Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
فقل لبحير نم ولا تخش ثائرا ... ببكر «١» فعوف أهل شاء حبلّق «٢»
دع «٣» الضّأن يوما قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثا بين غرب ومشرق
وهبّوا فلو أمسى «٤» بكير كعهده ... لغاداهمو زحفا بجأواء فيلق «٥»
وقال أيضا «٦» :
فلو كان بكر بارزا فى أداته ... وذى العرش لم يقدم عليه بحير
ففى الدهر إن أبقانى الدّهر مطلب ... وفى الله طلّاب بذاك جدير
فبلغ بحيرا أن رهط بكير من الأبناء يتوعّدونه، فقال «٧» :
توعّدنى الأبناء جهلا كأنّما ... يرون فنائى مقفرا من بنى كعب
стр. 7842
رفعت له كفّى بعضب «١» مهنّد ... حسام كلون الملح «٢» ذى رونق عضب
فتعاقد سبعة «٣» عشر من بنى عوف على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له شمردل «٤» من البادية حتى قدم خراسان، فرأى بحيرا واقفا، فحمل عليه فطعنه فصرعه، وظنّ أنه قتله، وركض، فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل. وخرج صعصعة بن حرب العوفى من البادية، ومضى إلى سجستان، فجاور قرابة لبحير مدة، وادّعى أنه من بنى حنيفة من اليمامة، وأطال مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لى بخراسان ميراثا فاكتبوا لى إلى بحير كتابا ليعيننى على حقّى. فكتبوا له، وسار فقدم على بحير فأخبره أنّه من من بنى حنيفة وأنّ له مالا بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ليبيعه «٥» ويعود إلى اليمامة. فأنزله بحير، وأمر له بنفقة، ووعده المساعدة.
وكان بحير قد حذر، فلما قال له: إنه من بنى حنيفة أمنه، وكان إذ ذاك فى الغزو مع المهلب. فقال له: أقيم معك حتى ترجع إلى مرو، فأقام شهرا يحضر معه باب المهلّب، فجاء صعصعة يوما وبحير عند باب المهلب وعليه قميص ورداء، فقعد خلفه، ودنا منه كأنه يكلّمه، فوجأه بخنجر معه فى خاصرته، فغيّبه فى جوفه.
ونادى يالثارات بكير! فأخذ وأتى به المهلب، فقال له: بؤسا لك!
стр. 7843
ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك، وما على بحير بأس! فقال:
لقد طعنته طعنة لو قسّمت بين الناس لماتوا. ولقد وجدت ريح بطنه فى يدى.
فحبسه المهلّب، ومات بحير من الغد، فقال صعصعة: اصنعوا الآن ما شئتم، أليس قد خلت خدور «١» نساء بنى عوف، وأدركت بثأرى. والله لقد أمكننى منه [ما صنعت] «٢» خاليا غير مرة، فكرهت أن أقتله سرّا.
فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفسا بالموت من هذا، وأمر بقتله، فقتل.
وقيل: إنه بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله، وغضبت عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما أخذ بثأره، فنازعتهم مقاعس والبطون، وكلّهم بطون من تميم، حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجا: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير [بواء] «٣» ببكير، فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة «٤» :
لله درّ فتى تجاوز همّه ... دون العراق «٥» مفاوزا وبحورا
ما زال يدئب «٦» نفسه وركابه ... حتى تناول فى الحزون «٧» بحيرا
стр. 7844
ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث
على الحجاج وما كان بينهما من الحروب كان ابتداء خلافه على الحجاج فى هذه السنة، واستمرت الوقائع التى نذكرها بينهما إلى سنة [٨٣ هـ] ثلاث وثمانين، وقد رأينا أن نجمع أخباره بجملتها فى هذا الموضع، ولا نقطعها بغيرها، ونميّز كل وقعة منها بتاريخها.
وكان سبب خلافه أنّ الحجاج لما بعثه فى الجنود إلى بلاد رتبيل فى سنة [٨٠ هـ] ثمانين كما ذكرنا فى الغزوات، وملك ما ملك من من حصون رتبيل، واستولى على ما استولى عليه من بلاده، وأقام، وكتب إلى الحجاج يعرّفه أنه رأى ترك التوغّل فى بلاد رتبيل حتى يعرفوا طرقها ويجبوا خراجها.
فلما ورد كتابه على الحجّاج كتب إليه: إنّ كتابك كتاب امرىء يحبّ الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، فامض إلى «١» ما أمرتك من الوغول فى أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريّهم، ثم أردفه كتابا آخر [بنحو ذلك] «٢» ، وفيه:
أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم.
ثم كتب إليه كتابا ثالثا كذلك، ويقول: إن مضيت إلى ما أمرتك
стр. 7845
وإلّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم: أيها الناس، إنّى لكم ناصح ولصلاحكم محبّ، ولكم فى كل ما يحيط به نفعكم «١» ناظر، وقد كان رأيى فيما بينى وبين عدوى «٢» ما رضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج، فأتانى كتابه يعجّزنى ويضعّفنى ويأمرنى بتعجيل الوغول بكم فى أرض العدوّ، وهى البلاد التى هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضى إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم.
فثار إليه الناس وقالوا: بل، نأبى على عدوّ الله، ولا نسمع له ولا نطيع.
فكان أول من تكلم أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكنانى، وله صحبة، فقال- بعد حمد الله: أما بعد فإنّ الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول [إذ قال لأخيه] «٣» : احمل عبدك على الفرس، إن هلك هلك، وإن نجا فلك. إنّ الحجاج لا يبالى أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا «٤» كثيرة، ويغشى بكم اللهوب واللّصوب «٥» ، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة فى سلطانه؛
стр. 7846
وإن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالى عنتهم، ولا يبقى عليهم، اخلعوا عدوّ الله الحجاج، وبايعوا الأمير عبد الرحمن، فإنى أشهدكم أنّى أوّل خالع.
فنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدوّ الله.
وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعى ثانيا فتكلّم، وندب الناس إلى مبايعة عبد الرحمن، فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه من العراق، ولم يذكر عبد الملك، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه وعلى النّصرة له، فصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على رتبيل أبدا، وإن هزم فأراده منعه «١» .
ثم جعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشّيبانى وعلى زرنج «٢» عبد الله بن عامر التميمى، وعلى كرمان خرشة بن عمرو التميمى، ورجع إلى العراق، وجعل على مقدّمته عطية بن عمرو العنبرى.
فلما بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا:
إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس خلع عبد الملك تيجان «٣» ابن أبجر بن تيم الله بن ثعلبة «٤» ، قام فقال: أيها الناس، إنى خلعت
стр. 7847
أبا ذبّان «١» كخلعى خاتمى «٢» ، فخلعه الناس إلّا قليلا منهم، وبايعوا عبد الرحمن. وكانت بيعته يبايعون على كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ ، وعلى جهاد أهل الضّلالة، وخلعهم، وجهاد المحلّين.
فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بالخبر، ويسأله أن يعجّل بعثة الجنود إليه. وسار الحجاج حتى بلغ البصرة.
ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، ودعا خالد بن يزيد فأقرأه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من سجستان فلا تخفه، وإن كان من خراسان فإنى أتخوّف.
فجهّز عبد الملك الجند على البريد، فكانوا يصلون من مائة ومن خمسين وأقل من ذلك وأكثر، وسار الحجاج من البصرة إلى تستر «٣» ، وقدم مقدمته إلى دجيل، فلقوا خيلا لعبد الرحمن، فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتال، وذلك يوم الأضحى سنة [٨١ هـ] إحدى وثمانين، وقتل منهم جمع كثير.
فلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى البصرة وتبعه أصحاب عبد الرحمن، فقتلوا من أصحابه وأصابوا بعض أثقالهم. وأقبل الحجاج حتى نزل الزّاوية «٤» ، وجمع عنده الطعام، وفرّق فى الناس
стр. 7848
مائة وخمسين ألف درهم، وأقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة فبايعه جميع أهلها.
وكان السبب فى سرعة إجابتهم إلى بيعته أنّ عمّال الحجاج كتبوا إليه إنّ الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمّة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار.
فكتب إلى البصرة وغيرها: إن من كان له أصل فى قرية فليخرج إليها، فأخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون وينادون:
يا محمداه! يا محمداه! وجعل قرّاء البصرة يبكون.
فلما قدم ابن الأشعث إثر ذلك بايعوه على حرب الحجاج، وخلع عبد الملك؛ وخندق الحجاج على نفسه، وخندق عبد الرحمن على البصرة، وكان دخوله البصرة فى آخر ذى الحجة.
ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث وانهزام ابن الأشعث من البصرة إلى الكوفة
وفى المحرم سنة [٨٢ هـ] اثنتين وثمانين اقتتل عسكر الحجاج وعسكر ابن الأشعث قتالا شديدا، وكان بينهم عدّة وقعات، فلما كان آخر يوم من المحرم اشتدّ القتال، فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه، وقاتلوا على خنادقهم، ثم تزاحفوا فتقوّض أصحاب الحجاج، فجثا على ركبتيه، وقال: لله درّ مصعب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل، وعزم على أنه لا يفر.
فحمل سفيان بن الأبرد على ميمنة ابن الأشعث فهزمها، وانهزم
стр. 7849
أهل العراق، وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن، وقتل منهم خلق كثير، منهم: عقبة بن عبد الغافر الأزدى وجماعة من القرّاء.
ولما بلغ ابن الأشعث الكوفة تبعه أهل القوّة وأصحاب الخيل من البصرة، واجتمع من بقى بالبصرة مع عبد الرحمن بن عباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم الحجّاج خمس ليال أشدّ قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث ومعه «١» طائفة من أهل البصرة، وهذه الوقعة تسمّى وقعة الزّاوية.
وقتل الحجاج فى هذا اليوم بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان، أمر مناديا فنادى: الأمان لفلان وفلان، سمّى رجالا، فقال العامّة: قد أمن الناس، فحضروا عنده، فأمر بهم فقتلوا.
قال: وكان الحجّاج عند مسيره من الكوفة إلى البصرة استعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمى حليف بنى أميّة، فقصده مطر بن ناجية اليربوعى، فتحصّن منه ابن الحضرمىّ فى القصر، فوثب أهل الكوفة مع مطر، فأخرج ابن الحضرمى ومن معه من أهل الشام، وكانوا أربعة آلاف، واستولى مطر على القصر، واجتمع إليه الناس، ففرّق فيهم لكلّ إنسان مائتى درهم.
فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر، فخرج أهل الكوفة يستقبلونه، فدخل الكوفة، وقد سبق إليه همدان فكانوا حوله، فأتى القصر فمنعه مطر بن ناجية ومن معه من بنى تميم، فأصعد
стр. 7850
عبد الرحمن الناس فى السلاليم إلى القصر فأخذوه، وأتى عبد الرحمن بمطر فحبسه ثم أطلقه.
ذكر وقعة دير الجماجم
[وانهزام أصحاب ابن الأشعث وعود الحجاج إلى الكوفة] «١» كانت وقعة دير الجماجم «٢» فى شعبان سنة [٨٢ هـ] اثنتين وثمانين، وقيل: كانت فى سنة ثلاث وثمانين. والذى يقول: إنها فى سنة ثلاث يقول: كان نزولهم بدير الجماجم لليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة [٨٣ هـ] ثلاث وثمانين، والهزيمة لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة منها، فكانت مائة يوم وثلاثة أيام. والله أعلم.
وكان سبب هذه الوقعة أنّ الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن الأشعث، ونزل دير «٣» قرّة، وخرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم، واجتمع لعبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح والقراء، وكانوا مائة ألف ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم «٤» ، وجاءت الحجاج أمداد الشام قبل نزوله بدير قرّة، وخندق كلّ منهما على نفسه، وكان الناس يقتتلون كل يوم، ولا يزال أحدهما يدنى خندقه من الآخر.
فبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان- وكان محمد بأرض الموصل- فى جند كثيف إلى الحجاج، وأمرهما أن يعرضا
стр. 7851
على أهل العراق عزل الحجاج، وأن يجرى عليهم أعطياتهم، كما يجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن بن الأشعث أى بلد شاء من العراق، فإذا نزل كان واليا عليها مادام حيّا، وعبد الملك خليفة. فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنهم «١» ، وصار محمد بن مروان أمير العراق، وإن أبى أهل العراق ذلك فالحجاج أمير الجماعة ووالى «٢» القتال، ومحمد وعبد الله فى طاعته، فلم يأت الحجاج أمر قطّ كان أشدّ عليه ولا أوجع لقلبه منه، وخشى أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: والله لو «٣» أعطيت أهل العراق عزلى «٤» لم يلبثوا إلّا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلّا جراءة عليك، ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان ابن عفّان وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتمّ لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه؛ وإن الحديد بالحديد يفلح.
فأبى عبد الملك إلّا عرض عزله على أهل العراق، وقال: عزله أيسر من حرب أهل العراق، ويحقن الدماء.
فخرج عبد الله بن عبد الملك وقال: يأهل العراق، أنا ابن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا.
стр. 7852
وخرج محمد بن مروان، وقال: أنا رسول أمير المؤمنين، وهو يعرض عليكم كذا وكذا.
