← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

فقاتلوهم حتّى أخرجوهم من معسكرهم، وقتلوا أميرهم الزّبير بن الماحوز. ففرغت الخوارج إلى أبى نعامة قطرىّ بن الفجاءة المازنىّ فبايعوه، وأصاب عتّاب ومن معه من عسكرهم ما شاءوا، وسارت الخوارج عن أصبهان إلى كرمان، فأقاموا بها حتّى اجتمع إلى أميرهم قطرى جموع كثيرة، وجبى الأموال وقوى، ثم أقبل إلى أصبهان، ثم أتى أرض الأهواز فأقام بها، فبعث مصعب إلى المهلّب فأمره بقتال الخوارج، وبعث إلى عامله بالموصل والجزيرة إبراهيم بن الأشتر، فقدم المهلّب البصرة، وانتخب الناس وسار نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف، فاقتتلوا ثمانية أشهر أشدّ قتال رآه الناس، وذلك فى سنة ثمان وستين. هذا ما أمكن إيراده من أخبار الخوارج فى أيام ابن الزّبير فلنذكر خلاف ذلك. ذكر خبر التوابين وما كان من أمرهم وأخبارها إلى أن قتلوا وإنما ذكرنا خبر التوابين فى هذا الموضع فى أخبار عبد الله بن الزبير؛ لأن ظهورهم ومقتلهم كان فى أيامه، ومن بلد داخل تحت حكمه، ونحن نذكر مبدأ أمرهم، وقد ذكرهم ابن الأثير الجزرى ﵀ فى تاريخه الكامل فى حوادث سنة أربع وستين، وسنة خمس وستين. قال: ولما قتل الحسين بن على رضى الله عنهما كما ذكرنا تلاقت الشّيعة بالتّلاوم والندم على ما صدر منهم، من استدعائهم الحسين

стр. 7597

وخذلانه حتى قتل، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم العار والإثم الذى ارتكبوه إلّا قتل من قتله أو القتل فيه. فاجتمعوا بالكوفة إلى خمس نفر من رءوس الشّيعة، وهم: سليمان بن صرد الخزاعى، وكانت له صحبة، والمسيّب ابن نجبة الفزارى وكان من أصحاب على وخيارهم، وعبد الله ابن مسعود بن نفيل الأزدى، وعبد الله بن وال التيمى، تيم بكر بن وائل، ورفاعة بن شداد البجلى، فاجتمعوا فى منزل سليمان بن صرد فبدأهم المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله: «أمّا بعد، فإنا ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربّنا أن لا يجعلنا ممن يقول له غدا: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) [١] وإن أمير المؤمنين قال: العمر الذى أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا [٢] ، فوجدنا الله كاذبين فى كل موطن من مواطن ابن ابنة نبيه محمد ﷺ ، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله، وأعذر إلينا فسألنا نصره عودا وبدءا، وعلانية وسرا، فبخلنا عنه بأنفسنا حتّى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأبدينا ولا جدلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النّصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء نبينا، وقد قتل فينا ولده وحبيبه، وذرّيته ونسله! لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا فى طلب ذلك، فعسى ربّنا أن يرضى عنا عند ذلك،

стр. 7598

وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن: أيها القوم، ولّوا عليكم رجلا منكم، فإنه لا بدّ لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفّون بها» . فقام رفاعة بن شداد فقال: «أمّا بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول، وبدأت بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك مستجاب إلى قولك، وقلت: ولّوا أمركم رجلا تفزعون إليه وتحفّون برايته، وقد رأينا مثل الذى رأيت، فإن تكن أنت دلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا مستنصحا وفى جماعتنا محبا، وإن رأيت ورأى ذلك أصحابنا ولّينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله ﷺ وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود فى بأسه ودينه الموثوق بحزمه» .. وتكلم عبد الله بن وأل وعبد الله بن سعد بنحو ذلك، وأثنيا على سليمان والمسيّب، فقال المسيب: قد أصبتم فولّوا أمركم سليمان بن صرد. فتكلم سليمان بن صرد بكلام كثير؟؟؟ حضهم فيه على القيام وطلب ثأر الحسين وقتل قتلته أو القتل دون ذلك. وكتب إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ويدعوه إلى مساعدتهم هو ومن معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد الكتاب على من بالمدائن من الشيعة فأجابوا إلى ذلك. وكتب سليمان أيضا إلى المثنّى فأجابه: إننا معشر الشيعة حمدنا الله على ما عزمتم عليه، ونحن موافوك إن شاء الله للأجل الذى ضربت.

стр. 7599

قال وكان أول ما ابتدءوا به أمرهم بعد قتل الحسين فى سنة إحدى وستين، فما زالوا فى جمع آلة الحرب ودعاء الناس، فى السر إلى أن هلك يزيد بن معاوية فى سنة أربع وستين، فجاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث، وكان خليفة ابن زياد على الكوفة- ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته ثم ندعو الناس إلى أهل هذا البيت [١] . فقال لهم سليمان: «لا تعجلوا، إنى قد نظرت فيما ذكرتم، فرأيت قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب، ومتى علموا ذلك كانوا أشدّ عليكم، ونظرت فيمن تبعنى منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزرا لعدوّهم ولكن بثّوا دعاتكم وادعوا إنى أمركم» ؛ ففعلوا فاستجاب لهم ناس كثير. ثم إن أهل الكوفة أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير، فلما مضت ستة أشهر من وفاة يزيد قدم المختار بن أبى عبيد إلى الكوفة فى النصف من شهر رمضان، وقدم عبد الله بن زيد الخطمى الأنصارى أميرا على الكوفة من قبل عبد الله بن الزّبير لثمان خلون [٢] من شهر رمضان، وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على الخراج. فأخذ المختار بن أبى عبيد يدعو الناس إلى قتال قتلة حسين ويقول:

стр. 7600

جئتكم من عند المهدى محمد بن الحنفية وزيرا أمينا، فرجع إليه طائفة من الشيعة، وكان يقول: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ومن معه، وليس له خبرة بالحرب. وبلغ الخبر عبد الله بن يزيد أن سليمان يريد الخروج بالكوفة عليه، وأشير عليه بحبسه، وخوّف عاقبة أمره إن تركه، فقال عبد الله إن هم قاتلونا قاتلناهم، وإن تركونا؟؟؟ لنطلبهم، إنّ هؤلاء القوم يطلبون قتلة الحسين، ولست ممن قتله، لعن الله قاتله، ثم صعد إلى المنبر فقال بلغنى أن طائفة منكم أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عنهم فقيل إنهم يطلبون بدم الحسين، فرحم الله هؤلاء القوم، لقد والله دللت على مكانهم، وأمرت بأخذهم، فأبيت، وقلت إن قاتلونى قاتلتهم، وعلام يقاتلونى؟ فو الله ما أنا قتلت حسينا، ولقد والله أصبت بمقتله رحمة الله عليه، وإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ظاهرين، وليسيروا إلى من قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم- يعنى عبيد الله بن زياد- فأنا لهم ظهير، هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأماثلكم، فقد توجه إليكم وقد؟؟؟ فارقوه على ليلة من جسر منبج،؟؟؟ فقاتله والاستعداد له أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم، فيقتل بعضكم بعضا،؟؟؟ فليقاكم عدوكم وقد رققتم فنهلك، وتلك أمنيته، وقد قدم عليكم أعدى خلق الله لكم، من ولى عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، هو الذى قتلكم ومن قبله أتيتم، والذى قتل من تنادون بدمه،

