Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
فأخذها منهم معاوية بن أبى سفيان، فجعل فيها من الرّقيق ما عدّتهم وعدّة أبنائهم ونسائهم أربعة آلاف، فغنم ذلك وقسّمه بين أصحابه، وذلك فى سنة (٦٥ هـ) خمس وستّين، ثم إن عيرا خرجت من البحرين- وقيل من البصرة- تحمل مالا وغيره يراد بها عبد الله بن الزّبير، فاعترضها نجدة، فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالخضارم، فقسمها بين أصحابه، وقال: اقتسموا هذا المال- وردّوا هذه العبيد، واجعلوهم يعملون بالأرض «١» لكم، فإن ذلك أنفع، فاقتسموا المال، وقالوا: نجدة خير لنا من أبى طالوت، فخلعوا أبا طالوت، وبايعوا نجدة، ثم بايعه أبو طالوت، وذلك فى سنة [٦٦ هـ] ست وستّين.
ولمّا تمت بيعته بينهم سار فى جمع إلى بنى كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، فلقيهم بذى المجاز «٢» فهزمهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، ثم كثرت جموعة حتى بلغت ثلاثة آلاف، فسار إلى البحرين فى سنة [٦٧ هـ] سبع وستّين، فقالت الأزد: نجدة أحبّ إلينا من ولاتنا لأنه ينكر الجور، وولاتنا تجور؛ فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس ومن بالبحرين «٣» غير الأزد على محاربته، فالتقوا بالقطيف «٤» ، فانهزمت عبد القيس، وقتل منهم جمع كثير، وسبى نجدة من قدر عليه من أهل القطيف.
وأقام بالبحرين «٥» .
стр. 7667
فلمّا قدم مصعب إلى البصرة فى سنة [٦٩ هـ] تسع وستّين بعث إليه عبد الله بن عمير اللّيثى الأعور فى أربعة عشر ألفا، وقيل:
فى عشرين ألفا، فجعل يقول: اثبت نجدة فإنّا لا نفرّ، فقدم ونجدة بالقطيف، فأتى نجدة إلى ابن عمير وهو غافل فقاتل طويلا، ثم افترقوا، وأصبح ابن عمير فهاله ما رأى فى عسكره من القتلى والجرحى، فحمل عليهم نجدة، فلم يثبتوا، وانهزموا، وغنم نجدة ما فى عسكرهم.
وبعث نجدة بعد هزيمة ابن عمير جيشا إلى عمان، واستعمل عليهم عطيّة بن الأسود الحنفىّ، وقد غلب عليها عبّاد بن عبد الله وابناه سعيد وسليمان، فقاتلوه، فقتل عبّاد واستولى عطيّة عليها، فأقام بها أشهرا، ثم خرج عنها، واستخلف رجلا يكنى أبا القاسم، فقتله سعيد وسليمان ابنا عبّاد، فعاد إلى عمان فلم يقدر عليها، فركب فى البحر وأتى كرمان «١» ، وضرب بها دراهم سمّاها العطويّة، فأرسل إليه المهلّب جيشا، فهرب إلى سجستان، ثم أتى السّند، فقتلته خيل المهلّب بقندابيل «٢» .
وبعث نجدة إلى البوادى من يأخذ صدقة أهلها، ثم سار نجدة إلى صنعاء فى خفّ «٣» من الجيش، فبايعه «٤» أهلها، وبعث أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها، وحج نجدة سنة (٦٨ هـ)
стр. 7668
ثمان وستّين، وقيل فى سنة تسع، وهو فى ثمانمائة وستّين رجلا، وقيل فى ألفين وستمائة رجل، فصالح ابن الزبير على أن يصلّى كلّ واحد بأصحابه، ويقف بهم، ويكفّ بعضهم عن بعض، فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلّد عبد الله ابن عمر سيفا، فلما أخبر نجدة أن ابن عمر لبس السلاح رجع إلى الطائف، فلمّا قرب منها أتاه عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفى، فبايعه على قومه، فرجع نجدة إلى البحرين، فقطع الميرة عن أهل الحرمين، فكتب إليه ابن عبّاس: إنّ ثمامة بن أثال لمّا أسلم قطع الميرة عن أهل مكة وهم كفّار، فكتب إليه رسول الله ﷺ : إن أهل مكّة أهل الله، فلا تمنعهم الميرة، فخلاها «١» لهم، وإنّك قطعت الميرة عنا ونحن مسلمون، فخلّاها لهم نجدة، لم تزل عمّال نجدة على النّواحى حتى اختلف عليه أصحابه، على ما نذكره. [والله أعلم] «٢» .
стр. 7669
ذكر الخلاف على نجدة وقتله وتولية أبى فديك
قال: ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه، فخالف عليه عطيّة بن الأسود، وسبب ذلك أنّ نجدة بعث سرّية برّا وبحرا، فأعطى سرية البر أكثر من سريّة البحر، فنازعه عطيّة حتى أغضبه، فشتمه نجدة، فغضب عطيّة وفارقه، وألّب الناس عليه، فخالفوه وانحازوا عنه، وولّوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، من بنى قيس بن ثعلبة، فاستخفى نجدة، وقيل لأبى فديك: إن لم تقتله تفرّق الناس عنك، فألحّ فى طلبه حتّى ظفر به أصحابه، فقتلوه، فلمّا قتل نجدة سخط قتله جماعة من أصحاب أبى فديك، ففارقوه وثار به مسلم بن جبير فضربه اثنتى «١» عشرة ضربة بسكين، فقتل مسلم، وحمل أبو فديك إلى منزله.
هذا ما كان من أمر الخوارج الّذين خرجوا على عبد الله بن الزّبير فى أيّام خلافته، فلنذكر خلاف ذلك ممّا وقع فى أيامه بالأعمال الداخلة فى ولايته.
стр. 7670
ذكر الحوادث التى وقعت فى أيام عبد الله بن الزبير
خلاف ما ذكرناه فى الأعمال المداخلة فى ولايته على حكم السنين
سنة أربع وستين
قد ذكرنا بعض حوادث هذه السنة فى أخبار يزيد، فلنذكر من حوادثها خلاف ذلك:
فيها حج عبد الله بن الزبير بالناس، وكان عامله على المدينة أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمى «١» ، وعلى قضائها سعيد بن نمران، وأبى شريح أن يقضى فى الفتنة وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التّيمى، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
سنة خمس وستين
فى هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة عن المدينة، واستعمل أخاه مصعبا؛ وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال:
قد ترون ما صنع الله بقوم فى ناقة قيمتها خمسمائة «٢» درهم، فسمى:
مقوّم الناقة، فبلغ ذلك أخاه، فعزله، واستعمل مصعبا،
стр. 7671
ذكر بناء ابن الزبير الكعبة
كان عبد الله بن الزبير لمّا احترقت الكعبة- حين غزاه أهل الشام فى أيام يزيد بن معاوية، قد تركها ليشنع بذلك على أهل الشام. وقد اختلف فى سبب حرق الكعبة، فقيل: إن ابن الزبير لما حاصره أهل الشام سمع أصواتا فى اللّيل فوق الجبل «١» ، فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا إليه، وكانت الليلة ظلماء ذات ريح صعبة ورعد وبرق، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس، فأطارتها الرّيح، فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها، وجهد الناس فى إطفائها فلم يقدروا، فأصبحت الكعبة تتهافت «٢» ، وماتت امرأة من قريش، فخرج الناس كلّهم مع جنازتها خوفا من أن ينزل عليهم العذاب؛ وأصبح ابن الزبير ساجدا يدعو ويقول: اللهم إنّى لم أعتمد ما جرى، فلا تهلك عبادك بذنبى، وهذه ناصيتى بين يديك.
