أم من لكلّ مدفّع ذى حاجة ... ومسلسل يشكو الحديد مقيّد «١»
أم من لوحى الله ينزل بيننا ... فى كلّ ممسى ليلة أو فى غد
فعليك رحمة ربّنا وسلامه ... يا ذا الفواضل والنّدى والسّؤد
وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطّلب بن عبد مناف أخت مسطح:
أشاب ذوائبى وأذاب ركنى ... بكاؤك فاطم الميت الفقيدا «٢»
فأعطيت العطاء فلم تكدّر ... وأخدمت الولائد والعبيدا «٣»
وكنت ملاذنا فى كلّ لزب ... إذا هبّت شآمية برودا «٤»
وإنّك خير من ركب المطايا ... وأكرمهم إذا نسبوا جدودا
رسول الله فارقنا وكنّا ... نرجّى أن يكون لنا خلودا
أفاطم فاصبرى فلقد أصابت ... رزيّتك التّهائم «٥» والنّجودا
وأهل البرّ والأبحار طرّا ... فلم تخطئ مصيبته وحيدا
وكان الخير يصبح فى ذراه «٦» ... سعيد الجدّ قد ولد السّعودا
ورثاه ﷺ غير هؤلاء مما لو استقصينا ذلك لطال، واتّسع فيه المجال، ومراثيه ﷺ ومدائحه كثيرة تزداد فى كل عصر، وتتضاعف فى كلّ دهر، ﷺ تسليما كثيرا دائما أبدا.
стр. 6547
[صورة ما هو مكتوب بآخر هذا الجزء بنسخة]
كمل الجزء السادس عشر من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب، للنويرى رحمه الله تعالى.
وكان الفراغ منه فى يوم الاثنين المبارك تاسع جمادى الأولى سنة سبع وستين وتسعمائة، على يد كاتبه أفقر الخلق إلى رحمة ربه نور الدين بن شرف الدين العاملىّ، غفر الله له ولوالديه، ولمن يقرأ له ولهم الفاتحة آمين.
[صورة ما هو مكتوب فى آخر هذا الجزء أيضا بنسخة ج] كمل الجزء السادس عشر من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب على يد مؤلفه فقير رحمة ربه: أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكرىّ التيمىّ القرشىّ المعروف بالنويرىّ عفا الله عنهم.
ووافق الفراغ من كتابته فى يوم السبت المبارك لأربع بقين من شهر رمضان المعظم عام اثنين وعشرين وسبعمائة؛ أحسن الله تقضيها، بالقاهرة المعزية عمرها الله تعالى.
يتلوه إن شاء الله تعالى فى أوّل الجزء السابع عشر الباب الثانى من القسم الخامس من الفن الخامس فى أيام الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم أجمعين.
والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثير.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 6548
أتممنا بعون الله تعالى تحقيق الجزء الثامن عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» من تجزئة طبعة الدار، فى يوم السبت ١٤ من ربيع الثانى سنة ١٣٧٤ هـ (١١ من ديسمبر سنة ١٩٥٤ م) .
يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء التاسع عشر، وأوّله: «الباب الثانى من القسم الخامس فى أخبار الخلفاء الراشدين» .
محمد محمد حسنين إبراهيم إطفيش المصحح بالقسم الأدبى المصحح بالقسم الأدبى
стр. 6549
فهرس المراجع
١ أسباب النزول للواحدى، هندية ١٣١٥ الاستيعاب لأبى عمر بن عبد البر، حيدرآباد ١٣١٨ أسد الغابة فى معرفة الصحابة لابن الأثير؛ الوهبية سنة ١٢٨٠ الاشتقاق لابن دريد، جوتنجن ١٨٥٤ م.
الإصابة فى تمييز الصحابة لابن حجر، السعادة والشرفية سنة ١٣٢٣ الأصنام لابن الكلبى دار الكتب ١٣٤٣ البداية والنهاية لابن كثير، السعادة ١٣٤٨ تاريخ الطبرى، ليدن ١٨٨٩ م.
تفسير الثعلبى مخطوط، رقم ١٢٤٦ تفسير.
تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى، حيدرآباد ١٣٢٧ الجامع لأحكام القرآن تفسير القرطبى، دار الكتب المصرية.
الجامع الصغير للسيوطى، بولاق سنة ١٢٨٦ دلائل النبوة للبيهقى مخطوط، رقم ٢١٢ حديث.
دلائل النبوّة لأبى نعيم الأصفهانى، حيدرآباد ١٣٢٠ ديوان الأعشين، بيانة ١٩٢٧ م.
ديوان حسان بن ثابت الأنصارى، الرحمانية ١٣٤٧ ديوان لبيد بن ربيعة، ليدن ١٨٩١ م. ومخطوط دار الكتب ٥٤٧ أدب.
الروض الأنف لأبى القاسم السهيلى، الجمالية ١٣٣٢ سنن النسائى، الميمنة ١٣١٢ السيرة الحليية، بولاق ١٢٩٢ ٢ شرح أبى شامة على القصيدة الشقراطيسية مخطوط رقم ٢٤٧ أدب بدار الكتب. ورقم ١٦١١٦ ز.
سيرة ابن هشام، جوتنجن ١٨٥٨ م. والحلبى بمصر ١٣٥٥ شرح بانت سعاد لابن هشام، بولاق سنة ١٢٩٠ شرح البخارى للقسطلانى، بولاق ١٢٩٣ شرح ديوان زهير بن أبى سلمى، دار الكتب ١٣٦٣ شرح ديوان كعب، دار الكتب ١٣٦٩ شرح ديوان ليبد برواية الطوسى، فينّا ١٨٨٠ م.
شرح السيرة النبوية لأبى ذر، الخشنى، مطبعة هندية ١٣٢٩ شرح الشفا للشهاب الخفاجى، الآستانة ١٢٦٧ شرح قصيدة الأعشى الدالية مخطوط رقم ١٧٣٦ أدب بدار الكتب.
شرح المواهب للزرقانى، المطبعة الأميرية بولاق ١٢٧٨ الشفا للقاضى عياض، الآستانة ١٢٩٠ صحيح البخارى، المطبعة الأميرية ١٢٩٦ صحيح الترمذى، بولاق ١٢٩٢ صحيح ابن ماجه، مصر ١٣١٣ صحيح مسلم: بولاق ١٢٩٠ والآستانة ١٣٣١ الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد، ليدن ١٣٢٢ عقد الجمان، فى تاريخ أهل الزمان نسخة مصورة بدار الكتب رقم ٧١ م.