стр. 7601

قد جاءكم فاستقبلوه بحدّكم وشوكتكم واجعلوها [به ولا تجعلوها] [١] بأنفسكم إنى لكم ناصح. وكان مروان بن الحكم قد بويع بالشام على ما نذكره، وبعث عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة، وأمره إذا فرغ منها أن يسير إلى العراق. قال: فلما فرغ عبد الله بن يزيد من كلامه قال إبراهيم بن محمد ابن طلحة: «أيها الناس، لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن، والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استيقنّا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بوالده والحميم بالحميم والعريف بما فى عرافته، حتّى يدينوا للحق والطاعة» . فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه، ثم قال: يا ابن الناكثين، أنت تهددنا بسيفك وحشمك! أنت والله أذلّ من ذلك، إنّا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولا سديدا. فقال له إبراهيم والله لتقتلن، وقد داهن هذا، يعنى عبد الله بن يزيد، فقال له عبد الله بن وأل: ما اعتراضك فيما بينا وبين أميرنا؟ ما أنت علينا بأمير إنما أنت أمير هذه الجزية، فأقبل على خزاجك، ولئن أفسدت أمر هذه الأمة فقد أفسده والداك، وكانت عليهما دائرة السوء. فشتمهم جماعة ممّن مع إبراهيم، ونزل الأمير عن المنبر، وتهدده إبراهيم بأنه يكتب إلى ابن الزبير يشكوه؛ فجاءه عبد الله فى منزله فاعتذر إليه، فقبل عذره.

стр. 7602

ثم خرج أصحاب سليمان بن صرد ينشرون السلاح ظاهرين إلى سنة خمس وستين، فعزم سليمان على الشخوص، وبعث إلى رءوس أصحابه وتواعدوا للخروج فى مستهل شهر ربيع الآخر، وخرجوا فى ليلة الوعد إلى النّخيلة، فدار سليمان فى الناس، فلم يعجبه عددهم، فأرسل إلى حكيم بن منقذ الكندى والوليد بن عضين الكنانى فناديا فى الكوفة يا لثارات الحسين! فكانا أول من دعايا لثارات الحسين. فأصبح من الغد وقد أتاه نحو مما فى عسكره، ثم نظر فى ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفا بايعه، فقال! سبحان الله! ما وافانا من ستة عشر ألفا إلا أربعة آلاف! فقيل له إن المختار يشبط الناس عنك وقد تبعه ألفان. فقال، بقى عشرة آلاف! ما هؤلاء بمؤمنين! فأقام بالنّخيلة ثلاثا، يبعث إلى من تخلف عنه، فخرج إليه نحو من ألف رجل، فقام إليه المسيّب بن نجبة، فقال: رحمك الله، إنه لا ينفعك الكلام، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، فلا تنتظرن أحدا، وخذ فى أمرك. قال: نعم ما رأيت. ثم قام سليمان فى أصحابه فقال: «أيها الناس، من كان إنما خرج إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيا وميتا، ومن كان يريد الدنيا فو الله ما يأتى فى نأخذه ولا غنيمة نغنمها، ما خلا رضوان الله، وما معنا من ذهب ولا فضة ولا متاع، ما هو إلّا سيوفنا على عواتقنا، وزاد قدر البلغة، فمن كان ينوى غير هذا فلا يصحبنا» . فتنادى أصحابه من كل جانب: إنّا لا نطلب الدنيا، وليس لها

стр. 7603

خرجنا، إنما خرجنا لنطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت نبينا ﷺ . فلمّا عزم على المسير قال له عبد الله بن سعد بن نفيل: إنى قد رأيت رأيا، إن يكن صوابا فالله الموفق، وإن؟؟؟ يكن ليس بصواب فالرأى ما تراه، إنّا خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلّهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد ورءوس الأرباع والقبائل، فأين تذهب من ههنا وتدع الأوتار [١] . فقال أصحابه: هذا هو الرأى. فقال سليمان: أنا لا أرى ذلك، إن الذى قتله وعبّأ الجنود إليه وقال: «لا أمان له عندى دون أن يستسلم فأمضى فيه حكمى» هذا الفاسق ابن الفاسق، عبيد الله بن زياد، فسيروا على بركة الله إليه، فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون منه، ورجونا أن يدين لكم أهل مصركم فى عافيته،؟؟؟ فينظرون إلى كل من شرك فى دم الحسين فيقتلونه ولا يغشون، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلّين، وما عند الله خير للأبرار، فاستخيروا الله وسيروا. وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد، فأتياه فى أشراف أهل الكوفة، ولم يصحبهم من له شرك فى دم الحسين خوفا منهم، فلمّا أتياه قال له عبد الله بن يزيد: إن المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يغشّه، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا فى أنفسكم،

стр. 7604

ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتّى نتهيأ فإذا سار عدوّنا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا فقاتلناه. وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخى إن أقاموا، وقال إبراهيم مثل ذلك، فقال سليمان قد محضتما النصيحة واجتهدتما فى المشورة فنحن بالله وله، ونسأله العزيمة على الرشد، ولا نرانا إلّا سائرين، فقال عبد الله: فأقيموا حتّى نعبّئ معكم جيشا كثيرا، فتلقوا عدوّكم بجمع كثيف، وكان قد بلغهم إقبال عبيد الله بن زياد من الشام فى الجنود. فلم يقم سليمان، وسار عشيّة الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، فتخلّف عنه ناس كثير، فقال ما أحبّ من تخلف منكم معكم ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالا إن الله كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم بفضل ذلك. ثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين، فصاحوا صيحة واحدة، وبكوا بكاء شديدا، وترحموا عليه، وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه، وأقاموا عنده يوما وليلة يبكون ويتضرعون. ثم ساروا وقد ازدادوا حنقا، وأخذوا صوب الأنبار، وساروا حتّى أتوا قرقسيا على تعبئة، وبها زفر بن الحارث الكلابى قد تحصن بها عند فراره من وقعة مرج راهط، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار مروان بن الحكم. فبعث إليه سليمان، وعرّفه ما هو وأصحابه عليه من قصد بن زياد، فبعث إليهم بجزور ودقيق وعلف، وخرج إليهم وشيعهم وعرض عليهم أن يقيموا عنده بقرقيسيا، وقال: ابن زياد فى