فلمّا تعالى النهار أمن وتراجع الناس. حكاه أبو الفرج الأصفهانىّ بسند «٣» رفعه إلى أبى بكر الهذلىّ، وقيل فى حرقها غير ذلك.
فلمّا مات يزيد واستقرّ الأمر لابن الزبير، شرع فى بنائها، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض، وكانت حيطانها قد مالت من حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، وكان الناس يطوفون من وراء
стр. 7672
الأساس، وضرب عليها السّتور «١» ، وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله ﷺ قال لعائشة رضى الله عنها:
لولا حدثان «٢» [عهد] «٣» قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه [الصلاة والسلام] «٤» ، وأزيد فيها من الحجر، فحفر ابن الزبير [رضى الله عنهما] «٥» ، فوجد أساسا أمثال الجمال «٦» فحرّكوا منها صخرة فبرقت بارقة، فقال: أقرّوها على أساسها، وبناها، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر.
وقيل: كانت عمارتها فى سنة [٦٤ هـ] أربع وستّين. [والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب] «٧» .
ذكر الحرب بين عبد الله بن خازم وبين بنى تميم بخراسان
فى هذه السنة كانت الحرب والفتنة بين عبد الله بن خازم السّلمى وبين بنى تميم بخراسان؛ وسبب ذلك أن من كان من بنى تميم بخراسان أعانوا ابن خازم على من بها من ربيعة كما تقدّم، فلمّا صفت له خراسان جفا بنى تميم، وكان قد جعل ابنه محمدا على هراة، وجعل على شرطته بكير بن وسّاج «٨» ، وضم إليه شمّاس بن دثار العطاردى
стр. 7673
وكانت أمّ محمد تميميّة، فلمّا جفاهم ابن خازم «١» أتوا ابنه محمّدا بهراة، فكتب إلى أبيه وإلى بكير وشمّاس، يأمرهم بمنعهم عن هراة، فأمّا شمّاس فصار مع بنى تميم، وأما بكير فإنه منعهم، فأقاموا ببلاد هراة، فأرسل بكير إلى شمّاس: إنى أعطيك ثلاثين ألفا، وأعطى كلّ رجل من تميم ألفا، على أن ينصرفوا، فأبوا وأقاموا يترصّدون محمد بن عبد الله حتى خرج إلى الصيد، فأخذوه وشدّوه وثاقا، ثم قتلوه، وولّوا عليهم الحريش «٢» بن هلال، فكانت الحرب بينه وبين ابن خازم، وطالت بينهما، فخرج الحريش، فنادى ابن خازم، وقال: لقد طالت الحرب بيننا، فعلام يقتل قومى وقومك، ابرز إلى فأيّنا قتل صاحبه صارت الأرض له، فقال ابن خازم:
لقد أنصفت، فبرز إليه، فالتقيا وتصاولا طويلا، فغفل ابن خازم، فضربه الحريش على رأسه فألقى فروة رأسه على وجهه، وانقطع ركابا الحريش، ولزم ابن خازم عنق فرسه، ورجع إلى أصحابه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا أياما بعد الضّربة، ثم ملّ الفريقان، فتفرقوا، فافترقت تميم ثلاث فرق: فرقة إلى نيسابور مع بحير «٣» ابن ورقاء، وفرقة إلى ناحية أخرى، وفرقة فيها الحريش «٤» إلى مرو الرّوذ، فاتّبعه ابن خازم إلى قرية تسمى الملحمة «٥» ، والحريش
стр. 7674
فى اثنى عشر رجلا، وقد تفرّق عنه أصحابه وهم فى خربة، فلمّا انتهى إليه قال له الحريش: ما تريد منّى وقد خلّيتك والبلاد، قال: إنّك تعود إليها، قال: لا أعود؛ فصالحه على أن يخرج عن خراسان ولا يعود إلى قتاله، فأعطاه ابن خازم أربعين ألفا، وفتح له الحريش باب القصر، فدخله ابن خازم وضمن له وفاء دينه.
وفى هذه السنة [سنة ٦٥] وقع طاعون الجارف «١» بالبصرة، وعليها عبيد الله بن عبد الله بن معمر، فهلك خلق كثير، وماتت أمّ عبيد الله فلم يجدوا لها من يحملها، حتّى استأجروا من تولّى حملها.
وحج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب ابن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث ابن أبى ربيعة المخزومىّ، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
وفيها توفّى عبد الله بن عمرو بن العاص بمصر، وكان قد عمى.
وقيل: كانت وفاته فى سنة [٦٨ هـ] ثمان وستّين، وقيل سنة تسع، [والله أعلم] «٢» .
стр. 7675
سنة ست وستين
ذكر الفتنة بخراسان
فى هذه السنة حاصر عبد الله بن خازم من كان بخراسان من بنى تميم بسبب قتلهم ابنه محمّدا، وذلك أنّه لما تفرّقت بنو تميم بخراسان على ما تقدّم، أتى قصر قرنبا «١» عدة منهم ما بين السبعين إلى الثمانين، فولّوا أمرهم عثمان بن بشر [بن] «٢» المحتفز المازنى «٣» ، ومعه شعبة بن ظهير النّهشلى، وورد بن الفلق العنبرى، وزهير بن ذؤيب العدوى، وجيهان بن مشجعة الضبى، والحجاج بن ناشب العدوىّ، ورقبة ابن الحر فى فرسان بنى تميم وشجعانهم، فحاصرهم ابن خازم، فكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر، فخرج ابن خازم يوما فى ستّة آلاف، وخرج أهل القصر إليه، فقال لهم بشر:
ارجعوا فلن تطيقوه، فحلف زهير بن ذؤيب بالطّلاق إنه لا يرجع حتى ينقض «٤» صفوفهم، فاستبطن نهرا قد يبس، فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم، فحطّم «٥» أوّلهم على آخرهم، واستدار وكرّ راجعا، واتبعوه يصيحون به، ولم يجسر أحد ينزل إليه حتى رجع إلى موضعه، فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع،
стр. 7676
فقال ابن خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيرا فاجعلوا فى رماحكم كلاليب، ثم علقوها فى سلاحه، فخرج إليهم يوما فطاعنهم، فأعلقوا فيه أربعة رماح بالكلاليب، فالتفت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم، وخلّوا رماحهم، فعاد يجرّ أربعة أرماح حتى دخل القصر، فأرسل ابن خازم إلى زهير، فضمن «١» له مائة ألف وميسان «٢» طعمة ليناصحه، فلم يجبه، فلما طال الحصار عليهم أرسلوا إلى ابن خازم أن يمكّنهم من الخروج ليتفرّقوا، فأبى إلّا على حكمه، فأجابوه إلى ذلك، فقال زهير: ثكلتكم أمهاتكم، والله ليقتلنّكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت نفسا فموتوا كراما، اخرجوا بنا جميعا، فإما أن تموتوا كراما، وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم شدّة صادقة ليفرجن لكم، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم، فأبوا عليه، فقال سأريكم؛ ثم خرج هو ورقبة بن الحر وغلام تركىّ وابن ظهير، فحملوا على القوم حملة منكرة فأفرجوا لهم، فمضوا. فأمّا زهير فرجع إلى من بالقصر ونجا أصحابه، فقال زهير لمن بالقصر: قد رأيتم، أطيعونى، فقالوا: إنّا نضعف عن هذا ونطمع فى الحياة، فقال: والله لا أكون أعجزكم عند الموت، فنزلوا على حكم ابن خازم، فأرسل إليهم فقيّدهم، وحملوا إليه رجلا رجلا، فأراد أن يمنّ عليهم، فأبى عليه ابنه موسى، وقال له:
إن عفوت عنهم قتلت نفسى، فقتلهم إلا ثلاثة، أحدهم الحجاج
стр. 7677
ابن ناشب، شفع فيه بعض من معه فأطلقه، والآخر جيهان ابن مشجعة الضبّى، وكان قد منع القوم من قتل محمد عبد الله، ورمى نفسه عليه، فأبوا، فتركه لذلك، والآخر رجل من بنى سعد من تميم، وهو الّذى ردّ الناس عن ابن خازم يوم لحقوه، وقال:
انصرفوا عن فارس مضر.