стр. 6550
١ الكتاب لسيبويه، بولاق ١٣١٦ لباب النقول، فى أسباب النزول للسيوطى، الحلبى ١٣٠٢ مجمع الأمثال للميدانى، بولاق ١٢٨٤ المعارف لابن قتيبة، جوتنجن ١٨٥٠ م.
معجم البلدان لياقوت الحموى، ليبزج ١٨٦٨ م.
مغنى اللبيب لابن هشام، الحلبى سنة ١٣٠٢ ٢ المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى، الحلبى مصر ١٣٢٤ المقتضب من كتاب جمهرة النسب لياقوت الحموى- مخطوط بدار الكتب رقم ٢٧٨٥ تاريخ.
الموطأ فى الحديث للإمام مالك بن أنس، السعادة ١٣٣١ النهاية فى غريب الحديث لابن الأثير، مصر ١٣١١
стр. 6551
الجزء التاسع عشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير
هذا هو الجزء التاسع عشر من كتاب «نهاية الأرب» لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى، تصدره الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعد أن أصدرت دار الكتب منه ثمانية عشر جزءا.
ويشتمل هذا الجزء على تاريخ الثلاثة الأوائل من الخلفاء الراشدين:
أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، وذكر صفاتهم ومناقبهم والأحداث التى عاصرت حياتهم، والفتوح التى كانت فى أثناء خلافتهم.
وقد سرت فى تحقيقه على المنهج الذى سار عليه القسم الأدبى بدار الكتب فيما أخرج من أجزاء؛ من الاعتماد على ما يقابل كل جزء من النسخ المخطوطة والمصورة بها.
وقد وافق هذا الجزء من هذه النسخ نسختان:
الأولى: النسخة المصورة عن مكتبة كبريلى بالأستانة، وهى نسخة كاملة تقع فى واحد وثلاثين جزءا؛ محفوظة بالدار برقم (٥٤٩- معارف عامة) .
والثانية: نسخة مصورة عن نسخة محفوظة بمكتبة أيا صوفيا بالأستانة، وهذه النسخة كسابقتها تقع فى واحد وثلاثين جزءا أيضا. ويظن أنها بخط المؤلف؛ إلا أنها نسخة ناقصة، والأجزاء الموجودة منها بدار الكتب ثمانية عشر جزءا غير متصلة، محفوظة بدار الكتب برقم (٥٥١- معارف عامة)
стр. 6552
وقد سبق أن وصفت هاتان النسختان فى مقدمة الجزء السادس عشر.
وقد رمزت إلى النسخة الأولى بالحرف (ك) وإلى الثانية بالحرف (ص) .
وقد رجعت فى التحقيق أيضا إلى تاريخ اليعقوبى، وتاريخ الطبرى، والمسعودى، وابن الأثير، وابن كثير، وكتاب الرياض النضرة للمحبّ الطبرى؛ إذ كانت هذه الكتب هى المادة نقل عنها المؤلف فى هذا الفن؛ فن التاريخ.
ووشيت حواشيه بالقدر من التعليقات الذى يعين على تحرير النص وفهمه.
وأسأل الله أن يوفق لإتمام نشر بقية أجزائه وطبعها، كما أسأله جلّ شأنه أن يجعل هذا العمل نافعا مقبولا.
محمد أبو الفضل إبراهيم
стр. 6553
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
اللهمّ يسّر ولا تعسّر، واختم بخيراتك إنّك على كل شىء قدير، وصلّى الله على سيّدنا محمد.
الباب الثانى من القسم الخامس فى أخبار الخلفاء الراشدين
أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلىّ ابن أبى طالب، وأيّام الحسن بن علىّ رضوان الله عليهم أجمعين
стр. 6554
ذكر خلافة أبى بكر الصديق وشىء من أخباره وفضائله
هو أبو بكر، واسمه عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم [١] بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب، ومجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ عند مرّة بن كعب.
وأمه سلمى- وكنيتها أمّ الخير- بنت صخر بن كعب بن سعد ابن تيم [١] بن مرّة، وهى بنت عمّ أبيه.
وكان رضى الله عنه ينعت بعتيق، وقد اختلف فى سبب نعته بذلك؛ فقال اللّيث بن سعد، وجماعة معه: إنّما قيل له عتيق لجماله وعتاقة وجهه.
وقال مصعب الزّبيرىّ وطائفة من أهل النّسب: إنّما سمّى عتيقا لأنّه لم يكن فى نسبه شىء يعاب.
وقال آخرون: كان له أخوان: أحدهما يسمّى عتيقا، والآخر عتيقا؛ مات عتيق قبله، فسمّى باسمه.
وروى عن موسى بن طلحة، قال: سألت أبى طلحة بن عبيد الله، قلت له: يا أبت، بأىّ شىء سمّى أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمّه لا يعيش لها ولد، فلمّا ولدته استقبلت به البيت، وقالت:
اللهمّ إنّ هذا عتيقك من الموت فهبه لى.
стр. 6555
وقال آخرون: إنّما سمّى عتيقا لأنّ رسول الله ﷺ قال: «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى هذا» ، فسمّى عتيقا بذلك.
وروى عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها، قالت: إنّى لفى بيت رسول الله ﷺ ، وأصحابه بالفناء:؛ وبينهم الستر، إذ أقبل أبو بكر رضى الله عنه، فقال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا»
. قالت: وإنّ اسمه الذى سمّاه أهله لعبد الله بن عثمان، وسمّى رضى الله عنه بالصّدّيق؛ لمبادرته إلى تصديق رسول الله ﷺ فى كلّ ما جاء به.
وقيل: بل قيل له الصديق؛ لتصديقه رسول الله ﷺ فى خبر الإسراء.
وقال أبو محجن الثقفىّ فى أبى بكر رضى الله عنه:
وسمّيت صدّيقا، وكلّ مهاجر ... سواك تسمّى باسمه غير منكر [١]
سبقت إلى الإسلام، والله شاهد، ... وكنت جليسا بالعريش المشهّر
وبالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا ... وكنت رفيقا للنّبىّ المطهّر
يعنى بقوله: «بالعريش» فى يوم بدر؛ لأنه رضى الله عنه كان مع رسول الله ﷺ فى العريش؛ لم يكن معه فيه غيره.
وبقوله:
وبالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا
стр. 6556
قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
. [١]
ولنبدأ من أخباره رضى الله عنه بذكر شىء من فضائله، والله المستعان، وعليه التّكلان.
