أبو أيوب فقال: «من جاء هذه الراية فهو آمن ممّن لم يقتل ولم يتعرض، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم فى سفك دمائكم» . فقال فروة بن نوفل الأشجعىّ: «والله ما أدرى على أى شىء نقاتل عليا؟: أرى أن أنصرف حتى تتضح لى بصيرتى فى قتاله، أو أتابعه» . فانصرف فى خمسمائة فارس، حتى نزل البندنيجين [١] والدّسكرة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلوا الكوفة.
وخرج إلى علىّ رضى الله عنه نحو مائة، وكان الخوارج فى أربعة آلاف؛ فبقى مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علىّ رضى الله عنه وكان قد قال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدءوكم.
فتنادوا. الرواح إلى الجنة. فحملوا على الناس فافترقت خيل علىّ فرقتين، فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة،، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسّيوف فما لبثوا أن أناموهم، فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا، فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس، وجاءتهم الخيل من نحو علىّ فأهلكوا فى ساعة، فكأنّما قيل لهم موتوا فماتوا.
قال: وأخذ علىّ ما فى عسكرهم من شىء، فأما السّلاح والدّواب
стр. 7247
وما شهر [١] عليه فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه ردّه على أهله حين قدم.
وطاف عدىّ بن حاتم فى القتلى على ابنه طرفة، فدفنه، ودفن رجال قتلاهم، فقال علىّ حين بلغه ذلك تقتلونهم ثم تدفنونهم! ارتحلوا. فارتحل الناس ولم يقتل من أصحاب علىّ إلا سبعة؛ منهم يزيد بن نوبرة وله صحبة [٢] وسابقة.
وهؤلاء الخوارج هم الذين ورد فى أمرهم فى الصحيح [الحديث] [٣]
عن رسول الله ﷺ : «إن قوما يخرجون يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة [٤] علامتهم رجل مخدج اليد [٥] »
فالتمسه علىّ فى القتلى فوجده، فنظر فى عضده فإذا لحم مجتمع كثدى المرأة، وحلمة عليها شعرات سود، فإذا مدّت امتدت حتى تحاذى يده الطّولى، ثم تترك فتعود إلى منكبه. وكان علىّ رضى الله عنه يحدّث الناس بهذا الحديث قبل وقعة الخوارج [٦] .
стр. 7248
وقيل كانت هذه الوقعة فى سنة ثمان وثلاثين.
قال: ولمّا فرغ علىّ رضى الله عنه من هذه الوقعة حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوّكم. قالوا: «يا أمير المؤمنين، نفدت سهامنا، وكلّت سيوفنا، ونصلت [١] أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا [٢] ، فارجع إلى مصرنا. فلنستعدّ [بأحسن عدّتنا] [٣] ولعل أمير المؤمنين يزيد فى عدّتنا فإنه أقوى لنا على عدوّنا» . وكان الذى تولّى كلامه الأشعث بن قيس، فأقبل حتّى نزل النّخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطّنوا على الجهاد لعدوهم أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتّى يسيروا إلى عدوّهم. فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلّا رجالا من وجوه الناس وترك العسكر خاليا.
فلما رأى علىّ ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه فى المسير. وخطبهم مرة بعد أخرى، وحثّهم على الخروج إلى الشام فلم يتهيأ له ذلك. وحيث
стр. 7249
ذكرنا أخبار الخوارج فلن ذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النّهروان .
والله الموفق للصواب.
ذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان
قال: ولما قتل أهل النّهروان خرج أشرس بن عوف الشّيبانىّ على علىّ رضى الله عنه بالدّسكرة فى مائتين، ثم سار إلى الأنبار فوجه إليه علىّ رضى الله عنه الأبرش بن حسان فى ثلاثمائة فواقعه، فقتل الأشرس فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين.
ثم خرج هلال بن علقمة [١] من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد، فأتى ماسبذان، فوجه إليه علىّ معقل بن قيس الرّياحىّ فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم فى جمادى الأولى منها.
ثم خرج الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث، وهو من بجيلة فى مائة وثمانين رجلا، فأتى المعركة التى أصيب فيها هلال وأصحابه فصلّى عليهم، ودفن من قدر عليه منهم، فوجه علىّ إليه جارية بن قدامة السّعدىّ، وقيل حجر بن عدى؛ فاقتتلوا بجرجرايا [٢] من أرض جوخى فقتل الأشهب وأصحابه فى جمادى الآخرة منها.
ثم خرج سعيد بن قفل التيمىّ من تيم الله بن ثعلبة فى شهر رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل، فأتى درزيجان [٣] وهى من المدائن
стр. 7250
على فرسخين، فخرج إليهم مجيعد بن [١] مسعود فقتلهم فى الشهر المذكور.
ثم خرج أبو مريم السّعدىّ التميمىّ فأتى شهر ذور وأكثر من معه من الموالى.
وقيل: لم يكن معه من العرب غير خمسة نفر، واجتمع معه مائتا رجل، وقيل: أربعمائة. وجاء حتّى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل علىّ إليه يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، وقال: ليس بيننا غير الحرب، فبعث إليه شريح بن هانئ فى سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقى شريح فى مائتين، فانحاز إلى قرية فرجع إليه بعض أصحابه، ودخل الباقون الكوفة، فخرج علىّ بنفسه، وقدّم بين يديه جارية بن قدامة السّعدىّ، فدعاهم جارية إلى طاعة علىّ وحذّرهم القتل، فلم يجيبوا، ودعاهم علىّ أيضا فأبوا عليه، فقتلهم أصحاب علىّ ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فأمّنهم. وكان فى الخوارج أربعون رجلا [جرحى] [٢] فأمر علىّ بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برئوا. وكان قتلهم فى شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثلاثين.
стр. 7251
ذكر خلاف الخريت بن راشد التميمى وبنى ناجية على علىّ رضى الله عنه وما كان من أمرهم
قال [١] وفى سنة ثمان وثلاثين أظهر الخرّيت بن راشد الناجى الخلاف على علىّ رضى الله عنه، وكان قد شهد مع علىّ الجمل وصفّين فى ثلاثمائة من بنى ناجية خرجوا إليه من البصرة، وأقاموا معه بالكوفة إلى هذه السنة، فجاء إلى علىّ فى ثلاثين راكبا، فقال له: «يا على والله لا أطيع لك أمرا، ولا أصلّى خلفك، وإنى غدا مفارق لك» .
فقال له على: «ثكلتك أمّك! إذا تعصى ربّك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك؛ خبرنى لم تفعل ذلك؟» قال: «إنك حكّمت الرّجال، وضعفت عن الحق، وركنت إلى القوم الذين ظلموا، فأنا عليك زار وعليهم ناقم، ولكم جميعا مباين» . فقال له علىّ: «هلمّ أدارسك الكتاب، وأناظرك فى السّنن، وأفاتحك أمورا أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر» . قال: فإنى عائد إليك. قال: «لا تستهوينّك الشياطين، ولا يستخفنك الجهّال، والله لئن استرشدتنى وقبلت منى لأهدينك سبيل الرّشاد» . فخرج من عنده منصرفا إلى أهله، وسار من ليلته هو وأصحابه.
