: وحصن

стр. 6001

الزبير حصن منيع فى رأس «١» قلّة، فحاصرهم رسول الله ﷺ به ثلاثة أيام، فجاءه رجل من اليهود يقال له: غزال؛ فقال: يا أبا القاسم، تؤمننى على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النّطاة، وتخرج إلى أهل الشّق؟ فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك، فأمّته رسول الله ﷺ على أهله وماله، فقال اليهودى: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، لهم دبول «٢» تحت الأرض، يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإذا قطعت مشربهم عليهم أصحروا «٣» لك. فسار رسول الله ﷺ إلى دبولهم فقطعها، فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا فقاتلوا أشدّ قتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر، وأصيب من يهود فى ذلك اليوم عشرة، وافتتحه رسول الله ﷺ ، فكان آخر حصون النطاة؛ فلما فرغ رسول الله ﷺ من النطاة تحوّل إلى أهل الشّق، وبه حصون، فكان أوّل حصن بدأ به ﷺ حصن أبىّ، فقام رسول الله ﷺ على قلعة يقال لها سموان؛ فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا، وخرج رجل من اليهود يقال له غزول؛ فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فاختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فسقط السيف من يده وهرب إلى الحصن، فتبعه الحباب فقطع عرقوبيه، فوقع، فذفّف «٤» عليه، فخرج آخر فصاح: من يبارز؟ فبرز له رجل

стр. 6002

من المسلمين من آل جحش، فقتل الجحشىّ، وقام مكانه يدعو إلى البراز، فبرز له أبو دجانة، قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر، يختال فى مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفّف عليه وأخذ سلبه؛ درعه وسيفه: فنفله رسول الله ﷺ ذلك، وأحجموا عن البراز، فكبّر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة الأنصارىّ، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحموا الجدر كأنهم الظّبىّ إلى حصن النّزار، فعلّقوه وامتنعوا فيه، وزحف رسول الله ﷺ فى أصحابه فقاتلهم، فكانوا أشدّ أهل الشّق رميا بالنبل والحجارة، حتى أصاب النبل ثياب رسول الله ﷺ وعلقت به، فأخذ النبل فجمعها، ثم أخذ كفّا من حصباء، فحصب به حصنهم فرجف الحصن بهم، ثم ساخ فى الأرض حتى جاء المسلمون، فأخذوا أهله أخذا، ثم تحوّل رسول الله ﷺ إلى أهل الكتيبة، فافتتح القموص، حصن أبى الحقيق، وأتى رسول الله ﷺ منه بصفيّة بنت حيىّ بن أخطب. قالوا: ولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم: الوطيح والسّلالم، وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله ﷺ أن يسيّرهم، وأن يحقن دماءهم. قال البيهقىّ: حصرهم أربعة عشر يوما وهم لا يطلعون من حصونهم، حتى همّ رسول الله ﷺ أن ينصب المنجنيق «١» عليهم، فلما أيقنوا

стр. 6003

بالهلكة سألوا الصلح، وأرسل ابن أبى الحقيق إلى رسول الله ﷺ : أنزل فأكملك؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم» ، فنزل كنانة بن الربيع ابن أبى الحقيق فصالح رسول الله ﷺ على حقن دماء من فى حصونهم من المقاتلة، وترك الذريّة لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلّون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة «١» ، وعلى البزّ إلا ثوبا على ظهر إنسان؛ فقال رسول الله ﷺ : «وبرئت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله إن كتمتونى شيئا» فصالحوه على ذلك. وكان عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق كنز بنى النضير، فسأله رسول الله ﷺ عنه، فجحد أن يكون يعلم مكانه، وقال: نفد فى النفقة والحروب؛ فقال رسول الله ﷺ : «كان أكثر من ذلك» ، ثم جاء رجل من يهود إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله ﷺ لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك، أقتلك؟» قال: نعم؛ فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى، فأبى أن يؤدّيه، فأمر رسول الله ﷺ الزّبير بن العوام به، فقال: «عذّبه حتى تستأصل ما عنده» ، فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. ويقال: كان ذلك بعد فتح حصن القموص، وقبل فتح الوطيح والسّلالم.

