Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم، فلم يقدروا على طلبنا، قال: فقدمنا بها على رسول الله ﷺ .
قال ابن سعد: وكانوا بضعة عشر رجلا، وكان شعارهم يومئذ: أمت أمت!
ذكر سريّة غالب بن عبد الله الّليثى أيضا إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك
كانت فى صفر سنة ثمان من هجرة رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ قد هيّأ الزبير بن العوّام رضى الله عنه، وقال له:
«سر حتى تنتهى إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم» ، وهيّأ معه مائتى رجل، وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله من الكديد، وقد أظفره الله، فقال رسول الله ﷺ للزبير:
«اجلس» . وبعث غالب بن عبد الله فى مائتى رجل، فيهم أسامة بن زيد، فسار حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير، فأصابوا نعما، وقتلوا قتلى.
ذكر سريّة شجاع بن وهب الأسدىّ إلى بنى عامر بالسّىّ «١»
بعثه رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من الهجرة فى أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسّىّ، من ناحية ركبة «٢» ، من وراء المعدن «٣» ، وهى من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فسار حتى صبّحهم وهى غارّون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وغابت هذه السريّة خمس عشرة ليلة.
стр. 6022
ذكر سريّة كعب بن عمير الغفارىّ إلى ذات أطلاح «١»
بعثه رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان من الهجرة فى خمسة عشر رجلا، فساروا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح، من أرض الشام، وهى من وراء وادى القرى، فوجدوا جمعا كثيرا من جمعهم، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنّبل، فلمّا رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشدّ القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقّ ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى مواضع أخر، فتركهم.
ذكر سريّة مؤتة
ومؤتة «٢» بأدنى البلقاء بالقرب من الكرك «٣» .
كانت هذه السريّة فى جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السريّة أنّ رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدىّ إلى ملك بصرى بكتاب، فلمّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّانىّ، فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتدّ ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف «٤» ، وهم ثلاثة آلاف،
стр. 6023
فقال رسول الله ﷺ : «أمير القوم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم» ، وعقد لهم رسول الله ﷺ لواء أبيض وسلّمه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله ﷺ أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام «إن أجابوا، وإلّا فاستعينوا عليهم بالله وقاتلوهم» ، وخرج رسول الله ﷺ مشيّعا لهم حتّى بلغ ثنيّة الوداع «١» ، فوقف وودّعهم وانصرف عنهم. فقال عبد الله بن رواحة:
خلف السلام على امرئ ودّعته ... فى النّخل خير مودّع «٢» وخليل
فلمّا ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردّكم صالحين غانمين!.
فقال ابن رواحة:
لكنّنى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا «٣»
فى أبيات «٤» أخر.
قال: فلمّا فصلوا «٥» من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه،
стр. 6024
وقد نزل المسلمون معان «١» من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرفل قد نزل مآب «٢» من أرض البلقاء فى مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين، عليهم رجل من بلىّ ثم أحد إراشة؛ يقال له: مالك بن زافلة «٣» ، فأقاموا ليلتين لينظروا فى أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فشجّعهم عبد الله ابن رواحة، وقال: يا قوم، والله إنّ التى تكرهون للّتى خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنّما هى إحدى الحسنين: إمّا ظهور «٤» ، وإمّا شهادة. فقال الناس:
قد والله صدق ابن رواحة. قال: فمضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم «٥» البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها المشارف، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة «٦» ، ووافاهم المشركون، فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع «٧» والدّيباج والحرير والذهب
стр. 6025
فعبّأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عدرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك- ويقال: عبادة- ثم التقوا واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة رضى الله عنه براية رسول الله ﷺ حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها «١» ، فكانت أوّل فرس عرقبت فى الإسلام، وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد فى أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا، ووجدنا فيما أقبل من بدنه «٢» اثنتين وسبعين ضربة بسيف «٣» وطعنة برمح.
وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللّواء بيمينه فقطعت يده، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين فى الجنّة يطير بهما حيث شاء.
وقال محمد بن إسحاق: كان جعفر يقاتل وهو يقول:
يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها
والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علىّ إن لاقيتها ضرابها
قال: ولمّا قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه «٤» ويتردّد بعض التردّد، ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلنّ أو لتكرّهنّه
стр. 6026
إن أجلب الناس وشدّ والرّنّة «١» ... مالى أراك تكرهين الجنّة
قد طال ما قد كنت مطمئنّة ... هل أنت إلّا نطفة فى شنّة «٢»
وقال أيضا رضى الله عنه:
يا نفس إلّا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلى فعلهما هديت
وإن تولّيت فقد شقيت
يريد بقوله: «فعلهما» صاحبيه زيدا وجعفرا؛ ثم نزل. فأتاه ابن عمّ له بعرق «٣» من لحم، فقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت فى أيّامك هذه ما لقيت.
فأخذه من يده فانتهس «٤» منه نهسة، ثم سمع الحطمة «٥» من ناحية الناس، فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه وتقدّم، فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم، وقال: يا معشر الناس «٦» ، اصطلحوا على رجل منكم؛ فقالوا: أنت؛ قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم، وحاشى «٧» بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، وانكشف. فكانت
стр. 6027
الهزيمة، فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين، ورفعت الأرض لرسول الله ﷺ حتى نظر إلى معترك القوم، فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله ﷺ : «الآن حمى الوطيس «١» » .
قال محمد بن إسحاق: ولمّا أصيب القوم قال رسول الله ﷺ :
«أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا» ، ثم صمت حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنّوا أنّه قد كان فى عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهون؛ فقال: «ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا» .