فقال زياد بن خصفة البكرىّ: «يا أمير المؤمنين، إنه لم يعظم علينا فقدهم فنأسى عليهم، إنهم قلما يزيدون فى عددنا لو أقاموا، ولقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة
стр. 7252
كثيرة ممن يقدمون عليه [١] من أهل طاعتك، فأذن لى فى اتباعهم حتى أردّهم عليك» . فقال: تدرى أين توجهوا؟ قال: لا، ولكنى أسأل وأتبع الأثر، فقال له: اخرج يرحمك الله، وأنزل دير أبى موسى، وأقم حتى يأتيك أمرى.
فخرج زياد فأتى داره وجمع أصحابه من بكر وائل، وأعلمهم الخبر فسار [معه] [٢] منهم مائة وثلاثون رجلا. فقال: حسبى.
ثم سار فأتى دير أبى موسى فنزله ينتظر أمر على.
وأتى عليا كتاب من قرظة بن كعب الأنصارىّ يخبره أنهم توجهوا نحو، نفّر [٣] ، وأنهم قتلوا رجلا من الدّهاقين، كان قد أسلم، فأرسل علىّ رضى الله عنه إلى زياد يأمره باتباعهم ويخبره خبرهم، وأنهم قتلوا رجلا مسلما، ويأمره بردّهم إليه، فإن أبوا يناجزهم.
وسيّر الكتاب مع عبد الله بن وأل، فاستأذنه فى المسير مع زياد، فأذن له، وسار بالكتاب إلى زياد.
وساروا حتى أتوا نفّر، فقيل: إنهم ساروا نحو جرجرايا، فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذاد [٤] وهم نزول، قد أقاموا يومهم وليلتهم واستراحوا، فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا، فلما رأوهم ركبوا خيولهم، وقال لهم الخرّيت: أخبرونى ما تريدون؟ فقال له زياد- وكان مجربا رفيقا-: «قد ترى ما بنا من التعب، والذى جئناك
стр. 7253
له لا يصلحه الكلام علانية، ولكن ننزل ثم نخلو جميعا، فنتذاكر أمرنا، فإن رأيت ما جئناك به حظا لنفسك قبلته، وإن رأينا فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نرده عليك» . قال: فانزل. فنزل زياد ومن معه على ماء هناك، فأكلوا شيئا وعلفوا دوابهم، ووقف زياد فى خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم وقال: إنّ عدّتنا كعدّتهم، وأرى أمرنا يصير إلى القتال فلا تكونوا أعجز الفريقين. وخرج زياد إلى الخرّيت، فسمعهم يقولون: جاءنا القوم وهم كالّون تعبون فتركناهم حتّى استراحوا، هذا والله سوء الرأى. فدعاه زياد وقال:
ما الذى نقمته [١] على أمير المؤمنين وعلينا حتّى فارقتنا؟» فقال:
«لم أرض صاحبكم إماما، ولا سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشّورى» . فقال له زياد: «وهل يجتمع الناس على رجل يدانى صاحبك الذى فارقته علما بالله وسنّته وكتابه.
مع قرابته من رسول الله ﷺ وسابقته فى الإسلام» ؟
فقال [له] [٢] : «ذلك ما قال لك» . فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلته إنما قتله (طائفة من) [٣] أصحابى. قال: فادفعهم إلينا. قال: ما إلى ذلك سبيل. فدعا زياد أصحابه، ودعا الخرّيت أصحابه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فتطاعنوا بالرماح حتّى لم يبق رمح، وتضاربوا بالسيوف، حتى انحنت، وعقرت عامّة خيولهم، وكثرت الجراحة فيهم، وقتل من أصحاب
стр. 7254
زياد رجلان، ومن أولئك خمسة، وجاء الليل فحجز بينهم، وقد كره بعضهم بعضا، وجرح زياد. فسار الخرّيت من الليل، وسار زياد إلى البصرة.
وأتاهم خبر الخرّيت أنه أتى الأهواز فنزل بجانب منها، وتلاحق به ناس من أصحابه فصاروا نحو مائتين، وكتب زياد إلى علىّ رضى الله عنه بخبرهم، وأنه مقيم يداوى الجرحى وينتظر أمره.
فلما قرأ على كتابه قام معقل بن قيس فقال: «يا أمير المؤمنين، كان ينبغى أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل واحد عشرة، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم عددهم فلعمرى ليصبرنّ لهم، فإن العدّة تصبر للعدة» . فقال على تجهز يا معقل إليهم، وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن معقل [١] الأزدى وكتب على إلى ابن عباس يأمره أن يبعث من أهل البصرة رجلا شجاعا معروفا بالصلاح فى ألفى رجل إلى معقل، وهو أمير أصحابه حتّى يأتى معقلا، فإذا لقيه كان معقل الأمير، وكتب إلى زياد بن خصفة يشكره ويأمره بالعود.
قال: واجتمع على الخرّيت علوج كثير من أهل الأهواز أرادوا كسر الخراج، ولصوص وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه، وطمع أهل الخراج [فى كسره] [٢] ، فكسروه، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس
стр. 7255
(وكان عاملا لعلىّ فى قول من يزعم أنه لم يمت فى سنة سبع وثلاثين) .
فقال ابن عبّاس لعلىّ: أنا أكفيك فارس بزياد؛ يعنى ابن أبيه، فأمره بإرساله إليها، فأرسله فى جمع كثير، فوطىء بلاد فارس، فأدّوا الخراج واستقاموا.
قال: وسار معقل بن قيس، وقدم الأهواز، وأقام ينتظر مدد البصرة، فأبطئوا عليه، فسار يطلب الخرّيت، فلم يسر يوما حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان الطائى، فساروا جميعا فلحقوهم بقرب جبل من جبال رامهرمز، فصفّ معقل أصحابه، فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل [١] ، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضّبىّ من أهل البصرة. وصفّ الخرّيت أصحابه، فجعل من معه من العرب ميمنة، ومن معه من أهل البلد والعلوج [٢] ميسرة ومعهم الأكراد، فحرّك معقل دابّته [٣] مرتين، ثم حمل فى الثالثة، فصبروا له ساعة ثم انهزموا، فقتل أصحاب معقل منهم سبعين من بنى ناجية ومن معهم من العرب، وقتلوا نحوا من ثلاثمائة من العلوج والأكراد.
وانهزم الخرّيت فلحق بأسياف البحر وبها جماعة كبيرة من قومه، فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علىّ، ويخبرهم أن الهدى فى حربه، حتى ابتعه منهم ناس كثير.
وأقام معقل بأرض الأهواز، وكتب إلى علىّ رضى الله عنه بالفتح فقرأ علىّ الكتاب على أصحابه واستشارهم، فقالوا كلهم: نرى
стр. 7256
أن تأمر معقلا يتبع آثار الفاسق حتّى يقتله أو ينفيه، فإنّا لا نأمن أن يفسد عليك الناس. فكتب إلى معقل يثنى عليه وعلى من معه، ويأمره باتباعه وقتله أو نفيه.
