← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

فكانت الأزد يأخذون [١] بعر الجمل فيشمّونه ويقولون: بعر جمل أمّنا ريحه ريح المسك!. وقالت لمن عن يمينها: من القوم عن يمينى؟ قالوا بكر بن وائل. قالت: لكم يقول القائل: وجاءوا إلينا فى الحديد كأنّهم ... من العزّة القعساء [٢] بكر بن وائل إنّما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشدّ من قتالهم قبل ذلك. وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت: من القوم؟ قالوا بنو ناجية. قالت: بخ بخ [٣] ! سيوف أبطحيّة [٤] قرشية! فجالدوا جلادا يتفادى منه. ثم أطافت بها بنو ضبة، فقالت: ويها [٥] ! جمرة الجمرات [٦] فلما رقّوا خالطهم بنو عدىّ بن عبد مناه، وكثروا حولها، فقالت: من أنتم؟ قالوا: بنو عدىّ خالصنا إخواننا، فأقاموا رأس الجمل، وضربوا ضربا ليس بالتعذير [٧] ، ولا يعدلون بالتّطريف، حتّى

стр. 7142

إذا كثر ذلك وظهر فى العسكرين جميعا راموا الجمل، وقالوا: لا يزول القوم أو يصرع الجمل. وصارت مجنّبتا علىّ إلى القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضا. وأخذ عميرة بن يثربىّ رأس الجمل، وكان قاضى البصرة، فقال علىّ من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملى المرادى، فاعترضه ابن يثربىّ، فاختلفا ضربتين، فقتله ابن يثربىّ، ثم حمل علباء بن الهيثم، فقتله ابن يثربىّ، وقتل سيحان بن صوحان، وارتثّ صعصعه [١] ، فنادى عمار بن ياسر ابن يثربىّ: لقد عذت بحريز [٢] وما إليك من سبيل فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلىّ. فترك الزّمام فى يد رجل من بنى عدىّ وخرج، حتّى إذا كان بين الصفّين تقدّم عمّار، وهو ابن تسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وعليه فرو قد شدّ وسطه بحبل من ليف، وهو أضعف من بارزه، فاسترجع [٣] الناس وقالوا: هذا لاحق بأصحابه! فضربه ابن يثربىّ، فاتّقاه عمّار بدرقته [٤] ، فنشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، وأسفّ [٥] عمّار لرجليه فضربه فقطعهما، فوقع على استه وأخذ أسيرا، فأتى به إلى علىّ، فقال: استبقنى! فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم؟ وأمر به فقتل، وقيل: إنّ المقتول عمرو بن يثربىّ [٦]

стр. 7143

وإنّ عميرة [١] بقى حتّى ولى قضاء البصرة من قبل معاوية. قال: ولما قتل ابن يثربىّ ترك العدوىّ الزّمام بيد رجل من بنى عدىّ، وبرز، فخرج إليه ربيعة العقيلىّ، فاقتتلا، فأثخن كلّ واحد منهما صاحبه، فماتا جميعا. وقام مقام العدوىّ الحارث الضّبّىّ، فما رؤى أشدّ منه، وجعل يقول [٢] : نحن بنى [٣] ضبّة أصحاب الجمل ... نبارز القرن إذا القرن نزل ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل ... الموت أحلى عندنا من العسل ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل [٤] وارتجز غير ذلك. فلم يزل الأمر كذلك حتّى قتل على خطام الجمل أربعون رجلا، قالت عائشة: ما زال جملى معتدلا حتّى فقدت أصوات بنى ضبّة. قال [٥] : وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش، كلّهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل.

стр. 7144

وكان محمد بن طلحة ممّن أخذ بخطامه، وقال: يا أمّاه مرينى بأمرك. قالت: آمرك أن تكون كخير ابنى [١] آدم إن [٢] تركت. فجعل لا يحمل عليه أحد إلّا حمل وقال: «حم لا ينصرون» [٣] واجتمع علية نفر [٤] كلّهم ادّعى قتله، فأنفذه بعضهم بالرّمح، ففى ذلك يقول: وأشعث قوّام بآيات ربّه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفم [٥] يذكّرنى حاميم والرمح شاجر ... فهلّا تلا حاميم قبل التقدّم [٦] على غير شىء غير أن ليس تابعا ... عليّا، ومن لا يتبع الحقّ يندم

стр. 7145

قال: وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف، فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسّيف، فأقبل إليه الحارث بن زهير وهو يقول: يا أمّنا [١] يا خير أمّ نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم [٢] وتختلى هامته [٣] والمعصم فاختلفا ضربتين، فقتل كلّ واحد منهما صاحبه. وأحدق أهل النّجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلّا قتل، وكان لا يأخذه والراية إلّا معروف، فينتسب: «أنا» فلان بن فلان» ، فإن كانوا ليقاتلون عليه وإنّه للموت لا يوصل إليه [إلّا بطلبة] [٤] ! وما رامه أحد من أصحاب علىّ إلّا قتل أو أفلت ثمّ لم يعد، وحمل عدىّ بن حاتم عليهم ففقئت عينه. وجاء عبد الله بن الزّبير ولم يتكلم، فقالت عائشة: من أنت؟

стр. 7146

قال ابنك وابن أختك. قالت: واثكل أسماء! فانتهى إليه الأشتر فضربه الأشتر على رأسه، فجرحه جرحا شديدا، وضربه عبد الله ضربة خفيفة، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، وسقطا على الأرض يعتركان، فقال عبد الله بن الزّبير: «اقتلونى ومالكا» [١] فلو يعلمون من «مالك» لقتلوه، إنّما كان يعرف بالأشتر [٢] ، فحمل أصحاب علىّ وعائشة فخلصوهما. قال: وأخذ الخطام الأسود بن أبى البخترىّ القرشى فقتل [٣] ، وأخذه عمرو بن الأشرف الأزدى فقتل، وقتل معه ثلاثة عشر رجلا من أهل بيته، وجرح عبد الله بن الزّبير سبعا وثلاثين جراحة من طعنة ورمية وضربة، وجرح مروان بن الحكم. فنادى علىّ: اعقروا الجمل فإنّه إن عقر تفرّقوا. فضربه رجل، فسقط، فما سمع صوت أشدّ من عجيجه. وقيل فى عقر الجمل: إنّ القعقاع لقى الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل. فقال: هل لك فى العود؟ فلم يجبه، فقال: يا أشتر