قال ابن إسحاق: وكان قطبة بن قتادة العذرىّ حمل على مالك بن زافلة فقتله وهو على المائة ألف الّتى اجتمعت من العرب، فقال فى ذلك:
طعنت ابن زافلة بن الإراش ... برمح مضى فيه ثمّ انحطم «٢»
ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم «٣»
قال: ولمّا سمع أهل المدينة بإقبال جيش مؤتة تلقّوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون فى وجوههم التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم فى سبيل الله؟ فيقول رسول الله ﷺ : «ليسوا بفرّار، ولكنّهم كرّار إن شاء الله» .
стр. 6028
ذكر تسمية من استشهد من المسلمين يوم مؤتة
استشهد من قريش ومواليهم أربعة نفر، وهم: جعفر بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، ومسعود بن الأسود بن حارثة ابن نضلة، ووهب بن سعد بن أبى سرح. واستشهد من الأنصار: عبد الله ابن رواحة، وعبّاد بن قيس، والحارث بن النعمان بن إساف، وسراقة بن عمرو وأبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد، وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عبّاد، رضوان الله عليهم أجمعين.
ذكر سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل «١»
وهى وراء وادى القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت فى جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السريّة أنّ رسول الله ﷺ بلغه أنّ جمعا من قضاعة قد تجمّعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف «٢» رسول الله ﷺ ، فدعا عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه فى ثلاثمائة من سراة «٣» المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسا، وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بلىّ «٤» وعدرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن مكيث «٥» الجهنىّ
стр. 6029
إلى رسول الله ﷺ يستمدّه، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرّاح فى مائتين، وعقد له لواء، وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلحق بعمرو؛ فأراد أبو عبيدة أن يؤمّ الناس، فقال عمرو: إنما قدمت علىّ مددا، وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة «١» ، وسار حتى وطئ بلاد بلىّ، ودوّخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقى فى آخر ذلك جمعا، فحمل عليهم المسلمون، فهربوا فى البلاد وتفرّقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعىّ بريدا إلى رسول الله ﷺ ؛ فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان فى غزاتهم.
ذكر سريّة أبى عبيدة بن الجرّاح، وهى سريّة الخبط «٢»
بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح فى شهر رجب سنة ثمان من الهجرة فى ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطّاب- رضى الله عنه- إلى حىّ من جهينة بالقبليّة مما يلى ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم فى الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط، وابتاع قيس بن سعد جزورا ونحرها لهم.
روى عن عبادة بن الصامت قال: بعث رسول الله ﷺ سريّة إلى سيف «٣» البحر، عليهم أبو عبيدة بن الجرّاح، وزوّدهم جرابا من تمر، فجعل يقوتهم إيّاه حتى صاروا إلى أن يعدّه لهم عدّا، ثم نفد التمر حتى كان يعطى كلّ رجل منهم كلّ يوم تمرة، فقسمها يوما بيننا، فنقصت تمرة عن رجل، قال: فوجدنا فقدها ذلك
стр. 6030
اليوم، فلمّا جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابّة «١» من البحر فأصبنا من لحمها وودكها، «٢» فأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنّا وابتللنا «٣» ، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعه على طريقه، ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منّا، فخرج من تحتها وما مسّت رأسه، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبرها، وسألناه عمّا صنعنا فى ذلك من أكلنا إيّاها، فقال: «رزق رزقكموه الله» .
قال ابن سعد: وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.
ذكر سريّة أبى قتادة بن ربعىّ الأنصارىّ إلى خضرة وهى أرض محارب بنجد
قالوا: بعثه رسول الله ﷺ فى شعبان سنة ثمان من الهجرة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط به، فصرخ رجل منهم: يا خضرة وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشرافهم «٤» ، واستاقوا النّعم، فكانت الإبل مائتى بعير، والغنم ألفى شاة، وسبوا سبيا كثيرا، وجمعوا الغنائم، فأخرجوا الخمس، وقسموا ما بقى على السريّة، فأصاب كلّ رجل منهم اثنا عشر بعيرا، وعدل البعير بعشر من
стр. 6031
الغنم، وصارت فى سهم أبى قتادة جارية وضيئة، فاستوهبها منه رسول الله ﷺ ، فوهبها له، فوهبها ﷺ لمحميّة بن جزء. وغابوا فى هذه السريّة خمس عشرة ليلة.
ذكر سريّة أبى قتادة بن ربعىّ الأنصارىّ إلى بطن إضم
كانت هذه السريّة فى أوّل شهر رمضان سنة ثمان من هجرة رسول الله ﷺ .
قالوا: لمّا همّ رسول الله ﷺ بغزو أهل مكّة بعث أبا قتادة فى ثمانية نفر سريّة إلى بطن إضم- وهى فيما بين ذى خشب وذى المروة وبينها وبين المدينة ثلاثة برد- ليظنّ ظانّ أنّ رسول الله ﷺ توجّه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان فى السريّة محلّم بن جثّامة اللّيثى، فمرّ عامر بن الأضبط الأشجعىّ، فسلّم بتحيّة الإسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محلّم بن جثّامة فقتله لشىء كان بينهما، وسلبه بعيره ومتاعه، فلمّا لحقوا برسول الله ﷺ نزل فيهم من القرآن قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ «١» )
الآية. فمضوا ولم يلقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذى خشب، فبلغهم أنّ رسول الله ﷺ قد توجّه إلى مكّة، فأخذوا على يين «٢» ، حتى لقوا النبىّ ﷺ بالسّقيا.
стр. 6032
ذكر غزوة رسول الله ﷺ عام الفتح والسبب الّذى أوجب نقض العهد وفسخ الهدنة
كانت هذه الغزوة فى شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ ، وعلى رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية.