قال: ولمّا أرادوا حمل زهير بن ذؤيب وهو مقيّد أبى، واعتمد على رمحه، فوثب الخندق، ثم أقبل إلى ابن خازم يحجل فى قيوده؛ فقال له ابن خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وأطعمتك ميسان؟ قال: لو لم تصنع بى إلّا حقن دمى لشكرتك، فلم يمكنه ابنه موسى من إطلاقه، فقال له أبوه: ويحك، تقتل مثل زهير، من لقتال عدو المسلمين، من «١» لنساء العرب؟ فقال: والله لو شركت فى دم أخى لقتلتك، فأمر بقتله، فقال زهير: [إن] «٢» لى حاجة، لا تقتلنى وتخلط دمى بدماء هؤلاء اللّئام، فقد نهيتهم عما صنعوا، وأمرتهم أن يموتوا كراما ويخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله لو فعلوا لذعروا «٣» بنيّك هذا. وشغلوه بنفسه عن طلب ثأر أخيه، فأمر به ابن خازم فقتل ناحية.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزبير.
стр. 7678
سنة سبع وستين
فى هذه السنة استعمل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا على البصرة، فقتل المختار كما تقدّم، ثم عزله عن العراق، واستعمل ابنه حمزة بن عبد الله. وكان حمزة جوادا مخلّطا، يجود أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه، ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله، وظهر منه بالبصرة خفّة وضعف، فكتب الأحنف إلى أبيه، وسأله أن يعزله عنهم، ويعيد مصعبا، فعزله، فاحتمل مالا كثيرا من مال البصرة، فعرض له مالك ابن مسمع، فقال: لاندعك تخرج بأعطياتنا؛ فضمن له عبيد الله ابن عبد الله العطاء، فكفّ عنه، وشخص حمزة بالمال إلى المدينة، فأودعه رجالا، فجحدوه، إلا رجلا واحدا، فوفى له، فبلغ ذلك أباه، فقال: أبعده الله، أردت أن أباهى به بنى مروان فنكص.
وقيل: إن مصعبا أقام بالكوفة سنة بعد قتل المختار معزولا عن البصرة، ثم وفد إلى أخيه فردّه إلى البصرة، وقيل: بل انصرف مصعب إلى البصرة بعد قتل المختار، واستعمل على الكوفة الحارث بن أبى ربيعة، وكانتا فى عمله، فعزله أخوه، واستعمل ابنه حمزة، ثم عزل حمزة بكتاب الأحنف وأهل البصرة، وردّ مصعبا، وذلك فى سنة [٦٨ هـ] ثمان وستين.
وحج بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان العمّال من تقدم ذكرهم، وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة.
стр. 7679
سنة (٦٨ هـ) ثمان وستين
ذكر حصار الرى وفتحها
وفى هذه السنة أمر مصعب بن الزبير عتّاب بن ورقاء الرّياحىّ عامله على أصفهان بالمسير إلى الرّى وقتال أهلها، لمساعدتهم الخوارج على يزيد بن الحارث، كما تقدم، وامتناعهم فى مدينتهم، فسار إليهم عتّاب، وقاتلهم، وعليهم الفرّخان ففتحها عنوة، وغنم ما فيها وافتتح سائر قلاعها ونواحيها. [والله أعلم] «١» .
ذكر أخبار عبيد الله بن اخر ومقتله
وفى هذه السنة قتل عبيد الله بن الحرّ الجعفىّ، وكان من خيار قومه صلاحا وفضلا واجتهادا، ولما قتل عثمان حضر إلى معاوية وشهد معه صفّين وأقام عند معاوية، وكانت زوجته بالكوفة، فلمّا طالت غيبته عنها زوجها أخوها رجلا، يقال له عكرمة بن الخنبص «٢» ، فبلغ ذلك عبيد الله، فأقبل من الشام فخاصمه عكرمة إلى على رضى الله عنه. فقال له علىّ رضى الله عنه: ظاهرت علينا عدوّنا وفعلت وفعلت.