стр. 6004

قال محمد بن إسحاق: ولما نزل أهل خيبر على الصلح سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم فى الأموال على النّصف؛ «على أنا إذا شئنا [أن «١» ] نخرجكم أخرجناكم» ، قال: ولما سمع أهل فدك أن رسول الله ﷺ افتتح حصون خيبر بعثوا إلى رسول الله ﷺ ، يسألونه أن يسيّرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلّوا له الأموال، ففعل؛ وكان ممن مشى بين رسول الله ﷺ وبينهم فى ذلك محيّصة بن مسعود أخو بنى حارثة، ثم سألوا أن يعاملهم رسول الله ﷺ على النّصف كما عامل أهل خيبر، فأجابهم إلى ذلك؛ «على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» ؛ فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ ، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. ولما افتتح رسول الله ﷺ خيبر قدم عليه جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه من أرض الحبشة ومن كان بقى بها من المسلمين، فقبّله رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه، وقال: «ما أدرى بأيهما أنا أسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر!» . ذكر تسمية من استشهد من المسلمين فى غزوة خيبر قالوا: استشهد من المسلمين فى غزوة خيبر تسعة عشر رجلا. من قريش وحلفائهم خمسة نفر، وهم رفاعة بن مسروح، من بنى أمية بن عبد شمس، ومن حلفائهم ربيعة بن أكثم بن سخبرة، وثقف بن عمرو بن سميط، ومن حلفاء بنى أسد

стр. 6005

ابن عبد العزّى أبو عمير عبد الله بن الهبيب- ويقال ابن الهبيب- بن أهيب الليثىّ، ومسعود بن ربيعة، حليف لبنى زهرة، من القارة. ومن الأنصار أربعة عشر رجلا، وهم: بشر بن البراء بن معرور، مات من الشاة المسومة، وفضيل بن النعمان، ومسعود بن سعد بن قيس، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضيّاح النعمان بن ثابت، والحارث بن حاطب، ممن شهد بدرا، وعروة بن مرّة بن سراقة، وأوس بن الفائد «١» ، وأنيف بن حبيب، وثابت بن إثلة «٢» ، وطلحة، ومبشر، وعمارة بن عقبة، وعامر بن الأكوع الأسلمىّ، وكان قد برز له يهودى، فبرز إليه وهو يقول: قد علمت خيبر أنى عامر ... شاكى السلاح بطل مغامر واختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودىّ فى ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، فأصاب ركبة نفسه وساقه، فمات منها. قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ وهم يقولون: بطل عمل عامر؛ فأتيت نبى الله ﷺ وأنا شاحب أبكى، فقلت: يا رسول الله، أبطل عمل عامر؟ فقال: «ومن قال ذلك؟» قلت: بعض أصحابك؛ قال: «كذب من قاله، بل له أجره مرّتين، إنه لجاهد مجاهد» . واستشهد الأسود الراعى- واسمه أسلم، وهو من أهل خيبر- وكان من حديثه ما حكاه محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقى رحمهما الله: أنه أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من

стр. 6006

يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض علىّ الإسلام؛ فعرضه عليه، فقال: فماذا لى إن أنا شهدت وآمنت بالله؟ قال: «لك الجنة إن أنت متّ على ذلك» ، فأسلم وقال: يا رسول الله، إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهى أمانة عندى، فكيف أصنع بها؟ قال رسول الله ﷺ : «أخرجها من عسكرنا، واحصب «١» وجوهها، فإن الله سيؤدى عنك أمانتك، وسترجع إلى ربّها» . ففعل الأسود وقال: ارجعى إلى صاحبك، فو الله لا أصحبك، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن. ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلّى لله صلاة قطّ، فأتى به رسول الله ﷺ فوضع خلفه، وسجّى بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: «إن معه الآن زوجته من الحور العين» . وقتل من يهود ثلاثة «٢» وأربعون، منهم: الحارث أبو زينب، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، وكنانة بن أبى الحقيق، وأخوه. ذكر قسم غنائم خيبر قال محمد بن سعد: أمر رسول الله ﷺ بالغنائم فجمعت، واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضىّ، وأمر بذلك فجزّئ خمسة أجزاء، وكتب فى سهم منها لله، وسائر السّهمان أغفال، فكان أوّل ما خرج سهم النبى ﷺ ، وأمر ببيع الأربعة أخماس فيمن يزيد، فباعها فروة، وقسم ذلك بين

