إن كان جارك ليأمن بوائقك [١] ، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا! أوصنى رحمك الله!» قال: «أوصيك بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المخلين [٢] ، حتّى يظهر أو يلحق بالله، وأبلغه عنّى السلام وقل له: قاتل على المعركة حتّى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالى» .
ثمّ لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علىّ فأخبره، فقال: «﵀! جاهد عدوّنا فى الحياة، ونصح لنا فى الوفاة!» .. وقيل:
إن الذى أشار على علىّ بهذا عبد الرحمن بن حنبل الجمحى.
قال: فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها إلى الصباح، وهى ليلة الهرير، فتطاعنوا حتى تقصّفت الرّماح، وتراموا حتى نفد النّبل، وأخذوا السيوف، وعلى يسير بين الميمنة والميسرة، ويأمر كلّ كتيبة أن أن تقدّم على التى تليها، فلم يزل يفعل ذلك حتّى أصبح، والمعركة كلّها خلف ظهره، والأشتر فى الميمنة، وابن عباس، فى الميسرة وعلىّ فى القلب، والناس يقتتلون من كل جانب (وذلك يوم الجمعة) وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة، وكان قد تولاها عشيّة الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وهو يقول لأصحابه: ازحفوا قيد [٣] هذا الرمح. ويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ذلك
стр. 7212
بهم قال: ازحفوا قيد هذا القوس. فإذا فعلوه سألهم مثل ذلك، حتّى ملّ أكثر الناس الإقدام، فلما رأى الأشتر ذلك دعا بفرسه فركبه وترك رايته مع حيان بن هوذة النّخعى، وخرج يسير فى الكتائب ويقول: من يشرى [١] نفسه ويقاتل مع الأشتر [حتّى] [٢] يظهر أو يلحق بالله؟ فاجتمع إليه جمع كثير، فيهم حيّان بن هوذة النخعى وغيره، فرجع بهم إلى المكان الذى كان فيه، وقال لهم: «شدّوا شدّة- فدى لكم خالى وعمّى- ترضون بها الربّ، وتعزّون بها الدين» ثمّ نزل فضرب وجه دابّته، وقال لصاحب رايته: أقدم بها.
وحمل بالقوم [٣] فضرب أهل الشام حتّى انتهى بهم إلى عسكرهم، فقاتلوه عند العسكر قتالا شديدا، وقتل صاحب رايته، فلمّا رأى علىّ الظّفر من ناحيته أمدّه بالرجال.
فقال عمرو لوردان [٤] : تدرى ما مثلى ومثلك ومثل الأشتر؟
قال: لا. قال «كالأشقر إن تقدّم عقر وإن تأخّر عقر [٥] ! لئن تأخّرت لأضربنّ عنقك!» قال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنّك حياض الموت ضع يدك على عاتقى. ثم جعل يتقدّم ويتقدم [٦] ويقول:
والله لأوردنّك حياض الموت. واشتد القتال.
فلمّا رأى عمرو أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ، وخاف الهلاك،
стр. 7213
قال لمعاوية: هل لك فى أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلّا اجتماعا ولا يزيدهم إلّا فرقة؟ قال: نعم. قال: «نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها هذا حكم الله بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغى لنا أن نقبل. فتكون فرقة بينهم، فإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنّا إلى أجل» .
ذكر رفع أهل الشام المصاحف وما تقرر من أمر التحكيم وكتاب القضية
قال: ولما أشار عمرو بن العاص على معاوية برفع المصاحف أمر برفعها، فرفعت بالرماح [١] ، وقال [٢] : «هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟» .
فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله! فقال لهم علىّ رضى الله عنه: «عباد الله، امضو على حقكم وصدقكم قتال عدوّكم [٣] ، فإن معاوية وعمرا وابن أبى معيط وحبيبا [٤] وابن أبى سرح والضحاك [٥] ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا ثم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال! ويحكم! والله
стр. 7214
ما رفعوها إلا خديعة ووهنا [١] ومكيدة!» فقالوا له: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله! فقال لهم علىّ رضى الله عنه:
«فإنّى إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الله [٢] ، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونسوا عهده، ونبذوا كتابه!» . فقال مسعر بن فدكىّ التميمى وزيد بن حصين الطائى فى عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: «يا على، أجب إلى كتاب الله إذ دعيت [إليه] [٣] ، وإلا دفعناك [٤] برمّتك [٥] إلى القوم أو ونفعل بك كما فعلنا بابن عفان!» : قال: «فاحفظوا عنّى نهيى إياكم، واحفظوا مقالتكم لى، [فإن تطيعونى فقاتلوا، وإن تعصونى فاصنعوا] [٦] ما بدالكم!» .
قالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك. فبعث علىّ يزيد بن هانئ إلى الأشتر يستدعيه، فقال: «ليست هذه الساعة بالساعة التى ينبغى لك أن تزيلنى [فيها] [٧] عن موقفى، إنى رجوت أن يفتح الله لى!» .
стр. 7215
فرجع يزيد فأخبره، وارتفعت [١] الأصوات، وارتفع الرهج من ناحية الأشتر، فقالوا: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل! فقال: «هل رأيتمونى ساررته؟ أليس كلمته على رؤوسكم وأنتم تسمعون؟» فقالوا: «ابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك!» فقال: «ويلك يا يزيد! قل له أقبل إلى، فإن الفتنة قد وقعت!» فأبلغه ذلك، فقال الأشتر: ألرفع المصاحف؟ قال: نعم. قال: «والله لقد ظننت أنها ستوقع اختلافا وفرقة، إنها مشورة ابن العاص، ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى ما يلقون؟ ألا ترى ما صنع الله لنا؟ أينبغى أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم؟» فقال له يزيد: أتحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوّه أو يقتل؟ قال: «لا والله! سبحان الله!» فأعلمه بقولهم، فأقبل إليهم الأشتر وقال: «يا أهل العراق، يا أهل الذّلّ والوهن، أحين علوتم القوم وظنّوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وهم والله قد تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه! فأمهلونى فواقا [٢] فإنّى قد أحسست بالفتح، قالوا: لا. قال: أمهلونى عدو الفرس فإنى قد طمعت [فى النصر] [٣] قالوا: إذن ندخل معك فى خطيئتك! قال: «فخبّرونى عنكم متى
стр. 7216
كنتم محقّين؟: أحين تقاتلون وخياركم يقتلون؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون! أم أنتم الآن محقّون؟ فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وهم خير منكم فى النار! فقالوا: «دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم لله، وندع قتالهم لله!» فقال: «خدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السّود [١] ، كنا نظنّ صلاتكم زهادة فى الدنيا وشوقا إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحا يا أشباه النّيب الجلّالة [٢] ، ما أنتم برائين بعدها عزّا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون!» فسبوه وسبهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، وضرب وجوه دوابهم بسوطه، فصاح به وبهم علىّ رضى الله عنه، فكفّوا.
وقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما.
فجاء الأشعث بن قيس إلى على فقال له: أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد.
قال: إيته. فأتاه فقال: يا معاوية لأىّ شىء رفعتم هذه المصاحف؟
قال: «لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به فى كتابه، تبعثون رجلا ترضون، ونبعث رجلا نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما فى كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه» . فقال له الأشعث:
«هذا الحق، هذا الحق» . فعاد إلى على فأخبره، فقال الناس:
قد رضينا وقبلنا.
فقال أهل الشام: قد رضينا عمرا. فقال الأشعث وأولئك القوم
стр. 7217
الذين صاروا خوارج: فإنا قد رضينا بأبى موسى الأشعرى. فقال علىّ رضى الله عنه: «قد عصيتمونى فى أول الأمر، فلا تعصونى الآن، لا أرى أن أولّى أبا موسى» . فقال الأشعث وزيد بن حصين [١] ومسعر بن فدكىّ: لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه! قال على «فإنه ليس [لى] [٢] بثقة، قد فارقنى وخذّل الناس عنى، ثم هرب منى حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس أولّيه ذلك» . قالوا «والله ما نبالى أنت كنت أم ابن عبّاس، لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء [٣] » . قال على: فإنى أجعل الأشتر. قالوا: وهل سعّر [٤] الأرض غير الأشتر؟ قال: قد أبيتم إلا أبا موسى.
قالوا: نعم: قال: فاصنعوا ما أردتم! فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو بعرض [٥] فأتاه مولى له فقال: إن الناس قد اصطلحوا. فقال الحمد لله. قال: قد جعلوك حكما. قال: [إنا لله وإنا إليه راجعون [٦]] وجاء أبو موسى حتى دخل فى العسكر.
وجاء الأشتر عليا فقال: ألزّنى [٧] بعمرو بن العاص، فو الله لئن ملأت عينى منه لأقتلنه!.
стр. 7218
وجاء الأحنف بن قيس فقال: «يا أمير المؤمنين، إنك قد رميت بحجر الأرض [١] ، وإنّى قد عجمت [٢] أبا موسى وحلبت أشطره [٣] ، فوجدته كليل الشفرة [٤] قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير فى أكفّهم ويبعد عنهم حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلنى حكما فاجعلنى ثانيا أو ثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها، ولا يحلّ عقدة أعقدها إلا عقدت [لك] [٥] أخرى أحكم منها!» . فأبى الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب، فقال الأحنف بن قيس: إن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال.
وحضر عمرو بن العاص عند علىّ لتكتب القضيّة بحضوره، فكتبوا «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين» فقال عمرو: [٧] هو أميركم أمّا أميرنا فلا. فقال له الأحنف:
لا تمح اسم أمير المؤمنين فإنى أتخوّف إن محوتها ألّا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل [الناس] [٨] بعضهم بعضا، فأبى ذلك علىّ
стр. 7219
مليّا من النهار، ثم قال الأشعث بن قيس: امج هذا الاسم. فمحى، فقال علىّ رضى الله عنه: «الله أكبر! سنّة بسنة، والله إنّى لكاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية، فكتبت: «محمد رسول الله» فقالوا: لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرنى رسول الله ﵊ بمحوه، فقلت:
لا أستطيع. فقال أرنيه. فأريته فمحاه بيده وقال: إنّك ستدعى إلى مثلها فتجيب!» . فقال عمرو: «سبحان الله! أنشبّه بالكفّار ونحن مؤمنون؟» فقال علىّ رضى الله عنه: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليّا وللمؤمنين عدوا؟ فقال عمرو: والله لا يجمع بينى وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا! فقال علىّ: إنى لأرجو أن يطهّر الله مجلسى منك ومن أشباهك.
وكتب الكتاب: هذا ما تقاضى عليه علىّ بن أبى طالب ومعاوية ابن أبى سفيان، قاضى علىّ على أهل الكوفة ومن معهم، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، أنّا ننزل عند حكم الله وكتابة، وألّا يجمع بيننا غيره، وأنّ كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيى ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان فى كتاب الله- وهما أبو موسى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص- عملا به، وما لم يجدا فى كتاب الله تعالى فالسّنّة العادلة الجامعة غير المفرّقة. وأخذ الحكمان من علىّ رضى الله عنه ومن معاوية ومن الجند من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمّة لهما أنصار على الذى يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمّة ولا يردّاها فى حرب ولا فرقة حتّى
стр. 7220
يعصيا، وأجّلا القضاء إلى رمضان، وإن أحبّا أن يؤخرا ذلك أخّراه، وإن مكان قضيّتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام. وشهد جماعة من الطائفتين.
وقيل للأشتر: لتكتب [١] فيها. فقال: «لا صحبتنى يمينى ولا نفعتنى بعدها شمالى إن خطّ لى فى هذه الصحيفة خط! أو لست على بيّنة من ربّى من ضلال عدوّى؟ أو لستم قد رأيتم الظّفر؟» .
فقال له الأشعث: ما رأيت ظفرا هلمّ إلينا فإنه لا رغبة بك عنّا.
فقال: «بلى والله الرغبة عنك فى الدنيا للدنيا وفى الآخرة للآخرة! ولقد سفك الله بسيفى دماء رجال ما أنت عندى خير منهم ولا أحرم دما!» .
قال: وخرج الأشعث بالكتاب يقرؤه على الناس حتى مرّ على طائفة من بنى تميم، فيهم عروة بن أديّه (أخو أبى بلال) فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكّمون فى أمر الله الرجال، لا حكم إلّا لله. ثم شدّ بسيفه فضرب به عجز دابّة الأشعث ضربة خفيفة، واندفعت الدابّة، وصاح به أصحاب الأشعث فرجع.
وكتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين.. واتفقوا أن يكون اجتماع الحكمين بدومه الجندل [٢] ، أو بأذرح [٣] ، فى شهر رمضان.
