الفريقين هوى، فرموا فى الأخرى بالحجارة. وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا، حتّى انتهوا إلى مقبرة بنى مازن، فوقفوا بها مليّا [١] ، وثاب إليهم الناس، فحجز الليل بينهم. ورجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق [وباتوا يتأهبّون، وبات الناس يأتونهم، واجتمعوا بساحة دار الرزق [٢]] .
وأصبح عثمان فغاداهم [٣] ، وخرج حكيم، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زالت، وقد كثر القتل فى أصحاب ابن حنيف، وفشت الجراحة فى الفريقين، ومنادى عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكفّ، فيأبون، حتّى إذا مسّهم الشرّ وعضّتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم: وتداعوا [٤] وكتبوا بينهم كتابا [٥] على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة يسأل أهلها،
стр. 7107
فإن كان طلحة والزّبير أكرها على مبايعة علىّ خرج ابن حنيف عن البصرة وأخلاها لهم، وإن كانا لم يكرها على البيعة خرج طلحة والزّبير.
فسار كعب [١] بن سور حتّى أتى المدينة، فقدمها يوم جمعة فسأل أهلها هل أكره طلحة والزّبير على بيعة علىّ أم أتياها طائعين؟
فلم يجبه أحد إلا أسامة ابن زيد فإنه قال: اللهمّ إنّهما لم يبايعا إلّا وهما مكرهان. فواثبه سهل بن حنيف والناس، وثار صهيب وأبو أيّوب فى عدّة من الصحابة، منهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يقتل أسامة، فقالوا: اللهمّ نعم. فتركوه، وأخذ صهيب أسامة بيده إلى منزله.
وبلغ عليّا الخبر [٢] ، فكتب إلى عثمان بن حنيف أنّهما لم يكرها على البيعة.
فلمّا عاد كعب بن سور أمر عثمان بالخروج عن البصرة، فامتنع، واحتجّ بكتاب علىّ، فجمع طلحة والزّبير الرجال فى ليلة مظلمة ذات رياح ومطر، وقصدوا المسجد واقتتلوا، فقتل من أصحاب ابن حنيف أربعون رجلا، ودخل الرجال على ابن حنيف فأخرجوه [إليهما] [٣] ، فما وصل وفى جهه شعرة، فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة فى أمره، فأرسلت أن خلّوا سبيله، وبقى طلحة والزّبير بالبصرة ومعهما بيت المال والحرس، واستتر من لم يكن معهما.
وبلغ حكيم بن جبلة ما حلّ بعثمان [بن حنيف] [٤] فقال: لست
стр. 7108
أخاف الله إن لم أنصره. فجاء فى جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة- وكان بينه وبين عبد الله بن الزّبير محاورات [١]- ثمّ التقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكان حكيم بحيال طلحة، وذريح بحيال الزّبير، وابن المحرّش [٢] بحيال عبد الرحمن بن عتّاب، وحرقوص ابن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقتل حكيم وابنه وأخوه، وقتل ذريح، وأفلت حرقوص فى نفر من أصحابه وجىء إلى طلحة والزبير بمن كان فيهم ممن غزا المدينة، فقتلوا.
وكانت هذه الوقعة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر من السنة وبايع أهل البصرة طلحة والزّبير.
ذكر مسير على الى البصرة وما اتّفق له فى مسيره ومن انضمّ إليه ومراسلته أهل الكوفة
قال: وكان علىّ رضى الله عنه قد تجهّز لقصد الشام لقتال معاوية، لما أظهر الخلاف عليه، كما تقدم، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزّبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك وأنهم يريدون البصرة سرّه ذلك، وقال: إن الكوفة فيها رجال [من] [٣] العرب وبيوتاتهم. فقال له ابن عبّاس- رضى الله عنهما-:
стр. 7109
«إنّ الّذى سرّك من ذلك ليسوءنى، إنّ الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يزال فيها من يسمو إلى أمر لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الّذى قد نال ما يريد، حتّى يكسر حدّته.» فقال علىّ: إنّ الأمر ليشبه ما تقول.
وتهيّأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة للمسير معه، فتثاقلوا فبعت إلى عبد الله بن عمر كميلا النّخعى [١] ، فجاء به، فدعاه إلى الخروج معه، فقال: «إنّما أنا من أهل المدينة، وقد دخلوا فى هذا الأمر، فدخلت معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم [وإن يقعدوا أقعد.» قال: فأعطنى كفيلا. قال: لا أفعل [٢]] . فقال له علىّ: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتنى! دعوه فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى أهل المدينة وهم يقولون: «والله ما ندرى كيف نصنع؟ إنّ الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتّى يضىء!» فخرج من تحت ليلته، وأخبر أمّ كلثوم (ابنة علىّ، وهى زوجة عمر) بالّذى سمع وأنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علىّ ما خلا النهوض [٣] . فأصبح علىّ فقيل له: حدث الليلة حدث هو أشدّ من أمر طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية! قال:
وما ذاك؟ قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام! فأتى السوق، وأعدّ
стр. 7110
الظّهر [١] [والرّحال، وأعدّ] [٢] لكل طريق طلّابا، وماج الناس، فسمعت أمّ كلثوم، فأتت عليّا فأخبرته الخبر [٣] ، فطابت نفسه، وقال: «انصرفوا، والله ما كذبت ولا كذب، وإنّه عندى ثقة» . فانصرفوا.
ثم أتى عليّا الخبر بمسير طلحة والزّبير وعائشة من مكة نحو البصرة، فدعا وجوه أهل المدينة وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إنّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلّا بما صلح أوّله، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم.» فتثاقلوا، فلمّا رأى زياد بن حنظله تثاقل الناس انتدب [٤] إلى علىّ رضى الله عنه وقال له:
من تثاقل عنك فإنّا نخفّ معك فنقاتل دونك. وقام أبو الهيثم [٥] ابن التّيّهان وخزيمة بن ثابت. قال ابن الأثير [٦] : «قال الحكم:
ليس بذى الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيّام عثمان رضى الله عنه» . وقال أبو عمر ابن عبد البر فى ترجمة [٧] خزيمة بن ثابت
стр. 7111
ذى الشهادتين [١] : (إنه شهد مع علىّ حرب الجمل وصفّين فدلّ على أنه هو، والله أعلم.) فأجابا عليّا إلى نصرته.
وقال أبو قتادة الأنصارى لعلىّ: «يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله ﷺ قلّدنى هذا السيف، وقد أغمدته زمانا، وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الّذين لم يألوا الأمة غشا، وقد أحببت أن تقدّمنى، فقدّمنى.
