← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

وكان علىّ رضى الله عنه كثيرا ما يقول: ما يمنع أشقاها- أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا- ويشير إلى لحيته ورأسه- خضاب دم لا خضاب عطر ولا عبير؟. وروى عمر بن شبّة عن أبى عاصم النّبيل [١] وموسى بن إسماعيل عن سكين بن عبد العزيز العبدى، أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن [بن ملجم] [٢] يستحمل عليا فحمله، ثم قال: أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد أما إن هذا قاتلى. قيل: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلنى بعد. وأتى علىّ رضى الله عنه فقيل له: ابن ملجم يسمّ سيفه، ويقول: إنه سيفتك به فتكة يتحدّث بها العرب. فبعث إليه فقال له: لم تسم سيفك؟ قال لعدوّى وعدوّك. فخلّى عنه. وفى كلام على رضى الله عنه يقول بكر بن حماد [٣] : وهزّ علىّ بالعراقين لحية ... مصيبتها حلت على كلّ مسلم فقال: سيأتيها من الله حادث ... ويخضبها أشقى البريّة بالدّم فباكره بالسيف شلّت يمينه ... لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم فيا ضربة من خاسر ضلّ سعيه ... تبوّأ منها مقعدا فى جهنّم

стр. 7282

ففاز أمير المؤمنين بحظّه ... وإن طرقت فيه الخطوب بمعظم ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة ... حلاوتها شيبت [١] بصاب وعلقم وحكى عن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل رمضان، كان على رضى الله عنه يتعشى ليلة عند الحسن رضى الله عنه، وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن جعفر رضى الله عنهم، لا يزيد على ثلاث لقم، ثم يقول رضى الله عنه: يأتينى أمر الله وأنا خميص [٢] ، وإنما هى ليلة أو ليلتان، فلم يمض قليل حتى قتل. وقال الحسن [٣] ابن كثير عن أبيه قال: خرج علىّ رضى الله عنه [٤] من الفجر، فأقبل الإوزّ يصحن فى وجهه، فطردوهن عنه، فقال: ذروهنّ فإنّهن نوائح، فضربه ابن ملجم فى ليلته. وقال الحسن بن على رضى الله عنهما يوم قتل على: خرجت البارحة وأبى يصلّى فى مسجد داره، فقال لى: «يا بنى إنى بتّ أوقظ أهلى لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر [٥] فملكتنى عيناى فنمت، فسنح [٦] لى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللّدد [٧] ، فقال لى: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلنى بهم من هو خير منهم وأبدلهم بى من هو

стр. 7283

شر منى» فجاء ابن النّبّاح [١] فآذنه بالصلاة فخرج، وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله. وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى عبد الله بن مالك قال: جمع الأطبّاء لعلىّ رضى الله عنه يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمر السّكّونى، وكان يقال له: أثير بن عمريا، وكان صاحب كسرى يتطبّب له، وهو الذى ينسب إليه صحراء أثير [٢] ، فأخذ أثير رئة [شاة] [٣] حارّة [٤] ، فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله فى فى جراحة على، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض دماغ. وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنك ميّت. وفى ضربة ابن ملجم يقول عمران بن حطّان الخارجى يمدح ابن ملجم: لله درّ المرادى الذى سفكت ... كفّاه مهجة شرّ الخلق إنسانا أمسى عشيّة غشّاه بضربته ... ممّا جناه من الآثام عريانا يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا إنى لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا

стр. 7284

فقال بكر بن حماد التّاهرتى [١] معارضا له: قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت ويحك للإسلام أركانا قتلت أفضل من يمشى على قدم ... وأول الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سنّ الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبىّ ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا وكان فى الحرب سيفا صار ما ذكرا ... ليثا إذا لقى الأقران أقرانا ذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت: سبحان ربّ الناس سبحانا إنى لأحسبه ما كان من بشر ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا أشقى مراد إذا عدّت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الأولى التى جلبت ... على ثمود بأرض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها ... قبل المنيّة أزمانا فأزمانا فلا عفا الله عنه ما تحمّله ... ولا سقى قبر عمران بن حطّانا لقوله فى شقى ظل مجترما ... ونال ما ناله ظلما وعدوانا: «يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلّا ليبلغ من ذى العرش رضوانا» بل ضربة من غوى أوردته لظى ... فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد قصدا بضربته ... إلّا ليصلى عذاب الخلد نيرانا

стр. 7285

وقالت أم الهيثم بنت العريان النخعية، ومنهم من يرويها لأبى الأسود الدؤلى [١] : ألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكى أمير المؤمنينا تبكّى أم كلثوم عليه ... بعبرتها فقد رأت اليقينا ألا قل للخوارج حيث كانوا ... فلا قرّت عيون الشامتينا أفى شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس ضرّا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها ومن ركب السّفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثانى والمبينا [٢] وكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحبّ رسول ربّ العالمينا لقد علمت قريش حيث كانت ... بأنك خيرهم حسبا ودينا إذا استقبلت وجه أبى تراب [٣] ... رأيت البدر فوق الناظرينا وكنّا قبل مقتله [٤] بخير ... ترى مولى رسول الله فينا يقيم الحقّ لا يرتاب فيه ... ويعدل فى العدا والأقربينا

стр. 7286

وليس بكاتم علما لديه ... ولم يخلق من المتجبّرينا كأنّ الناس إذ فقدوا عليا ... نعام حار فى بلد سنينا فلا تشمت معاوية بن صخر ... فإنّ بقية الخلفاء فينا قال: ولما مات علىّ رضى الله عنه غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفّن فى ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلّى عليه ابنه الحسن، وكبّر سبع [١] تكبيرات. قال: ولمّا قبض رضى الله عنه بعث الحسن رضى الله عنه إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للحسن: «هل لك فى خصلة؟ إنى والله أعطيت الله عهدا أن لا أعاهد عهدا إلّا وفيت به، وإنى عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خلّيت بينى وبينه، ولك عهد الله على أنى إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتّى أضع يدى فى يدك» . فقال له الحسن: لا والله. ثم قدّمه فقتله، فأخذه الناس فأدرجوه فى بوارى [٢] وحرّقوه بالنار. واختلف فى موضع قبر علىّ رضى الله عنه، فقيل: دفن فى قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: فى رحبة الكوفة، وقيل: دفن بنجف

