إلّا مكيدة، وما أراهم إلا قد سبقوكم إلى معقل حيث علموا أن فرسان أصحابه معى، وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به عن لحاقهم، فالنجاء النجاء فى الطلب» ثم أمر أهل القرية فعقدوا الجسر، فعبر عليه، واتّبع الخوارج، فلقيه أوائل الناس منهزمين، فصاح بهم: إلىّ إلىّ: فرجعوا.
إليه، وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلا يقاتلهم، وما يظنونه إلا قتيلا، فجدّ فى السير، وردّ معه من لقيه من المنهزمين، وانتهى إلى العسكر، فرأى رأية معقل منصوبة والناس يقتتلون، فحمل أبو الرواغ وأصحابه على الخوارج فأزالهم غير بعيد.
ووصل أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو متقدّم يحرّض أصحابه، فشدوا على الخوارج شدّة منكرة، ونزل المستورد ومن معه إلى الأرض ونزل أصحاب معقل أيضا، ثم اقتتلوا طويلا من النهار بالسيوف أشدّ قتال، ثم إن المستورد نادى معقلا ليبرز إليه، فبرز إليه، فمنعه أصحابه، فلم يقبل [منهم] [١] وكان معه سيفه ومع المستورد رمحه، فقال أصحاب معقل له: خذ رمحك. فأبى، وأقدم على المستورد، فطعنه المستورد برمحه، فخرج السّنان من ظهره، وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد، فضربه بسيفه فخالط دماغه فماتا جميعا.
وكان معقل قال لأصحابه: إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب التميمى، فلما قتل معقل أخذ عمرو الراية، وحمل هو وأصحابه
стр. 7352
على الخوارج فقتلوهم، فلم ينج منهم غير خمسة أو ستة، وانكفت [١] الخوارج بعد ذلك مدّة ولاية زياد بن أبيه إلى سنة خمسين.
فخرج قريب الأزدى وزحّاف الطائى بالبصرة وهما ابنا خالة، وكان زياد يومئذ بالكوفة، وسمرة بالبصرة [٢] فأتى الخوارج بنى ضبيعة [٣] وهم سبعون رجلا فقتلوا منهم شيخا، فاشتد زياد فى أمر الخوارج فقتلهم وأمر سمرة بذلك، فقتل منهم بشرا كثيرا، وخطب زياد على المنبر فقال: «يا أهل البصرة والله لتكفنّنى هؤلاء. أو لأبدأنّ بكم، والله لئن أفلت رجل منهم لا تأخذون العام من عطاياكم درهما» فسار الناس إليهم فقتلوهم.
ثم خرج زياد بن خراش العجلى فى سنة اثنتين وخمسين فى ثلاثمائة فأتى أرض مسكن من السّواد، فسرّح إليد زياد بن أبيه خيلا عليها سعد بن حذيفة، أو غيره، فقتلوهم وقد صاروا إلى ماه [٤] وخرج رجل من طىء اسمه معاذ فى ثلاثين رجلا [٥] فبعث إليه زياد من قتله وقتل أصحابه، ويقال بل حلّ لواءه واستأمن.
وخرج طوّاف بن غلّاق فى سنة ثمان وخمسين بالبصرة، وكان سبب خروجه أن قوما من الخوارج بالبصرة كانوا يجتمعون إلى رجل اسمه
стр. 7353
حرار [١] فيتحدثون عنده ويعيبون السلطان، فأخذهم عبيد الله بن زياد فحبسهم، ثم أحضرهم، وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضا ويخلّى سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقوا، وكان طواف ممن قتل، فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم إخوانكم، قالوا أكرهنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئنّ بالإيمان، وندم طوّاف وأصحابه، وقال أما من توبة؟ فكانوا يبكون، وعرضوا على أولياء من قتلوا الدّية، فأبوا قبولها، وعرضوا عليهم القود، فأبوا.
ولقى طوّاف الهثهاث بن ثور السدوسى، فقال له: ما ترى لنا من توبة! فقال: ما أجد لك إلا آية فى كتاب الله : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
. [٢] فدعا طوّاف أصحابه إلى الخروج على أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه فى هذه السنة، وهم سبعون رجلا من عبد القيس بالبصرة، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد، وبلغ ذلك طوّافا فعجل الخروج، فخرجوا من ليلتهم، فقتلوا رجلا، ومضوا إلى الجلحاء [٣] ، فندب ابن زياد الشرط والبخارية [٤] فقاتلوهم، فانهزم الشّرط حتى دخلوا البصرة، واتبعوهم، وذلك يوم الفطر فكاثرهم الناس، فقاتلوا فقتلوا، وبقى طوّاف فى ستة نفر
стр. 7354
وعطش فرسه، فاقتحم به الماء، فرماه البخاريّة بالنّشّاب حتّى قتلوه وأخذ فصلب، ثم دفنه أهله.
ذكر عروة بن أدية وأخيه مرداس بن أدية وغيرهما من الخوارج
قال: وفى سنة ثمان وخمسين اشتدّ عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم جماعة كثيرة، منهم عروة بن أديّة وكان سبب قتله أن عبيد الله بن زياد خرج فى رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس إليه، وفيهم عروة بن أديّة وهو أخو مرداس بن أديّة، وأديّة أمهما وأبوهما، جدير [١] وهو نميمى، فأقبل عروة على زياد يعظه، فكان ممّا قال له: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
[٢] قال: فلما قال له ذلك ظنّ ابن زياد أنه لم يقله إلّا ومعه جماعة [٣] فركب وترك رهانه، فقيل لعروة: ليقتلنّك. فاختفى، فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة، فأخذ وأتى به إلى ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتله [٤] وقتل ابنته.
وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا مجتهدا عظيم القدر فى الخوارج
стр. 7355
وشهد صفّين مع علىّ فأنكر التحكيم [١] ، وشهد النّهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه.
وكانت البثجاء امرأة من بنى يربوع- تحرّض على ابن زياد وتذكر تجبّره وسوء سيرته، وكانت من المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: إن التّقيّة [٢] لا بأس بها فتغيبى فإن هذا الجبار قد ذكرك. فقالت: أخشى أن يلقى أحد بسببى مكروها، فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها ورماها فى السوق، فمرّ بها أبو بلال فعض على لحيته وقال: «لهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس! ما ميتة أموتها أحبّ إلىّ من ميتة البثجاء!» .
ومرّ أبو بلال ببعير قد طلى بقطران فغشى عليه، ثم أفاق فتلا:
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
[٣] .