فقالوا: نرجع للعشيّة. ورجعوا، واجتمعوا عند ابن الأشعث، فقال لهم: قد أعطيتم أمرا انتهازكم إياه اليوم فرصة، وإنكم اليوم على النّصف؛ فإن كانوا اعتدّوا عليكم بيوم الزّاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرض عليكم، وأنتم أعزّاء أقوياء.
فوثبوا وقالوا: لا والله لا نقبل. وأعادوا خلع عبد الملك ثانيا؛ وكان أول من قام بخلعه بدير الجماجم عبد الله بن ذؤاب السلمى وعمير بن تيحان، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من الخلع بفارس.
فقال عبد الله ومحمد للحجاج: شأنك بعسكرك وجندك، واعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع، وكانا يسلمان عليه بالإمرة ويسلّم عليهما بالإمرة.
قال: ولما اجتمع أهل العراق على خلع عبد الملك قال ابن الأشعث:
ألا إنّ بنى مروان يعيّرون بالزّرقاء، والله ما لهم نسب أصحّ منه، إلّا أنّ بنى العاص «١» . أعلاج من أهل صفّورية «٢» ، فإن يكن هذا الأمر فى قريش فعنّى تقوّبت «٣» بيضة قريش، وإن يك فى العرب فأنا ابن الأشعث، ومدّ بها صوته حتى سمعه الناس.
стр. 7853
وبرزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمى، وعلى خيله سفيان ابن الأبرد الكلبى، وعلى رجاله عبد الله «١» بن حبيب الحكمى.
وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن جارية «٢» الخثعمى.
وعلى ميسرته الأبرد بن قرّة التميمى، وعلى خيله عبد الرحمن ابن العباس «٣» بن ربيعة الهاشمى، وعلى رجاله محمد بن سعد ابن أبى وقاص، وعلى مجنّبته «٤» عبد الله بن رزام الحارثى، وجعل على القرّاء زحر «٥» بن قيس الجعفى، وفيهم سعيد بن جبير بن هشاء الشعبى، واسمه عامر بن شراحيل، وأبو البخترى الطائى، وعبد الرحمن ابن أبى ليلى.
وأخذوا فى القتال [فى كل يوم] «٦» ، وأهل العراق تأتيهم موادّهم من الكوفة وسوادها، وهم فى خصب. وأهل الشام فى ضيق «٧» شديد، قد غلت عندهم الأسعار، وفقد اللحم، حتى كأنهم فى حصار.
وهم على ذلك يغادون القتال ويراوحون «٨» .
فعبّأ الحجاج فى بعض الأيام لكتيبة القرّاء ثلاث كتائب، وبعث عليها الجرّاح بن عبد الله الحكمى؛ فقام «٩» جبلة بن زحر
стр. 7854
فى القراء، وحرضهم على القتال، وذمّ أهل الشام، وسمّاهم المحلّين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه فى كلام كثير قاله. وقال أبو البخترى: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم.
وقال الشعبى: أيّها الناس قاتلوهم قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم: فو الله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور فى حكم منهم.
وقال سعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال جبلة: احملوا حملة صادقة ولا تردّوا وجوهكم عنهم.
فحملوا عليهم فأزالوا الكتائب عن مواقفها وفرّقوها وتقدّموا حتى واقعوا صفّهم، فأزالوه عن مكانه؛ ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا.
وكان سبب قتله أنّ أصحابه لمّا حملوا على أهل الشام وفرّقوهم وقف لأصحابه ليرجعوا إليه، فافترقت فرقة من أهل الشام، فنظروا إليه، فقال بعضهم لبعض: احملوا عليه مادام أصحابه مشاغيل بالقتال، فحملوا عليه فلم يزل «١» ، وحمل عليهم فقتل؛ قتله الوليد ابن نحيت «٢» الكلبى، وجىء برأسه إلى الحجاج، فبشّر أصحابه بقتله، فلما رجع أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط فى أيديهم، وظهر الفشل فى القراء [وناداهم أهل الشام: يا أعداء الله، قد هلكتم وقتل طاغيتكم] «٣» - وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة
стр. 7855
الشيبانى، ففرحوا به، وقالوا: تقوم مقام جبلة، وكان قدومه من الرىّ، فجعله عبد الرحمن على ربيعة، فدخل عسكر الحجاج، فأخذ من نساء أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن، فقال الحجاج:
منعوا نساءهم لو لم يردّوهنّ لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم.
قال: وخرج عبد الله بن رزام الحارثى يطلب «١» المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله عبد الله، فعل ذلك ثلاثة أيام. فلما كان فى اليوم الرابع خرج فقالوا: جاء لا جاء الله به! فقال الحجاج للجرّاح: اخرج إليه. فخرج، فقال له عبد الله:
ما جاء بك؟ ويحك يا جرّاح! وكان له صديقا. فقال: ابتليت بك. قال: فهل لك فى خير؟ قال الجرّاح: ما هو؟ قال: أنهزم لك فترجع إلى الحجّاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأحتمل أنا مقالة الناس فى انهزامى حبّا لسلامتك، فإنى لا أحب قتل مثلك من قومى. قال: افعل.
فحمل الجرّاح عليه فاستطرد له، وحمل عليه الجرّاح بجدّ «٢» .
يريد قتله، فصاح بعبد الله غلامه وقال: إنّ الرجل يريد قتلك.
فعطف عبد الله على الجرّاح فضربه بعمود على رأسه فصرعه، وقال له:
يا جراح، بئسما جزيتنى! أردت بك العافية، وأردت قتلى. انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة.
قال: ودام القتال بينهم بدير الجماجم إلى آخر المدة التى ذكرناها،
стр. 7856
فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشدّ قتال، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجاج، واستعلوا عليهم، وهم آمنون أن ينهزموا، فبينما هم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد وهو على ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرّة التميمى، وهو على ميسرة ابن الأشعث، فانهزم الأبرد بالناس من غير قتال، فظنّ الناس أنّ الأبرد قد صولح على أن ينهزم بالناس، فلما انهزم تقوّضت الصفوف، وركب الناس بعضهم بعضا، وصعد عبد الرحمن [بن محمد] «١» المنبر ينادى الناس: إلىّ عباد الله؛ فاجتمع إليه جماعة، فثبت حتى دنا أهل الشام، فقاتل من معه، ودخل أهل الشام العسكر، فأتاه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدى، فقال له: انزل، فإنى أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إذا انصرفت أن يجتمع «٢» لك جمع يهلكهم الله به.
فنزل وانهزم هو ومن معه لا يلوون على شىء. ودخل الحجاج الكوفة، وعاد محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام، وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحدا إلا قال له: أتشهد أنك كفرت، فإن قال نعم بايعه، وإلا قتله.
فأتاه رجل من خثعم كان قد اعتزل الناس جميعا، فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربّص، أتشهد أنك كافر! فقال: بئس الرجل أنا إذا؛ أعبد الله «٣» ثمانين سنة ثم أشهد على نفسى بالكفر.