ذكر نبذة من فضائل أبى بكر الصديق ومآثره فى الجاهلية والإسلام
كان رضى الله عنه فى الجاهلية وجيها، رئيسا من رؤساء قريش، وإليه كانت الأشناق فى الجاهلية- والأشناق الدّيات- فكان إذ حمل شيئا قالت فيه قريش: صدّقوه، وامضوا حمالته [٢] وحمالة من قام معه أبو بكر، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدّقوه.
وكان رضى الله عنه ممّن حرّم الخمر على نفسه، وتنزّه عنها فى الجاهليّة، وكانت أشراف قريش تختلف إليه وتزوره، وتستشيره وتقتدى برأيه، وتتربص فى الأمور المعضلة إذا غاب إلى أن يقدم، ويدلّ على ذلك ما قدّمناه فى أوائل السّيرة النبويّة من خبره مع الشيخ الكبير الأزدىّ فى سفره إلى اليمن، وما بشّره الأزدىّ به من مبعث رسول الله ﷺ ، وأنّه يعاونه على أمره، وأنّ أبا بكر رضى الله عنه لمّا رجع إلى مكّة، جاءه شيبة بن ربيعة وأبو جهل ابن هشام وأبو البخترىّ، وعقبة بن أبى معيط، ورجالات قريش
стр. 6557
مسلمين عليه. وقولهم له: حدث أمر عظيم؛ هذا محمد بن عبد الله يزعم أنه نبىّ أرسله الله إلى الناس، ولولا أنت ما انتظرنا به؛ فإذ جئت فأنت النّهية [١] ، وقد تقدم ذكر هذه القصة فى المبشرات برسول الله ﷺ [٢] .
ومثل ذلك لا ينتظر به إلا من لا يمكن أن يقطع الأمر دونه.
وفى هذا أقوى دلالة على فضله وشرفه، ومكانته لديهم. وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما فيها من خير وشر.
وأما فضائله رضى الله عنه ومناقبه فى الإسلام فكثيرة جدا، قد أبانه رسول الله ﷺ بفضائل ومناقب، وخصّه بمزايا لم يخصّ بها غيره، وذكره فى مواطن لم يذكر فيها سواه.
وقد تقدم من ذلك جملة فى أثناء السيرة النبوية فنشير الآن إليها، ونذكر ما سواها ممّا تقف عليه إن شاء الله تعالى.
فمن فضائله التى تقدم ذكرها سابقته فى الإسلام، وأنّه رضوان الله عليه أول من أسلم من الذكور، وأول من صلّى مع رسول الله ﷺ .
روى أبو عمر بن عبد البرّ بسنده إلى الشعبىّ، قال: سألت ابن عباس- أو سئل ابن عباس رضى الله عنهما: أىّ الناس كان أوّل إسلاما؟ فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت:
стр. 6558
إذا تذكّرت شجوا من أخى ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا [١]
خير البرية، أتقاها وأعدلها [٢] ... بعد النبىّ، وأوفاها بما حملا
الثانى التالى المحمود مشهده [٣] ... وأوّل الناس حقّا صدّق الرّسلا [٤]
ويروى أن رسول الله ﷺ ، قال لحسان بن ثابت:
هل قلت فى أبى بكر شيئا؟ قال: نعم؛ وأنشده هذه الأبيات، وفيها بيت رابع، وهو:
وثانى اثنين فى الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صعّدوا الجبلا
فسرّ رسول الله ﷺ ، وقال: «أحسنت يا حسان» .
وروى أنّ فيها بيتا خامسا، وهو:
وكان حبّ رسول الله إذ علموا [٥] ... خير البرية لم يعدل به رجلا [٦]
ومما يؤيد أنه رضوان الله عليه أول من أسلم ما رواه الجريرىّ، عن أبى نضرة، قال: قال أبو بكر لعلىّ رضى الله عنهما:
أنا أسلمت قبلك ... ، فى حديث ذكره، فلم ينكر عليه.
ومن ذلك أنه رضى الله عنه فدى رسول الله ﷺ بنفسه.
روى عن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما: أنها قالت، وقد قيل لها: ما أشدّ ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان المشركون قعودا فى المسجد الحرام، فتذكّروا رسول الله ﷺ ، وما يقول فى آلهتهم، فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ ،
стр. 6559
فقاموا إليه، وكانوا إذا سألوه عن شىء صدقهم، فقالوا: ألست تقول فى آلهتنا كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فتشبّثوا به بأجمعهم، فأتى الصّريخ إلى أبى بكر، فقيل له: أدرك صاحبك، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد، فوجد رسول الله ﷺ والناس مجتمعون عليه، فقال: ويلكم! أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ
[١] ! فلهوا عن رسول الله ﷺ ، وأقبلوا يضربونه. قالت: فرجع إلينا فجعل لا يمسّ شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
ومنها، أنه رضى الله عنه أنفق على رسول الله ﷺ ما كان يملكه، طيّبة بذلك نفسه.
روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا، أنفقها كلّها على رسول الله ﷺ ، وفى سبيل الله.
وقال رسول الله ﷺ : «ما نفعنى مال مثل ما نفعنى مال أبى بكر»
. ومن رواية أخرى عنه قال: أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار، وأعتق سبعة كلّهم يعذّب فى الله، أعتق بلالا، وعامر ابن فهيرة، وزنّيرة، والنّهدية [٢] وابنتها، وجارية بنى نوفل، وأم عبيس. وقد تقدّم خبرهم فى السيرة النبوية.
ومنها، أنه رضى الله عنه أسلم على يديه بدعائه نصف العشرة
стр. 6560
المشهود لهم بالجنة، وهم: الزّبير بن العوّام، وعثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقّاص، رضوان الله عليهم أجمعين.
وأسلم أبواه، وصحبا رسول الله ﷺ ، وأسلم بنوه كلّهم، وصحب رسول الله ﷺ هو وأبوه أبو قحافة، وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر، وابن ابنه محمد ابن عبد الرحمن، وليست هذه المنقبة لأحد من الصحابة غيره.
ومن ذلك أنه رضى الله عنه كان مع رسول الله ﷺ فى الغار، ورفيقه فى هجرته، وناهيك بهما! وسمّاه فى كتابه: «صاحبه» . فقال تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[١] .
روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: خرج رسول الله ﷺ ، وخرج أبو بكر معه؛ لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار.