стр. 7287

الحيرة فى موضع بطريق الحيرة، وقيل: عند مسجد الجماعة [١] ، وقال الواقدى: دفن ليلا وأخفى قبره. وكانت مدة خلافته خمس سنين إلّا ثلاثة أشهر، وقيل: أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، وقيل: وثلاثة أيام، وقيل: وأربعة عشر يوما. وكان عمره ثلاثا وستين سنة، وقيل: خمسا وستين، وقيل: تسعا وخمسين، والأول أصح. وأما سيرته رضى الله عنه فى خلافته فقد تقدّم من فضائله ما قدّمناه فى صدر هذا الفصل. وكان من سيرته رضى الله عنه أنه يسير [٢] فى الفىء بسيرة أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه فى القسم، وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه، ولا يترك فى بيت المال إلا ما يعجز عن قسمته فى يومه ذلك، ويقول: يا دنيا غرّى غيرى، ولم يكن يستأثر من الفىء بشىء، ولا يخصّ به حميما ولا قريبا. وروى أبو عمر [٣] بسنده إلى مجمّع التميمى [٤] أن عليا رضى الله عنه قسم ما فى بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به فكنس، ثم صلّى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة [٥] .

стр. 7288

وبسنده إلى سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم على علىّ المال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفا فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم: أيّهم يعطى أولا. وعن معاذ [١] بن العلاء عن أبيه عن جده قال: سمعت على بن أبى طالب يقول: ما أصبت فيكم [٢] إلا هذه القارورة أهداها إلىّ الدهقان، ثم نزل إلى بيت المال ففرّق كلّ ما فيه، ثم جعل يقول: أفلح من كانت له قوصرّه [٣] ... يأكل منها كل يوم تمره [٤] وعن عنترة الشيبانى قال: كان على رضى الله عنه يأخذ الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعمل يده، حتى يأخذ من أهل الإبر والمسالّ والخيوط والحبال، ثم يقسمه بين الناس، ولا يدع فى بيت المال مالا يبيت فيه حتى يقسمه، إلا أن يغلبه شغل، فيصبح إليه وهو يقول. يا دنيا لا تغرّينى وغرّى غيرى. وكان [٥] رضى الله عنه لا يخصص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات، وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [٦] وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ» [٧]

стр. 7289

وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [١] إذا أتاك كتابى هذا فاحتفظ بما فى يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك. ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: اللهم إنك تعلم أنى لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك. ومواعظه رضى الله عنه ووصاياه لعماله إذ كان يخرجهم إلى أعماله [٢] كثيرة مشهورة، وقد قدّمنا منها فى الباب الرابع، من القسم الخامس، من الفن الثانى، من كتابنا هذا، ما تقف عليه هناك، وهو فى السفر السادس من هذه النسخة [٣] . قال أبو عمر بن عبد البر [٤] : قد ثبت عن الحسن بن علىّ رضى الله عنهما من وجوه أنه قال: لم يترك أبى إلا ثمانمائة درهم أو سبعمائة درهم فضلت من عطائه، كان يعدّها لخادم يشتريها لأهله وأمّا تقشفه فى لباسه ومطعمه، فكان من ذلك على الغاية القصوى. روى [٥] عن عبد الله بن أبى الهذيل قال: رأيت عليا رضى الله عنه خرج وعليه قميص غليظ دارس، إذا مدّ كمّه بلغ إلى الظفر، وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد. وعن الحسن بن جرموز عن أبيه قال: رأيت على بن أبى طالب رضى الله عنه يخرج من مسجد الكوفة وعليه قطريّتان، مؤتزرا بالواحدة مرتديا بالأخرى، وإزاره إلى نصف الساق، وهو يطوف فى الأسواق، ومعه درّة يأمرهم بتقوى الله وصدق

стр. 7290

الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان. وعن [إسحاق بن] [١] كعب بن عجرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «علىّ مخشوشن [٢] فى ذات الله تعالى . ذكر أزواج على رضى الله عنه وأولاده وكاتبه وقاضيه وحاجبه أول زوجة تزوجها فاطمة [٣] بنت رسول الله ﷺ ورضى عنها، ولدت له الحسن والحسين رضى الله عنهما، وقد قيل: إنها ولدت ابنا اسمه محسن توفى صغيرا، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى. وتزوج بعدها أم البنين ابنة حرام [٤] الكلابية، فولدت له العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان، قتلوا مع الحسين بالطّفّ. وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية، فولدت عبيد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين، وقيل: إن عبيد الله قتله المختار بن أبى عبيد.

стр. 7291

وتزوج أسماء بنت عميس الخثعمية، فولدت له محمدا الأصغر ويحيى، وقيل: إن محمدا لأمّ ولد، وقيل: إنها ولدت عونا. وله من الصّهباء بنت ربيعة التغلبية- وهى من السّبى الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التّمر فى خلافة أبى بكر- عمر ورقيّة، فعمّر عمر هذا حتّى بلغ خمسا وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث علىّ رضى الله عنه، ثم مات بينبع. وتزوج علىّ رضى الله عنه أمامة بنت أبى العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت النبى ﷺ ، فولدت له محمدا الأوسط. وله محمد الأكبر، وهو ابن الحنفية، أمّه خولة بنت جعفر، من بنى حنيفة. وتزوج أم سعيد ابنة عروة بن مسعود فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى. وكان له بنات من أمهات شتى، وهنّ: أمّ هانىء وميمونة وزينب الصّغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة، وكلهن لأمهات أولاد. وتزوج محياة [١] ابنة امرئ القيس [٢] بن عدىّ الكلبية، فولدت له جارية هلكت صغيرة.

стр. 7292

فجميع أولاد علىّ رضى الله عنه خمسة عشر ذكرا، وهم: الحسن والحسين ومحسن- على خلاف فيه- والعبّاس وجعفر وعبد الله وعثمان وعبيد الله وأبو بكر ومحمد بن الحنفية ومحمد الأوسط ومحمد الأصغر ويحيىّ وعون وعمر، النسل منهم للحسين والحسن [ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية] [١] ومن البنات تسع عشرة، وهن: زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى ورقية وأم الحسن ورملة الكبرى وأم هانىّ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة وجارية ابنة الكلبية، وكان كاتبه عبد الله [٢] بن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ ، وكتب له سعد بن نمران الهمدانى. قاضيه شريح بن الحارث. صاحب شرطته معقل بن قيس الرياحى، وقيل: سليمان بن صرد الخزاعى. حاجبه قنبر مولاه، وكان قبله بشر مولاه. نقش خاتمه: الملك لله الواحد القهار. وتقدم ذكر عمّاله..