стр. 7147

بعضنا أعلم بقتال بعض منك. وحمل القعقاع، والزّمام مع زفر بن الحارث الكلابىّ، وكان آخر من أخذ الخطام، فلم يبق شيخ من بنى عامر إلّا أصيب قدّام الجمل، وزحف القعقاع إلى زفر بن الحارث، وقال لبجير بن دلجه- وهو من أصحاب علىّ-: يا بجير صح بقولك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا أو تصاب أمّ المؤمنين. فقال بجير: «يا آل ضبّة، يا عمرو بن دلجة، ادع بى إليك» فدعاه، فقال: أنا آمن حتّى أرجع عنكم؟. قالوا: نعم. فاجتثّ ساق البعير، فرمى بنفسه على شقّه وجرجر [١] البعير، قال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون واجتمع هو وزفر على قطع بطان [٢] الجمل وحملا الهودج فوضعاه، وإنه كالقنفذ لما فيه من السّهام، ثم أطافا به، وفرّ من وراء ذلك من الناس. فلمّا انهزموا أمر علىّ مناديا فقال: ألا لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح [٣] ولا تدخلوا الدّور. وأمر علىّ نفرا أن يحملون الهودج من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبى بكر أن يضرب عليها قبّة، وقال انظر: هل وصل إليها شىء من جراحة؟ فأدخل رأسه هودجها، فقالت: من أنت؟ فقال: أبغض أهلك إليك. قالت ابن الخثعميّة [٤] ؟ قال: نعم. قالت: الحمد لله الذى عافاك.

стр. 7148

وقيل: لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبى بكر وعمّار بن ياسر إليه، فاحتملا الهودج، فنحّياه، فأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ قال: أخوك البرّ [١] قالت: عقق [٢] ! قال: يا أخيّة هل أصابك شىء؟ قالت: ما أنت وذاك؟ قال: فمن إذا الضّلّال؟ قالت: بل الهداة! وقال لها عمّار: كيف رأيت بنيك اليوم يا أمّاه؟ قالت: لست لك بأمّ! قال: بلى وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل الّذى نقمتم هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه! فأبرزوا هودجها، فوضعوها ليس قربها أحد. وأتاها علىّ فقال: كيف أنت يا أمّه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك. وجاء أعين بن ضبيعة المجاشعىّ حتى اطّلع فى الهودج، فقالت إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلا حميراء. فقالت هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك! فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمى عريانا فى خربة من خربات الأزد!. ثم أتى وجوه الناس إلى عائشة، وفيها القعقاع بن عمرو، فسلّم عليها، فقالت: والله لوددت أنى متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة!

стр. 7149

وكان علىّ يقول بعد الفراغ من القتال: إليك أشكو عجرى وبجرى [١] ... ومعشرا أعشوا [٢] علىّ بصرى قتلت منهم مضرى بمضرى ... شفيت نفسى وقتلت معشرى! قال: ولمّا كان الليل أدخل محمد بن أبى بكر عائشة البصرة، فأنزلها فى دار عبد الله بن خلف الخزاعى [٣]- وهى أعظم دار فى البصرة- على صفيّة بنت الحارث بن [طلحة بن] [٤] أبى طلحة بن عبد العزّى، وهى أمّ طلحة الطّلحات بن عبد الله بن خلف. وتسلّل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة. وأقام علىّ بظاهر البصرة ثلاثا، وأذن للناس فى دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، وطاف علىّ فى القتلى، فلما أتى كعب بن سور قال: «أزعمتم [٥] أنّما خرج معهم السفهاء وهذا الحبر قد ترون!»

стр. 7150

وجعل كلّما مرّ برجل فيه خير قال: «زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم!» وصلى علىّ على القتلى من بين الفريقين، وأمر فدفنت الأطراف فى قبر عظيم، وجمع ما كان فى العسكر من شىء وبعث به إلى مسجد البصرة، وقال: من عرف شيئا فليأخذه إلّا سلاحا كان فى الخزائن عليه سمة السلطان. قال [١] : وكان جميع القتلى عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب علىّ، ونصفهم من أصحاب عائشة، حكاه أبو جعفر الطبرى، وقال غيره: ثمانية آلاف. وقيل: سبعة عشر ألفا. قال أبو جعفر: وقتل من ضبّة ألف رجل، وقتل من عدىّ حول الجمل سبعون كلّهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ. قال [٢] : ولمّا فرغ علىّ من الواقعة أتاه الأحنف بن قيس [فى بنى سعد] [٣] ، وكانوا قد اعتزلوا القتال، كما ذكرنا، فقال له علىّ: لقد تربّصت. فقال: ما كنت أرانى إلّا قد أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق، فإنّ طريقك الّذى سلكت بعيد، وأنت إلىّ غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحسانى، واستصف مودّتى لغد، ولا تقل [٤] مثل هذا فإنّى لم أزل لك ناصحا. ثم دخل علىّ البصرة يوم الاثنين، فبايعه أهلها، حتّى الجرحى والمستأمنة، واستعمل علىّ عبد الله بن عبّاس على البصرة، وولّى