وعن حبيب بن أبى ثابت فى قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
[٢] . قال: على أبى بكر؛ فأمّا النبىّ ﷺ فقد كانت عليه السّكينة.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: «أنت صاحبى على الحوض، وصاحبى فى الغار»
. وعن سفيان بن عيينة، قال: عاتب الله المسلمين
стр. 6561
كلّهم فى رسول الله ﷺ إلّا أبا بكر، فإنه خرج من المعاتبة، قال الله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ.
ومن فضائله ومزاياه رضى الله عنه، أنّ رسول الله ﷺ قدمه للصّلاة [١] بالمسلمين فى حياته، وأمر بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلّا باب أبى بكر، وقد تقدّم ذلك [٢] .
ومنها ما
روى عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «رأيت فى المنام أنّى وزنت بأمّتى فرجحت، ثم وزن أبو بكر فرجح، ثمّ وزن عمر فرجح»
. وهذا دليل على أنه رضوان الله عليه أرجح من الأمة أكثر من مرتين، فإنه رجح الأمة، وعمر رضى الله عنه فيهم، ورجح عمر الأمة. ورؤيا رسول الله ﷺ حقّ لا محالة.
وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: ما سابقت أبا بكر إلى خير قطّ. إلّا سبقنى إليه؛ ولوددت أنى شعرة فى صدر أبى بكر.
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أنّ النبىّ ﷺ أمر بالصدقة، قال عمر بن الخطاب وكان عندى مال كثير.
فقلت: والله لأفضلنّ أبا بكر هذه المرّة، فأخذت نصف مالى وتركت نصفه، فأتيت به النبىّ ﷺ ، فقال: «هذا مال كثير، فما تركت لأهلك» ؟ قال: تركت لهم نصفه؛ وجاء أبو بكر بمال كثير، فقال رسول الله ﷺ : «ما تركت لأهلك» ؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.
стр. 6562
وفى رواية: قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فى قوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى
[١] ؛ نزلت فى أبى بكر الصديق رضى الله عنه.
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: كنت عند النبىّ ﷺ ، وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلّها [٢] فى صدره بخلال، فنزل عليه جبريل، فقال: يا محمد، مالى أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها فى صدره بخلال! فقال: «يا جبريل، أنفق ماله علىّ قبل الفتح» ، قال: فإنّ الله يقرأ عليك السّلام، ويقول: قل له: أراض أنت علىّ فى فقرك هذا، أم ساخط؟
فقال أبو بكر: أسخط على ربّى! أنا عن ربّى راض، أنا عن ربى راض، أنا عن ربى راض.
وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما، عن النبىّ ﷺ ، قال: هبط علىّ جبريل وعليه طنفسة، وهو متخلّل بها، فقلت:
يا جبريل، لم نزلت إلىّ فى مثل هذا الزّىّ [٣] ؟ قال إنّ الله أمر الملائكة أن تتخلّل فى السماء كتخلل أبى بكر فى الأرض.
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم صائما اليوم؟» قال أبو بكر رضى الله عنه: أنا، قال: «من أطعم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا،
стр. 6563
قال: «من عاد اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال: «من شهد اليوم منكم جنازة؟» [فقال أبو بكر: أنا] [١] ، فقال رسول الله ﷺ : «ما اجتمعت هذه الخصال فى رجل قطّ إلّا دخل الجنة»
. وعن ابن أبى أوفى، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فأقبل على أبى بكر وقال: «إنى لأعرف اسم رجل واسم أبيه، واسم أمّه؛ إذا دخل الجنّة لم تبق غرفة من غرفها، ولا شرفة من شرفها إلا قال: مرحبا مرحبا!» ، فقال سلمان: إن هذا لغير خائب» : فقال: «ذاك أبو بكر بن أبى قحافة»
. وعن سلمان بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : «أبو بكر وعمر خير الأرض إلّا أن يكون نبيا»
. قال: وقال رسول الله ﷺ : «الخير ثلاثمائة وستون خصلة، إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه واحدة منهنّ يدخل بها الجنة» ، قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، هل فىّ شىء منهنّ؟ قال: «نعم، جميعا من كلّ»
. وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : أتانى جبريل فأخذ بيدى، فأرانى باب الجنّة الذى تدخل منه [٢] أمّتى، فقال أبو بكر: وددت أنى كنت معك حتى أنظر إليه! فقال رسول الله ﷺ : «إنك يا أبا بكر أوّل من يدخل الجنّة من أمّتى»
. وعن أبى أمامة قال: استطال أبو بكر ذات يوم على عمر، فقام
стр. 6564
عمر مغضبا، فقام أبو بكر فأخذ بطرف ثوبه، فجعل يقول: ارض عنى، اعف عنّى، عفا الله عنك! حتى دخل عمر الدّار وأغلق الباب دون أبى بكر ولم يكلّمه؛ فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فغضب لأبى بكر، فلمّا صلّى الظهر جاء عمر، فجلس بين يديه، فصرف النبىّ ﷺ وجهه عنه، فتحوّل يمينا فصرف وجهه عنه، فلمّا رأى ذلك ارتعد وبكى، ثم قال: يا رسول الله، قد أرى إعراضك عنى، وقد علمت أنك لم تفعل هذا إلّا لأمر قد بلغك عنى، موجدة علىّ فى نفسك [١] ، وما خير حياتى وأنت علىّ ساخط، وفى نفسك علىّ شىء! فقال: «أنت القائل لأبى بكر كذا وكذا، ثم يعتذر إليك فلا تقبل منه!» ثم قام النبىّ ﷺ ، فقال: «إنّ الله بعثنى إليكم جميعا، فقلتم:
كذبت، وقال صاحبى: صدقت؛ فهل أنتم تاركون لى صاحبى! فهل أنتم تاركون لى صاحبى! فهل أنتم تاركون لى صاحبى!» ثلاثا.
فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، رضيت بالله ربّا.
وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيا. فقام أبو بكر فقال: والله لأنا بدأته، ولأنا كنت أظلم، فأقبل عمر على أبى بكر فقال: ارض عنى رضى الله عنك، فقال أبو بكر: يغفر الله لك! فذهب عن رسول الله ﷺ غضبه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن أبعث رجالا من أصحابى إلى ملوك الأرض يدعونهم إلى الإسلام كما بعث عيسى بن مريم الحواريّين» .