قال [٢] : ولما أراد علىّ المسير إلى البصرة وكان يرجو أن يدرك طلحة والزّبير فيردهما قبل وصولهما إلى البصرة، فلمّا سار استخلف على المدينة تمّام بن العبّاس، وعلى مكة قثم بن العباس، وقيل: أمّر على المدينة سهل بن حنيف، وسار فى تعبئته الّتى كانت لأهل الشام، وذلك فى آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين.
وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصرين متخففين فى تسعمائة، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه، وقال: «يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها، فو الله لئن خرجت منها [٣] لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا!» فسبّوه، فقال: «دعوه، نعم الرجل من أصحاب محمد ﷺ » . وسار حتّى انتهى إلى الرّبذة [٤] ، فأتاه خبر سبقهم إلى البصرة، فأقام بها يأتمر ما يفعل.
стр. 7112
ذكر ارسال على الى أهل الكوفة
وعود رسله وإرسال غيرهم وما كان من إخراج أبى موسى الأشعرىّ عن الكوفة وانضمام أهل الكوفة إلى علىّ وما كان فى خلال ذلك من الأخبار قال: ولما أقام علىّ- رضى الله عنه- بالرّبذة أرسل منها محمد بن أبى بكر الصديق ومحمد بن جعفر رضى الله عنهم إلى أهل الكوفة، وكتب إليهم: «إنى قد اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا، وانهضوا إلينا، فالإصلاح نريد، لتعود هذه الأمّة إخوانا» . فمضيا.
وأقام بالرّبذة، وأرسل إلى المدينة، فأتاه ما يريد من دابّة وسلاح.
ثم قام فى الناس فخطبهم وقال: إنّ الله ﵎ أعزّنا بالإسلام ورفعنا به، وجعلنا إخوانا بعد ذلّة وقلّة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحقّ فيهم، والكتاب إمامهم، حتّى أصيب هذا الرجل بأيدى هؤلاء القوم الّذين نزغهم [١] الشيطان، لينزغ [٢] بين هذه الأمّة، ألا وإنّ هذه لا بدّ مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن ثم عاد ثانية فقال: إنّه لا بد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن
стр. 7113
هذه الأمّة ستفترق [١] على ثلاث وسبعين فرقة، شرّها فرقة تنتحلنى [٢] ولا تعمل بعملى، وقد أدركتم ورأيتم [٣] ، فالزموا دينكم، واهدوا بهديى، فإنه هدى نبيّكم، واتّبعوا سنّته، وأعرضوا عمّا أشكل عليكم حتّى تعرضوه على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردّوه، وارضوا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيّا، وبالقرآن حكما وإماما.
قال: ثمّ أتاه جماعة من طيّىء، وهو بالرّبذة، فقيل له: هذه جماعة قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك، ومنهم من يريد التسليم عليك. فقال: جزى الله كلّا خيرا وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
[٤] . فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ما شهدتمونا قال به؟ قالوا: شهدناك بكلّ ما تحب. فقال: «جزاكم الله خيرا! قد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدين، ووافيتم بصدقاتكم المسلمين» . فنهض سعيد بن عبيد الطائى فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّ من الناس من يعبّر لسانه عن قلبه، وإنّى- والله- ما كلّ [٥] ما أجد فى قلبى يعبّر عنه لسانى، وسأجهد وبالله التوفيق، أمّا أنا فسأنصح
стр. 7114
لك فى السر والعلانية، وأقاتل عدوّك فى كل موطن، وأرى من الحقّ لك ما لا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك وقرابتك» . فقال:
«يرحمك الله! قد أدّى لسانك عما يجنّ ضميرك» . [١]
قال: ثم سار علىّ- رضى الله عنه- من الرّبذة، وعلى مقدّمته أبو ليلى بن عمرو بن الجراح، والراية مع ابنه محمد بن الحنفيّة، وعلىّ على ناقة حمراء يقود فرسا كميتا، فلمّا نزل بفيد [٢] أتته أسد وطيّىء، فعرّضوا عليه أنفسهم فقال: فى المهاجرين كفاية.
وعرضت عليه بكر بن وائل أنفسها، فقال لها كذلك.
قال: وانتهى إلى ذى قار [٣] أتاه عثمان بن حنيف وليس فى وجهه شعرة [٤]- وقيل: إنّه أتاه بالرّبذة- فقال: يا أمير المؤمنين بعثتنى ذا لحية وقد جئتك أمرد! قال: أصبت أجرا وخيرا!.
وأقام بذى قار ينتظر جواب أهل الكوفة [٥] .
وكان من خبر محمد بن أبى بكر ومحمد بن جعفر أنّهما أتيا أبا موسى الأشعرىّ بكتاب علىّ، وقاما فى الناس بأمره، فلم يجابا بشىء، فلما أيسوا دخل ناس من أهل الحجا على أبى موسى فقالوا: ما ترى فى الخروج؟ فقال: «كان الرأى بالأمس ليس اليوم [٦] ، إن
стр. 7115
الّذى تهاونتم به فيما مضى هو الذى جرّ عليكم ما ترون، إنّما هما أمران:
القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا، فاختاروا» فلم ينفر إليه أحد، فغضب محمد، فأغلظا لأبى موسى، فقال لهما: «والله إنّ بيعة عثمان فى عنقى وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بدّ من قتال لا نقاتل أحدا حتّى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا» .
فانطلقا إلى علىّ فأخبراه الخبر وهو بذى قار، فقال للأشتر وكان معه: «أنت صاحبنا فى أبى موسى والمعترض فى كل شىء، اذهب أنت وابن عبّاس فأصلح ما أفسدت» .
فخرجا، فقدما الكوفة، فكلّما أبا موسى، واستعانا عليه بنفر من أهل الكوفة، فخطبهم أبو موسى فقال «أيّها الناس، إنّ أصحاب النبى ﷺ الّذين صحبوه [فى المواطن] [١] أعلم بالله ورسوله ممّن لم يصحبه، وإنّ لكم علينا حقّا، وأنا مؤدّ إليكم نصيحة، كان الرأى ألّا تستخفّوا بسلطان الله، وألا تجترئوا على الله، وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردّوهم إليها حتّى يجتمعوا فهم أعلم بمن تصلح له الإمامة [منكم] [٢] ، وهذه فتنة صمّاء [٣] ، النائم [٤] فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعى،
стр. 7116
فكونوا جرثومة [١] من جراثيم العرب، فأغمدوا السّيوف، وأنصلوا [٢] الأسنّة، واقصعوا الأوتار، وآووا [٣] المظلوم والمضطهد، حتّى يلتئم هذا الأمر، وتنجلى هذه الفتنة» .