ثم إن ابن زياد ألح فى طلب الخوارج حتى ملأ منهم السجون.
وحبس أبا بلال مرداس بن أديّة [٤] ، فرأى السجان عبادته، فأذن له كل ليلة فى إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلا ويعود إلى السجن مع الصبح، وكان لمرداس صديق يسامر ابن زياد، فذكر ابن زياد الخوارج ليلة فعزم على قتلهم [إذا أصبح] [٥] ، فانطلق صديق مرداس إليه وأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفا أنه لا يرجع،
стр. 7356
فعاد على عادته، فقال له السجان: أما بلغك ما عزم عليه الأمير؟
قال: بلى، قال: وكيف أتيت؟ قال: لم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب [بسببى] [١] وأصبح ابن زياد فقتلهم، فلما أحضر مرداس قام السجان- وكان ظئرا [٢] لعبيد الله- فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلّى سبيله.
ثم خاف من ابن زياد، فخرج فى أربعين رجلا إلى الأهواز، فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ثم يردّ الباقى، فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم أسلم [٣] بن زرعة الكلابى، وقيل: أبو الحصين التيمى، وكان الجيش ألفى رجل، وذلك فى سنة ستين، فلما أتوه ناشدهم أبو بلال الله أن ينصرفوا عنه، فأبو ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة، فقالوا أتردّنا إلى ابن زياد الفاسق؟ فرمى أصحاب أسلم رجلا من الخوارج فقتلوه، فقال أبو بلال: قد بدءوكم بالقتال. فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدّة رجل واحد، فهزموهم، فقدموا البصرة، فلامه ابن زياد على ذلك، وقال: «هزمك أربعون وأنت فى ألفين؟ لا خير فيك!» فقال: لأن تلومنى وأنا حىّ خير من أن تثنى علىّ وأنا ميت وكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به: «أبو بلال وراءك» . فشكا ذلك إلى ابن زياد، فنهاهم، فانتهوا.
стр. 7357
وقال رجل [١] من الخوارج:
أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك [٢] أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا
هذا ما كان من أخبار الخوارج، فلنذكر حوادث السنين.
ذكر الحوادث فى أيام معاوية بن أبى سفيان غير ما تقدم، على حكم السنين منذ خلص له الأمر إلى أن توفى إلى رحمة الله
سنة احدى وأربعين
فى هذه السنة خلص الأمر لمعاوية بن أبى سفيان؛ بمبايعة الحسن ابن على رضى الله عنهما له كما تقدم، فسمى هذا العام «عام الجماعة» وذلك لاجتماع الناس على إمام واحد، وهو معاوية.
وروى أنه لما سار الحسن رضى الله عنه عن الكوفة عرض له رجل فقال: يا مسوّد وجوه المؤمنين. فقال: لا تعذلنى فإن رسول الله ﷺ أرى [٣] بنى أميّة ينزون على منبره رجلا رجلا، فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [٤]
وهو نهر فى الجنة، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ
стр. 7358
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
[١] يملكها بعدك بنو أميّة، وقد خرّج هذا الحديث [٢] أهل الصحة. وكانت دولة بنى أمية ألف شهر.
ذكر صلح معاوية وقيس بن سعد بن عبادة
فى هذه السنة تم الصلح بين معاوية وقيس بن سعد، وكان قيس قد خرج على مقدمة الحسن فى اثنى عشر ألفا كما ذكرنا.
وقيل: إن عبيد الله بن عباس كان على مقدمته، وكان قيس بن سعد على مقدمة عبيد الله، فلمّا علم عبيد الله ما عزم عليه الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية كتب إليه يسأل الأمان لنفسه وعلى ما أصاب من مال وغيره، فأجابه إلى ذلك، وفارق عبيد الله جنده وتركهم بغير أمير، فأمّروا عليهم قيس بن سعد، وتعاقدوا على قتال معاوية حتى يشرط له ولهم على ما أصابوا من الدماء والأموال، فراسله معاوية فى الدخول فى طاعته، وأرسل إليه بسجلّ وختم أسفله، وقال: اكتب فيه ما شئت فهو لك، فاشترط لنفسه ولشيعة علىّ الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يشترط مالا، فأعطاه ذلك، ودخل قيس فى طاعة معاوية.
стр. 7359
ذكر استعمال معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة
وفى هذه السنة استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة.
وكان قد استعمل عليها عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتاه المغيرة وقال: «استعملت عبد الله على الكوفة، وأباه بمصر، فتكون أميرا بين نابى أسد» . فعزله، واستعمل المغيرة.
وبلغ عمرو بن العاص ما قاله المغيرة، فدخل على معاوية وقال:
«استعملت المغيرة على الخراج، فيغتال المال، ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتقيك» فعزله عن الخراج وأقره على الصلاة [١] .
ولما ولى المغيرة استعمل كثير بن شهاب على الرّىّ، وكان يكثر سب علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه على المنبر.
ذكر استعمال بسر بن أرطاة
على البصرة وعزله، واستعمال عبد الله ابن عامر عليها وفى هذه السنة استعمل معاوية بسر بن أرطاة بن أبى أرطاة على البصرة، وكان سبب ذلك أن الحسن لما صالح معاوية وثب حمران ابن أبان على البصرة، فأخذها وغلب عليها، فبعث إليه معاوية بسر بن أرطاة؛ وأمره بقتل بنى زياد بن أبيه، وكان زياد على
стр. 7360
فارس، قد أرسله عليها على بن أبى طالب رضى الله عنه كما تقدم.
فلما قدم بسر البصرة خطب على منبرها فشتم عليا، ثم قال:
نشدت الله رجلا يعلم أنى صادق إلّا صدّقنى أو كاذب إلّا كذبنى، فقال أبو بكرة [١] ؛ اللهم إنّا لا نعلمك إلا كاذبا! فأمر به فخنق، فقام أبو لؤلؤة الضّبىّ فرمى نفسه عليه فمنعه، فأقطعه أبو بكرة مائة جريب [٢] ، وقيل لأبى بكرة: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يناشدنا الله ثم لا نصدقه.
وكان معاوية قد كتب إلى زياد: أن فى يديك مالا من مال الله فأدّ ما عندك منه. فكتب إليه زياد: «أنه لم يبق عندى شىء، وقد صرفت ما كان عندى فى وجهه، واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمه الله تعالى» . فكتب إليه معاوية أن أقبل ننظر فيما وليت، فإن استقام بيننا أمر وإلا رجعت إلى مأمنك. فامتنع زياد.