стр. 6565
قالوا: يا رسول الله، أفلا تبعث أبا بكر وعمر فهما أبلغ! فقال: «لا غنى لى عنهما؛ إنما منزلتهما من الدّين منزلة السمع والبصر من الجسد»
. وعن أبى أروى الدّوسىّ، قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسا، فطلع أبو بكر وعمر، فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذى أيّدنى بكما»
. وعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: «يا أبا بكر، إنّ الله أعطانى ثواب من آمن بى منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، وإن الله أعطاك يأبا بكر ثواب من آمن بى منذ بعثنى إلى يوم تقوم الساعة»
وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لى وزيران من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ووزيران من أهل الأرض: أبو بكر وعمر»
. وعن ابن عبّاس رضى الله عنهما: أنّ النبىّ ﷺ قال لأبى بكر [وعمر] [١] : «ألا أخبر كما بمثلكما من الملائكة، ومثلكما فى الأنبياء؟ أمّا مثلك أنت يا أبا بكر فى الملائكة فمثل ميكائيل، ينزل بالرحمة، ومثلك أيضا فى الأنبياء كمثل إبراهيم إذ كذّبه قومه، وصنعوا به ما صنعوا، فقال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[٢] . ومثلك يا عمر فى الملائكة كمثل جبريل، ينزل بالبأس والشدّة والنّقمة على أعداء الله؛ ومثلك فى الأنبياء كمثل نوح إذ قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[٣]
стр. 6566
وعن عمّار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتانى جبريل آنفا، فقلت له: يا جبريل، حدّثنى بفضائل عمر ابن الخطاب فى السماء. فقال: يا محمد، لو حدّثتك بفضائل عمر بن الخطاب فى السّماء مثل ما لبث نوح فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر، وإنّ عمر حسنة من حسنات أبى بكر»
. وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: هبط جبريل على النبىّ ﷺ فوقف ثلاثا يناجيه؛ فمرّ أبو بكر الصديق فقال جبريل: يا محمّد، هذا ابن أبى قحافة؛ قال: يا جبريل، وتعرفونه فى السماء؟ قال: إى والذى بعثك بالحقّ؛ لهو أشهر فى السماء منه فى الأرض، وإن اسمه فى السماء للحليم» .
وعن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه سلم: «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان أهل الأرض لرجح»
. وعن عبد الرحمن بن أبى بكر؛ أنّه كان يوم بدر مع المشركين، فلمّا أسلم قال لأبيه: لقد اهتدفت [١] لى يوم بدر، فصرفت، عنك ولم أقتلك؛ فقال أبو بكر: لكنّك لو اهتدفت لى لم أنصرف [٢] عنك.
وعن ابن غنم، أن النبىّ ﷺ قال لأبى بكر، وعمر: «لو اجتمعتما فى مشورة ما خالفتكما»
. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتانى جبريل فقال: يا محمّد، إنّ الله يأمرك أن تستشير أبا بكر» .
стр. 6567
وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ خرج إلى المسجد ومعه المهاجرون والأنصار، ما أحد منهم يرفع رأسه من حبوته إلا أبو بكر وعمر، فإنّه كان يبتسم إليهما ويبتسمان إليه.
وعن الزّبير بن العوّام، قال: قال رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك: «اللهمّ بارك لأمّتى فى أصحابى، فلا تسلبهم البركة، وبارك لأصحابى فى أبى بكر، فلا تسلبه البركة، واجمعهم عليه، ولا تشتّت أمره؛ فإنه لم يزل يؤثر أمرك على أمره. اللهم أعن عمر ابن الخطاب، وصبّر عثمان بن عفّان، ووفّق علىّ بن أبى طالب، وثبّت الزبير، واغفر لطلحة، وسلّم سعدا، ووقّر عبد الرحمن، وألحق بى [١] السّابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان.
وقيل: لمّا قدم رسول الله ﷺ من حجّة الوداع صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يأيّها الناس، إنّ أبا بكر لم يسؤنى قطّ، فاعرفوا ذلك له. يأيّها الناس، إنّى راض عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلىّ بن أبى طالب، وطلحة ابن عبيد الله والزّبير بن العوام وسعد بن مالك وعبد الرحمن ابن عوف والمهاجرين الأولين، فاعرفوا ذلك لهم. يأيّها الناس، إنّ الله قد غفر لأهل بدر والحديبية. يأيّها الناس، احفظونى فى أحبابى وأصهارى وفى أصحابى، لا يطلبنّكم الله بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست فيما يوهب. يأيّها النّاس، ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، إذا مات الرجل، فلا تقولوا فيه إلا خيرا»
، ثم نزل ﷺ .
стр. 6568
وعن عمرو بن العاص، أنّه أتى النبىّ ﷺ ، فقال: أىّ الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال: من الرجال، قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر
. وعن عبد الله بن أبى أوفى، قال: كنّا مع النبىّ ﷺ ، فقال: «إنّى مشتاق إلى إخوانى» ، فقلنا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله! قال: «كلّا، أنتم أصحابى وإخوانى» ، فجاء أبو بكر الصديق، فقال عمر: إنه قال: «إنى لمشتاق إلى إخوانى، فقلنا:
ألسنا إخوانك؟ فقال: لا، إخوانى قوم يؤمنون بى ولم يرونى.
فقال النبى ﷺ : «ألا تحبّ قوما بلغهم أنّك تحبنى فأحبوك لحبّك إياى، فأحبهم الله» !
وعنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على علىّ، وإذا أبو بكر وعمر قد أقبلا، فقال رسول الله ﷺ :
«أحبّهما فحبّهما يدخل الجنّة»
. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «حبّ أبى بكر وشكره واجب على أمتى»
. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «حبّ أبى بكر وعمر إيمان، وبغضهما كفر»
. وعن ابن عمر رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا ولد أبو بكر الصّديق أقبل الله تعالى على جنّة عدن، فقال: وعزّتى وجلالى لا أدخلك إلّا من يحبّ هذا المولود»
- يعنى أبا بكر.
стр. 6569
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ فى السماء الدنيا ثمانين ألف ملك يستغفرون الله تعالى لمن أحبّ أبا بكر وعمر؛ وفى السماء الثانية ثمانين ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر»
وعن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد بين أبى بكر وعمر، وهو معتمد عليهما، فقال:
«هكذا ندخل الجنة جميعا»
. وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : «أوّل من يعطى كتابه من هذه الأمّة أبو بكر؛ الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر»
. وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «تأتى الملائكة بأبى بكر الصديق مع النبيّين والصّدّيقين تزفّه إلى الجنة زفّا»
. وعن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : «أوّل من يعطى كتابه من هذه الأمّة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس» فقيل له: فأين أبو بكر يا رسول الله؟ قال: «هيهات! زفّته الملائكة إلى الجنة»
. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «كأنّى بك يا أبا بكر على باب الجنّة تشفع لأمّتى»
. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش:
стр. 6570
ألا هاتوا أصحاب محمد» ، قال: فيؤتى بأبى بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان، فيقال لأبى بكر: قف على باب الجنّة، فأدخل الجنة من شئت برحمة الله، ودع من شئت بعلم الله، ويقال لعمر بن الخطاب: قف على الميزان فثقّل من شئت برحمة الله، وخفّف من شئت بعلم الله، ويعطى عثمان بن عفّان عصا آس، التى غرسها الله فى الجنة، ويقال له: ذد النّاس عن الحوض»
. وقد ورد فى الصحيحين من فضائل أبى بكر رضى الله عنه ما فيه مقنع، وفضائله رضوان الله عليه كثيرة، وقد ذكرنا جملة كافية، فلنذكر صفته.