стр. 7293

ذكر خلافة الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما هو أبو محمد الحسن بن على بن أبى طالب بن عبد المطلب، وأمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ . وسنذكر إن شاء الله نبذة من فضائله وأخباره عند ذكرنا لوفاته، ونذكر فى هذا الموضع ما يختص بالخلافة دون غيره. بويع له يوم وفاة أبيه فى شهر رمضان سنة أربعين، وأول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المحلّين. فقال له الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله، فإنهما يأتيان على كل شرط. فبايعه الناس، وكان الحسن يشرط عليهم: «إنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت» . فارتابوا بذلك وقالوا: ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلّا القتال.. وكان على بن أبى طالب رضى الله عنه، لمّا ضربه ابن ملجم دخل عليه جندب بن عبد الله فقال: «إن فقدناك- ولا نفقدك- أفنبايع الحسن؟» فقال على رضى الله عنه: «ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر» . فلما مات بايعه الناس، ولم تطل مدّته حتّى سلّم الأمر لمعاوية ابن أبى سفيان رضى الله عنه؛ لأسباب نذكرها إن شاء الله تعالى

стр. 7294

ذكر تسليم الحسن بن على الخلافة إلى معاوية بن أبى سفيان قال [١] : كان على بن أبى طالب رضى الله عنه قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت، وتجهز لقصد الشام لقتال معاوية فقتل قبل ذلك. فلما بايع الناس الحسن تجهز بهذا الجيش، وسار من الكوفة فى شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك عند ما بلغه مسير معاوية إليه فى أهل الشام. ووصل الحسن إلى المدائن، وجعل قيس بن سعد بن عيادة على مقدمته فى اثنى عشر ألفا، وقيل: بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبيد الله [٢] بن عباس، فجعل عبيد الله [٢] على مقدمته فى الطلائع قيس بن سعد. ووصل معاوية مسكن [٣] . فلما نزل الحسن المدائن نادى مناد فى العسكر: ألا إنّ قيس ابن سعد قتل فانفروا. فنفروا. وأتوا سرادق الحسن، وانتهبوا [٤]

стр. 7295

ما فيه، حتّى نازعوه بساطا كان تحته، وأخذوا رداءه من ظهره، ووثب عليه رجل من الخوارج من بنى أسد يقال له ابن أقيصر [١] بخنجر مسموم فطعنه به فى أليته، ووثب الناس على الأسدى فقتلوه. فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا، ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن [٢] ، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفى، عم المختار بن أبى عبيد، فقال له المختار وهو شاب: هل لك فى الغنى والشرف؟ قال: وماذاك؟ قال: تستوثق [٣] من الحسن وتستأمن به إلى معاوية. فقال له عمه: «عليك لعنة الله! أثب على ابن بنت رسول الله وأوثقه؟ بئس الرجل أنت!» فلما رأى الحسن رضى الله عنه [تفرق الناس عنه] [٤] كتب إلى معاوية وشرط شروطا، وقال: إن أعطيتنى هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفى لى به. وقال لأخيه الحسين وعبد الله ابن جعفر: إننى قد أرسلت إلى معاوية فى الصلح. فقال له الحسين: أنشدك الله أن لا تصدّق أحدوثة معاوية وتكذّب أحدوثة أبيك! فقال له الحسن: اسكت أنا أعلم بالأمر منك.

стр. 7296

فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن جندب إلى الحسن قبل وصول الكتاب إليه، ومعهما صحيفة، بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط فى هذه الصحيفة التى ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التى سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده. فلما سلم الحسن رضى الله عنه الأمر لمعاوية، طلب الحسن أن يعطيه الشروط التى اشترطها فى الصحيفة [التى ختم عليها معاوية] [١] فأبى ذلك، وقال: قد أعطيتك ما كتبت تطلب. قال: ولما اصطلحا قام الحسن رضى الله عنه فى أهل العراق فقال: «يا أهل العراق إنه سخّى بنفسى عنكم ثلاث: قتلكم أبى وطعنكم إياى وانتها بكم متاعى» .. قال: وكان الذى طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما فى بيت مال الكوفة (ومبلغه خمسة آلاف ألف. وقيل: سبعة آلاف ألف) وخراج دار بجرد (من فارس) وأن لا يشتم علىّ. فلم يجبه إلى الكفّ عن شتم علىّ، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك، ثم لم يف له به أيضا. فأما خراج دار بجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا، لا نعطيه أحدا. وقيل: كان منعهم بأمر معاوية أيضا وقيل: إن معاوية أجرى على الحسن رضى الله عنه بعد ذلك فى كل سنة ألف ألف درهم.

стр. 7297

وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين. وقيل: فى شهر ربيع الآخر. وقيل: فى جمادى الأولى فى النصف منه. وقيل: إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية؛ لأنه لما راسله معاوية فى تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شكّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامه بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم فى مسيركم إلى صفّين ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفّين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره، وأما الباقى فخاذل، وأما الباكى فثائر، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفه، فإذا أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله بظبا السيوف، فإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا» . فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية، فأمضى [١] الصلح. فلما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال: «أيها الناس، إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيكم ﵊ الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهرهم تطهير» وكرر ذلك حتى ما بقى فى المجلس إلّا من بكى حتى سمع نشيجه، وأرسل إلى معاوية وسلّم إليه الأمر. فكانت خلافة الحسن على قول من يقول [ «سلّم الأمر فى ربيع