وسبب ذلك أنّه لمّا دخل شعبان من هذه السنة كلّمت بنو نفاثة- وهم من بنى بكر- أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرّجال والسلاح، وكانت خزاعة قد دخلت فى عقد رسول الله ﷺ وعهده يوم الحديبية كما قدّمنا ذكر ذلك، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش وعهدها، قالوا: فلمّا سألوهم ذلك وعدوهم ووافوهم بالوتير «١» متنكّرين متنقّبين، فيهم صفوان بن أميّة، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيّتوا خزاعة ليلا، وهم غارّون «٢» آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعت، وعلموا أن هذا نقض للمدّة والعهد الّذى بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعىّ فى أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بالّذى أصابهم ويستنصرونه.
قال ابن إسحاق: قدم عمرو بن سالم على رسول الله ﷺ المدينة، فوقف ورسول الله ﷺ جالس فى المسجد بين ظهرانى الناس، فقال:
يا ربّ إنّى ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا «٣»
قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا «٤»
стр. 6033
فانصر هداك الله نصرا أبدا «١» ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا ... إن سيم خسفا وجهه تربّدا «٢»
فى فيلق «٣» كالبحر يجرى مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكّدا ... وجعلوا لى فى كداء رصّدا «٤»
وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتّلونا ركّعا وسجّدا «٥»
يقول: قتلنا وقد أسلمنا، ويروى بدل قوله: ... قد كنتم ولدا وكنّا والدا
نحن ولدناكم فكنت ولدا
قال: فقال رسول الله ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم» .
وروى محمد بن سعد فى طبقاته، قال: فقام رسول الله ﷺ وهو يجرّ رداءه ويقول: «لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب ممّا أنصر منه نفسى» .
ثم عرض له سحاب، فقال: إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بنى كعب.
قال محمد بن إسحاق: وقدم بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة على رسول الله ﷺ ، فأخبره بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم
стр. 6034
ثم انصرفوا راجعين إلى مكّة، وقال رسول الله ﷺ لأصحابه:
«كأنّكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشدّ العقد ويزيد فى المدّة» ، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان «١» ، قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشدّ العقد، ويزيد فى المدّة، فقال له أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: تسيّرت فى خزاعة فى هذا الساحل وفى بطن هذا الوادى؛ قال: أو ما جئت محمّدا؟ قال: لا، وفارقه، فقال أبو سفيان: لئن كان بديل جاء إلى يثرب لقد علف النوى بها، فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففتّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمّدا؛ ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على محمّد ﷺ ، فدخل على ابنته أمّ حبيبة، وذهب ليجلس على فراش النبىّ ﷺ ، فطوته، فقال: يا بنيّة، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش، أم رغبت به عنّى، قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبّ أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ؛ فقال: والله لقد أصابك بعدى يا بنيّة شرّ، ثم خرج حتّى أتى رسول الله ﷺ ، فكلّمه، فلم يردّ عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر وكلّمه أن يكلّم «٢» رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل؛ ثم أتى عمر بن الخطّاب فكلّمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فو الله لو لم أجد إلّا الذّرّ لجاهدتكم به؛ ثم دخل على علىّ بن أبى طالب، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وعندها الحسن ابنها غلام يدب بين يديها، فقال: يا علىّ،
стр. 6035
إنّك أمسّ القوم بى رحما، وإنى قد جئت فى حاجة فلا أرجعنّ «١» كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمّد، هل لك أن تأمرى بنيّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنىّ ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ ؛ فقال: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدّت علىّ، فانصحنى، قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنّك سيّد بنى كنانة. فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّى شيئا؟ قال: لا والله، ما أظنّه، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان فى المسجد فقال: أيّها الناس، إنّى قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلمّا قدم مكّة على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلّمته، فو الله ما ردّ علىّ شيئا، ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطّاب فوجدته أعدى العدوّ، ثمّ جئت «٢» عليّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علىّ بشىء صنعته، فو الله ما أدرى هل يغنى شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا؛ قالوا:
ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب منك «٣» ، فما يغنى عنك ما فعلت «٤» ، ثم تجهّز
стр. 6036
رسول الله ﷺ وأخفى مقصده، ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكّة، وامرهم بالجدّ والتهيّؤ، وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها» . والله المعين.
ذكر خبر حاطب بن أبى بلتعة فى كتابه إلى أهل مكّة، وإعلام الله تعالى نبيّه ﷺ بذلك، وأخذه الكتاب، وما أنزل الله فى ذلك من القرآن
قال: ولمّا أجمع رسول الله ﷺ المسير إلى مكّة كتب حاطب ابن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر فى المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة يقال إنها من مزينة- وقيل: هى سارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب- وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها ثم قتلت عليه قرونها وخرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علىّ بن أبى طالب، والزبير بن العوّام رضى الله عنهما، وقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذّرهم ما قد أجمعنا فى أمرهم، فخرجا فأدركاها بالخليفة، خليفة بنى أبى أحمد، فاستنزلاها والتمسا فى رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علىّ: أحلف بالله لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنفتّشنّك، فقالت: أعرض عنّى، فأعرض، فحلّت قرون «١» رأسها فاستخرجت الكتاب ودفعته إليه، فأتيا به رسول الله ﷺ ، فدعا حاطبا فقال:
«ما حملك على هذا» ؟. قال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيّرت
стр. 6037
وما بدّلت، ولكنّنى امرؤ ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، ولى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر: يا رسول الله، دعنى أضرب عنقه، فإنّ الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .
هذه رواية محمد بن إسحاق.
