ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، وكان مريضا، فأمر فوضع له كرسىّ بين الصفّين، فجلس، ثم حرّض أهل الشام على القتال، فجعلوا لا يقصدون ربعا من تلك الأرباع إلّا هزموه، ثم وجّه الخيل نحو ابن الغسيل، فكشفهم [١] ، حتّى انتهوا إلى مسلم، فنهض فى وجوههم بالرجال، وصاح بهم، فقاتلوا قتالا شديدا.
ثم إن الفضل بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى ابن الغسيل، فقاتل معه فى نحو عشرين فارسا قتالا حسنا، ثم قال ابن بن الغسيل: «مر من معك فارسا فليأتنى، فليقف معى، فإذا حملت فليحملوا [٢] ، فو الله لا أنتهى حتى أبلغ مسلما فأقتله أو أقتل دونه!» ففعل، وجمع الجند، فحمل بهم الفضل على أهل الشام، فانكشفوا، ثم حمل وحمل أصحابه حملة أخرى، فانفرجت خيل الشام عن مسلم ومعه خمسمائة راجل جثاة على الرّكب مشرعى الأسنّة نحو القوم، ومضى الفضل نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها فقطّ المغفر وفلق هامته، فخرّ ميتا، وقال: خذها وأنا ابن عبد المطلب! وظن أنه قتل مسلما، فقال: قتلت طاغية القوم وربّ لكعبة! فأخذ مسلم رايته، وكان المقتول غلاما روميا [٣] شجاعا، وحرّض مسلم أهل الشام، وقال: شدّوا مع هذه الراية، فمشى برايته، وشدّت الرجال أمام الراية، فصرع الفضل وما بينه وبين [أطناب] [٤]
стр. 7562
فسطاط مسلم إلّا نحو عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل، فحرض ابن الغسيل أصحابه، فنهضوا واقتتلوا أشدّ قتال، وأخذ ابن الغسيل يقدّم بنيه واحدا واحدا، حتّى قتلوا بن يديه، ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد ابن ثابت بن قيس بن شماس، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصارى. وانهزم الناس.
وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا، يقتلون الناس، ويأخذون المتاع والأموال، فسمّى مسلم بعد وقعة الحرة [١] مسرفا» .
وقيل إن مسلما لمّا نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة حسنة، فهابهم أهل الشام، وكرهوا قتالهم، [فلما رآهم مسلم سبّهم وذمهم وحرّضهم، وكان شديد الوجع، فقاتلوا، فبينما أهل المدينة فى قتالهم] [٢] إذ سمعوا التكبير من خلفهم من جوف المدينة، وكان سببه أن بنى حارثة أدخلوا أهل الشام المدينة، فانهزم الناس، فكان من أصيب فى الخندق أكثر ممّن قتل.
ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول [٣] له يحكم فى دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله.
وأتى يومئذ بعمرو بن عثمان بن عفان، وكان ممّن لم يخرج مع
стр. 7563
بنى أميّة، فقال مسلم: يا أهل الشام تعرفون هذا؟ قالوا: لا؛ قال:
هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان، هى يا عمرو إذا ظهر [١] أهل المدينة قلت أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين عثمان» ، وأمر به فنتفت لحيته، ثم خلّى سبيله.
وكانت وقعة الحرّة لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة ثلاث وستين.
وقتل مسلم جماعة من أهل المدينة صبرا، فكان منهم على ما ذكر ابن إسحاق والواقدى وويثمة وغيرهم: الفضل بن العباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وأبو بكر بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ويعقوب ابن طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومعقل ابن سنان الأشجعى، ومحمد بن أبى الجهم بن حذيفة العدوى، وقتل أيضا صبرا ابنا زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول الله ﷺ ، وهما [٢] ابنا عبد الله [٣] بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزّى بن قصىّ، ولما قتلا حملا إلى أمهما فوضعا بين يديها، فاسترجعت [٤] وقالت: والله إنّ المصيبة علىّ فيهما لكبيرة، وهى علىّ فى هذا أكبر منها فى هذا، أما هذا فجلس فى بيته وكفّ
стр. 7564
يده فدخل عليه فقتل مظلوما، فأنا أرجو له الجنة، وأمّا هذا فبسط.
يده فقاتل حتى قتل، فلا أدرى علام هو فى ذلك؟ فالمصيبة به أعظم منها علىّ فى هذا! وقتل أيضا يزيد بن عبد الله بن زمعة.
وانتهى القتل يومئذ فيما ذكروا إلى ثلاثمائة، كلّهم من أبناء المهاجرين والأنصار. ومنهم جماعة ممّن صحب رسول الله ﷺ ، وبلغت قتلى قريش يومئذ نحو مائة، وقتلى الأنصار والحلفاء والموالى نحو مائتين.
وقيل: إن يزيد بن معاوية لمّا بلغه ما كان من خبر هذه الوقعة قال:
ليت أشياخى ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشل
لست من عتبة إن لم أثّئر [١] ... من بنى أحمد ما كان فعل
هكذا حكى [٢] عن بعض المؤرخين. والذى أعتقده أن هذه الأبيات مفتعلة عنه ومنسوبة [٣] إليه، فإنها لا تصدر إلّا ممن نزع ربقة [٤] الإسلام من عنقة. والله أعلم.
стр. 7565
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزّبير، وكان يسمى يومئذ «العائذ بالبيت» .
سنة اربع وستين ذكر مسير مسلم بن عقبة إلى مكة لحصار عبد الله بن الزبير، ووفاة مسلم والحصار الأول وإحراق الكعبة
قال ولما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص نحو مكة بمن معه لقتال ابن الزبير، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامّى. وقيل: عمرو بن محرز الأشجعى. وكان خبر وقعة الحرّة قد أتى عبد الله بن الزّبير مع المسور بن مخرمة هلال المحرم، فاستعد هو وأصحابه للحرب.
وسار مسلم حتى انتهى إلى المشلّل [١] فمات هناك، ولما حضرته الوفاة أحضر الحصين بن نمير السّكونىّ وقال له يا برذعة الحمار، لو كان الأمر لى ما ولّيتك هذا الجند. ولكن أمير المؤمنين ولّاك [٢] ؛ ثم مات.
وسار الحصين فقدم مكة لأربع بقين من المحرّم، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير [ولحق به من انهزم من أهل المدينة] [٣]
стр. 7566
وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفىّ من اليمامة فى أناس من الخوارج يمنعون البيت.
فخرج ابن الزّبير للقاء أهل الشام ومعه أخوه المنذر، فبارز المنذر [١] رجل من أهل الشام، فضرب كلّ واحد منهما صاحبه ضربة فماتا جميعا.
وقاتل المسور بن مخرمة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف قتالا شديدا حتّى قتلا، وصابرهم ابن الزّبير إلى الليل، ثم انصرفوا عنه [٢] ، ثم أقاموا عليه فقاتلوه بقية المحرم وصفر كله، حتّى إذا مضت ثلاثة أيام من ربيع الأول سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وهم يرتجزون:
خطارة [٣] مثل الفنيق [٤] المزبد ... نرمى بها أعواد هذا المسجد
واستمروا على القتال والحصار إلى آخر هذا الشهر، فأتاهم نعى يزيد بن معاوية لهلال شهر ربيع الآخر.