стр. 7857
قال: إذا أقتلك، قال: وإن قتلتنى، فقتله. فما بقى أحد من أهل الشام والعراق إلّا رحمه.
وقتل كميل بن زياد وكان خصيصا بعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما، وأتى بآخر بعده، فقال الحجاج: أرى رجلا ما أظنّه يشهد على نفسه بالكفر، فقال له الرجل: أتخادعنى «١» عن نفسى، أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون. فضحك الحجاج وخلّى سبيله.
قال: وأقام الحجاج بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها، وهو أوّل من أنزل الجند فى بيوت غيرهم، واستمرت هذه القاعدة بعده.
قال: وكان الحجاج لما انهزم الناس أمر مناديا فنادى: من لحق بقتيبة بن مسلم فهو أمانه «٢» . وكان قد ولّاه الرّىّ، فلحق به ناس كثير منهم الشعبى، فذكره الحجاج يوما بعد الفراغ من أمر ابن الأشعث، فقيل له: إنه لحق بقتيبة بالرّىّ؛ فكتب إلى قتيبة يأمره بإرساله.
قال الشعبى: فلما قدمت على الحجاج لقيت يزيد بن أبى مسلم وكان صديقا لى، فقال: اعتذر مهما «٣» استطعت. وأشار بمثل ذلك إخوانى ونصحائى.
فلما دخلت على الحجّاج رأيت غير ما ذكروا «٤» ، فسلمت عليه بالإمرة، وقلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمرونى أن أعتذر
стр. 7858
بما يعلم الله أنه غير الحق، وايم الله لا أقول فى هذا المقام إلّا الحق:
قد والله تمردنا «١» عليك وحرّضنا عليك، وجهدنا، فما كنّا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا، وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنّا فبحلمك.
وبعد فالحجة لك علينا.
فقال الحجاج: أنت والله أحبّ إلىّ قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما قلت ولا شهدت، قد أمنت يا شعبى.
كيف وجدت الناس بعدنا، فقلت: أصلح الله الأمير، اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت الجناب، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفا. قال: انصرف يا شعبىّ. فانصرفت.
نعود إلى بقية أخبار عبد الرحمن بن الأشعث:
ذكر الوقعة بمسكن «٢»
قال: ولما انهزم عبد الرحمن من دير الجماجم أتى البصرة، فاجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير، فاجتمعوا بمسكن، وبايعوه على الموت، وخندق عبد الرحمن على أصحابه، وجعل القتال من وجه واحد، وقدم إليه خالد بن جرير بن عبد الله من خراسان، وأتاه الحجاج، فاقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال، وبات الحجاج يحرّض أصحابه، فلما أصبحوا باكروا القتال، واشتدّت
стр. 7859
الحرب، فانهزم ابن الأشعث ومن معه، وقتل عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه، وأبو البخترى الطائى، ومشى بسطام بن مصقلة بن هبيرة فى أربعة آلاف فارس من شجعان أهل الكوفة والبصرة، وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا على أهل الشام، فكشفوهم مرارا، فدعا الحجاج الرّماة فرموهم، وأحاط بهم الناس، فقتلوهم إلا قليلا. ومضى ابن الأشعث إلى سجستان.
وقد قيل فى هزيمة ابن الأشعث بمسكن أنه اجتمع هو والحجاج، وكان العسكران بين دجلة والسّيب «١» والكرخ «٢» ، فاقتتلوا شهرا أو دونه، فأتى شيخ فدلّ «٣» الحجاج على طريق من وراء الكرخ «٤» فى أجمة وضحضاح من الماء، فأرسل معهم أربعة آلاف، فسار بهم، ثم قاتل الحجاج أصحاب عبد الرحمن، فانهزم الحجاج فعبر السّيب، ورجع ابن الأشعث إلى عسكره آمنا بعد أن نهب عسكر الحجاج، فأمن أصحابه، وألقوا السلاح. فلما كان نصف الليل لم يشعروا إلّا وقد أخذهم السيف من تلك السريّة، فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ممّن قتل، ورجع الحجاج على الصوت يقتل من وجد، فكان عدّة من قتل أربعة آلاف، منهم عبد الله بن شداد ابن الهاد، وبسطام بن مصقلة، وعمر بن ضبيعة الرقاشى، وبشر ابن المنذر بن الجارود، وغيرهم.
стр. 7860
ذكر مسير عبد الرحمن الى رتبيل
وما كان من أمره وأمر أصحابه قال: ولما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان فأتبعه الحجاج ابنه محمدا وعمارة بن تميم اللخمى، وعمارة على الجيش، فأدركه عمارة بالسّوس «١» ، فقاتله ساعة، ثم انهزم عبد الرحمن ومن معه، وساروا حتى بلغوا نيسابور «٢» ، واجتمع إليه الأكراد، فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على العقبة، فجرح عمارة وكثير من أصحابه، فانهزم عمارة وترك لهم «٣» العقبة، وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان وعمارة يتبعه، فلما وصل عبد الرحمن إليها لقيه عامله وقد هيّأ له منزلا «٤» ، فنزل. ثم رحل إلى سجستان فأتى زرنج «٥» وفيها عامله فأغلق بابها. ومنع عبد الرحمن من دخولها، فأقام عليها أياما ليفتحها فلم يصل إلى ذلك، فسار إلى بست «٦» ، وكان قد استعمل عليها عياض بن هميان بن «٧» هشام السدوسى الشيبانى. فاستقبله فأنزله. فلما غفل عنه أصحابه قبض عليه عياض، وأوثقه، وأراد أن يأمن به «٨» عند الحجاج.
وكان رتبيل ملك الترك قد سمع بمقدم عبد الرحمن، فسار إليه
стр. 7861
ليستقبله لما كان قد تقرّر بينهما من العهود والمواثيق كما تقدم.