стр. 7298

الأول» خمسة أشهر ونصف شهر، وعلى قول من يقول «فى ربيع الآخر» ستة أشهر وأياما، وعلى قول من يقول [١]] «فى جمادى الأولى» سبعة أشهر وأياما. وحكى أبو عمر بن عبد البر [٢] ﵀ أن الحسن رضى الله عنه لما [قتل أبوه بايعه أكثر من أربعين ألفا، كلهم قد كانوا بايعوا أباه عليّا قبل موته على الموت، ثم [٣]] خرج لقتال معاوية وخرج معاوية لقتاله، فلما تراءى الجمعان- وذلك بموضع يقال له مسكن من أرض السواد بناحية الأنبار- علم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى، فكتب إلى معاوية أنه يصير الأمر إليه، على أن يشترط عليه أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشىء مما كان فى أيام أبيه، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحا إلّا أنه قال: أمّا عشرة أنفس فلا أؤمّنهم، فراجعه الحسن فيهم، فكتب إليه يقول: إنى آليت أنى متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده. فراجعه الحسن: أنى لا أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره بتبعة قلّت أو كثرت، فبعث إليه معاوية حينئذ برقّ أبيض وقال: اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه. فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن رضى الله عنه: أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كلّه معاوية، فقال له عمرو بن العاص: إنه قد انفلّ [٤] حدّهم وانكسرت

стр. 7299

شوكتهم. فقال له معاوية: «أما علمت أنه قد بايع عليا أربعون ألفا على الموت؟ فو الله لا يقتلون حتّى يقتل أعدادهم من أهل الشام، وو الله ما فى العيش خير بعد ذلك» . فاصطلحا على ما ذكرناه. وكان الحسن رضى الله عنه كما قال رسول الله ﷺ : «إن ابنى هذا سيّد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين [١] » قال: ولما بايع الحسن معاوية كان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين. فيقول: العار خير من النار. وروى أبو عمر بسنده [٢] إلى أبى الغريف [٣] قال: كنا فى مقدمة الحسن بن علىّ رضى الله عنهما على اثنى عشر ألفا بمسكن مستميتين، تقطر أسيافنا من الجدّ [٤] والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمر طه [٥] ، فلما جاءنا صلح الحسن كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ والحزن، فلما جاء الحسن رضى الله عنه الكوفة أتاه شيخ منّا يكنى أبا عامر سيفان بن ليلى، فقال: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين. فقال: «لا تقل هذا يا أبا عامر، فإنى لم أذل المؤمنين، ولكنّى كرهت أن أقتلهم فى طلب الملك» .

стр. 7300

قال أبو عمر: ولا خلاف بين العلماء أن الحسن إنما سلم الخلافة لمعاوية حياتة، لا غير، ثم تكون له من بعده، وعلى ذلك انعقد بينهما ما انعقد فى ذلك الوقت، ورأى الحسن ذلك خيرا من إراقة الدماء فى طلبها، وإن كان عند نفسه أحقّ بها. قال [١] : ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، فأشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسن بن على فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية وقال: لا حاجة لنا بذلك: فقال عمرو: «ولكنى أريد ذلك ليبدو للناس عيّه، فإنه لا يدرى هذه الأمور ما هى» ولم يزل بمعاوية حتى أمر [٢] الحسن رضى الله عنه أن يخطب، وقال له: يا حسن قم فكلّم الناس فيما جرى بيننا. فقام الحسن رضى الله عنه فتشهد وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال فى بديهته: أمّا بعد أيّها الناس فإن الله هداكم بأوّلنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإنّ لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله يقول: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [٣] . فلما قالها، قال له معاوية: اجلس. ثم قام معاوية فخطب الناس، ثم قال لعمرو: هذه من رأيك. ومن رواية [٤] عن الشعبى أن الحسن خطب فقال: «الحمد لله

стр. 7301

الذى هدا بنا أوّلكم وحقن بنا دماء آخركم، ألا إن أكيس الكيس التّقى، وأعجز العجز الفجور، وإنّ هذا الأمر الذى اختلفت فيه أنا ومعاوية إمّا أن يكون أحقّ به منّى، وإما أن يكون حقى فتركته لله تعالى وإصلاح أمة محمد ﷺ وحقن دمائهم» . ثم التفت إلى معاوية فقال: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ . ثم نزل، فقال معاوية لعمرو: ما أردت إلّا هذا. وحقدها معاوية على عمرو. ولحق الحسن رضى الله عنه بالمدينة، بأهل بيته وحشمه، والناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة. والحسن رضى الله عنه آخر الخلفاء حقيقة، لقول رسول الله ﷺ : «الخلافة ثلاثون ثم تكون ملكا وملوكا» [١] . فكانت هذه المدة من خلافة أبى بكر رضى الله عنه وإلى آخر أيام الحسن. ولم يزل الحسن رضى الله عنه مقيما بالمدينة إلى أن مات على ما نذكره إن شاء الله فى حوادث سنة تسع وأربعين. وحيث ذكرنا الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم، وذكرنا أخبار من مات أو استشهد من العشرة، أصحاب رسول الله ﷺ فى أثناء أخبار الخلفاء، فلنصل هذا الباب بذكر من بقى من العشرة، وهما: سعد بن أبى وقّاص وسعيد بن زيد، ليكمل عدّة العشرة فى هذا الباب، وإن كانت وفاتهما فى غير أيام الخلفاء.

стр. 7302

ذكر أخبار سعد بن أبى وقاص ووفاته رضى الله عنه هو أبو إسحاق سعد بن أبى وقاص، واسم أبى وقاص مالك ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشى الزّهرى. كان رضى الله عنه سابع سبعة فى الإسلام، أسلم بعد ستة، وهو ابن تسع عشرة سنة. وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد السّتّة الذين جعل عمر رضى الله عنه الشّورى فيهم، وأخبر أن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض. وكان رضى الله عنه مجاب الدعوة مشهورا بذلك، تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها، وذلك أن رسول الله ﷺ قال فيه: «اللهم سدّد سهمه وأجب دعوته [١] » . وهو أول من رمى بسهم فى سبيل الله، وذلك فى سريّة عبيدة ابن الحارث، وقد تقدم ذكره فى السيرة النبوية فى الغزوات والسرايا. [٢] وجمع رسول الله ﵊ له بين أبويه فى قوله ﷺ «ارم فداك أبى وأمّى» ولم يقل ذلك إلّا له وللزبير بن العوام. وكان أحد الفرسان الشجعان من قريش [٣] ، وهو الذى كوّف