стр. 7605

عدد كثير، فأبوا المقام، وساروا مجدّين، وقال لهم زفر إن ابن زياد قد بعث خمسة أمراء من الرقة فيهم الحصين بن نمير وشرحبيل بن ذى الكلاع وأدهم بن محرز وجبلة بن عبيد الله [١] الخثعمى، فأبوا إلّا المسير. فانتهوا إلى عين الوردة، فنزلوا غربيّها، وأقاموا خمسا، واستراحوا وأراحوا. وأقبل أهل الشام فى عساكرهم، حتّى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، فقام سليمان فى أصحابه فخطبهم وحرّضهم على القتال وذكرهم الآخرة ثم قال: إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب ابن نجبة، فإن قتل فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وأل، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله؟؟؟ أمرأ صدق ما عاهد الله عليه. وبعث المسيّب بن نجبة فى أربعمائة فارس، وقال: سر حتّى تلقى أوّل عساكرهم، فشنّ عليهم الغارة، فإن رأيت ما تحب وإلّا فارجع. فسار يومه وليلته، ثم نزل، فأتى بأعرابى، فسأله عن أدنى العسكر منه، فقال: أدناها منك عسكر شرحبيل بن ذى الكلاع، وهو على ميل، وقد اختلف هو والحصين، ادّعى كلّ واحد منهما أنه على الجماعة، وهما ينتظران أمر عبيد الله. فسار المسيّب ومن معه مسرعين، حتّى أشرفوا على القوم، وهم على غير أهبة، فحملوا فى جانب عسكرهم، فانهزم العسكر،

стр. 7606

فأصاب المسيّب منهم رجالا وأكثروا فيهم الجراح، وأخذوا دواب، وترك الشاميون معسكرهم وانهزموا، فغنم أصحاب المسيّب ما أرادوا، ثم انصرفوا إلى سليمان. وبلغ الخبر ابن زياد، فسرّح الحصين فى اثنى عشر ألفا، فخرج أصحاب سليمان إليه، لأربع بقين من جمادى الأولى، وعلى ميمنتهم عبد الله بن سعد، وعلى ميسرتهم المسيّب، وسليمان فى القلب. وجعل الحصين على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوى. فلما دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام إلى الجماعة على مروان بن الحكم، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع مروان وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم وأنهم يخرجون من بالعراق من أصحاب عبد الله ابن الزّبير ثم يردّ الأمر إلى أهل بيت النبى ﷺ ، فأبى كل منهم، وحمل بعضهم على بعض، فانهزم أهل الشام وكان الظفر لأصحاب سليمان إلى الليل. فلما كان الغد صبّح الحصين ثمانية آلاف أمده بهم عبيد الله، فقاتلهم أصحاب سليمان عامّة النهار قتالا شديدا لم يحجز بينهم إلا الصلاة حتّى حجز بينهم الليل، وقد كثر الجراح فى الفريقين. فلما أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلى فى نحو من عشرة آلاف من قبل ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة إلى ارتفاع الضحى، ثم كثر أهل الشام عليهم، وعطفوا من كل جانب،

стр. 7607

فنزل سليمان ونادى: «عباد الله، من أراد البكور إلى ربّه والتوبة من ذنبه فإلىّ» ثم كسر جفن سيفه، فنزل معه ناس كثير وفعلوا كفعله، وقاتلوا قتالا شديدا، فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وأكثروا فيهم الجراح، فبعث الحصين الرجّالة ترميهم بالنّبل، واكتنفتهم الخيل، فقتل سليمان ابن صرد، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ثم وثب ثم وقع، ومات وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وكانوا قد سموه «أمير التوابين» . فأخذ الراية المسيب بن نجبة، وترحّم على سليمان، فتقدم فقاتل حتّى قتل بعد أن قتل رجالا كثيرا. فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل، وترحم عليهما، وقرأ (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [١] وحفّ به من كان منهم معه من الأزد، فبينماهم فى القتال إذ أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن حذيفة، يخبرون بمسيره فى سبعين ومائة من أهل المدائن، ويخبرون بمسير أهل البصرة مع المثنّى بن مخرمة العبدى فى ثلاثمائة، فقال عبد الله بن سعد: لو جاءونا ونحن أحياء! وقاتل حتّى قتل، قتله ابن أخى ربيعة بن مخارق، وحمل خالد بن سعد بن نفيل على قاتل أخيه يطعنه بالسيف، فخلصه أصحابه، وقتل خالد بن سعد. فجىء بالراية إلى عبد الله بن وأل، وقد اصطلى الحرب فى عصابة معه، فأخذها، وقاتل مليّا، وذلك وقت العصر، وما زال يقاتل حتّى

стр. 7608

قتل هو وأصحابه؟؟؟ رجالا، ثم إن أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب، فلمّا كان عند المساء تولّى قتالهم أدهم بن محرز الباهلى، فحمل فى خيله ورجله حتّى وصل إلى ابن وأل وهو يتلو (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) الآيات [١] ، فغاظ ذلك أدهم، فحمل عليه وضربه فأبان يده ثم تنحى عنه، وقال: إنى أظنّك وددت أنك عند أهلك، قال ابن وأل بئس ما ظننت، والله ما أحبّ أن يدك مكانها إلّا أن يكون لى من الأجر مثل ما فى يدى، ليعظم وزرك وأجرى، فغاظه ذلك فحمل عليه فطعنه فقتله وهو مقبل ما زال عن مكانه، وكان بن وأل من الفقهاء العباد. فلما قتل أتوا رفاعة بن شداد البجلى وقالوا خذ الراية، فقال ارجعوا بنا لعلّ الله يجمعنا ليوم شر لهم، فقال عبد الله بن عوف ابن الأحمر: «هلكنا والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نهلك عن آخرنا، وإن نجا منّا ناج أخذته الأعراب فتقربوا به إليهم فيقتل صبرا! هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أوّل الليل، وسرنا حتّى نصبح ونسير على مهل، يحمل الرجل صاحبه وحريمه [٢] ونعرف الوجه الذى نأخذه» . فقال رفاعة نعم ما رأيت وأخذ الراية، وقاتله قتالا شديدا وتقدم عبد الله بن عزيز الكنانى [٣] فقاتل أهل الشام قتالا

стр. 7609

شديدا، ومعه ولده محمد وهو صغير، فسلمه لبنى كنانة من أهل الشام ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الأمان، فأبى، ثم قاتلهم حتّى قتل. وتقدم كريب [١] بن زيد الحمير عند المساء فى مائة من أصحابه فقاتل قتالا شديدا، فعرض ابن ذى الكلاع عليه وعلى أصحابه الأمان، فقال قد كنا آمنين فى الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة، وقاتلوهم حتّى قتلوا. وتقدم صخير بن هلال المزنى فى ثلاثين من مزينة، فقاتلوا حتى قتلوا. فلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم، وسار رفاعة بالناس ليلته، وأصبح الحصين فلم يرهم، فما بعث فى أثرهم، وساروا حتى أتوا قرقيسيا فأقاموا عند زفر بن الحارث ثلاثا، ثم زوّدهم وساروا إلى الكوفة. وأما سعد بن حذيفة بن اليمان فإنه سار من المدائن بمن معه حتّى بلغ هبت، فأتاه الخبر، فرجع فلقى المثنّى بن مخرمة العبدى فى أهل البصرة، فأخبره، فأقاموا بصندوداء حتى أتاهم رفاعة، فاستقبلوه، وبكى بعضهم إلى بعض، وأقاموا يوما وليلة، ثم تفرقوا، فسارت كل طائفة منهم إلى جهتهم. قال: ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار بن أبى عبيد محبوسا، فأرسل؟؟؟ إليه المختار: «أما بعد فإنكم خرجتم بالعصبة الذين عظم الله لهم الأجر حين انصرفوا ورضى فعلهم حتى قتلوا [٢]