стр. 7151

زيادا الخراج وبيت المال، وأمر ابن عبّاس أن يسمع منه ويطيع وكان زياد معتزلا [١] . ثم راح علىّ رضى الله عنه إلى عائشة فى دار عبد الله بن خلف الخزاعى، فوجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابنى خلف، وكان عبد الله قتل مع عائشة، وعثمان قتل مع على، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكى، فلما رأته قالت له: يا على، يا قاتل الأحبّة، يا مفرق الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله منه. فلم يردّ عليها شيئا، ودخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها، ثم قال: جبهتنا صفيّة. أما إنّى لم أرها منذ كانت جارية! فلما خرج أعادت عليه القول، فكفّ بغلته، وقال: لقد هممت أن أفتح هذا الباب (وأشار إلى باب فى الدار) وأقتل من فيه (وكان فيه ناس من الجرحى فأخبر بمكانهم، فتغافل عنه) [٢] . قال: ولمّا خرج من عند عائشة قال له رجل من الأزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة! فغضب وقال: «مه [٣] ، لا تهتكنّ سترا، ولا تدخلنّ دارا، ولا تهيجنّ امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفّهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنّ النساء ضعيفات، ولقد كنّا

стр. 7152

نؤمر بالكفّ عنهنّ وهنّ مشركات، فكيف إذا كنّ مسلمات؟» ومضى، فلحقه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قام رجلان على الباب فتناولا من هو أمضّ شتيمة لك من صفيّة. فقال: ويحك لعلّها عائشة! قال: نعم، قال أحدهما: «جزيت عنّا أمّنا عقوقا» . وقال الآخر: «يا أمّتا [١] توبى فقد خطيت» . فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل على من كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة، وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط، وأخرجهما من ثيابهما. قال: وسألت عائشة رضى الله عنها عمّن قتل من الناس معها وعليها، فكلّما نعى واحد من الجميع قالت: ﵀! فقيل لها كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ﷺ فلان فى الجنة وفلان فى الجنة [٢] . ثم جهّز علىّ رضى الله عنه عائشة بكلّ ما ينبغى لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وبعث معها كلّ من نجا ممّن خرج معها إلّا من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسيّر معها أخاها محمد بن أبى بكر رضى الله عنهم. فلمّا كان

стр. 7153

اليوم الذى ارتحلت فيه أتاها علىّ فوقف لها، وحضر الناس، فخرجت [وودعوها] [١] وودّعتهم وقالت: يا بنىّ، لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بينى وبين علىّ فى القديم إلّا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتى لمن الأخيار. فقال علىّ رضى الله عنه: صدقت والله ما كان بينى وبينها إلا ذاك، وإنّها لزوجة نبيّكم فى الدنيا والآخرة. وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرّة شهر رجب سنة ستّ وثلاثين، وشيّعها علىّ أميالا، وسرّح بنيه معها يوما. وتوجّهت إلى مكّة، فأقامت إلى الحجّ، فحجّت، ثم رجعت إلى المدينة. قال: ولمّا فرغ علىّ من بيعة أهل البصرة نظر فى بيت المال، فرأى فيه ستّمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة درهم، فقال لهم: إن أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم، فخاض فى ذلك السّبئيّة، وطعنوا على علىّ [من وراء وراء] [٢] ، وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم، فقالوا: يحلّ لنا دماءهم ويحرّم علينا أموالهم [٣] ! قال: وأراد علىّ رضى الله عنه المقام بالبصرة لإصلاح حالها،

стр. 7154

فأعجلته السّبئيّة عن المقام، فإنّهم ارتحلوا بغير إذنه، فارتحل فى آثارهم، ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه. فلنرجع إلى مقتل طلحة والزبير. ذكر مقتل طلحة رضى الله عنه وشىء من أخباره هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب القرشى التّيمى. وهو أقرب العشرة إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، يجتمع نسبه مع نسب أبى بكر فى عمرو بن كعب بن سعد. ويجتمع نسبه ونسب رسول الله ﷺ ، فى مرّة ابن كعب. وأم طلحة: الحضرميّة، وهى الصّعبة بنت عبد الله بن عباد [١] ابن مالك بن ربيعة بن أكبر بن مالك بن عويف بن مالك بن الخزرج ابن إياد بن الصّدف [٢] من حضرموت من كندة، يعرف أبوها عبد الله ب «الحضرمىّ» . ويعرف طلحة ب «طلحة الخير» و «طلحة الفيّاض» . قيل

стр. 7155

سمّى بالفيّاض لأنّه اشترى مالا بموضع يقال له «بيسان» ، فقال رسول الله ﷺ : «ما أنت إلا فيّاض» ، فسمّى بذلك من يومئذ. وهو رضى الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض [١] . وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وقسم له سهمه وأجره يوم بدر [٢] . وقد تقدم خبره فى ذلك [٣] . ثم شهد أحدا وما بعدها، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، ووقى رسول الله ﵊ بنفسه، اتّقى عنه النّبل بيده حتى شّلّت إصبعه وضرب فى رأسه، وحمل رسول الله ﵊ على ظهره حتى صعد الصخرة، فقال ﵇ لأبى بكر رضى الله عنه: «اليوم أوجب طلحة [٤] يا أبا بكر» .

стр. 7156

ويروى أنّ رسول الله ﷺ نظر إليه فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة» . وحكى أبو عمر ابن عبد البر ﵀ فقال: زعم بعض أهل العلم أنّ عليّا رضى الله عنه دعاه يوم الجمل، فذكّره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع طلحة عن قتاله، على نحو ما صنع الزّبير واعتزل فى بعض الصفوف، فرمى بسهم، فقطع من رجله عرق النّسا، فلم يزل دمه ينزف حتّى مات [١] . ويقال: إنّ السهم أصاب ثغرة نحره، وإنّ الذى رماه مروان بن الحكم وقال: لا أطلب بثأرى بعد اليوم. وذلك أنّ طلحة- فيما زعموا- كان ممّن حاصر عثمان واشتد عليه. قال ابن عبد البر: ولا يختلف العلماء [٢] فى أن مروان بن الحكم قتل طلحة يومئذ [٣] ، واستدلّ على ذلك بأخبار [رواها من قول مروان تدل على أنه قاتله] [٤] . قال: وقد روى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: والله إنّى لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزّبير ممّن قال الله