стр. 7303

الكوفة ونفى الأعاجم وتولّى قتال الفرس [١] كما تقدم ذكر ذلك فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وكان أميرا على الكوفة، قشكاه أهلها ورموه بالباطل، فدعا على الذى واجهه بالكذب دعوة ظهرت إجابته فيها. ولمّا جعله عمر بن الخطاب فى أصحاب الشّورى قال: إن وليها سعد فذاك وإلّا فليستعن به الوالى فإنى لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وكلّمه ابنه عمر بن سعد أن يدعو لنفسه بعد مقتل عثمان فأبى. وكان رضى الله عنه ممّن لزم بيته وقعد فى الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشىء حتّى تجتمع الأمة على إمام، فطمع معاوية فيه وفى عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، فكتب إليهم [٢] يدعوهم إلى عونه على الطلب بدم عثمان، ويقول لهم إنهم لا يكفّرون ما أتوه من قتله وخذلانه إلّا بذلك، وقال: إن قاتله وخاذله سواء، فى نثر ونظم كتب به إليهم، فأجابه كلّ واحد منهم يرد عليه ما جاء به من ذلك، وينكر عليه مقالته، ويعرّفه أنه ليس بأهل لما يطلبه، وكان فى جواب سعد: معاوى داؤك الداء العياء ... وليس بما تجىء به دواء أيدعونى أبو حسن علىّ ... فلم أردد عليه ما يشاء وقلت له اعطنى سيفا قصيرا ... تماز به العداوة والولاء

стр. 7304

فإنّ الشّرّ أصغره كبير ... وإنّ الظّهر مثقله [١] الدّماء أتطمع فى الذى أعيا عليا ... على ما قد طمعت به العفاء! ليوم منه خير منك حيّا ... وميتا أنت للمرء الفداء وأما أمر عثمان فدعه ... فإنّ الرّأى أذهبه البلاء وكانت وفاة سعد رضى الله عنه فى قصره بالعقيق، على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على رقاب الرجال، ودفن بالبقيع وصلّى عليه مروان بن الحكم، واختلف فى وقت وفاته، فقال الواقدى: توفى فى سنة خمس وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقال أبو نعيم مات سنة ثمان وخمسين، وقال الزبير والحسن بن عثمان وعمرو بن على الغلّاس: توفى فى سنة أربع وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين، وذكر أبو زرعة عن أحمد بن حنبل رضى الله عنه قال: توفى وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وروى عن ابن شهاب أن سعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه: لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبّة له من صوف، فقال: كفّنونى فيها فإنى كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر [وهى علىّ] [٢] وإنما كنت أخبؤها لهذا اليوم، رضى الله تعالى عنه وأرضاه. ذكر أخبار سعيد بن زيد رضى الله عنه ووفاته هو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدىّ بن كعب بن لؤىّ ابن غالب القرشى العدوى. وأمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية.

стр. 7305

وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضى الله عنه وصهره، كانت تحته فاطمة ابنة الخطاب أخت عمر، وكانت أخته عاتكة بنت زيد تحت عمر. وكان سعيد رضى الله عنه من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام [١] لم يشهد بدرا، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره، وقد قدمنا ذكر ذلك فى غروة بدر [٢] ، وشهد ما بعد بدر من المشاهد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وكان أبوه زيد بن عمرو يطلب دين الحنيفية- دين إبراهيم ﵊ قبل أن يبعث رسول الله ﷺ ، وكان لا يذبح للأنصاب، ولا يأكل مما ذبح لها، ولا يأكل الميتة ولا الدم، وخرج فى الجاهلية يطلب الدّين هو وورقة بن نوفل، فعرضت عليهما اليهود دينهم فتهوّد ورقة، ثم لقيا النصارى فترك ورقة اليهودية وتنصر، وأبى زيد أن يأتى شيئا من ذلك، وقال: ما هذا إلا كدين قومنا تشركون ويشركون، ولكنّكم عندكم من الله ذكر ولا ذكر عندهم. فقال له راهب: إنك تطلب دينا ما هو على الأرض اليوم. قال وما هو؟ قال: دين إبراهيم ﵇.

стр. 7306

قال: وما كان عليه إبراهيم؟ قال: كان بعبد الله لا يشرك به شيئا، ويصلّى إلى الكعبة. فكان زيد على ذلك حتى مات.. ومن رواية أخرى قال: خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتّى مرّا بالشام، فأما ورقة فتنصّر، وأمّا زيد فقيل له: إن الذى تطلب أمامك، فانطلق حتّى أتى الموصل فإذا هو براهب فقال: من أين أقبل صاحب الراحلة؟ قال من بيت إبراهيم. قال: ما تطلب؟ قال: الدّين. قال: فعرض عليه النصرانية، فقال: لا حاجة لى فيها، وأبى أن يقبل، فقال: إن الذى تطلب سيظهر بأرضك. فأقبل وهو يقول: لبّيك حقّا حقّا. تعبّدا ورقّا. [وقال] : [١] . مهما تجثّمنى فإنى جاشم. عذت بما عاذ به إبراهيم. قال: وأتى سعيد بن زيد رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنّ زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له. قال ﵊: «نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده» فاستغفر له. قال أبو عمر: وكان عثمان بن عفان رضى الله عنه قد أقطع سعيد بن زيد أرضا بالكوفة فنزلها وسكنها إلى أن مات، وسكنها من بعده من بنيه الأسود بن سعيد. وكانت وفاة [٢] سعيد فى سنة خمسين أو سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة رضى الله عنه وأرضاه.

стр. 7307

الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار الدولة الأموية أول من ملك من ملوك هذه الدولة معاوية بن أبى سفيان، هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب، يجتمع نسبه ونسب رسول الله ﷺ فى عبد مناف بن قصى. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. ولى معاوية دمشق عاملا لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فى سنة ثمانى عشرة [١] كما ذكرنا ذلك فى خلافة عمر، [وأقام بقية أيّام عمر] [٢] وأيام عثمان بن عفّان رضى الله عنهما بكمالها إلى أن قتل. فلما بويع علىّ رضى الله عنه امتنع من مبايعته، وكان بينهما من الحروب ما ذكرناه فى خلافة على. وسلّم عليه بالإمارة [٣] بعد اجتماع الحكمين فى سنة سبع