стр. 6007

أصحابه؛ وكان الذى ولى إحصاء الناس زيد بن ثابت، فأحصاهم ألفا وأربعمائة رجل، والخيل مائتى فرس، فكانت السّهمان على ثمانية عشر سهما، لكل مائة سهم، وكان الخمس الذى صار إلى رسول الله ﷺ يعطى منه على ما أراه الله. وقال محمد بن إسحاق: كانت المقاسم على أموال خيبر؛ على الشّق ونطاة والكتيبة، فكانت الكتيبة خمس الله، وسهم النبى ﷺ وذوى القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبى ﷺ ، وطعم رجال مشوا بين رسول الله ﷺ ، وبين أهل فدك بالصلح، منهم محيّصة بن مسعود، أعطاه رسول الله ﷺ منها ثلاثين وسقا «١» من شعير، وثلاثين وسقا من تمر، وكانت الشق ونطاة فى سهمان المسلمين؛ قال: وقسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد منهم ومن غاب، ولم يغب عنها إلّا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضرها. وقال: وكان وادياها: وادى السّرير ووادى خاص، وهما اللذان قسمت عليهما خيبر، فكانت نطاة والشّق ثمانية عشر سهما، نطاة خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهما، فقسمت الشق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم، فكان لكلّ سهم رأس جمع إليه مائة رجل؛ قال: ثم قسم رسول الله ﷺ الكتيبة- وهو وادى خاص- بين قرابته ونسائه ورجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها. وروى بشير بن يسار قال: لما افتتح النبى ﷺ خيبر أخذها عنوة، فقسمها على ستة وثلاثين سهما، فأخذ لنفسه ولنوائبه وما ينزل به ثمانية عشر سهما، وقسم بين الناس ثمانية عشر سهما. والله أعلم.

стр. 6008

وروى أبو داود فى سنته بسنده إلى عقبة بن عامر أن النبى ﷺ قال لرجل: «أترضى أن أزوّجك فلانة؟» قال: نعم؛ وقال للمرأة: «أترضين أن أزوّجك فلانا؟» قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجنى فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإنّى أشهد كم أنّى أعطيتها من صداقها سهمى بخيبر. فأخذت سهما فباعته بمائة ألف. ذكر تسمية من قسم لهم رسول الله ﷺ من الكتيبة التى خرجت للخمس وما أعطاهم منها قسم رسول الله ﷺ من الكتيبة- وهو وادى خاص «١» - لفاطمة ابنته رضى الله عنهامائتى وسق، ولعلىّ بن أبى طالب مائة وسق، ولأسامة بن زيد مائتى وسق، وخمسين وسقا نوى، ولعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها مائتى وسق، ولأبى بكر الصديق رضى الله عنه مائة وسق، ولعقيل بن أبى طالب مائة وسق وأربعين وسقا، ولبنى جعفر خمسين وسقا، ولربيعة بن الحارث مائة وسق، وللصلت بن مخرمة وابنيه مائة وسق؛ للصلت منها أربعون وسقا. وقال أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة قاسم بن مخرمة بن المطلب: أعطاه رسول الله ﷺ ولأخيه الصلت مائة وسق من خيبر، ولأبى نبقة خمسين وسقا، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، ولابن القاسم بن مخرمة أربعين وسقا، ولبنات عبيدة بن الحارث وابنه الحصين بن الحارث مائة وسق، ولبنى عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا، ولابن