فأخذ بسر أولاده الأكابر، منهم عبد الرحمن وعبيد الله وعبّاد وكتب إليه: لتقدمنّ على أمير المؤمنين أو لأقتلنّ بنيك، فكتب إليه زياد: لست بارحا مكانى حتى يحكم الله بينى وبين صاحبك، وإن قتلت ولدى فالمصير إلى الله تعالى، ومن ورائنا الحساب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
стр. 7361
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[١] فأراد بسر قتلهم وأتاه أبو بكرة [٢] فقال له: قد أخذت ولد أخى بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب علىّ رضى الله عنه حيث كانوا، فليس عليهم ولا على أبيهم سبيل، وأجّله أياما حتّى يأتى بكتاب معاوية، فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فلما أتاه قال له: يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال! قال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل بنى أخى زياد، فكتب إليه بتخليتهم، فأخذ كتابه وعاد، فوصل البصرة يوم الميعاد، وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس، ينتظر بهم الغروب ليقتلهم، واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرون أبا بكرة؛ إذ رفع على نجيب أو برذون يكدّه [٣] ، فوقف فنزل عنه وألاح بثوبه، وكبّر وكبّر الناس معه، وأقبل يسعى على رجليه، فأدرك بسرا قبل أن يقتلهم، فدفع إليه الكتاب، فأطلقهم.
وكان زياد قد تحصّن بالقلعة التى تسمّى «قلعة زياد» .
وأمّا بسر فلم يطل مقامه بالبصرة، بل عزله معاوية فى بقية سنة إحدى وأربعين، وأراد أن يستعمل عتبة بن أبى سفيان [٤] ، فكلمه ابن عامر وقال له: إن لى بالبصرة ودائع وأموالا، فإن لم تولّنى عليها ذهبت. فولّاه البصرة، فقدمها فى آخر سنة إحدى وأربعين، وجعل إليه خراسان وسجستان، فجعل على شرطته حبيب بن شهاب
стр. 7362
وعلى القضاء عميرة بن يثربىّ أخا عمرو، وقد تقدم فى وقعة الجمل أن عميرة قتل فيها، وقيل: المقتول عمرو [١] .
واستعمل ابن عامر قيس بن الهيثم على خراسان، وكان أهل باذغيس وهراة وبوشنج [٢] قد نكثوا، فسار إلى بلخ، فأخرب نوبهارها [٣] ، وكان الذى تولى ذلك عطاء [٤] بن السائب مولى بنى ليث، واتخذ قناطر على ثلاثة أنهار من بلخ على فرسح، فقيل: قناطر عطاء، فسأل أهلها الصلح ومراجعة الطاعة، فصالحهم قيس، وقيل: إنما صالحهم الربيع ابن زياد سنة إحدى وخمسين، ثم قدم قيس على ابن عامر فضربه وحبسه، واستعمل عبد الله بن خازم، فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون الأمان والصلح، فصالحهم وحمل إلى ابن عامر مالا.
وفيها ولد على بن عبد الله بن العباس، وقيل: ولد سنة أربعين قبل قتل على رضى الله عنه، والأول أصح.
وحج بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان، وقيل: عنبسة بن أبى سفيان.
стр. 7363
سنة اثنتين وأربعين
فى هذه السنة ولّى معاوية مروان بن الحكم المدينة، وخالد بن العاص بن هشام مكة، فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث ابن نوفل [١] .
ذكر قدوم زياد بن أبيه على معاوية بن أبى سفيان
فى هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية، وكان معاوية قد كتب إليه يتهدّده، حين قتل على رضى الله عنه، فقام زياد خطيبا فقال:
العجب من ابن آكلة الكبود [٢] ، وكهف النفاق، ورئيس الأحزاب يتهدّدننى وبينى وبينه ابنا عمّ رسول الله ﷺ يعنى ابن عباس والحسن بن على رضى الله عنهم- فى سبعين ألفا، واضعى سيوفهم على عواتقهم، أما والله لئن خلص إلى ليجدنىّ أحمر ضرّابا بالسيف [٣] » فلما صالح الحسن معاوية اعتصم زياد بقلعته كما تقدم ثم، كان من خبر بنيه مع بسر بن أرطاة ما ذكرناه، فأهمّ معاوية أمره، وكان زياد قد استودع عبد الرحمن بن أبى بكرة ماله، فبلغ معاوية ذلك،
стр. 7364
فبعث إلى المغيرة بن شعبة لينظر فى أموال زياد، فأخذ عبد الرحمن فقال له لئن كان أبوك أساء إلىّ لقد أحسن عمك [١]- يعنى زيادا- فكتب إلى معاوية: إنى لم أجد فى يد عبد الرحمن مالا يحلّ لى أخذه. فكتب إليه معاوية: أن عذّب عبد الرحمن. فقال لعبد الرحمن: احتفظ بما فى يدك، وألقى على وجهه حريرة [٢] ونضحها بالماء فغشى عليه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم خلّاه، وكتب إلى معاوية: إنى عذّبته فلم أجد عنده شيئا.
ثم دخل المغيرة على معاوية فقال له [٣] : ذكرت زيادا واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتى. فقال المغيرة: ما زياد هناك؟ فقال معاوية: «داهية العرب! معه أموال فارس، يدبّر الحيل، ما يؤمننى أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هم قد أعادوا الحرب جذعة!» واستكتمه معاوية ذلك، فقال المغيرة: أتأذن لى يا أمير المؤمنين فى إتيانه؟
قال: نعم وتلطّف له، فأتاه المغيرة وقال له: إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثنى إليك، ولم يكن أحد يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع فخذ لنفسك قبل التّوطين فيستغنى معاوية عنك.
стр. 7365
قال: أشر علىّ وارم الغرض الأقصى فإن المستشار مؤتمن. فقال المغيرة: أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه. [قال: أرى] [١] ويقضى الله. وكتب إليه معاوية بأمانه بعد عود المغيرة عنه.
فخرج زياد من فارس نحو معاوية، ومعه المنجاب بن راشد الضبّى، وحارثة بن بدر، وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما حمل منها إلى علىّ رضى الله عنه، وما انفق منها فى الوجوه التى تحتاج إلى النفقة، وما بقى عنده وأنه مودع للمسلمين، فصدّقه معاوية فيما أنفق وفيما بقى عنده وقبضه منه، وقيل: إن زيادا لما قال لمعاوية: قد بقيت بقية من المال، وقد أودعتها [قوما] [٢] فمكث معاوية يروده، فكتب زياد كتبا إلى قوم يقول: قد علمتم ما لى عندكم من الأمانة، فتدبروا كتاب الله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ.