стр. 7308

وثلاثين، وبويع له بعد وفاة علىّ رضى الله عنه فى ذى الحجة سنة أربعين ببيت المقدس، قاله أبو بشر الدّولابى [١] رحمة الله عليه، ثم بويع له البيعة العامّة بالكوفة بعد أن خلص له الأمر وتسلّمه من الحسن بن علىّ رضى الله عنهما، على ما تقدم، فى سنة إحدى وأربعين، فى شهر ربيع الأول لخمس بقين منه [وقيل: فى ربيع الآخر] [٢] . وقيل: جمادى الأولى.. ولنبدأ من أخباره بما كان منها فى خلافة علىّ رضى الله عنه، ممّا لم نذكره هناك، ثم نذكر من أخباره بعد أن خلص له الأمر، فنبدأ هناك بما وقع فى أيّامه من الغزوات والفتوحات، ثم نذكر أخبار الخوارج عليه، ثم حوادث السنين خلاف ذلك على نحو ما قدمناه فى أخبار غيره، إن شاء الله تعالى. ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية وصلحه معه كان عمرو بن العاص قد فارق المدينة وقدم إلى فلسطين فى آخر أيام عثمان، فأقام هناك حتى قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه، وقد ذكرنا فى خلافة عثمان سبب خروج عمرو، فلما أتاه الخير بقتل عثمان قال: «أنا أبو عبد الله، أنا قتلته وأنا بوادى السبع [٣]

стр. 7309

إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبى طالب فهو أكره من يليه إلى!» . فأتاه الخبر ببيعة على، فاشتد عليه، فأقام ينتظر ما يصنع الناس، فأتاه خبر مسير عائشة وطلحة والزبير، فأقام ينتظر ما يصنعون، فأتاه خبر وقعة الجمل، فأرتج عليه. فسمع أن معاوية امتنع من بيعة على رضى الله عنه وأنه يعظم شأن عثمان، فدعا ابنيه [١] ، فاستشارهما، وقال: «ما تريان؟ أما على فلا خير عنده، وهو يدل بسابقته، وهو غير مشركى فى أمره» . فقال له ابنه عبد الله: «يا أبت، توفى النبى ﷺ وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون، فأرى أن تكف يدك وتجلس فى بيتك حتى يجتمع الناس» . وقال له محمد: «يا أبت، أنت ناب [٢] من أنياب العرب، ولا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت» [٣] . فقال عمرو: «أما أنت يا عبد الله فأمرتنى بما هو خير لى فى دينى، وأما أنت يا محمد فأمرتنى بما هو خير لى فى دنياى وشرّ لى فى آخرتى» . ثم خرج ومعه ابناه حتّى قدم على معاوية (وقيل: إنه ارتحل من فلسطين وهو يبكى كما تبكى المرأة، ويقول: واعثماناه! أنعى الحياء والدّين، حتى قدم دمشق) فوجد أهل الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم

стр. 7310

عثمان. فقال لهم: أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. ومعاوية لا يلتفت إليه، فقال له ابناه: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إليك، انصرف إلى غيره، فدخل عليه فقال: «والله لعجب لك أنى أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عنى، إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن فى النفس ما فيها، حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا» . فصالحه معاوية وعطف عليه واقتدى بآرائه، وشهد عمرو معه صفين، وحكّمه، وكان من أمره معه ما تقدم، والله أعلم. ذكر مقتل محمد بن أبى حذيفة وشىء من أخباره كان أبوه حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتل يوم اليمامة وترك ابنه محمدا هذا، فكفله عثمان وأحسن تربيته. وكان فيما قيل قد أصاب شرابا فحده عثمان، ثم تنسّك بعد ذلك وأقبل على العبادة. وطلب من عثمان أن يولّيه عملا فقال له: لو كنت أهلا لذلك لولّيتك، فقال له: إنى قد رغبت [١] فى غزو البحر فأذن لى فى إتيان مصر. فأذن له وجهّزه، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظّموه. وغزا مع عبد الله بن سعد غزوة الصوارى [٢] ، وكان محمد

стр. 7311

يعيب ابن سعد، ويعيب عثمان بتوليته [١] ، ويقول: استعمل رجلا أباح رسول الله ﷺ دمه. وكتب عبد الله إلى عثمان: إن محمدا قد أفسد على البلاد هو ومحمد بن أبى بكر. فكتب عثمان رضى الله عنه إليه: أمّا ابن أبى بكر فإنه يوهب لأبيه ولعائشة، وأما ابن أبى حذيفة فإنه ابنى وابن أخى وتربيتى وهو فرخ قريش. فكتب إليه: إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير. فبعث عثمان إلى ابن أبى حذيفة ثلاثين ألف درهم ومحملا عليه كسوة. فوضعهما محمد فى المسجد وقال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعنى عن دينى ويرشونى، عليه. فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان، وبايعوه على رئاستهم. فكتب إليه عثمان يذكّره برّه به وتربيته إيّاه وقيامه بشأنه، ويقول له: كفرت إحسانى أحوج ما كنت إلى شكرك. فلم يردّه ذلك عن ذمّه وتأليب الناس عليه، وحثهم إلى المسير إلى حصره ومساعدة من يريد ذلك.

стр. 7312

فلما سار المصريون إلى عثمان أقام هو بمصر، وخرج عنها عبد الله ابن سعد بن أبى سرح، فاستولى عليها وضبطها ولم يزل مقيما بها حتى قتل عثمان وبويع علىّ رضى الله عنه، واتفق معاوية وعمرو بن العاص [على خلاف علىّ] [١] فسار عمرو بن العاص إليه وقتله. وقد اختلف فى قتله، فمن المؤرخين من قال: إن عمرو بن العاص سار إلى مصر هو ومعاوية قبل مقدم قيس بن سعد إليها، وأرادا دخول مصر فلم يقدرا على ذلك، فخدعا محمدا حتى خرج إلى العريش فى ألف رجل فتحصن بها، فنصبا عليه المنجنيق حتّى نزل فى ثلاثين من أصحابه فقتل. وهذا القول ليس بشىء يعتمد عليه، وهو بعيد جدا، لأن على بن أبى طالب استعمل قيس بن سعد على مصر أول ما بويع، ولو كان قتل محمد بن أبى حذيفة [قبل وصول قيس بن سعد إلى مصر] [٢] لاستولى معاوية على مصر، ولا خلاف أن استيلاء معاوية على مصر كان بعد صفّين، وإنّما ذكرنا هذا القول لنبين بطلانه، وقد علّله بعض المؤرخين بنحو هذا التعليل، واستدل على بطلانه [٣] . وقد قيل غير ذلك: وهو أن محمد بن أبى حذيفة سيّر المصريين إلى عثمان، فلما حضروه [٤] أخرج محمد عبد الله بن سعيد بن أبى سرح عن مصر وهو عامل عثمان [واستولى] [٥] عليها، فنزل عبد الله على تخوم مصر وانتظر أمر عثمان، فطلع عليه راكب، فسأله،