فلما بلغه أنّ عياضا قد قبض عليه نزل على بست، وبعث إلى عياض يتهدّده بالقتل إن هو لم يطلقه، فاستأمنه عياض، وأطلق عبد الرحمن، ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده، فأنزله وأكرمه وعظّمه، وكان ناس كثير من أصحاب عبد الرحمن ممّن انهزم من الرءوس وقادة الجيوش الذين لم يقبلوا أمان الحجاج، ونصبوا له العداوة فى كل موطن قد بعثوا يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم، فأتاهم ابن الأشعث. وكان عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يصلّى بهم إلى أن قدم ابن الأشعث. فلما قدم عليهم ساروا كلّهم ففتحوا زرنج، وسار نحوهم عمارة بن تميم فى أهل الشام؛ فقال أصحاب عبد الرحمن له: اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان. فقال: إن بها يزيد بن المهلب، وهو رجل شجاع، ولا يترك لكم سلطانه، ولو دخلناها لقاتلنا وتتبعنا «١» أهل الشام، فيجتمع علينا أهل خراسان وأهل الشام. فقالوا: لو دخلنا خراسان لكان من يتّبعنا أكثر ممّن يقاتلنا. فسار معهم حتى بلغوا هراة، فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشى فى ألفين. فقال لهم عبد الرحمن:
إنى كنت فى مأمن وملجأ، فجاءتنى كتبكم أن أقبل، فإنّ أمرنا واحد، فلعلنا نقاتل عدوّنا. فأتيتكم فرأيتم أن أمضى إلى خراسان، و [زعمتم] «٢» أنكم مجتمعون لى «٣» ولا تتفرّقون، وهذا عبيد الله قد صنع
стр. 7862
ما رأيتم، فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبى الذى أتيت من عنده.
فتفرّق منهم طائفة وبقى معه طائفة، وبقى عظم العسكر مع عبد الرحمن «١» بن العبّاس [فبايعوه «٢» ] ، فأتوا هراة، فلقوا بها الرّقاد «٣» الأزدى فقتلوه، فسار إليهم يزيد بن المهلب.
وقيل: لما انهزم ابن الأشعث من مسكن أتى عبيد الله بن عبد الرحمن ابن سمرة هراة، وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان، فاجتمع معه فل ابن الأشعث. فساروا إلى «٤» خراسان فى عشرين ألفا، فنزل هراة، ولقى الرّقاد [بن عبيد العتكى] «٥» بها فقتلوه، فأرسل إليه يزيد بن المهلب وهو عامل خراسان يقول: قد كان لك فى البلاد متّسع، من «٦» هو أهون منى شوكة؛ فارتحل إلى بلد ليس [لى] «٧» فيه سلطان، فإنى أكره قتالك، وإن أردت مالا أرسلت إليك.
فأعاد الجواب: إنا ما نزلنا لمحاربة ولا لمقام، ولكن أردنا أن نريح، ثم نرحل عنك، وليست بنا إلى المال حاجة.
ثم أقبل عبد الرحمن بن العباس على الجباية، وبلغ ذلك يزيد ابن المهلب، فقال: من أراد أن يريح ثم يرحل لم يجب الخراج،
стр. 7863
وسار نحوه، وأعاد مراسلته يقول: إنك قد أرحت وسمنت وجبيت الخراج، فلك ما جبيت وزيادة، فاخرج عنى، فإنى أكره قتالك، فأبى إلّا القتال.
وكاتب جند يزيد يستميلهم ويدعوهم إلى نفسه، فعلم يزيد بذلك، فقال: جلّ الأمر عن العتاب، ثم تقدّم إليه فقاتله، فلم يكن بينهما «١» كثير قتال، حتى تفرّق أصحاب عبد الرحمن عنه، وصبر وصبرت معه طائفة، ثم انهزموا.
وأمر يزيد أصحابه بالكفّ عن اتباعهم، وأخذ ما كان فى عسكرهم، وأسروا منهم أسرى، منهم محمد بن سعد بن أبى وقّاص، وعمر ابن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعيّاش «٢» بن الأسود بن عوف الزّهرى، والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز ابن حصين، وأبو العلج «٣» مولى عبيد الله بن معمر، وسوّار ابن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى، وعبد الله بن فضالة الزّهرانى الأزدى، ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسّند، وأتى ابن سمرة مرو، وانصرف يزيد بن المهلب إلى مرو.
وبعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نجدة «٤» إلّا عبد الرحمن ابن طلحة فإنه أطلقه.
وكان سبب إطلاقه أن حبيب بن المهلب قال لأخيه يزيد لما أراد
стр. 7864
أن يسير الأسرى: بأى وجه تنظر إلى اليمانية، وقد بعثت عبد الرحمن ابن طلحة؟ فقال يزيد: إنه الحجاج، فلا تتعرض «١» إليه. قال:
وطّن نفسك على العزل، ولا ترسل به، فإنّ له عندنا يدا. قال:
وما هى؟ قال: ألزم المهلّب فى مسجد الجماعة بمائة ألف، فأدّاها طلحة عنه، فأطلقه يزيد، ولم يرسل أيضا عبد الله بن فضالة لأنه من الأزد، وأرسل الباقين.
فلما قدموا على الحجاج أحضر فيروز، فقال له الحجاج:
أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء؟ فو الله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم. قال: فتنة عمّت الناس. قال: اكتب لى أموالك. قال: اكتب يا غلام ألف ألف وألفى ألف، فذكر مالا كثيرا. فقال الحجاج: أين هذه الأموال؟ فقال: عندى. قال:
فأدّها. قال: وأنا آمن على دمى؟ قال: والله لتؤدّينّها ثم لأقتلنّك.
قال: والله لا يجتمع دمى ومالى. فأمر به فنحى، ثم أحضر محمد ابن سعد بن أبى وقاص، فقال: يا ظلّ الشيطان، أعظم الناس تيها وكبرا، تأبى بيعة يزيد بن معاوية وتتشبه بالحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذنا «٢» . وجعل يضرب رأسه بعمود «٣» فى يده حتى أدماه، ثم أمر به فقتل.
ثم دعا بعمر بن موسى، فقال: يا عبد المرأة، تقوم بالعمود على
стр. 7865
رأس «١» ابن الحائك- يعنى ابن الأشعث وتشرب معه فى الحمام «٢» .
فقال: أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البرّ والفاجر، فدخلنا فيها، وقد أمكنك الله منّا، فإن عفوت فبفضلك وحلمك، وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين.
فقال الحجاج: إنها شملت الفجّار، وعوفى منها الأبرار، أمّا اعترافك فعسى أن ينفعك، فرجا «٣» الناس السلامة. ثم أمر به فقتل.
ثم دعا بالهلقام بن نعيم، فقال له: احسب «٤» أن ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذى أمّلت أنت معه! قال: أمّلت أن يملك فيولّينى العراق كما ولّاك عبد الملك إياه، فأمر به فقتل. ودعا عبد الله بن عامر.
فلما أتاه قال له: يا حجاج، لا رأت عينك الجنة إن أفلت «٥» ابن المهلب بما صنع، قال: وما صنع؟ قال:
لأنه كاس «٦» فى إطلاق أسرته ... وقاد نحوك فى أغلالها مضر
وقى بقومك ورد الموت أسرته ... وكان قومك أدنى عنده خطر
فأطرق الحجاج، ووقرت فى قلبه، وقال: ما أنت وذاك؟
ثم أمر به فقتل.
стр. 7866
ثم أمر بفيروز فعذّب، فلما أحسّ بالموت قال للموكّل بعذابه:
إنّ الناس لا يشكّون أنى قد قتلت، ولو دائع وأموال عند الناس لا تؤدّى إليكم أبدا؛ فأظهرنى «١» للناس ليعلموا أنى حى، فيؤدّوا المال.
فأعلم الحجاج بقوله، فقال: أظهروه «٢» ، فأخرج إلى باب المدينة، فصاح فى الناس: من عرفنى فقد عرفنى، ومن أنكرنى فأنا فيروز بن حصين، إن لى عند أقوام مالا، فمن كان لى عنده شىء فهوله، وهو منه فى حلّ، فلا يؤد أحد درهما، ليبلغ الشاهد الغائب، فأمر به الحجاج فقتل.
وأمر بقتل عمر بن «٣» قرّة الكندى، وكان شريفا، وقتل أعشى همدن، وأتى بأسيرين فأمر بقتلهما، فقال أحدهما، إن لى عندك يدا. قال: وما هى؟ قال: ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته.
قال: من يعلم ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر. فسأله الحجاج فصدقه.
فقال له الحجاج: فلم لم تفعل كما فعل؟ قال: وينفعنى الصّدق عندك؟ قال: نعم. قال: منعنى البغض لك ولقومك. قال: خلّوا عن هذا لفعله. وعن هذا لصدقه.
стр. 7867
وأما ابن الأشعث فإنه سار إلى رتبيل، فأقام عنده، فكتب إليه الحجاج: أن ابعثه إلىّ وإلّا فو الذى لا إله غيره لأوطئنّ أرضك ألف ألف مقاتل، وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم اسمه عبيد ابن سبيع «١» التميمى، وكان رسوله إلى رتبيل. فقال القاسم بن محمد ابن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إنى لا آمن غدر هذا التميمى فاقتله.
فخافه عبيد على نفسه، فوشى به إلى رتبيل، وخوّفه الحجاج، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث، وقال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفّنّ «٢» عن أرضك سبع سنين، على أن تدفع إليه عبد الرحمن.
فأجابه إلى ذلك.
فخرج عبيد إلى عمارة سرّا فذكر ذلك له، فكتب عمارة إلى الحجاج بذلك. فأجابه إليه، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن، وذلك فى سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين.
وقيل: إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فقطع رتبيل رأسه.
وقيل: إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمى عن «٣» ابن الأشعث كتب عمارة إلى الحجاج بذلك، فأطلق له خراج بلاده عشر سنين.
стр. 7868
فأرسل رتبيل إلى عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته، فحضروا عنده، فقيّدهم وأرسلهم إلى عمارة، فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصر فمات، فاحتزّ رأسه، وسيّره إلى الحجاج، وسيّره الحجاج إلى عبد الملك مع عرار بن عمرو بن شأس، وكتب معه كتابا، فجعل عبد الملك يقرأ كتاب الحجاج، فإذا شكّ فى شىء سأل عرارا عنه فيخبره به، وكان عرار أسود اللون، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، وهو لا يعرفه فتمثّل «١» :
وإن «٢» عرارا إن يكن غير واضح ... فإنى أحبّ الجون ذا المنطق العمم
فضحك عرار، فقال له عبد الملك: مالك تضحك؟ فقال:
أتعرف عرارا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فأنا هو. فضحك عبد الملك ثم قال: حظّ وافق حكمة. وأحسن جائزته، وسرّحه.
وروى أبو عمر بن عبد البر بسند رفعه إلى العتبى عن أبيه، قال «٣» :
كتب الحجاج إلى عبد الملك كتابا يصف له فيه أهل العراق وما ألفاهم عليه من الاختلاف وما يكرهه «٤» منهم، وعرّفه ما يحتاجون إليه من التقويم والتأديب، ويستأذنه أن يودع قلوبهم من الرهبة ما يخفّون به إلى الطاعة، ودعا رجلا من أصحابه كان يأنس به، فقال له: انطلق بهذا الكتاب، ولا يصلنّ من يدك إلّا إلى يد أمير المؤمنين، فإذا قبضه فتكلّم عليه.
стр. 7869
ففعل الرجل ذلك، فجعل «١» عبد الملك كلّما شكّ فى شىء يستفهمه «٢» ، فوجده أبلغ من الكاتب «٣» ، فقال [عبد الملك] «٤» :
وإن عرارا إن يكن غير واضح ... البيت.
فقال [له] «٥» الرجل: يا أمير المؤمنين، أتدرى من يخاطبك؟
قال: لا. قال: أنا عرار، وهذا الشّعر لأبى، وذلك أنّ أمى ماتت وأنا مرضع، فتزوّج أبى امرأة فكانت تسىء «٦» ولايتى، فقال أبى:
فإن كنت منى أو «٧» تريدين صحبتى ... فكونى له كالشّمس ربّت به الأدم
وإلّا فسيرى سير راكب ناقة ... تيمّم خبتا ليس فى سيره أمم
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمرى بالهوان لقد «٨» ظلم
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإنّى أحبّ الجون ذا المنطق العمم
ولما جىء بالرأس إلى عبد الملك أرسله إلى أخيه عبد العزيز بمصر، فقال بعض الشعراء:
стр. 7870
هيهات موضع جثّة من رأسها ... رأس بمصر وجثّة بالرّخّج «١»
وقيل: إن هلاك عبد الرحمن كان فى سنة [٨٤ هـ] أربع وثمانين.
ولنرجع إلى تتمة حوادث السنين:
وفى سنة (٨١ هـ) احدى وثمانين:
حج بالناس سليمان [بن عبد الملك] «٢» .
سنة (٨٢ هـ) اثنتين وثمانين:
فى هذه السنة كانت وفاة المغيرة بن المهلّب بخراسان فى شهر رجب منها، وكان أبوه قد استخلفه على عمله.
ذكر وفاة المهلب بن أبى صفرة
ووصيّته لبنيه وولاية ابنه يزيد خراسان وفى هذه السنة توفى المهلّب بن أبى صفرة بمرو الروذ بالشّوصة وقيل بالشّوكة «٣» ، وأوصى إلى حبيب ابنه فصلّى عليه، وقال لبنيه:
إنى قد استخلفت عليكم يزيد فلا تخالفوه. فقال ابنه المفضّل:
لو لم تقدمه لقدمناه، وأحضر ولده فأوصاهم، وأحضر سهاما محزومة فقال: أتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا. قال: أفتكسرونها متفرّقة؟
قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم، فإنها تنسىء فى الأجل وتثرى المال، وتكثر العدد؛
стр. 7871
وأنهاكم عن القطيعة؛ فإنها تعقب النار والذلّة والقلّة، وعليكم بالطاعة والجماعة، ولتكن فعالكم أفضل من مقالكم «١» ، واتّقوا الجواب وزلّة اللسان، فإن الرجل يزلّ قدمه فينتعش «٢» ، ويزل لسانه فيهلك، واعرفوا لمن يغشاكم حقّه، فكفى بغدوّ الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبّوا العرب «٣» ، واصنعوا المعروف «٤» ؛ فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف بالصنيعة عنده! وعليكم فى الحرب بالتؤدة «٥» والمكيدة، فإنهما «٦» أنفع من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ الرجل «٧» بالحزم فظفر قيل: أتى الأمر من وجهه فظفر فحمد، فإن لم يظفر [بعد الأناة] «٨» قيل: ما فرّط ولا ضيّع، ولكن القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وآداب «٩» الصالحين، وإياكم وكثرة الكلام فى مجالسكم.