ذكر صفة أبى بكر الصديق
كان رجلا نحيفا [١] طويلا أبيض، خفيف العارضين أجنأ [٢] ، لا يستمسك إزاره، يسترخى عن حقويه [٣] ، معروق الوجه [٤] ، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عارى الأشاجع [٥] .
هكذا وصفته عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها. وكان يخضب بالحنّاء والكتم [٦] .
стр. 6571
ذكر ما ورد من أن رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر على أمته من بعده وحجة من قال ذلك
قال الفقيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ النمرىّ ﵀: استخلف [١] رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق رضى الله عنه على أمته من بعده؛ بما أظهر من الدلائل البينّة على محبّته فى ذلك، وبالتعريض الذى يقوم مقام التّصريح، ولم يصرّح بذلك لأنه لم يؤمر فيه بشىء.
وكان ﷺ لا يصنع شيئا فى دين الله إلا بوحى، والخلافة ركن من أركان الدين.
قال: ومن الدليل الواضح [٢] على ما قلنا، ما حدّثنا سعيد ابن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا منصور بن سلمة.
وأخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الميمون بن حمزة الحسينىّ بمصر، قال: حدثنا الطّحاوىّ؛ قال: حدثنا المزنىّ، قال: حدّثنا الشافعىّ؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد بن أبى وقّاص عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فسألها عن شىء، فأمرها أن ترجع إليه.
فقالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ - تعنى الموت- فقال لها رسول الله ﷺ : «إن لم تجدينى فأت أبا بكر» .
стр. 6572
قال الشافعىّ ﵀: فى هذا الحديث دليل على أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر.
وقد تقدم فى السيرة النبويّة
عن عاصم، عن قتادة، قال: ابتاع النبى ﷺ بعيرا من رجل إلى أجل، فقال: يا رسول، إن جئت فلم أجدك؟ - يعنى الموت-، قال: فائت أبا بكر، قال: فإن جئت فلم أجد أبا بكر؟ [يعنى] [١]- بعد الموت، قال: فائت عمر، قال: إن جئت فلم أجد عمر؟ قال: إن استطعت أن تموت إذا مات عمر، فمت.
وساق أبو عمر [٢] بن عبد البرّ فى أدلّته على استخلاف رسول الله ﷺ له أحاديث الصلاة، وكونه استخلفه أن يصلّى بالناس فى مرضه.
وقد قدمنا ذكر ذلك كلّه فى خبر وفاة رسول الله ﷺ .
وممّا يؤيد ذلك ويعضّده ما قدّمناه من
حديث عائشة رضى الله عنها، وقول رسول الله ﷺ لها: «لقد هممت- أو أردت- أن أرسل إلى أبيك، أو أخيك فأقضى أمرى، وأعهد عهدى؛ فلا يطمع فى الأمر طامع، ولا يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون» ثم قال: «كلا يأبى الله ويدفع المؤمنون» ، أو «يدفع الله ويأبى المؤمنون» .
وقال بعضهم فى حديثه: «ويأبى الله إلا أبا بكر»
. وفى الحديث الآخر
عن أبى مليكة، قال: قال النبىّ صلّى الله
стр. 6573
عليه وسلّم فى مرضه الذى مات فيه: «ادعوا إلىّ أبا بكر» ، فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجل يغلبه البكاء؛ ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب؛ قال: «ادعوا إلىّ أبا بكر، قالت: إن أبا بكر يرقّ، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب، فقال: «إنكن صواحب يوسف، ادعوا أبا بكر وابنه؛ فليكتب؛ أن يطمع فى أمر أبى بكر طامع، أو يتمنى متمنّ» . ثم قال: «يأبى الله ذلك والمؤمنون، يأبى الله ذلك والمؤمنون!»
. قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون.
وفى هذا الحديث والذى قبله تصريح [١] على أنه الخليفة بعده، ودليل على أن الكتاب الّذى أراد رسول الله ﷺ أن يكتبه، وتركه لما كثر عنده التنازع؛ إنما كان المراد به أن ينصّ على أبى بكر فى الخلافة. والله تعالى أعلم.
وروى أبو عمر بسنده إلى عبد الله بن مسعود، أنه قال: اجعلوا إمامكم خيركم؛ فإن رسول الله ﷺ جعل إمامنا خيرنا بعده.
وروى الحسن البصرىّ، عن قيس بن عباد، قال: قال لى علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه: إن رسول الله ﷺ مرض ليالى وأياما، ينادى بالصلاة فيقول: «مروا أبا بكر يصلّى بالناس» ؛ فلما قبض رسول الله ﷺ ، نظرت، فإذا الصّلاة علم الإسلام، وقوام الدّين، فرضينا لدنيانا ما رضى رسول الله ﷺ لديننا، فبايعنا أبا بكر [٢] .
стр. 6574
وكان أبو بكر رضى الله عنه يقول: أنا خليفة رسول الله ﷺ ؛ ولذلك كان يدعى: يا خليفة رسول الله ﷺ .
وروى عن ابن أبى مليكة، قال: قال رجل لأبى بكر يا خليفة الله، قال: لست خليفة الله؛ ولكن أنا خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا راض بذلك.
وروى أبو عمر بسنده، عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر وعمر رضى الله عنهما.
وكان علىّ رضى الله عنه يقول: سبق رسول الله ﷺ ، وصلّى أبو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا [١] فتنة يغفر الله فيها عمّن يشاء. وقال: رحم الله أبا بكر! كان أول من جمع بين اللّوحين [٢] .
وقال أبو عمر بن عبد البر: وروينا من وجوه، عن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب، أنه قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا؛ وأحناه علينا [٣] .
وقال مسروق: حبّ أبى بكر وعمرو معرفة فضلهما من السنّة.