فقال له: أيمنعنى ذلك من عدلك؟ قال: لا، فقصّ عليه قصته فردّ عليه امرأته وكانت حبلى، فوضعها عند من يثق إليه حتى وضعت فألحق الولد بعكرمة، ودفع المرأة إلى عبيد الله، وعاد إلى الشام فأقام به حتى قتل على رضى الله عنه، فرجع إلى الكوفة، فلما كان
стр. 7680
فى وقت قتل الحسين تغيب عبيد الله عمدا، فجعل ابن زياد يتفقّد أشراف أهل الكوفة، فلم ير ابن الحرّ ثم جاء بعد «١» ذلك فقال:
أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضا. قال: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا. قال: لو كنت معه لرئى مكانى. وغفل عنه ابن زياد، فخرج وركب فرسه، ثم طلبه فقيل له: ركب الساعة، فبعث الشرط خلفه فأدركوه فقالوا: أجب الأمير، فقال: بلغوه عنّى أنى لا آتيه طائعا أبدا، وركض فرسه، وأتى منزل أحمد بن زياد الطائى، فاجتمع إليه أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع الحسين رضى الله عنه، ومن قتل معه، فاستغفر لهم ثم مضى إلى المدائن. وقال فى ذلك «٢» :
يقول أمير غادر حقّ «٣» غادر ... ألا كنت قاتلت الشهيد «٤» ابن فاطمة
ونفسى على خذلانه واعتزاله ... وبيعة هذا الناكث العهد لائمه
فياندمى ألا أكون نصرته ... ألا كلّ نفس لا تسدّد نادمه
وإنّى لأنّى لم أكن من حماته ... لذو حسرة ما إن تفارق «٥» لازمه
سقى الله أرواح الّذين تآزروا ... على نصره سقيا «٦» من الغيث دائمه
وقفت على أجدائهم ومجالهم ... فكاد الحشى ينقضّ والعين ساجمه
стр. 7681
لعمرى لقد كانوا مصاليت فى الوغى ... سراعا إلى الهيجا حماة خضارمه
تأسّوا على نصر ابن بنت نبيّهم ... بأسيافهم آساد غيل ضراغمه
فان يقتلوا فكلّ «١» نفس تقية ... على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
وما إن رأى الراءون أفضل منهمو ... لدى الموت سادات وزهرا «٢» قماقمه
أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا ... فدع خطّة ليست لنا بملائمه
لعمرى لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقم منّا عليكم وناقمه
أهمّ مرارا أن أسير بجحفل ... إلى فئة زاغت عن الحقّ ظالمه
فكفّوا وإلا زرتكم فى «٣» كتائب ... أشدّ عليكم من زحوف الدّيالمه
قال: وأقام ابن الحرّ بمنزله على شاطىء الفرات إلى أن مات يزيد، ووقعت الفتنة، فقال: ما أرى قرشيا ينصف، أين أبناء الحرائر؟ فأتاه كلّ خليع، ثم خرج إلى المدائن فلم يدع مالا قدم به للسلطان «٤» إلا أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ويكتب لصاحب المال بما أخذ منه، ثم جعل يتقصّى الكور على مثل ذلك، إلا أنه لم يعترض لمال أحد ولا دمه، فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمله ابن الحرّ فى السّواد، فأخذ امرأته «٥» فحبسها، فأقبل عبيد الله فى أصحابه إلى الكوفة، فكسر باب السّجن، وأخرجها، وأخرج كلّ امرأة كانت فيه، ومضى، وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه، فأحرقت داره فى همدان، ونهبت ضيعته، فسار إلى ضياع همذان
стр. 7682
فنهبها «١» جميعا، وكان يأتى المدائن فيمرّ بعمّال جوخى «٢» فيأخذ ما معهم من المال، ثم يميل على الجبل، فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار.
وقيل: إنه بايع المختار بعد امتناع، وسار مع إبراهيم بن الأشتر إلى الموصل، ولم يشهد معه قتال ابن زياد، وتمارض، ثم فارق ابن الأشتر، وأقبل إلى الأنبار فى ثلاثمائة، فأغار عليها، وأخذ ما فى بيت مالها، فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم داره وأخذ امرأته، ففعل ما تقدّم ذكره، وحضر مع مصعب قتال المختار، فلما قتل المختار قال الناس لمصعب: إنّا لا نأمن أن يثب عبيد الله بن الحرّ بالسّواد كما فعل بابن زياد والمختار، فحبسه، فكلّم قوما من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى مصعب، وأرسل إلى فتيان مذحج، فقال:
البسوا السلاح واستروه، فإن شفّعهم مصعب وإلّا فاقصدوا السجن فإننى سأعينكم من داخل.
فلما شفع أولئك النّفر شفّعهم مصعب فيه، وأطلقه، فأتى منزله، وأتاه الناس يهنئونه، فكلّمهم فى الخروج على مصعب، وقال لهم: قاتلوا عن حريمكم؛ فإنى قد قلبت ظهر المجن «٣» واظهرت العداوة ولا قوة إلا بالله.
وخرج عن الكوفة، وحارب وأغار، فأرسل إليه مصعب سيف بن هانئ
стр. 7683
المرادى، فعرض عليه خراج بادرويا «١» وغيرها، ويدخل فى الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فندب لقتاله الأبرد بن قرّة الرّياحى، فقاتله فهزمه عبيد الله وضربه على وجهه، فبعث إليه حريث بن زيد فقتله، فبعث إليه الحجاج ابن حارثة «٢» الخثعمى، ومسلم بن عمرو، فلقياه بنهر صرصر «٣» ، فقاتلهما وهزمهما، فأرسل إليه يدعوه إلى الأمان والصّلة، وأن يولّيه أىّ بلد شاء؛ فلم يقبل ذلك وأتى نرسا «٤» ، ففر دهقانها بمال إلى عين التّمر «٥» وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيبانى، فالتجأ الدهقان إليه، فتبعه عبيد الله فقاتله بسطام، ووافاه الحجاج ابن حارثة، فأسرهما عبيد الله، وأسر جماعة كثيرة ممّن معهما، وأخذ المال الذى مع الدهقان، وأطلق الأسارى وأتى تكريت، فأقام بها يجبى الخراج، فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرّة الرياحى، والجون ابن كعب الهمدانى فى ألف، وأمدّهم المهلّب بيزيد بن المغفّل فى خمسمائة، فقاتلهم يومين وهو فى ثلاثمائة. فلما كان عند المساء من اليوم الثانى تحاجزوا، وخرج عبيد الله من تكريت، وسار نحو كسكر، فأخذ بيت مالها، ثم أتى الكوفة فنزل إلى دير الأعور «٦» ، فبعث إليه
стр. 7684
مصعب حجار بن أبجر فانهزم حجّار، فشتمه مصعب، وضم إليه الجون بن كعب الهمدانى وعمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلوه بأجمعهم، وكثرت الجراحات فى أصحاب ابن الحر، وعقرت خيولهم، فانهزم حجّار، ثم رجع فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى أمسوا «١» ، وخرج ابن الحر من الكوفة، فكتب مصعب إلى يزيد ابن الحارث بن رويم الشيبانى وهو بالمدائن [يأمره] «٢» بقتاله، فقدّم ابنه حوشبا، فقاتله فهزمه عبيد الله، وأقبل إلى المدائن فتحصّنوا منه، فندب إليه الجون بن كعب الهمدانى وبشر بن عبد الله الأسدى، فنزل الجون بحولايا «٣» ، فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله فقتله ابن الحرّ وهزم أصحابه، وخرج إليه بشير بن عبد الرحمن ابن بشير العجلى، فقاتله بسورا «٤» قتالا شديدا، فرجع عنه بشير، وأقام ابن الحرّ بالسواد يغير ويجبى الخراج.
ثم لحق بعبد الملك بن مروان، فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير، وأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى لمن معه مالا، فقال له ابن الحرّ: وجّهنى بجند أقاتل بهم مصعبا، فقال له:
سر بأصحابك، وادع من قدرت عليه، وأنا ممدّك بالرجال، فسار فى أصحابه نحو الكوفة إلى أن انتهى إلى الأنبار، فنزل بقرية بجوارها، واستأذنه أصحابه فى إتيان الكوفة، فأذن لهم، وأمرهم أن يعلموا أصحابه بمقدمه ليخرجوا إليه، فبلغ ذلك القيسية
стр. 7685
فأتوا الحارث بن [عبد الله بن] «١» أبى ربيعة عامل ابن الزّبير بالكوفة، فسألوه أن يرسل معهم جيشا يقاتلون به عبيد الله ويغتنمون الفرصة فيه بتفريق أصحابه، فبعث معهم جيشا كثيفا، فساروا إليه، فقال له من بقى معه من أصحابه: نحن فى نفر يسير، ولا طاقة لنا بهذا الجيش، فقال: ما كنت لأدعهم، وحمل عليهم وهو يقول:
يا لك يوما فات فيه نهبى ... وغاب عنّى ثقتى وصحبى
فعطفوا عليه فكشفوا أصحابه، وحاولوا أن يأسروه، فلم يقدروا على ذلك، وأذن لأصحابه فى الذّهاب، فذهبوا فلم يعرض لهم أحد، وجعل يقاتل وحده وهم يرمونه ولا يدنون منه، وهو يقول: أهذه نبل أم مغازل! فلما أثخنته الجراح خاض «٢» إلى معبر فدخله ولم يدخل فرسه، فركب السفينة، ومضى به الملّاح حتى توسط الفرات، فأشرفت الخيل عليهم، وكان فى السفينة نبط، فقالوا لهم: إن فى السفينة طلبة أمير المؤمنين، فإن فاتكم قتلناكم، فوثب ابن الحر ليرمى نفسه فى الماء، فوثب إليه رجل عظيم الخلق، فقبض على يديه، وجراحاته تجرى دما، وضربه الباقون بالمجاديف، فقبض على الذى أمسكه، وألقى نفسه فى الماء، فغرقا معا.