стр. 7157

تبارك وتعالى فيهم: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [١] . وروى أبو عمر بسنده إلى قيس بن أبى حازم قال: رمى مروان طلحة يوم الجمل بسهم فى ركبته، فجعل الدّم يسيل، فإذا أمسكوه استمسك وإذا تركوه سال، فقال: دعوه فإنّما هو سهم أرسله الله. قال فمات، فدفنّاه على شاطئ الكلّاء [٢] ، فرأى بعض أهله أنه أتاه فى المنام فقال: «ألا تريحوننى من هذا الماء فإنى قد غرقت!» ثلاث مرار يقولها، قال: فنبشوه فإذا هو أخضر كأنّه السّلق، فنزحوا [٣] عنه الماء، فاستخرجوه، فإذا ما يلى الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا له دارا من دور آل أبى بكر بعشرة آلاف، فدفنوه فيها. وروى أيضا بسنده إلى علىّ بن زيد عن أبيه أن رجلا رأى فيما يرى النائم أنّ طلحة بن عبيد الله قال: «حوّلونى عن قبرى فقد آذانى الماء!» ثم رآه، حتّى رآه ثلاث ليال، فأتى ابن عبّاس فأخبره، فنظروا فإذا شقّة الذى يلى الارض فى الماء، فحوّلوه، قال: فكأنى أنظر إلى الكافور فى [٤] عينيه لم يتغيّر إلّا عقيصته فإنها مالت عن موضعها. وقتل رضى الله عنه وهو ابن ستّين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستّين، وذلك يوم الجمل، لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين.

стр. 7158

وكان رضى الله عنه رجلا آدم، حسن الوجه، كثير الشّعر، ليس بالجعد القطط [١] [ولا بالسّبط] [٢] وكان لا يغيّر شعره [٣] . وسمع علىّ رجلا ينشد: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر فقال: ذاك أبو محمد طلحة بن عبيد الله. وحكى الزّبير [٤] أنّه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلّة طلحة بن عبيد الله ألفا وافيا كلّ يوم! (قال: والوافى وزنه وزن الدّينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التى تعرف بالبغلية) . ذكر مقتل الزبير بن العوام رضى الله عنه وشىء من أخباره هو أبو عبد الله الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، القرشى الأسدى. وأمّه صفيّة بنت عبد المطّلب، عمّة رسول الله ﷺ ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستّة أصحاب الشّورى، وهو قديم الإسلام، واختلف فى سنّه يوم أسلم، فقيل:

стр. 7159

خمس عشرة سنة، وقيل ست عشرة، وقيل: اثنتى عشرة سنة وقيل: ثمانى سنين. والأول أصح. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود حين أخى بين المهاجرين، ولما أخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش. وكان له رضى الله عنه من الولد- فيما حكاه بعضهم- عشرة، وهم: عبد الله وعروة ومصعب والمنذر وعمرو وعبيدة وجعفر وعامر وعمير وحمزة. وكان الزّبير رضى الله عنه أوّل من سلّ سيفا فى سبيل الله، وذلك أنه نفخت فيه نفخة من الشّيطان: «أخذ رسول الله ﵊» ، فأقبل يشقّ الناس بسيفه، والنبىّ ﷺ بأعلى مكّة، فقال له رسول الله: ما لك يا زبير؟ قال: أخبرت أنك أخذت! فصلّى عليه ودعا له. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الزّبير ابن عمّتى وحواريّى من أمّتى» . وقال: «لكلّ نبىّ حوارىّ، وحواريّى الزّبير» . وسمع ابن عمر رضى الله عنه رجلا يقول: «أنا ابن الحوارىّ» ، فقال إن كنت ابن الزّبير وإلّا فلا. وذكر [١] فى معنى «الحوارىّ» : الخالص، وقيل الخليل، ولذلك قال جرير [٢] :

стр. 7160

أفبعد مقتلهم خليل محمد [١] ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا وقيل: الحوارىّ: الناصر. وقيل: الصاحب المستخلص. وجمع رسول الله ﷺ أبويه للزّبير مرّتين: يوم أحد ويوم بنى قريظة، فقال: «ارم فداك أبى وأمّى!» [٢] . قال أبو عمر ابن عبد البر: وكان الزبير تاجرا! مجدودا [٣] فى التجارة، قيل له يوما: بم أدركت فى التجارة ما أدركت؟ فقال: لأنى لم أشتر غبنا [٤] ولم أردد ربحا والله يبارك لمن يشاء. وروى عن كعب قال: كان للزّبير ألف مملوك يؤدّون إليه الخراج فما يدخل بيته منه درهما واحدا. يعنى أنه كان يتصدق بذلك. وكان سبب قتله رضى الله عنه أنّه لما انصرف من وقعة الجمل وفارق الحرب مرّ بالأحنف فقال: هذا الذى جمع بين المسلمين حتّى ضرب بعضهم بعضا ثم لحق ببيته! ثم قال للناس: من يأتينى بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز: أنا. وقيل: إنّ الزّبير لمّا انصرف نزل بعمرو بن جرموز، فقال له: «يا أبا عبد الله، جنيت حربا ظالما أو مظلوما ثمّ تنصرف! أتائب أم عاجز؟» فسكت عنه الزّبير، ثم عاوده، فقال: ظنّ فىّ كلّ شىء

стр. 7161

غير الجبن. فانصرف عنه ابن جرموز وهو يقول: «والهفى على ابن صفيّة! أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله! قتلنى الله إن لم أقتله!» ثم رجع إليه كالمتنصّح، فقال: «يا أبا عبد الله دون أهلك فياف، فخذ نجيبى [١] هذا وخلّ فرسك ودرعك، فإنهما شاهدان عليك بما نكره» . وأراد بذلك أن يلقاه حاسرا [٢] ، ولم يزل به حتّى تركهما عنده وأخذ نجيبه، وسار معه ابن جرموز كالمشيّع له، حتّى انتهيا إلى وادى السّباع [٣] ، فاستغفله [٤] ابن جرموز وطعنه. وقيل: إنّه اتبعه إلى الوادى فقتله وهو فى الصلاة. وقيل: بل قتله وهو نائم. وفى ذلك تقول عاتكة [٥] بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية زوجته ترثيه [٦] : غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرّد [٧] يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان [٨] ولا اليد