стр. 7313

فأخبره بقتل عثمان وببيعة علىّ رضى الله عنه، فاسترجع، وأخبره بولاية قيس بن سعد على مصر، وأنه قادم بعده فقال عبد الله: «أبعد الله محمد بن أبى حذيفة! فإنه بغى على ابن عمه وسعى عليه، وقد كفله وربّاه وأحسن إليه، فأساء جواره، وجهّز إليه الرجال، حتّى قتل، ثم ولى على [١] من هو أبعد منه ومن عثمان، ولم يمتعه بسلطان بلاده شهرا ولم يره لذلك أهلا» . وخرج عبد الله هاربا حتّى قدم على معاوية [٢] . وقيل: إن عمرو بن بن العاص سار إلى مصر بعد صفين، فلقيه محمد بن أبى حذيفة فى جيش كثير، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه فاجتمعا، فقال له عمرو: «إنه قد كان ما ترى، وقد بايعت هذا الرجل- يعنى معاوية- وما أنا راض بكثير من أمره، وإنى لأعلم أنّ صاحبك عليّا أفضل من معاوية نفسا وقدما، وأولى بهذا الأمر، فواعدنى موعدا ألتقى معك فيه فى غير جيش، تأتى فى مائة وآتى فى مثلها، وليس معنا إلّا السيوف فى القرب» . فتعاهدا وتعاقدا على ذلك واتّعدا العريش، ورجع عمرو إلى معاوية فأخبره الخبر، فلما جاء الأجل سار كل واحد منهما فى مائة، وجعل عمرو جيشا خلّفه، فلما التقيا بالعريش، قدم جيش عمرو [على أثره] [٣] فعلم محمد أنه قد غدر به، فدخل قصرا بالعريش فتحصّن به، وحصره عمرو، ورماه بالمنجنيق حتّى أخذ أسيرا، فبعث به إلى معاوية فسجنه، وكانت

стр. 7314

ابنة [١] قرظة امرأة معاوية ابنة بن محمد عمة أبى حذيفة، أمّها فاطمة بنت عتبة، فكانت تصنع له طعاما ترسله إليه، فأرسلت إليه يوما فى الطعام مبارد، فبرد بها قيوده، وهرب، فاختفى فى غار، فأخذ وقتل. وقيل: إنه بقى محبوسا إلى أن قتل حجر بن عدىّ، ثم هرب فطلبه مالك بن هبيرة السّكونى، فظفر به فقتله غضبا لحجر، وكان مالك قد شفع إلى معاوية فى حجر فلم يشفعه. وقيل: إن محمد بن أبى حذيفة- لما قتل محمد بن أبى بكر- خرج فى جمع كثير على عمرو، فأمّنه عمرو، ثم غدر به، وحمله إلى معاوية، فحبسه، ثم إنه هرب، فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه، وأمر بطلبه فسار فى طلبه عبيد الله بن عمر [٢] بن ظلام الخثعمى فأدركه بحوارن فى غار، وجاءت حمر تدخل الغار، فلما رأت محمدا نفرت منه، وكان هناك ناس يحصدون، فقالوا: والله إن لنفرة هذه الحمر لشأنا، فذهبوا إلى الغار فرأوه، وخرجوا من عنده، فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم، فقالوا: هو فى الغار، فأخرجه، وكره أن يأتى به معاوية فيخلى سبيله، فضرب عنقه. والله أعلم.

стр. 7315

ذكر ملك عمرو بن العاص مصر ومقتل محمد بن أبى بكر ووفاة الأشتر وما يتصل بذلك قد ذكرنا فى أخبار على رضى الله عنه استعماله محمد بن أبى بكر على مصر، وما كان بينه وبين أهل خربتا [١] وقتلهم ابن مضاهم، ثم خرج معاوية بن حديج السّكونى، ودعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه ناس وفسدت مصر على محمد بن أبى بكر، فبلغ ذلك عليا، فاستدعى الأشتر، وكان قد توجّه إلى نصيبين بعد صفّين، فحضر إليه فأخبره خبر أهل مصر، وقال له: «ليس لها غيرك، فاخرج إليها، فإنى لو لم أوصك اكتفيت برأيك، فاستعن بالله، واخلط الشّدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، وتشدّد حين لا يغنى إلا الشّدة» فخرج الأشتر إلى مصر، فبلغ معاوية ذلك، فعظم عليه، وكان قد طمع فى مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان عليه أشد من محمد بن أبى بكر رضى الله عنه، فبعث معاوية إلى المقدّم على أهل الخراج بالقلزم وهو الجابستار [٢] وقال له: إن الأشتر وقد ولى مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت. فخرج الجابستار حتى أتى القلزم وأقام به. وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول، فنزل عنده، فأتاه بطعام فأكل وأتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه، فلما شربها مات.

стр. 7316

وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إنّ عليّا قد وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله عليه فكانوا يدعون عليه [١] . وأقبل الذى سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية خطيبا، ثم قال: أمّا بعد، فإنه كانت لعلىّ يمينان، قطعت إحداهما يوم صفّين- يعنى عمّار بن ياسر-، وقطعت الأخرى اليوم- يعنى الأشتر-. فلما بلغ ذلك عليا قال: لليدين وللفم [٢] ! [وكان ثقل عليه لأشياء نقلت عنه، وقيل: إنه لما بلغه قتله] [٣] استرجع [٤] وقال: «مالك! وما مالك؟ وهو موجود مثل ذلك؟ لو كان من حديد لكان قيدا، أو من حجر لكان صلدا، على مثله فلتبك البواكى!» [٥] . ثم كتب إلى محمد بن أبى بكر باستقراره على عمله، وأوصاه. وقيل: إنه إنما ولى الأشتر بعد قتل محمد بن أبى بكر. قال: ولما كان من الحكمين ما كان، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة، لم يكن له همّ إلّا مصر، وكان يهاب أهلها [لقربهم منه و] [٦] لشدّتهم وما كان من رأيهم فى عثمان، وكان يرجو أنه إذا ظهر [٧] عليها ظهر على حرب على رضى الله عنه لعظم خراجها، فدعا