وقال الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ ﵀: إن المرأة سارة مولاة عمرو بن صيفىّ بن هاشم بن عبد مناف، وإنها أتت رسول الله ﷺ من مكّة إلى المدينة ورسول الله ﷺ يتجهّز لفتح مكة، فقال لها رسول الله ﷺ : «أمسلمة جئت» ؟ قالت: لا. قال: «أمهاجرة جئت» ؟ قالت: لا؛ قال: «فما حاجتك» ؟ قالت: كنت كثيرة العشيرة والأصل والموالى، وقد ذهبت موالى، واحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى وتحملونى. قال لها: «فأين أنت من شباب أهل مكّة» ، وكانت مغنيّة نائحة، قالت: ما طلب منّى شىء بعد وقعة بدر: فحثّ رسول الله ﷺ بنى عبد المطّلب وبنى المطّلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة؛ فأتاها حاطب بن أبى بلتعة حليف بنى أسد بن عبد العزّى، فكتب معها إلى أهل مكّة كتابا، وأعطاها عشرة دنانير.
قال الثعلبىّ: هذه رواية زاذان عن ابن عبّاس رضى الله عنهما، قال: وقال مقاتل بن حيّان: أعطاها عشرة دراهم وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكّة، وكتب فى الكتاب: «من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكّة، إن
стр. 6038
رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم» . فخرجت سارة، ونزل جبريل، فأخبر النبىّ ﷺ بما فعل حاطب، فبعث رسول الله ﷺ عليّا، وعمر، والزبير، وطلحة، وعمارا، والمقداد بن الأسود، وأبا مرثد، وكانوا كلّهم فرسانا، وقال لهم:
«انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ «١» فإنّ بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبى بلتعة إلى المشركين، فخذوه منها، وخلّوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها» فخرجوا حتى أدركوها فى ذلك المكان الّذى قال رسول الله ﷺ ، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوها، وفتّشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا، فهمّوا بالرجوع، فقال علىّ رضى الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسلّ سيفه، وقال لها: أخرجى الكتاب وإلّا والله لأجردنّك، ولأضربنّ عنقك، فلمّا رأت الجدّ أخرجته من ذوائبها قد خبأته فى شعرها، فخلّوا سبيلها، ولم يتعرّضوا لما معها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: «هل تعرف الكتاب» ؟ قال: نعم، قال:
«ما حملك على ما صنعت» ؟ فقال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك من نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلّا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلى، فأردت أن أنخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وأنّ كتابى لا يغنى عنهم شيئا، فصدّقه رسول الله ﷺ وعذره، فقام
стр. 6039
عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله، دعنى أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم يوم بدر» .
وأنزل الله فى شأن حاطب ومكاتبته المشركين قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ «١» )
، قال: أى من مكّة لأن آمنتم بالله ربّكم؛ قال: فى الكلام تقديم وتأخير، ونظم الآية:
(لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ)
، ثم قال تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)
، ثم قال تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)
قال: يثقفوكم يروكم ويظهروا «٢» ، (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ)
أى بالقتل، (وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)
أى بالشتم، (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)
فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادّونكم.
قوله تعالى: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
قال: معنى الآية: لا تدعونّكم قراباتكم ولا أولادكم التى بمكة إلى خيانة رسول الله ﷺ والمؤمنين، وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم، ومظاهرتهم، فلن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم التى عصيتم الله لأجلهم
стр. 6040
(يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ)
فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار.
قوله تعالى: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ «١» )
الآية، ثم قال تعالى:
(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «٢» )
قال: قوله: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ «٣» )
يعنى فى إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء؛ قال: فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم من المشركين فى الله، وأظهروا لهم العداوة والبراءة، فعلم الله تعالى شدّة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» )
؛ قال: ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير من مشركى مكّة، فصاروا للمؤمنين أولياء وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم.
قوله تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ «٥» )
معناه: أن تعدلوا فيهم بالإحسان والبرّ، واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية، فقال ابن عباس: نزلت فى خزاعة، منهم هلال بن عويمر، وخزيمة، وسراقة بن مالك ابن جعشم، وبنو مدلج، وكانوا صالحوا النبىّ ﷺ على ألّا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا.
стр. 6041
وقال عبد الله بن الزبير: نزلت فى أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهم، وذلك أنّ أمّها قتيلة بنت عبد العزّى بن عبد أسعد من بنى مالك بن حسل قدمت عليها المدينة بهدايا وهى مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هديّة، ولا تدخلى علىّ بيتى حتى أستأذن رسول الله ﷺ ؛ فسألت لها عائشة رضى الله عنها رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية، فأمرها رسول الله ﷺ أن تدخلها عليها منزلها، وتقبل هديّتها، وتحسن إليها، وتكرمها.
وقال مرّة الهمذانىّ وعطية العوفىّ: نزلت فى قوم من بنى هاشم، منهم العباس.
ثم قال تعالى: (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «١» )
قال: وهم مشركو مكّة. فلنرجع إلى أخبار غزوة الفتح.
ذكر خروج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكّة، ومن جاءه فى طريقه قبل دخوله مكّة
قال: ولمّا تهيّأ رسول الله ﷺ للغزاة بعث إلى من حوله من العرب فجلبهم، وهم أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه فى الطريق، وكان المسلمون فى غزوة الفتح عشرة آلاف، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم؛ قاله محمد بن سعد.
وقال محمد بن إسحاق، وأبو بكر أحمد البيهقى: استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى، وخرج رسول الله ﷺ من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلمّا انتهى
стр. 6042
إلى الصلصل «١» قدم أمامه الزبير بن العوّام فى مائة من المسلمين، وصام رسول الله ﷺ وصام الناس حتى إذا كان بالكديد «٢» بين عسفان «٣» وأمج «٤» أفطر، ونادى مناديه: من أحبّ أن يفطر فليفطر، ومن أحبّ أن يصوم فليصم.
قال ابن سعد: فلما كان رسول الله ﷺ بقديد «٥» عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل.