وروى عن علىّ رضى الله أنه قال: لا يفضّلنى أحد على أبى بكر وعمر إلّا جلدته جلد المفترى.
والله أعلم بالصواب.
стр. 6575
ذكر بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وخبر السقفية، وما وقع بين المهاجرين والأنصار من التراجع فى الإمارة
بويع أبو بكر الصّديق رضى الله عنه بالخلافة فى يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل، سنة إحدى عشرة من الهجرة؛ وهو اليوم الّذى مات فيه رسول الله ﷺ ، فى سقيفة [١] بنى ساعدة، وذلك قبل أن يشرع فى جهاز رسول الله ﷺ .
وكان من خبر سقيفة بنى ساعدة، أنّه لمّا توفّى رسول الله ﷺ ، اجتمعت الأنصار فى سقيفة بنى ساعدة، وقالوا: نولّى هذا الأمر بعد رسول الله ﷺ سعد ابن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض، فلمّا اجتمعوا قال سعد لأبيه- أو لبعض بنى عمّه: إنى لا أقدر أشكو، أى أن أسمع القوم كلهم كلامى؛ ولكن تلقّ منى قولى فأسمعهموه [٢] ، فكان سعد يتكلّم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع به صوته، فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار، إنّ لكم سابقة فى الدين، وفضيلة فى الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إن محمدا ﷺ لبث بضع عشرة سنة فى قومه يدعوهم إلى عبادة
стр. 6576
الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلّا رجال قليل؛ والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله، ولا أن يعزّوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عمّوا به؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة؛ ساق إليكم الكرامة، وخصّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه. فكنتم أشدّ الناس على عدوّه من غيركم؛ حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا [١] ؛ وحتى أثخن [٢] الله لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب.
وتوفّاه الله إليه وهو عنكم راض، وبكم قرير العين. استبدّوا بهذا الأمر دون النّاس؛ فإنه لكم دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم، أن قد وفّقت فى الرأى، وأصبت فى القول، ولن نعدو ما رأيت؛ نولّيك هذا الأمر؛ فإنك فينا رفيع، ولصالح المؤمنين رضا.
ثم إنهم ترادّاوا الكلام، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش؟ فقالوا:
نحن المهاجرون وصحابة رسول الله ﷺ الأولون.
ونحن عشيرته وأولياؤه؛ فعلام تنازعوننا الأمر من بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا فمنّا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبدا. فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن! وأتى عمر رضى الله عنه الخبر، فأقبل إلى منزل النبىّ صلّى الله
стр. 6577
عليه وسلّم، فأرسل إلى أبى بكر، وأبو بكر فى الدار، وعلىّ بن أبى طالب دائب فى جهاز النبىّ ﷺ ؛ فأرسل إلى أبى بكر، أن اخرج إلىّ؛ فأرسل إليه: إنّى مشتغل، فأرسل إليه: إنه قد حدث [١] أمر لا بدّ لك من حضوره، فخرج إليه، فقال: أما علمت أنّ الأنصار قد اجتمعت فى سقيفة بنى ساعدة، يريدون أن يولّوا هذا الأمر سعد بن عبادة؛ وأحسنهم مقالة من يقول: منّا أمير ومن قريش أمير! فخرجا [٢] مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح، فتماشوا إليهم ثلاثتهم، فلقيهم عاصم بن عدىّ وعويم بن ساعدة، فقالا لهم: أين تريدون؟ قالوا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار.
قالا: فارجعوا. فاقضوا أمركم بينكم؛ فإنّه لم يكن إلا ما تحبون، فقالوا: لا نفعل.
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى حديثه: فقلت: والله لنأتينّهم! قال: فأتيناهم [٣] وهم مجتمعون فى سقيفة بنى ساعدة وإذا بين أظهرهم رجل مزمّل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد ابن عبادة. قلت: ما شأنه؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم، فحمد الله وقال: أمّا بعد، فنحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهطنا، وقد دفّت إلينا من قومكم دافّة.
قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا
стр. 6578
الأمر. وقد كنت زوّرت فى نفسى مقالة أقدّمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحدّ، وهو كان أوقر منى وأحلم، فلمّا أردت أن أتكلّم قال لى: على رسلك! وكرهت أن أغضبه، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، فما ترك شيئا زوّرت فى نفسى أن أتكلم به لو تكلمت، إلا قد جاء به، أو بأحسن منه.
وقال: أمّا بعد، يا معشر الأنصار، فإنّكم لا تذكرون منكم فضلا إلّا أنتم له أهل، وإنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحىّ من قريش؛ هم أوسط العرب دارا ونسبا، وإنّى قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيّهما شئتم. وأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح.
يقول عمر وهو على المنبر: وإنّى والله ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة، أن كنت أقدّم فتضرب عنقى أحبّ إلىّ من أن أؤمّر على قوم فيهم أبو بكر.
قال: فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل، فقال: أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب؛ منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
قال عمر: وارتفعت الأصوات، وكثر اللغظ، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبى بكر: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار، ثمّ نزوا على سعد؛ حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعدا! وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبى بكر، إنّا خشينا إن
стр. 6579
فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على ما نرضى، أو نخالفهم فيكون فشل.
ومن رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمر الأنصارىّ، وذكر ما تكلّم به أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وما قاله الأنصار، فقال بعد أن ساق ما تقدم أو نحوه، ثم قال: فبدأ أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله بعث محمّدا ﷺ رسولا إلى خلقه، وشهيدا على أمّته؛ ليعبدوا الله ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، يزعمون أنّها لهم عنده شافعة، ولهم نافعة، وإنّما هى حجر منحوت، وخشب منجور.
ثم قرأ: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[١] ، وقالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[٢] فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به، والمواساة [له] [٣] والصبر معه، على شدّة أذى قومهم لهم، وتكذيبهم إيّاهم، وكلّ الناس لهم مخالف، وعليهم زار [٤] ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وشنف النّاس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل من عبد الله فى الأرض، وآمن بالله والرّسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم
стр. 6580
ذلك إلا ظالم. وأنتم يا معشر الأنصار، أنتم من لا ينكر فضلهم فى الدّين، ولا سابقتهم العظيمة فى الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور.
قال: فقام الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم. فإنّ الناس فى فيئكم وفى ظلّكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم؛ وأنتم أهل العزّ والثّروة، وأولو العدد والتجربة، وذوو البأس والنّجدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وتنتقض [عليكم] [١] أموركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان فى قرن! إنه والله لا يرضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها ﷺ من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولّى أمورها من كانت النبوّة فيهم، وولىّ أمورهم منهم؛ ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته؛ ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم أو متوّرط. فى هلكة!.