فسأل معقل عنه فأخبر بمكانه بالأسياف، وأنه قد ردّ قومه عن طاعة علىّ وأفسد من عنده من عبد القيس وسائر العرب. وكان قومه قد منعوا الصّدقة عام صفّين وذلك العام، فسار إليهم معقل وأخذ على فارس فانتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخرّيت بمسيره قال لمن معه من الخوارج: أنا على رأيكم وإن عليّا لم ينبغ له أن يحكّم. وقال للآخرين من أصحابه: إنّ عليّا حكّم ورضى فخلعه حكمه الذى ارتضاه. وقال سرّا للعثمانية. أنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوما. فأرضى كلّ صنف منهم. وقال لمن منع الصدقة: شدّوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها أرحامكم، وكان فيها نصارى كثير قد أسلموا؛ فلما اختلف الناس قالوا: والله لديننا الذى خرجنا منه خير من دين هؤلاء الذى لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء، فقال لهم الخرّيت، ويلكم [١] ، لا ينجيكم من القتل إلا قتال هؤلاء القوم والصبر، فإنّ حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن يقتل ولا يقبلون منه توبة ولا عذرا. فخدعهم وجمعهم وأتاهم من كان من بنى ناجية وغيرهم خلق كثير.
فلما انتهى معقل إليه نصب راية أمان؛ وقال: «من أتاها من الناس فهو آمن إلّا الخرّيت وأصحابه الذين حاربونا أول مرة» .
فتفرق عن الخرّيت جل من كان معه من غير قومه. وعبّأ معقل
стр. 7257
أصحابه، وزحف بهم نحو الخرّيت ومعه أصحابه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الزكاة منهم، وحرّض كلّ واحد منهما أصحابه، ثم حمل معقل ومن معه فقاتلوا قتالا شديدا وصبروا، ثم إن النّعمان بن صهبان [الراسبى] [١] بصر بالخرّيت، فحمل عليه فطعنه، فصرع عن دابّته، ثم اختلفا ضربتين، فقتله النعمان؛ وقتل معه فى المعركة سبعون ومائة رجل، وذهب الباقون يمينا وشمالا، وسبى معقل من أدركه من حريمهم وذراريهم، وأخذ رجالا كثيرا، فأما من كان مسلما فخلّاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأمّا من كان ارتّد فعرض عليهم الإسلام، فرجعوا، فخلّى سبيلهم وسبيل عيالهم، إلّا شيخا نصرانيا منهم يقال له الرّماحس لم يسلم فقتله.
وجمع من منع الصدقة، وأخذ منهم صدقة عامين.
واحتمل الأسارى وعيالهم وأقبل بهم، وشيعهم المسلمون، فلما ودّعوهم بكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض حتّى رحمهم الناس.
ثم مرّ بهم حتى أقبل على مصقلة بن هبيرة الشّيبانى، وهو عامل علىّ على أردشير [٢] خرّه، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال: «يا أبا الفضل، يا حامى الرجال، ومأوى العضب [٣] وفكّاك العناة [٤] ، امنن علينا فاشترنا وأعتقنا» . فقال مصقلة:
أقسم بالله لأتصدّقنّ عليكم إنّ الله يجزى المتصدقين [٥] . فاشتراهم
стр. 7258
من معقل بخمسمائة ألف، فقال له معقل: عجّل المال إلى أمير المؤمنين.
فقال أنا باعث الآن بعضه ثم [أبعث كذلك] [١] حتى لا يبقى منه شىء؛ وأقبلى معقل إلى علىّ فأخبره بما كان منه فاستحسنه.
وبلّغ عليا أنّ مصقلة أعتق الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه بشىء، فقال: ما أظنّ مصقلة إلّا قد تحمل حمالة سترونه عن قريب منها مبلدا، وكتب إليه بحمل المال أو يحضر عنده، فحضر عنده، وحمل من المال مائتى ألف.
قال ذهل بن الحارث: فاستدعانى مصقلة ليلة فطعمنا، ثم قال:
إن أمير المؤمنين يسألنى هذا المال [٢] ولا أقدر عليه. فقلت:
والله لو شئت ما مضت جمعة حتى تحمله. فقال: «والله ما كنت لأحمّلها قومى؛ أما والله لو كان ابن هند [٣] ما طالبنى بها، ولو كان ابن عفّان لو هبها لى» . قال فقلت: إن هذا لا يرى ذلك الرأى، لا يترك منها شيئا. فهرب مصقلة من ليلته فلحق بمعاوية.
وبلغ عليا ذلك فقال: ما له أقرحه الله! فعل فعل السيّد وفرّ فرار العبد، وخان خيانة الفاجر، أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على دينه [٤] ، فإن وجدنا [٥] له شيئا أخذناه وإلّا تركناه» . ثم سار علىّ إلى داره فهدمها، وأجاز عتق السّبى، وقال: أعتقهم مبتاعهم وصارت أثمانهم دينا على معتقهم.
стр. 7259
وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعة لعلىّ، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب، اسمه حلوان يقول له: «إن معاوية قد وعدك الإمارة والكرامة، فأقبل ساعة يلقاك رسولى والسلام [عليك] [١] فأخذه مالك بن كعب الأرحبىّ فسرحه إلى علىّ رضى الله عنه، فقطع علىّ يده، فمات. وكتب [٢] نعيم إلى أخيه يلومه على لحاقه بالشام، وما فعله من هربه.. وأتاه [٣] التغلبيون فطلبوا منه دية صاحبهم فوداه لهم. وقال مصقلة:
لعمرى لئن عاب أهل العراق ... علىّ انتعاش بنى ناجيه
لأعظم من عتقهم رقهم ... وكفّى بعتقهمو حاليه [٤]
وزايدت فيهم لإطلاقهم ... وغاليت إن العلا غاليه [٥]
وحيث ذكرنا من أخبار علىّ ما قدمناه، فلنذكر ما وقع فى مدة خلافته خلاف ذلك على حكم السنين.
стр. 7260
ذكر ما اتفق فى مدة خلافته رضى الله عنه
خلاف ما قدمنا ذكره على حكم السنين مما هو متعلق به خاصة، خلاف ما هو مختص بمعاوية فإنا نذكره فى أخباره إن شاء الله تعالى
سنة ست وثلاثين ذكر ولاية قيس بن سعد مصر
وما كان بينه وبين معاوية من المكاتبة وما أشاعه معاوية عنه حتّى عزله علىّ رضى الله عنه عن مصر واستعمل محمد بن أبى بكر الصّديق رضى الله عنهما.
قال: وفى سنة ست وثلاثين فى ثالث صفر بعث علىّ رضى الله عنه قيس بن سعد بن عبادة أميرا على مصر، وقال له: «سر إلى مصر قد ولّيتكها واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتّى تأتيها ومعك جند؛ فإن ذلك أرعب لعدوك وأعزّ لوليك، وأحسن [١] إلى المحسن، واشدد على المريب، وارفق بالعامّة والخاصّة، فإن الرّفق يمن» . فقال له قيس: «أمّا قولك أخرج إليها بجند فو الله لئن لم أدخلها إلّا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدا، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن كنت احتجت إليهم كانوا قريبا منك وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدّة» .