стр. 7221
قال: وقيل لعلىّ: إن الأشتر لا يقرّ بما فى الصحيفة ولا يرى إلّا قتال القوم. فقال علىّ رضى الله عنه: «وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذ أبيتم إلّا أن ترضوا فقد رضيت، وإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار، إلّا أن يعصى الله ويتعدّى كتابه، فتقاتلوا من ترك أمر الله. وأمّا الذى ذكرتم من تركه أمرى وما أنا عليه فليس من أولئك، ولست أخافه على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين، يا ليت فيكم مثله واحدا يرى فى عدوى ما أرى، إذن لخفّت علىّ مؤنتكم، ورجوت أن يستقيم لى بعض أودكم [١] ، وقد نهيتكم فعصيتمونى، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن [٢] :
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد
والله لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوّة، وأسقطت منّة، وأورثت وهنا وذلّة، ولما كنتم الأعلين، وخاف عدوّكم الاجتياح، واستحرّ [٣] بهم القتل، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم، ويقطعوا الحرب، ويتربّصوا بكم ريب
стр. 7222
المنون، خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم [ما سألوا] [١] ، وأبيتم إلّا أن تدهنوا وتحيروا [٢] ، وايم الله ما أظنّكم بعدها توفّقون لرشد، ولا تصيبون باب حزم» .
قال: ثم تراجع الناس عن صفّين.
هذا ما أورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه، وهو الذى اعتمد عليه عز الدين على بن محمد ابن الأثير الموصلى فى تاريخة (الكامل) ، من حرب [٣] صفّين، وقد أسقطنا بعض ما أورداه، وأتينا بألفاظ لم يأتيا بها نسبناها إلى من حكاها ...
وأخبار أيام صفّين كثيرة، قد بسط أهل التاريخ فيها القول، وذكروا ما اتفق فى أيامها يوما يوما، رأينا ترك ذلك والإغضاء عنه أولى، وكنا نؤثر ألّا نلمّ بذكر أيام صفّين ولا وقعة الجمل، وإنما ضرورة التاريخ دعت إلى ذلك.
وحكى أبو عمر بن عبد البر فى ترجمة بسر بن أرطاة من كتابه الاستيعاب [٤] : أنّ معاوية أمر بسر بن أرطاة بن أبى أرطاة، وكان معه بصفّين أن يلقى عليّا فى القتال، وقال له: «سمعتك تتمنّى لقاءه، فلو أظفرك الله وصرعته حصلت على دنيا وآخرة» ، ولم يزل يشجّعه ويمنّيه، حتّى رآه فقصده فى الحرب، قال: وكان
стр. 7223
بسر بن أرطاة من الأبطال الطّغاة، فالتقيا، فصرعه علىّ، وعرض له معه مثل ما عرض- فيما ذكر- لعلىّ مع عمرو بن العاص. قال وذكر ابن الكلبى فى كتابه فى أخبار صفّين أن بسر بن أرطاة بارز عليا يوم صفّين، فطعنه علىّ فصرعه، فانكشف له، فكفّ عنه، كما عرض له- فيما ذكروا- مع عمرو بن العاص، ولهم فيها أشعار مذكورة فى موضعها من [ذلك] [١] الكتاب، منها فيما ذكر ابن الكلبى والمدائنى قول الحارث بن النضر السّهمى [٢]- وكان عدوا لعمرو ابن العاص وبسر بن أرطاة-:
أفى كلّ يوم فارس ليس ينتهى ... وعورته بين العجاجة [٣] باديه
يكفّ لها [٤] عنه علىّ سنانه ... ويضحك منه [٥] فى الخلاء معاويه
بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه ... وعورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو ثم بسر [٦] : ألا انظرا ... سبيلكما، لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلّا الحيا وخصاكما ... هما كانتا والله للنّفس واقيه
ولولاهما لم تنجوا من سنانه ... وتلك بما فيها عن العود ناهيه
وكونا [٧] بعيدا حيث لا تبلغ القنا ... نحوركما إنّ التّجارب كافيه
стр. 7224
قال أبو عمر: إنّما كان انصراف علىّ عنهما وعن أمثالهما من مصروع أو منهزم؛ لأنه كان لا يرى فى قتال الباغين عليه من المسلمين أن يتّبع مدبرا ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسيرا، وتلك عادته فى حروبه فى الإسلام، رضى الله عنه.
وروى أبو عمر ابن عبد البر أيضا بسند يرفعه إلى يزيد ابن حبيب قال: اصطحب قيس بن خرشه، وكعب الأحبار، حتّى إذا بلغا صفّين وقف كعب ثم نظر ساعة فقال: «لا إله إلا الله، ليهراقنّ بهذه البقعة من دماء المسلمين شىء لم يهرق ببقعة من الأرض» فغضب قيس وقال: «وما يدريك يا أبا إسحاق؟ فإنّ هذا من الغيب الذى استأثر الله به» فقال كعب: ما من شبر من الأرض إلّا وهو مكتوب فى التّوراة التى أنزل الله على نبيّه موسى بن عمران ﵇ ما يكون عليه إلى يوم القيامة.
واختلف فى عدّة من شهد صفّين، فقيل: كان جيش علىّ رضى الله عنه تسعين ألفا، وجيش معاوية مائة وعشرين ألفا، وقيل:
أقل من ذلك [١] .
وقتل من العراق خمسة وعشرون ألفا، منهم عمّار بن ياسر وخمسة وعشرون بدريّا، وقتل من عسكر معاوية خمسة وأربعون ألفا.
قال، ولمّا رجع علىّ رضى الله عنه إلى الكوفة خالفه الحروريّة وأنكروا تحكيم الرجال، وكان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله فى أخبار
стр. 7225
الخوارج على علىّ، وكان فيما بين رجوع علىّ واجتماع الحكمين ما نذكره إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين.
ذكر اجتماع الحكمين
قال. ولما جاء وقت اجتماع الحكمين أرسل علىّ رضى الله عنه أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانىء الحارثى، وأرسل عبد الله بن عباس يصلى بهم ويلى أمورهم، ومعهم أبو موسى الأشعرى. وأرسل معاوية عمرو بن العاص فى أربعمائة من أهل الشام، حتى توافوا من دومة الجندل بأذرح [١] وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدرى أحد ما جاء فيه، ولا يسأله أهل الشام عن شىء، وكان أهل العراق يسألون ابن عبّاس عن كلّ كتاب يصل إليه من علىّ، فإن كتمه [٢] ظنّوا به الظّنون وقالوا: نراه كتب بكذا وكذا، فقال لهم ابن عبّاس رضى الله عنه:
«أما تعقلون، أما ترون رسول معاوية يجىء فلا يعلم أحد ما جاء به ولا يسمع لهم صياح؟ وأنتم عندى كلّ يوم تظنّون الظّنون» .