стр. 7610

أما وربّ البيت ما خطا خاط منكم خطوة ولا ربا ربوة [١] إلا كان ثواب الله له أعظم من الدنيا، إن سليمان قد قضى ما عليه، وتوفّاه الله فجعل روحه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن؟؟؟ بصاحبكم الذى به تنصرون إنى أنا الأمير المأمور والأمين المأمون، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، وأدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدم أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلّين، والسلام» .. وكان من أمر المختار ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 7611

تم الجزء العشرون بتقسيم هذه النسخة المطبوعة، وفى التقسيم المخطوطى اختلاف: جاء فى آخر النسخة (ك) وهى الجزء ١٨ برقم ٥٤٩ معارف عامة- فى دار الكتب المصرية المصورة: آخر الجزء الثامن عشر من نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى. رحمه الله تعالى. يتلوه إن شاء الله تعالى فى أول الجزء التاسع عشر ذكر أخبار المختار بن أبى عبيد الثقفى والحمد لله رب العالمين وأما النسخة (ن) وهى الجزء ٢٧، ولعله صحته ١٧ برقم ٥٥٣ معارف عامة- المصورة بدار الكتب المصرية فقد جاء فى الجانب الأخير من آخر ورقة ما يأتى:. «طالعه الفقير إلى الله تعالى ناصر بن سليمان بن غازى الأيوبى غفر الله له ولجميع المسلمين يا رب العالمين» . المحقق محمد رفعت محمود فتح الله رئيس قسم اللغويات بكلية اللغة العربية

стр. 7612

فهرس الجزء العشرين من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري .... الصفحة ذكر خلافة على بن أبى طالب ١ ذكر صفته ١ ذكر نبذة من فضائله ٣ ذكر بيعة على ١٠ ذكر تفريق على عماله وخلاف معاوية ٢١ ذكر ابتداء وقعة الجمل ٢٦ ذكر مسير على الى البصرة ٣٩ ذكر ارسال على الى أهل الكوفة ٤٣ ذكر مراسلة على طلحة والزبير وأهل البصرة ٥٤ ذكر اجتماع قتلة عثمان بذى قار وتشاورهم ٥٧ ذكر مسير على رضى الله عنه ٥٩ ذكر مقتل طلحة ٨٥ ذكر مقتل الزبير بن العوام ٨٩ ذكر وقعة صفين وابتداء أمرها ١٠٠ ذكر ارسال على الى معاوية وجوابه ١٠٨ ذكر الموادعة بين على ومعاوية فى شهر المحرم ١١١ ذكر الحروب التى كانت بصفين بعد الأيام الستة ١٢١ ذكر رفع أهل الشام المطابع ١٤٤ ذكر اجتماع الحكمين ١٥٦ ذكر أخبار الخوارج ١٦٠ ذكر خبرهم بعد صفين ١٦١ ذكر خبرهم عند توجيه الحكمين ١٦٤ ذكر اجتماع الخوارج بعد الحكمين ١٦٦ ذكر قتال الخوارج ١٧٤ ذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان ١٨٠

стр. 7613

... الصفحة ذكر خلاف الخريت بن راشد التميمى ١٨٢ ذكر ما اتفق فى مدة خلافته ١٩١ ذكر خبر عبد الله بن الحضرمى ١٩٨ ذكر مقتل على بن أبى طالب ٢٠٥ ذكر أزواج على ٢٢١ ذكر خلافة الحسن بن على بن أبى طالب ٢٢٤ ذكر أخبار سعد بن أبى وقاص ووفاته ٢٣٣ ذكر أخبار سعيد بن زيد ٢٣٥ الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الخامس ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية وصلحه معه ٢٣٩ ذكر مقتل محمد بن أبى حذيفة ٢٤١ ذكر ملك عمرو بن العاص مصر ٢٤٦ ذكر سرايا معاوية إلى بلاد على بن أبى طالب ٢٥٣ ذكر مسير بسر بن أرطاة ٢٥٨ ذكر الغزوات والفتوحات ٢٦٥ ذكر غزو السند ٢٦٦ ذكر غزو القسطنطينية ٢٦٨ ذكر غزو جزيرة أروار ٢٧١ ذكر أخبار الخوارج ٢٧٢ ذكر خبر المستورد الخارجى ٢٧٨ ذكر عروة بن أدية وأخيه مرداس بن أدية ٢٨٥ ذكر الحوادث فى أيام معاوية بن أبى سفيان ٢٨٨ ذكر صلح معاوية وقيس بن سعدة بن عبادة ٢٨٩ ذكر استعمال معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة ٢٩٠ ذكر استعمال بسر بن أرطاة ٢٩٠ ذكر قدوم زياد بن أبيه ٢٩٤ ذكر وفاة عمرو بن العاص ٢٩٧ ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرة ٣٠٠ ذكر استلحاق معاوية بن أبى سفيان ٣٠٢

стр. 7614

... الصفحة ذكر عمال زياد بن أبيه ٣١٦ ذكر وفاة الحسن بن على بن أبى طالب ٣٢٠ ذكر ولاية زياد الكوفة ٣٢٥ ذكر ما قصده معاوية ٣٢٦ ذكر وفاة الحكم بن عمرو الغفارى ٣٢٨ ذكر مقتل حجر بن عدى ٣٣٠ ذكر وفاة زياد بن أبيه ٣٤٢ ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على خراسان ٣٤٦ ذكر مراسلة معاوية زيادا فى شأن البيعة ٣٥٠ ذكر ارسال معاوية الى مروان بن الحكم ٣٥١ ذكر من وفد الى معاوية من أهل الأمصار ٣٥٣ ذكر مسير معاوية الى الحجاز ٣٥٥ ذكر استعمال سعيد بن عثمان بن عفان ٣٦٠ ذكر عزل الضحاك عن الكوفة ٣٦٢ ذكر عزل عبيد الله بن زياد ٣٦٣ ذكر شىء من سيرته وأخباره ٣٧٢ ذكر صفة معاوية وأولاده وأزواجه ٣٧٤ ذكر بيعة يزيد بن معاوية ٣٧٦ ذكر ارسال الوليد بن عتبة ٣٧٨ ذكر استعمال عمرو بن سعيد على المدينة ٣٨٢ ذكر مقدم الحسين الى مكة ٣٨٤ ذكر استعمال عبيد الله بن زياد على الكوفة ٣٨٨ ذكر ظهور مسلم بن عقيل ٣٩٧ ذكر ما تكلم به الحسين رضى الله عنه ٤٣٩ ذكر تسمية من قتل مع الحسين بن على ٤٦١ ذكر ما كان بعد مقتل الحسين ٤٦٣ ذكر ورود الخبر بمقتل الحسين ٤٧٢ ذكر ما ورد من الاختلاف ٤٧٦ ذكر مقتل أبى بلال مرداس ٤٨٢ ذكر وفاة يزيد بن معاوية ٤٩٧ ذكر بيعة معاوية بن يزيد بن معاوية ٤٩٩