стр. 7162

كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن فقع القردد [١] ثكلتك أمّك إن ظفرت بمثله [٢] ... فيما مضى ممّن يروح ويغتدى والله ربّك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمّد [٣] قال: فلمّا رجع برأسه وسلبه [٤] قال له رجل من قومه: «فضحت والله اليمن أوّلها وآخرها بقتلك الزّبير رأس المهاجرين وفارس رسول الله ﷺ وحواريّه وابن عمّته! والله لو قتلته فى حرب لعزّ ذلك علينا ولمسّنا عارك! فكيف فى جوارك وحرمك؟!» قال: وأتى ابن جرموز عليّا، فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزّبير. فقال علىّ رضى الله عنه ائذن له وبشّره بالنار، قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار! فقال ابن جرموز: أتيت عليا برأس الزّبي ... ر أرجو لديه به الزّلفه

стр. 7163

فبشّر بالنار إذ جئته ... فبئس بشارة ذى التّحفه وسيان عندى قتل الزّبير ... وضرطة عير بذى الجحفه [١] وحكى أبو عمر ابن عبد البر فى كتابه المترجم ب «الاستيعاب» [٢] من رواية عمرو بن جاوان عن الاحنف بن قيس قال: لما بلغ الزبير سفوان (موضعا بالبصرة كمكان القادسيّة من الكوفة) لقيه النعر [٣] (رجل من بنى مجاشع) فقال: «أين تذهب يا حوارىّ رسول الله؟ إلىّ، فأنت فى ذمّتى لا يوصل إليك» ، فأقبل معه، وأتى إنسان الأحنف فقال: هذا الزّبير قد لقى بسفوان، فقال الأحنف: «ما شاء الله كان، قد جمع بين المسلمين حتّى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسّيوف، ثم يلحق ببيته وأهله!!» فسمعه عميرة [٤] بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع فى غواة من غواة بنى تميم، فركبوا فى طلبه، فلقوه مع النعر، فأتاه عميرة بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة فطعنه طعنة خفيفة، وحمل عليه الزّبير على فرس له يقال له «ذو الخمار» [٥] ، حتى إذا ظنّ أنه قاتله نادى صاحبيه: «يا نفيع

стр. 7164

يا فضالة» فحملوا عليه حتّى قتلوه ... قال: [١] وهذا [٢] أصّح مما تقدّم. وكان مقتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة [٣] سنة ست وثلاثين. وكانت سنّه يوم قتل سبعا وستّين سنة، وقيل ستّا وستين. وكان الزّبير رضى الله عنه أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية. وقال حسّان بن ثابت يمدح الزّبير ويفضّله: [٤] أقام على عهد النبىّ وهديه ... حواريّه والقول بالفعل يعدل أقام على منهاجه وطريقه ... يوالى ولى الحقّ والحقّ أعدل هو الفارس المشهور والبطل الذى ... يصول إذا ما كان يوم محجّل [٥]

стр. 7165

وإن امرأ كانت صفية أمه ... ومن أسد فى بيته لمرفّل [١] له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل [٢] فكم كرّة ذبّ الزّبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطى ويجزل [٣] إذا كشفت عن ساقها الحرب حشّها ... بأبيض سبّاق إلى الموت يرقل [٤] فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدّهر ما دام يذبل [٥] وروى [٦] عن عبد الله بن الزّبير رضى الله عنهما أنه قال: لمّا وقف الزّبير يوم الجمل دعانى، فقمت إلى جنبه، فقال «يا بنىّ: إنّه لا يقتل اليوم إلّا ظالم أو مظلوم، وإنّى لا أرانى [٧] إلّا سأقتل اليوم

стр. 7166

مظلوما، وإنّ من أكبر همّى لدينى، أفترى ديننا يبقى من مالنا شيئا؟ [١] وقال: يا بنى بع مالنا واقض دينى. وأوصى بالثّلث وثلثه لبنيه (يعنى بنى عبد الله بن الزّبير) يقول: الثلث إليك [٢] فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدّين فثلثه لولدك. قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى [٣] بعض بنى الزّبير: خبيب وعبّاد [٤] ، وله [٥] يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله فجعل يوصينى بدينه ويقول: يا بنىّ إن عجزت عن شىء منه فاستعن عليه مولاى. قال [٦] : فو الله ما دريت ما أراد، حتّى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله تعالى. فو الله ما وقعت فى كربة من دينه إلّا قلت: «يا مولى الزّبير اقض عنه دينه» فيقضيه. فقتل الزّبير رضى الله عنه ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة [٧] وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر. قال [٨] : وإنّما كان دينه الذى عليه أنّ الرجل كان يأتيه بالمال

стр. 7167

فيستودعه إيّاه، فيقول الزّبير رضى الله عنه لا [١] ، ولكنّه سلف، فإنّى أخشى عليه الضّيعة. وما ولى إمارة قطّ ولا جباية خراج ولا شيئا إلّا أن يكون فى غزوة مع النبى ﷺ أو مع أبى بكر أو عمر أو عثمان رضى الله عنهم. قال عبد الله بن الزّبير: فحسبت ما عليه من الدّين فوجدته ألفى ألف ومائتى ألف. قال: فلقى حكيم بن حزام عبد الله بن الزّبير فقال: يا ابن أخى كم على أخى من الدّين؟ فكتمه وقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفى ألف ومائتى ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شىء منه فاستعينوا بى. قال: وكان الزّبير رضى الله عنه اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزّبير حقّ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزّبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخّرون إن أخّرتم. فقال عبد الله: لا. قال: فاقطعوا لى قطعة. فقال عبد الله لك من ههنا إلى ههنا. فباع منها [٢] فقضى دينه فأوفاه، وبقى