ومات ﵀. فكتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فأقره على خراسان.
*** وفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة فى جمادى الاخرة، واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومى.
стр. 7872
وحجّ بالناس أبان بن عثمان.
سنة (٨٣ هـ) ثلاث وثمانين:
ذكر خبر عمر بن أبى الصلت
وخلعه الحجاج بالرىّ وما كان من أمره قال: لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبى الصّلت، وكان قد غلب على الرىّ فى تلك الفتنة، فلما اجتمعوا بالرّىّ أرادوا أن يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون به عن أنفسهم عثرة «١» الجماجم، فأشاروا على عمر بخلع الحجاج وقتيبة، فامتنع، فوضعوا عليه أباه؛ أبا الصّلت، وكان به بارّا، فأشار بذلك عليه وألزمه به، وقال. يا بنى، إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالى أن تقتل غدا. ففعل. فلما قارب قتيبة الرّىّ استعدّ لقتاله، فالتقوا، واقتتلوا، فغدر أصحاب عمر به وأكثرهم من تميم، فانهزم ولحق بطبرستان، فآواه الأصبهذ «٢» وأكرمه وأحسن نزله، فقال عمر لأبيه: إنك أمرتنى بخلع الحجاج وقتيبة فأطعتك وكان خلاف رأيى، ولم أحمد رأيك، وقد نزلنا بهذا الأصبهذ فدعنى حتى أثب إليه «٣» فأقتله. وأجلس على مملكته، فقد علمت الأعاجم أنّى أشرف منه. فقال أبوه: ما كنت لأفعل هذا برجل «٤» أوانا وأكرمنا وأنزلنا. فقال عمر: أنت أعلم، وسترى.
ودخل قتيبة الرى، وكتب إلى الحجاج بانهزام عمر إلى طبرستان.
فكتب الحجاج إلى الأصبهذ «٥» أن ابعث بهم أو برءوسهم «٦» ، وإلا فقد
стр. 7873
برئت منك الذمّة، فصنع لهم الأصبهذ طعاما وأحضرهم، فقتل عمر، وبعث أباه أسيرا. وقيل: قتلهم وبعث برءوسهم. والله أعلم.
ذكر بناء مدينة واسط
وفيها بنى الحجاج مدينة واسط، وسبب ذلك أنّه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان وعسكر بحمّام عمر، وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس [بابنة عمّ له] «١» ، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه، فطرق «٢» عليه الباب طرقا شديدا، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت المرأة لبعلها: لقد لقينا من هذا الشامى شرّا يفعل بنا كلّ ليلة ما ترى- يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه. فقال: ائذنى له، فأذنت له. فلما دخل قتله زوجها.
فلما أذّن الفجر خرج إلى العسكر وقال لابنة عمه: إذا صلّيت الفجر فابعثى إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم، فإذا أحضروك إلى «٣» الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه، ففعلت، وأحضرت إلى الحجاج، فأخبرته فصدّقها، وقال للشاميين: خذوا صاحبكم لا قود له ولا عقل، فإنه قبيل «٤» الله إلى النار. ثم نادى مناد: لا ينزلنّ أحد على أحد، وبعث روّادا يرتادون له منزلا، وأقبل حتى نزل بموضع «٥» واسط، وإذا راهب قد أقبل على حمار، فلما كان بموضع واسط بال الحمار، فنزل الراهب فاحتفر «٦» ذلك البول ورماه فى دجلة
стр. 7874
والحجاج ينظر إليه، فاستحضره وقال له: ما حملك على ما صنعت؟
قال: نجد فى كتبنا أنه يبنى فى هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام فى الأرض أحد يوحّد الله.
فاختطّ الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد فى ذلك الموضع.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل.
سنة (٨٤ هـ) أربع وثمانين:
فى هذه السنة قتل الحجاج أيوب بن القرّيّة «١» ، وكان مع ابن الأشعث، فلما هزم التحق أيّوب بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة، فاستحضره الحجاج وقتله.
وحجّ بالناس هشام بن إسماعيل.
سنة (٨٥ هـ) خمس وثمانين:
ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية أخيه المفضل
وفى هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلّب عن خراسان، وكان سبب عزله أنّ الحجاج وقد إلى عبد الملك فمرّ فى طريقه براهب، فقيل له: إنّ عنده علما، فأحضره الحجاج، وسأله:
هل تجدون فى كتبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال: نعم. قال: فمسمّى أو موصوفا؟ قال: كلّ ذلك نجده موصوفا «٢» بغير اسم ومسمّى بغير صفة «٣» . قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال:
نجده فى زماننا ملك أفرع من يقم لسبيله يصرع. قال: ثم
стр. 7875
من «١» ؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، ثم رجل اسمه اسم نبىّ يفتح به على الناس. قال: [أتعرفنى؟ قال: قد أخبرت بك.
قال: أفتعلم ما ألى؟ قال: نعم] «٢» . قال: أفتعلم من يلى بعدى؟
قال: نعم، رجل يقال له يزيد، قال: أفتعرف صفته؟
قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا.
فوقع فى نفسه أنه يزيد بن المهلب، ثم سار وهو وجل من قول الراهب. فلما عاد كتب إلى عبد الملك يذمّ يزيد وآل المهلب، ويخبره أنهم زبيرية.
فكتب إليه عبد الملك: إنى أرى طاعتهم لآل الزبير نقصا لال المهلب، بل وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لى.
فكتب إليه الحجاج يخوّفه غدره.
فكتب إليه: إنك قد أكثرت فى يزيد وآل المهلب فسمّ رجلا يصلح لخراسان. فسمّى له قتيبة بن مسلم، فكتب إليه أن ولّه.
فكره الحجاج أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه المفضّل ويقبل إليه.
فاستشار يزيد حضين «٣» بن المنذر الرّقاشى: فقال له: أقم واعتلّ، واكتب إلى أمير المؤمنين ليقرّك، فإنه حسن الرّأى فيك.
فقال له يزيد: نحن أهل قد بورك لنا فى الطاعة، وأنا أكره الخلاف. وأخذ يتجهز فأبطأ.
стр. 7876
فكتب الحجاج إلى المفضّل: إنى قد ولّيتك خراسان، فجعل المفضل يستحثّ يزيد، فقال له [يزيد] «١» : إنّ الحجاج لا يقرّك بعدى، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، وستعلم.
وخرج يزيد فى شهر ربيع الآخر سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين، وأقرّ الحجاج أخاه المفضّل تسعة أشهر، ثم عزله، واستعمل قتيبة على ما نذكره، وسار يزيد بن المهلب فكان «٢» لا يمرّ بتبلد إلّا فرش أهلها الرياحين.
ذكر أخبار موسى بن عبد الله بن خازم واستيلائه على ترمذ «٣»
وما كان من حروبه مع العرب والترك وخبر مقتله كان موسى بن عبد الله قد استولى على ترمذ، وأخرج ترمذ شاه عنها، وسبب ذلك أن أباه عبد الله لما قتل من قتل من بنى تميم بخراسان «٤» كما تقدّم ذكر ذلك فى أثناء أخبار عبد الله ابن الزّبير تفرّق عنه أكثر من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بنى تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: خذ ثقلى واقطع
стр. 7877
نهر بلخ حتى تلتجىء «١» إلى بعض الملوك أو إلى حصن تكون «٢» فيه.
فرحل موسى عن مرو فى عشرين ومائتى فارس، واجتمع إليه تتمة أربعمائة، وانضوى «٣» إليه قوم من بنى سليم «٤» ، فأتى زمّ «٥» ، فقاتله أهلها، فظفر بهم، وأصاب مالا، وقطع النهر. فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافه.
[وقال: رجل فاتك] «٦» فلا آمنه، ووصله، وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلّا كره مقامه عنده.
فأتى سمرقند، فأكرمه ملكها طرخون وأذن له فى المقام بها، فأقام بها ما شاء الله. وكان لأهل الصّغد مائدة توضع فى كل عام مرة، عليها خبز ولحم وخلّ وإبريق شراب، يجعلون ذلك لفارس الصّغد فلا يقربه غيره، فإن أكل منه بارزه الفارس. فأيّهما قتل صاحبه كانت المائدة له، وكان الفارس المشار إليه، فرآها رجل من أصحاب موسى، فقال: ما هذه؟ فأخبر، فأكل ما عليها.
وجاء الفارس مغضبا، فقال: يا أعرابى، بارزنى، فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصّغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم
стр. 7878
فارسى، فلولا أنى أمنتك وأصحابك لقتلتك «١» ، اخرجوا عن بلدى.
فخرجوا، فأتى موسى كشّ، فضعف صاحبها عنه، فاستنصر طرخون فأتاه، فقاتله موسى وقد اجتمع معه سبعمائة فارس يوما حتى أمسوا وتحاجزوا، ثم اتفقوا أن يرتحل موسى عن كشّ؛ فسار فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر، فنزل موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه «٢» أن يدخله الحصن فأبى، فأهدى له موسى ولاطفه حتى أنس به، وصارت بينهما مودّة، وتصيّد معه، وصنع صاحب ترمذ «٣» طعاما، وأحضر موسى ليأكل معه، وشرط ألّا يحضر إلّا فى مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة منهم، فدخلوا الحصن وأكلوا، فلما فرغوا قال له ترمذشاه: اخرج.
قال: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتى أو قبرى، وقاتلهم فقتل منهم عدّة وهرب الباقون، واستولى موسى عليها، وأخرج ترمذشاه منها، ولم يعرض له، ولا لأصحابه.
فأتوا التّرك يستنصرونهم على موسى، فلم ينصروهم، وقالوا:
لا نقاتل هؤلاء.
وأقام موسى بترمذ، وأتاه جمع من أصحاب أبيه فقوى بهم، فكان يغير على ما حوله.
стр. 7879
وولى بكير بن وسّاج «١» خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أميّة «٢» .
فسار يريده؛ فخالفه بكير، فرجع على ما تقدم «٣» ، ثم وجّه أميّة رجلا من خزاعة فى جمع كثير لقتال موسى، فجاء إلى ترمذ وحصره، فعاد أهل ترمذ إلى الترك، واستنصروهم وأعلموهم أنه قد غزاه قوم من العرب وحصروه، فسارت التّرك فى جمع كثير «٤» إلى الخزاعى فأطاف بموسى العرب «٥» والترك، فكان يقاتل الخزاعى أول النهار والتّرك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة.
ثم أراد أن يبيّت الخزاعى، فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابى: بيّت العجم، فإنّ العرب أشد حذرا وأجرأ «٦» على الليل.
فوافقه.
وأقام حتى ذهب ثلث الليل، وخرج فى أربعمائة، وقال لعمرو ابن خالد: اخرج بعدنا أنت ومن معك [منا] «٧» قريبا، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبّروا.
ثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع إليهم، وجعل أصحابه أرباعا، وأقبل إليهم، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟
قالوا: عابرو سبيل. فلما جاوزوا الرصد حملوا على التّرك وكبّرو
стр. 7880
فلم يشعر الترك إلّا بوقع السيوف فيهم، فثاروا «١» يقتل بعضهم بعضا وولّوا. فحوى موسى ومن معه عسكرهم، وأصابوا سلاحا كثيرا ومالا، وأصيب من أصحاب موسى ستة عشر رجلا، وأصبح الخزاعى وأصحابه وقد كسرهم ذلك، وخافوا مثلها، فقال عمرو بن خالد لموسى: إنّا لا «٢» نظفر إلّا بمكيدة، ولهؤلاء أمداد تأتيهم، فدعنى آته لعلّى أصيب فرصة فأقتل الخزاعى، فاضربنى. فقال موسى:
تتعجّل الضّرب، وتتعرّض للقتل؟ قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرّض له، وأما الضّرب فما أيسره فى حبّ «٣» ما أريد.
فضربه موسى خمسين سوطا، فخرج حتى أتى عسكر الخزاعى مستأمنا، وقال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه، وإنه اتهمنى وقال: قد تعصّبت لعدوّنا، وأنت عين له، ولم آمن القتل، فهربت منه.
فأمّنه الخزاعىّ، وأقام معه، فدخل يوما فلم ير عنده أحدا ولا معه سلاحا، فقال له كالناصح: أصلح الله الأمير، إنّ مثلك فى مثل هذا الحال لا ينبغى أن يكون بغير سلاح. قال: إن معى سلاحا، ورفع طرف فراشه، فإذا سيف منتضى، فأخذه عمرو فضرب به الخزاعى حتى قتله، وخرج فركب فرسه وأتى موسى.
وتفرّق ذلك الجيش، وأتى بعضهم موسى مستأمنا فأمّنه، ولم يوجّه إليه أمية أحدا.
следующие страницы →