قال وحضر معهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرحمن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهرى، وأبو جهم بن حذيفة العدوى، والمغيرة بن شعبة. وكان سعد بن أبى وقّاص على ماء لبنى سليم بالبادية، فأتاه ابنه عمر فقال له: «إنّ أبا موسى وعمرا
стр. 7226
قد شهدهم نفر من قريش فاحضر معهم، فإنّك صاحب رسول الله ﷺ وأحد أصحاب الشّورى، ولم تدخل فى شىء كرهته هذه الأمّة، وأنت أحقّ الناس بالخلافة» فلم يفعل، وقيل:
بل حضرهم سعد وندم على حضوره، فأحرم بعمرة من بيت المقدس.
قال: ولما اجتمع الحكمان قال عمرو بن العاص؛ يا أبا موسى ألست تعلم أنّ عثمان قتل مظلوما، قال أشهد. قال: ألست تعلم أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى.. قال: «فما [١] يمنعك منه وبيته فى قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة فقل: وجدته ولىّ عثمان الخليفة المظلوم، والطالب بدمه، الحسن السياسة والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج النبىّ ﵊، وكاتبه، وقد صحبه» وعرّض له عمرو بسلطان، فقال أبو موسى: «يا عمرو، اتّق الله! أمّا ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولّاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصّبّاح، إنّما هو لأهل الدّين والفضل، مع أنى لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته على بن أبى طالب، وأمّا قولك إنّ معاوية ولىّ دم عثمان فولّه هذا الأمر، فلم أكن لأولّيه معاوية وأدع المهاجرين الأوّلين، وأمّا تعريضك لى بالسلطان؛ فو الله لو خرج لى معاوية من سلطانه كلّه ما ولّيته، وما كنت لأرتشى فى حكم الله،
стр. 7227
ولكنك إن شئت أن تحيى اسم عمر بن الخطاب» قال له عمرو: [١] فما يمنعك من ابنى عبد الله وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ فقال له:
إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته فى هذه الفتنة. فقال عمرو:
إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل يأكل ويطعم. وكانت فى ابن عمر غفلة، فقال له: ابن الزبير: افطن وانتبه، فقال: والله لا أرشو عليها شيئا أبدا. وقال: يا ابن العاص إنّ العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعوا بالسيوف فلا تردّنّهم فى فتنة.
وكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه فى الكلام، يقول له:
أنت صاحب رسول الله ﷺ وأسنّ منّى فتكلم. فتعوّد ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك كلّه أن يقدّمه فى خلع على.
فلمّا أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية فأبى، وأراد أبو موسى عمرا على ابن عمر فأبى عمرو، قال له عمرو: خبّرنى ما رأيك؟ قال: «أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبّوا» . فقال عمرو: الرأى ما رأيت.
فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق. فتكلم أبو موسى فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ، تقدم يا أبا موسى. فتقدّم أبو موسى، فقال له ابن عباس:
«ويحك! والله إنى لأظنّه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فتقدّمه فليتكلّم به قبلك، فإنه رجل غادر، ولا آمن أن يكون قد أعطاك
стр. 7228
الرضى بينكما، فإذا قمت فى الناس خالفك!» وكان أبو موسى مغفّلا، فقال: إنا قد اتفقنا، فتقدّم فقال: «أيّها الناس، إنّا قد نظرنا فى أمر هذه الأمّة، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من [أمر] [١] قد أجمع رأيى ورأى عمرو عليه، وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولّى الناس أمرهم من أحبّوا، وإنى خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم من رأيتموه أهلا» . ثم تنحّى، وأقبل عمرو فقام وقال:
«إن هذا قد قال ما سمعتموه، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبّت صاحبى معاوية، فإنه ولىّ عثمان بن عفّان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه» ، فقال سعد: ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايدة! فقال أبو موسى: فما أصنع؟ وافقنى على أمر ثم نزع عنه! فقال ابن عبّاس: لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لمن قدّمك فى هذه المقام! قال: غدر فما أصنع؟ قال ابن عمر [انظروا] [٢] إلى ما صار أمر هذه الأمة: إلى رجل لا يبالى ما صنع وآخر ضعيف. وقال عبد الرحمن بن أبى بكر: لو مات الأشعرىّ قبل هذا اليوم كان خيرا له. وقال أبو موسى لعمرو: «لا وفّقك الله، غدرت وفجرت، [إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» فقال له عمرو:] [٣] إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
قال: والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلى مكة، ثم انصرف
стр. 7229
عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلّموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علىّ رضى الله عنه، فكان علىّ إذا صلّى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور وحبيبا وعبد الرحمن ابن خالد والضحاك بن قيس والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليّا وابن عبّاس والحسن والحسين والأشتر.
وقيل: إن معاوية حضر الحكمين، وأنه قام عشية فى الناس فقال: أما بعد، من كان متكلما فى هذا الأمر فليطلع لنا قرنه. قال ابن عمر: فأطلقت حبوتى وأردت أن أقول: «يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام» فخشيت أن أقول كلمة تفرّق الجماعة ويسفك بها دم، فكان ما وعد الله فى الجنان أحبّ إلى من ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءنى حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ثم خشيت. فقال حبيب:
وفّقت وعصمت. وقد ورد ذلك فى الصحيح.
ذكر أخبار الخوارج الذين خرجوا على عهد علىّ وما كان من أمرهم
كان أوّل من خرج على علىّ رضى الله عنه حسكة بن عتّاب الحبطىّ، وعمران بن فضيل البرجمىّ، خرجا فى صعاليك من العرب بعد الفراغ من وقعة الجمل، حتى نزلوا زالق [١] من سجستان، وقد نكبو [٢] أهلها فأصابوا منها مالا، ثم أتوا زرنج [٣] وقد خافهم
стр. 7230
مرزبانها فصالحهم ودخلوها، فبعث علىّ عبد الرحمن ابن جرو الطائى فقتله حسكة، فكتب علىّ إلى عبد الله بن عبّاس يأمره أن يولى سجستان رجلا، ويسيّره إليها فى أربعة الآف، فوجّه ربعىّ [١] بن كأس العنبرى، ومعه الحصين بن أبى الحرّ العنبرى، فلمّا ورد سجستان قاتلهم حسكة فقتلوه وضبط ربعى البلاد.