قال محمد بن إسحاق: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل مرّ الظّهران «٦» وهو فى عشرة آلاف من المسلمين، فسبّعت «٧» سليم، وبعضهم يقول: ألّفت مزينة، وفى كلّ القبائل عدد وإسلام، وأوعب معه المهاجرون والأنصار. قال: ولما كان رسول الله ﷺ فى بعض الطريق لقيه عمّه العباس بن عبد المطلب.
قال ابن هشام: لقيه بالجحفة «٨» مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك بمكّة على سقايته، وقد قدّمنا أنه أسلم عند انصراف رسول الله ﷺ من غزوة بدر، قال: ولقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، لقياه بنيق العقاب «٩» بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، وكلّمته أمّ سلمة رضى الله عنها فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك، وابن عمتك وصهرك.
فقال: «لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى، وأما ابن عمّتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال» ، فلما خرج الخبر بذلك إليهما ومع أبى سفيان بنىّ له
стр. 6043
قال: والله لتأذننّ لى أو لآخذنّ بيد بنىّ هذا، ثم لنذهبنّ فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا؛ فلمّا بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقّ لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه، فأسلما، وأنشد أبو سفيان بن الحارث يتعذر ممّا كان قد مضى من فعله، فقال:
لعمرك إنّى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللّات خيل محمد
لكا لمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوانى حين أهدى واهتدى
هدانى هاد غير نفسى ودلّنى ... على الحقّ من طرّدت كلّ مطرّد «١»
أصدّ وأنأى جاهدا عن محمد ... وأدعى وإن لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأى يلم «٢» ويفنّد
أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد فى كلّ مقعد «٣»
فقل لثقيف: لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك: غيرى أوعدى
فما كنت فى الجيش الذى نال عامرا ... وما كان عن جرّا لسانى ولا يدى
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع «٤» جاءت من سهام «٥» وسردد
قال: ولمّا بلغ إنشاده قوله: «من طرّدت كل مطرّد» ضرب رسول الله ﷺ فى صدره وقال: «أنت طرّدتنى كل مطرّد» .
قال: ولمّا نزل رسول الله ﷺ مرّ الظّهران نزلها عشيّا، وأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر
стр. 6044
عن رسول الله ﷺ ، فقال العباس بن عبد المطلب: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكّة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
قال العبّاس: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك «١» ، فقلت: لعلّى أجد بعض الحطّابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتى مكّة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.
ذكر مجىء العبّاس بأبى سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ ، وإسلام أبى سفيان، وخبر الفتح
قال العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه: وكان أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء قد خرجوا فى تلك الليالى يتحسّسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، فو الله إنّى لأسير على بغلة رسول الله ﷺ ، ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل ابن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا، فيقول له بديل: هذه والله خزاعة قد حمستها «٢» الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذلّ وأقلّ أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال العباس: فعرفت صوته، فقلت:
يا أبا حنظلة، فعرف صوتى، فقال: يا أبا الفضل، قلت: نعم، قال: مالك فداك أبى وأمّى! قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله فى الناس، واصباح قريش والله!
стр. 6045
قال: فما الحيلة فداك أبى وأمّى!، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك، فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك؛ قال: فركب خلفى، ورجع صاحباه؛ قال: فجئت به، كلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عمّ رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر ابن الخطّاب.
قال ابن سعد: وكان رسول الله ﷺ قد استعمل عمر تلك الليلة على الحرس؛ قال العباس: فقال عمر: من هذا؟ وقام إلىّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابّة قال: أبو سفيان عدوّ الله! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البلغة فسبقته، فاقتحمت عن البلغة، ودخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى أضرب عنقه. قال العبّاس، قلت: يا رسول الله، قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دونى، فلمّا أكثر عمر فى شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله أن لو كان من رجال بنى عدىّ بن كعب ما قلت هذا، ولكنّك قد عرفت أنّه من رجال بنى عبد مناف؛ فقال عمر: مهلا يا عبّاس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إلىّ من إسلام الخطّاب لو أسلم، وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب به يا عبّاس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتنى به» ؛ قال: فذهبت به إلى رحلى، فبات عندى، فلما أصبح غدوت
стр. 6046
به إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال:
«ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن «١» لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله» ، قال: بأبى أنت وأمّى! ما أحملك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد؛ قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله» ؟؛ قال: بأبى أنت وأمى! ما أحملك وأكرمك وأوصلك! أما والله هذه فإنّ فى النفس منها حتّى الآن شيئا؛ فقال له العبّاس: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك؛ قال: فشهد شهادة الحقّ، فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحبّ هذا الفخر، فاجعل له شيئا.
قال: «نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» ؛ فلمّا ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : «يا عبّاس، احتبسه بمضيق الوادى عند خطم الجبل «٢» حتى تمرّ به جنود الله فيراها» . قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرنى رسول الله ﷺ أن أحبسه؛ قال: ومرّت القبائل على راياتها كلّما مرّت قبيلة قال: يا عبّاس، من هذه؟. فأقول: سليم، فيقول: ما لى ولسليم، ثم تمرّ القبيلة، فيقول: من هذه؟
فأقول: مزينة، فيقول: ما لى ولمزينة، حتى مرّت القبائل، فما تمرّ قبيلة إلّا سألنى عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: ما لى ولبنى فلان! حتى مرّ رسول الله ﷺ فى كتيته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار- وإنّما سمّيت بالخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها- وهم لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال:
سبحان الله يا عبّاس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 6047
فى المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قلت: ويحك! إنها النبوّة، قال: فنعم إذا، ثم قلت: النّجاة «١» إلى قومك، فسار حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به، فقالت:
اقتلوا الحميت «٢» الدّسم الأحمس، قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم! لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دارى فهو آمن، قالوا:
قاتلك الله! وما تغنى عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. والله يؤيّد بنصره من يشاء.
