← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

فوجّهم إلى الشاش، وتوجّه إلى فرغانة فأتى خجندة «١» فجمع له أهلها، ولقوه، واقتتلوا مرارا، كلّ ذلك يكون الظّفر للمسلمين. ثم إن قتيبة أتى كاسان «٢» مدينة فرغانة، وأتاه الجنود الذين وجّههم إلى الشاش وقد فتحوها وأحرقوا أكثرها، وانصرف إلى مرو. وقال سحبان «٣» يذكر قتالهم بخجندة «٤» : وسل «٥» الفوارس فى خجن ... دة تحت مرهفة العوالى هل كنت أجمعهم إذا ... هزوا وأقدم فى قتالى أم كنت أضرب هامة ال ... عاتى «٦» وأصبر للعوالى هذا وأنت قريع قي ... س كلّها ضخم النّوال وفضلت قيسا فى النّدى ... وأبوك فى الحجج الخوالى ولقد تبيّن عدل حك ... مك فيهمو فى كلّ مال «٧» تمّت مروءتكم ونا ... غى «٨» عزّكم غلب الجبال

стр. 7912

ذكر فتح مدينة كاشغر «١» وفى سنة [٩٦ هـ] ست وتسعين سار قتيبة من مرو وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، ومضى إلى فرغانة وبعث جيشا مع كثير ابن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى سبيا، فختم أعناقهم، وأوغل حتى بلغ قرب الصّين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلىّ رجلا شريفا يخبرنى عنكم وعن دينكم، فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسنة وبأس وعقل وصلاح «٢» ، فأمر لهم بعدّة حسنة ومتاع حسن من الخزّ والوشى وغير ذلك، وخيول حسنة، وكان عليهم «٣» هبيرة بن مشمرج «٤» الكلابى، وقال لهم قتيبة: إذا دخلتم عليه فأعلموه أنّى قد حلفت أنّى لا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبى خراجهم. فساروا [وعليهم هبيرة] «٥» ، فلما قدموا دعاهم ملك الصين فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل، وتطيّبوا، ولبسوا النّعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه، فجلسوا فلم يكلّمهم الملك ولا أحد ممن عنده، فنهضوا. فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما ما هم إلّا نساء. ما بقى منا أحد إلّا انتشر ما عنده.

стр. 7913

فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشى وعمائم الخزّ والمطارف، وغدوا عليه. فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا. وقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك. فلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا «١» سلاحهم، ولبسوا البيض والمغافر، وأخذوا السيوف والرماح والقسىّ، وركبوا. فنظر إليهم ملك الصين، فرأى مثل الخيل «٢» ؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم، وأقبلوا مشمّرين. فقيل لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم [وأخذوا رماحهم] «٣» ، ودفعوا خيلهم، كأنهم يتطاردون. فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء. فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلىّ زعيمكم، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد رأيتم عظم ملكى، وأنه ليس أحد يمنعكم منّى، وأنتم فى يدى بمنزلة البيضة فى كفّى. وإنى سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقونى قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم بزيّكم الأول والثانى والثالث [ما صنعتم] «٤» ؟ قال: أما زيّنا الأول فلباسنا فى أهلنا. وأما الثانى فزيّنا إذا أتينا أمراءنا، وأما الثالث فزيّنا لعدوّنا. قال: ما أحسن ما دبّرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ينصرف، فإنى قد عرفت قلّة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم. قال «٥» :

стр. 7914

وكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزيتون. وأما تخويفك إيّانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، ولسنا نكرهه ولا نخافه، وقد حلف صاحبنا ألّا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، وتعطى «١» الجزية. قال: فإنّا نخرجه من يمينه، ونبعث له بتراب من أرضنا، فيطؤه، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهديّة وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، وبتراب من أرضه، وأعادهم «٢» وأحسن جوائزهم. فقدموا على قتيبة، فقبل ذلك، ووطىء التراب، وختم الغلمان، وردهم، فقال سوادة بن عبد الملك السّلولى «٣» : لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم ... للصّين أن سلكوا طريق المنهج كسروا الجفون على القذى خوف الرّدى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج أدّى رسالتك التى استرعيته «٤» ... فأتاك من حنث اليمين بمخرج هذه غزوات قتيبة وفتوحاته. وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كلّ سنة اشترى اثنى عشر فرسا [من جياد الخيل] «٥» واثنى عشر هجينا، فتخدم إلى وقت الغزو، فإذا تأهّب للغزو ضمّرها، وكان يحمل عليها الطلائع، وكان لا يجعل الطلائع إلا فرسان الناس وأشرافهم، ويجعل معه من

стр. 7915

العجم من يستنصحه. وإذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثم شقّه نصفين، وجعل شقّة عنده، وأعطى نصفه للطليعة، ويأمرهم أن يدفنوه فى موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرها، ثم يبعث بعد الطّليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا. ولنذكر من الغزوات والفتوحات فى أيام الوليد خلاف ما ذكرنا: ذكر فتح السند وقتل ملكها وما يتّصل بذلك من أخبار العمال عليها وفى سنة [٨٩ هـ] تسع وثمانين قتل محمد بن القاسم بن محمد ابن الحكم بن أبى عقيل الثقفى داهر «١» بن صصّة ملك السند، وملك بلاده، وكان الحجاج قد استعمله على ذلك الثّغر وسيّر معه ستة آلاف مقاتل، وجهّزه بجميع ما يحتاج إليه حتى المسالّ والإبر والخيوط، فسار [محمد] «٢» إلى مكران، وأقام بها أياما. ثم أتى قنّزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل «٣» فقدمها يوم جمعة، ووافته سفن كان حمل فيها السلاح والرجال والأداة. فأنزل الناس منازلهم وخندق ونصب عليها منجنيقا يقال له العروس كان يمدّ به خمسمائة رجل، وكان بالدّيبل بدّ «٤» عظيم عليه