ذكر وفاة يزيد بن معاوية وشىء من أخباره
كانت وفاته بحوّارين من قرى حمص لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين، وقيل: فى هذا الشهر من
стр. 7567
سنة ثلاث وستين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل: تسع وثلاثين؛ وقيل: أقلّ من ذلك إلى خمس وثلاثين.
وكانت ولايته ثلاث سنين وتسعة [١] أشهر وأيّاما، على القول الأول فى وفاته. وحمل إلى دمشق فدفن بها فى مقبرة الباب الصغير، وصلّى عليه ابنه معاوية.
وكان له من الأودلار معاوية وخالد [٢] وأبو سفيان عبد الله الأكبر أمّهم أمّ هاشم بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة، وله أيضا عبد الله الأصغر [٣] ، وأمّه أمّ كلثوم بنت عبد الله بن عامر، وهو الإسوار [٤] وله أيضا عبد الله أصغر الأصاغر، وعمير [٥] وأبو بكر وعتبة وحرب ومحمد لأمّهات شتى؛ قيل: وله يزيد والربيع.
وكاتبه عتبة [٦] بن أوس ثم زمل بن عمرو العذرىّ.
وكان نقش خاتمه: «ربّنا الله» .
حاجبه خالد مولاه، وقيل: صفوان.
قاضيه أبو إدريس الخولانى.
стр. 7568
عمّاله على الأمصار [من] [١] تقدم ذكرهم.. الأمير بمصر مسلمة بن مخلّد [٢] ، ثم توفّى [٣] ، فولّاها يزيد سعيد [٤] بن يزيد الأزدى من أهل فلسطين.. القاضى بها من قبل مسلمة ويزيد عابس [٥] بن سعيد، وجمع له بين القضاء والشرطة، وكان أمّيّا لا يكتب ولا يقرأ.
ذكر بيعة معاوية بن يزيد بن معاوية
وكنيته «أبو عبد الرحمن» و «أبو ليلى [٦] » ، وأمه أم هاشم بنت أبى هاشم بن عتبة بن ربيعة، وهو الثالث من ملوك بنى أميّة، بويع له بالشام فى النصف من ربيع الأول سنة أربع وستين.
стр. 7569
قال [١] : ولمّا كان فى آخر إمارتة أمر فنودى: «الصلاة جامعة» فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «أمّا بعد، فإنى ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر رضى الله عنهما فلم أجده، فابتغيت ستة من أهل الشورى فلم أجد، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم» . ثم دخل منزله وتغيّب حتّى مات، فقيل: مات مسموما، وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، ثم طعن [٢] الوليد فمات من يومه.
وقيل: إنه لمّا كبّر تكبيرتين مات قبل انقضاء الصلاة، فتقدم مروان بن الحكم فصلّى عليه.
وقيل: إنه أوصى أن يصلّى بالناس الضحّاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة.
وقيل له عند الموت:! اعهد إلى خالد بن يزيد، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلّد وزرها من بعدى [٣] ! ولم يكن لمعاوية هذا ولد.
وكان نقش خاتمه: «الدنيا غرور» [٤] .
وكانت وفاته لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين.
стр. 7570
وكانت مدة ولايته إلى حين وفاته أربعين يوما، وقال المدائنى:
ثلاثة أشهر، وقال ابن إسحاق: عشرين يوما.
ومات وله ثلاث وعشرون سنة، وقال العتبى: سبع عشرة سنة.
والله تعالى أعلم.
فلنذكر أخبار من بويع بالعراق وخراسان فى زمن هذه الفتن، بعد وفاة يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد إلى أن خلص الأمر بالحجاز والعراق وخراسان لعبد الله بن الزّبير.
ذكر أخبار من بويع بالعراق أو لم يتم أمره إلى أن بويع
لعبد الله بن الزبير وما كان بالعراق من الوقائع فى خلال ذلك كان أوّل من بويع بالعراق بعد وفاة يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد بن أبيه، وذلك أنه لمّا أتاه الخبر بوفاة يزيد، وبلغه ما الناس فيه بالشام من الاختلاف، أمر فنودى: «الصلاة جامعة» ، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فنعى يزيد وعرّض بثلبه [١] ، لأن يزيد كان قد كرهه قبل موته، وصرّح بلعنه بسبب قتل الحسين بن علىّ، حتى خافه عبيد الله على نفسه، ثم قال عبيد الله: «يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم، ودارنا فيكم، [ومولدى فيكم] [٢] ، ولقد ولّيتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألف مقاتل، وما أحصى ديوان عمالكم [إلا تسعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفا، وما تركت لكم ذا
стр. 7571
ظنّة أخافه عليكم [١]] إلّا وهو فى سجنكم، وإنّ يزيد قد توفّى، وقد اختلف الناس بالشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عددا، وأعرضه فناء، وأغناه عن الناس، وأوسعهم بلادا، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أوّل راض بما رضيتموه [لدينكم وجماعتكم] [٢] ، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم [٣] حتى تعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة، وما يستغنى الناس عنكم» .
فقام خطباؤهم، وقالوا: قد سمعنا مقالتك، وما نعلم أحد أقوى عليها منك، فهلمّ [٤] نبايعك، فقال: لا حاجة لى فى ذلك.
فكرروا عليه وهو يأبى عليهم ثلاثا، ثم بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا ومسحوا أيديهم بالحيطان، وقالوا: أيظن ابن مرجانة إنّا ننقاد له فى الجماعة والفرقة.
قال: ولمّا بايعوه أرسل إلى أهل الكوفة مع عمرو بن مسمع وسعد بن قرحا التيمى [٥] يدعوهم إلى البيعة له، ويعلمهم ما صنع أهل البصرة، فلمّا وصلا إلى الكوفة وكان خليفة عبيد الله عليها عمرو بن حريث، فجمع الناس، وقام الرسولان فخطبا وذكرا ذلك للناس، فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشّيبانى وهو ابن رويم، فقال
стр. 7572
الحمد لله الذى أراحنا من ابن سمّية، أنحن نبايعه؟ لا ولا كرامة.
وحصبهما الناس بعده، فشرّفت هذه المقالة يزيد بن رويم بالكوفة ورفعته، ورجع الرسولان إلى عبيد الله، فقال أهل البصرة: أيخلعه أهل الكوفة ونولّيه نحن؟! فضعف سلطانه عندهم، فكان يأمر بالأمر فلا يقضى ويرى الرأى فيردّ عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه.
ثم جاء البصرة سلمة بن ذؤيب الحنظلى التميمى، فوقف فى السوق وبيده لواء، وقال: أيها الناس، هلمّوا إلىّ، إنى أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم، يعنى عبد الله بن الزّبير.
فاجتمع إليه ناس، وجعلوا يبايعونه، فبلغ الخبر ابن زياد، فجمع الناس فخطبهم وذكّرهم بما كان من بيعته وقال: إنى بلغنى أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب المسجد، وقلتم ما قلتم، وإنى آمر بالأمر فلا ينفذ، ويردّ علىّ رأيى، ويحال بين أعوانى وبين طلبتى، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعوكم إلى الخلاف عليكم، ليفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم رقاب بعض [١] !» .