قال ابن الأثير [٢] وكان فيروز حصين ينسب إلى الحصين ابن أبى الحر هذا، وهو من سجستان.
ذكر خبرهم [٣] بعد صفين
قد ذكرنا فى وقعة صفين أنه لمّا رفعت المصاحف، تكلّم أولئك القوم مع علىّ بما ذكرناه، وأبوا إلّا ترك الحرب والرجوع إلى كتاب الله، وموافقة علىّ رضى الله عنه لهم فيما رأوه، على كره منه.
فلما رجع علىّ من صفّين بعد كتابة الصحيفة، خالفت عليه الحروريّة [٤] وأنكروا تحكيم الرجّال، ورجعوا على غير الطريق الذى أقبلوا فيه، أخذوا على طريق البرّ وعادوا وهم أعداء متباغضون، يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم فى أمر الله! ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرّقتم جماعتنا! فلمّا انتهى علىّ إلى الكوفة فارقته الخوارج وأتت حروراء [٥] فنزل بها
стр. 7231
[منهم] [١] اثنا عشر ألفا، ونادى مناديهم: «إن أمير القتال شبث بن ربعىّ التميمى، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليشكرى، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» . فلما سمع علىّ رضى الله عنه وأصحابه ذلك، قامت إليه الشّيعة فقالوا له: «فى أعناقنا بيعة ثابتة [٢] نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت» . فقالت الخوارج: «استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسى رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحبّ [٣] وكرهوا، وبايعتم أنتم عليّا أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى» فقال لهم زياد بن النّضر: «والله ما بسط علىّ يده فبايعناه قطّ إلّا على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊، ولكنكم لمّا خالفتموه جاءته شيعته فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل» . قال:
وبعث علىّ رضى الله عنه عبد الله بن العبّاس إلى الخوارج، وقال له. لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتّى آتيك. فخرج إليهم، فأقبلوا يكلّمونه، فلم يصبر حتّى راجعهم، فقال: «ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله : إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
[٤] .
فكيف بأمّة محمد ﷺ ؟» . فقالت الخوارج: «أمّا ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم فى الزّانى مائة جلدة، وفى
стр. 7232
السارق القطع، فليس للعباد أن ينظروا فى هذا» . قال ابن عبّاس:
فإن الله تعالى يقول يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
[١] فقالوا: وتجعل الحكم فى الصيد والحدث بين المرأة وزوجها كالحكم فى دماء المسلمين؟
وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، وقد حكّمتم فى أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه فى معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وجعلتم بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت «برآءة» إلّا من أقرّ بالجزية.
وبعث علىّ رضى الله عنه زياد بن النّضر فقال: انظ بأىّ رءوسهم هم أشد إطافة. فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد ابن قيس، فخرج علىّ رضى الله عنه فى الناس حتّى أتى فسطاط يزيد ابن قيس، فدخله، فصلّى فيه ركعتين، وأمّره على أصبهان والرّىّ، ثم خرج حتّى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال له:
ألم أنهك عن كلامهم؟ ثم تكلم فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه كان أولى بالفلج [٢] يوم القيامة. [ثم] [٣] : قال لهم: من زعيمكم؟
قالوا: ابن الكواء قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفّين. قال: «أنشدكم الله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، وقلتم: نجيبهم، قلت لكم: إنى أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسلوا بأصحاب دين!» وذكر ما كان قال لهم، ثم قال «وقد اشترطت
стр. 7233
على الحكمين أن يحييا ما أحيى القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء» . قالوا: فخبّرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال فى الدماء؟
فقال: «إنا لسنا حكّمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خطّ مسطور بين دفّتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال» قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم؟ قال: «ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعلّ الله يصلح فى هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله» . فدخلوا من عند آخرهم.
ذكر خبرهم عند توجيه الحكمين
قال [١] : لما أراد علىّ رضى الله عنه أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج، وهما زرعة بن برج الطائى وحرقوص ابن زهير السعدى، فقالا له: لا حكم إلّا لله تعالى، فقال على رضى الله عنه: لا حكم إلا لله تعالى، قال حرقوص: «تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، وارجع بنا إلى عدونا نقاتلهم حتّى نلقى ربنا» .
فقال على: قد أردتكم على ذلك فعصيتمونى، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا، وشرطنا شروطا، وأعطينا عليها عهودا، وقد قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
[٢] فقال حرقوص:
ذلك ذنب ينبغى أن تتوب منه. فقال علىّ رضى الله عنه: ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأى، وقد نهيتكم، فقال زرعة: يا على لئن لم
стр. 7234
تدع تحكيم الرجال لأقاتلنّك أطلب وجه الله. فقال على: «بؤسا لك! ما أشقاك! كأنى بك قتيلا تسفى [١] عليك الرياح!» قال: وددت لو كان ذلك، فخرجا من عنده يحكّمان.
وخطب على رضى الله عنه يوما، فحكّمت [٢] المحكّمة فى جوانب المسجد، فقال علىّ: «الله أكبر! كلمة حقّ أريد بها باطل [٣] ان سكتوا غممناهم [٤] ، وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم» . فوثب يزيد بن عاصم المحاربى فقال: «الحمد لله غير مودّع ربنا ولا مستغنى عنه، اللهم إنّا نعوذ بك من إعطاء الدّنيّة فى ديننا، فإن إعطاء الدنية فى الدين إدهان فى أمر الله وذلّ راجع بأهله إلى سخط الله، يا علىّ أبالقتل تخوّفنا؟ أما إنى لأرجو أن نضربكم بها عمّا قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أيّنا أولى بها صليّا» . ثم خرج هو وإخوة له ثلاثة، فأصيبوا مع الخوارج بالنّهروان، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنّخيلة.
ثم خطب علىّ رضى الله عنه يوما آخر، فقام رجل فقال: لا حكم إلا لله، ثم توالى عدّة رجال يحكّمون، فقال علىّ: «الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، أما إنّ لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا:
لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفىء
стр. 7235
ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدأونا، وإنما ننظر فيكم أمر الله» . ثم رجع إلى مكانه من الخطبة.