стр. 7916

دقل عظيم، وعلى الدّقل راية حمراء إذا هبّت الريح أطافت بالمدينة، والبدّ: صنم فى بناء عظيم بأعلاه منارة عظيمة مرتفعة، والدّقل فى رأس المنارة. فرمى الدّقل بحجر «١» العروس فكسره فتطيّر الكفّار بذلك وأعظموه، ثم فتحها محمد عنوة بعد قتال، وقتل فيها ثلاثة أيام، وهرب عامل داهر عنها، وأنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين، وبنى جامعها، وسار إلى البيرون «٢» ، وكان أهلها قد بعثوا إلى الحجّاج وصالحوه، فلقوا محمدا بالميرة، وأدخلوه مدينتهم، ثم سار عنها، وجعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران فصالحه أهل سربيدس «٣» ، ووظّف عليهم الخراج، وسار إلى سهبان «٤» ففتحها، ثم أتى نهر مهران فنزل به، وبلغ خبره داهرا فاستعدّ لمحاربته. وبعث محمد جيشا إلى سدوسان «٥» ، فطلب أهلها الأمان والصلح فأمّنهم، ووظّف عليهم الخراج، ثم عبر نهر مهران مما يلى بلاد راسل «٦» الملك على جسر عقده، هذا وداهر مستخفّ به، فلقيه محمد ومن معه وهو على فيل، والفيلة حوله ومعه الذكاكرة «٧» ،

стр. 7917

فاقتتلوا قتالا شديدا، وترجّل داهر، وقاتل فقتل عند المساء، وانهزم الكفار وقاتلهم المسلمون كيف شاءوا، وقال قائلهم «١» : الخيل تشهد يوم داهر والقنا ... ومحمد بن القاسم بن محمّد أنّى فرجت الجمع غير معرّد «٢» ... حتى علوت عظيمهم بمهنّد فتركته تحت العجاج مجندلا «٣» ... متعفّر الخدّين غير موسّد قال: ولما قتل داهر تغلّب محمد على بلاد السند وفتح راور «٤» عنوة، وكان بها امرأة لداهر، فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها. ثم سار إلى برهمنا باذ «٥» العتيقة، وكان المنهزمون من الكفّار قد لجئوا إليها، ففتحها عنوة بعد قتال، وقتل بها بشرا كثيرا، وسار يريد الرّور «٦» وبغرور، فلقيه أهل ساوندرى «٧» ، فطلبوا الأمان فأمّنهم واشترط عليهم ضيافة «٨» المسلمين، ثم أسلم أهلها بعد ذلك، ثم تقدم إلى بسمد «٩» فصالحه أهلها، وسار إلى الرّور، وهى من مدائن

стр. 7918

السند على جبل، فحاصرهم شهورا فصالحوه، وسار إلى السكة «١» ففتحها، ثم قطع نهر بياس «٢» إلى الملتان، فقاتله أهلها وانهزموا، فحصرهم، وجاء إنسان فدلّه على قطع الماء الذى يدخل المدينة، فقطعه فعطشوا وألقوا بأيديهم، ونزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذّريّة وسدنة البدّ، وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهبا كثيرا، فجمع فى بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوّة فى وسطه، فسمّيت الملتان فرج بيت الذهب، والفرج: الثغر، وكان بدّ الملتان تهدى إليه الأموال من كل مكان ويحجّ «٣» إليه من البلاد، ويحلقون عنده رءوسهم ولحاهم، ويزعمون أنّ صنمه هو أيوب النبى ﵊. وعظمت فتوحاته، فنظر الحجاج فى النفقة على ذلك الثغر، فكانت ستين ألف ألف درهم، ونظر إلى» الذى حمل إليه منه فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألف ألف، وأدركنا ثأرنا ورأس داهر. قال: واستمر محمد بن القاسم بالهند إلى أن مات الحجاج فى سنة [٩٥ هـ] خمس وتسعين، فأتاه الخبر وهو بالملتان فرجع إلى الرّور والبغرور «٥» ، فأعطى الناس، ووجّه إلى البيلمان «٦»

стр. 7919

جيشا، فأعطوا الطاعة من غير قتال، وسالمه أهل شرشت «١» ، ثم أتى محمد الكيرج، فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم دوهر. وقيل: بل قتل، فنزل أهل المدينة على حكم محمد، فقتل المقاتلة، وسبى الذريّة؛ فقال شاعرهم: نحن قتلنا داهرا ودوهرا ... والخيل تردى منسرا فمنسرا «٢» قال: ولما مات الوليد بن عبد الملك وولّى سليمان عزل محمّد بن القاسم عن السند، واستعمل يزيد بن أبى كبشة السكسى على السند، فأخذ محمدا وقيّده وحمله إلى العراق، فقال متمثلا «٣» : أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فبكى أهل السند. ولما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط فقال «٤» : فلئن ثويت بواسط وبأرضها ... رهن الحديد مكبّلا مغلولا فلرب قينة «٥» فارس قد رعتها ... ولرب قرن قد تركت قتيلا قال: فعذّبه صالح فى رجال من آل أبى عقيل حتى قتلهم، فقال حمزة بن بيض يرثى محمدا «٦» :

стр. 7920

إن المروءة والسماحة والندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد ساس الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب ذلك سؤددا من مولد قال: وأما يزيد بن أبى كبشة فإنه مات بعد مقدمه إلى السند بثمانية عشر يوما، فاستعمل سليمان على السند حبيب بن المهلب، فقدم السند وقد رجع الملوك إلى ممالكهم، ورجع حيسبة «١» بن داهر إلى برهمنا باذ، فنزل حبيب على شاطىء مهران، وحارب قوما فظفر بهم. ثم مات سليمان، وولى عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فأسلم حيسبة والملوك، وتسمّوا بأسماء العرب، وكان عمرو بن مسلم الباهلى عامل عمر على ذلك الثغر، فغزا بعض الهند فظفر بهم، ثم ولّى الجنيد بن عبد الرحمن السند أيام هشام بن عبد الملك، فأتى شطّ مهران فمنعه حيسة بن داهر من العبور، وأرسل إليه: إنى قد أسلمت وولّانى الرجل الصالح بلادى، ولست أمكنك. فأعطاه رهنا، وأخذ منه رهنا على خراج بلاده، ثم ترادّ الرهون وكفر حيسبة، وحارب. وقيل: لم يحارب، وإنما الجنيد تجنّى عليه، فأتى الهند، فجمع جموعا وأعدّ السفن، واستعدّ للحرب، فسار إليه الجنيد فى السفن، فالتقوا، فأسر حيسبة فقتله الجنيد، وهرب صصّة بن داهر، وهو