فقال الأحنف والناس: نحن نأتيك بسلمة، فأتوه، فإذا جمعه قد كثف والفتق قد اتسع، فقعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه فلما رأى ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صهبان الجهضمى الأزدى، فأحضره وسأله الهرب به، فقال: يا حارث [إن أبى أوصانى إن احتجت إلى الهرب يوما ما أن أختاركم، فقال الحارث] [١]
стр. 7573
قد اختبرنا أباك فلم نجد عنده ولا عندك مكافأة، وما أدرى كيف أتأتّى لك إن أخرجتك نهارا أخاف أن تقتل وأقتل، ولكنى أقيم معك إلى الليل، ثم أردفك خلفى لئلّا نعرف، فقال عبيد الله، نعم ما رأيت، فأقام عنده، فلمّا كان الليل حمله خلفه، وكان فى بيت المال تسعة عشر ألف ففرّق ابن زياد بعضها فى مواليه، وادّخر الباقى لآل زياد، قال: وسار الحارث بعبيد الله، فكان يمرّ به على الناس وهم يتحارسون مخافة الحروريّة، حتّى انتهوا إلى بنى ناجية، فقال بنوا ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس. وعرف رجل منهم عبيد الله، فقال: ابن مرجانة! وأرسل سهما فوقع فى عمامته ومضى به الحارث حتّى أنزله فى داره بالجهاضم؛ فقال له ابن زياد: «يا حارث، إنك قد أحسنت، فاصنع ما أشير به عليك.
قد علمت منزلة مسعود بن عمرو، وشرفه وسنّه، وطاعة قومه له.
فهل لك أن تذهب بى إليه فأكون فى داره، فهى وسط الأزد؟ فإنك إن لم تفعل فرّق عليك أمر قومك، فأخذه الحارث فدخلا على مسعود فلم يشعر حتّى رآهما، فقال للحارث: أعوذ بالله من شر ما طرقتنى به، قال: ما طرقتك إلّا بخير، ولم يزل الحارث يلطف بمسعود فى أمره حتّى قال له: أتخرجه من بيتك بعد ما دخله عليك؟! فأمره مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو، ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه، فطافوا بالأزد فقالوا: إن ابن زياد قد فقد، وإنا لا نأمن أن تلطخوا به. فأصبحوا فى السلاح، وفقد الناس بن زياد فقالوا: ما هو إلا فى الأزد. [وقيل: إن الحارث لم يكلم
стр. 7574
مسعودا، بل أمر عبيد الله [١]] فحمل معه مائة ألف درهم وأتى بها أمّ بسطام امرأة مسعود وهى بنت عمّ الحارث ومعه عبيد الله، فاستأذن عليها، فأذنت له. [فقال: قد أتيتك بأمر تسودين به نساء العرب، وتتعجلين به الغنى، فأخبرها الخبر] [٢] وأمرها أن تدخل ابن زياد البيت، وتلبسه ثوبا من ثياب مسعود، ففعلت، فلما جاء مسعود أخذ برأسها يضربها، فخرج عبيد الله والحارث عليه، وقال، لقد أجارتنى وهذا ثوبك على، وطعامك فى بطنى، وشهد الحارث، وتلطفوا به حتى رضى، فلم يزل ابن زياد فى بيته حتّى قتل مسعود، فسار إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله.
قال: ولما فقد ابن زياد بقى أهل البصرة بغير أمير. فاختلفوا فيمن يؤمّرونه عليهم، ثم تراضوا بقيس بن الهيثم السّلمى، وبنعمان بن سفيان ليختارا من يرتضيان لهم، وكان رأى قيس فى بنى أمية، ورأى النعمان فى بنى هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحدا [أحق بهذا الأمر] [٢] من فلان، (لرجل من بنى أميّة) . وقيل بل ذكر عبد الله بن الأسود الزهرىّ، وكان هوى قيس فيه، وإنما قال النعمان ذلك خديعة ومكرا بقيس، فقال قيس: قد قلّدتك أمرى ورضيت من رضيت، ثم جاء [٣] إلى الناس، فقال قيس بن الهيثم: قد رضيت من رضى النعمان.
стр. 7575
ذكر ولاية عبد الله بن الحارث البصرة
قال: ولما اتفق قيس والنّعمان، ورضى قيس بمن يؤمّره النعمان، أشهد عليه النعمان بذلك، وأخذ على قيس وعلى الناس العهود بالرضا.
ثم أتى عبد الله بن الأسود، وأخذ بيده واشترط عليه، حتّى ظنّ الناس أنه يبايعه، ثم تركه.
وأخذ بيد عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو الملقب، «ببّه» [١] واشترط عليه مثل ذلك، ثم حمد الله وذكر النبىّ ﷺ وحقّ أهل بيته وقرابته، ثم قال:
«أيها الناس، ما تنقمون من رجل من بنى عم نبيكم وأمّه هند بنت أبى سفيان، فإن كان الأمر فيهم فهو ابن أختهم» ، ثم أخذ بيده وقال، قد رضيت لكم هذا. فنادوا: قد رضينا، وبايعوه، وأقبلوا به إلى دار الإمارة حتّى نزلها. وذلك أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين.
ذكر مقتل مسعود بن عمرو الأزدى وهرب عبيد الله بن زياد إلى الشام
قال: ثم إن الأزد وربيعة جددوا الحلف الذى كان بينهم، وأنفق ابن زياد ما لا كثيرا فيهم حتّى تمّ الحلف، وكنبوا بينهم بذلك كتابين، فلمّا تحالفوا اتفقوا على أن يردّوا ابن زياد إلى دار الإمارة، فساروا ورئيسهم مسعود بن عمرو، فقال لابن زياد: سر معنا، فلم
стр. 7576
يفعل، وأرسل معه مواليه على الخيل، وقال لهم لا يحدثنّ خير ولا شر إلا أنبأتمونى به.
فجعل مسعود لا يأتى سكة ولا يتجاوز قبيلة إلّا أتى بعض أولئك الموالى إلى ابن زياد بالخبر، وسارت ربيعة وعليهم مالك بن مسمع فأخذوا سكة المربد، وجاء مسعود فدخل المسجد وصعد المنبر، وعبد الله ابن الحارث فى دار الإمارة، فقيل له، إن مسعود وأهل اليمن وربيعة قد ساروا وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم وركبت فى بنى تميم، فقال: أبعدهم الله، والله لا أفسدت نفسى فى صلاحهم، وسار مالك بن مسمع نحو دور بنى تميم حتى دخل سكة بنى العدويّة، فحرق دورهم لما فى نفسه منهم.
وجاء بنو تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها، فقال، لستم بأحقّ بالمسجد منهم، فقالوا: قد دخلوا الدار، فقال: لستم بأحقّ بالدار منهم؛ فأتته امرأة بمجمر وقالت له: مالك وللرياسة؟! إنما أنت امرأة تتجمر.
ثم أتوه فقالوا: إن امرأة منا قد نزعت خلا خيلها، وقد قتلوا الصباغ الذى على طريقك، وقتلوا المقعد الذى كان على باب المسجد.
وقد دخل مالك بن مسمع سكّة بنى العدويّة فحرق، فقال الأحنف:
أقيموا البينة على هذا، ففى بعض هذا ما يحل به قتالهم! فشهدوا عنده على ذلك؛ فقال الأحنف: أجاء عبّاد بن حصين؟ قالوا لا: ثم قال:
أجاء عبّاد؟ قالوا لا. قال: أهاهنا عبس بن طلق قالوا: نعم؛ [فدعاه] [١]
стр. 7577
فانتزع معجرا [١] من رأسه فعقده فى رمح ثم دفعه إليه، فقال:
سر، فسار وصاح الناس: «هاجت زبراء» (وزيراء أمة للأحنف كنوا بها عنه) [٢] .