стр. 6009

أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا، ولمسطح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسقا، ولأم رميثة أربعين وسقا، ولنعيم «١» بن هند ثلاثين وسقا، ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا، ولعجير بن عبد يزيد ثلاثين وسقا، ولأم الحكم «٢» بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين وسقا، ولجمانة بنت أبى طالب ثلاثين وسقا، ولعبد الله بن الأرقم الزهرى خمسين وسقا، ولعبد الرحمن بن أبى بكر أربعين وسقا، ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا، ولأم الزبير أربعين وسقا، ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا، ولابن أبى خنيس ثلاثين وسقا، ولأم طالب أربعين وسقا، ولأبى نضرة عشرين وسقا، ولنميلة الكلبىّ خمسين وسقا، ولعبد الله بن وهب وابنيه تسعين وسقا، لابنيه منها أربعون وسقا، ولأم حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا، ولملكو بن عبدة ثلاثين وسقا، ولنسائه ﷺ سبعمائة وسق. وقال ابن إسحاق أيضا: وقسم رسول الله ﷺ لنسائه من فتح خيبر مائة وسق وثمانين وسقا، ولفاطمة ابنة رسول الله ﷺ خمسة وثمانين وسقا، ولأسامة بن زيد أربعين وسقا، وللمقداد بن الأسود خمسة عشر وسقا، ولأمّ رميثة خمسة أوسق. شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب. قال: وكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر خارصا «٣» بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعديت علينا؛ قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم قلنا؛ فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض. ولم يخرص عليهم عبد الله إلا عاما واحدا ومات.

стр. 6010

وروى أبو داود ﵀ فى سننه بسنده عن جابر بن عبد الله من رواية ابن جريج عن أبى الزبير عنه، قال: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وإن اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق، ثم خرص «١» عليهم بعده جبّار بن صخر بن أمية بن خنساء، أخو بنى سلمة، فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا فى معاملتهم، حتى عدوا على عهد رسول الله ﷺ على عبد الله بن سهل، أخى بنى حارثة، فقتلوه، وكان قد خرج إليها فى أصحاب له يمتار «٢» منها تمرا، فوجد فى عين قد كسرت عنقه، فاتهمهم رسول الله ﷺ والمسلمون بقتله، وجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل، وابنا عمه حويّصة ومحيّصة إلى رسول الله ﷺ ، فتكلم عبد الرحمن- وكان أصغرهم، وهو صاحب الدم- فقال رسول الله ﷺ : «كبّر «٣» كبّر» فسكت، وتكلم حويّصة ومحيّصة، ثم تكلم بعدهما، فذكروا قتل صاحبهم، فقال رسول الله ﷺ : «أتسمّون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنحلف على ما لا نعلم؛ قال: «أفيحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، ثم يبرءون من دمه؟» ، فقالوا: يا رسول الله، ما كنا لنقبل أيمان يهود، ما هم فيه من الكفر أعظم أن يحلفوا على إثم. قال: فوداه رسول الله ﷺ بمائة ناقة. قال «٤» : واستقرت خيبر بيد يهود على ما عاملهم عليها رسول الله ﷺ مدة حياته، ثم أقرها أبو بكر رضى الله عنه بعد رسول الله ﷺ بأيديهم على المعاملة، ثم أقرهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه صدرا من خلافته،

стр. 6011

ثم بلغه أن رسول الله ﷺ قال فى وجعه الذى قبضه الله فيه: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» ؛ ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله قد أذن فى إجلائكم، قد بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» فمن كان عنده عهد من رسول الله ﷺ من اليهود فليأتنى به أنفذه له، ومن لم يكن له عهد منه فليتجهز للجلاء. فأجلى عمر بن الخطاب من لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ . هذا ما كان من أمر خيبر على سبيل الاختصار، فلنذكر ما اتفق بعد فتح خيبر مما يتعين إلحاقه بهذه الغزوة لتعلقه بها، فمن ذلك خبر الشاة التى سمّ فيها رسول الله ﷺ ، وقد قدّمنا ذكر ذلك فى أخبار يهود، وهو فى الجزء الرابع عشر من هذه النسخة «١» ، ومنه خبر الحجاج بن علاط. ذكر خبر الحجاج بن علاط وما أوصله إلى أهل مكة عن رسول الله ﷺ حتى استوفى أمواله قالوا: وكان الحجاج بن علاط السّلمىّ ثم البهزىّ أسلم وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ ، فلما فتحت خيبر قال: يا رسول الله، إن لى بمكة ما لا عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة، ومال مفرّق فى تجار أهل مكة، فأذن لى يا رسول الله. فأذن له، فقال: إنه لا بدّ لى يا رسول الله من أن أقول. قال: «قل» ، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنيّة البيضاء «٢» رجالا من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ ، وقد بلغهم أنه قد سار