стр. 7317

معاوية عمرو بن العاص، وحبيب بن أبى مسلمة، وبسر بن أرطاه، والضحّاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد، وأبا الأعور والسّلمى، وشرحبيل بن السّمط الكندى، فقال لهم: أتدرون لم جمعتكم؟ فإنى جمعتكم لأمر لى مهمّ. فقالوا: لم يطلع الله على الغيب أحدا، ولم نعلم ما تريد. فقال عمرو بن العاص: لتسألنا عن رأينا فى مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك، فاعزم واصبر، فنعم الرأى رأيت فى افتتاحها، فإن فيه عزّك وعزّ أصحابك، وكبت عدوك، وذلّ أهل الشقاق عليك. فقال معاوية: أهّمك يا بن العاص ما أهمكّ. وذلك أن عمرا صالح معاوية على قتال على رضى الله عنه على أن له مصر طعمة ما بقى. وأقبل معاوية على أصحابه وقال: أصاب أبو عبد الله، فما ترون؟ قالوا: ما نرى إلّا ما رأى عمرو. ثم كتب معاوية إلى مسلمة ابن مخلّد ومعاوية بن حديج السّكونى- وكانا قد خالفا عليّا- يشكرهما على ذلك، ويحثهما على الطلب بدم عثمان، ويعدهما المواساة فى سلطانه. وبعثه مع مولاه سبيع. فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلّد الأنصارى عن نفسه وعن ابن حديج: «أمّا بعد، فإن الأمر الذى بذلنا له أنفسنا، واتبعنا أمر الله نرجو به ثواب ربنا، والنّصر على من خالفنا، وتعجيل النّقمة على من سعى على إمامنا؛ وأما ما ذكرت من المواساة فى سلطانك، فبالله إن ذلك أمر ما له نهضنا، ولا إيّاه أردنا، فعجّل علينا [١] بخيلك

стр. 7318

ورجالك، فإنّ عدونا قد أصبحوا لنا هائبين، فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك، والسلام. فجاءه الكتاب وهو بفلسطين، فدعا أولئك النفر وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرى أن تبعث جندا. فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها، وبعث معه ستة آلاف رجل، وأوصاه بالتؤدة وترك العجلة. وسار عمرو حتى نزل أدانى أرض مصر، فاجتمعت العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبى بكر: «أما بعد، فتنحّ عنّى بدمك يا بن أبى بكر، فإنّى لا أحب أن يصيبك منى ظفر؛ إنّ الناس بهذه البلاد قد أجمعوا على خلافك وهم مسلموك فاخرج منها، إنى لك من الناصحين» وبعث إليه [بكتاب معاوية] فى المعنى، ويتهدده بقصده حصار عثمان. فأرسل محمد الكتابين إلى على رضى الله عنه، ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر، وأنه رأى التثاقل ممن عنده، ويستمده. فكتب إليه يأمره أن يضم شيعته إليه، ويعده إنفاذ الجيوش إليه ويأمره بالصبر لعدوّه وقتاله. وقام محمد فى الناس فندمهم إلى الخروج إلى عدوّهم مع كنانة بن بشر، فانتدب معه ألفان، وخرج محمد بن أبى بكر بعده فى ألفين، وأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا منه سرّح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلا حمل عليها، فألحقها بعمرو، فلمّا رأى ذلك بعث إلى معاوية بن خديج، فأتاه فى مثل الدّهم [١] ،

стр. 7319

فأحاطوا بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فنزل كنانة عن فرسه ونزل معه أصحابه، فقاتل بسيفه حتّى قتل، وبلغ قتله محمد بن أبى بكر، فتفرّق عنه أصحابه، وأقبل عمرو بجمع، ولم يبق مع محمد أحد. فخرج محمد يمشى فى الطريق، فانتهى إلى خربة فأوى إليها، وسار عمرو بن العاص حتّى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج فى طلب محمد بن أبى بكر، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم عنه، فقال أحدهم: دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلا جالسا، فقال ابن حديج: هو هو. فدخلوا فاستخرجوه وكاد يموت عطشا، وأقبلوا به نحو الفسطاط. ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهم إلى عمرو وكان فى جنده، وقال: أيقتل أخى صبرا؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه. فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد، فقال: قتلتم كنانة بن بشر وأخلّى أنا محمدا أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ [١] هيهات هيهات! فقال لهم محمد بن أبى بكر رضى الله عنه: اسقونى ماء. فقال ابن حديج: «لا سقانى الله إن سقيتك قطرة أبدا؛ إنكم منعتم عثمان شرب الماء، والله لأقتلنّك حتى يسقيك الله من الحميم والغسّاق» . فقال له محمد: «يا ابن اليهودية النّسّاجة، ليس ذلك إليك، إنّما ذلك إلى الله، يسقى أولياءه، ويظمىء أعداءه؛ أنت وأمثالك، أما والله لو كان

стр. 7320

سيفى بيدى ما بلغتم منّى هذا» . قال له: أتدرى ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال محمد: «إن فعلت بى ذلك فطالما فعلتم ذلك بأولياء الله، وإنى لأرجو أن يجعلها الله عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارا تلظّى، كلّما خبت زادها الله سعيرا» . فغضب منه وقتله، ثم ألقاه فى جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة رضى الله عنها جزعت عليه جزعا شديدا، وقنتت فى وتر [١] الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، وأخذت عيال محمد إليها، وامتنعت عائشة بعد ذلك أن تأكل شواء حتّى ماتت. وقد قيل: إن محمد بن أبى بكر قاتل عمرا ومن معه قتالا شديدا، فقتل كنانة وانهزم محمد، فاختبأ عند جبلة بن مسروق، فدلّ عليه معاوية ابن حديج، فأحاط به، فخرج إليه محمد فقاتل حتى قتل. وكان ذلك فى سنة ثمان وثلاثين. قال: وأما علىّ رضى الله عنه، فإنه لما أتاه كتاب محمد ندب الناس إلى الخروج، فتثاقلوا فخطبهم وحثهم على الخروج ووبخهم على الثتاقل، فقام إليه كعب بن مالك الأرحبيىّ [٢] فقال: يا أمير المؤمنين: اندب الناس؛ لهذا اليوم كنت أدخر نفسى، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته، وقاتلوا
следующие страницы →