стр. 7168

منها [١] أربعة أسهم ونصف، فقدم [٢] على معاوية وعنده عمرو بن عثمان [٣] والمنذر بن الزبير وابن زمعة [٤] ، فقال له معاوية: كم قوّمت الغابة؟ قال: كلّ سهم [٥] بمائة ألف. قال: كم بقى قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزّبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقى فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. (قال وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستّمائة ألف [٦] ) قال: فلمّا فرغ ابن الزّبير من قضاء دينه قال بنو الزّبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتّى أنادى بالموسم أربع سنين: «ألا من كان له على الزّبير دين فليأتنا فلنقضه» . قال: فجعل كلّ سنة ينادى بالموسم، فلمّا مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: وكان للزّبير أربع نسوة، ورفع الثّلث، فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله [٧] خمسون ألف ألف ومائتا ألف. هكذا أورده البخارىّ ﵀ فى صحيحه، وعقد جملة المال فى آخره على ما ذكرنا.

стр. 7169

والذى دلّ عليه الحساب أنّ جملة المال تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف، وذلك أنّ نصيب الزوجات الأربع (وهو الثّمن بعد وفاء الدّين ورفع الثلث الذى أوصى به لبنى عبد الله) اشتمل على أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف، يضرب فى ثمانية فتكون ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف، ويكون ثلث الوصية (وهو نصف هذه الجملة) تسعة عشر ألف ألف ومائتى ألف، والدّين ألفى ألف ومائتى ألف، فتخرج الجملة على ما ذكرناه [١] . ذكر وقعة صفين وابتداء أمرها كانت وقعة صفّين فى أواخر سنة ست وثلاثين وأوائل سنة سبع وثلاثين. وذلك أنه لما فرغ علىّ رضى الله عنه من حرب الجمل أقام بالبصرة، ثمّ انتقل إلى الكوفة، وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلى- وكان عثمان قد استعمله على همذان- وإلى الأشعث بن قيس- وكان على أذربيجان- فأمرهما بأخذ البيعة والحضور إليه، ففعلا ذلك. وأراد علىّ أن يرسل إلى معاوية رسولا، فقال جرير: أرسلنى إليه [٢] فقال الأشتر لعلىّ: لا تفعل [فإنّ هواه مع معاوية] [٣] فقال علىّ

стр. 7170

دعه حتّى ننظر ما يرجع به. فبعثه، وكتب معه إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار عليه [١] ، وما كان من نكث طلحة والزّبير وحرب الجمل، ودعاه إلى البيعة والدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. فلما قدم جرير على معاوية ما طله بالجواب، واستشار عمرو بن العاص، وكان قد قدم عليه وانضمّ إليه، على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار معاوية، فأشار عمرو عليه أن يجمع أهل الشام ويلزم عليّا دم عثمان، ففعل، فأجمع أهل الشام على حرب علىّ. فعاد جرير إلى علىّ وأعلمه ذلك، وأنّ أهل الشام يبكون على عثمان ويقولون: إنّ عليّا قتله، وآوى قتلته، وإنهم لا ينتهون عنه حتّى يقتلهم أو يقتلوه. فقال الأشتر لعلىّ: كنت نهيتك عن إرسال جرير، وأخبرتك بعداوته وعشه، فأبيت إلّا إرساله. ثم تقاول الأشتر وجرير مقاولة أدّت إلى مفارقة جرير لعلىّ ولحاقه بمعاوية. قال: وخرج علىّ رضى الله عنه، فعسكر بالنّخيلة، [٢] وتخلّف عنه نفر من أهل الكوفة، منهم ميسرة الهمدانى ومسعود [٣] أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين. وقدم عليه عبد الله بن العباس فى أهل البصرة. وبلغ ذلك معاوية، فاستشار عمرو بن العاص، فقال له: «أمّا إذا سار علىّ بنفسه فى الناس فسر بنفسك، ولا تغب عنه برأيك

стр. 7171

ومكيدتك.» فتجهّز معاوية بأهل الشام، وقد حرّضهم عمرو وضعّف عليّا وأصحابه، وقال: «إنّ أهل العراق قد فرّقوا جمعهم ووهّنوا شوكتهم، وفلّوا حدّهم، وأهل البصرة مخالفون لعلىّ بمن قتل منهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنّما سار علىّ فى شرذمة قليلة، وقد قتل خليفتكم، فالله الله فى حقّكم أن تضيّعوه، وفى دمكم أن تطلّوه!» وكتب معاوية (فى أجناد) [١] أهل الشام، وعقد لواء لعمرو، ولواء لابنيه: عبد الله ومحمد، ولواء لغلامه وردان. وسار معاوية وتأنّى فى مسيره. قال: وبعث [٢] علىّ رضى الله عنه زياد بن النّضر الحارثىّ فى ثمانية آلاف، وبعث شريح بن هانئ فى أربعة آلاف، وسار علىّ من النّخيلة، وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة، وولّى على المدائن سعد ابن مسعود (عمّ المختار بن أبى عبيد الثّقفى) ، ووجه من المدائن معقل بن قيس فى ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتّى يوافيه على الرّقّة. فلما وصل علىّ [٣] الرقة قال لأهلها ليعملوا جسرا يعبر عليه إلى أهل الشام، فأبوا، وكانوا قد ضمّوا سفنهم إليهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر: «أقسم بالله لئن لم تعملوا جسرا لأمير المؤمنين يعبر عليه