стр. 7921

يريد أن يمضى إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده فى يده فقتله. وغزا الجنيد الكيرج؛ وكانوا قد نقضوا، فظفر ودخل المدينة فغنم وسبى، ووجّه العمال إلى المرمد. «١» والمندل ودهنج «٢» ، ووجّه جيشا إلى أزين «٣» فأغاروا عليها، وحرقوا ربضها، وفتح الجنيد البيلمان، وحصل «٤» عنده سوى ما حمله «٥» أربعون ألف ألف، وحمل مثلها. وفى أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند. ثم ولى الحكم بن عوام «٦» الكلبى، وقد كفر أهل الهند إلّا أهل قصّة «٧» ، فبنى مدينة سماها المحفوظة، وجعلها مأوى للمسلمين، وكان معه عمرو بن محمد بن القاسم فأغزاه من المحفوظة، فقدم عليه وقد ظهر أمره، فبنى مدينة وسمّاها المنصورة، واسترجع «٨» ما كان غلب عليه العدوّ، ثم قتل الحكم، فكان العمال يقاتلون العدوّ، ويفتتحون ما تيسر لهم لضعف الدولة الأموية، ثم جاءت الدولة العباسية فكان من أمر السند ما نذكره إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرنا أخبار السند ههنا لتكون متّسقة، فلنرجع إلى تتمّة الغزوات فى أيام الوليد بن عبد الملك:

стр. 7922

ذكر الغزوات الى بلاد الروم وما فتح منها وغزوات الصوائف على حكم السنين فى سنة [٨٦ هـ] ست وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك [أرض] «١» الروم. وغزا أيضا فى سنة [٨٧ هـ] سبع وثمانين، فقتل منهم عددا كثيرا بسوسنة من ناحية المصّيصة «٢» وفتح حصونا. وقيل: إن الذى غزا فى هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم، وحصن بولس وقمقم، وقتل من المستعربة نحوا من ألف مقاتل، وسبى ذرّيّتهم ونساءهم. والله أعلم. ذكر فتح طوانة «٣» وغيرها من بلد الروم وفى سنة [٨٨ هـ] ثمان وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس ابن الوليد بلد الروم، وكان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية يأمره أن يكتب إلى ملك الروم يعرّفه أنّ الخزر وغيرهم من ملوك جبال أرمينية قد أجمعوا على قصد بلاده ففعلوا ذلك، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، فتجهّزوا، وساروا نحو الجزيرة، ثم عطفوا منها إلى بلاد الروم فاقتتلوا هم والروم، فانهزم الروم، ثم رجعوا فانهزم المسلمون، وبقى العباس فى نفر، فنادى: يأهل القرآن؛ فأقبلوا جميعا، فهزم الله الرّوم حتى دخلوا طوانة «٤» ، وحصرهم المسلمون وفتحوها فى جمادى الأولى منها.

стр. 7923

ثم غزا مسلمة [والعباس] «١» الروم فى سنة [٨٩ هـ] تسع وثمانين، فافتح مسلمة حصن «٢» سورية، وافتتح العباس أذرولية «٣» ، ولقى من الروم جمعا فهزمهم «٤» . وقيل: إن مسلمة قصد عمّورية، فلقى بها جمعا كثيرا من الروم فهزمهم وافتتح هرقلية «٥» وقمولية «٦» . وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون «٧» ، وغزا مسلمة الترك من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا ومدائن هناك، وذلك فى سنة [٨٩ هـ] تسع وثمانين أيضا. وغزا مسلمة الروم فى سنة [٩٠ هـ] تسعين، ففتح الحصون الخمسة التى بسورية. وغزا العباس حتى بلغ أرزن «٨» وبلغ سورية. وفى سنة [٩١ هـ] إحدى وتسعين غزا عبد العزيز بن الوليد الصّائفة، وكان على ذلك الجيش مسلمة بن عبد الملك. وغزا مسلمة الترك فى هذه السنة من ناحية أذربيجان حتى بلغ الباب، وفتح مدائن وحصونا، ونصب عليها المجانيق. وغزا مسلمة أرض الروم فى سنة [٩٢ هـ] اثنتين وتسعين، ففتح حصونا ثلاثة، وجلا أهل سوسنة إلى بلاد الروم.

стр. 7924

وفيها كان فتح الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار المغرب، وغزيت جزيرة سردانية وسنذكر ذلك [أيضا] «١» إن شاء الله. وغزا العباس الروم فى سنة [٩٣] ثلاث وتسعين، ففتح سبسطية «٢» المرزبانيين. وغزا مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة «٣» ، وغزا مسلمة ففتح ماسية «٤» وحصن الحديد. وغزالة من ناحية ملطية. وغزا العباس بن الوليد الروم ففتح أنطاكية فى سنة [٩٤ هـ] أربع وتسعين. وغزا العباس فى سنة [٩٥ هـ] خمس وتسعين، ففتح هرقلة وغيرها، وفيها قتل الوضّاحى بأرض الروم ونحو ألف رجل معه. انتهت الغزوات فى أيام الوليد بن عبد الملك. فلنذكر خلاف ذلك من الحوادث على حكم السنين: ذكر الحوادث الكائنة فى أيام الوليد بن عبد الملك خلاف ما قدمناه سنة (٨٦ هـ) ست وثمانين: فى هذه السنة حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك عن شرطته.