стр. 6012

إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفا ومنعة ورجالا، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الرّكبان، فلما رأونى قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر؛ قال: ولم يكونوا قد علموا بإسلامى، فقالوا: أخبرنا يا أبا محمد، فإنه بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهى بلد يهود وريف بالحجاز؛ قال: قلت: قد بلغنى ذلك وعندى من الخبر ما يسركم؛ فالتبطوا «١» بجنبى ناقتى يقولون: إيه يا حجاج! قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقلتوه بين أظهرهم بمن أصاب من رجالهم. فقاموا وصاحوا بمكة، وقالوا: لقد جاءكم الخبر، وهذا محمد، إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينونى على جمع مالى بمكة على غرمائى، فإنى أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فلّ «٢» محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك. قال: فقاموا فجمعوا لى مالى كأحثّ «٣» جمع سمعت به. قال: وجئت صاحبتى فقلت: مالى- وقد كان لى عندها مال موضوع- لعلى الحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار؛ قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عنّى، أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا فى خيمة من خيم «٤» التجار، فقال: يا حجاج، ما هذا الخبر الذى جئت به؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم؛ قلت: فاستأخر عنى حتى أفرغ. قال: فلما فرغت من جمع كل شىء كان لى بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ علىّ حديثى يا أبا الفضل، فإنى أخشى الطلب ثلاثا، ثم قل ما شئت. قال: أفعل؛ قلت: فإنى والله تركت ابن أخيك

стр. 6013

عروسا على بنت ملكهم- يعنى صفيّة بنت حيىّ بن أخطب- ولقد افتتح خيبر، وانتثل «١» ما فيها، وصارت له ولأصحابه؛ قال: ما تقول يا حجاج! قلت: إى والله، فاكتم عنى، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ ما لى فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو والله على ما تحب. قال: وسرت حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلّة له، وتخلّق «٢» وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلّد لحرّ المصيبة؛ قال: كلا، والله الذى حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذى جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله، وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه؛ قالوا: يا لعباد الله! انفلت عدوّ الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك. ذكر انصراف رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادى القرى، ونومهم عن صلاة الصبح قالوا: ولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادى القرى، فنزل به مع غروب الشمس، ومعه غلام له يقال له: مدعم؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجذامىّ، فبينا هو يضع رحل رسول الله ﷺ أتاه سهم غرب «٣» فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة؛ فقال رسول الله ﷺ : «كلا والذى نفس محمد بيده إن شملته «٤» لتحترق عليه فى النار» . كان غلّها

стр. 6014

من فىء المسلمين يوم خيبر، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لى؛ فقال: «يقدّ لك مثلهما من النار» . قال أبو بكر أحمد البيهقىّ ﵀ بسند يرفعه إلى أبى هريرة رضى الله عنه، وساق نحو الحديث فى قتل مدعم، ثم قال: وكانت يهود قد ثوى إليها ناس من العرب، فاستقبلونا بالرّمى حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون من آطامهم، فعبأ رسول الله ﷺ أصحابه وصفّهم للقتال، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عبّاد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير ابن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه فقتله ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة الأنصارىّ رضى الله عنه فقتله، حتى قتل منهم اثنا «١» عشر رجلا، كلما قتل رجل منهم دعى من بقى إلى الإسلام. قال: ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلى بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم ﷺ حتى أمسى، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنم أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، فأقام رسول الله ﷺ بوادى القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنخل بأيدى يهود، وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما كان من أمر خيبر وفدك ووادى القرى صالحوا رسول الله ﷺ على الجزية،

стр. 6015

وأقاموا بأيديهم أموالهم، ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة؛ فلما كان ببعض الطريق قال من آخر الليل: «من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام» ؟ وجاء فى الحديث: «من رجل يكلأ لنا الليل» ؟. فقال بلال: أنا يا رسول الله. فنزل رسول الله ﷺ ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلى، فصلى ما شاء الله أن يصلى، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مسّ الشمس، وكان رسول الله ﷺ أول أصحابه استيقاظا، فقال: «ماذا صنعت بنا يا بلال» ؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك. قال: «صدقت» . ثم اقتاد رسول الله ﷺ [بعيره «١» ] غير كثير ثم أناخ، فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة «٢» ، فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فلما سلّم أقبل على الناس فقال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله يقول: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) «٣» » . وفى الحديث: أن رسول الله ﷺ حين استيقظ واستيقظ أصحابه أمرهم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادى، وقال: «إن هذا واد به شيطان» فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادى، ثم أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا ... الحديث بنحو ما تقدم. ذكر سريّة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى تربة «٤» بعثه رسول الله ﷺ فى شعبان سنة سبع من مهاجره فى ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة- وهى ناحية العبلاء، على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء ونجران- وهى ناحية العبلاء على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء ونجران- فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالّهم «٥» فلم يلق بها أحدا. فانصرف راجعا إلى المدينة.