وقيل فى قتله: إنه كان يغشى مصعب بن الزبير بالكوفة فرآه يقدّم عليه غيره، فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها مصعبا ويخوّفه مسيره إلى عبد الملك بن مروان يقول فيها «٣» :
стр. 7686
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فلست على رأى قبيح أواربه
أفى الحق أن أجفى «١» ويجعل مصعب ... وزيريه «٢» من قد كنت فيه أحاربه
فكيف، وقد أبليتكم «٣» حقّ بيعتى ... وحقّى يلوّى عندكم وأطالبه
وأبليتكم مالا يضيّع مثله ... وآسيتكم والأمر صعب مراتبه
فلما استنار الملك وانقادت العدا ... وأدرك من مال «٤» العراق رغائبه
جفا مصعب عنّى ولو كان غيره ... * لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه
لقد رابنى من مصعب أنّ مصعبا ... * أرى كلّ ذى غشّ «٥» لنا هو صاحبه
إذا قمت عند الباب أدخل مسلم «٦» ... ويمنعنى أن أدخل الباب حاجبه
стр. 7687
أشار بقوله: وزيريه؛ إلى مسلم بن عمرو والد قتيبة، والمهلّب ابن أبى صفرة، ويدلّ على ذلك قوله أيضا فى غيرها «١» :
بأىّ بلاء أم بأيّة نعمة تقدّم قبلى مسلم والمهلّب قال: فحبسه مصعب، وله معه معاتبات من الحبس، وقال فى قصيدة يهجو فيها قيس عيلان منها «٢» :
ألم تر قيسا قيس عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل
فأرسل زفر بن الحارث الكلابى إلى مصعب يقول: قد كفيتك قتال ابن الزّرقاء- يعنى عبد الملك. وابن الحرّ يهجو قيسا؛ ثم إنّ نفرا من بنى سليم أسروا عبيد الله بن الحرّ، فقال: إنما قلت «٣» :
ألم تر قيسا قيس عيلان أقبلت ... إلينا وسارت فى القنا «٤» والقنابل
فقتله رجل منهم يقال له عيّاش، والله أعلم.
وفى هذه السنة [سنة ٦٨ هـ] وافى عرفات أربعة ألوية:
لواء ابن الزبير وأصحابه، ولواء ابن الحنفية وأصحابه، ولواء لبنى أميّة، ولواء لنجدة الحرورى، ولم يجر بينهم حرب ولا فتنة.
وكان العامل على المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزّهرى،
стр. 7688
وعلى البصرة والكوفة مصعب بن الزبير، وعلى قضائهما من ذكرنا قبل، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
وفيها توفّى عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب، وعدىّ بن حاتم الطائى.
وقيل فى سنة [٦٦ هـ] ست وستين، وله مائة وعشرون سنة.
سنة (٦٩ هـ) تسع وستين
فى هذه السنة شخص مصعب بن الزبير إلى مكّة ومعه أموال عظيمة ودوابّ كثيرة، فقسم فى قومه وغيرهم، ونحر بدنا كثيرة. وقيل:
كان ذلك فى سنة [٧٠ هـ] سبعين .
وحجّ بالناس عبد الله بن الزّبير؛ وفيها حكّم رجل من الخوارج بمنى، وسلّ سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهم، فقتل ذلك الرجل عند الجمرة «١» . وكان عمّال الأمصار من ذكرنا.
سنة (٧٠ هـ) سبعين
ذكر يوم الجفرة «٢»
فى هذه السنة سار عبد الملك بن مروان يريد مصعب بن الزبير، فقال له خالد بن عبد الله بن أسيد: إن وجّهتنى إلى البصرة وأتبعتنى خيلا رجوت أن أغلب لك عليها، فوجّهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا فى خاصّته حتى نزل على عمرو بن أصمع. وقيل: على علىّ بن أصمع الباهلى، فأرسل عمرو «٣» إلى عبّاد بن الحصين وهو على شرطة
стр. 7689
ابن معمر، وابن معمر خليفة مصعب على البصرة، ورجا ابن أصمع أنّ عبّاد بن الحصين يتابعه، وقال له: إنى قد أجرت خالدا وأحببت أن تعلم ذلك لتكون ظهيرا لى؛ فوافاه الرسول حين نزل عن فرسه؛ فقال عبّاد: قل له: والله لا أضع لبد فرسى حتى آتيك فى الخيل، فقال ابن أصمع لخالد: إنّ عبّادا يأتينا الساعة، ولا أقدر أمنعك منه؛ فعليك بمالك بن مسمع، فخرج خالد يركض فرسه حتى أتى مالكا فقال: أجرنى فأجاره، وأرسل إلى بكر بن وائل والأزد، فأقبلت إليه، وأقبل عباد فى الخيل، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، فلما كان الغد غدوا إلى جفرة «١» نافع بن الحارث، ومع خالد رجال من تميم، منهم صعصعة بن معاوية وعبد الله بن بشر ومرّة بن محكان وغيرهم، وكان من أصحاب خالد، عبيد الله بن أبى بكرة، وحمران بن أبان، والمغيرة بن المهلّب. ومن أصحاب ابن معمر؛ قيس بن الهيثم السلمى، وأمدّه مصعب بزحر بن قيس الجعفى فى ألف، وأمدّه عبد الملك خالدا «٢» بعبيد الله بن زياد بن ظبيان، فبلغه تفرّق الناس، فرجع إلى عبد الملك. والتقى القوم، واقتتلوا أربعة وعشرين يوما، ومشت بينهم السّفراء، فاصلطحوا على أن يخرج خالدا من البصرة، فأخرجه مالك، ولحق مالك بثأج «٣» ، وجاء مصعب إلى البصرة، وطمع أن يدرك خالدا فوجده قد خرج، فسخط على ابن معمر، وقال لعبيد الله بن أبى بكرة: يا ابن مسروح، إنما أنت ابن كلبة تعاورها
стр. 7690
الكلاب، فجاءت بأحمر وأصفر وأسود من كلّ كلب بما يشبهه، وإنما كان أبوك عبدا نزل إلى رسول الله ﷺ من حصن «١» الطائف، ثم ادعيتم أنّ أبا سفيان زنى بأمكم، وو الله لئن بقيت لألحقنكم بنسبكم.
ثم دعا حمران فقال له: إنما أنت ابن يهودية علج نبطى سبيت من عين التّمر. وقال للحكم بن المنذر بن الجارود، ولعبد الله ابن فضالة الزهرانى، ولعلى بن أصمع، ولعبد العزيز بن بشر وغيرهم نحو هذا من التوبيخ والتقريع، وضربهم مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم وهدم دورهم، وصهرهم فى الشمس ثلاثا، وحملهم على طلاق نسائهم، وجهز «٢» أولادهم فى البعوث، وطاف بهم فى فى أقطار البصرة، وأحلفهم ألّا ينكحوا الحرائر، وهدم دار مالك ابن مسمع، وأخذ ما فيها؛ فكان فيما أخذ منها جارية ولدت له عمرو «٣» بن مصعب.
وأقام مصعب بالبصرة، ثم شخص إلى الكوفة فلم يزل بها حتى خرج لحرب عبد الملك.
وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الله بن الزّبير.
стр. 7691
سنة (٧١ هـ) احدى وسبعين
فى هذه السنة كان مقتل مصعب بن الزّبير واستيلاء عبد الملك ابن مروان على العراق على ما نذكر ذلك إن شاء الله مبيّنا فى أخبار عبد الملك.
وفيها عزل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو ولى عثمان فهرب.
سنة (٧٢ هـ) اثنتين وسبعين
فى هذه السنة قتل عبد الله بن خازم أمير خراسان، واستولى عبد الملك على خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخباره وفيها انتزع عبد الملك المدينة من عبد الله بن الزّبير، واستعمل عليها طارق بن عمرو؛ فلم يبق مع ابن الزّبير إلا مكّة.
سنة (٧٣ هـ) ثلاث وسبعين
فى هذه السنة كان مقتل عبد الله بن الزبير واستقلال عبد الملك ابن مروان بالأمر، جريا على القاعدة التى قدمناها أن نذكر الواقعة بجملتها ونحيل عليها فى أخبار المغلوب، وعند ذكرنا لمقتل عبد الله ابن الزبير نذكر نبذة من سيرته وأولاده، فلنرجع إلى أخبار الدولة الأموية.
стр. 7692
ذكر بيعة مروان بن الحكم
هو أبو الحكم، وقيل أبو عبد الملك، مروان بن الحكم بن أبى العاص ابن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ، يجتمع نسبه ونسب معاوية فى أميّة، وهو الرابع من ملوك بنى أميّة، وكان النبىّ ﷺ طرد أباه إلى بطن وجّ «١» ، فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان. وقيل: إن مروان ولد بالطف.
واختلف فى السبب الموجب لنفى رسول الله ﷺ الحكم، فقيل: كان يتحيّل ويستخفى ويسمع ما يسرّه رسول الله ﵊ إلى كبار أصحابه فى مشركى قريش وسائر الكفار والمنافقين، وكان يفشى ذلك عنه، حتى ظهر ذلك عليه؛ وكان يحكى رسول الله ﷺ فى مشيته وبعض حركاته، وكان النبىّ عليه «٢» الصلاة والسلام إذا مشى تكفّأ، فكان الحكم يحكيه، فالتفت النبىّ ﷺ يوما فرآه يفعل كذلك، فقال: فكذلك فلتكن. فكان الحكم مخلّجا يرتعش من يومئذ، فعيّره عبد الرحمن بن حسان، فقال فى عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:
إنّ اللّعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلّجا مجنونا
يمشى خميص البطن من عمل التّقى ... ويظلّ من عمل الخبيث بطينا
وروى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم حين قال
стр. 7693
فى أخيها عبد الرحمن ما قال: أما أنت يا مروان فأشهد أنّ رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت فى صلبه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل عليكم رجل لعين. قال عبد الله: وكنت قد تركت عمرا يلبس ليقبل إلى النبيّ ﷺ ، فلم أزل مشفقا أن يكون أوّل من يدخل، فدخل الحكم بن أبى العاص، فلهذا قال عبد الرحمن بن حسان فى شعره: إنّ اللعين أبوك. ولم يزل الحكم طريدا إلى خلافة عثمان بن عفّان فردّه إلى المدينة، وقال: إن النبىّ ﵊ كان أذن فى ردّه.
وكان إسلام الحكم يوم فتح مكّة، ومات فى خلافة عثمان قبل القيام عليه بأشهر.
وولد مروان على عهد رسول الله ﷺ قبل سنة [٢ هـ] اثنتين من الهجرة، وقيل عام الخندق، وقيل يوم أحد، وقيل ولد بمكة، وقيل بالطائف، ولم ير مروان رسول الله عليه «١» الصلاة والسلام، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل، وقدم المدينة مع أبيه فى خلافة عثمان، ثم توفى أبوه فاستكتبه عثمان ابن عفان، وضمّه إليه، فاستولى مروان عليه، وغلب على رأيه حتى كان سبب قيام الناس على عثمان وقتله.
حكى أبو عمر بن عبد البر فى كتابه المترجم بالاستيعاب «٢» أنّ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه أتى مروان يوما، فقال: ويلك
стр. 7694
وويل أمّة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك «١» . وكان مروان يقال له خيط باطل، وضرب يوم الدّار على قفاه فخرّ لفيه. وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم وكان ماجنا شاعرا، وكان لا يرى رأى مروان:
فو الله ما أدرى وإنى لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف يصنع
لحا الله قوما أمّروا خيط باطل ... على الناس يعطى من يشاء ويمنع
وقيل: إنه قال ذلك حين ولّاه معاوية المدينة، [وكان كثيرا ما يهجوه] «٢» .
وأم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان، وكان مروان قصيرا رقيقا أو قص «٣» ، بويع له بالجابية «٤» يوم الخميس لسبع بقين من شهر رجب سنة [٦٤ هـ] أربع وستين، وقيل فى ذى القعدة منها.
ذكر السبب فى بيعة مروان
كان سبب بيعته أن عبد الله بن الزّبير لما بويع له بالحجاز والعراق استعمل أخاه عبيدة بن الزّبير على المدينة، فأخرج مروان بن الحكم وابنه منها إلى الشام؛ فلما قدم الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن الزبير، وقال له ولبنى أمية:
стр. 7695
أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم «١» ، فتكون فتنة عمياء صماء. وكان من رأى مروان أن يسير إلى عبد الله بن الزّبير فيبايعه، فلما قدم عبيد الله بن زياد من العراق قال لمروان: لقد استحييت لك من ذلك، وأنت كبير قريش وسيّدها؛ وقبّح ذلك عليه، فقال:
ما فات شىء بعد، وقام إليه بنو أميّة ومواليهم فتجمع «٢» إليه أهل اليمن، فسار إلى دمشق فقدمها والضحّاك بن قيس الفهرى يصلّى بالناس قد بايعوه على ذلك إلى أن يتّفق رأى الناس على إمام، وهو يدعو إلى ابن الزبير سرّا، والنعمان بن بشير الأنصارى بحمص يبايع له أيضا. وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبى غلاما لمعاوية «٣» وابنه يزيد بفلسطين وهو يريد «٤» بنى أمية.
فكتب حسان إلى الضحاك كتابا يعظّم فيه حقّ بنى أميّة وحسن بلائهم، ويذمّ ابن الزّبير، وأنه خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس. وكتب كتابا آخر، وسلّمه إلى رسوله واسمه ناغضة، وقال له: إن قرأ [الضحاك] «٥» كتابى على الناس وإلّا فاقرأ هذا الكتاب عليهم.