стр. 7925

وحجّ بالناس هشام بن إسماعيل المخزومى. سنة (٨٧ هـ) سبع وثمانين: فى هذه السنة عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول، واستعمل عمر بن عبد العزيز، فقدمها فى الشهر، وثقله على ثلاثين بعيرا، فنزل دار مروان، وأحسن السيرة فى الناس، واستعان بفقهاء المدينة، وحرّضهم على أن يبلّغوه ما يبلغهم من أخبار عمّاله، وأن يعينوه على الحقّ، وقال: إنى أريد ألّا أقطع أمرا دونكم. وحج عمر بالناس فى هذه السنة، وكان على قضاء المدينة أبو بكر ابن عمرو بن حزم، وعلى قضاء البصرة عبد الله بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنهم. سنة (٨٨ هـ) ثمان وثمانين: ذكر عمارة مسجد النبى ﷺ والزيادة فيه فى هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فى شهر ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبىّ ﷺ فى المسجد، وأن يشترى ما فى نواحيه حتى يكون مائتى «١» ذراع، ويقول له: قدّم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك؛ فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فقوّموا ملكه قيمة عدل، واهدم عليهم، وادفع الأثمان إليهم، فإنّ لك فى عمر وعثمان رضى الله عنهما أسوة. فأحضرهم عمر وأقرأهم الكتاب، فأجابوا إلى أخذ الثمن؛

стр. 7926

فأعطاهم إياه، وهدم الحجر، وأرسل الوليد الفعلة من الشام، وبعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبى ﷺ ليعمره، فبعث إليه الروم مائة ألف مثقال من ذهب ومائة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملا. فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، وحضر عمر ومعه الناس، فوضعوا أساسه. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فى تسهيل البناء وحفر الآبار، وأمره أن يعمل الفوّارة بالمدينة، فعملها وأجرى ماءها، وكتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطّرق وعمل الآبار. وفيها منع الوليد المجذّمين من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأرزاق. وحجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، ووصل جماعة من قريش، وساق معه بدنا، وأحرم من ذى الحليفة، فلما كان بالتّنعيم أخبر أنّ مكّة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاجّ العطش. فقال عمر: تعالوا ندعو الله تعالى؛ فدعا ودعا معه الناس، فما وصلوا إلى البيت إلّا مع المطر، وسال الوادى، فخاف أهل مكّة من شدّته، ومطرت عرفة ومكة، وكثر الخصب. وقيل: إنما حجّ هذه السنة عمر بن الوليد [والله أعلم «١» ] .

стр. 7927

سنة (٨٩ هـ) تسع وثمانين: ذكر ولاية خالد بن عبد الله القسرى مكة وما خطب الناس [به] «١» وقاله وفى هذه السنة ولى خالد بن عبد الله القسرى، فخطب أهلها فقال: أيها الناس، أيهما أعظم، أخليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا من فضل الخليفة إلّا أنّ إبراهيم خليل الرحمن ﵊ استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا، يعنى بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بثنية طوى فى ثنية الحجون، فكان ماؤها عذبا، وكان ينقل ماءها ويضعه فى حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر وذهب ماؤها. وقيل: كانت ولاية خالد فى سنة [٩١ هـ] إحدى وتسعين. وقيل سنة أربع. وحج بالناس فى هذه السنة عمر بن عبد العزيز. سنة (٩٠ هـ) تسعين: ذكر هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاج فى هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته، وكان الحجاج قد خرج إلى رستقباذ «٢» للبعث، لأنّ الأكراد كانوا قد غلبوا على فارس، وأخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته، وجعل عليهم مثل الخندق، وجعلهم فى فسطاط قريب منه، وجعل عليهم الحرس من أهل

стр. 7928

الشام، وطلب منهم ستة آلاف ألف، وعذّبهم؛ فكان يزيد يصبر صبرا حسنا، فكان ذلك مما يغيظ الحجاج، فقيل له: إنه رمى فى ساقه بنشّابة فثبت نصلها فيه فهو لا يمسّها شىء إلّا صاح، فأمر أن يعذّب فى ساقه، فعذب، فصاح، فسمعته أخته هند، وكانت عند الحجاج فصاحت، فطلقها الحجاج، ثم كفّ عنهم وجعل يستأدى «١» منهم المال، فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا وأمر لهم بشراب، فسقوا، واشتغلوا «٢» ، فلبس يزيد ثياب طبّاخه وخرج، وقد جعل له لحية بيضاء، فرآه بعض الحرس، فقال: كأنّ هذه مشية يزيد، فلحقه فرأى لحيته بيضاء، فتركه، وعاد وخرج المفضّل ولم يفطن له، وكذلك عبد الملك، فجاءوا إلى سفن معدّة فركبوها، وساروا ليلتهم. ولما أصبح الحجاج وعلم بهم الحرس رفعوا أمرهم إليه ففزع، وظن أنهم قصدوا «٣» خراسان لفتنة، فبعث إلى قتيبة يأمره بالجدّ والاحتياط. ولما دنا يزيد وإخوته من البطائح استقبلتهم خيل قد ضمّرت وأعدّت لهم، فركبوها ومعهم دليل من كلب، فأخذوا على السّماوة إلى الشام، فأتى الحجاج الخبر، فكتب إلى الوليد يعلمه. وسار يزيد حتى قدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدى، وكان كريما على سليمان بن عبد الملك، فجاء وهيب إلى سليمان فأعلمه بحال يزيد وإخوته، وأنهم قد استعاذوا به من الحجاج. قال: فأتنى

стр. 7929

بهم، فإنهم آمنون لا يوصل «١» إليهم وأنا حىّ. فجاء بهم إليه فكانوا عنده فى مكان آمن. وكتب الحجاج إلى الوليد: إنّ آل المهلب خانوا مال «٢» الله وهربوا منّى، ولحقوا بسليمان. فلما علم أنهم عند أخيه سكن بعض مابه، وكتب إليه سليمان: إنّ يزيد عندى وقد أمّنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، لأن الحجاج أغرمه ثلاثة آلاف ألف، والذى بقى عليه أنا أؤدّيه. فكتب الوليد: والله لا أؤمّنه حتى تبعث به إلىّ ... فكتب سليمان: لئن بعثت به إليك لأجيئنّ معه. فكتب إليه: والله لئن جئتنى لا أؤمنه. فقال يزيد بن المهلّب: أرسلنى إليه، فو الله ما أحبّ أن أوقع بينك وبينه عداوة، واكتب معى بألطف ما قدرت عليه. فأرسله، وأرسل معه ابنه أيوب. وكان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيّدا. فقال سليمان لابنه: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد فى سلسلة. ففعل ذلك، فلما رأى الوليد ابن أخيه فى سلسلة قال: لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمّه، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تخفر ذمّة أبى، وأنت أحقّ من منعها، ولا تقطع منّا رجاء من رجا السلامة فى جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العزّ فى الانقطاع إلينا لعزّنا بك.