فسار عبس إلى المسجد، فقاتل الأزد على أبوابه، ومسعود يخطب على [المنبر] [٣] ، ثم أتوه فاستنزلوه وقتلوه، وذلك أول شوال سنة أربع وستين، وانهزم أصحابه.
وكان ابن زياد قد تهيأ لما صعد مسعود المنبر ليجىء دار الإمارة، فقيل له إن مسعود قد قتل، فركب ولحق بالشام.
وأما مالك بن مسمع فأتاه ناس من مصر فحصروه فى داره وحرقوه.
ولما هرب ابن زياد تبعوه فأعجزهم، فنهبوا ما وجدوا له؛ ففى ذلك يقول واقد بن خليفة التميمىّ.
يا رب جبّار شديد كلبه ... قد صار فينا تاجه وسلبه
منهم عبيد الله حين تسلبه ... جياده وبزه وننهبه
يوم التقى مقنبنا [٤] ومقنبه ... لو لم ينجّ ابن زياد هربه
وقد قيل فى قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما قدمناه. وهو أنه لمّا استجار ابن زياد بمسعود بن عمرو وأجاره، ثم سار ابن زياد إلى
стр. 7578
الشام وأرسل معه مسعود مائة من الأزد حتّى قدموا به إلى الشام، ولما سار من البصرة استخلف مسعودا عليها، فقال بنو تميم وقيس:
لا نرضى إلّا رجلا ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: قد استخلفنى ولا أدع ذلك أبدا، وخرج حتّى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت نميم إلى الأحنف، فقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد قال: إنّما هو لهم ولكم، قالوا: قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر.
وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عبيد الله إلى الشام، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم: إن هذا الرجل الذى قد دخل القصر هو لنا ولكم عدوّ، فما يمنعكم منه؟! فجاءت عصابة منهم حتّى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فرماه علج يقال له مسلم من أهل فارس، كان قد دخل البصرة وأسلم ثم صار من الخوارج، فأصاب قلبه فقتله؛ فقال الناس: قتله الخوارج. فخرج الأزد إلى تلك الخوارج، فقتلوا منهم وجرحوا، وطردوهم عن البصرة، ثم قيل للأزد: إن تميما قتلوا مسعودا، فأرسلوا يسألون، فإذا ناس من تميم تقوله، فاجتمعت الأزد عند ذلك، فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود، ومعهم مالك بن مسمع فى ربيعة، وجاءت تميم إلى الأحنف يقولون: قد خرج القوم؛ وهو لا يتحرك، فأتته امرأة بمجمر فقالت: اجلس على هذا، (أى إنما أنت امرأة) ، فخرج الأحنف فى بنى تميم ومعهم من بالبصرة من قيس، فالتقوا، فقتل منهم قتلى كثيرة، فقال لهم بنو تميم:
«يا معشر الأزد، الله الله فى دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن، ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بيّنة فاختاروا
стр. 7579
أفضل رجل فينا فاقتلوه، وإن لم تكن لكم بيّنة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قاتل، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندى صاحبكم بمائة ألف درهم» . وسفر بينهم عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فطلبوا عشر ديات، فأجابهم الأحنف إلى ذلك، واصطلحوا عليه.
قال: وأما عبد الله بن الحارث «ببّه» فإنه أقام يصلى بالناس حتّى قدم عليهم عمر بن عبيد الله أميرا من قبل ابن الزّبير.
وقيل: كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب وهو متوجه إلى العمرة، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلّى بالناس، فصلى بهم حتّى قدم عمر، فبقى عمر أميرا شهرا، ثم قدم الحارث بن عبيد الله بن أبى ربيعة المخزومى فعزله ووليها الحارث.
وقيل: بل اعتزل عبد الله بن الحارث «ببّه» أهل البصرة بعد قتل مسعود، فكتب أهل البصرة بعد قتل مسعود إلى ابن الزّبير، وكتب ابن الزّبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلى بالناس، فصلى بهم أربعين يوما.
هذا ما كان من أمر البصرة، فلنذكر خبر أهل الكوفة.
стр. 7580
ذكر خبر أهل الكوفة وما كان من أمرهم [بعد ابن زياد] [١] إلى أن بويع ابن الزبير
كان من خبرهم أنهم لما حصبوا رسل ابن زياد على ما ذكرناه عزلوا خليفته عليهم وهو عمرو بن حريث، واجتمع الناس وقالوا:
نؤمّر علينا رجلا إلى أن يجتمع الناس على خليفة، فاجتمعوا على عمر بن سعد بن أبى وقّاص، فجاءت نساء همدان يبكين الحسين ابن علىّ رضى الله عنهما ورجالهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمنبر؛ فقال محمد بن الأشعث: جاء أمر غير ما كنّا فيه. وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد، لأنهم أخواله، فأجمعوا على عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف بن وهب الجمحى، فخطب أهل الكوفة فقال:
إن لكل قوم أشربة ولذّات فاطلبوها فى مظانّها، وعليكم بما يحل ويحمد، واكسروا شرابكم بالماء، وتواروا عنى بهذه الجدران.
فقال ابن همام [٣] :
اشرب شرابك وانعم غير محسود ... واكسره بالماء لا تعص ابن مسعود
إن الأمير له فى الخمر مأربة ... فاشرب هنيئا مريئا غير تصريد [٣]
стр. 7581
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ... من قعر خابية ماء العناقيد
إنى لأكره تشديد الرّواة لنا ... فيها ويعجبنى قول ابن مسعود
وكثير من الناس يظن أن ابن مسعود المذكور فى هذا الشعر هو عبد الله بن أم عبد، صاحب رسول الله ﷺ وليس كذلك.
قال: ولمّا بايعه أهل الكوفة كتبوا بذلك إلى ابن الزّبير فأقرّه عليها، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية، ثم استعمل عبد الله بن الزّبير عبد الله بن يزيد الخطمى الأنصارىّ على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة على الخراج، واستعمل محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل.
ذكر خبر خراسان وما كان من أمر سلم بن زياد وبيعته وخبر عبد الله بن خازم
كان من خبر خراسان أنه لما بلغ سلم بن زياد وهو العامل عليها موت يزيد بن معاوية كتم ذلك، فقال له ابن عرادة:
يأيها الملك المغلّق بابه ... حدثت أمور شأنهن عظيم
قتلى بحرّة والذين بكابل ... وزيد أعلن شأنه المكتوم
أبنى أمية إن آخر ملككم ... جسد بجوّازين ثمّ مقيم
стр. 7582
طرقت منيّته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم [١]
ومرنّة تبكى على نشواته ... بالصنج تقعد مرة وتقوم
فلما ظهر شعره أظهر سلم موت يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتّى تستقيم أمور الناس على خليفة، فبايعوه، ثم نكثوا به بعد شهرين، فلمّا خلعوه خرج عنهم واستخلف المهلّب بن أبى صفرة، فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بنى قيس بن ثعلبة بن ربيعة، فقال له: أضاقت عليك نزار حتى خلّفت على خراسان رجلا من اليمن، يعنى المهلب. فولاه مرو الرّوز، والفارياب، والطالقان، والجزجان. وولّى أوس بن ثعلبة ابن زفرر (وهو صاحب قصر أوس بالبصرة) هراة، فلما وصل سلم إلى نيسابور لقيه عبد الله بن حازم، فقال له: من وليت خراسان؟
فأخبره فقال: «أما وجدت من مضر من تستعلمه، حتى فرّقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن! اكتب لى عهدا على خراسان» ؛ فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم.
