← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

ولما أتى «١» مروان برأس الضحاك ساءه ذلك، وقال: الآن حين كبرت سنّى ودقّ عظمى أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض. وقيل: إنّ الضحّاك كان فى ستين ألف فارس ومروان فى ثلاثة عشر ألفا. حكى المدائنى فى كتاب المكايد له، قال: لما التقى مروان والضحاك بمرج راهط قال عبيد الله بن زياد لمروان: إن فرسان قيس مع الضحاك فلا ننال منه ما نريد إلّا بكيد، فأرسل إليه فاسأله الموادعة حتى ننظر فى أمرك، على أنك إن رأيت البيعة لابن الزبير بايعت، ففعل فأجابه الضحاك إلى الموادعة، وأصبح أصحابه قد وضعوا سلاحهم، وكفّوا عن القتال، فقال ابن زياد لمروان: دونك. فشدّ مروان ومن معه على عسكر الضحاك على غفلة منهم وانتشار، فقتلوا من قيس مقتلة عظيمة، وقتل الضحاك يومئذ فلم يضحك رجال من قيس بعد يوم المرج حتى ماتوا. وقيل المكيدة كانت من عبيد الله بن زياد، كاد بها الضحاك. وقال له: مالك والدعاء إلى ابن الزبير! وأنت رجل قرشى ومعك الخيل، وأكثر قيس؟ فادع لنفسك، فأنت أسنّ منه وأولى. ففعل الضحاك ذلك، فاختلف عليه الجند، فقاتله مروان عند ذلك فقتل. والله أعلم. قال: ولما انهزم الناس من المرج لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل

стр. 7702

حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، فلما بلغه الخبر خرج هاربا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبيّة وثقله وأولاده، فتحيّر ليلته كلها، فأصبح أهل حمص فطلبوه، وكان الذى طلبه عمرو بن الخلىّ «١» الكلاعى فقتله. وقيل: اتبعه خالد بن عدىّ الكلاعى فيمن خفّ معه من أهل حمص فلحقه فقتله وبعث برأسه إلى مروان. وقال على بن المدينى: قتل النعمان بن بشير بحمص غيلة قتله أهلها. وقيل: قتل بقرية من قرى حمص يقال لها تيزين «٢» . والنعمان من الصحابة، ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بثمانى سنين. قال: ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابى بقنسرين «٣» هرب منها، فلحق بقرقيسيا «٤» وعليها عياض الجرشى «٥» ، وكان يزيد [بن معاوية] «٦» ولّاه إياها، فطلب منه أن يدخل الحمّام ويحلف له بالطلاق والعتاق أنه إذا خرج من الحمّام لا يقيم بها، فأذن له، فدخلها، فغلب عليها وتحصّن بها، ولم يدخل حمّامها، واجتمعت إليه قيس. وهرب ناتل بن قيس الجذامى من فلسطين، فلحق بابن الزبير بمكّة؛ واستعمل مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع، واستوثق الشام لمروان.

стр. 7703

وقيل: إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بنى أمية وهم بتدمر، ومروان يريد أن يسير إلى ابن الزّبير فيبايعه «١» ويأخذ منه الأمان لبنى أمية، فردّه عن ذلك، وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله، وواقفه «٢» عمرو بن سعيد، وأشار على مروان أن يتزوّج أم خالد ابن يزيد ليسقط من أعين الناس، فتزوجها، وهى فاختة ابنة أبى هاشم ابن عتبة، ثم جمع بنى أمية فبايعوه، وبايعه أهل تدمر. وسار إلى الضحاك فى جمع عظيم، وخرج الضحاك إليه، فاقتتلا، فقتل الضحاك، وسار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء، وصحبه فى هزيمته شابان من بنى سليم؛ فجاءت خيل مروان فى طلبه، فقال الشابان له: انج بنفسك، فإنّا نحن نقتل. فمضى زفر وتركهما فقتلا، وقال زفر فى ذلك «٣» : أرينى سلاحى لا أبالك إنّنى ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا أتانى عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمى أو قاطع من لسانيا ففى العيش «٤» منجاة وفى الأرض مهرب ... إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا فلا تحسبونى إن تغيّبت غافلا ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزارات النوس كماهيا «٥»

стр. 7704

لعمرى لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسّان صدعا بيننا متنائيا فلم ترمنّى نبوة قبل هذه ... فرارى وتركى صاحبىّ ورائيا «١» عشيّة أدعو «٢» بالقران فلا أرى ... من الناس إلّا من علىّ ولاليا أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامى وحسن بلائيا فلا صلح حتى تنحط «٣» الخيل بالقنا ... ويثأر من نسوان كلب نسائيا فأجابه جوّاس بن القعطل «٤» : لعمرى لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفرداء «٥» من الداء باقيا مقيما ثوى بين الضّلوع محلّه ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا تبكّى على قتلى سليم وعامر ... وذبيان معذورا وتبكى البواكيا دعا بسلاح «٦» ثم أحجم إذرأى ... سيوف جناب والطّوال المذايا عليها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا أشرعوا نحو الطّعان العواليا

стр. 7705

ذكر مسير مروان إلى مصر واستيلائه عليها قال: ولما قتل الضحاك واستقرّ الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها، وعليها عبد الرحمن بن حجدر «١» الفهرى يدعو لابن الزّبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه، حتى دخل مصر، فقيل ذلك لابن حجدر، فرجع فبايع الناس مروان، وجاء مروان إلى مصر، ودخل الدار البيضاء، ثم سار عنها واستعمل عليها ابنه عبد العزيز ابن مروان، واستقرّ مروان بدمشق. ذكر البيعة لعبد الملك وعبد العزيز ابنى مروان ابن الحكم بولاية العهد وفى سنة [٦٥ هـ] خمس وستين أمر مروان بالبيعة لابنيه: عبد الملك، وعبد العزيز، وكان سبب ذلك أن عمرو بن سعيد كان قد توجّه إلى فلسطين، وقاتل مصعب بن الزبير حين وجّهه أخوه عبد الله إليها «٢» فهزم مصعبا، ورجع إلى مروان وهو بدمشق، وقد غلب على الشام ومصر، فبلغ مروان أنّ عمرو بن سعيد يقول: إن الأمر لى من بعد مروان، فدعا حسان بن مالك بن بحدل، فأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمرا. فلما اجتمع الناس عند مروان قام حسان فقال: إنّه بلغنى أنّ رجالا يتمنّون أمانىّ، قوموا فبايعوا لعبد الملك

стр. 7706

وعبد العزيز من بعده، فبايعوا من عند آخرهم. وفى هذه السنة بعث مروان بن الحكم بعثين: أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا، واستعمله على كل ما يفتتحه، فإذا فرغ من الجزيرة توجّه لقصد العراق. فلما كان بالجزيرة بلغه موت مروان، وأتاه عهد عبد الملك بن مروان [يستعمله] «١» على ما استعمله عليه أبوه ويحثّه على المسير إلى العراق. والبعث الثانى «٢» مع حبيش بن دلجة «٣» القينى، فسار حتى انتهى إلى المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخى عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب منه جابر. ثم إن الحارث بن أبى ربيعة وجّه جيشا من البصرة وجعل عليهم الحنتف «٤» بن السّجف التميمى لحرب حبيش. فلما سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وأرسل عبد الله بن الزبير عبّاس «٥» ابن سهل الساعدى إلى المدينة أميرا، وأسره أن يسير فى طلب حبيش حتى يوافى جيش البصرة، فأقبل عبّاس «٦» فى آثارهم حتى لحقهم بالرّبذة فقاتلهم حبيش، فرماه يزيد بن سياه «٧» بسهم فقتله،

стр. 7707

وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم، وابنه الحجّاج بن يوسف، وهما على جمل واحد، وانهزم أصحابه فتحرّز منهم خمسمائة بالمدينة، فقال لهم عباس: انزلوا على حكمى، فنزلوا فقتلهم، ورجع فلّ حبيش إلى الشام. ذكر وفاة مروان بن الحكم كانت وفاته فى شهر رمضان سنة [٦٥ هـ] خمس وستين. قيل: مات بالطاعون. وقيل: بل كان سبب موته أنه لما بويع بالخلافة أراد حسّان بن بحدل أن يجعل الأمر من بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، فبايعه على ذلك، فقيل لمروان: الرأى أن تتزوّج أمّ خالد تكفل ابنها حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة. فتزوّجها. وقد ذكرنا ذلك، فدخل خالد يوما على مروان، وعنده جماعة ينظر إليه وهو يمشى بين الصفّين فقال: إنّه «١» والله لأحمق. تعال: يابن الرطبة الاست، يريد بذلك إسقاطه من أعين أهل الشام، فقال له خالد: مؤتمن خائن. فندم مروان، ثم دخل خالد على أمّه، فقال: هكذا أردت، يقول لى مروان على رءوس الناس كذا وكذا. فقالت له: لا يعلمنّ ذلك منك، فأنا أكفيك، فو الله لا ترى بعد منه شيئا تكرهه، وسأقرّب عليك ما بعد. ثم دخل مروان عليها، فقال لها: قال لك خالد فىّ شيئا؟ قالت: إنه أشدّ تعظيما لك من أن يقول فيك شيئا. فصدّقها،

стр. 7708

ومكثت أياما بعد ذلك، فنام مروان عندها فى بعض الأيام، فوضعت على وجهه وسادة، وجلست عليها حتى مات. وهو معدود ممّن قتله النساء. ومولده سنة [٢ هـ] اثنتين من الهجرة، وكان عمره ثلاثا وستين سنة. واختلف فيه إلى نيّف «١» وثمانين سنة. وصلّى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته منذ جدّدت له البيعة عشرة أشهر تقريبا، وكان سلطانه بالشام ومصر. أولاده: عبد الملك، ومعاوية، وعمرو، وعبيد الله، وعبد الله، وأبان، وداود، وعبد العزيز، وعبد الرحمن، وبشر، ومحمد، وأم عمار. كاتبه: سفيان الأحول. وقيل: عبيد الله بن أوس. قاضيه: أبو إدريس الخولانى. حاجبه: أبو سهل مولاه. نقش خاتمه: الله ثقتى ورجائى. *** ومروان أوّل من قدّم الخطبة قبل صلاة العيد، وكان يقال له ولولده بنو الزّرقاء، يقول ذلك من يريد ذمّهم وعيبهم، وهى الزرقاء بنت موهب جدّة مروان لأبيه، كانت من ذوات الرايات التى يستدلّ بها على بيوت البغايا؛ فلهذا كانوا يذمّون بها، ولعل هذا منها كان قبل أن يتزوّجها أبو العاص بن أمية «٢» والد الحكم، فإنه كان من أشراف قريش، ولا يكون هذا من امرأة وهى عنده. والله أعلم.

стр. 7709

ذكر بيعة عبد الملك بن مروان هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم، وهو الخامس من ملوك بنى أمية. وأمه عائشة بنت المغيرة بن أبى العاص، وهو أوّل من سمّى عبد الملك فى الإسلام، ولقّب رشح الحجر «١» لبخله، ولقّب أيضا بأبى الذّبّان «٢» لبخره. وقيل: إن السبب فى بخره أنه كان يتلو القرآن فى المصحف، فأفضت الخلافة إليه وهو يتلو، فردّ المصحف بعضه على بعض، وقال: هذا فراق بينى وبينك، يشير بهذا الكلام إلى المصحف فبخر لوقته، وعجزت الأطباء عن مداواته، فكان لا يمرّ ذباب على فيه إلا مات لوقته، وكان أفوه مفتوح الفم مشبّك الأسنان بالذّهب. بويع له فى شهر رمضان سنة [٦٥ هـ] خمس وستين بعد وفاة أبيه، وكان ولىّ عهده كما تقدّم، وأراد عبد الملك أن يقتل أمّ خالد، فقيل له: يظهر عند الناس أنّ امرأة قتلت أباك، فتركها، وكان عبد الملك ولد لسبعة أشهر، فكان الناس يذمّونه بذلك. قيل: إنه اجتمع عنده قوم من الأشراف، فقال لعبيد الله ابن زياد بن ظبيان البكرى: بلغنى أنك لا تشبه أباك! فقال: والله إنى لأشبه به من الماء بالماء والغراب بالغراب، ولكن إن شئت؛

стр. 7710

أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال ولا الأعمام. قال: من ذاك؟ قال: سويد بن منجوف. فلما خرج عبيد الله وسويد قال له سويد: والله ما يسرّنى بمقالتك له حمر النعم. فقال عبيد الله: وما يسرّنى والله باحتمالك إياى وسكوتك عنى سودها. قال: وكان أول ما بدأ به عبد الملك أن كتب إلى عبيد الله بن زياد واستعمله على ما كان مروان قد استعمله عليه، فكان من أخبار ابن زياد فى مسيره وحروبه ومقتله ما قدّمناه فى أخبار عبد الله ابن الزبير، فلا حاجة لنا إلى إعادته ههنا، فلنذكر من أخبار عبد الملك غير ما قدمنا ذكره: فى سنة ست وستين أرسل عبد الله بن عباس ابنه «١» علىّ ابن عبد الله إلى عبد الملك، وقال: لأن يربّنى بنو عمّى أحبّ إلىّ من أن يربّنى «٢» رجل من بنى أسد- يعنى ببنى عمّه بنى أمية، لأنهم كلهم أولاد عبد مناف، ويعنى بالرجل من بنى أسد عبد الله بن الزّبير. فلما وصل إلى عبد الملك سأله عن اسمه وكنيته، فقال: الاسم علىّ، والكنية أبو الحسن. فقال عبد الملك: لا يجتمع هذا الاسم وهذه الكنية فى عسكرى أنت أبو محمد.

стр. 7711

ذكر مقتل عمرو بن سعيد الأشدق وشىء من أخباره [ونسبه] «١» هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية «٢» بن عبد شمس ابن عبد مناف، ويسمى عمرو اللطيم لميل كان فى فمه «٣» ، فمن أجل ذلك قيل له لطيم الشيطان، ويسمّى الأشدق لتشادقه فى الكلام، وكان من فصحاء قريش وأهل الخطابة منهم. وقيل فى تسميته الأشدق: إنه لما مات سعيد والده دخل عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إن أوّل مركب صعب. فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إن أبى أوصانى ولم يوص بى. قال: فبأى شىء أوصاك؟ قال: ألّا يفقد منه أصحابه غير شخصه. فقال معاوية: إن عمرا هذا لأشدق. ولنذكر سبب مقتله ثم نذكر نبذة من أخبار آبائه: كان سبب مقتله أنّ عبد الملك بن مروان سار فى سنة تسع وستين من دمشق يريد قرقيسياء، يريد زفر بن الحارث الكلابى، وصحبه عمرو بن سعيد فى سيره، فلما بلغ بطنان «٤» حبيب رجع عمرو ليلا ومعه حميد بن حريث وزهير بن الأبرد الكلبيّان، فأتى دمشق وعليها عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى خليفة عبد الملك بها، فهرب

стр. 7712

عنها ودخلها عمرو، فغلب عليها وعلى خزائنها، وهدم دار ابن أم الحكم؛ واجتمع الناس إليه، فخطبهم ومنّاهم ووعدهم، وأصبح عبد الملك وقد فقد عمرا، فسأل عنه فأخبر برجوعه، فرجع إلى دمشق، فقاتله أياما، ثم اصطلحا، وكتبا بينهما كتابا، وأمّنه عبد الملك، فجاءه عمرو واجتمعا، ودخل عبد الملك دمشق. فلما كان بعد دخوله بأربعة أيام أرسل إلى عمرو يستدعيه، فأتاه الرسول وعنده عبد الله بن يزيد بن معاوية، فنهاه أن يأتيه، فقال عمرو: ولم؟ قال: لأنّ تبيع «١» ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيما من ولد إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق، ثم يخرج منها، فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: والله لو كنت نائما ما أنبهنى ابن الزرقاء ولا اجترأ علىّ، مع أنى رأيت البارحة عثمان فى المنام، فألبسنى قميصه. ثم قام فلبس درعا وغطّاها بالقباء «٢» ، وتقلّد سيفا، وذلك بعد أن صرف رسول عبد الملك، فلما نهض عثر بالبساط، فقال له حميد ابن حريث: والله لو أطعتنى لم تأته، وقالت له امرأته الكلبية كذلك، فلم يلتفت، ومضى فى مائة من مواليه. فلما بلغ باب عبد الملك أذن له فدخل فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قاعة الدار، وليس معه إلا وصيف واحد، فنظر عمرو إلى عبد الملك وإذا حوله بنو مروان، وحسّان بن بحدل الكلبى، وقبيصة بن ذؤيب الخزاعى، فلما رأى جماعتهم أحسّ

стр. 7713

بالشر، فالتفت إلى وصيفه، وقال له: انطلق إلى أخى يحيى، وقل له يأتينى، فلم يفهم الوصيف عنه، فقال: لبيك! فقال عمرو: اغرب فى حرق الله وناره «١» ، وأذن عبد الملك لحسّان وقبيصة فقاما، فلقيا عمرا، فقال عمرو لقبيصة: انطلق إلى يحيى فمره أن يأتينى، فقال: لبيك! فقال: اغرب [عنى] «٢» . فلما خرج حسّان وقبيصة أغلقت الأبواب، ودخل عمرو فرحب به عبد الملك، وقال: ههنا يا أبا أميّة! فأجلسه معه على السرير، وحدّثه طوبلا، ثم قال: يا غلام، خذ السيف عنه. فقال عمرو: إنّا لله يا أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: أتطمع أن تجلس معى متقلّدا سيفك؟ فأخذ السيف عنه، ثم تحدّثا، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، إنك حيث خلعتنى آليت بيمين إن أنا ملأت عينى منك وأنا مالك لك أن أجعلك فى جامعة «٣» ، فقال له بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، وما عسيت أن أصنع بأبى أمية! فقال بنو مروان: أبرّ قسم أمير المؤمنين. فقال [عمرو] «٤» : قد أبرّ الله قسمك يا أمير المؤمنين. فأخرج من تحت فراشه جامعة، ثم قال: يا غلام، قم فاجمعه فيها. فجمعه الغلام فيها، فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجنى فيها على رءوس الناس؛ فقال عبد الملك: أمكرا وأنت فى الحديد! لا، والله ما كنّا لنخرجك فى جامعة على رءوس الناس،

стр. 7714

ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ثنيّتيه، فقال: أذكرك الله يا أمير المؤمنين؛ كسر عظم سنى «١» ، فلا تركب ما هو أعظم من ذلك. فقال: والله لو أعلم أنك تبقى [علىّ] «٢» ، إن أبقيت عليك لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان قطّ فى بلدة على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وأذن المؤذّن، وأقيمت صلاة العصر، فخرج عبد الملك يصلّى بالناس، وأمر أخاه عبد العزيز أن يقتله، فقام إليه بالسيف، فقال له عمرو: أذكرك الله والرّحم أن تلى قتلى، ليقتلنى من هو أبعد رحما منك؛ فألقى عبد العزيز السّيف، وجلس. وصلّى عبد الملك صلاة خفيفة، ودخل وغلّقت الأبواب، ورأى الناس عبد الملك خرج وتأخّر عمرو، فذكروا ذلك لأخيه يحيى بن سعيد، فأقبل فى الناس ومعه ألف عبد لعمرو، وخلق كثير، فجعلوا يصيحون بباب عبد الملك: أسمعنا صوتك يا أبا أميّة! وأقبل مع يحيى حميد بن حريث وزهير بن الأبرد، فكسروا باب المقصورة، وضربوا الناس بالسيوف وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، واحتمله إبراهيم بن عربى صاحب الديوان، فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبد الملك حين صلّى فرأى عمرا بالحياة «٣» ، فسبّ أخاه عبد العزيز، ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمرا، فلم تغن شيئا، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده إلى عضده فرأى الدّرع، قال: ودارع أيضا! إن كنت لمعدّا، وأخذ الصمصامة «٤»

стр. 7715

وأمر بعمرو فصرع، وجلس على صدره فذبحه، وهو يقول «١» : يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتى ... أضربك حيث تقول الهامة اسقونى وانتفض عبد الملك برعدة «٢» ، فحمل عن صدره، ووضع على سريره. ودخل يحيى بن سعيد ومن معه على بنى مروان ومواليهم، فقاتلوهم، وجاء عبد الرحمن ابن أمّ الحكم الثقفى، فدفع إليه الرّأس فألقاه إلى الناس، وقام عبد العزيز بن مروان، فأخذ المال فى البدر، فجعل يلقيها إلى الناس، فلما رأى الناس الرأس والأموال انتهبوا وتفرّقوا. ثم أمر عبد الملك بعد ذلك بتلك الأموال فجبيت حتى عادت إلى بيت المال. قال: وأخرج عبد الملك سريره إلى المسجد، وخرج، فجلس عليه، وفقد الوليد ابنه، فقال: والله، لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عربى الكنانى، فقال: الوليد عندى وقد جرح، وليس عليه بأس. وأتى عبد الملك بيحيى بن سعيد فأمر أن يقتل؛ فقام إليه عبد العزيز ابن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، أتراك قاتل بنى أمية فى يوم واحد، فأمر بيحيى فحبس، وأراد قتل عنبسه بن سعيد، فشفع فيه عبد العزيز أيضا، وشفع فى عامر بن الأسود الكلبى، وأمر ببنى عمرو بن سعيد فحبسوا؛ ثم خرجوا مع عمّهم يحيى، فألحقهم بمصعب. ثم بعث عبد الملك إلى امرأة عمرو الكلبية:

стр. 7716

ابعثى إلىّ «١» الصّلح الذى كتبت لعمرو. فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلمه أنّ ذلك الصّلح معه فى أكفانه ليخاصمك به عند ربّه. قال: ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير دخل أولاد عمرو عليه وهم أربعة: أمية، وسعيد، وإسماعيل، ومحمد؛ فلما نظر إليهم [عبد الملك] «٢» قال: إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلا لم يجعله الله لكم، وإن الذى كان بينى وبين أبيكم لم يكن حديثا، بل كان قديما فى أنفس أوّليكم «٣» على أوّلينا فى الجاهلية. فلم يقدر أمية أن يتكلّم. وكان الأكبر من أولاد عمرو، فقام سعيد بن عمرو [وكان الأوسط] «٤» فقال: يا أمير المؤمنين، ما تنعى «٥» علينا أمرا فى الجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك، ووعد جنّة، وحذّر نارا، وأما الذى كان بينك وبين عمرو فإنه كان ابن عمك وأنت أعلم وما «٦» صنعت. وقد وصل عمرو إلى الله، وكفى بالله حسيبا؛ ولعمرى لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها، فرقّ لهم عبد الملك وقال: إنّ أباكم خيّرنى بين أن يقتلنى أو أقتله، فاخترت قتله على قتلى، وأمّا أنتم فما أرغبنى فيكم وأوصلنى لقرابتكم، وأحسن جائزتهم ووصلهم وقرّبهم.

стр. 7717

وقد قيل فى سبب قتله: إنه قال لعبد الملك حين سار إلى العراق لقتال مصعب: إنك تخرج إلى العراق، وقد كان أبوك جعل لى الأمر بعده، وعلى ذلك قاتلت معه، فاجعل هذا الأمر لى بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى ذلك، فرجع إلى دمشق، وكان من أمره ما تقدّم. وقيل: بل كان عبد الملك قد استخلفه على دمشق، فوثب بها. وقيل: إنّ عبد الملك لم يقتل عمرو بن سعيد بيده، وإنما أمر غلامه ابن الزّعيزعة، فقتله وألقى رأسه إلى الناس ورمى يحيى بصخرة فى رأسه، وكان مقتله فى سنة [٦٩ هـ] تسع وستين. وقيل: فى سنة سبعين. والله أعلم. ذكر نبذة من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق فى الإسلام والجاهلية كان مولد سعيد بن العاص والدعمرو عام الهجرة. وقيل: سنة إحدى. وقتل جدّه العاص بن سعيد يوم بدر كافرا، قتله علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه، وكان لجدّ أبيه سعيد بن العاص ابن أميّة ثمانية بنين؛ منهم ثلاثة ماتوا على الكفر، وهم: أحيحة، وبه كان يكنى سعيد بن العاص، وقتل أحيحة يوم الفجار. والعاص، وعبيدة قتلا يوم بدر كافرين، قتل العاص علىّ، وقتل عبيدة الزّبير؛ وخمسة أدركوا الإسلام، وصحبوا رسول الله ﷺ ؛ وهم: خالد، وعمرو، وسعيد؛ وأبان، والحكم بنو سعيد ابن العاص بن أمية، وغيّر رسول الله ﷺ اسم «١» الحكم، فسمّاه عبد الله. وجّد هؤلاء العاص بن أمية ذو العصابة؛ قيل له ذلك،

стр. 7718

لأنه كان من شرفه إذا اعتمّ بعمامة بمكّة لا يعتمّ «١» أحد بلونها إجلالا له، وكان يكنى بأبى أحيحة، وفى ذلك يقول الشاعر: أبو أحيحة من يعتمّ عمّته ... يضرب ولو كان ذا مال وذا حسب وكان سعيد بن العاص والد عمرو من أشراف قريش ممن جمع له السخاء والفصاحة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان رضى الله عنه، واستعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان «٢» فافتتحها. ويقال: إنه افتتح أيضا جرجان فى سنة [٢٩ هـ] تسع وعشرين أو سنة ثلاثين، وغزا أذربيجان «٣» لما انتقضت فافتتحها، ثم عزله عثمان، واستعمل الوليد، فمكث مدة، ثم شكاه أهل الكوفة، فعزله، وردّ سعيدا، فردّه أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا فى سعيدك ولا وليدك، وكان فى سعيد تجبّر وغلظ وشدّة سلطان. ولما قتل عثمان بن عفّان كان سعيد والد عمرو ممن لزم بيته، واعتزل حرب الجمل وصفّين، فلما اجتمع الناس على معاوية ولّاه المدينة، ثم عزله وولّاها مروان بن الحكم، وكان يعاقب بينه وبين مروان فى ولاية المدينة، وفيه يقول الفرزدق «٤» :

стр. 7719

ترى الغرّ «١» الجحاجح من قريش ... إذا ما المرء فى الحدثان غالا قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهمو يرون به هلالا وحكى الزبير بن بكّار قال «٢» : لما عزل سعيد عن المدينة انصرف عن المسجد وحده، فتبعه رجل، فنظر إليه سعيد رضى الله عنه، وقال: ألك حاجة! قال: لا، ولكنى رأيتك وحدك، فوصلت جناحك. فقال له: وصلك الله يا ابن أخى، اطلب لى دواة وجلدا، وادع لى مولاى فلانا، فأتاه بذلك، فكتب له بعشرين ألف درهم، وقال: إذا جاءت غلّتنا دفعنا ذلك إليك، فمات فى تلك السنة، فأتى بالكتاب إلى ابنه عمرو، فأعطاه المال. وكان لسعيد بن العاص سبعة بنين، وهم: عمرو هذا: ومحمد، وعبد الله، ويحيى، وعثمان، وعنبسة، وأبان. وكانت وفاة سعيد فى سنة [٥٩ هـ] تسع وخمسين. ولنرجع إلى أخبار عبد الملك: ذكر عصيان الجراجمة بالشام وما كان من أمرهم هذه الحادثة ذكرها ابن الأثير «٣» فى سنة [٦٩ هـ] تسع وستين، فقال: لما امتنع عمرو بن سعيد على عبد الملك خرج قائد من قوّاد

стр. 7720

الضواحى فى جبل اللّكام «١» واتّبعه خلق كثير من الجراجمة «٢» والأنباط، وأبّاق عبيد المسلمين، وغيرهم، وسار إلى لبنان، فلما فرغ عبد الملك من عمرو أرسل إلى هذا الخارج عليه، فبذل له فى جمعة ألف دينار، فركن إلى ذلك، ولم يفسد فى البلاد، ثم وضع عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر، فتلطّف حتى وصل إليه متنكّرا، وأظهر الميل إليه، ووعده أن يدلّه على عورات عبد الملك، وما هو خير له من الصلح، فوثق به؛ ثم أتاه سحيم فى جيش من موالى عبد الملك وبنى أمية وجند من ثقات جنده والخارج ومن معه على غير أهبة، فدهمهم «٣» ، وأمر فنودى: من أتانا من العبيد [يعنى الذين كانوا معه] «٤» فهو حرّ، وثبت فى الديوان؛ فالتحق به خلق كثير منهم، وقاتلوا معه، فقتل الخارج ومن أعانه من الروم، وقتل نفر من الجراجمة والأنباط، ونادى بالأمان فيمن بقى منهم فتفرّقوا، وعاد إلى عبد الملك ووفّى للعبيد. وفى سنة تسع اجتمعت الروم واستجاشوا «٥» على من بالشام، فصالح عبد الملك ملكهم على أن يؤدّى إليه فى كل جمعة ألف دينار. وفيها كان يوم الجفرة وقد تقدم ذكره «٦» فى أخبار ابن الزبير رضى الله عنه.

стр. 7721

ذكر خبر عمير بن الحباب بن جعدة السلمى وما كان بين قيس وتغلب من الحروب إلى أن قتل عمير ابن الحباب وما كان بعد ذلك. كان مقتل عمير بن الحباب فى سنة [٧٠ هـ] سبعين، وكان سبب ذلك أن عمير بن الحباب لما انقضى مرج راهط التحق بزفر بن الحارث الكلابى بقرقيسيا، ثم بايع مروان وفى نفسه ما فيها بسبب قتل قيس بالمرج «١» ، فلما سار عبيد الله بن زياد إلى الموصل كان معه، وقد ذكرنا اتفاقه مع إبراهيم بن الأشتر وانهزامه، حتى قتل عبيد الله [بن زياد] «٢» ، وانهزمت جيوش الشّام، فلما كان ذلك أتى عمير ابن الحباب قرقيسيا، وصار مع زفر بن الحارث، فجعلا يطلبان كلبا واليمانيّة بمن قتلوا من قيس، وكان معهما قوم من تغلب يقاتلون معهما، ويدلّونهما، وشغل عبد الملك عنهما بمصعب، وتغلّب عمير على نصيبين «٣» ، ثم ملّ المقام بقرقيسيا، فاستأ من إلى عبد الملك، فأمّنه، ثم غدر به فحبسه عند مولاه الريان، فسقاه عمير ومن معه من الحرس خمرا حتى أسكرهم، وتسلّق فى سلّم من الحبال، وخرج من الحبس، وعاد إلى الجزيرة، ونزل على نهر البليخ «٤» بين حرّان والرّقة، فاجتمعت إليه قيس، فكان يغير بهم «٥» على كلب واليمانية، وكان من معه يسيئون «٦» جوار تغلب، ويسخّرون

стр. 7722

مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شرّا، إلّا أنه لم يبلغ الحرب. ثم إن عميرا أغار على كلب، ورجع فنزل على الخابور، وكانت منازل تغلب بين الخابور والفرات ودجلة، وكانت بحيث نزل عمير- امرأة من تميم ناكح فى تغلب، يقال لها أم ذويل «١» ، فأخذ غلام من بنى الحريش أصحاب عمير عنزا من غنمها، فشكت ذلك إلى عمير، فلم يمنع عنها، فأخذوا الباقى، فمانعهم قوم من تغلب، فقتل منهم رجل يقال له مجاشع التّغلبى، وجاء ذويل فشكت أمّه إليه، وكان من فرسان تغلب، فسار فى قومه وجعل يذكّرهم ما يصنع بهم قيس، فاجتمع منهم جماعة وأمّروا عليهم شعيث «٢» ابن مليل التغلبى، فأغاروا على بنى الحريش ومعهم قوم من نمير، فقتل فيهم التغلبيّون واستاقوا ذودا لامرأة منهم يقال لها أمّ الهيثم، فمانعهم القيسيّون، فلم يقدروا على منعهم، فكان بينهم أيام «٣» مذكورة نحن نذكرها على سبيل الاختصار؛ منها: يوم ماكسين «٤» : قال: ولما استحكم الشرّ بين قيس وتغلب؛ وعلى قيس عمير، وعلى تغلب شعيث بن مليل غزا عمير بنى تغلب وجماعتهم بماكسين من الخابور فاقتتلوا قتالا شديدا، وهى أول وقعة كانت بينهم، فقتل من بنى تغلب خمسمائة وقتل شعيث، وكانت رجله قد قطعت، فجعل يقاتل حتى قتل، وهو يقول:

стр. 7723

قد علمت قيس ونحن نعلم ... أنّ الفتى يقتل وهو أجذم ويوم الثّرثار الأول: والثّرثار «١» نهر أصل منبعه شرقى مدينة سنجار يفرغ فى دجلة. قال: لما قتل من تغلب بماكسين من قتل استمدّت تغلب وحشدت واجتمعت إليها النّمر بن قاسط، وأتاها المجشّر «٢» ابن الحارث الشيبانى. وكان من ساداتهم بالجزيرة، وأتاها عبيد الله ابن زياد بن ظبيان منجدا لهم، واستنجد عمير تميما وأسدا فلم ينجده منهم أحد، فالتقوا على الثّرثار، وقد جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر «٣» ، ويقال يزيد بن هوبر التغلبى، فاقتتلوا، فانهزمت قيس، وقتلت تغلب منها مقتلة عظيمة، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بنى سليم. ويوم الثّرثار الثانى: قال: ثم إنّ قيسا تجمّعت واستمدّت، وأتاهم زفر بن الحارث من قرقيسيا، فالتقوا بالثّرثار، واقتتلوا قتالا شديدا. فانهزمت تغلب ومن معها. ويوم الفدين: قال: وأغار عمير على الفدين «٤» ، وهى قرية على الخابور فقتل من بها من بنى تغلب.

стр. 7724

ويوم السّكير: وهو على الخابور؛ يسمى سكير «١» العباس؛ قال: ثم اجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت تغلب والنّمر، وهرب عمير ابن جندل، وهو من فرسان تغلب؛ فقال عمير بن الحباب: وأفلتنا يوم السّكير ابن جندل ... على سابح عوج اللبان مثابر ونحن كررنا الخيل قبّا «٢» شوازبا ... دقاق الهوادى داميات الدّوابر ويوم المعارك: والمعارك بين الحضر «٣» والعقيق من أرض الموصل، اجتمعت تغلب بهذا المكان فالتقوا هم وقبس، واقتتلوا به، فاشتدّ قتالهم، فانهزمت تغلب، فيقال: إن يوم المعارك والحضر واحد هزموهم إلى الحضر، وقتلوا منهم بشرا كثيرا. وقيل: هما يومان، كانا لقيس على تغلب. والتقوا أيضا بلبىّ «٤» فوق تكريت فتناصفوا، فقيس تقول: كان الفضل إلىّ «٥» ، وتغلب تقول: كان لنا. ويوم الشّرعبيّة: ثم التقوا بالشرعبيّة فكان بينهم قتال شديد كان لتغلب على قيس، قتل يومئذ عمار بن المهزم «٦» السلمى. والشّرعبيّة هذه من بلاد تغلب ليست الشرعبيّة التى ببلاد منبج.

стр. 7725

ويوم البليخ: والبليخ: نهر بين حرّان والرّقّة اجتمعت تغلب، وسارت إليه، وهناك عمير فى قيس، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت تغلب، وكثر القتل فيها وبقرت بطون النساء كما فعلوا يوم الثّرثار. [والله علم «١» ] . ذكر يوم الحشاك «٢» ومقتل عمير بن الحباب السلمى وابن هوبر التغلبى قال: ولما رأت تغلب [إلحاح] «٣» عمير بن الحباب عليها جمعت حاضرها وباديها، وساروا إلى الحشّاك- وهو نهر قريب من الشرعبيّة، فأتاهم عمير فى قيس، ومعه زفر بن الحارث الكلابى، وابنه الهذيل بن زفر، وعلى تغلب ابن هوبر «٤» ، فاقتتلوا عند تل الحشّاك أشدّ قتال حتى جنّ عليهم الليل، ثم تفرقوا واقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا وأصبحت تغلب فى اليوم الثالث، فتعاقدوا ألا يفرّوا، فلما رأى عمير جدّهم وأنّ نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم؛ أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون، فإذا اطمأنّوا وساروا وجّهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم. فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلى: قتلت فرسان قيس أمس وأول أمس، ثم ملىء سحرك وجبنت. ويقال: إن الذى قال هذه المقالة عيينة بن أسماء بن خارجة الفزارى، وكان أتاه منجدا، فغضب عليه عمير ونزل وجعل يقاتل راجلا وهو يقول:

стр. 7726

أنا عمير وأبو المغلس ... قد أحبس القوم بضنك فاحبس وانهزم زفر بن الحارث فى اليوم الثالث، فلحق بقرقيسا، وذلك أنه بلغه أن عبد الملك عزم على الحركة إليه بقرقيسيا، فبادر إليها، وانهزمت قيس، وشدّ على عمير جميل بن قيس من بنى كعب بن زهير فقتله. ويقال: بل اجتمع على عمير غلمان من بنى تغلب فرموه «١» بالحجارة وقد أعيا حتى أثخنوه، وكرّ عليه ابن هوبر فقتله، وأصابت ابن هوبر جراحة، فلما انقضت الحرب أوصى بنى تغلب أن يولّوا أمرهم مرار «٢» بن علقمة الزهيرى. وقيل: إنّ ابن هوبر جرح فى اليوم الثانى من أيامهم هذه، فأوصى أن يولّوا مرارا أمرهم، ومات من ليلته، وكان مرار رئيسهم فى اليوم الثالث، فعبأهم على راياتهم، وأمر كلّ بنى أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، وكان ما تقدّم. وكثر القتل يومئذ فى بنى سليم وغنىّ خاصة، وقتل من قيس أيضا بشر كثير، وبعث بنو تغلب رأس عمير إلى عبد الملك بن مروان؛ فأعطى الوفد، وكساهم. فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث اجتمع الناس عليه، فقال الأخطل «٣» : بنى أمية قد ناضلت دونكمو ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا

стр. 7727

وقيس عيلان حتّى أقبلوا «١» رقصا ... فبايعوا لك قسرا بعد ما قهروا ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضّجر «٢» وكان مقتل عمير بن الحباب فى سنة [٧٠ هـ] سبعين [كما تقدم] «٣» . ذكر الحرب بعد مقتل عمير بن الحباب السلمى قال: ولما قتل عمير أتى ابنه تميم زفر بن الحارث، فسأله الطلب بثأره، فامتنع فقال له ابنه الهذيل بن زفر: والله لئن ظفرت بهم تغلب إنّ ذلك لعار عليك، ولئن ظفروا بتغلب وقد خذلتهم إنّ ذلك لأشدّ، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه أوس بن الحارث ووجّه زفر خيلا إلى بنى فدوكس «٤» ، وهم بطن من تغلب، فقتل رجالهم، واستبيحت الأموال [والنساء] «٥» حتى لم يبق منهم غير امرأة واحدة استجارت، فأجارها يزيد بن حمران، ووجّه ابنه الهذيل فى جيش إلى بنى كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلا ذريعا، وبعث أيضا مسلم بن ربيعة العقيلى إلى قوم من تغلب وقد اجتمعوا «٦» بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحسّوا به ارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلما صاروا بالكحيل وهو من أرض الموصل فى جانب دجلة

стр. 7728

الغربى، فلحقهم زفر بن الحارث [به] «١» فى القيسية: فاقتتلوا قتالا شديدا؛ وترجّل أصحاب زفر كلّهم، وبقى زفر على بغلة له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم، وغرق فى دجلة أكثر ممن قتل بالسيف، وأتى «٢» ، فلّهم لبّى فوجّه زفر ابنه الهذيل فأوقع بهم إلّا من عبر فنجا، وأسر منهم زفر مائتين فقتلهم صبرا، فقال فى ذلك زفر «٣» : ألا يا عين بكّى بانسكاب ... وبكّى عاصما وابن الحباب فإن تك تغلب قتلت عميرا ... ورهطا من غنىّ فى الحراب فقد أفنى بنى جشم بن بكر ... ونمرهم «٤» فوارس من كلاب قتلنا منهمو مائتين صبرا ... وما عدلوا عمير بن الحباب وأسر القطامىّ التغلبى فى يوم من أيامهم، وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى ردّ عليه ماله ووصله، فقال فيه «٥» : إنى وإن كان قومى ليس بينهمو ... وبين قومك إلا ضربة الهادى مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرّض منى مقتل بادى ذكر خبر يوم البشر «٦» كان سبب هذا اليوم أن عبد الملك لما استقرّ له الأمر قدم عليه الأخطل الشاعر التغلبى وعنده الجحّاف بن حكيم السلمى، فقال له عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل؟ قال: نعم، هذا الذى أقول فيه «٧» :

стр. 7729

ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر وأنشد القصيدة حتى فرغ منها، وكان الجحّاف يأكل رطبا فجعل النّوى يتساقط من يده غيظا، ثم أجابه فقال: بلى سوف نبكيهم بكل مهنّد ... وننعى عميرا بالرّماح الشّواجر ثم قال يا ابن النصرانية؛ ما كنت أظنّ أن تجترىء علىّ بمثل هذا. فأرعد من خوفه، ثم قام إلى عبد الملك فأمسك ذيله، وقال: هذا مقام العائذ بك. فقال: أنا لك، ثم قام الجحّاف فمشى وهو يجرّ ثوبه، ولا يعقل، فتلطّف لبعض كتّاب الديوان حتى اختلق له عهدا على صدقات تغلب وبكر بالجزيرة، وقال لأصحابه: إنّ أمير المؤمنين ولأّنى هذه الصدقات، فمن أراد اللحاق بى فليفعل. ثم سار حتى أتى رصافة هشام، فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه، وأنه افتعل كتابا وأنه ليس له بوال، فمن كان يحبّ أن يغسل عنى العار وعن نفسه فليصحبنى، فإنى أقسمت ألّا أغسل رأسى حتى أوقع ببنى تغلب. فرجعوا عنه غير ثلاثمائة قالوا: نموت لموتك ونحيا لحياتك، فسار ليلته حتى أصبح بالرّحوب «١» ، وهو ماء لبنى جشم «٢» بن بكر بن تغلب، فصادف عليه جماعة عظيمة منهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر الأخطل وعليه عباءة وسخة، وظنّ الذى أسره أنه عبد، فسأله عن نفسه، فقال: عبد. فأطلقه فرمى بنفسه فى جب، مخافة أن يراه من يعرفه فيقتله،

стр. 7730

وأسرف الجحاف فى القتل، وبقر البطون عن الأجنّة؛ وفعل أمرا عظيما، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده «١» : لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل فطلب عبد الملك الجحّاف فهرب إلى الرّوم، فكان يتردّد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان، فأمّنه عبد الملك، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها وأعطاها، ثم تنسّك الجحّاف بعد، وصلح، ومضى حاجّا فتعلّق بأستار الكعبة، وجعل يقول: اللهم اغفرلى، وما أظنّك تفعل! فسمعه محمد ابن الحنفية، فقال: يا شيخ، قنوطك شرّ من ذنبك. وقيل: كان سبب عود الجحّاف أنّ ملك الروم أكرمه وقرّبه وعرض عليه النصرانية، ويعطيه ما شاء، فامتنع، وقال: ما أتيتك غبة عن الإسلام. ثم هزم الجحّاف صائفة المسلمين، فأخبروا عبد الملك أن الذى هزمهم الجحّاف، فأرسل إليه عبد الملك، فأمّنه، فسار فى بلاد الروم، وقصد البشر وبه حىّ من تغلب وقد لبس أكفانه، وقال: قد جئت إليكم أعطى القود من نفسى، فأراد شبابهم قتله، فنهاهم شيوخهم، وعفوا عنه، فحج، فسمعه عبد الله بن عمر وهو يطوف ويقول: اللهم اغفرلى وما أظنك تفعل! فقال ابن عمر رضى الله عنهما: لو كنت الجحاف مازدت على هذا. قال: فأنا الجحّاف.

стр. 7731

ذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق وقتل مصعب بن الزبير واستيلاء عبد الملك على العراق [وفى جمادى الآخرة سنة [٧١ هـ] إحدى وسبعين كان مقتل مصعب بن الزبير بن العوام واستيلاء عبد الملك على العراق] «١» ؛ وسبب ذلك أنّ عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد كما تقدم وضع السيف على من خالفه، فصفا له الشام، فلما لم يبق له بالشام مخالف أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فاستشار أصحابه فى ذلك، فأشار عليه عمّه يحيى بن الحكم أن يقنع بالشام ويترك ابن الزبير والعراق، فكان عبد الملك يقول: من أراد صواب الرأى فليخالف يحيى. وأشار بعضهم أن يؤخّر السّير هذا العام، وأشار محمد بن مروان أن يقيم ويبعث بعض أهله، ويمدّه بالجنود. فأبى إلّا المسير. فلما عزم على المسير ودّع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية. فبكت فبكى جواريها لبكائها، فقال: قاتل الله كثيّر عزّة، لكأنّه يشاهدنا حين يقول «٢» : إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها نهته فلمّا لم تر النّهى عاقه ... بكت فبكى مما عناها قطينها «٣» وسار عبد الملك نحو العراق، فلما بلغ مصعب بن الزبير مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلّب بن أبى صفرة وهو يقاتل الخوارج

стр. 7732

يستشيره. وقيل: بل أحضره إليه، فقال لمصعب: اعلم أنّ أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدنى [عنك] «١» . فقال له مصعب: إنّ أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتّى أجعلك على قتال الخوارج، وهم قد بلغوا سوق الأهواز، وأنا أكره إذ سار عبد الملك [إلىّ] «٢» ألّا أسير إليه، فاكفنى هذا الثغر «٣» . فعاد إليهم، وسار مصعب إلى الكوفة ومعه الأحنف فتوفّى الأحنف بالكوفة، وأحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر، وكان على الموصل والجزيرة، فجعله على مقدّمته، وسار حتى نزل باجميرا «٤» قريب أوانا فعسكر هناك، وسار عبد الملك حتى نزل بمسكن «٥» على فرسخين أو ثلاثة من عسكر مصعب. وكتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه ومن لم يكاتبه، فجميعهم طلب أصفهان طعمة، وأخفوا جميعهم كتبهم عن مصعب إلا ابن الأشتر فإنه أحضر كتابه مختوما إلى مصعب، فقرأه فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق. فقال له مصعب: أتدرى ما فيه؟ قال: لا. قال: إنه يعرض عليك كذا وكذا، وإن هذا لما «٦» يرغب فيه. فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلّد الغدر والخيانة، والله

стр. 7733

ما [عند] «١» عبد الملك من أحد من الناس بايأس منه منى، ولقد كتب إلى جميع أصحابك مثل الذى كتب إلىّ، فأطعنى واضرب أعناقهم. فقال: إذا لا تناصحنى عشائرهم. قال: فأوقرهم حديدا، وابعث بهم إلى أبيض كسرى، واحبسهم هنالك، ووكّل بهم من إن غلبت وتفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم، وإن ظهرت مننت على عشائرهم بإطلاقهم. فقال: إنى لفى شغل عن ذلك. ولما قرب العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب يقول: دع الدّعاء لأخيك، وأدع الدعاء إلى نفسى، ونجعل الأمر شورى. فأبى مصعب إلّا السيف. فقدّم عبد الملك أخاه محمدا. وقدّم المصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا، فتناوش الفريقان، فقتل صاحب لواء محمد، وجعل مصعب يمدّ إبراهيم، فأزال محمد بن مروان عن موقفه، فوجّه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد، فاشتدّ القتال، فقتل مسلم بن عمرو الباهلى والدقتيبة، وهو فى أصحاب مصعب، وأمدّ مصعب إبراهيم بعتّاب بن ورقاء؛ فساء ذلك إبراهيم، واسترجع، وقال: قد قلت له: لا يمدّنى بعتّاب وضربائه. وكان عتّاب قد كاتب عبد الملك وبايعه، فانهزم عتّاب بالناس وصبر ابن الأشتر، وقاتل حتى قتل، قتله عبيد بن ميسرة مولى بنى عذرة «٢» ، وحمل رأسه إلى عبد الملك. وتقدّم أهل الشام فقاتلهم مصعب، وقال لقطن بن عبد الله الحارثى: قدّم خيلك أبا عثمان. فقال: أكره أن تقتل مذحج فى غير

стр. 7734

شىء. فقال لحجّار «١» بن أبجر: أبا أسيد: قدّم خيلك. فقال: إلى هؤلاء الأنتان! قال: ما نتأخر إليه أنتن. وقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد: قدم خيلك. فقال: ما فعل أحد هذا فأفعله. فقال مصعب: يا إبراهيم، ولا إبراهيم لى اليوم! ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة فاستدناه، فقال له: أخبرنى عن الحسين بن على كيف صنع بامتناعه عن النّزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب؟ فأخبره، فقال «٢» : إن الألى بالطّفّ من آل هاشم ... تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا ثم دنا محمد بن مروان من مصعب، وناداه: أنا ابن عمك محمد ابن مروان، فاقبل أمان أمير المؤمنين. قال: أمير المؤمنين بمكة، يعنى أخاه عبد الله. قال: فإنّ القوم خاذلوك، فأبى ما عرض عليه. فنادى محمد عيسى بن مصعب إليه، فقال له مصعب: انظر ما يريد، فدنا منه، فقال له: إنى لك ولأبيك ناصح، ولكما الأمان. فرجع إلى أبيه فأخبره. فقال: إنى أظنّ القوم يفون لك، فإن أحببت أن تأتيهم، فافعل. قال: لا تتحدّث نساء قريش أنّى خذلتك، ورغبت بنفسى عنك. قال: فاذهب أنت ومن معك إلى عمّك بمكة، فأخبره بما «٣» صنع أهل العراق ودعنى فإنّى مقتول. فقال: لا أخبر قريشا عنك أبدا، ولكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة،

стр. 7735

أو الحق بأمير المؤمنين. فقال مصعب: لا تتحدث قريش أنى فررت. وقال لابنه عيسى: تقدّم إذا أحتسبك. فتقدّم ومعه ناس، فقتل، وقتلوا، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى، فحمل عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناس فانفرجوا له، وعاد، ثم حمل ثانية فانفرجوا له، وبذل له عبد الملك الأمان، وقال: إنه يعزّ علىّ أن تقتل، فاقبل أمانى. ولك حكمك فى المال والعمل، فأبى، فقال عبد الملك: هذا والله كما قال القائل «١» : ومدجّج كره الكماة نزاله ... لاممعن هربا ولا مستسلم «٢» ودخل مصعب سرادقه فتحنّط ورمى السرادق، وخرج فقاتل، فأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة فقال: يا كلب، اغرب، مثلى يبارز مثلك! وحمل عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فذهب «٣» يعصب رأسه، وترك الناس مصعبا وخذلوه حتى بقى فى سبعة أنفس، وأثخن بالرمى، وكثرت فيه الجراحات، فعاد إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فضربه مصعب، فلم يصنع شيئا لضعفه، وضربه ابن ظبيان فقتله. وقيل: بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفى فحمل عليه، فطعنه فقال: يالثارات المختار! فصرعه وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه وحمله إلى عبد الملك، فألقاه بين يديه وأنشد «٤» : نعاطى «٥» الملوك الحقّ ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم

стр. 7736

فلما رأى عبد الملك الرأس سجد، فقال ابن ظبيان: لقد هممت أن أقتل عبد الملك وهو ساجد فأكون قد قتلت ملكى العرب، وأرحت الناس منهما، وفى ذلك يقول «١» : هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... فعلت فأدمنت البكا لأقاربه فأوردتها فى النار بكر بن وائل ... وألحقت من قد خرّ شكرا بصاحبه وقال عبد الملك: لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس. وأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار، فقال: لم أقتله على طاعتك، وإنما قتلته بأخى النابى بن زياد، ولم يأخذ منها شيئا. وكان النابى قد قطع الطريق فقتله مطرّف الباهلى صاحب شرطة مصعب. وكان قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا، وقال: كانت الحرمة بيننا [وبينه] «٢» قديمة، ولكن [هذا] «٣» الملك عقيم. قال: ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه، وسار حتى دخل الكوفة، فأقام بالنّخيلة» أربعين يوما، وخطب الناس بالكوفة، فوعد المحسن وتوعّد المسىء، وقال: إن الجامعة التى وضعت فى عنق عمرو بن سعيد عندى، وو الله لا أضعها فى عنق رجل فأنتزعها إلّا صعدا لا أفكّها عنه فكّا، فلا يبقينّ امرؤ إلّا على نفسه، ولا يوبقنى دمه. والسلام.

стр. 7737

قال عبد الملك بن عمير: كنت مع عبد الملك بقصر الكوفة حين جىء برأس مصعب فوضعت بين يديه، فرآنى قد ارتعدت، فقال لى: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين رضى الله عنه بين يديه، ثم كنت فيه مع المختار بن أبى عبيد فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم كنت مع مصعب فيه فرأيت رأس المختار بين يديه، ثم رأيت رأس مصعب فيه بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك، وأمر بهدم ذلك الطاق الذى كنّا فيه، وقال عبد الملك ابن مروان: متى تخلف قريش مثل المصعب! ثم قال: هذا سيّد شباب قريش. فقيل له: أكان يشرب الطّلا «١» ؟ فقال: لو علم المصعب أنّ الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا. قال: وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال: رحمك الله، أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدهم بأسا، وأسخاهم نفسا. ثم سيّره إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به فى نواحى الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، فغسلته وطيبته ودفنته، وقالت: أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن! هذا بغى. وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة. ولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر؟

стр. 7738

قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أمعه المهلّب؟ قيل: لا، استعمله على الخوارج. قال: أمعه عباد بن الحصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة. قال: وأنا بخراسان. وأنشد «١» : خذينى فجرّينى جعار وأبشرى ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره قال: ولما قتل مصعب كان المهلّب يحارب الأزارقة بسولاف «٢» ثمانية أشهر، فبلغ الأزارقة قتله قبل أن يبلغ المهلّب، فصاحوا بأصحاب المهلّب: ما قولكم فى مصعب؟ قالوا: أمير «٣» هدى؛ وهو وليّنا فى الدنيا والآخرة، ونحن أولياؤه. قالوا: فما قولكم فى عبد الملك بن مروان! قالوا: ذلك ابن اللّعين، نحن نبرأ إلى الله منه، وهو [عندنا] «٤» أحل دما منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعبا، وسيجعلون غدا عبد الملك إمامكم. فلما كان الغد سمع المهلّب وأصحابه قتل مصعب، فبايع المهلّب الناس لعبد الملك، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء الله، ما تقولون فى مصعب؟ قالوا: يا أعداء الله لا نخبركم. وكرهوا أن يكذّبوا أنفسهم. قالوا: فما قولكم فى عبد الملك؟ قالوا: خليفتنا. ولم يجدوا بدّا إذ بايعوه أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء الله؛ أنتم بالأمس تتبرّءون منه فى الدنيا والآخرة، وهو اليوم إمامكم، وقد قتل أميركم «٥»

стр. 7739

الذى كنتم تتولّونه «١» ، فأيّهما المهتدى؟ وأيّهما المبطل؟ قالوا: يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان يتولّى أمرنا ونرضى بهذا. قالوا: لا، والله، ولكنكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا. قال: ولم يف عبد الملك لأحد بأصبهان، واستعمل قطن بن عبد الله الحارثى على الكوفة، ثم عزله، واستعمل أخاه بشر بن مروان. واستعمل محمد بن عمير «٢» على همذان، ويزيد بن ورقاء بن رؤيم على الرىّ، واستعمل خالد بن عبد الله بن [خالد بن] «٣» أسيد على البصرة، وعاد إلى الشام. ذكر خبر عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث وما كان بينهما من القتال وانتظام الصّلح بينهما قد ذكرنا أن زفر بن الحارث لما فر من مرج راهط إلى قرقيسياء، واستولى عليها، وتحصّن بها، واجتمعت قيس عليه، وكان فى بيعة عبد الله بن الزبير وفى طاعته. فلما مات مروان بن الحكم وولى عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن أبى معيط، وهو على حمص، يأمره أن يسير إلى زفر، فسار إليه، وعلى مقدّمته عبد الله بن زميت الطائى، فواقع عبد الله زفر قبل وصول أبان فقتل من أصحابه ثلاثمائة، فلامه أبان على عجلته، وأقبل أبان فواقع زفر فقتل ابنه وكيع ابن زفر. فلما سار عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بدأ بقرقيسياء، فحضر زفر فيها، ونصب عليها المجانيق، فأمر زفر أن ينادى فى

стр. 7740

عسكر عبد الملك: لم نصبتم المجانيق علينا؟ فقالوا: لنثلم ثلمة نقاتلكم «١» عليها. فقال زفر: قولوا لهم: فإنا لانقاتلكم من وراء الحيطان، ولكنا نخرج إليكم. وقاتلهم زفر. وكان خالد بن يزيد بن معاوية مجدّا فى قتال زفر، فقال رجل من أصحابه من بنى كلاب: لأقولن لخالد كلاما لا يعود إلى ما يصنع. فلما كان الغد خرج خالد للمحاربة فقال له الكلابى: ماذا ابتغاء خالد وهمّه ... إذ سلب الملك و ... أمه فاستحيا وعاد، ولم يعد لقتالهم. وقالت كلب لعبد الملك: إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسيّة الذين معك، فلا تخلطهم معنا. ففعل. فكتبت القيسية على نبلها: إنه ليس يقاتلكم غدا مضرى، ورموا النّبل إلى زفر. فلما أصبح دعا ابنه الهذيل فقال: اخرج إليهم، فشدّ عليهم، ولا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك، وأقسم لئن رجع دون أن يفعل ذلك ليقتلنّه. فجمع الهذيل خيله، وحمل، فصبروا قليلا ثم انكشفوا، وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط، وقطعوا بعضها، ثم رجعوا. فقبّل زفر رأس ابنه الهذيل. فقال: والله لو شئت أن أدخل الفسطاط لفعلت. قال: وكان رجل من كلب يقال له الذيّال يخرج فيسبّ زفر فيكثر، فقال زفر للهذيل ابنه أو لبعض أصحابه: أما تكفينى هذا؟ قال: أنا آتيك به، فدخل عسكر عبد الملك ليلا، فجعل ينادى
следующие страницы →