وخرج قيس حتى دخل مصر [٢] فى سبعة من أصحابه كما ذكرنا ذلك. ولما قدم صعد المنبر وجلس عليه، وأمر بكتاب علىّ رضى الله عنه فقرىء على أهل مصر بإمارته عليهم، ويأمرهم بمتابعته ومساعدته
стр. 7261
وإعانته على الحقّ. ثم قام قيس فقال: «الحمد لله الذى جاء بالحق، وأمات الباطل وكبت الظالمين، أيّها الناس: إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن نحن لم [نعمل] [١] لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم» . فقام الناس فبايعوه.
واستقامت مصر، وبعث قيس عليها عمّاله إلّا قرية يقال لها خربتا [٢] فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان، عليهم رجل من بنى كنانة ثم من بنى مدلج اسمه يزيد بن الحارث. وكان مسلمة بن مخلّد أيضا قد أظهر الطلب بدم عثمان، فأرسل إليه قيس» : ويحك!.
أعلىّ تثب؟! فو الله ما أحبّ أن لى ملك الشام إلى مصر وأنى قتلتك» .
نبعث إليه مسلمة: إنى كاف عنك ما دمت أنت والى مصر. وبعث قيس إلى أهل خربتا إنى لا أكرهكم على البيعة، وإنى أكفّ عنكم. فهادنهم وجبى الخراج، ليس أحد ينازعه.
فكان قيس أثقل خلق الله على معاوية، لقربه من الشام ومخافة أن يقبل علىّ فى أهل العراق، وقيس فى أهل مصر، فيقع بينهما، فكتب معاوية إلى قيس: «سلام [٣] عليكم؛ أمّا بعد، فإنكم نقمتم [٤] على عثمان ضربة بسوط، أو شتمة لرجل، أو تسيير آخر، أو استعمال فتى، وقد علمتم أن دمه لا يحلّ لكم؛ فقد ركبتم عظيما
стр. 7262
وجئتم أمرا إدّا، فتب إلى الله يا قيس، فإنك من المجلبين على عثمان، فأمّا صاحبك، فإذا استيقنّا أنه أغرى به الناس، وحملهم حتّى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، وتابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لى سلطان، وسلنى ما شئت فإنى أعطيكه، واكتب إلىّ برأيك» .
فلما أتاه الكتاب أحبّ أن يدافعه ولا يبدى له أمره، ولا يتعجل إلى حربه، فكتب إليه: «أمّا بعد، فقد [بلغنى كتابك و] [١] فهمت ما ذكرته [فيه، فأمّا ما ذكرت] [١] من قتل عثمان، فذلك شىء لم أفارقه، وذكرت أن صاحبى هو الذى أغرى به حتّى قتلوه فهذا ما لم أطلع عليه، وذكرت أن عظم عشيرتى لم تسلم [من دم عثمان] [١] فأوّل الناس كان فيها قياما عشيرتى، وأمّا ما عرضته من متابعتك فهذا أمر لى فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كافّ عنك، وليس يأتيك من قبلى ما تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى» .
فلما قرأ معاوية كتابه رآه مقاربا مباعدا [٢] ، فكتب إليه:
«أمّا بعد، فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدّك سلما، ولا تتباعد فأعدّك حربا، وليس مثلى يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنّة الخيل، والسلام.
стр. 7263
فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا تفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما فى نفسه، فكتب إليه: «أما بعد، فالعجب من اغترارك بى وطمعك فىّ، واستسقاطك رأيى، أتسومنى الخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله ﷺ وسيلة، وتأمرنى بالدخول فى طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزّور، وأضلّهم سبيلا، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس. وأمّا قولك: إنّى مالئ عليك مصر خيلا ورجلا [١] ، فو الله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهمّ إليك إنك لذو وجد [٢] ، والسلام.
فلما رأى معاوية كتابه أيس منه، وثقل عليه مكانه، ولم تنجع حيله فيه فكاده، من قبل علىّ، فقال لأهل الشام: لا تسبّوا قيس بن سعد، ولا تدعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، تأتينا كتبه ورسله ونصيحته لنا سرا، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجرى عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويحسن إليهم. وافتعل كتابا [٣] عن قيس بالطّلب بدم عثمان، والدخول معه فى ذلك، وقرأه على أهل الشام.
فبلغ ذلك عليا فأعظمه وأكبره، ودعا ابنيه وعبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، دع ما يربيك إلى
стр. 7264
إلى ما لا يريبك [١] اعزل قيسا عن مصر. فقال: والله إنى لا أصدّق بهذا عنه. فقال عبد الله: اعزله، فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك.
فبينما هم كذلك إذ جاء كتاب قيس يخبر بحال المعتزلين وكفّه عن قتالهم، فقال ابن جعفر: ما أخوفنى أن يكون ذلك ممالأة منه، فمره بقتالهم، فكتب إليه يأمره بقتالهم، فأجابه: «أما بعد، فقد عجبت لأمرك! تأمرنى بقتال قوم كافّين عنك، مفرغيك لعدوّك ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوّك؛ فأطعنى يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم، فإن الرأى تركهم، والسلام.
فلما قرأ الكتاب قال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين؛ ابعث محمد ابن أبى بكر [٢] على مصر واعزل قيسا. فبعث محمدا إلى مصر- وقيل:
بعث الأشقر النّخعىّ فمات بالطريق فبعث محمدا- فقدم محمد على قيس بمصر، فقال له قيس: «ما بال أمير المؤمنين؟ ما غيّره؟ أدخل أحد بينى وبينه؟» قال: لا، وهذا السلطان سلطانك. قال، لا:
والله لا أقيم.
وخرج إلى المدينة وهو غضبان، فأخافه مروان بن الحكم فخرج من المدينة هو وسهيل بن حنيف إلى علىّ رضى الله عنه فشهدا معه صفّين، فبعث معاوية إلى مروان يتغيظ عليه ويقول له: لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل كان أيسر عندى من قيس بن سعد فى رأيه ومكانه.
стр. 7265
ولما قدم قيس على علىّ وأخبره الخبر، علم أنه كان يقاسى أمورا عظاما من المكايد وعظم محلّ قيس عنده وأطاعه فى الأمر كله.
قال. وأما محمد بن أبى بكر فإنه لما قدم مصر قرأ كتاب علىّ رضى الله عنه إلى أهل مصر عليهم، ثم قام فقال: «الحمد لله الذى هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحقّ، وبصرنا وإياكم كثيرا مما كان عمى عنه الجاهلون، ألا إنّ أمير المؤمنين ولّانى أمركم، وعهد إلىّ ما سمعتم، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتى وأعمالى طاعة لله فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادى له، وإن رأيتم عاملا لى بغير الحقّ فارفعوه إلى وعاتبونى فيه، فإنى بذلك أسعد وأنتم جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته» . ثم نزل.