ذكر دخول رسول الله ﷺ وأصحابه مكّة شرّفها الله تعالى صلحا، ودخول خالد بن الوليد ومن معه من القبائل عنوة
قال: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذى طوى «٣» ، وقف على راحلته معتجرا «٤» بشقّة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا لله تعالى حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إنّ عثنونه ليكاد يمسّ واسط الرحل، ثم فرّق رسول الله ﷺ الجيش من ذى طوى، وكانت راية رسول الله ﷺ يومئذ مع سعد بن عبادة رضى الله عنه، فأمر رسول الله صلّى الله
стр. 6048
عليه وسلّم الزبير بن العوّام، وكان على المجنّبة اليسرى أن يدخل فى بعض الناس من كدى «١» ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل ببعض الناس من كدء «٢» ، فلمّا وجّه سعد للدخول قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، وفى رواية تستحلّ الكعبة؛ فسمعها عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له فى قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلىّ بن أبى طالب: «أدركه فخذ الراية منه، فادخل أنت بها» . حكاه ابن إسحاق.
وقال محمد بن سعد: إنّ رسول الله ﷺ أخذ الراية من سعد ودفعها لابنه قيس بن سعد.
وذكر يحيى بن سعد الأموىّ فى السّير: أن سعد بن عبادة لمّا أخذ الراية مرّ على أبى سفيان، فقال سعد إذ نظر إليه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فأقبل رسول الله ﷺ فى كتيبة الأنصار حتّى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟
فإنه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا أنه قاتلنا، وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا؛ وإنى أنشدك الله فى قومك، فأنت أبرّ الناس وأوصلهم وأرحمهم.
وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمن سعدا أن تكون منه فى قريش صولة؛ فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله فيه قريشا» . وقال ضرار بن الخطّاب الفهرىّ يومئذ:
стр. 6049
يا نبىّ الهدى إليك لجا «١» حىّ قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السّماء
والتقت حلقتا البطان على القوم ... ونودوا بالصيلم الصّلعاء «٢»
إنّ سعدا يريد قاصمة الظهر ... بأهل الحجون والبطحاء
خزرجىّ لو يستطيع من الغيظ ... رمانا بالنّسر والعوّاء «٣»
وغر الصّدر لايهمّ بشىء ... غير سفك الدّما وهتك النساء
قد تلظّى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسّوءة السّوآء
إذ ينادى بذلّ حىّ قريش ... وآبن حرب بدا من الشّهداء
فائن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللّواء أهل اللّواء
ثم ثابت إليه من بهم الخز ... رج والأوس أنجم الهيجاء
لتكوننّ بالبطاح قريش ... فقعة القاع فى أكفّ الإماء «٤»
فانهينه فإنّه أسد الأس ... د لدى الغاب والغ فى الدماء
إنّه مطرق يريد لنا الأم ... ر سكوتا كالحيّة الصّمّاء «٥»
قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة فنزع اللواء من يده، وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله ﷺ أن اللواء لم يخرج
стр. 6050
عنه إذ صار إلى ابنه، وأبى سعد أن يسلّم اللواء إلّا بأمارة من رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه رسول الله ﷺ بعمامته، فعرفها سعد، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.
قال: وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وكان على المجنّبة اليمنى، أن يدخل ببعض الناس من اللّيط أسفل مكّة، وكان معه: أسلم، وسليم وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجرّاح بالصفّ من المسلمين ينصبّ لمكّة بين يدى رسول الله ﷺ ، ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر «١» ، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبّة، ونهى عن القتال، وعبر أصحاب رسول الله ﷺ من الأماكن التى أمرهم ﷺ أن يدخلوا منها، لم يلقوا كيدا، إلّا خالد بن الوليد فإن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو جمعوا جمعا من قريش، ووقفوا بالخندمة «٢» ليقاتلوا خالد بن الوليد، ويمنعوه من الدخول، وشهروا السلاح وروموا بالنّبل، فصاح خالد فى أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة نفر من هذيل، وانهزموا أقبح هزيمة، فلما ظهر رسول الله ﷺ على ثنيّة أذاخر رأى البارقة «٣» فقال: «ألم أنه عن القتال» ؟ فقيل:
يا رسول الله، إنّ خالد بن الوليد قوتل فقاتل؛ فقال: «قضاء الله خير» ، وقتل من المسلمين رجلان كانا سلكا طريقا غير طريق خالد فقتلا، وهما كرز بن جابر الفهرىّ، وحبيش «٤» بن خالد الخزاعىّ. قاله محمد بن سعد.
стр. 6051
وقال ابن إسحاق: قتل من المشركين يومئذ اثنا عشر أو ثلاثة عشر رجلا. وقال:
وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعدّ سلاحا ويصلح منه قبل دخول رسول الله ﷺ ، فقالت له امرأته: لماذا تعدّ ما أرى؟ قال:
لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمّد وأصحابه شىء؛ قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فمالى علّه ... هذا سلاح كامل وألّه «١»
وذو غرارين سريع السّلّة «٢»
ثم شهد يوم الخندمة، فلما انهزم القوم دخل على امرأته وقال: أغلقى علىّ بابى؛ قالت: فأين الذى كنت تقول؟ فقال:
إنّك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة «٣» ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كلّ ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه «٤»
لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لا تنطقى فى اللّوم أدنى كلمه «٥»
قال ابن هشام: ويروى للرعّاش الهذلىّ.