стр. 7930

فقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع فيه، ويضمن إيصال المال. فقال: لقد شققنا على سليمان. وتكلم يزيد واعتذر، فأمّنه الوليد، وردّه إلى سليمان، وكتب إلى الحجاج: إنى لم أصل إلى يزيد وأهله لمكانهم من سليمان، فاكفف عنهم، وكان أبو عيينة بن المهلّب عند الحجاج عليه ألف ألف، فتركها له، وكفّ عن حبيب بن المهلب، وكان يعذّب بالبصرة، وأقام يزيد عند سليمان فى أرغد عيش، وكان لا تصل إليه هديّة إلّا بعث بنصفها إلى يزيد، ولا تعجبه جارية إلا بعث بها إليه، وكان يزيد إذا أتته هدية بعث بها إلى سليمان. وفى هذه السنة استعمل الوليد قرّة بن شريك على مصر، وعزل أخاه عبد الله عنها. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد. وحج بالناس عمر بن عبد العزيز. وفيها مات أنس بن مالك رضى الله عنه الأنصارى. وقيل: سنة [٩٢ هـ] اثنتين وتسعين، وكان عمره ستّا وتسعين سنة، وقيل مائة وست سنين. سنة (٩١ هـ) احدى وتسعين: فى هذه السنة حجّ الوليد بن عبد الملك بالناس، فلما قدم المدينة دخل المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، ولم يبق

стр. 7931

غير سعيد بن المسيّب، لم يجسر «١» أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له [رضى الله عنه] «٢» : لو قمت. فقال: لا أقوم حتى يأتى الوقت الذى كنت أقوم فيه. قيل له: فلو سلّمت على أمير المؤمنين. قال: لا، والله لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد فى ناحية المسجد لئلا يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة. فقال: من ذلك الشيخ: أهو سعيد؟ قلت: نعم. ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلّم عليك. فقال الوليد: قد علمت حاله، نحن «٣» نأتيه، فأتاه فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فو الله ما تحرّك سعيد. فقال: بخير والحمد لله؛ فكيف أمير المؤمنين؟ وكيف حاله؟ فانصرف وهو يقول: هذا بقيّة الناس. وقسم الوليد بالمدينة رقيقا «٤» كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وصلّى بالمدينة الجمعة، وخطب الخطبة الأولى جالسا والثانية قائما. وفيها عزل الوليد عامله محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية. واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا الترك كما تقدم. سنة (٩٢ هـ) اثنتين وتسعين: فى هذه السنة حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة وكان من الغزوات والفتوحات ما تقدم ذكره.

стр. 7932

سنة (٩٣ هـ) ثلاث وتسعين: ذكر عزل عمر بن عبد العزيز فى هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة، وكان سبب ذلك أنّ عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف لحجّاج وظلمه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى الوليد: إن من عندى من المرّاق «١» وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة، وإن ذلك وهن. فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يولّيه المدينة ومكة، فأشار بخالد بن عبد الله القسرى وعثمان بن حيّان، فولى خالدا مكة وعثمان المدينة، فلما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها، وتهدّد من أنزل عراقيّا أو أجره دارا. وقيل: كان ذلك قبل هذا التاريخ. والله أعلم. وفيها كتب الوليد إلى عمر قبل عزله يأمره أن يضرب خبيب «٢» ابن عبد الله بن الزّبير، ويصب على رأسه ماء باردا، فضربه خمسين سوطا. وصبّ على رأسه ماء باردا فى يوم شات، ووقفه على باب المسجد، فمات من يومه. وحج بالناس عبد العزيز بن الوليد.

стр. 7933

سنة (٩٤ هـ) أربع وتسعين: ذكر مقتل سعيد بن جبير [رضى الله عنه] «١» فى هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وهو أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدى مولى بنى والية: بطن من بنى أسد بن خزيمة. وكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن [محمد بن] «٢» الأشعث، وكان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن لقتال رتبيل، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج وعبد الملك كان سعيد ممن خلع؛ فلما هزم عبد الرحمن هرب سعيد إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى عاملها يأمره بإرساله، فتحرّج العامل من ذلك، وأرسل إلى سعيد يعرّفه أن يفارق البلد، فخرج إلى أذربيجان ثم خرج إلى مكة، فكان بها حتى قدم خالد بن عبد الله مكة، وأخرج أهل العراق إلى الحجّاج، فأخذ سعيد فيمن أخذ، وسيره إلى الحجاج مع حرسيّين، فانطلق أحدهما لحاجته فى بعض الطريق وبقى الآخر فنام واستيقظ. فقال لسعيد: إنى أبرأ إلى الله من دمك، إنى رأيت فى منامى قائلا يقول لى: ويلك! تبرأ إلى الله من دم سعيد بن جبير، فاذهب حيث شئت، فإنى لا أطلبك، فأبى سعيد ذلك، ورأى الحرسىّ ذلك ثلاث مرات وهو يكرّر القول على سعيد فى الذهاب فلا يفعل. ثم قدم الكوفة فأدخل على الحجاج، فلما رآه قال: لعن الله ابن النصرانية- يعنى خالد بن عبد الله،

стр. 7934

أما كنت أعرف مكانه، بلى والله والبيت الذى كان فيه بمكة. ثم أقبل عليه وقال: يا سعيد، ألم أشركك فى أمانتى «١» ؟ ألم أستعملك؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علىّ؟ قال: إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطىء مرّة ويصيب مرة. فطابت نفس الحجاج، ثم عاوده فى شىء، فقال: إنما كانت بيعته «٢» فى عنقى. فغضب الحجاج وانتفخ. وقال: يا سعيد، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين [عبد الملك] «٣» ؟ قال: بلى. قال: ثم قدمت الكوفة واليا فجدّدت البيعة فأخذت بيعتك ثانيا؟ قال: بلى. قال: فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين، وتوفى بواحدة للحائك ابن الحائك، والله لأقتلنّك. قال: إنى إذا لسعيد كما سمّتنى أمى، فأمر به فضربت رقبته. فلما سقط رأسه هلل ثلاثا؛ أفصح بمرّة «٤» ولم يفصح بمرّتين، والتبس عقل الحجاج فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود، فعطفوا «٥» رجلى سعيد من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود. وكان الحجاج إذا نام يراه فى منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: يا عدوّ الله، فيم قتلتنى، فيقول: مالى ولسعيد بن جبير! مالى ولسعيد بن جبير! يكررها.