وسار ابن خازم إلى مرو، وبلغ خبره المهلّب، فأقبل فاستخلف رجلا من بنى جشم بن سعد بن زيد مناه بن تميم، فلمّا وصلها ابن خازم منعه الجشمىّ، وجرت بينهما مناوشة، فأصابت الجثمىّ رمية فى جبهته، وتحاجزا، ودخلهما ابن خازم، ومات الجثمىّ بعد ذلك بيومين.
стр. 7583
ثم سار ابن خازم إلى مرو فقاتله سليمان بن مرثد أياما، فقتل سليمان، ثم سار بن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطّالقان فاقتتلوا فقتل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع ابن خازم إلى مرو.
وهرب من كان بمرو الرّوذ من بكر بن وائل إلى هراة، وانضمّ إليها من كان بكور خراسان من بكر، فكثر جمعهم، وقالوا لأوس ابن ثعلبة: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم وتخرج مضر من خراسان، فأبى عليهم [١] فهمّوا [٢] بمبايعة غيره، فأجابهم، فبايعوه، فسار إليهم ابن خازم فنزل على واد بينه [٣] وبين هراة، فأشار البكريّون بالخروج من هراة وعمل خندق، فقال أوس:
بل نلزم المدينة فإنها حصينة، وأطاول ابن خازم ليضجر ويعطينا ما نريد، فأبوا عليه، وخرجوا فخندقوا خندقا [٤] . وقاتلهم ابن خازم نحو سنة.
فنادى هلال الضّبىّ وهو من أصحابه فقال: «إنما تقاتل إخوتك وبنى أبيك، فإن نلت منهم الذى تريد فما فى العيش خير، فلو أعطيتهم شيئا يرضون به، وأصلحت هذا الأمر!» فقال: والله لو خرجنا إليهم عن خراسان ما رضوا [٥] » ! فقال هلال: لا والله
стр. 7584
لا أقاتل معك أنا ولا رجل يطيعنى حتى تعذر إليهم! قال. فأنت رسولى إليهم فأرضهم.
فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة، فناشده الله والقرابة فى نزار، وأن يحفظ دماءها، فقال: هل لقيت بنى صهيب: قال: لا، قال:
فالقهم. وبنو صهيب هم موالى بنى جحدر، وهم الذين ألزموا أوس ابن ثعلبة بالقتال، فخرج هلال من عند أوس فلقى جماعة من رؤساء أصحابه، فأخبرهم ما أتى له، فقالوا له: هل لقيت بنى صهيب؟ فقال: لقد عظم أمر بنى صهيب عندكم! فأتاهم يكلّمهم، فقالوا: والله لولا أنك رسول لقتلناك. قال: فما يرضيكم شىء؟
قالوا: «واحد من اثنين [١] ؛ إما أن تخرجوا من خراسان [٢] ، وإما أن تقيموا وتخرجوا لنا كل سلاح وكراع وذهب وفضة» .
فرجع هلال إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ فأخبره [٣] الخبر فقال: إن ربيعة لم تزل غضابا على ربّها منذ بعث نبيه من مضر!.
وأقام ابن خازم يقاتلهم، فلما طال مقامه ناداهم يوما؛ يا معشر ربيعة، أرضيتم بنى من خراسان بخندقكم؟! فأحفظهم ذلك، فتنادوا للقتال، فنهاهم أوس عن الخروج بجماعتهم، فعصوه، وخرجوا، فقاتلوا ساعة، ثم انهزموا، حتّى انتهوا إلى خندقهم، وتفرّقوا يمينا وشمالا، وسقطوا فى الخندق، وقتلوا قتلا ذريعا، وهرب أوس بن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسير
стр. 7585
يومه ذلك إلا قتله وسار أوس بن ثعلبة إلى سجستان فمات بها أو قريبا منها، وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف، وغلب ابن حازم على هراة واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاردىّ، وجعل بكير بن وشاح الثّقفىّ على شرطته، ورجع ابن خازم إلى مرو.
وفى هذه السنة بعد موت يزيد خالف أهل الرّى، وكان عليهم الفرّخان الرازى، فوجه إليهم عامر بن مسعود وهو أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمى الدّارمى فهزمه أهل الرىّ، فبعث إليهم عامر عتّاب بن ورقاء التميمىّ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الفرّخان وانهزم المشركون.
هذا ما كان من أخبار العراق وخراسان بعد وفاة يزيد، فلنذكر أخبار عبد الله بن الزبير، وما تخلل أيامه من أخبار غيره التى حدثت فى أعماله.
ذكر بيعة عبد الله بن الزبير وما حدثت فى أيامه من الوقائع والحوادث المتعلقة به والكائن [١] فى أعمال ولايته
هو أبو خبيب [٢] ، وقيل: أبو بكر [٣] عبد الله بن الزبير ابن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، يجتمع نسبه ونسب رسول الله ﷺ فى قصى، وأمه أسماء
стр. 7586
بنت أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنه، وهى ذات النّطاقين [١] ، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين [٢] بعد الهجرة.
وكان ابتداء أمره فى البيعة له ما قدمناه؛ من خروجه من المدينة لما توفّى معاوية بن أبى سفيان، ووصوله إلى مكة، وأنه أقام بالبيت وقال: أنا العائذ بهذا البيت.
فلما قتل الحسين بن على رضى الله عنهما فى سنة إحدى وستين كما ذكرنا، قام عبد الله فى الناس فعظّم قتله، وعاب أهل العراق عامّة، وأهل الكوفة خاصّة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلّى على رسول الله ﷺ ، ثم قال: إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولّوه عليهم، فلمّا قدم عليهم ثاروا عليه، فقالوا له: إمّا أن تضع يدك فى أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية فيمضى فيك حكمه، وإما أن تحارب، فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل فى كثير، وإن كان الله لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينا، وأخرى قاتله. لعمرى لقد كان من خلافهم إيّاه، وعصيانهم، ما كان فى مثله واعظ وناه عنهم، ولكنه قدر نازل، وإذا أراد الله أمرا لم يدفع، أفبعد الحسين يطمأنّ إلى هؤلاء القوم، ويصدّق قولهم، ويقبل لهم عهد؟ لا والله لا نراهم لذلك أهلا، أم والله لقد
стр. 7587
قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا فى النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم وأولى به فى الدين والفضل! أم الله ما كان يبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس فى حلق الذكر الركض فى تطلاب الصّيد- يعرض بيزيد فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
[١] .
فثار إليه أصحابه، وقالوا: أظهر بيعتك، فإنه لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر. وقد كان عبد الله قبل ذلك يبايع سرا، فقال لهم: لا تعجلوا. هذا وعمرو بن سعيد عامل مكة، وهو أشدّ شىء على عبد الله بن الزّبير، وهو مع ذلك يدارى ويرفق.
فلما استقرّ عند يزيد ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة أعطى الله عهدا ليوثقنّه فى سلسلة، فبعث إليه سلسلة من فضّة مع ابن عضادة [٢] الأشعرى ومسعدة وأصحابهما ليأتوه به فيها، وبعث معهم برنس خزّ ليلبسه عليها لئلا تظهر للناس.