ذكر اجتماع الخوارج بعد الحكمين
وتوليتهم أمرهم عبد الله بن وهب وخروجهم عن الكوفة وانضمام خوارج البصرة إليهم، وما كاتبهم علىّ به وجوابهم وغير ذلك قال: ولمّا كان من أمر الحكمين ما ذكرناه، لقى بعض الخوارج بعضا واجتمعوا فى منزل عبد الله بن وهب الراسبى، فخطبهم، فزهّدهم فى الدنيا، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم قال اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلّة، فقال حرقوص بن زهير: «إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونّكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله [١] مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون» وقال حمزة بن سنان الأسدى: «يا قوم، إن الرأي ما رأيتم فولّوا أمركم [٢] رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها، وترجعون إليها» فعرضوها على زيد بن حصين [٣] الطائى فأبى، وعرضوها على حرقوص فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح
стр. 7236
ابن أوفى العبسىّ فأبيا، وعرضوها على عبد الله بن وهب فقال:
«هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة فى الدنيا، ولا أدعها فرقا من الموت» فبايعوه لعشر خلون من شوال سنة سبع وثلاثين، وكان يقال: له ذو الثفنات [١] .
ثم اجتمعوا فى منزل شريح بن أبى أوفى [٢] العبسى، فقال ابن وهب:
اشخصوا [٣] بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله فإنكم أهل الحق. قال شريح: «نخرج إلى المدائن، فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا» . فقال زيد بن حصن: «إنكم إن خرجتم مجتمعين تتبّعتم، ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأمّا المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا من جسر [٤] النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة» . قالوا: هذا الرأى.
وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثهم على اللّحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوا.
قال: ولما غزم من بالكوفة من الخوارج على الخروج، تعبّدوا ليلتهم- وكانت ليلة الجمعة- ويوم الجمعة، وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسى وهو يتلو قول الله تعالى:
стр. 7237
فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
[١] قال: وخرج معهم طرفة بن عدى بن حاتم الطائى، فأتبعه أبوه ليرده فلم يقدر عليه، فانتهى إلى المدائن ثم رجع.
وأرسل عدى إلى سعد بن مسعود عامل علىّ على المدائن يحذّره أمرهم، فحذر، وأخذ أبواب المدائن، وخرج فى الخيل، واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبى عبيد، وسار فى طلبهم فأخبر عبد الله ابن وهب خبره، فترك طريقه وسار على بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرج فى خمسمائة فارس عند المساء، [فانصرف إليهم عبد الله فى ثلاثين فارسا، فاقتتلوا ساعة] [٢] وامتنع القوم منهم، وقال أصحاب سعد لسعد. «ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر، خلّهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن أمرك باتّباعهم فاتّبعهم، وإن كفاكهم غيرك كان فى ذلك عافية لك» فأبى عليهم، فلما جن عليهم الليل عبر عبد الله بن وهب دجلة إلى أرض جوخى [٣] ، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه.
وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرها، منهم القعقاع بن قيس الطائى عم الطّرماح ابن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائى.
стр. 7238
قال: ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليّا أصحابه وشيعته فبايعوه، وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة رسول الله ﷺ .
وأمّا خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا فى خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فدكى التميمى، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدّؤلى، فلحق بهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج [١] مسعر بأصحابه، وسار حتى لحق بعبد الله ابن وهب.
قال: ولما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى الأشعرى إلى مكة، وردّ علىّ ابن عباس رضى الله عنهما إلى البصرة، قام علىّ بالكوفة خطيبا فقال: «الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أمّا بعد، فإن المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم فى هذين الرجلين وفى هذه الحكومة أمرى، ونحلتكم [٢] رأيى، لو كان لقصير [٣] أمر، ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازان [٤] :
أمرتهمو أمرى بمنعرج اللّوى [٥] ... فلم يستبينوا الرّشيد إلا ضحى الغد
стр. 7239
ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كلّ واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجّة بينة ولا سنّة ماضية، واختلفا فى حكمهما وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح [١] المؤمنين، استعدّوا وتأهبّوا للمسير إلى الشام، وأصبحوا فى معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين» . ثم نزل.
وكتب إلى الخوارج بالنّهروان: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علىّ أمير المؤمنين إلى زيد بن حصن وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس، أمّا بعد فإن الرجلين اللذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله تعالى، واتّبعا أهواءهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنّة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابى هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدوّنا وعدوّكم، ونحن على الأمر الأول الذى كنّا عليه» .
فكتبوا إليه: «أمّا بعد فإنك لم تغضب لربّك، وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بينا وبينك، وإلّا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحبّ الخائنين» .
فلما قرأ كتابهم أيس منهم، ورأى أن يدعهم ويمضى بالناس [حتّى يناجز أهل الشام] [٢] فقام فى أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أمّا بعد فإنه من ترك الجهاد فى الله وداهن فى أمره كان
стр. 7240
على شفاهلكة، إلا أن يتداركه الله بنعمته، فاتقوا الله تعالى، وقاتلوا من حادّ الله، وحاول أن يطفئ نور الله، وقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين، الذين ليسوا بقرّاء القرآن ولا فقهاء فى الدين، ولا علماء بالتأويل، ولا لهذا الأمر بأهل فى سابقة الإسلام، والله لو ولّوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسّروا [١] للمسير إلى عدوّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم شخصنا إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وكتب إلى ابن عباس رضى الله عنه: «أمّا بعد فإنا خرجنا إلى معسكرنا بالنّخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب، فاشخص إلى الناس حتى يأتيك رسولى، وأقم حتى يأتيك أمرى، والسلام عليك» .
فقرأ ابن عباس الكتاب على الناس، وندبهم مع الأحنف ابن قيس، فشخص ألف وخمسمائة، فخطبهم [٢] وقال: «يا أهل البصرة، أتانى كتاب أمير المؤمنين، فأمرتكم بالنفير [٣] إليه، فلم يشخص منكم إلا ألف وخمسمائة، وانتم ستون ألف مقاتل سوى أبنائكم وعبيدكم. ألا انفروا مع جارية [٤] بن قدامة السعدىّ، ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا، فإنّى موقع بكلّ من وجدته متخلفا
стр. 7241
عن دعوته، عاصيا لإمامه، فلا يلومن رجل إلا نفسه» . فخرج جارية واجتمع إليه ألف وسبعمائة، فوافوا عليّا وهم ثلاثة آلاف ومائتان.