الآية [٣] فاحتفظوا بما عندكم.
وسمى فى الكتب المال الذى أقرّ به لمعاوية، وأمر رسوله أن يتعرّض لبعض من يبلغ ذلك معاوية، ففعل رسوله، وانتشر ذلك، فقال معاوية لزياد حين وقف على الكتب: أخاف أن تكون مكرت بى فصالحنى على ما شئت، فصالحه على ألفى ألف درهم، وحملها زياد إليه، واستأذنه زياد فى نزول الكوفة فأذن له، فكان المغيرة يكرّمه ويعظّمه، وكتب معاوية إلى المغيرة ليلزم زيادا وحجر ابن عدى وسليمان بن
стр. 7366
صرد وشبيب بن ربعى وابن الكوّاء [١] وابن الحمق [٢] بالصلاة فى الجماعة، فكانوا يحضرون معه الصلاة [٣] .
وحج بالناس فى هذه السنة عنبسة بن أبى سفيان.
سنة ثلاث وأربعين
فيها استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان واستعمل عبد الله بن خازم على خراسان وعزل قيس بن الهيثم عنها [٤] وحج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة.
وفيها توفى محمد بن مسلمة الأنصارى، وعبد الله بن سلام، وعمرو بن العاص.
ذكر وفاة عمرو بن العاص وشىء من أخباره واستعمال عبد الله ابن عمرو على مصر
كانت وفاته بمصر يوم عيد الفطر من هذه السنة على الأصح وكان له يوم مات تسعون سنة، ودفن بالمقطّم من ناحية السّفح، وصلى عليه ابنه عبد الله، ثم رجع فصلّى بالناس صلاة العيد.
وكان عمرو بن العاص من فرسان قريش وأبطالهم فى الجاهلية مذكورا بذلك فيهم.
стр. 7367
وكان حسن الشّعر، فمن شعره يخاطب عمارة بن الوليد بن المغيرة عند النّجاشىّ:
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه ... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمّما
قضى وطرا منه وغادر سبّة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وكان أحد الدّهاة فى أمور الدنيا المقدّمين فى الرأى، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا استضعف رجلا فى رأيه قال: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد. يريد خالق الأضداد.
حكى أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص وهو على المنبر عن أمّه، فسأله، فقال: أمّى سلمى بنت حرملة تلقّب النابغة من بنى عنزة، ثم أحد بنى جلّان، أصابتها رماح العرب [١] فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن واثل فولدت له، فأنجبت، فإن كان جعل لك شىء فخذه.
قالوا: ولما حضرته الوفاة قال: «اللهم أمرتنى فلم آتمر، وزجرتنى فلم أنزجر» ووضع يده فى موضع الغلّ ثم قال: «اللهمّ لا قوىّ فأنتصر، ولا برىء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا أنت» . فلم يزل يردّدها حتّى مات.
وروى أبو عمر ابن عبد البر [٢] بسنده إلى الشافعى رضى الله عنه أنه قال. دخل ابن عباس رضى الله عنهما على عمرو بن العاص فى مرضه فسلّم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: «أصبحت وقد أصلحت من دنياى قليلا، وأفسدت من دينى كثيرا، فلو كان
стр. 7368
الذى أصلحت هو الذى أفسدت، والذى أفسدت هو الذى أصلحت لفزت، ولو كان ينفعنى أن أطلب طلبت، ولو كان ينجينى أن أهرب هربت، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين، فعظنى بعظة أنتفع بها يابن أخى» . فقال ابن عباس: «هيهات يا أبا عبد الله، صار ابن أخيك أخاك، ولا نشاء أن تبكى إلا بكيت، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم؟» . فقال عمرو على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطنى من رحمة ربى، اللهم إن ابن عباس يقنّطنى من رحمتك فخذ منى حتى ترضى. فقال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله أخذت جديدا وتعطى خلقا، قال:
ما لى ولك يا ابن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها.
وروى [١] بسنده إلى يزيد بن أبى حبيب: أن عبد الرحمن بن شماسة حدّثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى، فقال له ابنه عبد الله: «لم تبكى؟ أجزعا من الموت؟» قال: لا والله ولكن لما بعده، فقال له: لقد كنت على خير، وجعل يذكّره صحبة رسول الله ﷺ وفتوحه الشام. فقال له عمرو: «تركت أفضل من ذلك كله، شهادة أن لا إله إلا الله، إنى كنت على ثلاثة أطباق [٢] ، ليس منها طبق إلّا عرفت نفسى فيه، كنت أوّل شىء كافرا، فكنت أشدّ الناس على رسول الله ﷺ ، فلو متّ حينئذ وجبت لى النار، فلما بايعت رسول الله ﷺ كنت أشدّ الناس حياء منه، فما ملأت عينى من رسول الله صلى الله
стр. 7369
عليه وسلم حياء منه، فلو متّ يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنة، ثم تلبّست بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدرى أعلىّ أم لى؟ فإذا متّ فلا تبكينّ علىّ باكية، ولا يتبعنى مادح ولا زار، وشدّوا علىّ إزارى فإنى مخاصم، وشنّوا علىّ التراب فإن جنبى الأيمن ليس بأحقّ من جنبى الأيسر، ولا تجعلنّ فى قبرى خشبة ولا حجرا، وإذا واريتمونى فاقعدوا عندى قدر نحر جزور وتقطيعها [[١] بينكم] أستأنس بكم!» . ولما مات استعمل معاوية بعده على مصر ابنه عبد الله بن عمرو.
سنة أربع وأربعين
فى هذه السنة حج معاوية بالناس.
وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة، وهو أول من عملها بالمدينة، وكان معاوية قد عملها بالشام لمّا ضربه الخارجى.
ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة واستعمال الحارث بن عبد الله
فى هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة، وسبب ذلك أنه كان كريما حليما لينّا لا يأخذ على أيدى السفهاء، ففسدت البصرة فى أيامه، فشكا ذلك إلى زياد، فقال له: جرّد [فيهم] [٢] السيف، قال: إنى أكره أن أصلحهم بفساد نفسى!.
فلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن عامر، فأرسل إليه
стр. 7370
يستزيره، فجاء إليه، فرده إلى [١] عمله، فلما ودعه قال له معاوية:
«إنى سائلك ثلاثا [فقل: هنّ لك» .] [٢] قال: هنّ لك وأنا ابن أم حكيم [٣] فقال: ترد علىّ عملى ولا تغضب. قال: قد فعلت. قال: وتهب لى مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: وتهب لى دورك بمكّة. قال قد فعلت. قال: وصلتك رحم! قال ابن عامر: «يا أمير المؤمنين إنى سائلك ثلاثا، فقل هنّ لك» . قال هنّ لك وأنا ابن هند، قال: ترد علىّ مالى بعرفة. قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لى عاملا ولا تتبع لى أثرا. قال: قد فعلت. قال: وتنكحنى ابنتك هند. قال: قد فعلت.
ويقال: إن معاوية قال له: «اختر إمّا أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك وأردك إلى العمل، أو أعز لك وأسوّغك ما أصبت» .
فاختار العزل وأن يسوّغه ما أصاب، فعزله، واستعمل الحارث ابن عبد الله الأزدى، وكان ابن عامر قد استعمل على خراسان، قبل مقدمه عبد الله بن أبى شيخ اليشكرى، وقيل: بل استعمل عليها طفيل بن عوف اليشكرى.
стр. 7371
ذكر استلحاق معاوية بن أبى سفيان زياد بن أبيه وهو ابن سميّة
وفى هذه السنة استلحق معاوية زياد بن أبيه، وقد ذكر عز الدين أبو الحسن على بن الأثير فى تاريخه الكامل [١] سبب ذلك وكيفيته، وابتدأ حال سميّة فقال: كانت سميّة أم زياد لدهقان زندورد [٢] ، بكسكر فمرض الدهقان، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفى، فعالجه، فبرأ، فوهبه سميّة، فولدت عند الحارث أبا بكرة واسمه نفيع، فلم يقرّبه، ثم ولدت نافعا فلم يقرّبه أيضا، فلما نزل أبو بكرة إلى النبى ﷺ حين حضر [٣] الطائف، قال الحارث لنافع: أنت ولدى، وكان قد زوج سميّة من غلام له اسمه عبيد [٤] ، وهو رومى، فولدت له زيادا.
قال: وكان أبو سفيان بن حرب سار [٥] فى الجاهلية إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السّلولى- وأسلم أبو مريم [٦] بعد ذلك، وصحب النبى ﷺ فقال أبو سفيان لأبى مريم: قد اشتهيت النساء فالتمس لى بغيّا، فقال هل لك فى سمية؟ فقال: هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها. فأتاه بها، فوقع
стр. 7372
عليها، فعلقت بزياد، ثم وضعته سنة إحدى [١] من الهجرة.
فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعرى حين ولى البصرة.
ثم إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه استكفى زيادا أمرا، فقام فيه مقاما مرضيا، فلما عاد إليه حضر وعند عمر المهاجرون والأنصار، فخطب خطبة لم يسمعوا بمتلها، فقال عمرو بن العاص:
«لله در هذا الغلام. لو كان أبوه من قريش لساق العرب الناس بعصاه» .
فقال أبو سفيان وهو حاضر: والله إنى لأعرف أباه ومن وضعه فى رحم أمه. فقال له على بن أبى طالب: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال:
أنا. قال: «مهلا يا أبا سفيان، اسكت، فإنك تعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعا» .
وروى أبو عمر ابن عبد البر [٢] بسنده إلى ابن عبّاس: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعث زيادا فى إصلاح فساد وقع باليمن، فرجع من وجهه، وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها (وذكر كلام عمرو بن العاص ومقالة أبى سفيان وكلام علىّ رضى الله عنه بنحو ما تقدم) قال: فقال أبو سفيان:
أما والله لولا خوف شخص ... يرانى يا علىّ من الأعنادى
لأظهر أمره صخر بن حرب ... ولم يكن المقالة عن زياد
وقد طالت مجاملتى ثقيفا ... وتركى فيهمو ثمر الفؤاد
стр. 7373
نعود إلى ما حكاه ابن الأثير قال: فلما ولى علىّ رضى الله عنه الخلافة استعمل زيادا على فارس فضبطها وحمى قلاعها، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك، فكتب إلى زياد يتهدّده، ويعرض له بولادة أبى سفيان إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام فى الناس فقال: «العجب [١] كلّ العجب من ابن آكلة الأكباد [٢] ، ورأس النفاق، يخوّفنى بقصده إيّاى وبينى وبينه ابن عم رسول الله ﷺ فى المهاجرين والأنصار.
أما والله لو أذن لى فى لقائه لوجدنى أحمر مخشيا [٣] ضرّابا بالسيف» .
وبلغ ذلك عليا رضى الله عنه فكتب إليه: «إنى قد ولّيتك ما وليتك وأنا أراك له أهلا، وقد كان من أبى سفيان فلتة من أمانى الباطل وكذب النفس، لا توجب له ميراثا ولا تحل لك نسبا، وإن معاوية يأتى الإنسان من بين يديه ومن خلف، وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر، والسلام» ..
فلما قتل علىّ رضى الله عنه وكان من أمر زياد ومصالحة معاوية ما ذكرناه، وضع زياد مصقلة بن هبيرة الشيبانى، وضمن له عشرين ألف درهم؛ ليقول لمعاوية: «إن زيادا قد أكل فارس برا وبحرا، وصالحك على ألفى ألف درهم، والله ما أرى الذى يقال إلّا حقّا» فإذا قال لك يقال: وما يقال؟ فقل: إنه ابن أبى سفيان. ففعل مصقل ذلك.
стр. 7374
ورأى معاوية أن يستصفى مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك، وأحضر الناس وحضر من شهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السّلولى، فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أشهد أنّ أبا سفيان حضر عندى وطلب منى بغيّا، فقلت ليس عندى إلّا سميّة فقال: ايتنى بها على قذرها ووضرها. فأتيته بها، فخلا معها، ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها ليقطران منيا. فقال له زياد: مهلا أبا مريم إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما. فاستلحقه معاوية.
وكان استلحاقه أول ما ردّت فيه أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله ﷺ قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر.
قال [١] : وقد اعتذر الناس عن معاوية فى استلحاقه إياه، فقالوا:
إن أنكحة الجاهلية كانت أنواعا، منها أن الجماعة يجامعون البغىّ فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن شاءت منهم، فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح، إلا أنه أقرّ نسب كلّ ولد إلى من كان ينسب إليه من أى نكاح كان، فتوهّم معاوية أن ذلك جائز له، ولم يفرق بين ما استلحق فى الجاهلية والإسلام.
قال أبو عمر ابن عبد البر [٢] : ولما ادّعى معاوية زيادا دخل عليه بنو أمية، وفيهم عبد الرحمن بن الحكم، فقال: يا معاوية لو لم تجد إلا الزّنج لاستكثرت بهم علينا قلّة وذلّة، فأقبل معاوية على مروان، وقال: أخرج عنا هذا الخليع، فقال مروان: والله إنه لخليع ما يطاق. فقال معاوية: «والله لولا حلمى وتجاوزى لعلمت أنه لا يطاق،
стр. 7375
ألم يبلغنى شعره فىّ وفى زياد؟» . ثم قال لمروان أسمعنيه، فقال:
ألا بلّغ [١] معاوية بن صخر ... لقد ضاقت بما تأتى اليدان
أتغضب أن يقال: أبوك عفّ ... وترضى أن يقال: أبوك زانى؟
فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها حملت زيادا ... وصخر من سميّة غير دان
قال [٢] : وهذه الأبيات تروى ليزيد بن ربيعة بن مفرّغ [٣] الحميرى الشاعر، ومن رواها له جعل أوّلها:
ألا بلّغ [٤] معاوية بن صخر ... مغلغلة من الرجل اليمانى
قال أبو عمر: وروى عمر بن شبّة وغيره أن ابن مفرّغ لما شفعت فيه اليمانية إلى معاوية أو ابنه يزيد، وكان قد لقى من عبّاد بن زياد وأخيه عبيد الله ما لقى من النّكال مما يطول شرحه، فلما وصل إلى معاوية بكى وقال: «يا أمير المؤمنين ركب منّى ما لم يركب من مسلم قطّ، على غير حدث فى الإسلام ولا خلع يد من طاعة» . وكان عبيد الله ابن زياد قد أمر به فسقى دواء، ثم حمل على حمار وطيف به وهو يسلح فى ثيابه، فقال معاوية: ألست القائل؟:
ألا بلّغ معاوية بن صخر ...
وذكر الأبيات.
فقال ابن مفرّغ: «لا والذى عظّم حقّك ورفع قدرك يا أمير المؤمنين
стр. 7376
ما قلتها قط ولقد بلغنى أن عبد الرحمن بن الحكم قالها ونسبها إلىّ» قال ألست القائل؟:
شهدتّ بأنّ أمّك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع
أو لست القائل أيضا!:
إنّ زيّادا ونافعا وأبا ... بكرة عندى من أعجب العجب
همو رجال ثلاثة خلقوا ... فى رحم أنثى ما كلّهم لأب [١]
ذا قرشىّ كما يقول وذا ... مولى وهذا بزعمه عربى
فى أشعار قلتها لزياد وبنيه تهجوهم! اغرب لا عفا الله عنك! فقد عفوت عن جرمك، ولو صحبت زيادا لم يكن شىء مما كان، اذهب فاسكن أى أرض أحببت» . فاختار الموصل.
قال أبو عمر: وليزيد بن مفرّغ فى هجو زياد وبنيه- من أجل ما لقى من عبّاد بن زياد بخراسان- أشعار كثيرة منها:
أعبّاد ما للّؤم عنك محوّل ... وما لك أمّ فى قريش ولا أب
وقل لعبيد الله مالك والد ... بحقّ ولا يدرى امرء كيف تنسب
стр. 7377
وقوله [١] فى زياد:
فكّر ففى ذاك إن فكّرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلّا بتأمير
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريش فى الجماهير
قال [٢] : وكان أبو بكرة أخا زياد لأمّه، فلما بلغه أن معاوية استحلقه وأنه رضى بذلك آلى يمينا ألّا يكلّمه أبدا، وقال: «هذا زنّى أمّه وانتفى من أبيه، لا والله ما علمت سميّة رأت أبا سفيان قطّ، ويله! ما يصنع بأم حبيبة زوج النبى ﷺ ؟ أيريد أن يراها؟ فإن حجبته فضحته، وإن رآها فيالها مصيبة، يهتك من رسول الله ﷺ حرمة عظيمة!» .
فلما حجّ زياد ودخل المدينة أرادوا الدخول على أم حبيبة، ثم ذكر قول أبى بكرة فانصرف عن ذلك. وقيل: إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له فى الدخول عليها، [قيل] [٣] وإنه حج ولم يزرها من أجل قول أبى بكرة، وقال: جزى الله أبا بكرة خيرا لم يدع النصيحة على كل حال.
قالوا [٤] : وكتب زياد «إلى عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها:
стр. 7378
من زياد بن أبى سفيان» وهو يريد أن تكتب إليه «إلى زياد بن أبى سفيان» فكتبت إليه «من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها زياد» .
وكان يقال لزياد قبل الاستلحاق «زياد بن أبيه» و «زياد بن أمّه» و «زياد بن سميّة» و «زياد بن عبيد الثّقفىّ» .
وروى أبو عمر [١] بسنده إلى أبى عثمان النهدى قال: اشترى زياد أباه عبيدا بألف درهم فأعتقه.. فكنّا نغيظه بذلك.
سنة خمس وأربعين
ذكر ولاية زياد البصرة وخراسان وسجستان وما تكلم به زياد عند مقدمه ومن استعمله زياد من العمال وفى هذه السنة عزل معاوية الحارث بن عبد الله الأزدى عن البصرة وكان قد استعمله عليها فى [أوّل] [٢] هذه السنة، ثم عزله، فكانت ولايته أربعة أشهر، واستعمل زيادا على البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان.
فقدم زياد البصرة فى آخر شهر ربيع الآخر من السنة، فدخلها والفسق فيها ظاهر فاش.
فخطب خطبة بتراء [٣] لم يحمد الله فيها (وقيل: بل حمد الله
стр. 7379
فقال: الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه، اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا على نعمك فينا.) أمّا بعد فإنّ الجهالة الجهلاء والضّلالة العمياء والفجر [١] الموقد لأهله النار [٢] الباقى عليهم سعيرها، ما يأتيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، فيثب [٣] فيها الصغير، ولا ينحاش عنها الكبير كأن لم يسمعوا نبىّ الله، ولم يقرءوا كتاب الله، ولم يعلموا [٤] ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته فى الزمن السّرمدى الذى لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا [٥] وسدّت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية؟ ولا تذكرون أنكم أحدثتم فى الإسلام الحدث الذى لم تسبقوا إليه (وفى نسخة [٦] بعد قوله «لم تسبقوا إليه» قال: من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله والضعيفة المسكينة فى النهار المبصر) هذه المواخير [٧] المنصوبة، والضعيفة المسلوبة فى النهار المبصر، والعدد غير قليل! ألم تكن
стр. 7380
منكم نهاة [١] تمنع الغواة عن دلج [٢] الليل وغارة النهار؟ قرّبتم القرابة وباعدتم الدّين! تعتذرون بغير العذر وتغطّون [٣] على المختلس! كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبة ولا يخشى [٤] معادا! ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السّفهاء، فلم يزل بهم ما ترون [٥] من قيامكم دونهم حتّى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا فى مكانس [٦] الريب!. حرام علىّ الطعام والشراب حتّى أسوّيها بالأرض هدما وإحراقا! إنى رأيت هذا الأمر لا يصلح إلّا بما صلح به أوّله:
لين فى غير ضعف، وشدة فى غير جبريّة وعنف. وإنّى أقسم بالله لآخذنّ الولىّ بالولىّ والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم فى نفسه بالسقيم، حتّى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد [٧] ، أو تستقيم لى قناتكم! إن كذبة المنبر
стр. 7381
مشهودة [١] ، فإذا تعّلقتم علىّ بكذبة فقد حلّت لكم معصيتى! من بيّت [٢] منكم فأنا ضامن لما ذهب له، إيّاى ودلج الليل، فإنى لا أوتى بمدلج إلّا سفكت دمه، وقد أجّلتكم فى ذلك بقدر ما يأتى الخبر الكوفة ويرجع إليكم. وإيّاى ودعوى الجاهليّة [٣] ، فإنى لا أجد أحدا دعا بها إلّا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكلّ ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن حرّق قوما حرّقناه، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا! فكفّوا عنّى أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدى ولسانى، ولا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامّتكم إلّا ضربت عنقه! وقد كانت بينى وبين أقوام إحن [٤] فجعلت ذلك دبر أذنى وتحت قدمى [٥] ، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته، إنّى لو علمت أن أحدكم قد قتله [٦] السلّ من بغضى لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدى لى صفحته، فإذا فعل لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على
стр. 7382
أنفسكم، فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ ومسرور بقدومنا سيبتئس [١] أيّها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة [٢] ، نسوسكم بسلطان الله الذى أعطاناه، ونذود عنكم بفىء الله الذى خوّلناه، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولّينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا أنى مهما قصّرت عنكم [٣] فإنى لا أقصّر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة منكم ولو أتانى طارقا بليل، ولا حابسا رزقا ولا عطاء عن إبّانه، ولا مجمّرا [٤] لكم بعثا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدّبون، وكهفكم الذى إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا [٥] ، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرّا لكم، أسأل الله أن يعين كلّا على كلّ، فإذا رأيتمونى أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله [٦] . وايم الله إن لى فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كلّ امرئ منكم أن يكون من صرعاى!.
стр. 7383
فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: «كذبت، ذاك نبىّ الله داود ﵊ [١] » .
فقال الأحنف: «قد قلت فأحسنت، أيّها الأمير [٢] والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لا نثنى حتّى نبتلى، ولا نحمد حتّى نعطى» . فقال زياد: صدقت.
فقام أبو بلال مرداس بن أديّة وهو يقول: [٣] أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
[٤] فأوعدنا الله خيرا ممّا أوعدتنا يا زياد [٥] فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما نريد منك ومن أصحابك سبيلا حتّى نخوض إليكم الباطل خوضا!. (وقيل: إنه قال: حتى نخوض إليها [٦] الدماء) .
стр. 7384
وقيل: إنّه لمّا قدم العراق خطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ معاوية غير مخوف على قومه، ولم يكن ليلحق بنسبه من ليس منه، وقد شهدت الشهود بما قد بلغكم، والحقّ أحقّ أن يتّبع، والله حيث وضع البينات كان أعلم، وقد رحلت عنكم وأنا أعرف صديقى من عدوّى، وقد قدمت عليكم، وصار العدوّ صديقا مناصحا، والصديق عدوا مكاشحا، فاشتمل كلّ امرئ على ما فى صدره، فلا يكوننّ لسانه شفرة تجرى على ودجه، وليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه أنى قد حملت سيفى بيده، فإن شهره لم أغمده، وإن أغمده لم أشهره» . ثم نزل.
واستعمل على شرطته عبد الله بن حصن.. وأجّل الناس حتّى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر، وكان يؤخر العشاء الآخرة، ثم يصلّى ويأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتّل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أنّ إنسانا يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج فلا يرى إنسانا إلا قتله.
فخرج ذات ليلة، فأخذ أعرابيا، فأتى به زيادا، فقال: هل سمعت النداء؟ قال: «لا والله قدمت بحلوبة لى، وغشينى الليل، فاضطررتها إلى موضغ، وأقمت لأصبح، ولا علم لى بما كان من الأمير» . قال:
أظنك والله صادقا ولكن فى قتلك صلاح الأمة. ثم أمر به فضربت عنقه.
وكان زياد أول من شدّد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وجرّد السيف، وأخذ على الظّنة، وعاقب بالشّبهة، وخافه الناس خوفا شديدا، حتّى أمن بعضهم بعضا، وحتى كان الشىء يسقط من الرجل
стр. 7385
أو المرأة فلا يعرض له أحد حتّى يأتيه صاحبه فيأخذه، ولا يغلق أحد بابه، وأدرّ العطاء، وبنى مدينة الرزق، وجعل الشّرط أربعة الآف.
وقيل له، إن السبيل مخوفة فقال: «لا أعانى شيئا وراء المصر حتّى أصلح المصر، فإن غلبنى فغيره أشدّ غلبة منه» . فلما ضبط المصر وأصلحه تكلّف ما وراء ذلك وأحكمه، وهو أول من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحرس خمسمائة لا يفارقون المسجد. والله أعلم.
ذكر عمال زياد بن أبيه
قال: ولمّا ولى زياد استعان بعدّة من أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم، منهم عمران بن حصين الخزاعى ولّاه قضاء البصرة، وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب.
فأمّا عمران فاستعفاه من القضاء فأعفاه، واستقضى عبد الله بن فضالة الليثى، ثم أخاه عاصم، ثم زرارة بن أوفى.
وجعل خراسان أرباعا، فاستعمل على مرو أمير بن أحمر اليشكرى وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفى، وعلى مرو الرّود والفارياب والطّالقان قيس بن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطائى، ثم عزله واستعمل الحكم بن عمرو الغفارى، وكانت له صحبته، وكان زياد قد قال لحاجبه: ادع لى الحكم (يريد الحكم بن أبى العاص الثقفى) ليوليه خراسان، فجاء بالحكم الغفارى، فقال له زياد: ما أردتك ولكن الله أرادك، فولّاه خراسان وجعل معه رجالا على جباية الخراج، منهم أسلم بن زرعة الكلابى وغيره، وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة ثم مات، واستخلف أنس بن
стр. 7386
أبى أناس بن زنيم فعزله زياد، وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفى بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثى رضى الله تعالى عنه [إلى خراسان] [١] فى خمسين ألفا من البصرة والكوفة.
[وحج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم، وكان على المدينة] [٢]
سنة ست وأربعين ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
وفى هذه السنة مات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان قد عظم أمره عند أهل الشام ومالوا إليه لغنائه بالروم ولآثار أبيه، فخافه معاوية، فأمر ابن أثال النصرانى أن يحتال فى قتله، [ضمن له أن] [٣] ويضع عنه خراجه ما عاش، ويولّيه خراج حمص فلمّا قدم عبد الرحمن من الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفّى له معاوية.
ثمّ قدم خالد بن عبد الرحمن المدينة، فجلس يوما إلى عروة بن الزّبير فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؛ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية فحبسه أياما وغرمه ديته، ورجع إلى المدينة فأتى عروة فقال له ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتكه ولكن ما فعل ابن جرموز؟ (يعنى قاتل الزبير) فسكت عروة.
وقد روى [٤] فى خبر عبد الرحمن بن خالد أن معاوية لمّا أراد البيعة
стр. 7387
ليزيد خطب أهل الشام وقال: «يا أهل الشام، إنى قد كبر سنّى وقرب أجلى، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، وإنما أنا رجل منكم، فارتؤا رأيكم» . فأصفقوا [١] واجتمعوا. وقالوا: رضينا عبد الرحمن ابن خالد. فشقّ ذلك على معاوية وأسرّها فى نفسه، ثم مرض عبد الرحمن فأمر معاوية طبيبا عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات. ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا، هو وغلام له، فرصدا ذلك اليهودى، فخرج ليلا من عند معاوية، ومعه قوم، فهجم عليه المهاجر فهربوا عنه فقتله المهاجر.
وقد قيل [١] إن الذى قتل ابن أثال أو اليهودىّ خالد بن المهاجر بن خالد، وأن عروة بن الزبير، كان يعيّره بترك الطلب بثأر عمه، فخرج خالد ونافع مولاه من المدينة حتّى أتيا دمشق، فرصد الطبيب ليلا عند مسجد دمشق، وكان يسمر عند معاوية، فلما انتهى إليهما ومعه قوم من حشم معاوية، حملا عليهم، فانفرجوا، وضرب خالد بن المهاجر اليهودىّ فقتله، ثم انصرف إلى المدينة، وقال لعروة بن الزبير:
قضى لابن سيف الله بالحقّ سيفه ... وعرّى من حمل الذّحول [٢] رواحله
سل ابن أثال هل ثأرت ابن خالد؟ ... فهذا ابن جرموز فهل أنت قاتله؟
стр. 7388
وحج بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان.
سنة سبع وأربعين
فى هذه السنة عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها معاوية ابن حديج وكان عثمانيا، فمرّ به عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما فقال: «يا معاوية، قد أخذت جزاءك من معاوية، قد قتلت أخى محمدا لتلى مصر، فقد وليتها» . فقال:
ما قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان، فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان ما شاركت معاوية فيما صنع، حيث عمل عمرو بالأشعرى ما عمل، فوثبت أول الناس فبايعته.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان، وقيل: عنبسة ابن أبى سفيان.
سنة ثمان وأربعين
فى هذه السنة استعمل زياد غالب بن فضالة الليثى على خراسان وكانت له صحبة.
وحجّ بالناس مروان بن الحكم وهو يتوقّع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له.
стр. 7389
سنة تسع وأربعين
فى هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة، فى شهر ربيع الأول، وأمّر سعيد بن العاص [١] ، فكانت ولاية مروان المدينة ثمانى سنين وشهرين، وكان على قضاء المدينة عبد الله [٢] بن الحارث بن نوفل، فعزله سعيد حين ولّى، واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن.
ذكر وفاة الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنه
قد اختلف فى وقت وفاته رضى الله عنه، فقيل: [فى سنة تسع وأربعين، وقيل: بل مات] [٣] فى شهر ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: مات فى سنة إحدى وخمسين، ودفن فى بقيع الغرقد [٤] ، وصلى عليه سعيد بن العاص أمير المدينة، قدّمه الحسين للصلاة عليه، وقال له لولا أنها سنّة ما قدمتك.
قال أبو عمر بن عبد البر [٥] : وقد كانت عائشة رضى الله عنها أباحت له أن يدفن مع رسول الله ﷺ فى بيتها،
стр. 7390
وكان قد سألها ذلك فى مرضه، فلمّا مات منع من ذلك مروان بن الحكم وبنو أميّة.
وروى [١] أبو عمر: أن الحسن لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: «يا أخى إن أباك ﵀ لما قبض رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر رجاء أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه، وولّاها أبا بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوّف لها أيضا، فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشكّ أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما هلك عثمان بويع له، ثم نوزع حتّى جرّد السيف، وطلبها، النبوّة والخلافة [٢] ، فلا أعرفنّ ما استخفّك سفهاء أهل الكوفة:
فأخرجوك، وإنى قد كنت طلبت إلى عائشة إذا متّ أن تأذن لى فأدفن فى بيتها مع رسول الله ﷺ . فقالت: نعم، وإنى لا أدرى لعلها كان ذلك منها حياء [٣] ، فإن طابت نفسها فادفنّى فى بيتها، وما أظن إلّا أن القوم سيمنعونك إذا أردت ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم فى ذلك، وادفنّى فى بقيع الغرقد، فإن لى بمن فيه أسوة فلمّا مات الحسن رضى الله عنه أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها