← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

سرّا، وسار مطرّف حتى بلغ قمّ «١» وقاشان، وبعث عماله على تلك النواحى، وأتاه الناس. وكان ممّن أتاه سويد بن سرحان الثقفى، وبكير بن هارون النّخعى «٢» ، من الرىّ فى نحو مائة رجل، وكتب البراء بن قبيصة- وهو عامل الحجاج على أصفهان- إليه يعرّفه حال المطرّف ويستمدّه، فأمدّه بالرجال بعد الرجال على دوابّ البريد. وكتب الحجّاج إلى عدىّ بن زياد «٣» عامل الرىّ يأمره بقصد مطرّف، وأن يجتمع هو والبراء على محاربته، فسار عدىّ من الرّىّ واجتمع هو والبراء وعدى الأمير، واجتمعوا فى نحو ستة آلاف مقاتل. وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر، فأظهر قبول عذره، وأراد عزله وخاف أن يمتنع عليه، فكتب إلى قيس بن سعد العجلى، وهو على شرطة حمزة بعهده على همذان، ويأمره أن يقبض على حمزة ابن المغيرة؛ فسار قيس بن سعد إلى حمزة فى جماعة من عشيرته فأقرأه العهد بولايته، وكتاب الحجّاج بالقبض عليه، فقال: سمعا وطاعة. فقبض قيس عليه وسجنه، وسار عدىّ والبراء نحو مطرّف فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب مطرّف وقتل هو وجماعة كثيرة من أصحابه، قتله عمر «٤» بن هبيرة الفزارى، وكان الحجاج يقول: إن مطرّفا ليس بولد المغيرة بن شعبة، إنما هو

стр. 7807

ولد مصقلة بن هبيرة الشيبانى، وكان مصقلة والمغيرة يدّعيانه، فألحق بالمغيرة، وجلد مصقلة الحدّ، فلما أظهر رأى الخوارج قال الحجاج ذلك، لأنّ كثيرا من ربيعة كانوا خوارج «١» ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان. انتهت أخبار الخوارج فلنذكر الغزوات فى خلافة عبد الملك ذكر الغزوات والفتوحات فى أيام عبد الملك بن مروان على حكم السنين فى سنة [٧١ هـ] إحدى وسبعين افتتح عبد الملك قيساريّة فى قول الواقدى. وفى سنة [٧٣ هـ] ثلاث وسبعين غزا محمد بن مروان الروم صائفة، فهزمهم، وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو فى أربعة آلاف، والروم فى ستين ألفا، فهزمهم وأكثر فيهم القتل. وفى سنة [٧٤ هـ] أربع وسبعين غزا عبد الله بن أمية رتبيل «٢» من سجستان، وكان رتبيل هائبا للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بست «٣» راسله رتبيل فى طلب الصلح، وبذل ألف ألف، وبعث إليه بهدايا ورقيق، فأبى عبد الله قبول ذلك، وقال: إن ملأ لى هذا الرّواق ذهبا وإلّا فلا صلح، وكان غرّا، فخلّى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، وأخذ عليه الشّعاب والمضايق [وطلب أن يخلّى عنه

стр. 7808

وعن المسلمين] «١» ، ولا يأخذ منه شيئا، فأبى رتبيل وقال: يأخذ «٢» ثلاثمائة ألف درهم صلحا، ويكتب لنا بها كتابا، ولا يغزو بلادنا مادمت أميرا، ولا يحرق ولا يخرّب. ففعل، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله. وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة، وبلغ أندولية، وغزا أيضا فى سنة [٧٥ هـ] خمس وسبعين صائفة حتى خرجت الروم من قبل مرعش، وغزا أيضا فى سنة [٧٦ هـ] ست وسبعين من ناحية ملطية. وفى سنة [٧٧ هـ] سبع وسبعين غزا أميّة بن عبد الله ماوراء النهر فبلغ بخارى، وخالف عليه بكير بن وسّاج، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع لقتال بكر. وفيها غزا أميّة أيضا، وعبر نهر بلخ، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك، ورجعوا إلى مرو. وغزا الوليد بن عبد الملك الصائفة. ذكر غزو عبيد الله بن أبى بكرة رتبيل وفى سنة [٧٩ هـ] تسع وسبعين غزا عبيد الله بن أبى بكرة بلاد رتبيل، وكان الحجاج قد استعمله على سجستان، وكان رتبيل يؤدّى الخراج، وربما امتنع منه، فبعث الحجاج إلى عبيد الله [ابن أبى بكرة] «٣» يأمره بمناجزته، وألّا يرجع حتى يستبيح بلاده، ويهدم قلاعه، ويقتل «٤» رجاله.

стр. 7809

فسار عبيد الله فى أهل البصرة والكوفة، وعلى أهل الكوفة شريح ابن هانىء؛ فمضى عبيد الله حتى دخل بلاد رتبيل، فأصاب من الغنائم ما شاء، وهدم حصونا، وغلب على أرض من أراضيهم، وأصحاب رتبيل من الترك يخلون للمسلمين أرضا بعد أرض، حتى أمعنوا فى بلادهم، ودنوا من مدينتهم، وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخا، فأخذ الترك عليهم الشّعاب والعقاب «١» ، فصالحهم عبيد الله على سبعمائة ألف يوصلها إلى رتبيل ليمكّن المسلمين من الخروج، فلقيه شريح فقال: إنكم لا تصالحون «٢» ، على شىء إلّا حسبه السلطان من أعطياتكم، ثم قال: يأهل الإسلام، تعاونوا على عدوّكم، فقال له ابن أبى «٣» بكرة: إنك شيخ قد خرفت. فقال شريح: يأهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلىّ، فاتّبعه ناس من المطّوّعة «٤» غير كثير، وفرسان الناس، وأهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، وجعل شريح يرتجز ويقول «٥» : أصبحت ذابثّ أقاسى الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا ثمّث أدركت النبىّ المنذرا ... وبعده صدّيقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع فى صفّينهم والنّهرا هيهات ما أطول هذا العمرا «٦»

стр. 7810

وقاتل حتى قتل فى ناس من أصحابه، ونجا من نجا منهم، وخرجوا من بلاد رتبيل، فاستقبلهم الناس بالأطعمة، فكان أحدهم إذا أكل وشبع مات، فحذر الناس وجعلوا يطعمونهم [السمن] «١» قليلا قليلا حتى استمرءوا. وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم، وكان قد أصاب أهل الشام طاعون شديد فلم يغز تلك السنة أحد منهم. ذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل وما ملكه من بلاده كان مسيره فى سنة [٨٠ هـ] ثمانين؛ وذلك أنه لما رجع عبيد الله ابن أبى بكرة ومن معه من بلاد رتبيل على الحال التى ذكرنا كتب الحجاج إلى عبد الملك بخبرهم، ويخبره أنه قد جهّز من أهل الكوفة والبصرة جيشا كثيفا ويستأذنه فى إرساله إلى بلاد رتبيل، فأذن له فى ذلك، فجهّز من أهل الكوفة عشرين ألف فارس ومن أهل البصرة مثلها، وأنفق فيهم ألفى ألف سوى أعطياتهم، وأعطى كلّ رجل يوصف بشجاعة وغناء، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ولما أراد أن يبعثه على الجيش أتاه «٢» إسماعيل بن الأشعث، فقال: لا تبعثه، والله ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه طاعة، وإنى أخاف خلافه.

стр. 7811

فقال الحجاج: هو أهيب لى من أن يخالف أمرى. وسيّره على الجيش، فسار حتى قدم سجستان، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال: إن الحجاج ولّانى ثغركم، وأمرنى بجهاد عدوّكم الذى استباح بلادكم، فإياكم أن يتخلّف منكم أحد فتسمه «١» العقوبة. فعسكروا مع الناس، وساروا بأجمعهم، وبلغ الخبر رتبيل، فأرسل يعتذر ويبذل الخراج، فلم يقبل منه، وسار إليه، ودخل بلاده، فترك له رتبيل أرضا أرضا ورستاقا رستاقا وحصنا حصنا، وعبد الرحمن يحوى ذلك؛ وكلما حوى بلدا بعث إليه عاملا «٢» ، وجعل معه أعوانا، وجعل الأرصاد على العقاب والشّعاب، ووضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى حاز «٣» من أرضه أرضا عظيمة، وملأ الناس أيديهم من الغنائم العظيمة، ومنع الناس من التوغّل، وقال: نكتفى بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجيئها «٤» ونعرفها، ويجترى المسلمون على طرقها، وفى العام المقبل نأخذ ما رواءها إن شاء الله تعالى حتى نقاتلهم فى آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم فى أقصى بلادهم حتى يهلكهم الله تعالى. وكتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه وبما يريد. فكتب الحجاج إليه ينكر فعله، ويأمره بالمناجزة، فأدّى ذلك إلى خروج عبد الرحمن على الحجاج على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 7812

ذكر غزو المهلب بن أبى صفرة ما وراء النهر وفى سنة [٨٠ هـ] ثمانين قطع المهلّب نهر بلخ ونزل على كش «١» ، وكان الحجاج قد استعمله على خراسان حين ضمّها عبد الملك إلى عمله، فسار وعلى مقدمته أبو الأدهم «٢» الزمانى فى ثلاثة آلاف، وهم فى خمسة آلاف، ولما نزل المهلّب على كشّ أتاه ابن عم ملك للختّل «٣» فدعاه إلى غزو الختّل، فوجّه معه ابنه يزيد، وكان اسم ملك الختّل السّبل «٤» ، فسار يزيد وابن عمّ الملك حتى نازلوه، ونزل كلّ واحد منهما ناحية، فبيّت الملك ابن عمّه، وأخذه فقتله، فحصر يزيد القلعة، فصالحوه على فدية حملت إليه، ورجع يزيد عنهم. ووجّه المهلّب ابنه حبيبا، فوافى صاحب بخارى فى أربعين ألفا، فنزل جماعة من العدوّ قرية، فسار إليهم حبيب فى أربعة آلاف فقتلهم وأحرق القرية فسبّت المحترقة. ورجع حبيب إلى أبيه، وأقام المهلّب بكشّ سنتين، فقيل له: لو تقدّمت إلى ما وراء ذلك! فقال: ليت حظّى من هذه الغزوة سلامة هذا الجند، وعودهم سالمين، ثم صالح أهل كشّ على فدية يأخذها منهم.

стр. 7813

وفى سنة [٨١ هـ] إحدى وثمانين سيّر عبد الملك ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا «١» . ذكر دخول الديلم قزوين وقتلهم كانت قزوين ثغرا للمسلمين من ناحية الدّيلم، فكانت العساكر لا تبرح مرابطة بها، يتحارسون ليلا ونهارا، فلما كان فى سنة [٨١ هـ] إحدى وثمانين كان فى جملة «٢» من رابط بها محمد ابن أبى سبرة الجعفى، وكان فارسا شجاعا، فرأى الناس يتحارسون فلا ينامون الليل، فقال: أتخافون أن يدخل عليكم العدو مدينتكم؟ قالوا: نعم. قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا الأبواب، ولا بأس عليكم. ففتحوها، وبلغ ذلك الدّيلم، فساروا إليهم وبيّتوهم، وهجموا إلى البلد؛ فقال ابن أبى سبرة: أغلقوا أبواب المدينة علينا وعليهم، فقد أنصفونا، وقاتلوهم. فغلّقوا الأبواب وقاتلوهم، وأبلى ابن أبى سبرة بلاء عظيما، وظفر بهم المسلمون، فلم يفلت من الدّيلم أحد، واشتهر اسمه بذلك، ولم يقدم الدّيلم بعدها على مفارقة أرضهم، فصار محمد فارس ذلك الثغر المشار إليه. [والله أعلم بالصواب] «٣» .

стр. 7814

ذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس «١» وفى سنة [٨٤ هـ] أربع وثمانين فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك، فلما بلغه خروجه عن القلعة سار إليها وحاصرها. فملكها وما فيها من الأموال والذخائر، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد لها تعظيما، وفيها يقول كعب بن معدان الأشقرى، «٢» : وباذغيس التى من حلّ ذروتها ... عزّ الملوك فإن شاجار أو ظلما منيعة لم يكدها قبله ملك ... إلّا إذا واجهت جيشا له وجما تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ليلها عتما وهى أبيات عديدة. وقال أيضا يذكر يزيد [﵀] «٣» وفتحها «٤» : نفى نيزكا عن باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك اغتصابها محلّقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زلّ «٥» عنها سحابها ولا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطّير إلّا نسرها وعقابها وما خوّفت بالذّئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلّا النجوم كلابها

стр. 7815

ذكر فتح المصيصة وفى سنة [٨٤ هـ] أربع وثمانين أيضا غزا عبد الله بن عبد الملك الرّوم، ففتح المصّيصة «١» وبنى حصنها، وجعل فيها ثلاثمائة مقاتل من ذوى البأس، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، وبنى مسجدها. وغزا محمد بن مروان أرمينية. وفى سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين غزا المفضل بن المهلب باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه، فأصاب كلّ رجل ثمانمائة «٢» ، ثم غزا أخرون «٣» وشومان، فغنم وقسّم ما أصاب. وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية، فصاف فيها وشتا. انتهى ذكر الغزوات والفتوحات. ذكر الحوادث الكائنة فى أيام عبد الملك بن مروان منذ استقلّ بالأمر خلاف ما ذكرناه، وذلك على حكم السنين قد ذكرنا حوادث السنين فى أخبار عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما إلى أن قتل فى سنة [٧٣ هـ] ثلاث وسبعين، وذكرنا ما هو متعلّق بهذه الدولة الأموية فى أثناء أخبار عبد الملك، فلنذكر خلاف ذلك.

стр. 7816

سنة (٧٣ هـ) ثلاث وسبعين: ذكر ولاية محمد بن مروان الجزيرة وأرمينية فى هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة، وكانت بحيرة أرمينية مباحة لم يعرض لها أحد، بل يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليه من يأخذه ويبيعه ويأخذ ثمنه، ثم صارت بعده لابنه مروان، واستمرّ ذلك بعده. وفيها عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة، واستعمل عليها أخاه بشر بن مروان، فاجتمع له المصران: الكوفة، والبصرة، فسار بشر إلى البصرة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث. وحجّ بالناس فى هذه السنة الحجاج وهو على مكّة واليمن واليمامة، وكان على قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام ابن هبيرة، وكان على خراسان بكير بن وسّاج «١» . وفيها مات عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما بمكة وكان سبب وفاته أن الحجاج أمر بعض أصحابه، فضرب ظهر قدمه بزجّ رمح مسموم، فمات منها، وعاده الحجاج فى مرضه، فقال: من فعل بك هذا؟ فقال: أنت، لأنك أمرت بحمل السلاح فى بلد لا يحلّ حمله فيه. وكانت وفاته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وكان عمره سبعا وثمانين سنة، ومات غيره من الصحابة رضى الله عنهم.

стр. 7817

سنة (٧٤ هـ) أربع وسبعون: فى هذه السنة عزل عبد الملك طارقا «١» عن المدينة، واستعمل عليها الحجاج، ففعل ما قدّمنا ذكره. وفيها استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولانى. وفيها استعمل عبد الملك أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد «٢» ، على خراسان، وعزل عنها بكير بن وسّاج، فسار أميّة إليها، فلقيه بحير «٣» بن ورقاء بنيسابور، وأخبره عن خراسان وما يحسن به طاعة أهلها، ورفع على بكير أموالا أخذها وحذره غدره «٤» ، وسار معه حتى قدم مرو، وكان أميّة كريما فلم يعرض لبكير ولا لعمّاله، وعرض عليه شرطته، فأبى فولّاها بحير بن ورقاء، ثم خيّر بكيرا أن يولّيه ما شاء من خراسان، فاختار طخارستان. قال: فتجهّز لها، فأنفق مالا كثيرا؛ فقال بحير لأمية: إن أتى طخارستان خلعك، وحذّره فلم يولّه. وفيها استعمل عبد الملك حسّان بن النعمان الغسّانى على إفريقية، وسيذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار إفريقية. وحجّ بالناس فى هذه السنة الحجاج بن يوسف. وفيها توفى بشر بن مروان بالبصرة، واستخلف قبل وفاته خالد ابن عبد الله بن خالد على البصرة، وكان خليفته على الكوفة عمرو

стр. 7818

ابن حريث؛ فكانوا على ذلك إلى أن قدم الحجاج بن يوسف الثقفى أميرا سنة [٧٥ هـ] خمس وسبعين . ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق وما فعله عند مقدمه وفى هذه السنة استعمل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفى على العراق دون خراسان وسجستان، وأرسل «١» إليه بعهده وهو بالمدينة، فسار فى اثنى عشر راكبا على النّجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار، فبدأ بالمسجد، فصعد المنبر وهو متلثّم بعمامة خزّ حمراء، فقال: علىّ بالناس، فحسبوه خارجيّا، فهمّوا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم، فاجتمع الناس وهو ساكت قد أطال السكوت، فتناول عمير بن ضابىء البرجمى حصى «٢» وقال: ألا أحصبه لكم! فقالوا: أمهل حتى ننظر. وقيل: إن الذى همّ بحصبه محمد بن عمير وقال: قاتله الله ما أعياه وأدمّه «٣» ، والله إنى لأحسب خبره كرؤياه «٤» . فلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده وهو لا يعقل، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن وجهه ونهض فقال: انا ابن جلا «٥» وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى أما والله إنى لأحمل الشر محمله، فآخذه «٦» بفعله، وأجزيه بمثله،

стр. 7819

وإنى لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنى لصاحبها، وإنى لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى ... قد شمرت عن ساقها تشميراه. هذا أوان الشدّ فاشتدّى زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم «١» ليس براعى إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم «٢» قد لفّها اللّيل يعصلبى «٣» ... أروع خرّاج من الدوى «٤» مهاجر ليس بأعرابى قد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحرب بكم فجدّوا والقوس فيها وتر عردّ «٥» ... مثل ذراع البكر أو أشدّ ليس أوان يكره الخلاط ... جاءت به والقلص الأعلاط «٦» يهوى هوى سابق الغطاط «٧» إنى والله يأهل العراق ما يقعقع لى بالشّنان «٨» ، ولا يغمز جانبى تغماز التين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتّشت عن تجربة، وجريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ «٩» : «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ

стр. 7820

فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» . فأنتم أولئك وأشباه أولئك. إنّ أمير المؤمنين عبد الملك نثر «١» كنانته فعجم «٢» عيدانها عودا عودا، فوجدنى أمرّها عودا «٣» ، وأصلبها مكسرا، فوجّهنى إليكم، ورمى بى فى نحوركم، فإنكم أهل بغى وخلاف وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم فى الشرّ، واضطجعتم فى الضلالة، وسننتم سنن الغىّ، فاستوثقوا «٤» واستقيموا، فو الله لأذيقنّكم الهوان ولأمرينّكم «٥» حتى تدرّوا، ولألحونّكم لحو العود، ولأعصبنّكم عصب السّلم «٦» ، حتى تذلّوا، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا، ولأقرعنّكم قرع المروة حتى تلينوا. إنى والله ما أعد إلّا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق «٧» إلّا فريت، فإياى وهذه الجماعات، فلا يركبنّ رجل إلّا وحده، أقسم بالله لتقبلنّ على الإنصاف، ولتدعنّ الإرجاف، وقيلا وقالا، وما يقول فلان، وأخبرنى فلان، أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا فى جسده، فيم أنتم وذاك، والله لتستقيمنّ على الحقّ أو لأضربنّكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى، وحتى تذروا السّمّهى «٨» وتقلعوا

стр. 7821

عن هاوها «١» ، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ماجبى فىء ولا قوتل عدوّ، ولعطّلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرها ما غزوا طوعا، ولقد بلغنى رفضكم المهلّب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإنى أقسم بالله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثالثة «٢» إلّا ضربت عنقه، وأنهبت داره. ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرىء، فلما قال القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين: سلام عليكم، فإنى أحمد الله إليكم- فلم يقل أحد شيئا، فقال: اكفف، ثم قال: يا عبيد العصا، يسلّم عليكم أمير المؤمنين فلا يردّ رادّ منكم السلام. هذا أدب ابن نهيّة «٣» ، أدّبكم به، والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمنّ. ثم قال، للقارىء: اقرأ. فلما بلغ سلام عليكم قالوا بأجمعهم: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله. ثم نزل ودخل منزله، ودعا العرفاء وقال: ألحقوا الناس بالمهلّب، وائتونى بالبراءات بموافاتهم، ولا تغلقنّ أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضى هذه المدة. قال: فلما كان فى اليوم الثالث سمع تكبيرا فى السوق، فخرج وجلس على المنبر، فقال: يأهل العراق، يأهل الشقاق والنّفاق

стр. 7822

ومساوىء الأخلاق، إنى سمعت تكبيرا ليس بالتّكبير الذى يراد به وجه الله، ولكنه التكبير الذى يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف «١» ، يا بنى اللّكيعة «٢» ، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، ألا يربع رجل منكم على ظلعه «٣» ويحسن حقن دمه، ويعرف «٤» موضع قدمه، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها. فقام إليه عمير بن ضابىء الحنظلى «٥» التميمى، فقال: أصلح الله الأمير، أنا فى هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل، وابنى هذا هو أقوى منى على الأسفار أفتقبله منّى بديلا؟ فقال: نفعل. ثم قال: ومن أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابىء. قال: أسمعت كلامنا بالأمس! قال: نعم. قال: ألست الذى غزا عثمان بن عفّان؟ قال: بلى. قال: يا عدوّ الله، أفلا بعثت بديلا إلى أمير المؤمنين، وما حملك على ذلك؟ قال: إنه حبس أبى، وكان شيخا كبيرا. قال: أولست القائل «٦» : هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله إنى لأحسب أنّ فى قتلك صلاح المصرين، وأمر به فضربت رقبته، وأنهب ماله، وأمر مناديا فنادى: ألا إنّ عمير بن ضابىء أتى

стр. 7823

بعد ثالثة «١» ، وكان قد سمع النداء، فأمرنا بقتله، ألا وإن ذمّة الله بريئة ممّن بات الليلة من جند المهلب. فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرج العرفاء إلى المهلّب وهو برامهرمز، فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلّب: قدم العراق اليوم رجل ذكر، اليوم فويل «٢» العدو. وقال: ولما قتل الحجاج عميرا لقى إبراهيم بن عامر الأسدى عبد الله بن الزّبير «٣» [رضى الله عنهما] «٤» فى السوق، فسأله عن الخبر، فقال «٥» : أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا تجهّز فأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا فى المهالك مذهبا تخير فإمّا أن تزور ابن ضابىء ... عميرا وإما أن تزور المهلّبا هما خطّتا خسف «٦» نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثلج «٧» أشهبا فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السّوق أو هى أقربا

стр. 7824

قال: وكان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلّف عن الوجه الذى يكتب إليه. قال الشعبى: كان الرجل إذا أخلّ بوجهه الذى يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلىّ رضى الله عنهم نزعت عمامته ويقام للناس، ويشهر أمره، فلما ولى مصعب قال: ما هذا بشىء، وأضاف إليه حلق الرءوس واللّحى، فلما ولى بشر بن مروان زاد فيه، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّر فى يديه مسماران فى حائط، فربما مات، وربما خرق المسمار يده، فسلم. فلما ولى الحجاج قال: كلّ هذا لعب، أضرب عنق من يخلّ «١» بمكانه من الثغر. قال: وكان قدوم الحجاج فى شهر رمضان، فوجّه الحكم بن أيوب الثقفى على البصرة أميرا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله، فبلغ الخبر خالدا فخرج عن البصرة فنزل الجلحاء «٢» وشيّعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف.

стр. 7825

ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج قال: ثم خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعّد من رآه منهم بعد ثالثة «١» ، ولم يلحق بالمهلّب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكرى وكان به فتق، فقال: أصلح الله الأمير، إن بى فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرنى، وهذا عطائى مردود فى بيت المال، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلّا لحق به. ثم سار الحجاج إلى رستقباذ «٢» ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، وقال حين نزل بها: يأهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله عدوّكم، هؤلاء الخوارج المطلين عليكم. ثم خطب يوما فقال: إن الزيادة التى زادكم إياها ابن الزبير إنما هى زيادة ملحد فاسق منافق، ولسنا نجيزها- وكان مصعب قد زاد الناس فى العطاء مائة مائة- فقال عبد الله بن الجارود: إنها ليست زيادة ابن الزبير، إنما هى زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر.

стр. 7826

فقال له الحجاج: ما أنت والكلام! لتحسننّ حمل رأسك أو لأسلبتّك إيّاه. فقال: ولم؟ إنى لك لناصح، وإن هذا لقول من ورائى. فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فردّ عليه ابن الجارود مثل رده الأول، فقام مصقلة بن كرب العبدى، فقال: إنه ليس للرعيّة أن تردّ على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة فيما أحبّ «١» وكرهنا. فسبّه ابن الجارود وقام فأتاه وجوه الناس فصوّبوا رأيه وقوله، وقال الهذيل بن عمران البرجمى وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعى وغيرهما: نحن معك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كافّ حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلمّ نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك أن يولّى علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج. فبايعه الناس سرّا، وأعطوه المواثيق على الوفاء، وبلغ الحجاج ما هم فيه، فأحرز بيت المال. فلما تمّ لهم أمرهم أظهروه، وذلك فى شهر ربيع الآخر سنة [٧٦ هـ] ست وسبعين، واجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج إلّا خاصّته وأهل بيته، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمّام أعين «٢» إلى ابن الجارود يستدعيه، فقال: لا كرامة لابن أبى رغال «٣» ، ولكن ليخرج عنّا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه. قال أعين:

стр. 7827

فإنه يقول لك: أتطيب نفسا بقتلك وقتل بيتك وعشيرتك! والذى نفسى بيده لئن لم تأت لأدعنّ قومك وأهلك خاصة حديثا للغابرين. وكان الحجاج قد حمّل أعين هذه الرسالة؛ فقال ابن الجارود: لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة، وأمر فوجىء فى عنقه، وأخرج. وأقبل ابن الجارود بالناس زحفا نحو الحجّاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه. فلما صاروا إليه نهبوا ما فى فسطاطه. وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابّه، وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير، وجاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخى سهيل بن عمرو. ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه. فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خوفا من محاربة الخليفة، فجعل الغضبان ابن القبعثرى الشيبانى يقول لابن الجارود: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك. أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره، ولتضعفنّ منّتكم «١» . فقال: قد قرب المساء. ولكنا نعاجله بالغداة، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن، وزياد بن عمرو العتكى، وكان زياد على شرطته بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد ارفضّ أكثر الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك. فقال عثمان بن قطن الحارثى: لكنى لا أرى ذلك، إنّ أمير المؤمنين

стр. 7828

قد شركك فى أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلّطك، فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولّاك الله شرف ذلك وسناءه، وولّاك أمير المؤمنين العراقين، فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذى أنت فيه من السلطان أبدا، ولكنى أرى أن نمشى بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما. فقال له الحجاج: الرّأى ما رأيت، وحفظ «١» هذه لعثمان، وحقدها على زياد، وجاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال: إنى قد أخذت لك أمانا من الناس، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: والله لا أؤمّنهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم. ومرّ عباد بن الحصين الحبطى «٢» بابن الجارود وابن الهذيل وابن حكيم وهم يتناجون، فقال: أشركونا فى نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل فى نجوانا أحد من الحبط، فغضب وسار إلى الحجاج فى مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالى من تخلّف بعدك. وأتاه قتيبة بن مسلم فى قومه من بنى أعصر، وكان الحجاج قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأنّ، ثم جاءه سبرة بن على الكلابى، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدى، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول: إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك. فقال: أقم وثبّط الناس عنى. فلما اجتمع للحجاج عدد «٣» يمنع بمثلهم خرج، وعبّأ أصحابه،

стр. 7829

وتلاحق الناس به، فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف، فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأى؟ قال: تركت الرأى أمس حين قال لك الغضبان: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك. وقد ذهب الرأى وبقى الصبر. فحرّض ابن الجارود الناس، وزحف بهم وعلى ميمنته الهذيل ابن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وتقدم الحجاج وعلى ميمنته قتيبة بن مسلم، ويقال عبّاد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن الجارود فى أصحابه حتى جاوز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ساعة وعاد ابن الجارود بظفر، فأتاه سهم غرب «١» فقتله، ونادى منادى الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر ألّا يتبع المنهزمون. فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فأتى سعيد [ابن عباد الجلندى الأزدى بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فاحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه] «٢» بنصف بطيخة مسمومة، وقال: هذا أوّل شىء جاءنا منه، وقد أكلت نصف هذه، وبعثت إليك بنصفها، فأكلها عبيد الله فأحسّ بالشر، فقال: أردت أن أقتله فقتلنى. قال: وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر من وجوه أصحابه إلى المهلب، فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف. وحبس الحجاج عبيد بن كعب النميرى ومحمد بن [عمير بن] «٣»

стр. 7830

عطارد، فإنه كان قد بعث إلى كلّ منهما يقول: هلمّ إلىّ فامنعنى، فقال: إن أتيتنى منعتك. وحبس الغضبان وقال: أنت القائل: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك! فقال: ما نفعت من قيلت له ولا ضرّت من قيلت فيه! فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه. ذكر ما كلم به الحجاج أنس بن مالك رضى الله عنه وشكواه إياه وما كتب به عبد الملك من الإنكار على الحجاج وسبّه بسببه قال: كان عبد الله بن أنس بن مالك الأنصارى رضى الله عنه ممن قتل مع ابن الجارود، فلما دخل الحجاج البصرة أخذ ماله، فدخل عليه أنس بن مالك رضى الله عنه، فحين رآه الحجاج قال له: لا مرحبا ولا أهلا، إيه يا خبثة «١» ؛ شيخ ضلالة، جوّال فى الفتن، مرّة مع أبى تراب، ومرّة مع ابن الزّبير، ومرّة مع ابن الجارود؛ أما والله لأجردنّك جرد القضيب، ولأعصبنّك عصب السّلمة، ولأقلعنّك قلع الصّمغة. فقال أنس: من يعنى الأمير؟ فقال: إياك أعنى، أصمّ الله صداك. فرجع أنس، فكتب إلى عبد الملك كتابا يشكو فيه الحجاج وما صنع به. فكتب عبد الملك إلى الحجّاج: أما بعد يابن أمّ الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فغلوت فيها حتى عدوت طورك، وتجاوزت قدرك، يابن المستفرمة بعجم الزبيب «٢» لأغمزنّك غمزة كبعض

стр. 7831

غمزات الليوث «١» الثعالب، ولأخبطنّك خبطة تودّ لها لو أنك رجعت فى مخرجك من بطن أمك. أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحفرون الآبار بأيديهم فى أوديتهم ومياههم؛ أم نسيت حال آبائك فى اللؤم والدناءة فى المروءة والخلق. وقد بلغ أمير المؤمنين الذى كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظنّك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين فى أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك، فإن سوّغك ما كان منك مضيت عليه قدما، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين «٢» ، أصكّ «٣» الرجلين، ممسوح الجاعرتين «٤» ، ولولا أنّ أمير المؤمنين ظنّ أن الكاتب كثّر [فى الكتابة] «٥» عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتى بك أنسا فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، واعرف له حقّه وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصّرنّ فى شىء من حوائجه، ولا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدّم فيه إليك من أمر أنس وبرّه وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك، ويشمت بك عدوّك، والقه فى منزله متنصّلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك، إن شاء الله. والسلام.

стр. 7832

وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بنى مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك فقرأه، وأتى الحجاج بالكتاب فجعل يقرؤه ووجهه يتغيّر ويتمعّر «١» ، وجبينه يرشح عرقا، ثم قال «٢» : يغفر الله لأمير المؤمنين. ثم اجتمع بأنس فرحّب به الحجاج، وأدناه، واعتذر إليه، وقال: أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان وإذ بلغت منك ما بلغت أنى إليهم بالعقوبة أسرع. فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ منى الجهد، وقد زعمت أنّا الأشرار، وقد سمّانا الله الأنصار، وزعمت أنّا أهل النفاق، ونحن الذين تبوّءوا الدّار والإيمان، وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتنى ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرّم الله عليك منى، ولم يكن لى عليك قوة، فوكلتك إلى الله ثم إلى أمير المؤمنين، فحفظ من حقّى ما لم تحفظ، فو الله لو أنّ النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى ابن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقّه ما لم تعرف أنت من حقى، وقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين. وبعد فإن رأينا خيرا حمدنا الله عليه، وأثنينا، وإن رأينا غير ذلك صبرنا. والله المستعان. وردّ عليه الحجاج ما كان أخذ منه.

стр. 7833

ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله وولاية مجّاعة بن سعر «١» التميمى ووفاته وفى هذه السنة استعمل الحجاج على السند سعيد بن أسلم ابن زرعة، فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العلاقيان. فقتلاه وغلبا على البلاد، فأرسل الحجاج مجّاعة بن سعر التميمى إلى السند، فغلب على ذلك الثّغر، وغزا وفتح أماكن من قندابيل «٢» ، ومات مجّاعة بعد سنة بمكران «٣» . [والله أعلم] . «٤» ذكر خبر الزنج بالبصرة قال: كان الزنج قد اجتمعوا بفرات البصرة فى آخر أيام مصعب، ولم يكونوا بالكثير، فأفسدوا. فلما ولى خالد بن عبد الله البصرة كثروا، فشكا الناس إليه ما ينالهم منهم، فجمع لهم جيشا، فلما بلغهم ذلك تفرّقوا، وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم، فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرناه اجتمع من الزنج خلق كثير بالفرات، وجعلوا عليهم رجلا منهم اسمه رباح ويلقّب شيرزنجى «٥» يعنى أسد الزنج، [فأفسدوا] «٦» ، فأمر الحجاج زياد بن عمرو وهو على شرطة البصرة

стр. 7834

أن يرسل إليهم جيشا، فندب ابنه حفص بن زياد فقتلوه، وهزموا أصحابه، فسيّر إليهم جيشا آخر فهزم الزنج وقتلهم، واستقامت البصرة. وفى هذه السنة حجّ عبد الملك بالناس فخطب الناس بالمدينة، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإنى لست بالخليفة المستضعف- يعنى عثمان، ولا بالخليفة المداهن- يعنى معاوية، ولا بالخليفة المأفون «١» - يعنى يزيد، ألا وإنى لا أداوى هذه الأمّة إلّا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم، وإنكم تكلّفونا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم. وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلّا ضربت عنقه. ثم نزل. سنة (٧٦ هـ) ست وسبعين: ذكر ضرب الدنانير والدراهم الاسلامية وفى هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم الإسلامية، وهو أوّل من أحدث ضربها فى الإسلام؛ وكان سبب ذلك أنه كتب فى صدور الكتب إلى الروم: قل هو الله أحد. وذكر النبىّ ﷺ مع التاريخ. فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم هذا فاتركوه، وإلا أتاكم فى دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون. فعظم ذلك على عبد الملك، واستشار خالد بن يزيد بن معاوية، فقال: حرّم دنانيرهم، واضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالى.

стр. 7835

فضرب الدنانير والدراهم ونقش عليها: قل هو الله أحد. فكره الناس ذلك لمكان القرآن؛ لأن الجنب والحائض تمسّها «١» ، ثم ضربها الحجاج. وقد قيل: إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله، ثم كسرت بعد ذلك فى أيام عبد الملك. والصحيح أنّ عبد الملك أول من ضرب الدنانير والدراهم فى الإسلام. *** وفيها استعمل عبد الملك أبان بن عثمان على المدينة. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان. وحجّ بالناس فى هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير «٢» المدينة، وكان على العرق الحجاج، وعلى خراسان أميّة بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى. سنة سبع وسبعين: ذكر مقتل بكير بن وساج وفى هذه السنة قتل أميّة بن عبد الله أمير خراسان بكير بن وسّاج «٣» ، وسبب ذلك أن أمية أمر بكيرا أن يتجهّز لغزو ما وراء النّهر، فتجهّز وأنفق نفقة كبيرة، فقال بحير بن ورقاء لأمية: إن صار بينك وبينه النّهر خلع الخليفة. فأرسل إليه أميّة يقول: أقم لعلّى أغزو فتكون معى، فغضب بكير، وكان قبل ذلك قد ولّاه طخارستان، وأنفق

стр. 7836

نفقة عظيمة، فحذّره بحير منه فمنعه منها، ثم إن أمية تجهّز للغزو إلى بخارى وتجهّز معه الناس، وفيهم بكير بن وسّاج، فلما بلغوا النّهر وأرادوا قطعه قال أمية لبكير: إنى قد استخلفت ابنى على خراسان وأخاف أنه لا يضبطها، لأنه غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها، فقد ولّيتكها، فقم بأمر ابنى. فانتخب بكير فرسانا كان قد عرفهم ووثق بهم، ورجع. ومضى أميّة إلى بخارى فقال عقاب «١» الغدانى لبكير: إنّا طلبنا أميرا من قريش، فجاءنا أمير يلعب بنا، يحوّلنا من سجن إلى سجن، وإنى أرى أن نحرق هذه السفن، ونمضى إلى مرو، ونخلع أمية ونقيم بمرو، نأكلها إلى يوم ما، ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبرى على هذا، فقال بكير: أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معى. قال: إن هلك هؤلاء أنا آتيك من أهل مرو بما شئت. قال: يهلك المسلمون. قال: إنما يكفيك أن ينادى مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفا أسمع من هؤلاء وأطوع. قال: فيهلك أميّة ومن معه. قال: ولم يهلكون ولهم عدد وعدّة ونجدة وسلاح ظاهر، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين. فأحرق بكير السفن، ورجع إلى مرو، فحبس ابن أميّة وخلع أمية، وبلغ أمية الخبر، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع وأمر «٢» باتخاذ السفن، وعبر، وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرة بعد أخرى، وأنه كافأه بالعصيان.

стр. 7837

وسار إلى مرو، وأرسل شمّاس بن دثار فى ثمانمائة، فسار بكير إليهم، فانهزم شمّاس، وأمر أصحابه ألّا يقتلوا منهم أحدا، فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم. وقدم أميّة فتلقّاه شماس، فقدم ثابت ابن قطبة فلقيه بكير فأسره، وفرّق جمعه، ثم أطلقه ليد كانت لثابت عنده. وأقبل أميّة وقاتله بكير فكان بينهم وقعات فى أيام، فانكشف أصحاب بكير فى بعضها، فاتبعه حريث بن قطبة حتى بلغ القنطرة وناداه إلى أين يا بكير! فرجع فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر، وعضّ السيف برأسه فقطع فصرع، واحتمله أصحابه فأدخلوه البلد. وكان أصحاب بكير يفدون «١» فى الثياب المصبّغة فيجلسون يتحدثون. وينادى مناديهم من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله، فلا يرميهم أحد. وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلح؛ وأحبّ ذلك أيضا أصحاب أميّة، فاصطلحوا على أن يقضى عنه أمية أربعمائة ألف، ويصل أصحابه ويوليه أىّ كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه ريب فهو آمن أربعين يوما. ودخل أمية مدينة مرو، ووفى لبكير، وعاد إلى ما كان من الكرامة «٢» ، وأعطى أمية عقابا «٣» عشرين ألفا، وكان أمية سهلا

стр. 7838

ليّنا سخيّا، وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان، وكان فيه زهد «١» . وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولّاها عطاء بن أبى السائب، وطالب أميّة الناس بالخراج واشتدّ عليهم، فجلس بكير فى المسجد وعنده الناس، فذكروا شدّة أمية فذمّوه وبحير، وضرار بن حصن «٢» ، وعبد «٣» العزيز بن جارية بن قدامة فى المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أميّة فكذّبه، فادّعى شهادة هؤلاء، فشهد مزاحم بن أبى المجشّر السلمى أنه كان يمزح، فتركه أميّة، ثم إن بحيرا أتى أميّة وقال: والله إن بكيرا قد دعانى إلى خلعك، وقال: لولا مكانك لقتلت هذا القرشى، وأكلت خراسان. فلم يصدّقه أمية، فاستشهد جماعة ذكر بكير أنهم أعداؤه. فقبض أمية على بكير وعلى ابنى أخيه: بدل، وشمردل، ثم أمر بعض الرؤساء بقتل بكير، فامتنعوا فأمر بحيرا بقتله فقتله، وقتل أمية ابنى أخى بكير. وحجّ بالناس فى هذه السنة أبان بن عثمان. وفيها مات جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصارى. سنة (٧٨ هـ) ثمان وسبعين) فى هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أميّة بن عبد الله عن خراسان وسجستان؛ وضمهما إلى أعمال الحجاج، فاستعمل

стр. 7839

الحجاج المهلّب بن أبى صفرة على خراسان وعبيد «١» الله بن أبى بكرة على سجستان، فبعث المهلب ابنه حبيبا إلى خراسان، فلما ودّع الحجاج أعطاه بغلة خضراء، فسار عليها وأصحابه على البريد، فوصل خراسان فى عشرين يوما، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب، فنفرت البغلة فعجبوا من نفارها بعد ذلك التعب وشدّة السير، ولم يعرض لأمية ولا لعماله، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلّب فى سنة [٧٩ هـ] تسع وسبعين. وحجّ بالناس [فى هذه السنة] «٢» أبان بن عثمان «٣» ، وكان العمال من ذكرنا، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس. سنة (٧٩ هـ) تسع وسبعين: فى هذه السنة استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجّاج، واستعمل على القضا، أبا بردة بن أبى موسى. وحجّ بالناس أبان بن عثمان وهو أمير المدينة. سنة (٨٠ هـ) ثمانين: فى هذه السنة حجّ بالناس أبان بن عثمان، وفيها توفى أبو إدريس الخولانى، وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب. وقيل سنة [٨٤ هـ] أربع وثمانين، وقيل سنة خمس. وقيل سنة ستّ. وقيل سنة تسعين. والله أعلم.

стр. 7840

وفيها توفى محمد بن على بن أبى طالب [رضى الله عنهما] «١» ، وهو ابن الحنفيّة، ومات جماعة من الصحابة رضى الله [تعالى] «٢» عنهم [أجمعين] «٣» . سنة (٨١ هـ) احدى وثمانين: ذكر مقتل بحير بن ورقاء [بشر القاتل بالقتل لأنه كان سببا وباعثا لقتل بكير بن وساج] «٤» فى هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصّريمى. وكان سبب قتله أنه لما قتل بكير بن وسّاج وكلاهما كان تميميا- قال عثمان بن رجاء ابن جابر أحد بنى «٥» عوف بن سعد من الأبناء، والأبناء عدة بطون من تميم، يحرّض «٦» بعض آل بكير من الأبناء على الطلب بثأره «٧» : العمرى لقد أغضيت عينا على القذى ... وبتّ بطينا من رحيق مروّق «٨» وخلّيت «٩» ثأرا طلّ واخترت نومة ... ومن شرب «١٠» الصّهباء بالوتر يسبق فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة ... تركت بحيرا فى دم مترقرق

стр. 7841

فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا ... ببكر «١» فعوف أهل شاء حبلّق «٢» دع «٣» الضّأن يوما قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثا بين غرب ومشرق وهبّوا فلو أمسى «٤» بكير كعهده ... لغاداهمو زحفا بجأواء فيلق «٥» وقال أيضا «٦» : فلو كان بكر بارزا فى أداته ... وذى العرش لم يقدم عليه بحير ففى الدهر إن أبقانى الدّهر مطلب ... وفى الله طلّاب بذاك جدير فبلغ بحيرا أن رهط بكير من الأبناء يتوعّدونه، فقال «٧» : توعّدنى الأبناء جهلا كأنّما ... يرون فنائى مقفرا من بنى كعب

стр. 7842

رفعت له كفّى بعضب «١» مهنّد ... حسام كلون الملح «٢» ذى رونق عضب فتعاقد سبعة «٣» عشر من بنى عوف على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له شمردل «٤» من البادية حتى قدم خراسان، فرأى بحيرا واقفا، فحمل عليه فطعنه فصرعه، وظنّ أنه قتله، وركض، فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل. وخرج صعصعة بن حرب العوفى من البادية، ومضى إلى سجستان، فجاور قرابة لبحير مدة، وادّعى أنه من بنى حنيفة من اليمامة، وأطال مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لى بخراسان ميراثا فاكتبوا لى إلى بحير كتابا ليعيننى على حقّى. فكتبوا له، وسار فقدم على بحير فأخبره أنّه من من بنى حنيفة وأنّ له مالا بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ليبيعه «٥» ويعود إلى اليمامة. فأنزله بحير، وأمر له بنفقة، ووعده المساعدة. وكان بحير قد حذر، فلما قال له: إنه من بنى حنيفة أمنه، وكان إذ ذاك فى الغزو مع المهلب. فقال له: أقيم معك حتى ترجع إلى مرو، فأقام شهرا يحضر معه باب المهلّب، فجاء صعصعة يوما وبحير عند باب المهلب وعليه قميص ورداء، فقعد خلفه، ودنا منه كأنه يكلّمه، فوجأه بخنجر معه فى خاصرته، فغيّبه فى جوفه. ونادى يالثارات بكير! فأخذ وأتى به المهلب، فقال له: بؤسا لك!

стр. 7843

ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك، وما على بحير بأس! فقال: لقد طعنته طعنة لو قسّمت بين الناس لماتوا. ولقد وجدت ريح بطنه فى يدى. فحبسه المهلّب، ومات بحير من الغد، فقال صعصعة: اصنعوا الآن ما شئتم، أليس قد خلت خدور «١» نساء بنى عوف، وأدركت بثأرى. والله لقد أمكننى منه [ما صنعت] «٢» خاليا غير مرة، فكرهت أن أقتله سرّا. فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا، وأمر بقتله، فقتل. وقيل: إنه بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله، وغضبت عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما أخذ بثأره، فنازعتهم مقاعس والبطون، وكلّهم بطون من تميم، حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجا: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير [بواء] «٣» ببكير، فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة «٤» : لله درّ فتى تجاوز همّه ... دون العراق «٥» مفاوزا وبحورا ما زال يدئب «٦» نفسه وركابه ... حتى تناول فى الحزون «٧» بحيرا

стр. 7844

ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وما كان بينهما من الحروب كان ابتداء خلافه على الحجاج فى هذه السنة، واستمرت الوقائع التى نذكرها بينهما إلى سنة [٨٣ هـ] ثلاث وثمانين، وقد رأينا أن نجمع أخباره بجملتها فى هذا الموضع، ولا نقطعها بغيرها، ونميّز كل وقعة منها بتاريخها. وكان سبب خلافه أنّ الحجاج لما بعثه فى الجنود إلى بلاد رتبيل فى سنة [٨٠ هـ] ثمانين كما ذكرنا فى الغزوات، وملك ما ملك من من حصون رتبيل، واستولى على ما استولى عليه من بلاده، وأقام، وكتب إلى الحجاج يعرّفه أنه رأى ترك التوغّل فى بلاد رتبيل حتى يعرفوا طرقها ويجبوا خراجها. فلما ورد كتابه على الحجّاج كتب إليه: إنّ كتابك كتاب امرىء يحبّ الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، فامض إلى «١» ما أمرتك من الوغول فى أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم، ثم أردفه كتابا آخر [بنحو ذلك] «٢» ، وفيه: أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم. ثم كتب إليه كتابا ثالثا كذلك، ويقول: إن مضيت إلى ما أمرتك

стр. 7845

وإلّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم: أيها الناس، إنّى لكم ناصح ولصلاحكم محبّ، ولكم فى كل ما يحيط به نفعكم «١» ناظر، وقد كان رأيى فيما بينى وبين عدوى «٢» ما رضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج، فأتانى كتابه يعجّزنى ويضعّفنى ويأمرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدوّ، وهى البلاد التى هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم. فثار إليه الناس وقالوا: بل، نأبى على عدوّ الله، ولا نسمع له ولا نطيع. فكان أول من تكلم أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكنانى، وله صحبة، فقال- بعد حمد الله: أما بعد فإنّ الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول [إذ قال لأخيه] «٣» : احمل عبدك على الفرس، إن هلك هلك، وإن نجا فلك. إنّ الحجاج لا يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا «٤» كثيرة، ويغشى بكم اللهوب واللّصوب «٥» ، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة فى سلطانه؛
следующие страницы →