стр. 6052
وكان ممن فرّ يومئذ هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو زوج أمّ هانئ بنت أبى طالب أخت علىّ لأبويه؛ فأسلمت، وهرب هبيرة إلى نجران، وقال معتذرا من فراره:
لعمرك ما ولّيت ظهرى محمّدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكننى قلّبت أمرى فلم أجد ... لسيفى غناء إن ضربت ولا نبلى
وقفت فلمّا خفت ضيعة موقفى ... رجعت لعود كالهزير إلى الشّبل
قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج:
يا بنى عبد الله، وشعار الأوس: يا بنى عبيد الله؛ وكان الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان.
ذكر من أمر رسول الله ﷺ بقتلهم يوم فتح مكّة وسبب ذلك، ومن قتل منهم، ومن نجا بإسلامه
قالوا: وكان رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه بقتل ستّة نفر وأربع نسوة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عكرمة بن أبى جهل، وهبّار ابن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، ومقيس بن صبابة الليثى، والحويرث ابن نقيذ بن وهب، وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمىّ، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وفرتنى، وقريبة.
стр. 6053
فأمّا عكرمة بن أبى جهل فإنه هرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنن له رسول الله ﷺ ، فأمّنه، فخرجت فى طلبه إلى اليمن حتى أتت به رسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه.
حكى الزبير بن بكّار قال: لما أسلم عكرمة قال: يا رسول الله، علّمنى خير شىء تعلمه أقواله؛ فقال له النبى ﷺ : «شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» ، فقال عكرمة: أنا أشهد بهذا، وأشهد بذلك من حضرنى، وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لى؛ فاستغفر له رسول الله ﷺ ؛ فقال عكرمة: والله لا أدع نفقة كنت أنفقها فى صدّ عن سبيل الله إلّا أنفقت ضعفها فى سبيل الله، ولا قتالا قاتلته إلّا قاتلت ضعفه؛ ثم اجتهد فى الجهاد والعبادة حتى استشهد ﵀ فى خلافة عمر بن الخطّاب بالشام؛ وقيل: استشهد فى آخر خلافة أبى بكر، قيل: فى يوم اليرموك. وقيل: فى يوم مرج «١» الصّفّر، وقيل: أجنادين «٢» . والله أعلم.
وأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فإنه كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحى؛ فارتدّ ورجع إلى قريش، فلما كان يوم الفتح فرّ إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه، وهو أخوه من الرضاعة، فغيّبه حتى أتى به رسول الله ﷺ ، فاستأمن له بعد أن اطمأن الناس؛ فزعموا أن رسول الله ﷺ صمت طويلا، ثم قال: «نعم» ؛ فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه: «لقد صمّت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» ،
стр. 6054
فقال رجل من الأنصار: فهلّا أو مأت إلىّ يا رسول الله؟ فقال: «إن النبىّ لا يقتل بالإشارة» ، ثم أسلم عبد الله بن سعد بعد ذلك.
وأمّا مقيس بن صبابة، فإن أخاه هشام بن صبابة كان قد صحب رسول الله ﷺ فى غزوة بنى المصطلق بالمريسيع، فأصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأ، فقدم مقيس هذا على رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وأظهر الإسلام، وقال:
يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخى، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه، فأقام غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكّة مرتدّا، فنذر رسول الله ﷺ قتله لذلك، فقتله نميلة بن عبد الله؛ رجل من قومه.
وأما الحويرث بن نقيذ فقتله على بن أبى طالب رضى الله عنه، لأنه كان يؤذى رسول الله ﷺ ، وكان العباس بن عبد المطلب حمل بنتى رسول الله ﷺ فاطمة وأمّ كلثوم من مكّة يريد بهما المدينة، فرمى بهما الحويرث إلى الأرض.
وأمّا عبد الله بن خطل، فأمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ﷺ مصدّقا «١» ، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وهو مسلم، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا، فيصنع له طعاما، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فقتله ثم ارتدّ، وكانت فرتنى وقريبة قينتاه تغنيّان بهجاء رسول الله ﷺ ، فقتل ابن خطل
стр. 6055
سعيد بن حريث المخزومىّ، وأبو برزة الأسلمىّ، اشتركا فى دمه، وقتلت إحدى قينتيه وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها رسول الله ﷺ ، فأمّنها.
وهند بنت عتبة أسلمت. ولما أخذ رسول الله ﷺ البيعة على النساء، ومن الشرط فيها ألّا يسرقن ولا يزنين، قالت: وهل تزنى الحرّة أو تسرق يا رسول الله؟ فلما قال: «ولا تقتلن أولادكن» ، قالت: قد ربّيناهم صغارا، وقتّلتهم أنت ببدر كبارا، أو نحو هذا من القول، وشكت إلى رسول الله ﷺ أنّ زوجها أبا سفيان شحيح لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال: «خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك أنت وولدك» .
وأما سارة فاستؤمن لها، فأمّنها رسول الله ﷺ .
وأما هبّار فإنه هرب فلم يوجد، ثم أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه.
ذكر إسلام أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب
روى محمد بن إسحاق بسنده إلى أسماء بنت أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما قالت: لما وقف رسول الله ﷺ على ذى طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أى بنيّة، اظهرى بى على جبل أبى قبيس- قالت: وكان قد كفّ بصره- فأشرفت به عليه فقال لها: أى بنيّة؛ ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل؛ قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى ذلك السواد مقبلا ومدبرا؛ قال: أى بنيّه، ذلك الوازع،- يعنى الذى يأمر الخيل ويتقدّم إليها- ثم قالت: قد والله انتشر السواد؛ فقال: قد والله إذا دفعت الخيل، فأسرعى بى إلى بيتى؛ قالت: فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل
стр. 6056
إلى بيته؛ قالت: وفى عنق الجارية طوق من ورق «١» ، فتلقّاها رجل فاقتطعه من عنقها، فلما دخل رسول الله ﷺ إلى المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هلّا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه» ؟ قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحقّ أن يمشى إليك من أن تمشى إليه أنت، فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: «أسلم» ، قالت: فأسلم؛ قالت: فدخل به أبو بكر وكأنّ رأسه ثغامة «٢» ، فقال رسول الله ﷺ : «غيّروا هذا من شعره» ، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال:
أنشد الله والإسلام طوق أختى؛ فلم يجبه أحد؛ قالت: فقال: أى أخيّة، احتسبى طوقك، فو الله إنّ الأمانة فى الناس اليوم القليل.