فاجتاز أبو عضادة بالمدينة وبها مروان بن الحكم، فأخبره بما قدم له، فأرسل مروان معه ولدين له، أحدهما عبد العزيز، وقال:
إذا بلّغته رسل يزيد الرسالة فتعرّضا له، وليتمثل أحدكما بهذا الشعر:
فخذها فليست للعزيز بخطّة ... وفيها مقال لا مرىء متذلّل
أعامر إن القوم ساموك خطة ... وذلك فى الجيران عزلا بمعزل [٣]
أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل
стр. 7588
فلمّا بلّغه الرسل الرّسالة أنشد عبد العزيز الأبيات، فقال ابن الزبير: يا بنى مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما:
إنى لمن نبعة صمّ مكاسرها ... إذا تناوحت القصباء والعشر
فلا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وامتنع من رسل يزيد.
فقال الوليد بن عتبة وناس من بنى أميّة ليزيد: لو شاء عمرو ابن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث إليك به، فعزل يزيد عمرا واستعمل الوليد بن عتبة على الحجاز، فأقام الوليد يريد غرّة عبد الله فلم يجده إلا متحذّرا ممتنعا.
وثار نجدة بن عامر الحنفىّ باليمامة حين قتل الحسين، وكان الوليد يفيض بالناس من المعرّف، ويقف ابن الزبير وأصحابه ونجدة وأصحابه، ثم يفيض ابن الزبير وأصحابه، ونجدة بأصحابه، لا يفيض واحد منهم بإفاضة أحد. وكان نجدة يلقى عبد الله بن الزّبير ويكثر حتى ظنّ الناس أنه سيبايعه.
ثم [كتب] [١] عبد الله بن الزبير إلى يزيد فى شأن الوليد فعزله يزيد كما تقدم، واستعمل عثمان بن محمد بن أبى سفيان.
وكان من خبر أهل المدينة فى خلافهم يزيد، ووقعة الحرّة، والحصار الأول ما قدمناه.
فلما مات يزيد بن معاوية بلغ الخبر عبد الله بن الزبير والحصين ابن نمير ومن معه من عسكر الشام يحاصرونه، وقد اشتد حصارهم،
стр. 7589
فقال لهم عبد الله وأهل مكة: علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم؟
فلم يصدّقوهم، فلما بلغ الحصين خبر موت يزيد بعث إلى ابن الزبير فقال: موعد ما بيننا الليلة الأبطح، فالتقيا وتحادثا فراث فرس الحصين، فجاء حمام الحرم يلتقط روث فرس الحصين، فكفّ الحصين فرسه عن الحمام، وقال: أخاف أن يقتل فرسى حمام الحرم. فقال له ابن الزبير: تتحرجون من هذا وأنتم تقاتلون المسلمين فى الحرم، فكان فيما قال له الحصين: «أنت أحقّ بهذا الأمر، هلمّ فلنبايعك، ثم اخرج معى إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معى هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فو الله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمّن الناس، وتهدر الدماء التى كانت بيننا وبينك، وبين أهل الحرة» ، فقال له أنا لا أهدر الدماء، والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة. وأخذ الحصين يكلّمه سرا وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل، فقال له الحصين: قبح الله من يعدّك بعد هذا داهيّا أو أريبا، قد كنت أظنّ لك رأيا، وأنا أكلمك سرّا، وتكلّمنى جهرا، وأدعوك إلى الخلافة، وتعدنى القتل والهلكة. ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة.
وندم ابن الزّبير على ما صنع، فأرسل إلى الحصين يقول:
أما المسير إلى الشام فلا أفعله، ولكن بايعوا لى هناك، فإنى مؤمّنكم وعادل فيكم، فقال الحصين: إن لم تقدم بنفسك لا يمشى الأمر، فإن هنالك ناسا من بنى أمية يطلبون هذا الأمر. وسار الحصين إلى المدينة فخرج معه بنو أمية إلى الشام.
стр. 7590
وبويع عبد الله بن الزبير بمكة لسبع بقين من رجب سنة أربع وستين، واجتمع لعبد الله بن الزّبير الحجاز والكوفة والبصرة والجزيرة وأهل الشام، إلّا أهل أردن ومصر.
ثم بويع مروان بن الحكم بالشام، فكان من أمره فى وقعة مرج راهط ومسيره إلى مصر واستيلائه عليها ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره.
ذكر فراق الخوارج عبد الله وما كان من أمرهم
وفى سنة أربع وستين فارق الخوارج الذين كانوا قدموا مكة عبد الله بن الزّبير، وكانوا قد قاتلوا معه أهل الشام.
وكان سبب قدومهم عليه أنه لما اشتد عليهم عبيد الله بن زياد بعد قتل أبى بلال، اجتمعوا وتذاكروا فأشار عليهم نافع بن الأزرق أن يلحقوا بابن الزبير، وقال: إن كان على رأينا جاهدنا معه، وإن كان على غير رأينا دافعنا عن البيت، فلما قدموا عليه سرّ بمقدمهم وأخبرهم أنه على مثل رأيهم من غير استفسار، فقاتلوا معه أهل الشام، ثم اجتمعوا بعد وفاة يزيد وقالوا: إن الذى صنعتم بالأمس لغير رأى، تقاتلون مع رجل لا تدرون، لعله ليس على مثل رأيكم، وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه، وينادى «يا ثارات عثمان» فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان، فنظر فإذا أصحابه حوله قليل فقال: إنكم أتيتمونى حين أردت القيام، ولكن ائتونى عشية النهار حتى أعلمكم؛ فانصرفوا.
وبعث ابن الزبير إلى أصحابه، فاجتمعوا عنده بأيديهم العهد.
стр. 7591
فقال ابن الأزرق: إن الرجل قد أزمع خلافكم، فتقدم إليه نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال، فقال عبيدة: بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر رسول الله ﷺ ، وأنه عمل بكتاب الله حتّى قبضه الله، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فكلاهما عمل بكتاب الله وسنة رسوله، ثم إن الناس استخلفوا عثمان.
ونقصه، وقبح أفعاله، وتبرأ منه، ووالى قتلته، ثم قال: فما تقول أنت يا ابن الزبير:؟! فحمد بن الزبير الله وأثنى عليه، ثم قال:
قد فهمت الذى ذكرت به النبىّ ﷺ فهو فوق ما ذكرت، وفوق ما وصفت، وفهمت الذى ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وفّقت وأصبت، وفهمت الذى ذكرت به عثمان، وإنى لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره منى، كنت معه حيث نقم [القوم] [١] عليه واستعتبوه فلم يدع شيئا إلا أعتبهم منه، ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم، فقال لهم:
ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم، فإن لم تكن حلفت لكم. فو الله ما جاءوه ببينة، ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبته به، فليس كذلك، بل هو لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضرنى أنى ولىّ لابن عفّان، وعدوّ أعدائه. قالوا: فبرىء الله منك، قال: بل برئ الله منكم.
وتفرّق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلى، وعبد الله بن صفّار السّعدىّ، وعبد الله بن إباض، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز؛ عبد الله وعبيد الله والزّبير من بنى سليط بن يربوع، وكلهم
стр. 7592
من تميم، حتّى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوت من بنى بكر بن وائل، وأبو فديك عبد الله بن ثور من قيس بن ثعلبة، وعطية ابن الأسود اليشكرى، إلى اليمامة، فوثبوا بها مع أبى طالوت، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفىّ وتركوا أبا طالوت.