فلم يلبث إلا شهرا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كانوا قد وادعهم قيس بن سعد، فقال لهم: إما أن تدخلوا فى طاعتنا وإما أن تخرجوا عن بلادنا. فأجابوه: إنّا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرنا إليه، ولا تعجل بحربنا. فأبى عليهم، فامتنعوا وأخذوا حذرهم، وكانت وقعة صفّين وهم هائبون لمحمد، فلما رجع علىّ ومعاوية وصار الأمر إلى التحكيم طمعوا فيه، وأظهروا له المبارزة، فبعث محمد الحارث بن جهمان [١] الجعفىّ إلى أهل خربتا فقاتلهم فقتلوه، فبعث إليهم رجلا من كلب يدعى ابن مضاهم فقتلوه. ثم كان من خبر محمد بن أبى بكر ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 7266
وفى هذه السنة قدم أبراز مرزبان مرو إلى علىّ رضى الله عنه بعد الجمل مقرا بالصلح، فكتب له كتابا إلى دهاقين مرو والأساورة ومن بمرو، ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور، فبعث علىّ خليد بن قرّة- وقيل:
ابن طريف- اليربوعىّ إلى خراسان.
وفيها مات حذيفة بن اليمان قبل وقعة الجمل.
وفيها مات سلمان الفارسىّ فى قول بعضهم، وكان عمره مائتين وخمسين سنة هذا أقلّ ما قيل فيه، وقيل: ثلاثمائة وخمسين سنة، وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح ﵊.
وفيها استعمل علىّ رضى الله عنه على الرّىّ يزيد بن حجيّة التّيمىّ (تيم الّلات) فكسر من خراجها ثلاثين ألفا، فكتب إليه علىّ يستدعيه، فحضر فسأله عن المال، وقال: أين ما غللته من المال؟ فقال: ما أخذت شيئا؛ فخفقه بالدّرة خفقات وحبسه، فوكل به سعدا مولاه فهرب منه يريد الشام، فسوغه معاوية المال، فكان ينال من على، وبقى بالشام إلى أن اجتمع الأمر لمعاوية، فسار معه إلى العراق فولّاه الرىّ. وقيل: إنه شهد مع علىّ الجمل وصفّين والنّهروان، ثم ولّاه بعد ذلك الرىّ وهو الصحيح.
سنة سبع وثلاثين
فيها بعث علىّ رضى الله عنه جعدة بن هبيرة المخزومى إلى خراسان بعد عودته من صفّين، فانتهى إلى نيسابور، وقد كفروا وامتنعوا
стр. 7267
فرجع إلى علىّ، فبعث خليد بن قرّة اليربوعى، فحاصر أهلها حتى صالحوه وصالحه أهل مرو.
وحجّ بالناس فى هذه السّنة عبيد الله بن عباس [١] رضى الله عنهما.
سنة ثمان وثلاثين
فى هذه السّنة ملك عمرو بن العاص مصر، وقتل محمد بن أبى بكر على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار معاوية.
ذكر خبر عبد الله بن الحضرمى حين بعثه معاوية إلى البصرة وما كان من أمره إلى أن قتل
وفى هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبى بكر بعث معاوية عبد الله ابن عمرو الحضرمىّ إلى البصرة، وقال له: إنّ جلّ أهلها يرون رأينا فى عثمان، وقد قتلوا فى الطلب بدمه، فهم لذلك حنقون يودّون أن يأتيهم من يجمعهم، وينهض بهم فى الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فانزل فى مضرو تودّد للأزد فإنهم كلّهم معك، وادع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم؛ لأنهم ترابيّة [٢] كلّهم وأحذرهم.
فسار ابن الحضرمىّ حتّى قدم البصرة، وكان ابن عباس قد خرج إلى على بالكوفة، واستخلف زياد ابن أبيه على البصرة، فنزل ابن الحضرمىّ فى بنى تميم، فأتاه العثمانية وحضره غيرهم، فخطبهم وقال: «إن إمامكم إمام الهدى قتل مظلوما، قتله علىّ فطلبتم بدمه، فجزاكم الله خيرا» .
стр. 7268
فقام الضحاك بن قيس [١] الهلالىّ وكان على شرطة ابن عباس فقال: قبّح الله ما جئتنا به، وما تدعونا إليه، وسبّه، وذكر فضل علىّ رضى الله عنه،.
فقال عبد الله بن خازم [٢] السّلمىّ للضحاك: اسكت، فلست بأهل أن تتكلم، ثم أقبل على ابن الحضرمىّ فقال: نحن أنصارك ويدك، والقول قولك، اقرأ كتابك. فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكّرهم فيه آثار عثمان، ويدعوهم إلى الطلب بدمه، ويضمن أنه يعمل فيهم بالسّنّة، ويعطيهم عطاءين فى كلّ سنة.
فلما فرغ من قراءته قام الأحنف، فقال: لا ناقتى فى هذا ولا جملى.
واعتزل القوم.
وقام عمرو بن مرجوم [٣] العبدىّ [٤] فقال: أيها الناس، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة.
وكان العباس بن صحار العيدىّ مخالفا لقومه فى حبّ علىّ، فقام وقال: لننصرّنك بأيدينا وألسنتنا. فقال له المثنى بن مخرّبة [٥] العبدىّ: والله لئن لم ترجع إلى المكان الذى جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا، ولا يغرنك هذا الذى تكلم. (يعنى ابن صحار) .
стр. 7269
فقال ابن الحضرمىّ لصبرة بن شيمان: أنت ناب من أنياب العرب فانصرنى. فقال: لو نزلت فى دارى لنصرتك.
فلما رأى زياد ذلك خاف، فاستدعى حضين بن المنذر ومالك ابن مسمع، وقال: أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته، وقد كان من ابن الحضرمىّ ما ترون، وأتاه من أتاه، فامنعونى حتى يأتى [أمر] [١] أمير المؤمنين» . فقال حضين بن المنذر:
نعم. وقال مالك- وكان يميل إلى بنى أمية-. هذا أمر لى فيه شركاء أستشير فيه وأنظر [٢] .
فلما رأى زياد تثاقل مالك أرسل إلى صبرة بن شيمان الحدّانىّ الأزدىّ يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين، فقال: إن حملته إلى دارى أجرتكما، فنقله إلى داره بالحدّان ونقل المنبر، فكان يصلّى الجمعة بمسجد الحدّان.
وكتب زياد إلى علىّ رضى الله عنه بالخبر، فأرسل إليه أعين ابن ضبييعة المجاشعىّ ثم التميمى، ليفرق قومه عن ابن الحضرمى، فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه، وكتب إلى زياد يعلمه ذلك.
فقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده، وجمع رجالا وأتى قومه، ونهض إلى ابن الحضرمىّ ومن معه فدعاهم فشتموه، وواقفهم نهاره، ثم انصرف عنهم، فدخل عليه قوم، قيل: إنهم من الخوارج، وقيل: وضعهم ابن الحضرمى على قتله، فقتلوه غيلة، فلما قتل أعين أراد زياد قتالهم، فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا لم نتعرض لجاركم
стр. 7270
فما تريدون إلى جارنا؟ فكرهت الأزد قتالهم، وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناه.