وأسلم عبد الله بن الزبعرى عام الفتح وحسن إسلامه، وكان ممن يؤذى رسول الله ﷺ أشدّ الأذى فى الجاهلية، فأسلم واعتذر إلى رسول الله ﷺ ، فقبل عذره، وكان شاعرا مجيدا، فقال يمدح رسول الله ﷺ : وله فى مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى فى كفره، منها قوله:
منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرّواق بهيم «٣»
ممّا أتانى أنّ أحمد لامنى ... فيه فبتّ كأننى محموم
يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم «٤»
стр. 6057
إنى لمعتذر إليك من الذى ... أسديت إذ أنا فى الضّلال مقيم
أيام تأمرنى بأغوى خطّة ... سهم، وتأمرنى بها مخزوم
وأمدّ أسباب الردى ويقودنى ... أمر الغواة، وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبىّ محمّد ... قلبى ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها ... وأتت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والدىّ كلاهما ... وارحم فإنك راحم مرحوم
وعليك من سمة المليك علامة ... نور أغرّ وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبّة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم
ذكر دخول رسول الله ﷺ المسجد، وطوافه بالبيت ودخوله الكعبة، وما فعل بالأصنام
قال: ولما نزل رسول الله ﷺ مكة واطمأنّ النّاس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الرّكن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده وطرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ألا كلّ مأثره «١» أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمىّ هاتين إلّا سدانة البيت وسقاية الحاجّ؛ ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلّظة، مائة من الإبل، أربعون منها فى بطونها أولادها؛ يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة وتعظّمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب» ، ثم تلا قوله
стр. 6058
تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «١» )
؛ ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أنّى فاعل فيكم» ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم؛ قال: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء» ؛ ثم جلس رسول الله ﷺ فى المسجد، فقام إليه علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ومفتاح الكعبة فى يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السّقاية؛ فقال: «أين عثمان بن طلحة» ؟ فدعى له، فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء» ؛ حكاه محمد بن إسحاق.
وقال محمد بن سعد: دفع إليه رسول الله ﷺ المفتاح وقال:
«خذوها يا بنى أبى طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» ؛ ودفع السقاية إلى العبّاس بن عبد المطّلب.
قال عبد الملك بن هشام: حدّثنى بعض أهل العلم أنّ رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم ﵇ مصوّرا فى يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «٢» )
ثم أمر بتلك الصور كلّها فطمست.
قال: ودخل الكعبة ومعه بلال بن رباح، فأمره أن يؤذّن، فأذّن وأبو سفيان بن حرب وعتّاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتّاب بن أسيد: أكرم الله أسيدا ألّا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه؛ فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محقّ لاتّبعته؛ فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا
стр. 6059
لو تكملت لأخبرت عنّى هذه الحصى؛ فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «قد علمت الّذى قلتم» ، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.
وقال أبو محمد بن هشام بسند يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما: إنّ رسول الله ﷺ دخل مكّة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرّصاص، فجعل النبى ﷺ يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام ويقول: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)
«١» ، فما أشار ﷺ إلى صنم منها فى وجهه إلّا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلّا وقع.
قال محمد بن سعد: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما، وكان أعظمها هبل، وساق الحديث نحو ما تقدّم، فقال تميم بن أسد الخزاعىّ فى ذلك:
وفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا
قال: ولما كان من الغد يوم الفتح خطب رسول الله ﷺ بعد الظهر فقال: «إن الله قد حرّم مكّة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام إلى يوم القيامة، ولم تحلّ لى إلّا ساعة من نهار، ثم رجعت لحرمتها بالأمس، فليبلّغ شاهدكم غائبكم، ولا يحلّ لنا من غنائمها شىء» ، وأقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة يصلّى ركعتين ركعتين، وبثّ السرايا، ثم خرج إلى حنين.
ذكر سريّة خالد بن الوليد إلى العزّى وهدمها
قالوا: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزّى ليهدمها، وذلك بعد الفتح، لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، فخرج فى ثلاثين فارسا
стр. 6060
من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «هل رأيت شيئا» ؟ قال: لا، قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها» ؛ فرجع خالد وهو متغيّظ، فجرّد سيفه، فخرجت إليه امرأة عربانة سوداء تاثرة «١» الرأس فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها اثنتين، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «نعم، تلك العزّى، وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا» ، وكانت لقريش وجميع بنى كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بنو شيبان من بنى سليم.
ذكر سريّة عمرو بن العاص إلى سواع وكسره
بعثه رسول الله ﷺ فى شهر رمضان بعد الفتح أيضا إلى سواع، وهو صنم هذيل ليهدمه؛ قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟
قلت: أمرنى رسول الله ﷺ أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك؛ قلت: لم؟ قال: تمتّع؛ قلت: حتى الآن أنت فى الباطل ويحك! وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابى فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا؛ ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
ذكر سريّة سعد بن زيد الأشهلىّ إلى مناة
بعثه رسول الله ﷺ فى شهر رمضان أيضا إلى مناة- وكانت بالمشلّل «٢» للأوس والخزرج وغسّان- ليهدمها، فخرج فى عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال له السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة؛ قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشى إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل
следующие страницы →