فأما نافع بن الأزرق ومن معه فإنهم قدموا البصرة فتذاكروا الجهاد وفضيلته، وخرج فى ثلاثمائة، وذلك عند وثوب الناس بابن زياد، وكسر الخوارج باب السجن وخرجوا، واشتغل الناس عنهم بحرب الأزد وربيعة وتميم، فلما استقر أمر عبد الله بن الحارث بالبصرة تجرد الناس للخوارج وأخافوهم، فلحق نافع بالأهواز فى شوال سنة أربع وستين واشتدت شوكته، وكثرت جموعه، وأقام بالأهواز.
وحيث ذكرنا الخوارج، فلنذكر ما كان من أمرهم فى أيام عبد الله ابن الزبير إلى نهايته، ثم نذكر ما سوى ذلك
ذكر مقتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج وغيره منهم
وفى سنة خمس وستين اشتدت شوكة نافع بن الأزرق، وهو الذى تنسب إليه الأزارقة من الخوارج، وكثرت جموعه، وأقبل بهم نحو الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث أمير البصرة مسلم ابن عبيس بن كربز بن ربيعة، فخرج إليه فدفعه عن أرض البصرة حتى بلغ دولاب من أرض الأهواز، فاقتتلوا هناك فقتل مسلم أمير أهل البصرة ونافع بن الأزرق رئيس الخوارج، وكان مقتلهما فى جمادى الآخرة.
فأمّر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميرىّ، وأمرت
стр. 7593
الخوارج عبد الله بن الماحوز التميمى، فاقتتلوا فقتل الحجاج وعبد الله، فأمّر أهل البصرة ربيعة بن الأجذام التميمى، وأمّرت الخوارج عبيد الله ابن الماحوز، واقتتلوا حتى أمسوا وقد ملّوا القتال، وكره بعضهم بعضا، فبينما هم كذلك إذ جاءت سرية للخوارج لم تشهد القتال فهزمت جيش البصرة، وقتل أميرهم ربيعة، فأخذ الراية حارثة بن بدر فقاتل ساعة بعد أن ذهب الناس عنه، ثم سار ونزل الأهواز، وبعث ابن الزبير الحارث بن أبى ربيعة على البصرة كما ذكرناه، فأقبلت الخوارج نحو البصرة حتى قربوا منها، فأتى أهلها الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى حربهم، فأشار عليهم بالمهلّب بن أبى صفرة.
ذكر محاربة المهلب الخوارج وقتل أميرهم عبيد الله بن الماحوز
كان المهلّب قد قدم من قبل عبد الله بن الزّبير لولاية خراسان فخرج إليه أشراف أهل البصرة وكلّموه فى حرب الخوارج، فأبى عليهم، فكلمه الحارث بن ربيعة، فاعتذر بولاية خراسان، فوضع الحارث وأهل البصرة كتابا عن ابن الزّبير إلى المهلّب يأمره بقتال الخوارج، وأتوه به، فلما قرأه قال: والله ما أسير إليهم إلا أن يجعلوا إلىّ ما غلبت عليه، ويعطونى من بيت المال ما أقوىّ به من معى، فأجابوه إلى ذلك.
واختار المهلب من أهل البصرة اثنى عشر ألفا؛ منهم محمد بن واسع، وعبد الله بن رباح الأنصارى، ومعاوية بن قرّة المزنىّ، وأبو عمران الجونى وغيرهم. وخرج إلى الخوارج وهم عند الجسر الأصغر فحاربهم ودفعهم عنه، وتبعهم حتّى بلغوا الأهواز، واقتتلوا هناك.
стр. 7594
ودامت الحرب، وقتل المعارك بن أبى صفرة أخو المهلب، ثم هزم جيش المهلّب وثبت هو، فاجتمع عليه جماعة ممن انهزم، ثم عادوا للقتال، وأبلى بلاء حسنا فهزموه، فبلغ بعض من معه البصرة وجاءت أهلها وأسرع المهلّب حتّى سبق المنهزمين إلى تلّ عال، ثم نادى: إلىّ عباد الله؛ فاجتمع إليه ثلاثة آلاف أكثرهم من قومه فعاد إلى الخوارج وقد أمنوا، وسار بعضهم خلف الجيش الذى انهزم، فأوقع بهم المهلّب وقتل رئيسهم عبيد الله بن الماحوز، فاستخلفوا الزبير بن الماحوز، وعاد الذين تبعوا المنهزمين، فوجدوا المهلّب قد وضع لهم خيلا فرجعوا منهزمين، وأقام المهلّب موضعه حتّى قدم مصعب بن الزّبير أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله.
وقيل: كانت هذه الواقعة فى سنة ستّ وستّين، وذلك أن المهلّب لمّا دفع الخوارج عن البصرة إلى ناحية الأهواز أقام بقية سنته يجبى كور دجلة ورزق أصحابه، وأتاه المدد من البصرة حتّى بلغ ثلاثين ألفا.
قال: ثم استعمل مصعب بن الزّبير لما ولى العراق نائبه عمر ابن عبيد الله بن معمر على فارس، وولّاه حرب الأزارقة بعد أن توجّه المهلّب إلى الموصل والجزيرة وأرمينية على ما نذكره إن شاء الله.
فلما بلغ الخوارج ولايته تقدموا إلى إصطخر، وأميرهم يوم ذاك الزّبير بن الماحوز، فندب إليهم عمر ابنه عبيد الله فى خيل، فاقتتلوا فقتل عبيد الله بن عمر، وقاتل عمر بن عبيد الله الخوارج فقتل من فرسانهم سبعون [١] رجلا، وانهزم الخوارج وقصدوا نحو
стр. 7595
أصبهان، فأقاموا حتّى قووا واستعدوا وأقبلوا حتّى مروا بفارس وبها عمر، فقطعوها من غير الموضع الذى هو به حتى أتوا ألأهواز.
فكتب إليه مصعب يلومه فى تمكينهم من قطع جهته، فسار عمر من فارس فى أثرهم، وخرج مصعب فعسكر عند الجسر الأكبر.
وبلغ الخوارج وهم بالأهواز إقبال عمر عليهم، فقطعوا أرض جوخى والنهر وأنات وأتوا المدائن، وبها كردم بن مرثد الفزارى، فشنّوا الغارة على أهل المدائن، يقتلون الرجال والنساء والولدان، ويشقّون أجواف الحوامل، فهرب كردم، وأقبلوا إلى ساباط، ووضعوا السيف، وأفسدوا إفسادا عظيما.
وأتوا أرض الكوفة فخرج إليهم الحارث بن أبى ربيعة أميرها، فتوجهوا حتى أتوا المدائن فأتبعهم الحارث عبد الرحمن بن مخنف فى ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة، فتبعهم حتّى وقعوا فى أرض أصبهان، فرجع ولم يقاتلهم.
وقصدوا الرّى وعليها يزيد بن الحارث بن رويم الشّيبانى فقاتلهم، فأعان أهل الرّى الخوارج، فقتل يزيد وهرب ابنه حوشب.
ولمّا فرغ الخوارج من الرى شخصوا إلى أصبهان فحاصروها وبها عتّاب بن ورقاء، فصبر لهم وقاتلهم، فكمن له رجل من الخوارج وضربه بالسيف على حبل عاتقه فصرعه، فاحتمله أصحابه وداووه حتّى برئ، وداوم الخوارج حصارهم حتى نفدت أطعمتهم وأصابهم الجهد، فقام عتّاب فى أصحابه، وحرّضهم على أن يصدقوهم القتال، فأجابوه إلى ذلك، وخرج بهم إلى الخوارج وهم آمنون،
стр. 7596
فقاتلوهم حتّى أخرجوهم من معسكرهم، وقتلوا أميرهم الزّبير بن الماحوز.