وكتب [حسان] «٦» إلى بنى أمية أن يحضروا ذلك، فقدم ناغضة، فدفع كتاب الضحّاك إليه وكتاب بنى أمية إليهم.
فلما كان يوم الجمعة صعد الضحّاك المنبر، فقال له ناغضة:
стр. 7696
اقرأ كتاب حسّان على الناس. فقال له: اجلس، فجلس، ثم قام الثانية والثالثة وهو يأمره بالجلوس، فأخرج ناغضة الكتاب الذى معه، وقرأه على الناس، فقام يزيد بن أبى النمس «١» الغسّانى، وسفيان ابن الأبرد الكلبى، فصدّقا حسانا، وشتما ابن الزبير، وقام عمرو ابن يزيد الحكمى فشتم حسانا، وأثنى على ابن الزّبير، واضطرب الناس، فامر الضحاك «٢» بيزيد وسفيان فحبسا، ووثبت كلب على عمرو بن يزيد فضربوه وخرقوا ثيابه، وقام خالد بن يزيد «٣» ، فسكن الناس، ونزل الضحّاك فصلّى الجمعة بالناس، ودخل القصر فجاءت كلب فأخرجوا سفيان، وجاءت غسّان فأخرجوا يزيد، وكان أهل الشام يسمّون ذلك اليوم يوم جيرون «٤» الأول.
ثم خرج الضحاك بن قيس إلى المسجد، وذكر يزيد بن معاوية فسبه، فقام إليه شابّ من كلب فضربه بعصا، فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا؛ فقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بنى أمية.
ودخل الضحاك دار الإمارة، ولم يخرج من الغد لصلاة الفجر، وبعث إلى بنى أميّة فاعتذر إليهم، وأنه لا يريد ما يكرهون، وأمرهم أن يكتبوا إلى حسان، ويكتب معهم ليسير من الأردن إلى الجابية، ويسيرون «٥» هم من دمشق إليها فيجتمعون بها ويبايعون لرجل من
стр. 7697
بنى أمية، فرضوا، وكتبوا إلى حسّان، وسار الضحّاك وبنو أمية نحو الجابية، فأتاه ثور بن معن السّلمى، فقال: دعوتنا إلى ابن الزّبير فبايعنا «١» على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابى من كلب يستخلف ابن أخته «٢» خالد بن يزيد.
قال الضحاك: فما الرأى؟ قال: الرأى أن نظهر ما كنّا نكتم وندعو إلى ابن الزّبير، فرجع الضحاك بمن معه من الناس، فنزل مرج راهط ودمشق بيده، واجتمع بنو أميّة وحسّان وغيرهم بالجابية، فكان حسّان يصلّى بهم أربعين يوما والناس يتشاورون، وكان مالك بن هبيرة السّكونى يهوى خالد بن يزيد والحصين بن نمير يميل إلى مروان، فقال مالك للحصين: هلمّ نبايع هذا الغلام الذى نحن ولدنا أباه [وهو ابن أختنا] «٣» ، وقد عرفت منزلتنا من أبيه، فإنه يحملنا على رقاب العرب. يعنى خالد بن يزيد. فقال الحصين: لا والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها بصبى. فقال مالك: والله لئن استخلفت مروان ليحسدنّك على سوطك وشراك نعلك وظلّ شجرة تستظلّ بها، إنّ مروان أبو عشرة «٤» وأخو عشرة «٥» وعمّ عشرة «٦» ، فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، ولكن عليكم بابن أختكم [خالد] ، فقال الحصين: إنى رأيت فى المنام قنديلا معلّقا من السماء وأن من يلى الخلافة يتناوله، فلم ينله إلّا مروان؛ والله لنستخلفنّه.
стр. 7698
وقام روح بن زنباع الجذامى فقال: أيّها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر وصحبته وقدمه فى الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكنه ضعيف، وليس بصاحب أمّة محمد الضعيف، وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون، إنه ابن حوارىّ رسول الله ﷺ ، وأمّه ذات النّطاقين، ولكنه منافق قد خلع خليفتين:
يزيد، وابنه معاوية، وسفك الدماء، وشقّ عصا المسلمين، وليس المنافق بصاحب أمّة بمحمد وأما مروان بن الحكم فو الله ما كان فى الإسلام صدع إلا كان ممن يشعبه، وهو الذى قاتل [عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار، والذى قاتل] «١» علىّ بن أبى طالب يوم الجمل، وإنّا نرى للنّاس أن يبايعوا الكبير، ويستشبّوا «٢» الصغير- يعنى بالكبير مروان، وبالصغير خالد بن يزيد. فأجمع رأيهم على البيعة لمروان، ثم لخالد ابن يزيد، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أنّ إمرة دمشق لعمرو، وإمرة حمص لخالد.
فدعا حسّان خالدا، فقال: يابن أختى؛ إنّ الناس قد أبوك لحداثة سنّك، وإنى والله ما أريد الأمر إلّا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظرا لكم. فقال خالد: بل عجّزت عنا. فقال: والله ما أنا عجزت «٣» ، ولكن الرأى لك ما رأيت.
стр. 7699
ثم بايعوا مروان لثلاث خلون من ذى القعدة سنة [٦٤ هـ] أربع وستين، وقال مروان حين بويع له «١» :
لما رأيت الأمر أمرا نهبا ... يسّرت «٢» غسّان لهم وكلبا
والسّكسكيّين رجالا غلبا ... وطيّئا تأباه إلّا ضربا
والقين تمشى فى الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا
لا يأخذون الملك إلا غصبا ... فإن دنت قيس فقل لا قربا
ذكر موقعة مرج «٣» راهط
وقتل الضحاك بن قيس بن خالد الفهرى والنعمان ابن بشير بن سعيد بن تغلب الأنصارى الخزرجى قال: ولمّا بويع مروان بن الحكم سار من الجابية إلى مرج راهط، وبه الضحاك بن قيس ومن معه؛ وكان الضحاك قد استمدّ النعمان ابن بشير وهو على حمص؛ فأمدّه بشر حبيل بن ذى الكلاع، واستمدّ أيضا زفر بن الحارث فأمدّه بأهل قنّسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، وكان ناتل بن قيس قد وثب بفلسطين لمّا خرج منها حسّان بن مالك إلى الأردنّ، وأخرج خليفته روح بن زنباع، وبايع ناتل لابن الزبير، فاجتمعت هذه الأمداد مع الضحاك.
واجتمع إلى مروان كلب، وغسّان، والسّكاسك، والسّكون؛
стр. 7700
وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وكان يزيد بن أبى النّمس «١» الغسانى مختفيا بدمشق لم يحضر الجابية، فغلب على دمشق، وأخرج عنها عامل الضّحاك بن قيس، واستولى على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان، وأمدّه بالأموال والرجال والسلاح، فكان ذلك أول فتح- على بنى أمية.
وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة؛ واقتتلوا قتالا شديدا؛ فقتل الضحاك، قتله زحنة «٢» بن عبد الله الكلبى، وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف الشام، وقتلت قيس مقتلة عظيمة لم تقتل مثلها فى موطن قطّ، وكان ممن قتل هانىء بن قبيصة النميرى سيّد قومه، قتله وازع بن ذؤالة الكلبى، فلما سقط جريحا قال «٣» :
تعست ابن ذات النوف أجهز على فتى «٤» ... يرى الموت خيرا من فرار وأكرما «٥»
ولا تتركنّى بالحشاشة إننى ... صبور إذا ما النّكس مثلك أحجما
فعاد إليه وازع فقتله، وكانت هذه الوقعة فى المحرم سنة [٦٥ هـ] خمس وستين.
وقيل: كانت فى آخر سنة أربع وستين.
стр. 7701
ولما أتى «١» مروان برأس الضحاك ساءه ذلك، وقال: الآن حين كبرت سنّى ودقّ عظمى أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض.
وقيل: إنّ الضحّاك كان فى ستين ألف فارس ومروان فى ثلاثة عشر ألفا.
حكى المدائنى فى كتاب المكايد له، قال: لما التقى مروان والضحاك بمرج راهط قال عبيد الله بن زياد لمروان: إن فرسان قيس مع الضحاك فلا ننال منه ما نريد إلّا بكيد، فأرسل إليه فاسأله الموادعة حتى ننظر فى أمرك، على أنك إن رأيت البيعة لابن الزبير بايعت، ففعل فأجابه الضحاك إلى الموادعة، وأصبح أصحابه قد وضعوا سلاحهم، وكفّوا عن القتال، فقال ابن زياد لمروان: دونك. فشدّ مروان ومن معه على عسكر الضحاك على غفلة منهم وانتشار، فقتلوا من قيس مقتلة عظيمة، وقتل الضحاك يومئذ فلم يضحك رجال من قيس بعد يوم المرج حتى ماتوا.
وقيل المكيدة كانت من عبيد الله بن زياد، كاد بها الضحاك.
وقال له: مالك والدعاء إلى ابن الزبير! وأنت رجل قرشى ومعك الخيل، وأكثر قيس؟ فادع لنفسك، فأنت أسنّ منه وأولى.
ففعل الضحاك ذلك، فاختلف عليه الجند، فقاتله مروان عند ذلك فقتل. والله أعلم.
قال: ولما انهزم الناس من المرج لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل
стр. 7702
حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، فلما بلغه الخبر خرج هاربا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبيّة وثقله وأولاده، فتحيّر ليلته كلها، فأصبح أهل حمص فطلبوه، وكان الذى طلبه عمرو بن الخلىّ «١» الكلاعى فقتله.
وقيل: اتبعه خالد بن عدىّ الكلاعى فيمن خفّ معه من أهل حمص فلحقه فقتله وبعث برأسه إلى مروان.
وقال على بن المدينى: قتل النعمان بن بشير بحمص غيلة قتله أهلها.
وقيل: قتل بقرية من قرى حمص يقال لها تيزين «٢» . والنعمان من الصحابة، ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بثمانى سنين.
قال: ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابى بقنسرين «٣» هرب منها، فلحق بقرقيسيا «٤» وعليها عياض الجرشى «٥» ، وكان يزيد [بن معاوية] «٦» ولّاه إياها، فطلب منه أن يدخل الحمّام ويحلف له بالطلاق والعتاق أنه إذا خرج من الحمّام لا يقيم بها، فأذن له، فدخلها، فغلب عليها وتحصّن بها، ولم يدخل حمّامها، واجتمعت إليه قيس. وهرب ناتل بن قيس الجذامى من فلسطين، فلحق بابن الزبير بمكّة؛ واستعمل مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع، واستوثق الشام لمروان.
стр. 7703
وقيل: إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بنى أمية وهم بتدمر، ومروان يريد أن يسير إلى ابن الزّبير فيبايعه «١» ويأخذ منه الأمان لبنى أمية، فردّه عن ذلك، وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله، وواقفه «٢» عمرو بن سعيد، وأشار على مروان أن يتزوّج أم خالد ابن يزيد ليسقط من أعين الناس، فتزوجها، وهى فاختة ابنة أبى هاشم ابن عتبة، ثم جمع بنى أمية فبايعوه، وبايعه أهل تدمر.
وسار إلى الضحاك فى جمع عظيم، وخرج الضحاك إليه، فاقتتلا، فقتل الضحاك، وسار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء، وصحبه فى هزيمته شابان من بنى سليم؛ فجاءت خيل مروان فى طلبه، فقال الشابان له: انج بنفسك، فإنّا نحن نقتل. فمضى زفر وتركهما فقتلا، وقال زفر فى ذلك «٣» :
أرينى سلاحى لا أبالك إنّنى ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا
أتانى عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمى أو قاطع من لسانيا
ففى العيش «٤» منجاة وفى الأرض مهرب ... إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا
فلا تحسبونى إن تغيّبت غافلا ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا
فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزارات النوس كماهيا «٥»
стр. 7704
لعمرى لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسّان صدعا بيننا متنائيا
فلم ترمنّى نبوة قبل هذه ... فرارى وتركى صاحبىّ ورائيا «١»
عشيّة أدعو «٢» بالقران فلا أرى ... من الناس إلّا من علىّ ولاليا
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامى وحسن بلائيا
فلا صلح حتى تنحط «٣» الخيل بالقنا ... ويثأر من نسوان كلب نسائيا
فأجابه جوّاس بن القعطل «٤» :
لعمرى لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفرداء «٥» من الداء باقيا
مقيما ثوى بين الضّلوع محلّه ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا
تبكّى على قتلى سليم وعامر ... وذبيان معذورا وتبكى البواكيا
دعا بسلاح «٦» ثم أحجم إذرأى ... سيوف جناب والطّوال المذايا
عليها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا أشرعوا نحو الطّعان العواليا
стр. 7705
ذكر مسير مروان إلى مصر واستيلائه عليها
قال: ولما قتل الضحاك واستقرّ الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها، وعليها عبد الرحمن بن حجدر «١» الفهرى يدعو لابن الزّبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه، حتى دخل مصر، فقيل ذلك لابن حجدر، فرجع فبايع الناس مروان، وجاء مروان إلى مصر، ودخل الدار البيضاء، ثم سار عنها واستعمل عليها ابنه عبد العزيز ابن مروان، واستقرّ مروان بدمشق.
ذكر البيعة لعبد الملك وعبد العزيز ابنى مروان ابن الحكم بولاية العهد
وفى سنة [٦٥ هـ] خمس وستين أمر مروان بالبيعة لابنيه: عبد الملك، وعبد العزيز، وكان سبب ذلك أن عمرو بن سعيد كان قد توجّه إلى فلسطين، وقاتل مصعب بن الزبير حين وجّهه أخوه عبد الله إليها «٢» فهزم مصعبا، ورجع إلى مروان وهو بدمشق، وقد غلب على الشام ومصر، فبلغ مروان أنّ عمرو بن سعيد يقول: إن الأمر لى من بعد مروان، فدعا حسان بن مالك بن بحدل، فأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمرا. فلما اجتمع الناس عند مروان قام حسان فقال: إنّه بلغنى أنّ رجالا يتمنّون أمانىّ، قوموا فبايعوا لعبد الملك
следующие страницы →