стр. 7615

... الصفحة ذكر أخبار من بويع بالعراق ٥٠١ ذكر ولاية عبد الله بن الحارث البصرة ٥٠٦ ذكر مقتل مسعود بن عمرو الأزدى ٥٠٦ ذكر خبر أهل الكوفة ٥١١ ذكر خبر خراسان ٥١٢ ذكر بيعة عبد الله بن الزبير ٥١٦ ذكر فراق الخوارج عبد الله ٥٢١ ذكر مقتل نافع بن الأزرق ٥٢٣ ذكر محاربة المهلب الخوارج ٥٢٤ ذكر خبر التوابين وما كان من أمرهم ٥٢٧

стр. 7616

الجزء الحادي والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة وكلت إليّ الإدارة العامة للثقافة تحقيق الجزء التاسع عشر من كتاب نهاية الإرب للنويرى (وهو الجزء الحادى والعشرون من تقسيم المؤلف) ، فرجعت إلى نسختيه المصورتين بدار الكتب، وهما برقم ٥٤٩، ورقم ٥٥٤ معارف عامة، ورمزت إلى الأولى بالحرف ك وإلى الثانية بالحرف د، وقد اعتمدت على النسخة الثانية لأنها أكثر تحقيقا، وجعلت الثانية مساعدة فى التحقيق. وكان لا بد فى تحقيق نصوص هذا الكتاب مما يأتى: ١- الإشارة فى الهوامش إلى العبارات التى اختلفت فيها النسختان مما يجعل المتن فى صورة كاملة واضحة للقارئ. ٢- الرجوع إلى المصدر الأول للكتاب، وهو الكامل لابن الأثير. ٣- الرجوع إلى المصادر الأولى للتاريخ الإسلامى، ومن أهمها تاريخ الطبرى، وفتوح البلدان للبلاذرى. ٤- الرجوع إلى المعجمات اللغوية، وكتب البلدان، ومن أهم ما رجعنا إليه فيها: معجم ما استعجم للبكرى، مراصد الاطلاع فى أسماء الأمكنة والبقاع لابن عبد الحق البغدادى، معجم البلدان لياقوت.

стр. 7617

٥- الرجوع- فى تحقيق الأعلام- إلى كتب الأعلام الموثوق بها، وقد رجعت فى ذلك إلى: المشتبه للذهبى. وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه، وتهذيب التهذيب لابن حجر، وتاج العروس، والإكمال لابن ماكولا، وغيرها. وأرجو أن يكون الكتاب بذلك قد نال حظه من العناية، فصار أقرب ما يكون إلى أصل المؤلف. على محمد البجاوى

стр. 7618

بسم الله الرّحمن الرّحيم [وبه توفيقى] «١» [تتمة الفن الخامس في التاريخ] [تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية] تتمة الباب الثالث في أخبار الدولة الأموية [تتمة ذكر بيعة عبد الله بن زبير] ذكر أخبار المختار ابن أبى عبيد بن مسعود الثقفى كان المختار بن أبى عبيد ممن بايع مسلم بن عقيل لما بعثه الحسين بن عليّ رضى الله عنهما إلى الكوفة وأنزله فى داره، ودعا إليه. فلما ظهر ابن عقيل كان المختار فى قرية تدعى لقفا «٢» ، فأتاه الخبر بظهوره، فأقبل فى مواليه إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أجلس عبيد الله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فبعث إلى المختار وأمنه، فجاء إليه. فلما كان من الغد ذكر عمارة بن عقبة «٣» أمره لعبيد الله، فأحضره، وقال له: أنت المقبل فى الجموع لتنصر ابن عقيل! قال: لم أفعل، ولكنى أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو بذلك، فضرب ابن زياد وجه المختار بقضيب فشتر «٤» عينه وقال: لولا شهادته «٥» قتلتك. وحبسه إلى أن قتل الحسين.

стр. 7619

فبعث المختار إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب يسأله أن يشفع [له] «١» فيه، وكان زوج أخته صفية بنت أبى عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه، فأمر يزيد ابن زياد بإطلاقه، فأطلقه وأمره ألّا يقيم غير ثلاث. فخرج المختار إلى الحجاز، واجتمع بعبد الله بن الزبير وأخبره خبر العراق، وقال له: ابسط يدك أبايعك، وأعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز، فإنّ أهله معك؛ وكان ابن الزبير يدعو لنفسه سرّا، فكتم أمره عن المختار ففارقه إلى الطائف، وغاب عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير، فقيل له: إنه بالطائف، وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومبيد «٢» الجبّارين، فقال ابن الزبير: قاتله الله، لقد اتبعت «٣» كذابا متكهّنا، إن يهلك الله الجبّارين يكن المختار أوّلهم. فبينا هو فى حديثه إذ دخل المختار، فطاف وصلّى ركعتين، وجلس وأتاه معارفه يحدّثونه، ولم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن «٤» سعد، فأتاه، وسأله عن حاله، ثم قال له: مثلك يغيب عن الّذى قد اجتمع عليه الأشراف من قريش والانصار وثقيف؟ ولم «٥» تبق قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها، فبايع هذا الرجل.

стр. 7620

فقال: إنى أتيته فى العام الماضى فكتم عنى خبره، فلما استغنى عنّى أحببت أن أريه أنّى مستغن عنه، فقال له العباس: القه [الليلة] «١» وأنا معك، فأجابه إلى ذلك، وحضر عند ابن الزّبير بعد العتمة، فقال له المختار: أبايعك على ألّا تقضى الأمور دونى، وعلى أن أكون أوّل داخل عليك، وإذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك. فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله. فقال: وشرّ «٢» غلمانى تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبدا إلّا على ذلك، فبايعه وأقام عنده، وشهد معه قتال الحصين «٣» ، وكان أشدّ الناس على أهل الشام، فلمّا مات يزيد وأطاع «٤» أهل العراق عبد الله ابن الزبير، أقام المختار عنده خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل يسأل من يقدم من الكوفة عن حال الناس، فأخبره هانىء بن أبى حّية الوداعى «٥» باتفاق «٦» أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلّا طائفة من الناس، لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما. فقال المختار، أنا أبو إسحاق [أنا والله لهم] «٧» ، أنا أجمعهم على