стр. 7172

لأجرّدنّ فيكم السّيف، ولأقتلنّ الرجال ولآخذنّ الأموال!» فلقى بعضهم بعضا وقالوا: «إنّه الأشتر، وإنّه قمن أن يفى لكم بما حلف عليه أو يأتى بأكثر منه!» فنصبوا جسرا فعبر عليه علىّ وأصحابه. قال: ولما بلغ [١] علىّ الفرات دعا زياد بن النّضر وشريح بن هانىء فيمن معهما فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الّتى خرجا عليها من الكوفة، وكان سبب عودهما أنّهما أخذا من الكوفة على شاطىء الفرات مما يلى البرّ، فلمّا بلغا» عانات» بلغهما أنّ معاوية قد أقبل فى جنود الشام، فقالا: «والله ما هذا لنا برأى، أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر، وما لنا خير أن نلقى جنود الشام بقلّة من معنا» فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهلها، فرجعوا! [حتّى عبروا] [٢] من هيت [٣] ، فلحقوا عليّا دون قرقيسيا [٤] ، فقال علىّ: مقدّمتى تأتينى من ورائى! فأخبره شريح وزياد بما كان، فقال: سدّدتما. فلمّا عبر الفرات سيّرهما أمامه. فلمّا انتهيا إلى سور الرّوم لقيهما أبو الأعور السّلمىّ فى جند من أهل الشام، فأرسلا إلى علىّ فأعلماه. فأرسل علىّ إلى الأشتر، وأمره بالسرعة، وقال: «إذا

стр. 7173

قدمت فأنت عليهم، وإيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلّا أن يبدءوك، حتّى تلقاهم فتدعوهم، وتسمع منهم، ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرّة بعد مرة، واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، ولا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد تباعد من يهاب البأس، حتّى أقدم عليك، فإنّى حثيث السّير فى أثرك إن شاء الله تعالى» . وكتب إلى شريح وزياد بذلك، وأمرهما بطاعة الأشتر.. فسار الأشتر حتّى قدم عليهم، وكفّ عن القتال، ولم بزالوا متوقفين حتّى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور، فثبتوا له واضطربوا ساعة، ثمّ انصرف أهل الشام، وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة المرقال، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم، وصبر بعضهم لبعض، ثمّ انصرفوا، وحمل عليهم الأشتر، وقال أرونى أبا الأعور! فتراجعوا، ووقف أبو الأعور وراء المكان الذى كان فيه أوّل مرّة، وجاء الأشتر فصفّ أصحابه مكان أصحاب أبى الأعور بالأمس، وقال الأشتر لسنان بن مالك النّخعىّ: انطلق إلى أبى الأعور فادعه إلى البراز. فقال: إلى مبارزتى أو مبارزتك؟ فقال: للأشتر لو أمرتك بمبارزته لفعلت. قال: «نعم والله لو أمرتنى أن أعترض صفّهم بسيفى لفعلت. فدعا له، وقال: إنّما تدعو لمبارزتى. فخرج إليهم فقال: أمّنونى فإنّى رسول. فأمّنوه، فانتهى إلى أبى الأعور فقال له: إنّ الأشتر يدعوك إلى أن تبارزه. فسكت طويلا، ثم قال: إنّ خفّة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمّال عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه، وعلى أن سار إليه

стр. 7174

فى داره حتّى قتله وأصبح متّبعا بدمه، لا حاجة لى فى مبارزته. فقال له سنان: قد قلت فاستمع منّى أجبك. قال: لا حاجة لى فى جوابك، اذهب عنّى. فصاح به أصحابه، فانصرف عنه، ورجع إلى الأشتر فأخبره، فقال: لنفسه نظر. فوقفوا حتّى حجز اللّيل بينهم وعاد، الشاميّون من الليل [١] . وأصبح علىّ رضى الله عنه غدوة عند الأشتر، وتقدّم الأشتر ومن معه [٢] فانتهى إلى معاوية، فواقفه، ولحق بهم علىّ، فتواقفوا طويلا. ثم إنّ عليّا طلب لعسكره موضعا ينزل فيه، فكان معاوية قد سبق فنزل منزلا اختاره بسيطا واسعا أفيح [٣] ، أخذ شريعة [٤] الفرات، وليس فى ذلك الموضع شريعة غيرها، وجعل معاوية على الشّريعة أبا الأعور. فأتى الناس عليّا، فأخبروه بفعلهم، وتعطّش الناس، فدعا صعصعة بن صوحان، فأرسله إلى معاوية يقول: «إنّا سرنا مسيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فقدّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، [وبدأتنا بالقتال] [٥] ونحن من رأينا الكفّ حتّى ندعوك ونحتجّ عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس

стр. 7175

من الماء، والناس غير منتهين [أو يشربوا] [١] ، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين الماء، وليكفوا لننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له، فإن أردت أن نترك ما جئنا له ونقتتل على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا» . فجاء صعصعة إلى معاوية وقصّ عليه الرسالة، فاستشار معاوية أصحابه وقال: ما ترون؟ فقال الوليد ابن عقبة وعبد الله [٢] بن سعد: امنعهم الماء كما منعوه ابن عفّان، اقتلهم عطشا قتلهم الله! فقال عمرو بن العاص: «خلّ بين القوم وبين الماء فإنّهم لن يعطشوا وأنت ريّان، ولكن بغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم» . فأعاد الوليد وابن سعد مقالتهما، قالا: «امنعهم الماء إلى الليل، فإن هم لم يقدروا عليه رجعوا، وكان رجوعهم هزيمة، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! قال صعصعة: إنّما يمنعه الله الفجرة وشربة الخمر، لعنك الله ولعن هذا الفاسق (يعنى الوليد ابن عقبة) . فشتموه وتهدّدوه. (وقد قيل: إنّ الوليد وابن أبى سرح لم يشهدا صفّين.) ورجع صعصعة فأخبر بما كان ... وسيّر معاوية الخيل إلى أبى الأعور ليمنعهم الماء. فلمّا سمع علىّ ذلك قال لأصحابه: قاتلوهم على الماء!. فقال الأشعث بن قيس الكندىّ: أنا أسير إليهم. فسار