стр. 7935

وفيها كانت الزلازل بالشام فدامت أربعين يوما، فخربت البلاد، وكان معظم «١» ذلك بأنطاكية. ذكر وفاة زين العابدين على بن الحسين ابن على بن أبى طالب رضى الله عنهم ونبذة من أخباره كانت وفاته بالمدينة فى أول سنة [٩٤ هـ] أربع وتسعين. وقيل فى سنة اثنتين. وقيل سنة ثلاث. وقيل سنة تسع وتسعين. وقيل سنة مائة. حكى هذا الاختلاف أبو القاسم بن عساكر فى تاريخ دمشق، واقتصر ابن الأثير الجزرى على سنة أربع وتسعين دون غيرها. وكان ﵀ يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو محمد، ويقال أبو الحسن، ويقال أبو الحسين زين العابدين. ومولده سنة [٣٣ هـ] ثلاث وثلاثين، وأمه أمّ ولد اسمها غزالة [خلف عليها بعد الحسين زييد مولى الحسين، فولدت له عبد الله بن زييد. وقال إسماعيل بن موسى السّدّى: عبد الرحمن بن حبيب أخو علىّ ابن الحسين لأبيه] «٢» ، وكان ﵀ ثقة ورعا مأمونا كثير الحديث من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة. حكى أبو القاسم بن عساكر فى تاريخه عن الزهرى، قال: شهدت علىّ بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأوثقه حديدا، ووكل به حفّاظا فاستأذنتهم «٣» فى التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لى فدخلت عليه، وهو فى قبّة

стр. 7936

والقيود فى رجليه والغلّ فى يديه، فسكنت «١» وقلت: وددت أنى مكانك وأنت سليم. فقال: يا زهرىّ، أو تظنّ هذا مما ترى علىّ وفى عنقى. أما إنى لو شئت ما كان. ثم أخرج يديه من الغلّ ورجليه من القيد. ثم قال: يا زهرىّ، جزت معهم على هذا منزلتين من المدينة. فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكّلون به يطلبونه بالمدينة، فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لى بعضهم: إنا نراه متبوعا، إنه لنازل- ونحن حوله لا ننام نرصده- إذ أصبحنا، فما وجدنا إلا حديده. قال الزهرى: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألنى عن علىّ ابن الحسين، فأخبرته، فقال لى: إنه قد جاءنى فى يوم فقده الأعوان، فدخل علىّ، فقال: أنا وأنت! فقلت: أقم عندى. فقال: لا أحبّ، فخرج، فو الله لقد امتلأ ثوبى منه خيفة. فقال الزهرى: فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس علىّ بن الحسين حيث تظنّ، إنه لمشغول بنفسه. فقال: نعم. وقيل: وقع حريق بالمدينة فى بيت فيه علىّ بن الحسين، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار! فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذى ألهاك عنها؟ قال: ألهانى عنها النار الأخرى.. وقيل: كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه، ولا يخطر بيده. وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال: ما تدرون بين يدى من أقوم ومن أناجى.

стр. 7937

قيل: وكان إذا توضّأ اصفرّ فيقول له أهله: ما هذا الذى يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدى من أريد أقوم؟ وعن سفيان بن عيينة قال: حجّ على بن الحسين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرّ لونه وانتفض، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبّى. فقيل له: ما لك لا تلبّى؟ فقال: أخشى أن أقول لبّيك، فيقول لى: لا لبّيك. فقيل له: لا بدّ من هذا. فلما لبّى غشى عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجّه. وقيل: كان رضى الله عنه يصلّى فى كلّ يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات رضى الله عنه. وكان يسمّى بالمدينة زين العابدين لعبادته. وقيل: إنه قاسم الله ماله مرّتين، وكان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين فى ظلمة الليل، ويقول: إن الصّدقة فى ظلمة الليل تطفئ غضب الرّبّ. وأعتق غلاما أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم وألف دينار. قيل: وسكبت جارية عليه الماء ليتهيّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه، فشجّه، فرفع رأسه إليها، فقالت: إن الله يقول «١» : «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ» . قال: قد كظمت غيظى. قالت «٢» : «وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» . قال: قد عفا الله عنك. قالت «٣» : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» * . قال: اذهبى فأنت حرّة.

стр. 7938

قيل» : وأذنب له غلام ذنبا استحقّ منه العقوبة، فأخذ السّوط. فقال الغلام: «قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله» ، وما أنا كذلك، إنى لأرجو رحمة الله، وأخاف عذابه، فألقى السّوط، وقال: أنت عتيق. وقيل: حجّ هشام بن عبد الملك فى زمن عبد الملك أو فى زمن الوليد، فلما طاف جهد أن يستلم الحجر فلم يطق لزحام الناس عليه، فنصب له منبر، وجلس ينظر إلى الناس، إذ أقبل علىّ بن الحسين رضى الله عنه من أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، فطاف بالبيت، فكان كلما بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذى قد هابه الناس هذه المهابة؟ فقال هشام: لا أعرفه- مخافة أن يرغب الناس فيه، وكان حوله وجوه أهل الشام، والفرزدق الشاعر، فقال الفرزدق: لكننى أنا أعرفه، فقال أهل الشام: من هذا يا أبا فراس؟ فزبره هشام، وقال: لا أعرفه. فقال الفرزدق: بل تعرفه، ثم أنشد مشيرا إليه «٢» : [هذا سليل حسين وابن فاطمة ... بنت الرسول الذى انجابت به الظّلم] «٣» هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم هذا ابن خير عباد الله كلّهمو ... هذا النّقى التّقىّ الطاهر العلم

стр. 7939

إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهى الكرم يرقى «١» إلى ذروة العزّ الذى قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام «٢» والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلا حين يبتسم بكفّه خيزران ريحها عبق ... من كفّ أروع فى عرنينه شمم من جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له «٣» الأمم ينشقّ نور الهدى عن نور غرّته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظّلم «٤» مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصرها والخيم والشّيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا

стр. 7940

الله شرّفه قدما وفضّله ... جرى بذاك له فى لوحه القلم [فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم] «١» كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... يستو كفان ولا يعروهما عدم «٢» حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم من معشر حبّهم دين وبغضهمو ... كفر وقربهمو منجى ومعتصم إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم

стр. 7941

لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا يستدفع السوء والبلوى بحبّهمو ... ويستردّ به الإحسان والنعم مقدّم بعد ذكر الله ذكرهمو ... فى كل أمر ومختوم به الكلم يأبى لهم أن يحلّ الذّلّ «١» ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم أىّ الخلائق ليست فى رقابهمو ... لأوّليّة هذا أو له نعم من يشكر الله يشكر أوليّة ذا ... فالدّين من بيت هذا بابه الأمم قال: فغضب هشام لذلك وتنغّص عليه يومه، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك علىّ بن الحسين رضى الله عنه، فبعث إليه باثنى عشر ألف درهم، وقال: اعذر أبا فراس، لو كان عندنا أكثر من هذا لو صلناك بها، فردّها الفرزدق، وقال: ما قلت الذى قلت إلّا غضبا لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليها شيئا، فردّها عليه، وقال: بحقّى عليك إلا قبلتها، فقد علمت أنّا أهل بيت إذا أنفذنا أمرا لا نرجع فيه،

стр. 7942

وقد رأى الله مكانك، وعلم نيّتك، والجزاء عليه تعالى. فقبلها. وجعل الفرزدق يهجو هشاما، فكان مما هجاه به «١» : أتحبسنى «٢» بين المدينة والتى ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد ... وعينين حولاوين باد عيوبها وكان على بن الحسين يقول: لقد استرقّك بالودّ من سبقك بالشكر. ولما حضرته الوفاة أوصى ألّا يؤذنوا به أحدا، وأن يكفّن فى قطن، ولا يجعلوا فى حنوطه مسكا، ودفن بالبقيع ﵀ ورضى عنه. ومات أيضا فى هذه السنة عروة بن الزبير رضى الله عنهما، وسعيد بن المسيّب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام. وحجّ بالناس مسلمة بن عبد الملك. وقيل عبد العزيز بن الوليد. وفيها استقضى الوليد على الشام سليمان بن حبيب. سنة (٩٥ هـ) خمس وتسعين: ذكر وفاة الحجاج بن يوسف الثقفى وشىء من أخباره هو أبو محمد الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ابن عامر بن مسعود بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف، كانت وفاته فى شوال سنة [٩٥ هـ] خمس وتسعين،

стр. 7943

وقيل لخمس بقين من شهر رمضان من السنة، وله من العمر أربع وخمسون، وقيل ثلاث وخمسون. روى أن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار فى أيام الوليد بن عبد الملك، فقال عمر بن العزيز: الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرّة بن شريك بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة؛ اللهم قد امتلأت ظلما وجورا، فأرح الناس. فلم يمض غير قليل حتى توفى الحجاج وقرّة فى شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، وعزل عثمان بن حيّان، وخالد بن عبد الله القسرى. واستجاب الله لعمر. وما أشبه هذه القصة بقصة عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لما بلغه أنّ زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية يقول: إنّى قد ضبطت العراق بشمالى ويمينى فارغة. فقال ابن عمر: اللهم أرحنا من يمين زياد، وأرح أهل العراق من شماله. فاستجاب الله له. وكان من خبر وفاة زياد ما ذكرناه. وكانت ولاية الحجاج العراق عشرين سنة، ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، وعلى حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبى كبشة، وعلى الخراج يزيد بن أبى مسلم، فأقرّهما الوليد بعده. وكان الحجاج من أفصح الناس. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحجاج ومن الحسن، وقد ذكرنا من كلامه عند مقدمه الكوفة ما يدلّ على فصاحته.

стр. 7944

ومن أخباره أنّ عبد الملك كتب إليه يأمره بقتل أسلم بن عبد الله البكرى لشىء بلغه عنه، فأحضره الحجاج، فقال: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول «١» : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... » الآية. والذى بلغه عنى فباطل «٢» . فاكتب إلى أمير المؤمنين أنى أعول أربعا وعشرين امرأة، وهنّ بالباب؛ فأحضرهن، وكان فى آخرهن جارية قاربت عشر سنين. فقال لها: من أنت منه؟ قالت: ابنته، أصلح الله الأمير، ثم أنشأت «٣» : أحجاج لو «٤» تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج لا «٥» تقتل به إن قتلته ... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه ... علينا فمهلا أن تزدنا تضعضعا أحجاج إما أن تجود بنعمة ... علينا وإما أن تقتّلنا معا فبكى الحجاج، وقال: والله لا أعنت الدهر عليكنّ ولازدتكنّ تضعضعا. وكتب إلى عبد الملك بخبره وخبر الجارية، فكتب إليه: إذا كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته وتفقّد «٦» الجارية، ففعل.

стр. 7945

قال عاصم بن بهدلة: سمعت الحجاج يقول: اتّقوا الله ما استطعتم، هذا والله مثنوية، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ليس فيه مثنوية، والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا لحلّت لى دماؤكم، ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أمّ عبد- يعنى ابن مسعود- إلّا ضربت عنقه، ولأحكّنّها من المصحف ولو بضلع خنزير. قال الأوزاعى: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم. قال الحسن: سمعت عليا يقول على المنبر: اللهم ائتمنتهم فخانوا، ونصحتهم فغشّونى، اللهم فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم فى دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية، فوصفه. قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج. قال حبيب بن أبى ثابت: قال علىّ رضى الله عنه لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: يا أمير المؤمنين؛ ما فتى ثقيف؟ قال: ليقالنّ له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين، فلا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وبينها وبينه باب مغلق لكسره. حتى يرتكبها، يقتل «١» من أطاعه بمن عصاه. وقيل: أحصى من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا.