стр. 7621

الحق، وأتّقى «١» بهم ركبان الباطل، وأقتل بهم كلّ جبار عنيد. ثم ركب دابته «٢» وسار نحو الكوفة فوصل إليها. واختلفت الشيعة إليه، وبلغه خبر سليمان بن صرد وأنه على عزم المسير، فقام فى الشيعة فحمد الله، ثم قال: إن المهدى وابن الرّضا، يعنى محمد ابن الحنفية، بعثنى إليكم أمينا ووزيرا «٣» ومنتخبا وأميرا، وأمرنى بقتال الملحدين، والطلب بدم أهل بيته. فبايعه إسماعيل بن كثير وأخوه، وعبيدة بن عمرو، وكانوا أوّل من أجابه، وبعث إلى الشّيعة وقد اجتمعوا عند ابن صرد، وقال لهم نحو ذلك، وقال: إن سليمان ليس له تجربة بالحرب ولا بالأمور، إنّما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثال مثّل لى، وأمر بيّن لى، فيه عزّ وليّكم، وقتل عدّوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا قولى، وأطيعوا أمرى، ثم أبشروا. فما زال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة، فكانوا يختلفون إليه ويعظّمونه، وأكثر الشيعة مع ابن صرد، وهو أثقل خلق الله على المختار. فلما خرج سليمان بن صرد على ما قدمناه قال عمر بن «٤» سعد، وشبث «٥» بن ربعى، ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة: إن المختار أشدّ عليكم من سليمان،

стр. 7622

إن سليمان إنّما خرج يريد قتال عدوّكم، والمختار يريد أن يثب عليكم فى مصركم، فأتوه، وأخذوه بغتة، وحملوه إلى السجن، فكان يقول فى السجن: أماورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه، والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلنّ كل جبّار، بكل لدن خطّار، ومهنّد بتّار، وجموع «١» الأنصار، وليسوا بميل أغمار، ولا بعزّل «٢» أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدّين، ورأبت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيّين، لم يكبر عليّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى. وقيل فى خروج المختار إلى الكوفة غير ما تقدّم، وهو أنه قال لعبد الله بن الزّبير وهو عنده: إنى لأعلم قوما لو أنّ لهم رجلا له علم بما يأتى ويذر لاستخرج لك منهم جندا يقاتل بهم أهل الشام. قال: من هؤلاء؟ قال: شيعة عليّ [رضى الله عنه] «٣» بالكوفة، قال: فكن أنت ذلك الرجل؛ فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها يبكى على الحسين ويذكر مصابه حتى ألفه الناس وأحبّوه، فنقلوه إلى وسط الكوفة، وأتاه منهم بشر كثير. [والله أعلم «٤» ] .

стр. 7623

ذكر وثوب المختار بالكوفة كان وثوب المختار بالكوفة فى رابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة [٦٦ هـ] ست وستين، وكان سبب ذلك أنّه لما قتل سليمان بن صرد قدم من بقى من أصحابه إلى الكوفة، وكان المختار محبوسا كما ذكرنا، فكتب إليهم من السجن يثنى عليهم، ويمنّيهم الظّفر، ويعرّفهم أن محمد بن على بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية أمره بطلب الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شدّاد والمثنّى بن مخرّبة العبدى، وسعد بن حذيفة بن اليمان، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط «١» ، وعبد الله بن شدّاد البجلى، وعبد الله بن كامل. فلمّا قرءوا كتابه بعثوا إليه ابن كامل يقولون: إنّنا بحيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك ونخرجك «٢» من الحبس فعلنا، فقال: إنى أخرج فى أيّامى هذه. وكان المختار قد أرسل إلى عبد الله ابن عمر يقول: إنى حبست مظلوما، وطلب [منه] «٣» أن يشفع فيه إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة. فكتب ابن عمر إليهما فى أمره، فشفّعاه فيه، وأخرجاه من السجن، وحلفاه أنّه لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما مادام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة، ومماليكه أحرار.

стр. 7624

فلمّا خرج نزل بداره، وقال لمن يثق به: قاتلهم الله، ما أحمقهم حين يرون أنى أفى لهم، أمّا حلفى بالله فإننى إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها أكفّر عن يمينى، وخروجى عليهم خير من كفّى عنهم، وأمّا هدى البدن، وعتق المماليك، فهو أهون عليّ من بصقة، وددت أنّى تمّ لى أمرى ولا أملك بعده مملوكا أبدا. ثم اختلفت إليه الشّيعة، واتفقوا على الرّضا به، ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى، حتّى عزل عبد الله بن الزبير عبد الله ابن يزيد وإبراهيم بن محمد، واستعمل عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة. وقدم ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من شهر رمضان سنة [٦٥ هـ] خمس وستّين. ولمّا قدم صعد المنبر، فخطب الناس وقال: أمّا بعد، فإن أمير المؤمنين بعثنى على مصركم وثغوركم، وأمرنى بجباية فيئكم وألّا أحمل فضلة عنكم «١» إلا برضا منكم، وأن أتبع فيكم وصيّة عمر بن الخطّاب التى أوصى بها عند وفاته، وسيرة عثمان بن عفّان رضى الله عنهما، فاتقوا الله واستقيموا، ولا تختلفوا على، وخذوا على أيدى سفهائكم، فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم. فقام إليه السائب بن مالك الأشعرى «٢» ، فقال: أمّا حمل فيئنا برضانا فإنّا نشهد ألّا «٣» نرضى أن تحمل عنّا فضلة وألّا تقسم إلّا فينا، وألّا يسار فينا إلا بسيرة عليّ بن أبى طالب الّتى سار بها فى بلادنا

стр. 7625

حتى هلك، ولا حاجة لنا فى سيرة عثمان بن عفان فى فيئنا ولا فى أنفسنا، ولا فى سيرة عمر فى فيئنا، وإن كانت أهون السّيرتين علينا، وقد كان يفعل بالناس خيرا. فقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبرّ، فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكلّ سيرة أحببتم، ثمّ نزل. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له: إن السائب ابن مالك من رءوس أصحاب المختار، فابعث إلى المختار، فإذا جاءك فاحبسه حتّى يستقيم أمر الناس، فإنّ أمره قد استجمع له، وكأنّه قد وثب بالمصر. فبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن قدامة وحسين بن عليّ البرسميّ «١» ، فقالا له: أجب الأمير، فعزم على الذهاب، فقرأ زائدة «٢» : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ... الآية. فألقى المختار ثيابه وقال: ألقوا عليّ قطيفة فإنى «٣» وعكت، إنّى لأجد بردا شديدا، ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالى، فعادا إليه فأعلماه فتركه. ووجّه المختار إلى أصحابه، فجمعهم حوله فى الدّور، وأراد أن يثب فى المحرّم؛ فجاء رجل من أصحابه من شبام «٤» ، وشبام: حىّ

стр. 7626

من همدان، وكان شريفا، واسمه عبد الرحمن بن شريح، فلقى سعيد بن منقذ الثّورى، وسعر «١» بن أبى سعر الحنفى، والأسود ابن جراد الكندى، وقدامة بن مالك الجشمىّ «٢» ، فقال لهم: إنّ المختار يريد أن يخرج بنا، ولا ندرى أرسله «٣» ابن الحنفيّة أم لا؟ فانهضوا بنا إلى محمد ابن الحنفيّة نخبره بما قدم به علينا المختار، فإن رخّص لنا فى اتّباعه اتّبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه، فو الله ما ينبغى أن يكون شىء من الدنيا آثر «٤» عندنا من سلامة ديننا، فاستصوبوا رأيه، وخرجوا إلى ابن الحنفيّة، فلمّا قدموا عليه سألهم عن حال الناس، فأخبروه وأعلموه «٥» حال المختار، فقال: والله لوددت أن الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه، فعادوا. وكان مسيرهم قد شقّ على المختار، وخاف أن يعودوا بما يخذل الشّيعة عنه، فلمّا قدموا الكوفة دخلوا عليه، فقال: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وارتبتم، فقالوا: قد أمرنا بنصرك، فقال: الله أكبر، الله أكبر، اجمعوا الشّيعة، فجمع من كان قريبا منه، فقال لهم: إنّ نفرا أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى «٦» ، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبّأهم أنّى وزيره وظهيره ورسوله،

стр. 7627

وأمركم بطاعتى واتّباعى فيما دعوتكم إليه من قتال المحلّين «١» ، والطلب بدماء أهل بيت نبيّكم. فقام عبد الرحمن بن شريح وأخبرهم بحالهم ومسيرهم، وأنّ ابن الحنفيّة أمرهم بمظاهرته «٢» ومؤازرته، وقال لهم: لبيلّغ الشاهد منكم الغائب، واستعدّوا وتأهّبوا، وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحوا من كلامه. فاجتمعت له الشيعة، وكان من جملتهم [الشّعبى] «٣» وأبوه شراحيل، فلمّا تهيّأ أبوه «٤» للخروج قال له بعض أصحابه: إن أشراف الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإن أجابنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوّة على عدوّنا، فإنّه فتى رئيس «٥» وابن رجل شريف، وله عشيرة ذات عزّ وعدد. فقال المختار: فالقوه وادعوه، فخرجوا إليه ومعهم الشّعبى، فأعلموه حالهم، وسألوه مساعدتهم، فقال: على أن توّلونى الأمر، فقالوا: أنت لذلك «٦» أهل، ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدى، وهو المأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته، فلم يجبهم إبراهيم، فانصرفوا عنه. وأتوا المختار، فسكت ثلاثا، ثم سار إلى إبراهيم فى بضعة

стр. 7628

عشر من أصحابه، والشعبىّ وأبوه فيهم، فدخلوا عليه، فألقى إليهم الوسائد، فجلسوا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار له: هذا كتاب المهدىّ إليك، يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فقرأه، فإذا هو: «من محمد المهديّ إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك، فإنى أحمد الله إليك الّذى لا إله إلّا هو، أمّا بعد، فإنى [قد] «١» بعثت إليكم وزيرى وأمينى الذى ارتضيته لنفسى، وأمرته بقتال عدوّى، والطلب بدماء أهل بيتى، فانهض بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتنى وأجبت دعوتى كانت لك بذلك عندى فضيلة، ولك أعنّة الخيل، وكلّ جيش غاز، وكلّ مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام» . فلمّا فرغ من قراءته تأخّر عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وبايعه. وصار يختلف إلى المختار كلّ عشيّة يدبّرون أمورهم. واجتمع رأيهم على الخروج ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة من شهر ربيع الأوّل، فلمّا كان تلك اللّيلة، صلّى إبراهيم بن الأشتر بأصحابه المغرب، ثم خرج يريد المختار، وعليه وعلى أصحابه السلاح، وكان إياس بن مضارب قد جاء إلى عبد الله بن مطيع وهو على شرطته، فقال: إن المختار خارج عليك إحدى هاتين اللّيلتين، وقد بعثت بابنى إلى الكناسة «٢» ، فلو بعثت فى كلّ جبّانة «٣» عظيمة

стр. 7629

بالكوفة رجلا من أصحابك فى جماعة من أهل الطاعة لهاب المختار وأصحابه الخروج عليك، فبعث ابن مطيع إلى كلّ جبّانة من يحفظها من أهل الطاعة، وأمّر على كل طائفة أميرا، وأوصى كلا منهم ألّا يؤتى من قبله، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجّه نحوهم، وكان خروجهم إلى الجبابين يوم الاثنين. وخرج إبراهيم بن الأشتر ليلة الثلاثاء يريد المختار، وقد بلغه أنّ الجبابين قد ملئت رجالا، وأن إياس بن مضارب فى الشّرطة قد أحاط بالسّوق والقصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع، وقد لبسوا عليهم الأقبية، فقال له [أصحابه] «١» : تجنب الطريق، فقال: والله لأمرّنّ وسط السّوق بجنب القصر، ولأرعبن عدوّنا، ولأرينّهم هوانهم علينا، فسار على باب الفيل، فلقيهم إياس فى الشّرط مظهرين السّلاح، فقال: من أنتم؟ فقال «٢» : أنا إبراهيم بن الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الّذى معك؟ وإلى أين تريد؟ ولست بتاركك حتى آتى بك الأمير، فقال إبراهيم: خلّ سبيلنا؛ قال: لا أفعل؛ وكان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن، وكان يكرمه، وكان صديقا لابن الاشتر، فقال له ابن الأشتر: ادن منى يا أبا قطن، فدنا منه وهو يظنّ أن إبراهيم يستشفع به عند إياس، فلمّا دنا منه أخذ رمحا كان معه فطعن به إياسا فى ثغره «٣» ، فصرعه، وأمر رجلا من أصحابه فقطع رأسه،

стр. 7630

وتفرّق أصحاب إياس، ورجعوا إلى ابن مطيع، فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشّرط، وأقبل إبراهيم إلى المختار وقال له: إنّا اتّعدنا للخروج القابلة، وقد وقع أمر، لا بد من الخروج الليلة، وأخبره الخبر، ففرح المختار يقتل إياس وقال: هذا أوّل الفتح إن شاء الله. ثم قال لسعيد بن منقذ: قم فأشعل النّيران وارفعها، وسر أنت يا عبد الله بن شدّاد فناد: يا منصور، أمت، وأنت يا سفيان بن ليلى، وأنت يا قدامة بن مالك: ناد يا لثارات الحسين، ثم لبس سلاحه. وكانت الحرب بين أصحابه وبين الّذين ندبهم ابن مطيع لحفظ الجبابين فى تلك الليلة، فكان الظفر لأصحاب المختار، وخرج المختار فى جماعة من أصحابه حتى نزل فى ظهر دير هند فى السبخة «١» ، وانضمّ إليه ممّن تابعه ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثنى عشر ألفا، واجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبئته، وصلّى بأصحابه بغلس. وقد جمع ابن مطيع أهل الطاعة إليه، فبعث شبث بن ربعىّ فى ثلاثة آلاف، وراشد بن إياس فى أربعة آلاف من الشّرط، لقتال المختار ومن معه، وأردفهم بالعساكر، واقتتلوا؛ فكان الظفر لأصحاب المختار، وكان الذى صلّى الحرب ودبر الأمر إبراهيم بن الأشتر. فلمّا رأى ابن مطيع أمر المختار وأصحابه قد قوى خرج بنفسه إليهم، فوقف بالكناسة واستخلف شبث بن ربعى على القصر، فبرز إبراهيم ابن الأشتر إلى ابن مطيع فى أصحابه وحمل عليه، فلم يلبث ابن مطيع