فرجع ابن عبّاس والأشتر إلى علىّ، فأخبراه الخبر.
فأرسل ابنه الحسن وعمّار بن ياسر، رضى الله عنهما، وقال لعمّار: انطلق فأصلح ما افسدت. فأقبلا حتّى دخلا مسجد الكوفة، فكان أوّل من رآهما مسروق [٤] بن الأجدع، فسلّم عليهما، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا [٥] ! قال: فو الله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولا صبرتم فكان خيرا للصابرين [٦] !.
فخرج أبو موسى فلقى الحسن فضمّه إليه، وأقبل على عمّار قال: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجّار؟ فقال: لم أفعل ولم يسؤنى! فقطع الحسن عليهما [الكلام [٧]] ، وأقبل على أبى موسى فقال له: «لم تثبط
стр. 7117
الناس عنّا؟ فو الله ما أردنا إلّا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شىء!» قال: صدقت، بأبى أنت وأمّى! ولكن» المستشار مؤتمن [١] ،
سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشى، والماشى خير من الراكب [٢] »
وقد جعلنا الله إخوانا، وحرّم علينا دماءنا وأموالنا.
فغضب عمّار، وسبّه، وقام فقال: يا أيّها الناس إنّما قال له وحده «أنت فيها قاعدا خير منك قائما» !.
فقام رجل من بنى تميم، فسبّ عمّارا وقال: أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا!.
وثار زيد بن صوحان وأمثاله، وثار الناس، وقام زيد على باب المسجد، ومعه كتاب من عائشة إليه تأمره بملازمة بيته أو نصرتها، وكتاب إلى أهل الكوفة بمعناه، فأخرجهما فقرأهما على الناس، فلما فرغ منهما قال: «أمرت أن تقرّ فى بيتها [٣] ، وأمرنا أن نقاتل حتّى
стр. 7118
لا تكون فتنة [١] ، فأمرتنا بما أمرت به، وركبت ما أمرنا به!» .
فقال له شبث بن ربعىّ: يا عمانىّ [٢] ، سرقت بجلولاء [٣] فقطعت يدك! وعصيت أمّ المؤمنين [فقتلك الله [٤]] !.
وتهاوى الناس. قام أبو موسى فقال: أيّها الناس، أطيعونى، وكونوا جرثومة من جراثيم العرب، يأوى إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف إنّ الفتنة إذا أقبلت شبّهت، وإذا أدبرت بيّنت [٥] وإنّ هذه الفتنة باقرة [٦] كداء البطن [٧] ، تجرى بها [٨] الشّمال والجنوب والصّبا والدّبور، تذر الحكيم وهو حيران كابن أمس، شيموا [٩] سيوفكم، واقصدوا [١٠] رماحكم، وقطّعو أوتاركم والزموا بيوتكم، خلّوا قريشا إذ أبوا إلّا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم [١١] ، استنصحونى ولا تستغشونى، أطيعونى يسلم لكم دينكم،
стр. 7119
ودنياكم ويشقى بجر هذه الفتنة من جناها.
فقام زيد، فشال يده المقطوعة، فقال: يا عبد الله بن قيس [١] ردّ الفرات عن أدراجه، اردده من حيث يجىء حتّى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه، سيروا إلى أمير المؤمنين وسيّد المسلمين، انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحقّ!.
فقام القعقاع بن عمرو [٢] فقال: «إنّى لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحبّ لكم أن ترشدوا، ولأقولنّ لكم قولا هو الحقّ، أمّا ما قال الأمير فهو الحقّ لو أنّ إليه سبيلا، وأمّا ما قال زيد فزيد عدوّ هذا الأمير فلا تسنصحوه، والقول الّذى هو الحق أنه لا بدّ من إمارة تنظم الناس، وتزع [٣] الظالم، وتعزّ المظلوم وهذا أمير المؤمنين ملىء [٤] بما ولى، وقد أنصف فى الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع» .
وقال عبد خير الخيوانى: يا أبا موسى هل بايع طلحة والزبير عليّا؟ قال: نعم! قال: هل أحدث علىّ ما يحلّ به نقض بيعته؟
قال: لا أدرى. قال: «لا دريت! نحن نتركك حتّى تدرك! هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة؟ إنّما الناس أربع فرق: علىّ
стр. 7120
بظهر الكوفة، وطلحة والزّبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة بالحجاز لاغناء بها ولا يقاتل بها عدوّ.» فقال أبو موسى: أولئك خير الناس وهى فتنة! فقال عبد خير: غلب عليك غشك يا أبا موسى! فقال سيحان بن صوحان: إنّه لا بدّ لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال، يدفع الظلم، ويعزّ المظلوم، ويجمع الناس، وهذا وليكم [١] وهو يدعوكم لتنظروا فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمّة، الفقيه فى الدين، فمن نهض إليه فإنّا سائرون معه.
فلما فرغ سيحان قال عمّار: «هذا ابن عمّ رسول الله ﵊، يستنفركم [٢] إلى زوجة رسول الله وإلى طلحة والزّبير، وإنّى أشهد أنها زوجته فى الدنيا والآخرة، فانظروا ثم انظروا فى الحقّ، فقاتلوا معه» . فقال له رجل: أنا [٣] مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له! فقال له الحسن: اكفف عنّا [يا عمّار] [٤] فإنّ للإصلاح أهلا!.
وقام الحسن رضى الله عنه، فقال: أيّها الناس أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، وو الله لأن يليه أولو النّهى أمثل فى العاجل والآجل، وخير فى العاقبة، اجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإنّ أمير المؤمنين يقول: «قد خرجت مخرجى هذا ظالما أو مظلوما، وإنى أذكّر
стр. 7121
الله رجلا رعى حقّ الله إلّا نفر، فإن كنت مظلوما أعاننى، وإن كنت ظالما أخذ منى، والله إنّ طلحة والزّبير لأوّل من بايعنى وأوّل من عذر فهل استأثرت بمال أو بدّلت حكما؟» فانفروا، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.
فسامح الناس وأجابوا ورضوا، وتكلم عدىّ بن حاتم، وهند بن عمرو، وحجر بن عدىّ، وحثّوا الناس على اللحاق بعلىّ وإعانته، فأذعن الناس للمسير.
فقال الحسن رضى الله عنه: «أيّها الناس، إنّى غاد، فمن شاء منكم أن يخرج على الظّهر [١] ، ومن شاء فى الماء» ، فنفر معه تسعة آلاف، أخذ فى البرّ ستّة آلاف ومائتان، وبقيّتهم فى الماء.