ففرغت الخوارج إلى أبى نعامة قطرىّ بن الفجاءة المازنىّ فبايعوه، وأصاب عتّاب ومن معه من عسكرهم ما شاءوا، وسارت الخوارج عن أصبهان إلى كرمان، فأقاموا بها حتّى اجتمع إلى أميرهم قطرى جموع كثيرة، وجبى الأموال وقوى، ثم أقبل إلى أصبهان، ثم أتى أرض الأهواز فأقام بها، فبعث مصعب إلى المهلّب فأمره بقتال الخوارج، وبعث إلى عامله بالموصل والجزيرة إبراهيم بن الأشتر، فقدم المهلّب البصرة، وانتخب الناس وسار نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف، فاقتتلوا ثمانية أشهر أشدّ قتال رآه الناس، وذلك فى سنة ثمان وستين.
هذا ما أمكن إيراده من أخبار الخوارج فى أيام ابن الزّبير فلنذكر خلاف ذلك.
ذكر خبر التوابين وما كان من أمرهم وأخبارها إلى أن قتلوا
وإنما ذكرنا خبر التوابين فى هذا الموضع فى أخبار عبد الله بن الزبير؛ لأن ظهورهم ومقتلهم كان فى أيامه، ومن بلد داخل تحت حكمه، ونحن نذكر مبدأ أمرهم، وقد ذكرهم ابن الأثير الجزرى ﵀ فى تاريخه الكامل فى حوادث سنة أربع وستين، وسنة خمس وستين.
قال: ولما قتل الحسين بن على رضى الله عنهما كما ذكرنا تلاقت الشّيعة بالتّلاوم والندم على ما صدر منهم، من استدعائهم الحسين
стр. 7597
وخذلانه حتى قتل، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم العار والإثم الذى ارتكبوه إلّا قتل من قتله أو القتل فيه.
فاجتمعوا بالكوفة إلى خمس نفر من رءوس الشّيعة، وهم:
سليمان بن صرد الخزاعى، وكانت له صحبة، والمسيّب ابن نجبة الفزارى وكان من أصحاب على وخيارهم، وعبد الله ابن مسعود بن نفيل الأزدى، وعبد الله بن وال التيمى، تيم بكر بن وائل، ورفاعة بن شداد البجلى، فاجتمعوا فى منزل سليمان بن صرد فبدأهم المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله:
«أمّا بعد، فإنا ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربّنا أن لا يجعلنا ممن يقول له غدا: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)
[١] وإن أمير المؤمنين قال: العمر الذى أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا [٢] ، فوجدنا الله كاذبين فى كل موطن من مواطن ابن ابنة نبيه محمد ﷺ ، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله، وأعذر إلينا فسألنا نصره عودا وبدءا، وعلانية وسرا، فبخلنا عنه بأنفسنا حتّى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأبدينا ولا جدلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النّصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء نبينا، وقد قتل فينا ولده وحبيبه، وذرّيته ونسله! لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا فى طلب ذلك، فعسى ربّنا أن يرضى عنا عند ذلك،
стр. 7598
وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن: أيها القوم، ولّوا عليكم رجلا منكم، فإنه لا بدّ لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفّون بها» .
فقام رفاعة بن شداد فقال: «أمّا بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول، وبدأت بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك مستجاب إلى قولك، وقلت:
ولّوا أمركم رجلا تفزعون إليه وتحفّون برايته، وقد رأينا مثل الذى رأيت، فإن تكن أنت دلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا مستنصحا وفى جماعتنا محبا، وإن رأيت ورأى ذلك أصحابنا ولّينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله ﷺ وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود فى بأسه ودينه الموثوق بحزمه» ..
وتكلم عبد الله بن وأل وعبد الله بن سعد بنحو ذلك، وأثنيا على سليمان والمسيّب، فقال المسيب: قد أصبتم فولّوا أمركم سليمان بن صرد.
فتكلم سليمان بن صرد بكلام كثير؟؟؟ حضهم فيه على القيام وطلب ثأر الحسين وقتل قتلته أو القتل دون ذلك.
وكتب إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ويدعوه إلى مساعدتهم هو ومن معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد الكتاب على من بالمدائن من الشيعة فأجابوا إلى ذلك.
وكتب سليمان أيضا إلى المثنّى فأجابه: إننا معشر الشيعة حمدنا الله على ما عزمتم عليه، ونحن موافوك إن شاء الله للأجل الذى ضربت.
стр. 7599
قال وكان أول ما ابتدءوا به أمرهم بعد قتل الحسين فى سنة إحدى وستين، فما زالوا فى جمع آلة الحرب ودعاء الناس، فى السر إلى أن هلك يزيد بن معاوية فى سنة أربع وستين، فجاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث، وكان خليفة ابن زياد على الكوفة- ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته ثم ندعو الناس إلى أهل هذا البيت [١] . فقال لهم سليمان: «لا تعجلوا، إنى قد نظرت فيما ذكرتم، فرأيت قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب، ومتى علموا ذلك كانوا أشدّ عليكم، ونظرت فيمن تبعنى منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزرا لعدوّهم ولكن بثّوا دعاتكم وادعوا إنى أمركم» ؛ ففعلوا فاستجاب لهم ناس كثير.
ثم إن أهل الكوفة أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير، فلما مضت ستة أشهر من وفاة يزيد قدم المختار بن أبى عبيد إلى الكوفة فى النصف من شهر رمضان، وقدم عبد الله بن زيد الخطمى الأنصارى أميرا على الكوفة من قبل عبد الله بن الزّبير لثمان خلون [٢] من شهر رمضان، وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على الخراج.
فأخذ المختار بن أبى عبيد يدعو الناس إلى قتال قتلة حسين ويقول:
стр. 7600
جئتكم من عند المهدى محمد بن الحنفية وزيرا أمينا، فرجع إليه طائفة من الشيعة، وكان يقول: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ومن معه، وليس له خبرة بالحرب.
وبلغ الخبر عبد الله بن يزيد أن سليمان يريد الخروج بالكوفة عليه، وأشير عليه بحبسه، وخوّف عاقبة أمره إن تركه، فقال عبد الله إن هم قاتلونا قاتلناهم، وإن تركونا؟؟؟ لنطلبهم، إنّ هؤلاء القوم يطلبون قتلة الحسين، ولست ممن قتله، لعن الله قاتله، ثم صعد إلى المنبر فقال بلغنى أن طائفة منكم أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عنهم فقيل إنهم يطلبون بدم الحسين، فرحم الله هؤلاء القوم، لقد والله دللت على مكانهم، وأمرت بأخذهم، فأبيت، وقلت إن قاتلونى قاتلتهم، وعلام يقاتلونى؟ فو الله ما أنا قتلت حسينا، ولقد والله أصبت بمقتله رحمة الله عليه، وإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ظاهرين، وليسيروا إلى من قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم- يعنى عبيد الله بن زياد- فأنا لهم ظهير، هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأماثلكم، فقد توجه إليكم وقد؟؟؟ فارقوه على ليلة من جسر منبج،؟؟؟ فقاتله والاستعداد له أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم، فيقتل بعضكم بعضا،؟؟؟ فليقاكم عدوكم وقد رققتم فنهلك، وتلك أمنيته، وقد قدم عليكم أعدى خلق الله لكم، من ولى عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، هو الذى قتلكم ومن قبله أتيتم، والذى قتل من تنادون بدمه،