стр. 7946

وقيل: إن الحجاج مرّ بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر فى مشيته، فقال رجل لخالد: من هذا؟ فقال خالد: بخ بخ! هذا عمرو ابن العاص. فسمعها الحجاج فرجع، وقال: والله ما يسرّنى أن العاص والدى «١» ، ولكنى ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل من قريش، وأنا الذى ضربت «٢» بسيفى هذا مائة ألف كلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر. ثم ولّى، وهو يقول: بخ بخ عمرو بن العاص! فقد أقرّ على نفسه بمائة ألف قتيل على ذنب واحد. وحجّ بالناس فى هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك. سنة (٩٦ هـ) ست وتسعين: ذكر وفاة الوليد بن عبد الملك وشىء من أخباره وسيرته وأولاده وعماله كانت وفاته بدير «٣» مرّان فى النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. ودير مرّان كان بجبل قاسيون بظاهر دمشق، وهو الآن مدرسة وتربة منسوبة إلى الملك المعظّم شرف الدين عيسى ابن العادل ابن أيوب. كانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر. ودفن خارج الباب الصغير بدمشق. وقيل فى مقابر الفراديس «٤» . وصلّى عليه عمر بن عبد العزيز. ولما دلّى فى حفرته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: عاش أبى؟ فقال له عمر بن عبد العزيز- وكان فيمن

стр. 7947

دفنه: عوجل والله أبوك. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر. وقيل سبعا وأربعين. وقيل ثمانيا وأربعين. والله أعلم. وكان أسمر اللّون، جميل الوجه، أفطس الأنف. وقيل. كان سائل الأنف جدّا وبوجهه آثار جدرى. وكان نقش خاتمه: يا وليد، إنك ميت. وكان له من الأولاد تسعة عشر ذكرا، وعدّهم بعض المؤرخين عشرين، وهم: يزيد، وإبراهيم- وليا الخلافة، والعباس فارس بنى مروان، وعمر فحل بنى مروان، وعبد العزيز، وبشر، وصدقة، ومحمد، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عبيدة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمرو، وروح، ويحيى، هؤلاء الذكور، سوى البنات. كتّابه: قرّة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحاك ابن يزيد، ثم يزيد بن أبى كبشة، ثم عبد الله بن بلال. قضاته: عبد الله بن بلال، وسليمان بن حبيب. حجّابه: خالد، وسعيد مولياه. الأمراء بمصر: أخوه عبد الله، ثم قرّة بن شريك. قاضيها: عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة «١» ، ثم صرفه قرّة وولّى عياض بن عبد الله، ثم وليها عبد الملك بن رفاعة بعد وفاة قرّة. وكان عمّاله على الأمصار من ذكرناهم. قال: وكان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام من أفضل

стр. 7948

خلفائهم «١» ، وله آثار حسنة ومبان عظيمة، وفتح فى أيامه بلاد الأندلس وماوراء النهر وبلاد الهند. [قال] «٢» : وكان الوليد يمرّ بالبقّال فيقف عليه، ويأخذ منه حزمة بقل، فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول الوليد: زد فيها. وبنى جامع دمشق فى سنة [٨٦ هـ] ست وثمانين، وهدم كنيسة النصارى التى كانت إلى جانبه، وتعرف بماريو حنا، وزادها فيه. وقيل: كان فى الجامع وهو يبنى اثنا عشر ألف مرخم. وتوفّى الوليد ولم يتمّ بناؤه، وكان الفراغ منه فى أيام سليمان أخيه. وقيل: إن جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق، فى كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلة من الذهب للقناديل، ولم تطق الناس الصلاة فيه لكثرة شعاعه، فدخنت حتى اسودّت، فلما ولى عمر بن عبد العزيز جعلها فى بيت المال، وعوّضها بالحديد. وأمر الوليد ببناء جامع البيت المقدس فى سنة [٨٨ هـ] ثمان ثمانين. قيل: وحجّ الوليد بالناس ثلاث «٣» حجج: سنة ثمان وثمانين. وسنة إحدى وتسعين، وسنة أربع وتسعين. قال: وكان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان، ويبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان، فكتب إلى عمّاله، ودعا الناس إلى خلعه، فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج وقتيبة وخواصّ من الناس.

стр. 7949

فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم على المسير إليه ليخلعه، وأخرج خيمة فمات قبل أن يسير إليه. قال: وكان الوليد لحانا لا يحسن العربية، فعاتبه أبوه، وقال: إنه لا يلى العرب إلّا من يحسن كلامهم؛ فجمع النّحاة، ودخل بيتا فلم يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخل، فقال عبد الملك: قد أعذر. والله أعلم. ذكر بيعة سليمان بن عبد الملك هو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه ولادة أم أخيه الوليد، وهو السابع من ملوك بنى أمية. بويع له يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة، وهو يوم وفاة أخيه الوليد، وكان إذ ذاك بالرّملة، وكان الوليد قد أراد خلعه من ولاية العهد، فمات قبل أن يتمّ له ما أراد من ذلك. ولنذكر الحوادث الكائنة فى أيامه على حكم السنين: [سنة (٩٦ هـ) ست وتسعين:] ذكر قتل «١» قتيبة بن مسلم وفى هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلى بخراسان، وكان سبب ذلك أنه أجاب الوليد إلى خلع سليمان كما ذكرنا، فلما أفضت الخلافة إلى سليمان خشى قتيبة أنّ سليمان يستعمل يزيد بن المهلب على خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتابا يهنّئه بالخلافة ويذكر

стр. 7950

بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان. وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه بفتوحه ومكانته، وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته فى صدورهم، ويذمّ آل المهلّب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنّه. وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه، وبعث الكتب مع رجل من أهله، وقال له: ادفع الكتاب الأول إليه، فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الثانى. فإن قرأه ودفعه إلى يزيد فادفع إليه الثالث، وإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين عنه. فقدم رسول قتيبة، فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلّب، فدفع إليه الكتاب الأوّل، فقرأه وألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الثانى، فقرأه وألقاه إليه، فأعطاه الثالث، فقرأه وتغيّر «١» لونه وختمه وأمسكه بيده. فقيل «٢» : كان فيه: لو لم «٣» تقرّنى على ما كنت عليه وتؤمننى لأخلعنّك، ولأملأنّها عليك خيلا ورجلا «٤» . ثم أمر سليمان بإنزال رسول قتيبة، ثم أحضره ليلا وأعطاه دنانير وعهد قتيبة على خراسان وسيّر معه رسولا، فلما كانا «٥» بحلوان بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان، وكان قتيبة لما همّ بخلع سليمان استشار إخوته فقال عبد الرحمن: اقطع بعثا [فوجّه] «٦»
следующие страницы →