فجمع على رضى الله عنه رءوس أهل الكوفة ورءوس الأسباع [١] ووجوه الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أهل الكوفة، أنتم إخوانى وأنصارى وأعوانى على الحق، وأصحابى إلى جهاد المخلين [٢] ، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد استنفرت أهل البصرة، فأتانى منهم ثلاثة آلاف ومائتان، فليكتب لى رئيس كلّ قبيلة ما فى عشيرته من المقاتلة [وأبناء المقاتلة] [٣] الذين أدركو القتال، وعبدان عشيرته ومواليهم، ويرفع ذلك إلينا.
فقام إليه سعيد بن قيس الهمدانى فقال: يا أمير المؤمنين، سمعا وطاعة، أنا أول الناس أجاوب بما طلبت. وقام معقل بن قيس، وعدىّ بن حاتم، وزياد بن خصفة، وحجر بن عدّى، وأشراف الناس والقبائل، فقالوا متل ذلك، وكتبوا له ما طلب، وأمروا أبناءهم وعبيدهم [ومواليهم] [٤] أن يخرجوا معهم، فرفعوا له أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، فكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفا، سوى أهل البصرة وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل.
стр. 7242
وكتب إلى سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من المقاتلة، وبلغ عليا رضى الله عنه أن الناس يقولون: «لو ساربنا إلى قتال هذه الحرورية فإذا فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المخلين» .
فقال لهم: «بلغنى أنكم قلتم كيت وكيت! وإن غير هؤلاء الخارجين أهمّ إلينا، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم، كيما [١] يكونوا جبّارين ملوكا، ويتخذوا عباد الله خولا» ..
فناداه الناس أن سربنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. وقام إليه صيفى بن نشيل [٢] الشيبانىّ فقال: «يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادى من عاداك، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسربنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع» . وقام إليه محرز بن شهاب التميمىّ فقال: «يا أمير المؤمنين، إن قلب شيعتك كقلب رجل واحد فى الاجتماع على نصرتك، والجد فى جهاد عدوّك، فأبشر بالنصر، وسربنا إلى أىّ الفريقين أحببت، فإنّا شيعتك الذين نرجو فى طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف فى خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال» ..
وأجمع على المسير [علىّ] [٣] إلى الشام، فشغله عن ذلك أمر الخرارج وقتالهم على ما نذكره.
стр. 7243
ذكر قتال الخوارج
قيل: كان سبب ذلك أن الخوارج من البصرة لما دنوا من من النهروان رأوا رجلا يسوق بامرأة على حمار، فدعوه وانتهروه فأفزعوه، وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ﷺ . فقالوا له: أفزعناك! قال: نعم قالوا لا روع عليك، حدّثنا عن أبيك حديثا سمعه من رسول الله ﷺ تنفعنا به، فقال:
حدثنى أبى عن رسول الله ﷺ أنه قال: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسى فيها مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح مؤمنا ويمسى كافرا
، قالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول فى أبى بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا. فقالوا: ما تقول فى عثمان فى أوّل خلافته وفى آخرها؟ قال: إنه كان محقّا فى أولها وآخرها، قالوا: فما تقول فى علىّ قبل التحكيم وبعده؟ قال: أقول إنه أعلم بالله منكم، وأشدّ توقّيا على دينه، وأنفذ بصيرة. قالوا: إنك تتبع الهوى وتوالى الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا، فأخذوه وكتفوه، ثم أقبلوا بامرأته وهى حبلى متمّ [١] حتى نزلوا تحت نخل مواقر، فسقطت رطبة، فأخذها أحدهم فتركها فى فيه، فقال له آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن. فألقاها، ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة، فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا له: هذا فساد فى الأرض. فلقى صاحب الخنزير فأرضاه. فلما رأى عبد الله
стр. 7244
ابن خبّاب ذلك منهم قال: «إن كنتم صادقين فيما أرى فما على منكم من بأس، إنّى مسلم ما أحدثت فى الإسلام حدثا، ولقد أمنتمونى، فقلتم: لا روع عليك» فأضجعوه فذبحوه، وأقبلوا إلى المرأة فقالت:
أنا امرأة، ألا تتقون الله. فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيىء، وقتلوا أمّ سنان الصيداوية.
فلما بلغ عليّا رضى الله عنه ذلك بعث إليهم الحارث بن مرّة العبدىّ ليأتيهم، وينظر ما بلغه عنهم، ويكتب به إليه، فلما دنا منهم يسألهم قتلوه. وأتى الخبر إلى على، فقال له الناس: «يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا فى عيالنا وأموالنا! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلى عدوّنا من أهل الشام» . فأجمع علىّ رضى الله عنه على ذلك، وخرج وسار إليهم. فأرسل إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافّ عنكم حتّى ألقى أهل المغرب، فلعل الله يقبل قلوبكم [١] ، ويردّكم إلى خير مما أنتم عليه [من أمركم] [٢] فقالوا: كلّنا قتلهم، وكلّنا مستحلّ لدمائكم ودمائهم. فراسلهم مرة بعد أخرى.
وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فكلّمهم ونصحهم، وأشار عليهم بالمراجعة والدخول فيما خرجوا منه، فأبوا. وخطبهم أبو أيوب الأنصارى رضى الله عنه وحذّرهم تعجيل الفتنة. وأتاهم علىّ رضى الله عنه فكلّمهم ووعظهم وذكرهم. فتنادوا: «لا تخاطبوهم
стр. 7245
ولا تكلمّوهم، وتهيئوا للقاء الله، الرواح الرواح إلى الجنة» .
فعاد علىّ عنهم.
ثم إن الخوارج قصدوا الجسر، فقال أصحاب علىّ له: إنهم عبروا النهر، فقال: لن يعبروه، فأرسلوا طليعة، فعاد. وأخبر [١] أنهم عبروا النهر، وكان بينهم وبينه عطفة من النهر، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم فعاد، فقال: قد عبروا النهر. فقال علىّ رضى الله عنه: «والله ما عبروه، وإن مصارعهم لدون الجسر، وو الله لا يقتل منكم عشرة، ولا يسلم منهم عشرة» . وتقدم علىّ إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه، وكان الناس قد شكّوا فى قوله وارتاب به بعضهم، فلما رأوهم لم يعبروا كبّروا وأخبروا عليّا رضى الله عنه بحالهم، فقال والله ما كذبت ولا كذبت.
ثم عبّأ أصحابه، فجعل على ميمنته حجر بن عدىّ، وعلى ميسرته شبث بن ربعىّ أو معقل بن قيس الرّياحى، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصارى رضى الله عنه، وعلى الرّجالة أبا قتادة الأنصارىّ رضى الله عنه، وعلى أهل المدينة- وهم سبعمائة أو ثمانمائة. قيس بن سعد ابن عبادة رضى الله عنه.
وعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائى، وعلى الميسرة شريح بن أبى أوفى العبسىّ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدىّ، وعلى رجّالتهم حرقوص بن زهير السّعدىّ.
وأعطى علىّ رضى الله عنه أبا أيّوب الأنصارىّ راية أمان، فناداهم
стр. 7246
أبو أيوب فقال: «من جاء هذه الراية فهو آمن ممّن لم يقتل ولم يتعرض، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم فى سفك دمائكم» . فقال فروة بن نوفل الأشجعىّ: «والله ما أدرى على أى شىء نقاتل عليا؟: أرى أن أنصرف حتى تتضح لى بصيرتى فى قتاله، أو أتابعه» . فانصرف فى خمسمائة فارس، حتى نزل البندنيجين [١] والدّسكرة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلوا الكوفة.
وخرج إلى علىّ رضى الله عنه نحو مائة، وكان الخوارج فى أربعة آلاف؛ فبقى مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علىّ رضى الله عنه وكان قد قال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدءوكم.
فتنادوا. الرواح إلى الجنة. فحملوا على الناس فافترقت خيل علىّ فرقتين، فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة،، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسّيوف فما لبثوا أن أناموهم، فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا، فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس، وجاءتهم الخيل من نحو علىّ فأهلكوا فى ساعة، فكأنّما قيل لهم موتوا فماتوا.
قال: وأخذ علىّ ما فى عسكرهم من شىء، فأما السّلاح والدّواب
стр. 7247
وما شهر [١] عليه فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه ردّه على أهله حين قدم.
وطاف عدىّ بن حاتم فى القتلى على ابنه طرفة، فدفنه، ودفن رجال قتلاهم، فقال علىّ حين بلغه ذلك تقتلونهم ثم تدفنونهم! ارتحلوا. فارتحل الناس ولم يقتل من أصحاب علىّ إلا سبعة؛ منهم يزيد بن نوبرة وله صحبة [٢] وسابقة.
وهؤلاء الخوارج هم الذين ورد فى أمرهم فى الصحيح [الحديث] [٣]
عن رسول الله ﷺ : «إن قوما يخرجون يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة [٤] علامتهم رجل مخدج اليد [٥] »
فالتمسه علىّ فى القتلى فوجده، فنظر فى عضده فإذا لحم مجتمع كثدى المرأة، وحلمة عليها شعرات سود، فإذا مدّت امتدت حتى تحاذى يده الطّولى، ثم تترك فتعود إلى منكبه. وكان علىّ رضى الله عنه يحدّث الناس بهذا الحديث قبل وقعة الخوارج [٦] .
стр. 7248
وقيل كانت هذه الوقعة فى سنة ثمان وثلاثين.
قال: ولمّا فرغ علىّ رضى الله عنه من هذه الوقعة حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوّكم. قالوا: «يا أمير المؤمنين، نفدت سهامنا، وكلّت سيوفنا، ونصلت [١] أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا [٢] ، فارجع إلى مصرنا. فلنستعدّ [بأحسن عدّتنا] [٣] ولعل أمير المؤمنين يزيد فى عدّتنا فإنه أقوى لنا على عدوّنا» . وكان الذى تولّى كلامه الأشعث بن قيس، فأقبل حتّى نزل النّخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطّنوا على الجهاد لعدوهم أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتّى يسيروا إلى عدوّهم. فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلّا رجالا من وجوه الناس وترك العسكر خاليا.
فلما رأى علىّ ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه فى المسير. وخطبهم مرة بعد أخرى، وحثّهم على الخروج إلى الشام فلم يتهيأ له ذلك. وحيث
стр. 7249
ذكرنا أخبار الخوارج فلن ذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النّهروان .
والله الموفق للصواب.
ذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان
قال: ولما قتل أهل النّهروان خرج أشرس بن عوف الشّيبانىّ على علىّ رضى الله عنه بالدّسكرة فى مائتين، ثم سار إلى الأنبار فوجه إليه علىّ رضى الله عنه الأبرش بن حسان فى ثلاثمائة فواقعه، فقتل الأشرس فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج هلال بن علقمة [١] من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد، فأتى ماسبذان، فوجه إليه علىّ معقل بن قيس الرّياحىّ فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم فى جمادى الأولى منها.
ثم خرج الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث، وهو من بجيلة فى مائة وثمانين رجلا، فأتى المعركة التى أصيب فيها هلال وأصحابه فصلّى عليهم، ودفن من قدر عليه منهم، فوجه علىّ إليه جارية بن قدامة السّعدىّ، وقيل حجر بن عدى؛ فاقتتلوا بجرجرايا [٢] من أرض جوخى فقتل الأشهب وأصحابه فى جمادى الآخرة منها.
ثم خرج سعيد بن قفل التيمىّ من تيم الله بن ثعلبة فى شهر رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل، فأتى درزيجان [٣] وهى من المدائن
стр. 7250
على فرسخين، فخرج إليهم مجيعد بن [١] مسعود فقتلهم فى الشهر المذكور.
ثم خرج أبو مريم السّعدىّ التميمىّ فأتى شهر ذور وأكثر من معه من الموالى.
وقيل: لم يكن معه من العرب غير خمسة نفر، واجتمع معه مائتا رجل، وقيل: أربعمائة. وجاء حتّى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل علىّ إليه يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، وقال: ليس بيننا غير الحرب، فبعث إليه شريح بن هانئ فى سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقى شريح فى مائتين، فانحاز إلى قرية فرجع إليه بعض أصحابه، ودخل الباقون الكوفة، فخرج علىّ بنفسه، وقدّم بين يديه جارية بن قدامة السّعدىّ، فدعاهم جارية إلى طاعة علىّ وحذّرهم القتل، فلم يجيبوا، ودعاهم علىّ أيضا فأبوا عليه، فقتلهم أصحاب علىّ ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فأمّنهم. وكان فى الخوارج أربعون رجلا [جرحى] [٢] فأمر علىّ بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برئوا. وكان قتلهم فى شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثلاثين.