أبى أناس بن زنيم فعزله زياد، وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفى بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثى رضى الله تعالى عنه [إلى خراسان] [١] فى خمسين ألفا من البصرة والكوفة.
[وحج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم، وكان على المدينة] [٢]
سنة ست وأربعين ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
وفى هذه السنة مات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان قد عظم أمره عند أهل الشام ومالوا إليه لغنائه بالروم ولآثار أبيه، فخافه معاوية، فأمر ابن أثال النصرانى أن يحتال فى قتله، [ضمن له أن] [٣] ويضع عنه خراجه ما عاش، ويولّيه خراج حمص فلمّا قدم عبد الرحمن من الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفّى له معاوية.
ثمّ قدم خالد بن عبد الرحمن المدينة، فجلس يوما إلى عروة بن الزّبير فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؛ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية فحبسه أياما وغرمه ديته، ورجع إلى المدينة فأتى عروة فقال له ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتكه ولكن ما فعل ابن جرموز؟ (يعنى قاتل الزبير) فسكت عروة.
وقد روى [٤] فى خبر عبد الرحمن بن خالد أن معاوية لمّا أراد البيعة
стр. 7387
ليزيد خطب أهل الشام وقال: «يا أهل الشام، إنى قد كبر سنّى وقرب أجلى، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، وإنما أنا رجل منكم، فارتؤا رأيكم» . فأصفقوا [١] واجتمعوا. وقالوا: رضينا عبد الرحمن ابن خالد. فشقّ ذلك على معاوية وأسرّها فى نفسه، ثم مرض عبد الرحمن فأمر معاوية طبيبا عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات. ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا، هو وغلام له، فرصدا ذلك اليهودى، فخرج ليلا من عند معاوية، ومعه قوم، فهجم عليه المهاجر فهربوا عنه فقتله المهاجر.
وقد قيل [١] إن الذى قتل ابن أثال أو اليهودىّ خالد بن المهاجر بن خالد، وأن عروة بن الزبير، كان يعيّره بترك الطلب بثأر عمه، فخرج خالد ونافع مولاه من المدينة حتّى أتيا دمشق، فرصد الطبيب ليلا عند مسجد دمشق، وكان يسمر عند معاوية، فلما انتهى إليهما ومعه قوم من حشم معاوية، حملا عليهم، فانفرجوا، وضرب خالد بن المهاجر اليهودىّ فقتله، ثم انصرف إلى المدينة، وقال لعروة بن الزبير:
قضى لابن سيف الله بالحقّ سيفه ... وعرّى من حمل الذّحول [٢] رواحله
سل ابن أثال هل ثأرت ابن خالد؟ ... فهذا ابن جرموز فهل أنت قاتله؟
стр. 7388
وحج بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان.
سنة سبع وأربعين
فى هذه السنة عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها معاوية ابن حديج وكان عثمانيا، فمرّ به عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما فقال: «يا معاوية، قد أخذت جزاءك من معاوية، قد قتلت أخى محمدا لتلى مصر، فقد وليتها» . فقال:
ما قتلت محمدا إلا بما صنع بعثمان، فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان ما شاركت معاوية فيما صنع، حيث عمل عمرو بالأشعرى ما عمل، فوثبت أول الناس فبايعته.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان، وقيل: عنبسة ابن أبى سفيان.
سنة ثمان وأربعين
فى هذه السنة استعمل زياد غالب بن فضالة الليثى على خراسان وكانت له صحبة.
وحجّ بالناس مروان بن الحكم وهو يتوقّع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له.
стр. 7389
سنة تسع وأربعين
فى هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة، فى شهر ربيع الأول، وأمّر سعيد بن العاص [١] ، فكانت ولاية مروان المدينة ثمانى سنين وشهرين، وكان على قضاء المدينة عبد الله [٢] بن الحارث بن نوفل، فعزله سعيد حين ولّى، واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن.
ذكر وفاة الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنه
قد اختلف فى وقت وفاته رضى الله عنه، فقيل: [فى سنة تسع وأربعين، وقيل: بل مات] [٣] فى شهر ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: مات فى سنة إحدى وخمسين، ودفن فى بقيع الغرقد [٤] ، وصلى عليه سعيد بن العاص أمير المدينة، قدّمه الحسين للصلاة عليه، وقال له لولا أنها سنّة ما قدمتك.
قال أبو عمر بن عبد البر [٥] : وقد كانت عائشة رضى الله عنها أباحت له أن يدفن مع رسول الله ﷺ فى بيتها،
стр. 7390
وكان قد سألها ذلك فى مرضه، فلمّا مات منع من ذلك مروان بن الحكم وبنو أميّة.
وروى [١] أبو عمر: أن الحسن لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: «يا أخى إن أباك ﵀ لما قبض رسول الله ﷺ استشرف لهذا الأمر رجاء أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه، وولّاها أبا بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوّف لها أيضا، فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشكّ أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما هلك عثمان بويع له، ثم نوزع حتّى جرّد السيف، وطلبها، النبوّة والخلافة [٢] ، فلا أعرفنّ ما استخفّك سفهاء أهل الكوفة:
فأخرجوك، وإنى قد كنت طلبت إلى عائشة إذا متّ أن تأذن لى فأدفن فى بيتها مع رسول الله ﷺ . فقالت: نعم، وإنى لا أدرى لعلها كان ذلك منها حياء [٣] ، فإن طابت نفسها فادفنّى فى بيتها، وما أظن إلّا أن القوم سيمنعونك إذا أردت ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم فى ذلك، وادفنّى فى بقيع الغرقد، فإن لى بمن فيه أسوة فلمّا مات الحسن رضى الله عنه أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها
стр. 7391
فقالت: نعم وكرامة. فبلغ ذلك مروان بن الحكم [١] فقال: «كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبدا، منعوا عثمان من دفنه فى المقبرة ويريدون دفن الحسن فى بيت عائشة.» . فبلغ ذلك الحسين فدخل هو ومن معه فى السلاح، واستلأم مروان فى الحديد أيضا، فبلغ ذلك أبا هريرة رضى الله عنه فقال: «والله ما هو إلّا ظلم، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه! والله إنه لابن رسول الله ﷺ » .
ثم انطلق إلى الحسين فكلّمه وناشده الله وقال له: «أليس قد قال أخوك: إن خفت أن يكون قتال فردّنى إلى مقبرة المسلمين؟» . فلم يزل به حتى فعل، وحمله إلى البقيع، فلم يشهده يومئذ من بنى أمية إلّا سعيد بن العاص، فقدّمه الحسين للصلاة، وقال: هى للسنة [٢] .
وشهدها خالد بن الوليد بن عقبة بعد أن ناشد بنى أمية أن يخلوه يشهد الجنازة فتركوه فشهد دفنه فى المقبرة، ودفن إلى جنب أمّه فاطمة رضى الله عنهما.
قال [٣] : وقال أبو قتادة وأبو بكر بن حفص: سمّ الحسن ابن علىّ رضى الله عنهما، سمّته أمرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندى. قال: وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها [فى ذلك، وكان لها ضرائر] [٤] وأنه وعدها بخمسين ألف
стр. 7392
درهم، وأن يزوّجها من يزيد، فلما فعلت وفّى لها بالمال، وقال:
حبّنا ليزيد يمنعنا من الوفاء لك بالشرط الثانى.
وروى قتادة قال: دخل الحسين على أخيه الحسن رضى الله عنهما فقال: «يا أخى إنى سقيت السمّ ثلاث مرات، ولم أسق مثل هذه المرة، إنى لأضع كبدى!» . فقال الحسين: من سقاك يا أخى؟ قال:
«ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم؟ أكلهم إلى الله.» . [١]
فلمّا مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: «يا عجبا من الحسن! شرب شربة من عسل بماء رومة [٢] فقضى نحبه!» .
وأتى ابن عبّاس معاوية فقال له: يابن عباس احتسب الحسر لا يحزنك الله ولا يسوءك. قال: أما ما أبقاك الله يا أمير المؤمنين فلا يحزننى الله ولا يسوؤنى، فأعطاه على كلمته ألف ألف درهم وعروضا وأشياء. وقال: خذها فاقسمها على أهلك.
ومات الحسن رضى الله عنه وله من السن يومئذ سبع وأربعون سنة.
وقيل: ستّ وأربعون سنة.
وكان رضى الله عنه وأرضاه ورعا فاضلا، دعاه ورعه وفضله إلى ترك الخلافة رغبة فيما عند الله، وقال: والله ما أحببت منذ علمت ما ينفعنى ويضّرنى أن ألى أمر أمة محمد ﷺ ، على أن يراق فى ذلك محجمة دم.
وحج بالناس فى هذه السنة سعيد بن العاص.
стр. 7393
سنة خمسين
ذكر وفاة المغيرة بن شعبة
فى هذه السنة توفّى المغيرة بن شعبة بن أبى عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس وهو ثقيف.
وكان الطاعون قد وقع بالكوفة فهرب المغيرة منه، فلما ارتفع عاد إلى الكوفة، وطعن فمات [١] فى شعبان من السنة، وكان طوالا أعور، ذهبت عينه يوم اليرموك، وتوفّى وهو ابن سبعين سنة.
وكان المغيرة من الدّهاة، روى عن الشعبى قال: كان دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه، فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة [٢] ، وأما زياد فللكبيرة والصغيرة، وحكى الرياشى عن الأصمعى قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة، وعمرو للبديهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم.
ولما دفن وقف على قبره مصقلة بن هبيرة الشيبانى وقال:
إنّ تحت الأحجار حزما وجودا ... وخصيما ألدّ ذا معلاق [٣]
حيّة فى الوجار [٤] أربد [٥] لا ين ... فع منه السّليم نفث الرّاقى
стр. 7394
ثم قال، أما والله لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت، شديد الأخوّة لمن آخيت.
وكان المغيرة كثير الزواج، قال أبو عمر [١] : قال نافع أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة فى الإسلام. قال [٢] : وغيره [٣] يقول: ألف امرأة ولمّا حضرته الوفاة استخلف على الكوفة ابنه عروة، وقيل: استخلف جريرا، فولّى معاوية زيادا.
ذكر ولاية زياد الكوفة
قال [٤] : ولما مات المغيرة استعمل معاوية زيادا على الكوفة، وهو أوّل من جمع له بين الكوفة والبصرة، فسار إلى الكوفة، واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، فكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر، وبالبصرة ستة أشهر.
ولمّا وصل الكوفة خطبهم، فحصب وهو على المنبر، فجلس حتّى أمسكوا، ثم دعا قوما من خاصّته فأمرهم فأخذوا أبواب المسجد ثم قال:
ليأخذنّ كلّ رجل منكم جليسه، ولا يقولنّ لا أدرى من جليسى.
ثم أمر بكرسى فوضع [٥] على باب المسجد، ثم دعاهم أربعة أربعة يحلفون: ما منّا من حصبك، فمن حلف خلّاه، ومن لم يحلف حبسه، حتى صاروا ثلاثين، وقيل: ثمانين، فقطع أيديهم، واتخذ زياد المقصورة حين حصب.
стр. 7395
قال: وأما سمرة فإنه أكثر القتل بالبصرة لمّا استخلفه زياد عليها، قال ابن سيرين: قتل سمرة فى غيبة زياد هذه ثمانية آلاف. فقال زياد:
أتخاف أن تكون قتلت بريئا؟ قال: لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت.
وقال أبو السّوار العدوى: قتل سمرة من قومى فى غداة واحدة سبعة وأربعين، كلهّم قد جمع القرآن.
وركب سمرة يوما، فلقيت أوائل خيله رجلا فقتلوه، فمرّ به سمرة وهو يتشحّط فى دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: أصابه أوائل خيلك، فقال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنّتنا.
ذكر ما قصده معاوية من نقل المنبر من المدينة إلى الشام ومن قصد ذلك بعده من الأمراء
فى هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله ﷺ أن يحمل إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النبى ﷺ بالمدينة، وهم قتلة عثمان. فطلب العصا، وهى عند سعد القرظ [١] وحرّك المنبر، فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك، فتركه.
وقيل: أتاه جابر وأبو هريرة فقالا: يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله ﷺ من موضع وضعه، وتنقل
стр. 7396
عصاه إلى الشام فانقل المسجد، فتركه وزاد فيه ست درجات، واعتذر مما صنع.
فلما ولى عبد الملك بن مروان همّ بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله أن [١] لا تفعل، إن معاوية حركه فكسفت الشمس،
وقال رسول الله ﷺ : «من حلف على منبرى آثما فليتبوأ مقعده من النار»
وهو مقطع الحقوق بينهم [٢] بالمدينة. فتركه عبد الملك.
فلما ولى الوليد ابنه وحج همّ بذلك، فأرسل سعيد بن المسيّب إلى عمر بن عبد العزيز فقال: كلّم صاحبك لا يتعرّض للمسجد ولا لله والسخط له، فكلّمه عمر فتركه.
فلما حجّ سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد، فقال سليمان: «ما كنت أحبّ أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا، ولا عن الوليد، ما لنا ولهذا؟ أخذنا الدنيا فهى فى أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الاسلام يوفد إليه فنحمله، هذا ما لا يصلح!» .
وفيها عزل معاوية معاوية بن حديج عن مصر، واستعمل عليها مسلمة بن مخلّد مع إفريقية [٣] وكان على إفريقية عقبة بن نافع، وكان قد اختطّ قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيّات فدعا الله عليها، فلم يبق منها شىء إلا خرج هاربا، حتّى إن كانت السباع لتحمل أولادها، وبنى الجامع، فلما عزله معاوية عن إفريقية
стр. 7397
وأضافها إلى مسلمة بن مخلّد استعمل [١] على إفريقية مولى له يقال له: «أبو المهاجر» ، فلم يزل عليها حتّى هلك معاوية.
وقيل: إن عقبة بن نافع ولى إفريقية فى هذه السنة وعمّر مدينة القيروان، وكانت غيضة على ما تقدم، فدعا الله تعالى، وكان مستجاب الدعوة، ثم نادى: «أيّتها الحيّات والسّباع، إنا أصحاب رسول الله ﷺ ارحلوا عنّا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه» .
فنظر الناس إلى الدوابّ تحمل أولادها وتنتقل، فأسلم كثير من البربر، وقطع الأشجار [وأمر ببناء المدينة، فبنيت] [٢] وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، وكان دور القيروان ثلاثة آلاف باع وستمائة باع. وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك بما هو أبسط من هذا فى أخبار إفريقة وبلاد الغرب.
ذكر وفاة الحكم بن عمرو الغفارى
وفى هذه السنة توفى الحكم بن عمرو الغفارى بمرو، على أحد الأقوال، وله صحبة، وكان زياد قد كتب [٣] إليه: «إن أمير المؤمنين معاوية أمرنى أن أصطفى له الصّفراء والبيضاء، فلا تقسم بين الناس ذهبا ولا فضة» . فكتب إليه الحكم: «بلغنى ما أمر به أمير المؤمنين، وإنى وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السماوات والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل له
стр. 7398
فرجا ومخرجا، والسلام عليك» . ثم قال للناس: اغدوا على أعطياتكم وما لكم، فقسمه بينهم [١] ، ثم قال: اللهم إن كان لى عندك خير فاقبضنى إليك. فمات، واستخلف لمّا حضرته الوفاة أنس بن أبى أناس.
وحج بالناس فى هذه السنة معاوية، وقيل: بل حج ابنه يزيد.
وفيها توفى عثمان بن أبى العاص الثقفى، وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، وأبو موسى الأشعرى، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وتوفى غيرهم من الصحابة [٢] رضى الله عنهم.
سنة احدى وخمسين
فى هذه السنة استعمل زياد بن أبيه الربيع بن زياد الحارثى على خراسان بعد وفاة الحكم، وكان الحكم قد استخلف أنس بن أبى أناس كما ذكرنا فعزله زياد، وولى خليد بن عبد الله الحنفى، ثم عزله، وولى الربيع فى أول سنة إحدى وخمسين، وسير معه خمسين ألفا بعيالهم من أهل الكوفة والبصرة، منهم بريدة بن الحصيب وأبو برزة، ولهما صحبة، فسكنوا خراسان، فلمّا قدمها غزا بلخ ففتحها صلحا، وكانت قد أغلقت بعد ما صالحهم الأحنف، وفتح قهستان عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك، وبقى منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم فى لايته.
والله ولى التوفيق.
стр. 7399
ذكر مقتل حجر بن عدى وعمرو بن الحمق وأصحابهما
وفى هذه السنة كان مقتل حجر بن عدى وأصحابه، وسبب ذلك أن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، أمر بشتم علىّ رضى الله عنه وذمّه والترحّم على عثمان والاستغفار له وعيب أصحاب على، فأقام المغيرة على الكوفة وهو أحسن الناس سيرة، غير أنه لا يدع شتم علىّ والوقوع فيه، والدعاء لعثمان والاستغفار له، فلما سمع ذلك حجر بن عدىّ قال: بل إياكم قد ذمّ الله ولعن! ثم قام فقال: أنا أشهد أن من تذمّون أحقّ بالفضل، ومن تزكّون أولى بالذم! فيقول له المغيرة يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك. ثم يكفّ عنه.
فلما كان فى آخر إمارته قال فى علىّ وعثمان ما كان يقول، فقام حجر فصاح بالمغيرة صيحة سمعها كلّ من فى المسجد، وقال له:
«مر لنا أيّها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا، وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين» . فقام أكثر من ثلثى الناس يقولون: صدق حجر وبرّ، مر لنا بأرزاقنا! فنزل المغيرة ودخل القصر، فجاءه أصحابه وقالوا: علام تترك هذا الرجل يجترئ عليك فى سلطانك؟ فقال لهم: «قد قتلته، سيأتى بعدى أمير يحسبه مثلى، فيصنع به ما ترونه، فيقتله، إنى قد قرب أجلى، ولا أحبّ أن أقتل خيار أهل هذه المصر فيسعد وأشقى، ويعز فى الدنيا معاوية ويشقى فى الآخرة المغيرة! [١] » ثمّ توفّى المغيرة [٢] .
стр. 7400
وولّى زياد، فقام فى الناس فخطبهم عند قدومه فترحّم على عثمان وأثنى على أصحابه، ولعن قاتليه، فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة.
ورجع زياد إلى البصرة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علىّ رضى الله عنه، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم حصبوا عمرو بن حريث. فشخص إلى الكوفة، وصعد [١] المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وحجر جالس، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ غبّ البغى والغىّ وخيم، إن هؤلاء جمّوا فأشروا [٢] ، وأمنونى فاجترءوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشىء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده! ويل امّك يا حجر، سقط العشاء بك على سرحان [٣] !» وأرسل إلى حجر يدعوه وهو فى ناحية المسجد، فأتاه الرسول يدعوه إليه، فقال أصحابه، لا يأتيه ولا كرامة! فرجع الرسول فأخبر زيادا، فأمر صاحب شرطته- وهو شدّاد بن الهيثم الهلالىّ- أن يبعث إليه جماعة، ففعل، فسبّهم أصحاب حجر فرجعوا فأخبروا زيادا.
стр. 7401
فجمع أهل الكوفة وقال: «تشجّون بيد وتأسون بأخرى [١] ، أبدانكم معى وقلوبكم مع حجر الأحمق، هذا والله من دحسكم [٢] ، والله لتظهرنّ لى براءتكم، أو لآتينكّم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم [٣] » .
فقالوا: معاذ الله أن يكون لنا رأى إلّا طاعتك وما فيه رضاك. قال:
فليقم كلّ رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله.
ففعلوا ذلك، وأقاموا أكثر أصحابه عنه.
وقال [٤] زياد لصاحب شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتنى به، وإلّا فشدّوا عليهم بالسيوف [٥] حتى تأتونى به. فأتاه صاحب الشرطة يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابتهم، فحمل عليهم، فقال أبو العمّرطة الكندى لحجر: «إنه ليس معك من معه سيف غيرى، وما يغنى عنك سيفى؟ قم فالحق بأهلك يمنعك قومك» . وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشيهم أصحاب زياد، وضرب رجل رأس عمرو ابن الحمق بعمود فوقع، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى خرج، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، وضرب بعض الشّرط يد عائد [٦] بن حملة التميمى وكسر نابه، فأخذ عمودا
стр. 7402
من بعض الشّرط فقاتل به، وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة، وأتى حجر ببغلته فقال له أبو العمرّطة: اركب فقد قتلتنا ونفسك. وحمله حتى أركبه، وركب أبو العمرطة فرسه، ولحقه يزيد بن ظريف المسلىّ فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخذه، وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب به رأسه فسقط. فكان ذلك السيف أول سيف ضرب به فى الكوفة فى اختلاف بين الناس.
ومضى حجر وأبو العمرّطة إلى دار حجر، واجتمع إليهما ناس كثير، ولم يأته من كندة كثير أحد، ثم اختفى حجر، وتنقّل من مكان إلى آخر، والطلب خلفه، حتى أتى الأزد، واختفى عند ربيعة بن ناجد.
فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث، وقال له: والله لتأتينّى به أو لأقطعنّ كل نخلة لك، وأهدم دورك، ثم أقطعك إربا إربا، فاستمهله، فأمهله ثلاثا، وأقام حجر ببيت ربيعة يوما وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له: ليأخذ له أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية، فجمع محمد جماعة، منهم جرير ابن عبد الله، وحجر بن زيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له أن يرسله إلى معاوية فأجابهم، فأرسلوا إلى حجر فحضر عند زياد، فلما رآه قال: «مرحبا أبا عبد الرحمن، حرب أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس! على أهلها تجنى براقش [١] » . فقال حجر: «ما خلعت طاعة، ولا فارقت جماعة،
стр. 7403
وإنى على بيعتى» . فأمر به إلى السجن، فلما ولى قال زياد: والله لأحرّضنّ على قطع خيط رقبته.. وطلب أصحابه.
فخرج عمرو بن الحمق حتّى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شدّاد، فاختيفا بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن ابن [عبد الله] [١] عثمان الثقفى، ويعرف بابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية [٢] ؛ فسار إليهما فخرجا إليه، وكان عمرو قد استسقى بطنه، فأمسك، وركب رفاعة فرسه وحمل على القوم، فأفرجوا له، فنجا، وكتب عامل الموصل إلى معاوية بخبر عمرو بن الحمق، فكتب إليه معاوية: «إنه يزعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص [٣] معه، فاطعنه كما طعن عثمان» . فطعنه فمات فى الأولى منها أو الثانية.
وجدّ زيّاد فى طلب أصحاب حجر، فهربوا منه، وأخذ من قدر عليه منهم، فاجتمع له اثنا عشر رجلا فى السجن.
ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ، وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبى موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجر بن عدى جمع الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حربه، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا فى آل أبى طالب،
стр. 7404
وأنه وثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبى تراب [١] والترحّم عليه والبراءة من عدوه وأهل حزبه، وشهدوا أن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه وأمره.
ونظر زياد فى شهادة الشهود فقال: إنى أحب أن يكونوا أكثر من أربعة، فدعا الناس ليشهدوا فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة ابن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبى معيط، وعمر بن سعد بن أبى وقّاص وغيرهم [٢] .
وكتب فى الشهود شريح بن الحارث القاضى وشريح بن هانىء، فكان شريح بن هانىء يقول: ما شهدت [٣] .
ثم دفع زياد حجر بن عدى الكندى وأصحابه (وهم الأرقم بن عبد الله الكندى، وشريك بن شدّاد الحضرمى، وصيفى بن فسيل الشيبانى، وقبيصة بن ضبيعة العبسى، وكريم بن عفيف الخثعمى وعاصم بن عوف البجلى، وورقاء بن سمى البجلى، وكدام بن حيّان، وعبد الرحمن بن حسان؛ العنزيان التميميان، ومحرز بن شهاب التميمى، وعبد الله بن حويّة السعدى التميمى) إلى وائل ابن حجر الحضرمى وكثير بن شهاب، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فلحقهم شريح بن هانئ بعد مسيرهم، وأعطى وائلا كتابا وقال: أبلغه أمير المؤمنين.
стр. 7405
فساروا حتّى انتهوا إلى مرج عذراء [١] بالقرب من دمشق، وأتبعهم زياد برجلين وهما عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر، وسعد بن نمران الهمدانى، فكملوا أربعة عشر رجلا، فلما انتهوا إلى مرج عذراء بعث معاوية إلى وائل بن حجر، وكثير بن شهاب فأدخلهما، وأخذ كتابهما فقرأه، ثم قرأ كتاب شريح فإذا فيه: «بلغنى أن زيادا كتب شهادتى، وإن شهادتى على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه» .
فقال معاوية: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم.
فقام يزيد بن أسد البجلى فاستوهبه ابنى عمه وهما عاصم وورقاء، وكان جرير بن عبد الله البجلى قد كتب بتزكيتهما وبراءتهما [٢] فأطلقهما معاوية، وشفع وائل بن حجر فى الأرقم فتركه له، وشفع ابن الأعور السّلمى فى عتبة فتركه له، وشفع حمرة [٣] بن مالك الهمدانى فى سعد بن تمران فوهبه له، وشفع حبيب بن مسلمة فى عبد الله بن حوية فتركه له، وقام مالك بن هبيرة السّكونى، فقال:
دع لى ابن عمى حجرا، فقال: «هو رأس القوم، وأخاف إن خلّيت
стр. 7406
سبيله أن يفسد علىّ مصره، فأحتاج أن أشخصك إليه بالعراق!» فقال: «والله ما أنصفتنى يا معاوية! قاتلت معك ابن عمك يوم صفّين حتّى ظفرت وعلا كعبك، ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمى فمنعتنى إياه» . ثم انصرف فجلس فى بيته.
فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعى، والحصين بن عبد الله الكلابى وأبا شريف البدّى إلى حجر وأصحابه؛ ليقتلوا من أمروا بقتله، فأتوهم عند المساء، فلما رأى الخثعمى [١] أحدهم أعور [٢] قال: يقتل نصفنا ويترك نصفنا! فكان كذلك [٣] ، وعرضوا عليهم قبل القتل البراءة من علىّ ولعنه ويتركوهم، فامتنعوا من ذلك، فحفرت القبور وأحضرت الأكفان.
فقام حجر بن عدىّ وأصحابه يصلّون عامّة الليل، فلما كان من الغد قدّموا للقتل، فقال لهم حجر: اتركونى حتى أتوضأ وأصلى فإنى ما توضأت إلّا صلّيت. فتركوه، فصلّى ثم انصرف، وقال:
والله ما صلّيت صلاة قطّ أخفّ منها، ولولا أن تظنوا بى جزعا من الموت لاستكثرت منها. ثم قال: «اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتمونى بها إنّى لأول فارس من المسلمين هلك فى واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها» . ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف، فارتعد، فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ
стр. 7407
من صاحبك وندعك. فقال: «ومالى لا أجزع وأرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا. وإنى والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب» . فقتلوه وقتلوا خمسة [١] .
فقال عبد الرحمن بن حسان- وكريم الخثعمى: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول فى هذا الرجل مثل مقالته. فاستأذنوا معاوية فيهما، فأذن بإحضارهما، فلما دخلوا عليه قال كريم: «الله الله يا معاوية! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا. فقال: ما تقول فى علىّ؟ قال: أقول فيه قولك. قال: أتبرأ من دينه الذى يدين الله به؟ فسكت، وقام شمر ابن عبد الله من بنى قحافه بن خثعم، فاستوهبه إيّاه، فوهبه له على ألّا يدخل الكوفة.
ثم قال لعبد الرحمن: ما تقول فى علىّ يا أخا ربيعة؟ قال: دعنى لا تسألنى فهو خير لك. قال: والله لا أدعك. قال: «أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس رضى الله عنه» . قال: فما تقول فى عثمان؟
قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وغلّق أبواب الحق. قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادى. (يعنى ليشفعوا فيه) فردّه إلى زياد وأمره أن يقتله شرّ قتلة، فدفنه حيا.
وكان عدة من قتل سبعة وهم: حجر بن عدى، وشريك بن
стр. 7408
شدّاد، وصيفى بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة، ومحرز بن شهاب، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسّان الذى دفن حيا.
قال: وأما مالك بن هبيرة السّكونى حين لم يشفّعه معاوية فى حجر، فإنه جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ليخلّص حجرا وأصحابه، فلقيه قتلتهم، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلّص حجرا، فقال لهم: ما وراءكم؟
قالوا: قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين. فسكت وسار إلى عذراء فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم، فأرسل الخيل فى قتلتهم فلم يدركوهم. ودخلوا على معاوية فأخبروه، فقال لهم: إنما هى حرارة يجدها فى نفسه، فكأنها قد طفئت. وعاد مالك.
إلى بيته ولم يأت معاوية، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم، وقال: «ما منعنى أن أشفّعك إلّا خوف أن تعيدوا لنا حربا، فيكون فى ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر» .
فأخذها وطابت نفسه.
قال [١] : ولما بلغ الحسن البصرىّ قتل حجر وأصحابه قال: أصلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم. قال:
حجوهم [٢] وربّ الكعبة!» .
قال: ولمّا بلغ خبر حجر عائشة رضى الله عنها، أرسلت عبد الرحمن ابن الحارث إلى معاوية فيه وفى أصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبى سفيان؟ قال: «حين غاب عنّى مثلك من حلماء قومى، وحمّلنى ابن سميّة فاحتملت!» .
стр. 7409
وقالت عائشة: «لولا أنّا لم نغيّر شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشدّ منه لغيّرنا قتل حجر! أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجّاجا معتمرا!» .
وقال الحسن البصرى ﵀: «أربع خصال كنّ فى معاوية، لو لم تكن فيه إلّا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه [١] على هذه الأمّة بالسيف، حتى أخذ الأمر عن غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكّيرا خمّيرا يلبس الحرير ويضرب بالطّنابير، وادّعاؤه زيادا،
وقد قال رسول الله ﷺ : الولد للفراش وللعاهر الحجر
. وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر!» .
قيل: وكان الناس يقولون: أول ذلّ دخل الكوفة موت الحسن ابن على، وقتل حجر بن عدىّ، ودعوة زياد.
وقالت هند [٢] بنت زيد الأنصارية ترثى حجرا وكانت تتشيع.
ترفّع أيّها القمر المنير ... تبصّر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير
تجبّرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق [٣] والسّدير
وأصبحت البلاد له محولا [٤] ... كأن لم يحيها مزن مطير
стр. 7410
ألا يا حجر حجر بنى عدىّ ... تلقّتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى [١] عديّا ... وشيخا فى دمشق له زئير
فإن يهلك فكل زعيم قوم ... من الدنيا إلى هلك يصير
وقد قيل فى قتل حجر غير ما تقدم، وهو أن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حجر بن عدى: الصلاة.
فمضى فى خطبته فقال له: الصلاة. فمضى فى خطبته، فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من حصى، وقال إلى الصلاة وقام الناس معه، فلما رأى زياد ذلك نزل فصلّى بالناس، وكتب إلى معاوية وكبر [٢] عليه، فكتب إليه معاوية ليشدّه فى الحديد ويرسله إليه، فلمّا أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعا وطاعة. فشدّ فى الحديد، وحمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: «أأمير المؤمنين أنا؟ والله لأقتلنّك [٣] ولا أستقيلك! أخرجوه فاضربوا عنقه!» .
فقال حجر للذين يلون أمره: دعونى حتى أصلى ركعتين. فقالوا:
فصلّى ركعتين خفّف فيهما ثم قال: لولا أن تظنوا بى غير الذى أردت لأطلتهما، وقال لمن حضره من قومه: لا تطلقوا عنى حديدا ولا تغسلوا عنى دما، فإنى ملاق معاوية غدا على الجادّة [٤] !» . وضربت عنقه..
стр. 7411
قال [١] فلقيت عائشة معاوية فقالت: أين كان حلمك عن حجر؟
فقال: لم يحضرنى رشد! وقال ابن سيرين: بلغنا أنّ معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول: يومى منك يا حجر طويل!.
وحج بالناس فى هذه السنه يزيد بن معاوية
سنة اثنتين وخمسين
كان فيها من الغزاة وأمر الخوارج ما قدمنا ذكره.
وحج بالناس فى هذه السنة سعيد بن العاص.
سنة ثلاث وخمسين
فى هذه السنة توفى عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما، على أحد الأقوال، وقيل بعد ذلك [٢] .
ذكر وفاة زياد بن أبيه
كانت وفاته بالكوفة يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين، واختلف فى مولده، فقيل: ولد عام الهجرة، وقيل: قبل الهجرة وقيل ولد يوم بدر. وقال المدائنى: ولد عام التاريخ.
وكان يكنى «أبا المغيرة» حكاه أبو عمر [٣] قال: وليست له صحبة ولا رواية، قال: وكان رجلا عاقلا فى دنياه، داهية، خطيبا، له قدر وجلالة عند أهل الدنيا.
стр. 7412
قال أبو جعفر الطبرى [١] ﵀: وكان زياد كتب إلى معاوية: «إنى قد ضبطت لك العراق بشمالى، ويمينى فارغة، فاشغلها بالحجاز» . ففعل. فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله ابن عمر بن الخطاب! فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يكفيكموه.
فاستقبل القبلة واستقبلوها، فدعوا ودعا، وكان من دعائه أن قال:
اللهم اكفنا يمين زياد! فخرجت طاعونة على إصبع يمينه، فمات منها فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضى فقال: قد حدث بى ما ترى، وقد أمرت بقطعها فأشر على. فقال شريح: إنى أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم، وقد قطعت يدك كراهية لقائه، أو أن يكون فى الأجل تأخير، فتعيش أجذم ويعيّر ولدك» فقال: لا أبيت والطاعون فى سجاف [٢] واحد [٣] ، وخرج شريح من عنده فسأله الناس، فأخبرهم فلاموه، وقالوا: هلا أشرت بقطها؟ فقال: «المستشار مؤتمن [٤] » . وقيل أراد زياد قطعها، فلمّا رأى النار والمكاوى جزع وتركها وقيل: تركها لما أشار عليه شريح.
ولمّا حضرته الوفاة قال له ابنه: هلّا هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها، فقال: يا بنّى قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه أو سلب سريع!
стр. 7413
فمات ودفن بالثّويّة إلى جانب الكوفة، وهو موضع فيه مقبرة الكوفة.
فلما بلغ موته ابن عمر قال: «اذهب ابن سميّة! لا الآخرة أدركت، ولا الدنيا أبقيت عليك!» .
قال: وكان زياد فيه حمرة، وفى عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص ربما رقّعه.
وفيها مات الربيع بن زياد الحارثى عامل خراسان قبل وفاة زياد، وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدى، حتى إنه قال: «لا تزال العرب تقتل بعده صبرا [١] ! ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا، ولكنها أقرّت فذلّت!» ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: «أيها الناس، إنى قد مللت الحياة، وإنّى داع بدعوة فأمّنوا» . ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهمّ إن كان لى عندك خير فاقبضنى إليك عاجلا! وأمّن الناس، ثم خرج، فما توارت ثيابه حتى سقط، وحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه بعده بشهرين، واستخلف خليد بن پربوع [٢] الحنفى، فأقرّه زياد، ولما مات زياد كان على البصرة سمرة بن جندب، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقرّ معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا، وقيل ستة أشهر ثم عزله، فقال سمرة: «لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبنى أبدا!» .
وحج بالناس فى هذه السنة سعيد بن العاص.
стр. 7414
سنة اربع وخمسين ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان
فى هذه السنة عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة، واستعمل مروان بن الحكم.
وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان، ويقبض أمواله كلّها فيجعلها صافية [١] ويقبض منه [٢] فدك، وكان وهبها له، فراجعه سعيد فى ذلك، فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد، ووضع الكتابين عنده، فعزله معاوية وولّى مروان، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد وهدم داره فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم دارى؟ قال: نعم كتب إلىّ أمير المؤمنين ولو كتب إليك فى هدم دارى لفعلت. فقال: ما كنت لأفعل: قال: بلى والله [٣] قال: كلّا. وقال سعيد لغلامه: ائتنى بكتابى معاوية، فجاء بالكتابين، فلما رآهما مروان قال: كتب إليك فلم تفعل، ولم تعلمنى! فقال سعيد: ما كنت لأمنّ عليك وإنما أراد معاوية ليحرّض بيننا! فقال مروان: والله أنت خير منى! وعاد ولم يهدم داره.
وكتب سعيد إلى معاوية: «العجب لما صنع أمير المؤمنين بنا فى قرابتنا، إنه يضغن بعضنا على بعض، فأمير المؤمنين فى حلمه وصبره
стр. 7415
على ما يكره من الأخبثين وعفوه، وإدخاله القطيعة بيننا والشّحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فو الله لو لم نكن بنى أب واحد إلّا لما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم، وباجتماع كلمتنا لكان حقّا عليك أن ترعى ذلك!» فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصّل، وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده.
وقدم سعيد على معاوية فسأله عن مروان فأثنى عليه خيرا.
وفى هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان ستة أشهر.
ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على خراسان ومسيره إلى جبال بخارى
وفى هذه السنة استعمل معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان وسبب ذلك أنه قدم عليه بعد وفاة أبيه، فسأله معاوية عن عمال أبيه، فأخبره بهم، فقال: لو استعملك أبوك لاستعملتك. فقال عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها لى أحد بعدك «لو استعملك أبوك وعمّك استعملتك» . فولاه خراسان وكان عمره خمسا وعشرين سنة.
فسار إليها، وقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان أوّل من قطع جبال بخارى فى جيش، ففتح رامنى ونسف وبيكند، وهى من بخارى، ومن ثمّ أصاب البخارية وغنم منهم غنائم كثيرة، ولما لقى الترك وهزمهم، كان مع ملكهم زوجته، فأعجلوها عن لبس
стр. 7416
خفيها، فلبست أحدهما وبقى الآخر، فأخذه المسلمون [فقوّم] [١] بمائتى ألف درهم. وظهر منه بأس شديد وحج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم [وكان على المدينة] [٢] وكان على الكوفة عبد الله بن خالد، وقيل: الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان، والله أعلم.
سنة خمس وخمسين ذكر ولاية عبيد الله بن زياد على البصرة
فى هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة، وولّاها عبيد الله بن زياد.
وسبب ذلك أن عبد الله خطب على منبر البصرة، فحصبه رجل من بنى ضبّه، فقطع يده، فأتاه بنو ضبّة وقالوا: «إن صاحبنا جنى ما جنى وقد عاقبته، ولا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين فيعاقب عقوبة تعمّ، فاكتب لنا كتابا إلى أمير المؤمنين، يخرج به أحدنا إليه، تخبره أنك قطعته على شبهة وأمر لم يصح» فكتب لهم، فلما كان رأس السنة توجّه عبد الله إلى معاوية، ووافاه الصنبّيون بالكتاب، وادّعوا أنه قطع صاحبهم ظلما، فلما رأى معاوية الكتاب قال:
«أمّا القود من عمّالى فلا سبيل إليه، ولكنّى أدى صاحبكم من بيت المال» . وعزل عبد الله عن البصرة، واستعمل ابن زياد عليها، فولى ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة الكلابى.
стр. 7417
وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة، وولّاها الضحاك ابن قيس، وقيل: كان قبل ذلك كما تقدم.
وحج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم وهو أمير المدينة.
سنة ست وخمسين ذكر البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد
فى هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية بولاية العهد، قال [١] :
وكان ابتداء ذلك وأوّله أن معاوية لمّا أراد أن يعزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، ويستعمل سعيد بن العاص عليها، فبلغه ذلك، فشخص إلى معاوية ليستعفيه حتّى تظهر للناس كراهيته للولاية، فجاء إلى يزيد وقال له: «إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبى ﷺ وكبراء قريش، وإنّما بقى أبناؤهم، وأنت من أفضلهم، وأحسنهم رأيا، وأعلمهم بالسياسة، وإنى لا أدرى ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة» . قال: أو ترى ذلك يتم؟ قال: نعم فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، فلما حضر المغيرة عند معاوية قال له معاوية: ما يقول يزيد؟ فقال: «يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء، والاختلاف بعد عثمان، وفى يزيد منك خلف، فاعقد البيعة له، فإن حدث بك حدث كان كهفا للناس، ولا تسفك الدماء ولا تكون فتنة، قال: ومن لى بهذا؟ قال: «أنا أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين من يخالفك» . قال:
«فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه فى ذلك وترى ونرى» .
стр. 7418
فودّعه ورجع إلى أصحابه فقال: لقد وضعت رجل معاوية فى غرز بعيد [١] الغاية على أمة محمد ﷺ .
ورجع المغيرة، فلمّا قدم الكوفة ذاكر من يثق إليه من شيعة معاوية فأجابوا إلى بيعته، فأوفد منهم عشرة، ويقال أكثر، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى، فقدموا على معاوية وزينوا له بيعة يزيد، ودعوه إلى عقدها، فقال: لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم، ثم قال لموسى، بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بثلاثين ألفا. فقال: لقد هان عليهم دينهم.
وقيل: أرسل أربعين رجلا، وجعل عليهم ابنه عروة بن المغيرة، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: إنما أشخصنا إليك النظر لأمة محمد ﷺ . وقالوا: «يا أمير المؤمنين، كبرت سنّك، وخفنا انتشار الحبل، فانصب لنا علما وحدّ لنا حدّا ننتهى إليه» . فقال أشيروا على. فقالوا: نشير بيزيد بن أمير المؤمنين، فقال: أو قد رضيتموه؟ قالوا: نعم. قال: وذاك رأيكم؟
قالوا: نعم ورأى من وراءنا. فقال معاوية لعروة سرّا عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال. بأربعمائة دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصا، وقال لهم: «ننظر ما قدمتم له، ويقضى الله تعالى ما أراد، والأناة خير من العجلة» . فرجعوا وقد قوى عزم معاوية على البيعة ليزيد.
стр. 7419
ذكر مراسلة معاوية زيادا فى شأن البيعة
وما دار بين زياد وبين عبيد بن كعب النميرى من الرأى وما اتفقا عليه قال: ولمّا قوى عزم معاوية على البيعة ليزيد، كتب إلى زياد ابن أبيه يستشيره، وزياد إذ ذاك يلى البصرة، فلما ورد عليه كتاب معاوية أحضر عبيد بن كعب النميرى وقال له: «إن لكلّ مستشير ثقة، ولكل سرّ مستودع، وإن الناس قد أبدع [١] بهم خصلتان:
إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلّا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثوابا، ورجل دنيا له شرف فى نفسه وعقل يصون حسبه، وقد خبرتهما منك، وقد دعوتك إلى أمر أبهمت عليه بطون الصحف، إن أمير المؤمنين كتب إلى يستشيرنى فى كذا وكذا، وإنه يتخوّف نفرة الناس ويرجو طاعتهم، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من حبّ الصيد فالق أمير المؤمنين وأدّ إليه عنّى فعلات يزيد، وقل له رويدك [بالأمر] [٢] وأحرى أن يتمّ لك، ولا تعجل فإن دركا فى تأخير خير من فوت فى عجلة» . فقال له عبيد: أفلا غير هذا؟ قال: وما هو؟ قال:
«لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تبغّض إليه ابنه، وألقى أنا يزيد [٣] وأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك فى البيعة له، وأنك تتخوّف خلاف الناس، لهنات ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه؛ لتستحكم له الحجّة على الناس ويتمّ ما يريد، فتكون
стр. 7420
قد نصحت أمير المؤمنين، وسلمت مما يخاف من أمر الناس» . فقال زياد: «لقد رميت الأمر بحجره! اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغشّ، ونقول ما ترى ويقضى الله بغيب ما يعلم» .
فقدم عبيد على يزيد، فذكر ذلك له، فكفّ عن كثير مما كان يصنع.
وكتب زياد إلى معاوية يشير عليه بالتّؤدة وألّا يعجل. فتأخر الأمر حتّى مات زياد ثم عزم معاوية على البيعة.
ذكر ارسال معاوية الى مروان بن الحكم
وأمر البيعة وإنكار أهل المدينة ذلك وما وقع بسببه قال: ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد أرسل إلى عبد الله بن عمر بمائة ألف درهم، فقبلها، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر رضى الله عنه: «هذا أراد؟ إن دينى إذا عندى لرخيص!» وامتنع.
ثم كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن الحكم، وهو على المدينة يومئذ، يقول: «إنى قد كبرت سنّى، ورقّ عظمى، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدى، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدى، وكرهت أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فاعرض ذلك عليهم، وأعلمنى بالذى يردّون عليك» .
فقام مروان فى الناس وأخبرهم، فقال الناس: أصاب ووفّق، وقد أحببنا أن يتخيّر لنا فلا يألو [١] . فكتب مروان إلى معاوية
стр. 7421
بذلك، فأعاد عليه الجواب بذكر يزيد، فقام مروان فى الناس فقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده.
فقام عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما فقال:
«كذبت والله يا مروان، وكذب معاوية، ما الخيّار أردتما لأمّة محمد ﷺ ، ولكنكم أردتم أن تجعلوها هرقليّة، كلما مات هرقل قام هرقل!» . فقال مروان: هذا الذى أنزل الله فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
الآية [١] . فسمعت عائشة رضى الله عنها مقالته، فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا مروان! فأنصت الناس وأقبل مروان يوجهه، فقالت: «إن القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن كذب، والله ما هو فيه، ولكنه فلان بن فلان، ولكنك أنت فضض من لعنة نبى الله ﵊» .
وقام الحسين بن على رضى الله عنهما فأنكر ذلك، وفعل مثله عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير.
فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فأوجب ذلك مسيره إلى الحجاز بعد أن أخذ بيعة أهل العراق والشام!.
стр. 7422
ذكر من وفد الى معاوية من أهل الأمصار فى شأن البيعة. وما تكلم به بعضهم وبيعة أهل العراق والشام ليزيد
قال: وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه، وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو [١] بن حزم من المدينة، والأحنف بن قيس فى وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: إن كل راع مسئول عن رعيته فانظر من تولّى أمر أمة محمد ﷺ ، فأخذ معاوية يهتز [٢] حتى جعل يتنفّس فى يوم شات [٣] ، ثم وصله وصرفه.
وأمر معاوية الأحنف بن قيس أن يدخل على يزيد فدخل عليه، فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا.
ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهرى لما اجتمع الوفود عنده: إنى متكلم فإذا سكتّ فكن أنت الذى تدعو إلى بيعة يزيد وتحثنى عليها، فلما جلس معاوية للناس تكلمّ فعظّم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها، وما أمر الله تعالى به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرض ببيعته.
فعارضه الضحاك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أمير
стр. 7423
المؤمنين، إنه لا بد للناس من وال بعدك وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبيل، وخيرا فى العافية، والأيام عوج [١] رواجع، والله كل يوم فى شأن، ويزيد بن أمير المؤمنين فى حسن هديه وقصد سيرته [٢] على ما علمت، وهو من أفضلنا علما وحلما، وأبعدنا رأيا، فولّه عهدك، واجعله لنا علما بعدك، ومفزعا نلجأ إليه ونسكن إلى ظله» .. وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من [٣] ذلك.
ثم قام يزيد بن المقنّع العذرىّ فقال: هذا أمير المؤمنين (وأشار إلى معاوية) فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) ومن أبى فهذا (وأشار إلى سيفه) فقال معاوية: اجلس فأنت سيّد الخطباء.
وتكلم من حضر من الوفود، فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: «نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذّبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد فى ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذه الأمة رضى فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا، وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا» .. وقام رجل
стр. 7424
من أهل الشام فقال: «ما ندرى ما تقول هذه المعدّيّة [١] العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف [٢] .
فافترق الناس يحكون قول الأحنف [٣] .
قال: وكان معاوية يعطى المقارب، ويدارى المباعد ويلطف به، حتى استوثق له أكثر الناس، وبايعوه، فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز.
ذكر مسير معاوية الى الحجاز وكيف أخذ البيعة ليزيد على أهل الحجاز
قال: وفى هذه السّنة اعتمر معاوية فى شهر رجب، وسار إلى الحجاز فى ألف فارس، فلما دنا من المدينة لقيه الحسن بن على رضى الله عنهما أول الناس، فلما نظر إليه معاوية قال: «لا مرحبا ولا أهلا! بدنة يترقرق دمها والله مهريقه!» قال: مهلا فإنى لست بأهل لهذه المقالة. قال:
بلى ولشرّ منها.
ثم لقيه عبد الله بن الزّبير فقال له: «لا مرحبا ولا أهلا! خبّ ضبّ، تلعة يدخل رأسه فيضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدقّ ظهره، نحّياه عنى» فضرب وجه راحلته.
ثم لقيه عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق فقال له معاوية:
«لا مرحبا ولا أهلا! شيخ قد خرف وذهب عقله» ثم أمر بضرب وجه راحلته: ثم فعل بابن عمر نحو ذلك.
стр. 7425
فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتّى دخل المدينة، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم، ولم يروا منه ما يحبون، فخرجوا إلى مكة، فأقاموا بها.
وخطب معاوية بالمدينة، فذكر يزيد فمدحه، وقال: «من أحق منه بالخلافة فى فضله وعقله؟ وموضعه؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى يصيبهم بوائق تجتثّ أصولهم، ولقد أنذرت إن أغنت النّذر، ثم أنشأ متمثلا:
قد كنت حذّرتك آل المصطلق ... وقلت يا عمرو أطعنى وانطلق
إنّك إن كلّفتنى ما لم أطق ... ساءك ما سرّك منّى من خلق
دونك ما استسقيته فاحس وذق ثم دخل على عائشة رضى الله عنها وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه، فقال: «لأقتلنهم إن لم يبايعوا» فشكاهم إليها، فوعظته عائشة وقالت: بلغنى أنك تتهدّدهم بالقتل، فقال: «يا أم المؤمنين، هم أعزّ من ذلك، ولكنى بايعت ليزيد، وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض بيعة قد تمت؟» . قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحبّ إن شاء الله. قال: أفعل. وكان فى قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخى ما فعلت؟ تعنى محمدا فقال لها: كلّا يا أم المؤمنين إنى فى بيت أمن. قالت: أجل.
ومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله، ثم خرج إلى مكة، فلقيه