وكتب زياد إلى على بخبر أعين وقتله، فأرسل علىّ جارية بن قدامة السّعدىّ وهو من بنى سعد من تميم، وبعث معه خمسين رجلا من تميم، وقيل: خمسمائة رجل، وكتب إلى زياد يأمره بمعونته والإشارة عليه.
فقدم جارية البصرة، فحذّره زياد ما أصاب أعين، فقام جارية فى الأزد وجزاهم خيرا، وقال: عرفتم الحقّ إذ جهله غيركم. وقرأ كتاب علىّ إلى أهل البصرة يوبّخهم ويتهددهم ويعنفهم ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها هباء. فقال صبرة ابن شيمان: سمعا لأمير المؤمنين وطاعة: نحن حرب لمن حاربه، وسلم لمن سالمه. وصار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علىّ رضى الله عنه ووعدهم، فأجابه أكثرهم.
فسار إلى ابن الحضرمىّ ومعه الأزد ومن تبعه من قومه، وعلى خيل ابن الحضرمىّ عبد الله بن حازم السّلمىّ، فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك ابن الأعور فصار مع جارية، فانهزم ابن الحضرمىّ فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن حازم، [فأتته] [١] أمه عجلى وكانت حبشية، فأمرته بالنزول فأبى، فقالت: والله لتنزلنّ أو لأنزعنّ ثيابى. فنزل ونجا، وأحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرمىّ وسبعون رجلا منهم معه، وعاد زياد إلى القصر.
стр. 7271
قال وكان قصر سنبيل لفارس وصار لسنبيل السعدىّ، وحوله خندق.
وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر، فقال عمرو بن العرندس:
رددنا زيادا إلى داره ... وجار تميم دخانا ذهب
لحا الله قوما شووا جارهم ... ولم يدفعوا عنه حرّ اللهب
وقال جرير [١] :
غدرتم بالزّبير فما وفيتم ... وفاء الأزد إذ منعوا زيادا
فأصبح جارهم بنجاة عزّ ... وجار مجاشع أمسى رمادا
فلو عاقدت حبل أبى سعيد ... لذاد القوم ما حمل النّجادا
وأدنى الخيل من رهج المنايا ... وأغشاها إلا سنّة والصّعادا [٢]
قال [٣] : وحجّ بالناس فى هذه السّنة قثم بن العبّاس من قبل علىّ [٤] رضى الله عنهم.
سنة تسع وثلاثين
فى هذه السّنة بثّ معاوية سراياه فى بلاد على رضى الله عنه، فكان من خبرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار معاوية.
وفيها استعمل علىّ رضى الله عنه زياد بن أبيه على كرمان وفارس فضبطها بعد أن اضطربت أمورها [٥] .
стр. 7272
وحجّ بالناس فى هذه السّنة عبيد الله بن عباس من قبل علىّ، وقيل:
قثم بن العباس، وقيل: إن معاوية بعث يزيد بن شجرة الرّهاوىّ ليحجّ [بالناس فاختلف هو وعبيد الله بن عباس، ثم اتفقا على أن يحج] [١] بالناس شيبة بن عثمان فحّج. والله أعلم.
وفيها توجّه الحارث بن مرّة العبدى إلى بلاد السّند غازيا متطوعا بأمر علىّ رضى الله عنه فغنم وأصاب سبيا كثيرا، وقسم فى يوم واحد ألف رأس وبقى غازيا إلى أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه [إلا قليلا] [٢] فى سنة اثنتين وأربعين.
سنة اربعين
فى هذه السّنة بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى الحجاز واليمن، ففعل من الأفعال القبيحة وسفك من الدماء المحرمة ما نذكره فى أخبار معاوية.
وفيها جرت مهادنة بين علىّ ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب، ويكون لعلى العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة، واتفقا على ذلك.
وفيها فارق عبد الله بن عباس البصرة ولحق بمكة فى قول أكثر أهل التاريخ، وسبب ذلك أنه مر بأبى الأسود فقال له: «لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا لما بلغت المرعى» .
فكتب أبو الأسود إلى علىّ رضى الله عنه: « ... إن ابن عمك قد أكل
стр. 7273
ما تحت يده بغير علمك، ولم يسعنى كتمانك رحمك الله، فانظر فيما هناك وكتب إلىّ برأيك فيما أحببت والسلام» .
فكتب إليه علىّ: «أما بعد فمثلك من نصح الإمام والأمة، ووالى على الحقّ، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلىّ، ولم أعلمه بكتابك فلا تدع إعلامى بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك والسلام.
وكتب إلى ابن عباس فى ذلك، فكتب إليه ابن عباس: «أمّا بعد فإن الذى بلغك باطل، وإنى لما تحت يدى ضابط، وله حافظ، فلا تصدّق الظّنين [١] والسلام. فكتب إليه علىّ: أمّا بعد، فأعلمنى ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت، وفيما وضعت» .
فكتب إليه ابن عباس: «أمّا بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنى [٢] رزأته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت فإنّى ظاعن عنه والسلام» .
واستدعى أخواله بنى هلال بن عامر، فاجتمعت معه قيس كلها، فحمل مالا وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل البصرة، فلحقوه بالطّفّ يريدون أخذ المال فقال قيس: والله لا يوصل إليه وفينا عين تطرف. فقال صبرة بن شيمان الحدّانىّ: «يا معشر الأزد إن قيسا إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدوّ، وإن الذى يصيبكم من هذا المال القليل، وهم لكم خير من المال» . فأطاعوه، فانصرفوا وانصرف معهم بكر وعبد القيس.. وقاتلهم بنو تميم فنهاهم الأحنف، فلم يسمعوا
стр. 7274
منه، فاعتزلهم، وقاتلهم بنو تميم فحجز الناس بينهم.. ومضى ابن عباس إلى مكة المشرفة.
وقيل بل أقام بالبصرة إلى أيام الحسن- رضى الله عنه وأرضاه، وشهد صلح الحسن ومعاوية.
والأول أصح، والذى شهد الصلح عبيد الله بن عباس.
ذكر مقتل على بن أبى طالب رضى الله عنه وشىء من سيرته
كان مقتله فى شهر رمضان سنة أربعين ليلة الجمعة. قيل: لسبع عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لإحدى عشرة ليلة. وقيل: فى شهر ربيع الآخر. والأول أصح.
وقاتله عبد الرحمن بن ملجم المرادىّ ثم التّجوبىّ [١] ، وأصله من حمير، ولم يختلفوا [٢] فى أنه حليف لمراد، وعداده فيهم.
وكان سبب قتله أن عبد الرحمن هذا، والبرك بن عبد الله التّميمى الصريمى واسمه الحجاج، وعمرو بن بكر التّميمىّ السّعدىّ وهم من الخوارج، اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس، وعابوا ولاتهم، ثم ذكروا أهل النّهروان، وقالوا: «ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا نفوسنا، وقتلنا أئمة الضّلالة، وأرحنا منهم البلاد!» . فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا. وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية
стр. 7275
وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا على ذلك، وسمّوا سيوفهم واتّعدوا لسبع عشرة من رمضان، وقصد كل منهم الجهة التى يريدها.
فأما البرك بن عبد الله فإنه توجه إلى معاوية، فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف فوقع فى أليته، وأخذ فقتل. وقيل: لم يقتله وإنما قطع يده ورجله. وبعث معاوية إلى الساعدىّ، وكان طبيبا، فقال له: «اختر إمّا أن أحمى حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد» . فقال: «أمّا النار فلا صبر لى عليها، وأما الولد ففى يزيد وعبد الله ما تقرّ به عينى. فسقاه شربة فبرئ ولم يولد له بعدها.
وأما عمرو بن بكر- فإنه جلس لعمرو بن العاص فى تلك الليلة، فما خرج لشكاية نالته فى بطنه، فأمر خارجة ابن حبيبة- وكان صاحب شرطته- أن يصلى بالناس، فخرج ليصلّى، فشدّ عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص فقتله. فأتى به إلى عمرو فقال: من هذا؟.
قالوا: عمرو. قال ومن قتلت؟ قالوا: خارجة. قال:
أما والله ما ظننته غيرك. فقال: أردتنى وأراد الله خارجة؛ وقتله عمرو.
هكذا نقل ابن الأثير فى تاريخه الكامل [١] فى هذه الواقعة فى القاتل والمقتول.
стр. 7276
وقال أبو عمر بن عبد البر [١] : إن القاتل اسمه زادويه رجل من بنى العنبر بن عمرو بن تميم، قال وقيل: مولى لبنى العنبر. وفى المقتول إنه خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد ابن عويج بن عدّى بن كعب القرشىّ العدوىّ، وأمه فاطمة بنت عمرو بن بجرة العدويّة. وقال فى ترجمته: كان أحد فرسان قريش، يقال: إنه كان يعدل بألف فارس، قال: وذكر بعض أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر ليمدّه بثلاثة آلاف فارس، فأمدّه بالزّبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة هذا، وقال: إنه لما قتل وأدخل القاتل على عمرو فقال: من هذا الذى تدخلونى عليه؟ فقالوا: عمرو بن العاص، فقال: ومن قتلته؟
قيل: خارجة، فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، وقيل: إن ذلك من كلام عمرو كما تقدم. وفى ذلك يقول عبد الجيد بن عبدون:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليا بمن شاءت من البشر
وأمّا عبد الرحمن بن ملجم- لعنه الله تعالى آمين- فإنه أتى الكوفة واشترى سيفا بألف، وسقاه السم حتى لقطه، وكان فى خلال ذلك يأتى عليا رضى الله عنه فيسأله فيعطيه، ويستحمله فيحمله، إلى أن وقعت عينه على قطام بنت علقمة، وهى تيم الرّباب، وقيل هى منى بنى عجل بن لجيم، وكانت ترى رأى الخوارج، وكان علىّ قد قتل أباها وإخوتها بالنّهروان، وكانت امرأة رائعة جميلة، فأعجبته وأخذت بمجامع قلبه، فخطبها، فقالت: لقد آليت أن لا أتزوج إلّا على مهر لا أريد سواه. فقال: وما هو؟ فقالت: ثلاثة آلاف
стр. 7277
درهم وعبد وقينة وقتل على بن أبى طالب. فقال: «والله لقد قصدت لقتل على بن أبى طالب والفتك به، وما أقدمنى إلى هذا المصر غير ذلك، ولكنى لما رأيتك آثرت تزويجك» . فقالت: ليس إلّا الذى قلت لك. فقال لها: «وما يعنيك أو يعنينى [١] منك قتل علىّ؟ وأنا أعلم أنى إن قتلته لم أفت» . فقالت: «إن قتلته ونجوت فهو الذى أردت، تبلغ شفاء نفسى ويهنيك العيش معى، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها» . فقال لها: لك ما اشترطت ففى ذلك يقول ابن ملجم:
ثلاثة آلاف وعبد وقيّنة ... وضرب علىّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أغلى من علىّ وإن غلا ... ولا فتك إلّا دون فتك ابن ملجم
[وقد رويت هذه لغيره، وأولها:] [٢]
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم
وقالت قطام له: إنى سألتمس لك من يشدّ ظهرك. فبعثت إلى ابن عم لها يدعى وردان بن مجالد، فأجابها.
ولقى ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعى فقال له: يا شبيب هل لك فى شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: تساعدنى على قتل علىّ بن أبى طالب، فقال: «ثكلتك أمّك! لقد جئت شيئا إدّا، كيف تقدر على ذلك؟» قال: «إنه رجل لا حرس له، ويخرج إلى المسجد منفردا دون من يحرسه، فنكمن له فى المسجد،
стр. 7278
فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه، فإن نجونا نجونا، وإن قتلنا سعدنا بالذكر فى الدنيا وبالجنة فى الآخرة» . فقال: «ويلك! إن عليا ذو سابقة فى الإسلام وفضل، والله ما تنشرح نفسى لقتله» .
قال: «ويلك! إنه حكّم الرجال فى دين الله، وقتل إخواننا الصالحين، فنقتله ببعض من قتل، فلا تشكّن فى دينك» . فأجابه، وأقبلا حتى دخلا على قطام، وهى معتكفة فى المسجد الأعظم فى قبّة ضربتها لنفسها، فدعت لهم.
وأخذوا أسيافهم وجلسوا قبالة السّدّة التى يخرج منها علىّ رضى الله عنه، فخرج إلى صلاة الصبح يوم الجمعة، فبدره شبيب فضربه فأخطأه، ووقع سيفه بعضادة الباب، وضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأسه، وقال: الحكم لله يا علىّ لا لك ولا لأصحابك. فقال علىّ رضى الله عنه: فزت ورب الكعبة! لا يفوتنكم الكلب!.
وهرب شبيب خارجا من باب كندة، فلحقه رجل من حضرموت يقال له: عويمر، فصرعه، وأخذ سيفه، وجلس على صدره فصاح الناس: عليكم بصاحب السيف، فخاف عويمر على نفسه فتركه ونجا، فهرب شبيب فى غمار الناس.
وهرب وردان إلى منزله، فأتاه رجل من أهله، فأخبره وردان بما كان، فانصرف وجاء بسيفه وقتل وردان.
وأما ابن ملجم فإنه لما ضرب عليّا حمل على الناس، فأفرجوا له، فتلقّاه المغيرة بن الحكم بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، فرمى عليه قطيفة واحتمله وصرعه وقعد على صدره.
стр. 7279
واختلفوا: هل ضربه فى الصلاة؟ أو قبل الدخول فيها؟ وهل استخلف من أتمّ بهم الصلاة أو هو أتمها؟ قال أبو عمر بن عبد [١] البر: والأكثر أنه استخلف جعدة [٢] بن هبيرة، فصلّى بهم تلك الصلاة.
قال: [٣] ثم قال على رضى الله عنه لأصحابه حين أخذوا ابن ملجم:
احبسوه فإن متّ فاقتلوه ولا تمثلوا به، وإن لم أمت فالأمر إلى فى العفو أو القصاص.
وقيل [٤] : إنه قال لهم: «النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه وإن بقيت رأيت فيه رأيى، يا بنى عبد المطلب لا ألفيتكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلنّ إلّا قاتلى» .
وأتت [٥] أم كلثوم ابنة على رضى الله عنهما إلى ابن ملجم وهو مكتوف فقالت: «أى عدو الله، إنه لا بأس على أبى، والله مخزيك» .
قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد شريته بألف وسممّته بألف، ولو كانت الضربة بأهل مصر ما بقى منهم أحد.
قال: ثم أوصى علىّ رضى الله عنه أولاده بتقوى الله، ولم ينطق إلا بقول «لا إله إلا الله» حتى مات رضى الله عنه وأرضاه.
روى [٦]
عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال لعلىّ
стр. 7280
رضى الله عنه: من أشقى الأولين؟: قال: الذى عقر الناقة. قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال؟ لا أدرى. قال: «الذى يضربك على هذا»
يعنى يافوخه، «فيخضب هذه» يعنى لحيته.
وعن ثعلبة الجمانى قال: سمعت على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول: والذى فلق الحبّة وبرأ النّسمة لتخضبن هذه (يعنى لحيته) من دم هذا (يعنى رأسه)
وروى النسائى من حديث عمار بن ياسر عن النبى ﷺ أنه قال: أشقى الناس الذى عقر الناقة والذى يضربك على هذا
- ووضع يده على رأسه- حتى تخضب هذه، (يعنى لحيته) وعن ابن سيرين عن عبيدة قال: كان على بن أبى طالب رضى الله عنه إذا رأى ابن ملجم قال [١] :
أريد حياته [٢] ويريد قتلى ... عذيرك [٣] من خليلك من مراد
стр. 7281
وكان علىّ رضى الله عنه كثيرا ما يقول: ما يمنع أشقاها- أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا- ويشير إلى لحيته ورأسه- خضاب دم لا خضاب عطر ولا عبير؟.
وروى عمر بن شبّة عن أبى عاصم النّبيل [١] وموسى بن إسماعيل عن سكين بن عبد العزيز العبدى، أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن [بن ملجم] [٢] يستحمل عليا فحمله، ثم قال:
أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد
أما إن هذا قاتلى. قيل: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلنى بعد.
وأتى علىّ رضى الله عنه فقيل له: ابن ملجم يسمّ سيفه، ويقول:
إنه سيفتك به فتكة يتحدّث بها العرب. فبعث إليه فقال له: لم تسم سيفك؟ قال لعدوّى وعدوّك. فخلّى عنه.
وفى كلام على رضى الله عنه يقول بكر بن حماد [٣] :
وهزّ علىّ بالعراقين لحية ... مصيبتها حلت على كلّ مسلم
فقال: سيأتيها من الله حادث ... ويخضبها أشقى البريّة بالدّم
فباكره بالسيف شلّت يمينه ... لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم
فيا ضربة من خاسر ضلّ سعيه ... تبوّأ منها مقعدا فى جهنّم
стр. 7282
ففاز أمير المؤمنين بحظّه ... وإن طرقت فيه الخطوب بمعظم
ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة ... حلاوتها شيبت [١] بصاب وعلقم
وحكى عن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل رمضان، كان على رضى الله عنه يتعشى ليلة عند الحسن رضى الله عنه، وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن جعفر رضى الله عنهم، لا يزيد على ثلاث لقم، ثم يقول رضى الله عنه: يأتينى أمر الله وأنا خميص [٢] ، وإنما هى ليلة أو ليلتان، فلم يمض قليل حتى قتل.
وقال الحسن [٣] ابن كثير عن أبيه قال: خرج علىّ رضى الله عنه [٤] من الفجر، فأقبل الإوزّ يصحن فى وجهه، فطردوهن عنه، فقال: ذروهنّ فإنّهن نوائح، فضربه ابن ملجم فى ليلته.
وقال الحسن بن على رضى الله عنهما يوم قتل على: خرجت البارحة وأبى يصلّى فى مسجد داره، فقال لى: «يا بنى إنى بتّ أوقظ أهلى لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر [٥] فملكتنى عيناى فنمت، فسنح [٦] لى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللّدد [٧] ، فقال لى: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلنى بهم من هو خير منهم وأبدلهم بى من هو
стр. 7283
شر منى» فجاء ابن النّبّاح [١] فآذنه بالصلاة فخرج، وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله.
وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى عبد الله بن مالك قال:
جمع الأطبّاء لعلىّ رضى الله عنه يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمر السّكّونى، وكان يقال له: أثير بن عمريا، وكان صاحب كسرى يتطبّب له، وهو الذى ينسب إليه صحراء أثير [٢] ، فأخذ أثير رئة [شاة] [٣] حارّة [٤] ، فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله فى فى جراحة على، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض دماغ.
وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنك ميّت.
وفى ضربة ابن ملجم يقول عمران بن حطّان الخارجى يمدح ابن ملجم:
لله درّ المرادى الذى سفكت ... كفّاه مهجة شرّ الخلق إنسانا
أمسى عشيّة غشّاه بضربته ... ممّا جناه من الآثام عريانا
يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا
إنى لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
стр. 7284
فقال بكر بن حماد التّاهرتى [١] معارضا له:
قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت ويحك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشى على قدم ... وأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سنّ الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبىّ ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان فى الحرب سيفا صار ما ذكرا ... ليثا إذا لقى الأقران أقرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت: سبحان ربّ الناس سبحانا
إنى لأحسبه ما كان من بشر ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدّت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التى جلبت ... على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها ... قبل المنيّة أزمانا فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمّله ... ولا سقى قبر عمران بن حطّانا
لقوله فى شقى ظل مجترما ... ونال ما ناله ظلما وعدوانا:
«يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلّا ليبلغ من ذى العرش رضوانا»
بل ضربة من غوى أوردته لظى ... فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصدا بضربته ... إلّا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
стр. 7285
وقالت أم الهيثم بنت العريان النخعية، ومنهم من يرويها لأبى الأسود الدؤلى [١] :
ألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكى أمير المؤمنينا
تبكّى أم كلثوم عليه ... بعبرتها فقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا ... فلا قرّت عيون الشامتينا
أفى شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس ضرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها ومن ركب السّفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثانى والمبينا [٢]
وكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحبّ رسول ربّ العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت ... بأنك خيرهم حسبا ودينا
إذا استقبلت وجه أبى تراب [٣] ... رأيت البدر فوق الناظرينا
وكنّا قبل مقتله [٤] بخير ... ترى مولى رسول الله فينا
يقيم الحقّ لا يرتاب فيه ... ويعدل فى العدا والأقربينا