стр. 7631

أن انهزم أصحابه، يركب بعضهم بعضا على أفواه السّكك، وابن الأشتر فى آثارهم، حتى بلغ المسجد، وحصر ابن مطيع ومن معه من أشراف الكوفة فى القصر ثلاثا، فقال شبث لابن مطيع: انظر لنفسك ولمن معك؛ فقال: أشيروا عليّ؛ فقال شبث: الرأى أن تأخذ لنفسك ولنا أمانا، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك؛ فقال ابن مطيع: إنى لأكره أن آخذ منه أمانا، والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز والبصرة؛ قال: فتخرج ولا تشعر بك أحدا، فتنزل بالكوفة عند من تثق إليه حتى تلحق بصاحبك. فأقام حتى أمسى، وخرج وأتى دار أبى موسى، وترك «١» القصر، ففتح أصحابه الباب، وقالوا: يا ابن الأشتر، آمنون نحن؟ فقال: أنتم آمنون؛ فخرجوا، فبايعوا المختار. ودخل [المختار] «٢» القصر فبات به، وأصبح أشراف الناس فى المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر وخطب الناس، ثم نزل. ودخل أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، والطلب بدماء «٣» أهل البيت وجهاد المحلّين «٤» والدّفع عن الضّعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلّم من سالمنا. وكان ممن بايعه المنذر بن حسان الضّبى وابنه حسان، فلما خرجا من عنده استقبلهما سعيد بن منقذ الثورى فى جماعة

стр. 7632

من الشّيعة، فقالوا: هذان والله رءوس الجبارين، فقتلوهما، ونهاهم سعيد عن قتلهما إلّا بأمر المختار، فلم ينتهوا. فلما سمع المختار ذلك كرهه، وأقبل يمنّى الناس ويود «١» الأشراف، ويحسن السّيرة، فبلغه أن ابن مطيع فى دار أبى موسى، فسكت، فلما أمسى بعث إليه بمائة ألف درهم، وقال: تجهز بهذه، فقد علمت مكانك، وأنّك لم يمنعك من الخروج إلا عدم النّفقة. *** ووجد المختار فى بيت المال [بالكوفة] «٢» تسعة آلاف ألف وخمسمائة ألف، فأعطى لكل رجل خمسمائة درهم، وأعطى لستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر «٣» ، لكل منهم مائتى درهم، واستقبل الناس بخير. واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشّاكرى، وعلى حرسه كيسان. [والله أعلم بالصواب] «٤» .

стр. 7633

ذكر عمال المختار بن أبى عبيد كانت أوّل راية عقدها المختار لعبد الله بن الحارث أخى الأشتر على إرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق ابن مسعود على المدائن، وأرض جوخى «١» ، وبعث قدامة بن أبى عيسى ابن ربيعة النّصرى حليف ثقيف على بهقباذ «٢» الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث سعد ابن حذيفة بن اليمان على حلوان، وأمره بقتال الأكراد، وإقامة الطّرق. وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن قيس، فلما بعث المختار عبد الرحمن إليها، سار محمد عنها إلى تكريت «٣» ، ينتظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار فبايعه، فلما فرغ من ذلك أقبل يجلس للناس ويقضى بينهم، ثم قال: إن لى فيما أحاول شغلا عن القضاء، ثم أقام شريحا يقضى بين الناس، فتمارض، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائى.

стр. 7634

ذكر قتل المختار قتلة الحسين وخروج أهل الكوفة على المختار وقتالهم إياه ووقعة السبيع «١» كان سبب ذلك أن مروان بن الحكم لما استتب له الأمر بعث عبيد الله بن زياد إلى العراق، وقد ذكرنا ما كان من أمره مع التّوابين «٢» . ثم توفى مروان بن الحكم وولّى ابنه عبد الملك، فأقرّ ابن زياد على ولايته، وأمره بالجدّ، فأقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إليه يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل، وأنّه قد تنحّى له عنها إلى تكريت، فندب المختار يزيد بن أنس الأسدى، فانتخب ثلاثة آلاف، وسار بهم نحو الموصل، وكتب المختار إلى عبد الرحمن: أن خلّ بين يزيد وبين البلاد، فسار يزيد حتى بلغ أرض الموصل، فنزل بنات تلّى «٣» ، وبلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثنّ إلى كلّ ألف ألفين، فأرسل ربيعة بن المخارق الغنوىّ فى ثلاثة آلاف، وعبد الله بن جملة «٤» الخثعمى فى ثلاثة آلاف، فسار ربيعة قبل عبد الله بيوم، فنزل بيزيد بن أنس بنات تلّى «٥» فخرج، وقد اشتدّ به المرض، وعبّأ أصحابه،

стр. 7635

وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدى، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذرى، فإن هلك فأميركم سعر الحنفى. ثم نزل فوضع على سرير، وقال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فرّوا عنه. واقتتل القوم، فانهزم أصحاب ابن زياد، وقتل ربيعة بن المخارق، قتله عبد الله بن ورقاء، فسار المنهزمون ساعة، ولقيهم عبد الله ابن جملة فردهم معه، فباتوا ليلتهم ببنات تلّى يتحارسون، فلمّا أصبحوا خرجوا إلى القتال فاقتتلوا قتالا شديدا، وذلك فى يوم الأضحى سنة ست وستّين، فانهزم أهل الشام، ونزل ابن جملة فى جماعة، فقاتل حتى قتل، وحوى أهل الكوفة عسكرهم، وقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وأسروا ثلاثمائة، فأمر يزيد بقتلهم، وهو بآخر رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فقال ورقاء بن عازب لأصحابه: إنه بلغنى أنّ عبيد الله بن زياد قد أقبل إليكم فى ثمانين ألفا، وأشار عليهم بالرجوع إلى المختار، فصوّبوا رأيه، ورجعوا، فبلغ ذلك أهل الكوفة، فأرجفوا بالمختار، وقالوا: إن يزيد قتل ولم يمت، فندب إبراهيم بن الأشتر فى سبعة آلاف، وقال له: سر فإذا لقيت جيش يزيد فأنت الأمير عليهم، فارددهم معك حتى تلقى ابن زياد فناجزه. فسار إبراهيم لذلك، فاجتمع أشراف الكوفة على شبث بن ربعى وقالوا: والله، إن المختار تأمّر بغير رضا منّا، وقد أدنى موالينا «١» ، فحملهم على الدوابّ، وأعطاهم فيئنا.
следующие страницы →