وقيل: إنّ عليّا- رضى الله عنه- أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن وعمّار- إلى الكوفة، فدخلها والناس فى المسجد، وأبو موسى يخطبهم ويثبّطهم، والحسن وعمّار معه فى منازعة، وكذلك سائر الناس، كما تقدم، فجعل الأشتر لا يمرّ بقبيلة فيها جماعة إلّا دعاهم ويقول: اتّبعونى إلى القصر، فانتهى إلى القصر فى جماعة من الناس، فدخلوا (وأبو موسى فى المسجد يخطبهم ويثبّطهم، والحسن يقول له: اعتزل عملنا لا أمّ لك وتنحّ عن منبرنا! وعمّار ينازعه) فأخرج الأشتر غلمان أبى موسى من القصر، فخرجوا يعدون وينادون:
«يا أبا موسى، الأشتر قد دخل القصر، فضربنا، وأخرجنا» فنزل أبو موسى، فدخل القصر، فصاح به الأشتر: «اخرج
стр. 7122
لا أمّ لك! أخرج الله نفسك!» فقال: أجّلنى هذه العشيّة. فقال هى لك ولا تبيتنّ فى القصر الليلة. ودخل الناس ينهبون متاع أبى موسى، فمنعهم الأشتر، قال: أنا له جار. فكفوا عنه.
فنفر الناس فى العدد المذكور. وقيل: إنّ عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل، قال أبو الطّفيل: سمعت عليّا رضى الله عنه يقول ذلك قبل وصولهم، فقعدت فأحصيتهم، فما زادوا رجلا ولا نقصوا رجلا!.
وكان على كنانه وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرّياحى [١] ، وعلى سبع [٢] قيس سعد بن مسعود الثّقفى عمّ المختار [٣] ، وعلى بكر وتغلب وعلة بن محدوج [٤] الذّهلى [٥] ، وعلى مذحج والأشعريين حجر بن عدىّ، [وعلى بجيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم لأزدى، فقدموا على علىّ رضى الله عنه [٦]] بذى قار، فلقيهم فى ناس فرحّب بهم، وقال: «يا أهل الكوفة، وليتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم، حتى صارت إليكم مواريثهم، فأغنيتم حوزتكم،
стр. 7123
وأعنتم الناس على عدوّهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الّذى نريد، وإن يلجّوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بظلم، ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد، إن شاء الله تعالى» .
قال: وكان رؤساء الجماعة من الكوفيين: القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب، وكان رؤساء النّفّار زيد بن صوحان والأشتر وعدىّ بن حاتم والمسّيب بن نجبه ويزيد ابن قيس وأمثال لهم ليسوا دونهم [إلّا أنهم] [١] لم يؤمّروا، منهم حجر بن عدىّ.
ذكر مراسلة على طلحة والزبير وأهل البصرة فى الصلح وإجابتهم إليه وانتظام الصلح وكيف أفسده قتلة عثمان
قال: وأقام علىّ- رضى الله عنه- بذى قار، فأرسل القعقاع بن عمرو إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين وادعهما إلى الألفة والجماعة وعظّم عليهما الفرقة. (وكان القعقاع من أصحاب النبى ﷺ .
فخرج حتّى قدم البصرة، فبدأ بعائشة فسلّم عليها وقال:
أى أمّه، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلد؟ قالت: أى بنىّ، الإصلاح بين الناس. قال: فابعثى إلى طلحة والزّبير حتّى تسمعى كلامى وكلامهما، فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إنّى سألت أمّ المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت الإصلاح، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان
стр. 7124
أم مخالفان؟ قالا: متابعان. قال: فأخبرانى ما وجه هذا الإصلاح فو الله لئن عرفناه ليصلحنّ ولئن أنكرناه لا يصلح [١] . قالا:
قتلة عثمان، فإنّ هذا إن ترك كان تركا للقرآن! قال:
«قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم! قتلتم ستّمائة رجل فغضبت لهم ستة آلاف واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فارس، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والّذين اعتزلوكم فأديلو عليكم فالّذى حذرتم وقويتم [٢] به هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تكرهون [٣] ، وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير!» قالت عائشة فما تقول أنت قال «أقول إنّ هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلا خير وتباشير رحمة ودرك بثأر، وإن أبيتم إلّا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شرّ وذهاب هذا الثأر [٤] ، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خيركما كنتم، ولا تعرّضونا للبلاء فتتعرّضوا له فيصرعنا وإيّاكم، وايم الله إنّى لأقول هذا القول وأدعوكم إليه وإنى لخائف أن لا يتمّ حتّى يأخذ الله حاجته من هذه الأمّة التى قلّ
стр. 7125
متاعها ونزل بها ما نزل، فإنّ هذا الأمر الّذى حدث أمر ليس يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النّفر الرجل ولا القبيلة [الرجل] [١] قالوا: «قد أصبت وأحسنت، فارجع، فإن قدم علىّ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر» .
فرجع إلى علىّ، فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه [٢] .
وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علىّ بذى قار، قبل رجوع القعقاع، لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أىّ حال نهضوا إليهم، وليعلموهم أنّ الذى عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالهم على بال.
فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، وأدخلوهم على علىّ فأخبروه بخبرهم.
ورجعت وفود أهل البصرة برأى أهل الكوفة، ورجع القعقاع من البصرة.
فقام علىّ رضى الله عنه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمّة والجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ، ثم الّذى يليه، ثم الّذى يليه، ثم حدث هذا الحدث الّذى جرّه على هذه الأمّة أقوام طلبوا هذه الدنيا وحسدوا من أفاءها الله عليه) وعلى الفضيلة (التّى منّ الله
стр. 7126
بها) ، وأرادوا ردّ الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره.
ثم قال: ألا وإنّى راحل غدا، فارتحلوا، ولا يرتحلنّ معنا أحد أعان على عثمان بشىء من أمور الناس، وليغن السفهاء عنّى أنفسهم. والله أعلم بالصواب.
ذكر اجتماع قتلة عثمان بذى قار وتشاورهم وما اتفقوا عليه من المكيدة التى اقتضت نقض الصلح ووقوع الحرب
قال: ولما قال علىّ رضى الله عنه مقالته بذى قار، وأمر ألّا يرتحل معه أحد ممّن أعان على عثمان بشىء اجتمع نفر منهم علباء بن الهيثم وعدى بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسى وشريح بن أبى أوفى [١] والأشتر، فى عدّة [٢] ممّن سار إلى عثمان أو رضى بسير من سار إليه وجاء معهم المصريون وابن السوداء [٣] وخالد بن ملجم، فتشاوروا فقالوا «ما الرأى؟ هذا علىّ وهو والله أبصر بكتاب الله ممّن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلّا هم [٤] والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه [٥] ورأوا قلّتنا فى كثرتهم؟ وأنتم والله ترادون،
стр. 7127
وما أنتم بالحى [١] من شىء!» فقال الأشتر: «قد عرفنا رأى طلحة والزّبير فينا، وأمّا رأى علىّ فلم نعرف رأيه إلى اليوم، ورأى الناس فينا واحد، فان يصصلحوا مع علىّ فعلى دمائنا، فهلمّوا بنا نثب على علىّ فنلحقه بعثمان، فتعود فتنه يرضى منّا فيها بالسكون.» فقال عبد الله بن السوداء «بئس الرأى والله [رأيت] [٢] ، أنتم يا قتلة عثمان بذى قار ألفان وخمسمائة، أو نحو من ستّمائة، وهذا ابن الحنظليّة- يعنى طلحة- وأصحابه فى نحو خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا!» فقال علباء بن الهيثم «انصرفوا بنا عنهم، ودعوهم، فإن قلّوا كان لعدوّهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، ودعوهم وارجعوا فتعلّقوا ببلد من البلدان حتّى يأتيكم فيه من تقوون به، وامتنعوا من الناس.»
فقال ابن السوداء «بئس والله ما رأيت، ودّ والله الناس أنّكم انفردتم ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو انفردتم لتخطّفكم الناس وكل شىء!» فقال عدىّ بن حاتم: «والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد عجبت من تردّد من تردّد عن قتله فى خوض الحديث، فأمّا إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة فإنّ لنا عتادا من خيول وسلاح، فإن أقدمتم أقدمنا، وأن أمسكتم أمسكنا!» فقال ابن السوداء:
أحسنت! وقال سالم بن ثعلبة: «من كان أراد بما أتى الدنيا فإنى لم أرد ذلك، وو الله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى شىء [٣]
стр. 7128
وأحلف بالله إنكم لتفرقون الناس بالسيف [١] فرّق قوم لا تصير أمورهم إلّا إلى السيف!» فقال ابن السوداء: قد قال قولا.
وقال شريح بن أبى أوفى: «أبرموا أمركم قبل أن يخرجوا [٢] ، ولا تؤخروا أمرا ينبغى لكم تعجيله، ولا تعجّلوا أمرا ينبغى لكم تأخيره فإنّا عند الناس بشرّ المنازل، ولا أدرى ما الناس صانعون إذا ما هم التقوا!» وقال ابن السوداء: «يا قوم، إن عزّكم فى خلط الناس، فإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليّا وطلحة والزّبير ومن رأى رأيهم عمّا تكرهون!» .
فأبصروا الرأى، وتفرّقوا عليه، والناس لا يشعرون.
ذكر مسير على رضى الله عنه ومن معه من ذى قار إلى البصرة ووقعه الجمل
قال: ولما أصبح علىّ رضى الله عنه سار من ذى قار وسار معه الناس حتّى نزل على عبد القيس، فانضمّوا إليه، ثم سار فنزل الزاوية، وسار من الزاوية يريد البصرة، وسار طلحة والزّبير وعائشة من الفرضة، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وذلك فى النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، [حكاه ابن الأثير [٣] ،
стр. 7129
وقال أبو جعفر [١] : كانت وقعة الجمل فى يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين] [٢] .
وسبق علىّ أصحابه، وهم يتلاحقون به، فلما نزل قال أبو الجرباء للزّبير: الرأى أن تبعث [الآن] [٣] ألف فارس إلى علىّ قبل أن يتوافى إليه أصحابه. فقال: «إنّا لنعرف أمور الحرب، ولكنّهم أهل دعوتنا، وهذا أمر حدث لم يكن قبل اليوم، من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة! وقد فارقنا وافدهم على أمر، وأنا أرجو أن يتمّ لنا الصلح، فأبشروا، واصبروا.» .
وأقبل صبرة بن شيمان فقال لطلحة والزّبير: انتهزا بنا هذا الرجل، فإنّ الرأى فى الحرب خير من الشدّة) ! فقالا: « [إنّا وهم مسلمون] [٤] ، إن هذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو تكون فيه سنّة رسول الله ﷺ ، وقد زعم قوم أنه لا يجوز تحريكه [اليوم] [٥] ، وهم علىّ ومن معه، وقلنا نحن:
لا ينبغى لنا أن نتركه [اليوم] [٦] ولا نؤخره، وقد قال علىّ: ترك هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه، وقد كاد يبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين [بإيثار] [٧] أعمّها منفعة.
стр. 7130
وقال كعب بن سور: يا قوم اقطعوا هذا العنق من هؤلاء القوم.
فأجاباه بنحو ما تقدم.
قال: ولما نزل علىّ ونزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبدى أن اخرج فإذا خرجت فمل بنا إلى عسكر على، فخرجا فى عبد القيس وبكر بن وائل، فعدلوا إلى عسكر علىّ، فقال الناس من كان هؤلاء معه غلب. وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال، إنما يرسل علىّ إليهم يكلمهم ويدعوهم.
قال: وقام علىّ فخطب الناس، فقام إليه الأعور بن بنان المنقرى فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة، فقال له علىّ: على الإصلاح وإطفاء النار [١] لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم.
قال: فإن لم يجيبوا. قال: تركناهم ما تركونا. وقال: فإن لم يتركونا. قال: دفعناهم عن أنفسنا. قال: فهل لهم فى هذا مثل الذى عليهم؟ قال: نعم.
وقام إليه أبو سلام [٢] الدالانى فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم.
قال: فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟ قال نعم، إنّ الشىء إذا كان لا يدرك فالحكم [٢] فيه أحوطه وأعمّه نفعا. قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ قال: إنى لأرجو ألا يقتل منا ومنهم أحد نقّى قلبه لله إلّا أدخله الله الجنة.. وقال فى خطبته: «أيّها
стр. 7131
الناس املكوا [أنفسكم، وكفّوا] [١] عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم، وإيّاكم أن تسبقونا، فإن المخصوم غدا من خصم اليوم» .
وبعث إليهم حكيم بن سلام [٢] ومالك بن حبيب، يقول: إن كنتم على ما فارقتم [عليه] [٣] القعقاع فكفّوا حتى ننزل فننظر فى هذا الأمر.
وخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين، قد منعوا حرقوص بن زهير وهم معتزلون. وكان الأحنف قد بايع عليّا بالمدينة بعد قتل عثمان، لأنه كان قد عاد من الحج فبايع [٤] ، فلما قدم طلحة والزّبير اعتزل بالجلحاء ومعه زهاء ستة آلاف (والجلحاء من البصرة على فرسخين) فقال لعلىّ: إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنّك إن ظفرت عليهم غدا قتلت رجالهم وسبيت نساءهم! قال: «ما مثلى يخاف هذا منه! وهل يحلّ هذا إلّا لمن تولّى وكفر [٥] ؟ وهم قوم مسلمون.» قال: اختر منّى واحدة من اثنتين: إمّا أن أقاتل معك، وإمّا أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف. [قال: اكفف عنّا عشرة آلاف سيف.] [٦] فرجع إلى الناس، فدلهم إلى القعود، ونادى: «يا آل خندف» ، فأجابه ناس، ثم نادى: «يا آل [٧] تميم» ،
стр. 7132
فأجابه ناس، ثم نادى: «يا آل سعد» ، فلم يبق سعدىّ إلّا أجابه، فاعتزل بهم، ونظر ما يصنع الناس، فلما كان القتال وظفر علىّ دخلوا فيما دخل فيه الناس وافرين.
قال: ولما تراءى الجمعان خرج الزّبير على فرس وعليه سلاح، فقيل لعلىّ: هذا الزّبير فقال: أما إنّه أحرى الرجلين إن ذكّر بالله أن يذكر وخرج طلحة، فخرج إليهما علىّ، [فدنا منهما] [١] حتى، اختلفت أعناق دوابّهم، فقال لعمرى لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا، إن كنتما أعددتما عذرا عند الله فاتّقيا الله، ولا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
[٢] ، ألم أكن أخاكما فى دينكما تحرّمان دمى وأحرّم دماءكما؟ فهل من حدث أحلّ دمى؟
فقال طلحة: اللبث [٣] على دم عثمان. فقال علىّ رضى الله عنه:
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَ
[٤] يا طلحة، تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة عثمان! يا طلحة، أتيت بعرس رسول الله ﷺ تقاتل بها وخبأت عرسك فى البيت! أما بايعتنى؟ قال:
بايعتك والسيف على عنقى!. ثم قال للزّبير: ما أخرجك؟ قال أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منّا. فذكّره علىّ رضى الله عنه بأشياء، ثم قال: أتذكر يوم مررت مع رسول الله ﷺ فى بنى غنم، فنظر إلىّ، فضحك وضحكت إليه، فقلت:
لا يدع ابن أبى طالب زهوه! فقال لك رسول الله عليه الصلاة
стр. 7133
والسلام: «إنّك لتقاتله وأنت ظالم له» ؟! فقال: اللهم نعم ولقد كنت أنسيتها ولو ذكرت ما سرت مسيرى هذا، والله لا أقاتلك أبدا!.
وقيل: إنّه قال له: كيف أرجع وقد التقت حلقتا البطان [١] ؟
هذا والله العار الّذى لا يغسله الدهر! قال يا زبير ارجع بالعار خير من أن ترجع بالعار وبالنار.
فرجع الزّبير إلى عائشة فقال لها: يا أمّاه، ما شهدت موطنا إلّا ولى فيه رأى وبصيرة غير موطنى هذا! قالت: وما تريد أن تصنع قال: أدعهم وأذهب، ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحربك [٢] وأما أنا فأرجع إلى بيتى. فقال له: ما يردّك؟ قال: ما لو علمته لكسرك [٣] . فقال له ابنه: بل رأيت عيون بنى هاشم تحت المغافر [٤] فراعتك، وعلمت أنّ سيوفهم حداد تحملها فتية أنجاد. فغضب الزّبير ثم قال: أمثلى يفزّع بهذا؟ وأحفظه ذلك، وقال: إنّى حلفت إلّا أقاتله. قال: فكفّر عن يمينك وقاتله، فأعتّق غلامه مكحولا، وقيل:
أعتق سرجس.
ففى ذلك يقول عبد الرحمن بن سليمان التميمى:
لم أر كاليوم أخا إخوان ... أعجب من مكفر الأيمان
стр. 7134
(فى أبيات أخر) .
وقيل: إن الزّبير نزع سنان رمحه، وحمل على جيش علىّ، فقال علىّ لأصحابه: أفرجوا له فإنه قد أغضب، وإنّه منصرف عنكم فقالوا: إذن والله لا نبالى بعد رجوعه بجمعهم وما كنا نتّقى سواه.
وقيل: إنّ الزّبير إنّما عاد عن القتال لمّا سمع أنّ عمّار بن ياسر مع علىّ، فخاف أن يقتل عمار، وقد
قال رسول الله ﷺ : «يا عمّار تقتلك الفئة الباغية»
فردّه ابنه عبد الله [١] .
وافترق أهل البصرة ثلاث فرق: فرقة مع طلحة والزّبير وفرقة مع علىّ، وفرقة لا ترى القتال، منهم الاحنف بن قيس وعمران بن حصين.
وجاءت عائشة فنزلت فى مسجد الحدّان [٢] فى الأزد، ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إنّ الجموع إذا تراءت لم تستطع، إنّما هى بحور تدفّق، فأطعنى ولا تشهدهم واعتزل بقومك، فإنى أخاف الّا يكون صلح، ودع مضر ورببعة فهما أخوان، فإن اصطلحا فالصلح أردنا، وإن اقتتلا كنّا حطاما عليهم غدا. (وكان كعب فى الجاهلية نصرانيّا) فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شىء من النصرانيّة! أتأمرنى أن أغيب عن إصلاح بين
стр. 7135
الناس، وأن أخذل أمّ المؤمنين وطلحة والزّبير إن ردّوا عليهم الصلح، وأدع الطلب بدم عثمان، والله لا أفعل هذا أبدا!. فأطبق أهل اليمن على الحضور.
وحضر مع عائشة المنجاب بن راشد فى الرّباب (وهم تيم وعدىّ وثور وعكل، بنو عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن إلياس، مضر، وضبّة ابن أدّ بن طابخة) [١] ، وحضر أيضا أبو الجرباء فى بنى عمرو بن تميم، وهلال بن وكيع فى بنى حنظلة، وصبرة بن شيمان على الأزد، ومجاشع بن مسعود السّلمى على سليم، وزفر بن الحارث فى بنى عامر و [أعصر بن النعمان على] [٢] غطفان، ومالك بن مسمع على بكر، والخرّيت بن راشد على بنى ناجية، وعلى اليمن ذو الاجرة الحميرى.
قال: ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعها وهم لا يشكّون فى الصلح، [ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون فى الصلح،] [٣] ونزلت اليمن أسفل منهم وهم كذلك، ونزلت عائشة فى الحدّان، والناس بالزّابوقة على رؤسائهم.
هؤلاء- وهم أصحاب عائشة- ثلاثون ألفا، وهؤلاء- وهم أصحاب علىّ- عشرون ألفا.
стр. 7136
وردّوا حكيما ومالكا [١] : «أنّا على ما فارقنا عليه القعقاع» .
ونزل علىّ بحيالهم، ونزلت مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلّا الصلح، فخرج علىّ وطلحة والزّبير فتواقفوا فلم يروا أمرا أمثل من الصلح ووضع الحرب، فافترقوا على ذلك.
وبعث علىّ رضى الله عنه من العشىّ عبد الله بن عباس إلى طلحة والزّبير، وبعثا إليه محمد بن طلحة، وأرسل علىّ وطلحة والزّبير إلى رؤساء أصحابهم بأمر الصلح، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية الّتى أشرفوا عليها والصلح، وبات الّذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة، وباتوا يتشاورون، فاجتمعوا على إنشاب الحرب، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم أحد، فخرجوا متسلّلين، فقصد مضرهم إلى مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كلّ قوم فى وجوه أصحابهم الّذين أتوهم، وذلك فى يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة.
قال: وبعث طلحة والزّبير إلى الميمنة وهم ربيعة أميرا عليها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتّاب، وثبتا فى القلب، وقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا! قالا وقد علمنا أنّ عليّا غير منته حتّى يسفك الدّماء وأنّه لن يطاوعنا!
стр. 7137
فردّ أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم، فسمع علىّ وأهل الكوفة الصّوت- وقد وضع السّبئيّة رجلا قريبا منه- فلما قال علىّ ما هذا قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلّا وقوم منهم قد بيّتونا فرددناهم فوجدنا القوم على رجل، فركبوا، وثار الناس، فأرسل علىّ صاحب الميمنة إلى الميمنة، وصاحب الميسرة إلى الميسرة، وقال: لقد علمت أنّ طلحة والزّبير غير منتهيين حتّى يسفكا الدماء وأنهما لن [١] يطاوعانا.
والسّبئيّة لا تفتر، ونادى علىّ فى الناس: كفّوا فلا شىء!. وكان من رأيهم جميعا فى تلك الفتنة ألّا يقتتلوا حتّى يبدءوا (يطلبون بذلك الحجّة) وألّا يقتلوا مدبرا، ولا يجهزوا على جريح، ولا يستحلّوا سلبا، ولا يرزءوا بالبصرة سلاحا ولا ثيابا ولا متاعا.
وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال: «يا أمّ المؤمنين، أدركى الناس، فقد أبى القوم إلّا القتال، لعلّ الله يصلح [٢] بك» . فركبت وألبسوا هودجها الأدراع، فلما برزت من البيوت وهى على الجمل وكانت بحيث تسمع الغوغاء وقفت، واقتتل الناس وقاتل الزّبير، فحمل عليه عمّار بن ياسر، فجعل يحوزه [٣] بالرّمح والزّبير كافّ عنه، وقال له: أتقتلنى يا أبا اليقظان [٤] ؟ قال [٥] :
لا يا أبا عبد الله! وإنّما كفّ الزّبير عنه
لقول رسول الله ﷺ «تقتل عمّار بن ياسر الفئة الباغية»
، ولولا ذلك لقتله.
стр. 7138
قال: ثم اعتزل الزّبير الحرب وانصرف، وصليها [١] طلحة، فأصابه سهم غرب [٢] شكّ رجله بصفحة الفرس، ثم دخل البصرة ومات بها. وسنذكر إن شاء الله أخباره وأخبار الزبير بعد نهاية وقعة الجمل.
وانهزم القوم يريدون البصرة، فلمّا رأوا الخيل أطافت بالجمل عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا وعادوا فى أمر جديد.
فقالت عائشة لكعب بن سور وهو آخذ بخطام الجمل: خل عن الجمل وتقدّم بالمصحف فادعهم إليه. (وناولته مصحفا من هودجها) فاستقبل القوم [بالمصحف] [٣] ، والسّبئيّة أمامهم (يخافون أن يجرى الصلح) [١] ، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه ورموا أمّ المؤمنين فى هودجها، فجعلت تنادى: «البقيّة البقيّة يا بنىّ!» ويعلو صوتها «الله الله! اذكروا الله والحساب!» فيأبون إلّا إقداما، فكان أوّل شىء أحدثته حين أبوا أن قالت: «أيّها الناس العنوا قتلة عثمان وأشياعهم!» وأقبلت تدعو، فضجّ الناس بالدعاء، فسمع علىّ فقال: ما هذه الضّجّة؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم. فقال: اللهمّ العن قتلة عثمان! وأرسلت إلى عبد الرحمن بن عتّاب وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام: أن اثبتا مكانكما. وحرّضت الناس حين رأت القوم
стр. 7139
يريدونها ولا يكفّون، فحملت مضر البصرة حتى قصفت [١] مضر الكوفة، حتى زحم علىّ، فنخس قفا محمد ابنه، وكانت الراية معه، وقال له: احمل. فتقدّم حتّى لم يجد متقدّما إلّا على سنان رمح، فأخذ علىّ الراية من يده، وقال: يا بنىّ بين يدىّ. وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا [٢] قدّام الجمل حتّى ضرسوا [٣] ، والمجنّبات [٤] على حالها لا تصنع شيئا، واشتدّت الحرب، فأصيبب زيد بن صوحان، وأخوه سيحان، وارتثّ [٥] أخوهما صعصعة، فلما رأى علىّ ذلك بعث إلى ربيعة وإلى اليمن: أن اجمعوا من يليكم.
فقام رجل من عبد القيس من أصحاب علىّ فقال: ندعوكم إلى كتاب الله: فقالوا: كيف يدعونا إليه من لا يستقيم ولا يقيم حدود الله؟
وقد قتل كعب بن سور داعى الله ورمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه! ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم، وأبى أهل الكوفة إلّا القتال، ولم يريدوا إلّا عائشة، فذكّرت أصحابها، فاقتتلوا، حتى تنادوا فتحاجزوا، ثم رجعوا فاقتتلوا، وتزاحف الناس، فظهرت يمن البصرة على يمن الكوفة فهزمتهم وربيعة البصرة على ربيعة الكوفة فهزمتهم، ثم عاد يمن الكوفة فقتل على رايتهم عشرة: خمسة من همدان وخمسة من سائر اليمن، فلمار رأى ذلك يزيد بن قيس
стр. 7140
أخذها فثبتت فى يده. ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل على رايتهم وهم فى الميسرة زيد [١] وعبد الله بن رقبة وأبو عبيدة بن راشد بن سلمى وهو يقول: «اللهمّ أنت هديتنا من الضلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتنا بالفتنة، فكنّا فى شبهة وعلى ريبة» [حتى] [٢] قتل.
واشتدّ الأمر حتّى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم، وميسرة أهل البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة.
فلما رأى الشّجعان من مضر الكوفة والبصرة الصبر تنادوا:
طرّفوا إذا فرغ الصبر. فجعلوا يقصدون الأطراف (الأيدى والأرجل) فما رؤى وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا بعدها ولا أكثر ذراعا مقطوعة ورجلا مقطوعة! وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتّاب قبل قتله.
فنظرت عائشة عن يسارها، فقالت: من القوم عن يسارى؟
فقال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد. قالت: يا آل غسّان حافظوا اليوم فجلادكم [٣] الّذى كنّا نسمع به! وتمثّلت:
وجالد من غسّان أهل حفاظها ... وهنب [٤] وأوس جمالدت وشبيب
стр. 7141
فكانت الأزد يأخذون [١] بعر الجمل فيشمّونه ويقولون: بعر جمل أمّنا ريحه ريح المسك!.
وقالت لمن عن يمينها: من القوم عن يمينى؟ قالوا بكر بن وائل.
قالت: لكم يقول القائل:
وجاءوا إلينا فى الحديد كأنّهم ... من العزّة القعساء [٢] بكر بن وائل
إنّما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشدّ من قتالهم قبل ذلك.
وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت: من القوم؟ قالوا بنو ناجية. قالت: بخ بخ [٣] ! سيوف أبطحيّة [٤] قرشية! فجالدوا جلادا يتفادى منه.
ثم أطافت بها بنو ضبة، فقالت: ويها [٥] ! جمرة الجمرات [٦] فلما رقّوا خالطهم بنو عدىّ بن عبد مناه، وكثروا حولها، فقالت:
من أنتم؟ قالوا: بنو عدىّ خالصنا إخواننا، فأقاموا رأس الجمل، وضربوا ضربا ليس بالتعذير [٧] ، ولا يعدلون بالتّطريف، حتّى
стр. 7142
إذا كثر ذلك وظهر فى العسكرين جميعا راموا الجمل، وقالوا:
لا يزول القوم أو يصرع الجمل. وصارت مجنّبتا علىّ إلى القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضا.
وأخذ عميرة بن يثربىّ رأس الجمل، وكان قاضى البصرة، فقال علىّ من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملى المرادى، فاعترضه ابن يثربىّ، فاختلفا ضربتين، فقتله ابن يثربىّ، ثم حمل علباء بن الهيثم، فقتله ابن يثربىّ، وقتل سيحان بن صوحان، وارتثّ صعصعه [١] ، فنادى عمار بن ياسر ابن يثربىّ: لقد عذت بحريز [٢] وما إليك من سبيل فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلىّ.
فترك الزّمام فى يد رجل من بنى عدىّ وخرج، حتّى إذا كان بين الصفّين تقدّم عمّار، وهو ابن تسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وعليه فرو قد شدّ وسطه بحبل من ليف، وهو أضعف من بارزه، فاسترجع [٣] الناس وقالوا: هذا لاحق بأصحابه! فضربه ابن يثربىّ، فاتّقاه عمّار بدرقته [٤] ، فنشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، وأسفّ [٥] عمّار لرجليه فضربه فقطعهما، فوقع على استه وأخذ أسيرا، فأتى به إلى علىّ، فقال: استبقنى! فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم؟ وأمر به فقتل، وقيل: إنّ المقتول عمرو بن يثربىّ [٦]
стр. 7143
وإنّ عميرة [١] بقى حتّى ولى قضاء البصرة من قبل معاوية.
قال: ولما قتل ابن يثربىّ ترك العدوىّ الزّمام بيد رجل من بنى عدىّ، وبرز، فخرج إليه ربيعة العقيلىّ، فاقتتلا، فأثخن كلّ واحد منهما صاحبه، فماتا جميعا.
وقام مقام العدوىّ الحارث الضّبّىّ، فما رؤى أشدّ منه، وجعل يقول [٢] :
نحن بنى [٣] ضبّة أصحاب الجمل ... نبارز القرن إذا القرن نزل
ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل ... الموت أحلى عندنا من العسل
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل [٤]
وارتجز غير ذلك.
فلم يزل الأمر كذلك حتّى قتل على خطام الجمل أربعون رجلا، قالت عائشة: ما زال جملى معتدلا حتّى فقدت أصوات بنى ضبّة.
قال [٥] : وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش، كلّهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل.
стр. 7144
وكان محمد بن طلحة ممّن أخذ بخطامه، وقال: يا أمّاه مرينى بأمرك. قالت: آمرك أن تكون كخير ابنى [١] آدم إن [٢] تركت.
فجعل لا يحمل عليه أحد إلّا حمل وقال: «حم لا ينصرون» [٣] واجتمع علية نفر [٤] كلّهم ادّعى قتله، فأنفذه بعضهم بالرّمح، ففى ذلك يقول:
وأشعث قوّام بآيات ربّه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفم [٥]
يذكّرنى حاميم والرمح شاجر ... فهلّا تلا حاميم قبل التقدّم [٦]
على غير شىء غير أن ليس تابعا ... عليّا، ومن لا يتبع الحقّ يندم
стр. 7145
قال: وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف، فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسّيف، فأقبل إليه الحارث بن زهير وهو يقول:
يا أمّنا [١] يا خير أمّ نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم [٢]
وتختلى هامته [٣] والمعصم
فاختلفا ضربتين، فقتل كلّ واحد منهما صاحبه.
وأحدق أهل النّجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلّا قتل، وكان لا يأخذه والراية إلّا معروف، فينتسب: «أنا» فلان بن فلان» ، فإن كانوا ليقاتلون عليه وإنّه للموت لا يوصل إليه [إلّا بطلبة] [٤] ! وما رامه أحد من أصحاب علىّ إلّا قتل أو أفلت ثمّ لم يعد، وحمل عدىّ بن حاتم عليهم ففقئت عينه.
وجاء عبد الله بن الزّبير ولم يتكلم، فقالت عائشة: من أنت؟