стр. 6016

ذكر سرية أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى بنى كلاب بنجد بعثه رسول الله ﷺ فى شعبان سنة سبع من مهاجره . روى عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع أبى بكر رضى الله عنه إذ بعثه رسول الله ﷺ علينا، فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، وكان شعارنا: أمت أمت. قال: فقتلت بيدى سبعة أهل أبيات من المشركين. وعنه أيضا قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر إلى فزارة. وهذا الذى صححه مسلم. وعن إياس بن مسلمة بن الأكوع قال: حدثنى أبى قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر رضى الله عنه، أمّره رسول الله ﷺ علينا، فلما كان بينه وبين القوم ساعة أمرنا أبو بكر فعرّسنا «١» ، ثم شنّ الغار فورد الماء، فقتل من قتل وسبى من سبى. ثم [قال «٢» سلمة: فرأيت عنقا «٣» ] من الناس فيهم الذرارىّ، فخشيت أن يسبقونى إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بنى فزارة، معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر رضى الله عنه فنفلنى ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا، فلقينى رسول الله ﷺ فى السوق، فقال: «يا سلمة، هب لى المرأة» . فقلت: يا رسول الله، قد أعجبتنى وما كشفت لها ثوبا؛ ثم لقينى من الغد فى السوق، فقال: «يا سلمة، هب لى المرأة، لله أبوك!» . فقلت: هى لك يا رسول الله؛ فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة. روى هذا الحديث مسلم.

стр. 6017

ذكر سريّة بشير بن سعد الأنصارى إلى فدك بعثه رسول الله ﷺ فى شعبان سنة سبع من مهاجره فى ثلاثين رجلا إلى بنى مرّة بفدك، فخرج فلقى رعاء الشاء، فسأل عن الناس فقيل: فى نواديهم، فاستاق النّعم والشاء، وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركهم «١» الدّهم «٢» منهم عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا، فحمل المرّبون عليهم فأصابوا أصحاب بشير، وقاتل بشير حتى ارتثّ «٣» وضرب كعبه، وقيل: قد مات. ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثى يخبرهم على رسول الله ﷺ ، ثم قدم بعده بشير بن سعد. ذكر سريّة غالب بن عبد الله الليثى إلى الميفعة بعثه رسول الله ﷺ فى شهر رمضان سنة سبع من مهاجره إلى بنى عوال «٤» ، وبنى عبد بن ثعلبة، وهم بالميفعة، وهى وراء بطن نخل إلى النّقرة قليلا بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد. بعثه فى مائة وثلاثين رجلا، ودليلهم يسار، مولى رسول الله ﷺ ، فهجموا عليهم جميعا، ووقعوا وسط محالّهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة، ولم يأسروا أحدا. وفى هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذى قال لا إله إلا الله، وهو نهبك بن مرداس بن ظالم من بنى ذبيان بن بغيض، وقال ابن إسحاق: مرداس بن نهيك؛ حليف لهم من الحرقة من جهينة. ونقل أبو عمر بن عبد البر أنه عامر بن الأضبط الأشجعىّ، وأن رسول الله صلّى الله

стр. 6018

عليه وسلّم وداه. قال أسامة: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلمّا شهرنا عليه السلاح قال: أشهد أن لا إله إلّا الله؛ فلم ننزع عنه حتّى قتلناه، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره؛ فقال: «يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنه إنما قالها تعوّذا من القتل؛ قال: «فمن لك بها يا أسامة» ؟ قال: فو الّذى بعثه بالحقّ إنه ما زال يردّدها علىّ حتّى لوددت أنّ ما مضى من إسلامى لم يكن، وكنت أسلمت يومئذ، وأنّى لم أقتله. قال: قلت: أنظرنى يا رسول الله، إنى أعاهد الله ألّا أقتل رجلا يقول: «لا إله إلا الله» أبدا. قال: «يقول بعدى يا أسامة» ، قلت: بعدك، وفى بعض طرق هذا الحديث أن رسول الله ﷺ قال لأسامة حين قال: «يا رسول الله، إنما قالها تعوّذا من القتل» «هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب» !. ذكر سريّة بشير بن سعد الأنصارىّ إلى يمن «١» وجبار «٢» كانت هذه السريّة فى شوّال سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ . وذلك أن رسول الله ﷺ بلغه أن جمعا من غطفان بالجناب «٣» قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بشير بن سعد فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا حتى أتوا يمن وجبار، وهو نحو الجناب- والجناب يعارض سلاح «٤» وخيبر ووادى القرى- فدنوا

стр. 6019

من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا، وتفرّق الرّعاء فحدّروا الجمع، فتفرّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد فى أصحابه حتى أتى محالّهم فلم يجد فيها أحدا، فرجع بالنّعم، وأصاب منهم رجلين، فأسرهما وقدم بهما المدينة إلى رسول الله ﷺ ، فأسلما، فأرسلهما ﷺ . ذكر سريّة ابن أبى العوجاء السّلمىّ إلى بنى سليم بعثه رسول الله ﷺ فى ذى الحجّة سنة سبع من مهاجره فى خمسين رجلا إلى بنى سليم، وذلك بعد انصراف رسول الله ﷺ من مكة بعد عمرة القضاء، فخرج إليهم وتقدّمه عين لهم كان معه، فحذّرهم، فتجمّعوا، فأتاهم ابن أبى العوجاء وهم معدّون له، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه. فتراموا ساعة بالنّبل، وجعلت الأمداد تأتى حتى أحدقوا بهم من كلّ ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامّتهم، وأصيب ابن أبى العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتّى بلغ رسول الله ﷺ ، فقدموا المدينة فى أوّل يوم من صفر سنة ثمان من الهجرة. ذكر سريّة غالب بن عبد الله الليثىّ إلى بنى الملوح بالكديد «١» كانت فى صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ . روى عن جندب بن مكيث الجهنىّ قال: بعث رسول الله ﷺ غالب ابن عبد الله الليثىّ، ثم أحد بنى كلب بن عوف فى سريّة، فكنت فيهم، وأمرهم أن يشنّوا الغارة على بنى الملوّح بالكديد- وهم من بنى ليث- قال: فخرجنا

стр. 6020

حتى إذا كنا بقديد «١» لقينا الحارث بن البرصاء، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام. قلنا: إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة. قال: فشددناه وثاقا، وخلّفنا عليه رويجلا منّا أسود، وسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنّا فى ناحية الوادى، وبعثنى أصحابى ربيئة «٢» ، فخرجت حتى آتى تلّا مشرفا على الحاضر «٣» ، فاستندت فيه، فعلوت فى رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فو الله إنّى لمنبطح على التلّ إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لامرأته: إنى لأرى على التلّ سوادا ما رأيته فى أوّل يومى، فانظرى إلى أوعيتك، هل تفقدين منها شيئا؟ لا تكون الكلاب جرّت بعضها قال: فنظرت، فقالت: لا والله ما أفقد شيئا. قال: فناولينى قوسى وسهمين، فناولته، فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبى، فأنزعه فأضعه، وثبّت مكانى، ثم أرسل الآخر فوضعه فى منكبى، فأنزعه فأضعه، وثبتّ مكانى، فقال لامرأته: لو كان ربيئة لقد تحرّك، لقد خالطه سهماى لا أبا لك! فإذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب؛ قال: ثمّ دخل، وأمهلناهم حتى اطمأنّوا وتأمّوا- وكان وجه السّحر- شننّا عليهم الغارة، واستقنا النعم، فخرج صريخ القوم فى قومهم، فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، وأدركنا القوم حتّى نظروا إلينا، ما بيننا وبينهم إلّا الوادى- وادى قديد- فأرسل الله تعالى الوادى بالسّيل من حيث شاء ﵎ من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشىء ليس لأحد به قوّة، ولا يقدر على أن يجاوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا، وإنّا لنسوق نعمهم

стр. 6021

ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم، فلم يقدروا على طلبنا، قال: فقدمنا بها على رسول الله ﷺ . قال ابن سعد: وكانوا بضعة عشر رجلا، وكان شعارهم يومئذ: أمت أمت! ذكر سريّة غالب بن عبد الله الّليثى أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك كانت فى صفر سنة ثمان من هجرة رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ قد هيّأ الزبير بن العوّام رضى الله عنه، وقال له: «سر حتى تنتهى إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم» ، وهيّأ معه مائتى رجل، وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله من الكديد، وقد أظفره الله، فقال رسول الله ﷺ للزبير: «اجلس» . وبعث غالب بن عبد الله فى مائتى رجل، فيهم أسامة بن زيد، فسار حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير، فأصابوا نعما، وقتلوا قتلى. ذكر سريّة شجاع بن وهب الأسدىّ إلى بنى عامر بالسّىّ «١» بعثه رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من الهجرة فى أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسّىّ، من ناحية ركبة «٢» ، من وراء المعدن «٣» ، وهى من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فسار حتى صبّحهم وهى غارّون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وغابت هذه السريّة خمس عشرة ليلة.

стр. 6022

ذكر سريّة كعب بن عمير الغفارىّ إلى ذات أطلاح «١» بعثه رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من الهجرة فى خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، من أرض الشام، وهى من وراء وادى القرى، فوجدوا جمعا كثيرا من جمعهم، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنّبل، فلمّا رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشدّ القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقّ ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى مواضع أخر، فتركهم. ذكر سريّة مؤتة ومؤتة «٢» بأدنى البلقاء بالقرب من الكرك «٣» . كانت هذه السريّة فى جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السريّة أنّ رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدىّ إلى ملك بصرى بكتاب، فلمّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّانىّ، فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتدّ ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف «٤» ، وهم ثلاثة آلاف،

стр. 6023

فقال رسول الله ﷺ : «أمير القوم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم» ، وعقد لهم رسول الله ﷺ لواء أبيض وسلّمه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله ﷺ أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام «إن أجابوا، وإلّا فاستعينوا عليهم بالله وقاتلوهم» ، وخرج رسول الله ﷺ مشيّعا لهم حتّى بلغ ثنيّة الوداع «١» ، فوقف وودّعهم وانصرف عنهم. فقال عبد الله بن رواحة: خلف السلام على امرئ ودّعته ... فى النّخل خير مودّع «٢» وخليل فلمّا ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردّكم صالحين غانمين!. فقال ابن رواحة: لكنّنى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا «٣» فى أبيات «٤» أخر. قال: فلمّا فصلوا «٥» من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه،

стр. 6024

وقد نزل المسلمون معان «١» من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرفل قد نزل مآب «٢» من أرض البلقاء فى مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين، عليهم رجل من بلىّ ثم أحد إراشة؛ يقال له: مالك بن زافلة «٣» ، فأقاموا ليلتين لينظروا فى أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فشجّعهم عبد الله ابن رواحة، وقال: يا قوم، والله إنّ التى تكرهون للّتى خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنّما هى إحدى الحسنين: إمّا ظهور «٤» ، وإمّا شهادة. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. قال: فمضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم «٥» البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها المشارف، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة «٦» ، ووافاهم المشركون، فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع «٧» والدّيباج والحرير والذهب

стр. 6025

فعبّأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عدرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك- ويقال: عبادة- ثم التقوا واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة رضى الله عنه براية رسول الله ﷺ حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها «١» ، فكانت أوّل فرس عرقبت فى الإسلام، وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد فى أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا، ووجدنا فيما أقبل من بدنه «٢» اثنتين وسبعين ضربة بسيف «٣» وطعنة برمح. وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللّواء بيمينه فقطعت يده، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين فى الجنّة يطير بهما حيث شاء. وقال محمد بن إسحاق: كان جعفر يقاتل وهو يقول: يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها علىّ إن لاقيتها ضرابها قال: ولمّا قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه «٤» ويتردّد بعض التردّد، ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرّهنّه
следующие страницы →