стр. 7176

إليهم، فلما دنوا منهم ثاروا إلى وجوههم يرمونهم بالنّبل، فتراموا ساعة، ثم تطاعنوا بالرّماح، ثم صاروا إلى السيوف فاقتتلوا [بها] [١] ساعة. وأرسل معاوية يزيد بن أسد البجلىّ القسرى (جدّ خالد بن عبد الله فى الخيل إلى أبى الاعور، فاقتتلوا ... وأرسل علىّ شبث بن ربعىّ الرياحى، فازداد القتال. فأرسل معاوية عمرو بن العاص فى جند كثير، فأخذ يمدّ أبا الأعور [ويزيد بن أسد] [٢] .. وأرسل علىّ الأشتر فى جمع عظيم وجعل يمدّ الأشعث وشبثا.. فاشتدّ القتال حتى خلّوا بينهم وبين الماء، وصار فى أيدى أصحاب علىّ، فقالوا: والله لا نسقيه أهل الشام، فأرسل علىّ إلى أصحابه أن خذوا من الماء حاجتكم، وخلّوا عنهم، فإن الله تعالى نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم. ومكث علىّ رضى الله عنه يومين لا يرسل إليهم أحدا ولا يأتيه منهم أحد.

стр. 7177

ذكر ارسال على الى معاوية وجوابه [١] قال: ثمّ دعا علىّ رضى الله عنه أبا عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصارى وسعيد بن قيس الهمدانى وشبث بن ربعىّ التميمى، فقال لهم: ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله تعالى وإلى الطاعة والجماعة. فقال له شبث يا أمير المؤمنين ألا نطمعه فى سلطان توليه إيّاه ومنزلة يكون له بها عندك أثرة إن هو بايعك؟ قال انطلقوا إليه واحتجّوا عليه وانظروا ما رأيه. وكان ذلك أوّل ذى الحجة من سنة ست وثلاثين. فأتوه فدخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصارىّ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا معاوية إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإنّ الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإنى أنشدك الله أن لا تفرّق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها بينها» . فقطع عليه معاوية الكلام وقال: هلّا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال «صاحبى ليس مثلك، إنّ صاحبى أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمر فى الفضل والدّين والسابقة فى الاسلام والقرابة بالرسول [٢] ﷺ » قال: فماذا تقول [٣] ؟ قال نأمرك [٤] بتقوى الله وإجابة ابن عمّك إلى ما يدعو إليه من الحق فإنّه أسلم لك فى دنياك وخير لك فى عاقبة أمرك. قال معاوية: «ونترك دم عثمان! لا والله لا أفعل ذلك أبدا!» قال: فذهب سعيد بن قيس يتكلّم، فبادره شبث بن

стр. 7178

ربعىّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا معاوية، قد فهمت ما رددت على ابن محصن، وإنّه والله لا يخفى علينا ما تطلب، إنك لم تجد شيئا تستغوى به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلّا قولك: قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أنك أبطأت عليه بالنصر [١] ، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التى أصبحت تطلب، وربّ متمنّى أمر وطالبه يحول الله دونه، وربما أوتى المتمنى أمنيته وفوق أمنيّته، وو الله مالك فى واحدة منها خير، والله إن أخطاك ما ترجو إنّك لشرّ العرب حالا، وإن أصبت ما تتمنّاه لا تصيبه حتّى تستحقّ من ربّك صلّى النار، فاتّق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله» . قال: محمد الله معاوية، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ أوّل ما عرفت به سفهك وخفّة حلمك أنّك قطعت على هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقه، ثمّ اعترضت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيّها الأعرابىّ الجلف الجافى فى كلّ ما ذكرت ووصفت!. انصرفوا من عندى فليس بينى وبينكم إلّا السّيف!» وغضب، وخرج القوم، فقال له شبث [٢] «أتهول بالسّيف؟ أقسم بالله لنعجّلنّها إليك!» . فأتوا عليّا رضى الله عنه فأخبروه بذلك. فكان علىّ يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة من أصحابه، ويخرج إليه آخر

стр. 7179

من أصحاب معاوية ومعه جماعة، فيقتتلان فى خيلهما، ثمّ ينصرفان. وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام خشية الاستئصال والهلاك. فكان علىّ يخرج مرّة الأشتر، ومرّة حجر بن عدىّ الكندى، ومرة شبث بن ربعىّ، ومرّة خالد بن المعمّر، ومرّة زياد بن النّضر الحارثى، ومرّة زياد بن خصفة التّيمىّ، ومرّة سعيد بن قيس الهمدانى، ومرّة معقل بن قيس الرّياحى، ومرّة قيس بن سعيد الأنصارى. وكان الأشتر أكثر خروجا. وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور السّلمى، وحبيب بن مسلمة الفهرى، وابن ذى الكلاع [١] الحميرى، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وشرحبيل بن السّمط الكندى، وحمزة بن مالك الهمدانى. فاقتتلوا أيّام ذى الحجّة كلّها، وربّما اقتتلوا فى اليوم الواحد مرّتين.

стр. 7180

ذكر الموادعة بين على ومعاوية فى شهر المحرم وما كان بينهما من المراسلة والأجوبة فى الشهر قال: وفى شهر المحرم سنة سبع وثلاثين جرت موادعة [١] بين علىّ رضى الله عنه ومعاوية بن أبى سفيان، توادعا على ترك الحرب بينهما حتّى ينقضى الشهر، طمعا فى الصلح.. واختلفت فيه بينهما الرسائل. فبعث على رضى الله عنه عدىّ بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبى وشبث بن ربعىّ وزياد بن خصفة. فتكلّم عدىّ بن حاتم، فحمد الله، فقال: «أمّا بعد، فقد جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمّتنا، ويحقن [٢] به الدماء، ويصلح [٣] به ذات البين، إنّ ابن عمّك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها فى الإسلام أثرا، وقد استجمع له الناس، ولم يبق أحد غيرك وغير من معك، فاحذر يا معاوية لا يصيبك [٤] وأصحابك مثل يوم الجمل» . فقال له معاوية: «كأنك جئت مهدّدا لم تأت مصلحا، هيهات يا عدىّ، كلّا! والله إنّى لابن حرب [٥] ،
следующие страницы →