فقام الحباب بن المنذر، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من
стр. 6581
هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم؛ فإنه بأسيافكم دان [١] لهذا الدّين من لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرّجّب؛ أما والله لئن شئتم لنعيدنّها جذعة [٢] ! فقال له عمر: إذن يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل.
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنّكم أوّل من نصر وآزر، فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيّر.
فقال بشير بن سعد، أبو النعمان بن بشير:
يا معشر الأنصار، إنّا والله لئن كنّا أولى فضيلة فى جهاد المشركين، وسابقة فى هذا الدّين، ما أردنا به إلا رضا ربّنا، وطاعة نبيّنا ﷺ ، والكدح لأنفسنا؛ ما ينبغى لنا أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغى به من الدنيا عرضا، فإن الله ولىّ المنة علينا بذلك؛ ألا إن محمدا ﷺ من قريش، وقومه أحقّ به وأولى. وايم الله لا يرانى الله أنازعهم هذا الأمر أبدا! فاتقوا الله ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم.
فقال أبو بكر رضى الله عنه: هذا عمر وأبو عبيدة، فأيّهما شئتم فبايعوا؛ فقالا: والله لا نتولّى هذا الأمر عليك، وأنت أفضل المهاجرين، وثانى اثنين إذ هما فى الغار، وخليفة رسول الله ﷺ على الصلاة، والصّلاة أفضل دين المسلمين،
стр. 6582
فمن ذا ينبغى له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك! ابسط نيايعك [١] فلمّا ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه المنذر بن الحباب: يا بشير بن سعد، عققت عقاق [٢] ! ما أحوجك [٣] إلى ما صنعت! أنفست على ابن عمّك الإمارة! قال: لا والله، ولكن كرهت أن أنازع قوما [حقا] [٤] جعله الله لهم.
قال: ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض- وفيهم أسيد بن حضير: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة، لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا [فقوموا] [٤] فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، وانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه: فروى عن أبى بكر بن محمد الخزاعىّ: إنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بها السكك ليبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلّا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنّصر.
قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل النّاس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد:
اتقوا سعدا لا تطئوه، فقال عمر: اقتلوه، اقتلوه، قتله الله! ثم قام
стр. 6583
على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك [١] ؛ فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر، ثم قال: والله لو حصصت منها شعرة ما رجعت وفى فيك واضحة [٢] .
فقال أبو بكر: مهلا يا عمر، الرفق هاهنا أبلغ! فأعرض عنه عمر؛ وقال سعد: أما والله لو أنّ بى من قوتى ما أقوى على النهوض لسمعتم منى فى أقطارها وسككها زئيرا يجحرك [٣] وأصحابك.
أما والله إذا لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع. احملونى عن هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره، وترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع؛ فقد بايع الناس وبايع قومك؛ فقال: أما والله حتّى أرميكم بما فى كنانتى من نبل، وأخضب منكم سنان رمحى، وأضربكم بسيفى ما ملكته يدى، وأقاتلكم بأهل بيتى ومن أطاعنى من قومى، فلا أفعل وايم الله: لو أن الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربى وأعلم ما حسابى.
فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع؛ فقال له بشير بن سعد: إنه قد لجّ [وأبى] [٤] وإنه ليس يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته. فاتركوه، فليس تركه يضارّكم، إنما هو رجل واحد. فتركوه، وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه
стр. 6584
لما بدا لهم منه؛ فكان سعد بن عبادة لا يصلّى بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحجّ ولا يفيض معهم بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر الصديق رضى الله عنه.
وعن الضّحاك بن خليفة، أنّ سعد بن عبادة بايع.
وعن جابر، قال: قال سعد بن عبادة يومئذ لأبى بكر: إنّكم يا معشر المهاجرين حسدتمونى على الإمارة، وإنّك وقومى أجبرتمونى على البيعة؛ فقال أبو بكر: إنّا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت فى سعة، ولكنّا أجبرناك على الجماعة فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يدا من طاعة، أو فرّقت جماعة لأضربنّ الذى فيه عيناك.
وحكى أبو عمر بن عبد البرّ ﵀؛ أنّ عمر رضى الله عنه قال: نشدتكم الله! هل تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس! فقالوا: اللهمّ نعم، قال:
فأيّكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ ! فقالوا: كلنا لا تطيب نفسه، ونستغفر الله. وبايعوه [١] .
قال: ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم، وتخلّف عن بيعته سعد بن عبادة، وطائفة من الخزرج، وفرقة من قريش، ثم بايعوه بعد غير سعد.
стр. 6585
وقيل: إنه لم يتخلّف عن بيعته يومئذ أحد من قريش.
وقيل: تخلّف عنه من قريش: علىّ، والزّبير، وطلحة، وخالد ابن سعد بن العاص. ثم بايعوه بعد.
وقد قيل: إن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة رضى الله عنها، ثم لم يزل سامعا مطيعا له؛ يثنى عليه ويفضّله.
وقيل: إنه تخلّف علىّ وبنو هاشم والزّبير وطلحة عن البيعة، وقال الزّبير: لا أغمد سيفى حتى يبايع علىّ، فقال عمر:
خذوا سيفه، فاضربوا به الحجر؛ ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة.
وقيل: إنّ عليّا لما سمع ببيعة أبى بكر خرج فى قميص، ما عليه إزار ولا رداء، عجلا حتى بايعه، ثم استدعى إزاره ورداءه.
وحكى محمد بن إسحاق ﵀؛ عن عبد الله بن أبى بكر، أنّ خالد بن سعيد بن العاص قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتربّص ببيعته لأبى بكر شهرين، وكان يقول:
قد أمّرنى رسول الله ﷺ ولم يعزلنى، ثم بايع أبا بكر.
فلمّا بعث أبو بكر الجنود إلى الشام، كان أول من بعث على ربع منها خالد بن سعيد، فلم يزل به عمر حتى عزله، وأمّر يزيد ابن أبى سفيان، وكان عمر رضى الله عنه قد اضطغن عليه تأخره عن بيعة أبى بكر.
وعن عكرمة، قال: لمّا بويع لأبى بكر تخلّف عن بيعته علىّ، وجلس فى بيته، فلقيه عمر، فقال: تخلّفت عن بيعة أبى بكر،