Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.
стр. 7876
فكتب الحجاج إلى المفضّل: إنى قد ولّيتك خراسان، فجعل المفضل يستحثّ يزيد، فقال له [يزيد] «١» : إنّ الحجاج لا يقرّك بعدى، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، وستعلم.
وخرج يزيد فى شهر ربيع الآخر سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين، وأقرّ الحجاج أخاه المفضّل تسعة أشهر، ثم عزله، واستعمل قتيبة على ما نذكره، وسار يزيد بن المهلب فكان «٢» لا يمرّ بتبلد إلّا فرش أهلها الرياحين.
ذكر أخبار موسى بن عبد الله بن خازم واستيلائه على ترمذ «٣»
وما كان من حروبه مع العرب والترك وخبر مقتله كان موسى بن عبد الله قد استولى على ترمذ، وأخرج ترمذ شاه عنها، وسبب ذلك أن أباه عبد الله لما قتل من قتل من بنى تميم بخراسان «٤» كما تقدّم ذكر ذلك فى أثناء أخبار عبد الله ابن الزّبير تفرّق عنه أكثر من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بنى تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: خذ ثقلى واقطع
стр. 7877
نهر بلخ حتى تلتجىء «١» إلى بعض الملوك أو إلى حصن تكون «٢» فيه.
فرحل موسى عن مرو فى عشرين ومائتى فارس، واجتمع إليه تتمة أربعمائة، وانضوى «٣» إليه قوم من بنى سليم «٤» ، فأتى زمّ «٥» ، فقاتله أهلها، فظفر بهم، وأصاب مالا، وقطع النهر. فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافه.
[وقال: رجل فاتك] «٦» فلا آمنه، ووصله، وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلّا كره مقامه عنده.
فأتى سمرقند، فأكرمه ملكها طرخون وأذن له فى المقام بها، فأقام بها ما شاء الله. وكان لأهل الصّغد مائدة توضع فى كل عام مرة، عليها خبز ولحم وخلّ وإبريق شراب، يجعلون ذلك لفارس الصّغد فلا يقربه غيره، فإن أكل منه بارزه الفارس. فأيّهما قتل صاحبه كانت المائدة له، وكان الفارس المشار إليه، فرآها رجل من أصحاب موسى، فقال: ما هذه؟ فأخبر، فأكل ما عليها.
وجاء الفارس مغضبا، فقال: يا أعرابى، بارزنى، فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصّغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم
стр. 7878
فارسى، فلولا أنى أمنتك وأصحابك لقتلتك «١» ، اخرجوا عن بلدى.
فخرجوا، فأتى موسى كشّ، فضعف صاحبها عنه، فاستنصر طرخون فأتاه، فقاتله موسى وقد اجتمع معه سبعمائة فارس يوما حتى أمسوا وتحاجزوا، ثم اتفقوا أن يرتحل موسى عن كشّ؛ فسار فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر، فنزل موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه «٢» أن يدخله الحصن فأبى، فأهدى له موسى ولاطفه حتى أنس به، وصارت بينهما مودّة، وتصيّد معه، وصنع صاحب ترمذ «٣» طعاما، وأحضر موسى ليأكل معه، وشرط ألّا يحضر إلّا فى مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة منهم، فدخلوا الحصن وأكلوا، فلما فرغوا قال له ترمذشاه: اخرج.
قال: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتى أو قبرى، وقاتلهم فقتل منهم عدّة وهرب الباقون، واستولى موسى عليها، وأخرج ترمذشاه منها، ولم يعرض له، ولا لأصحابه.
فأتوا التّرك يستنصرونهم على موسى، فلم ينصروهم، وقالوا:
لا نقاتل هؤلاء.
وأقام موسى بترمذ، وأتاه جمع من أصحاب أبيه فقوى بهم، فكان يغير على ما حوله.
стр. 7879
وولى بكير بن وسّاج «١» خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أميّة «٢» .
فسار يريده؛ فخالفه بكير، فرجع على ما تقدم «٣» ، ثم وجّه أميّة رجلا من خزاعة فى جمع كثير لقتال موسى، فجاء إلى ترمذ وحصره، فعاد أهل ترمذ إلى الترك، واستنصروهم وأعلموهم أنه قد غزاه قوم من العرب وحصروه، فسارت التّرك فى جمع كثير «٤» إلى الخزاعى فأطاف بموسى العرب «٥» والترك، فكان يقاتل الخزاعى أول النهار والتّرك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة.
ثم أراد أن يبيّت الخزاعى، فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابى: بيّت العجم، فإنّ العرب أشد حذرا وأجرأ «٦» على الليل.
فوافقه.
وأقام حتى ذهب ثلث الليل، وخرج فى أربعمائة، وقال لعمرو ابن خالد: اخرج بعدنا أنت ومن معك [منا] «٧» قريبا، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبّروا.
ثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع إليهم، وجعل أصحابه أرباعا، وأقبل إليهم، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟
قالوا: عابرو سبيل. فلما جاوزوا الرصد حملوا على التّرك وكبّرو
стр. 7880
فلم يشعر الترك إلّا بوقع السيوف فيهم، فثاروا «١» يقتل بعضهم بعضا وولّوا. فحوى موسى ومن معه عسكرهم، وأصابوا سلاحا كثيرا ومالا، وأصيب من أصحاب موسى ستة عشر رجلا، وأصبح الخزاعى وأصحابه وقد كسرهم ذلك، وخافوا مثلها، فقال عمرو بن خالد لموسى: إنّا لا «٢» نظفر إلّا بمكيدة، ولهؤلاء أمداد تأتيهم، فدعنى آته لعلّى أصيب فرصة فأقتل الخزاعى، فاضربنى. فقال موسى:
تتعجّل الضّرب، وتتعرّض للقتل؟ قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرّض له، وأما الضّرب فما أيسره فى حبّ «٣» ما أريد.
فضربه موسى خمسين سوطا، فخرج حتى أتى عسكر الخزاعى مستأمنا، وقال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه، وإنه اتهمنى وقال: قد تعصّبت لعدوّنا، وأنت عين له، ولم آمن القتل، فهربت منه.
فأمّنه الخزاعىّ، وأقام معه، فدخل يوما فلم ير عنده أحدا ولا معه سلاحا، فقال له كالناصح: أصلح الله الأمير، إنّ مثلك فى مثل هذا الحال لا ينبغى أن يكون بغير سلاح. قال: إن معى سلاحا، ورفع طرف فراشه، فإذا سيف منتضى، فأخذه عمرو فضرب به الخزاعى حتى قتله، وخرج فركب فرسه وأتى موسى.
وتفرّق ذلك الجيش، وأتى بعضهم موسى مستأمنا فأمّنه، ولم يوجّه إليه أمية أحدا.
стр. 7881
وعزل أمية، وقدم المهلّب [أميرا] «١» ، فلم يعرض لموسى، وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون ولاة خراسان مادام هذا الثّطّ «٢» بمكانه، فإن قتل فأول طالع عليكم أمير خراسان من قيس.
فلما مات المهلّب وولى يزيد لم يعرض «٣» إليه أيضا، وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعى، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، فلما ولى يزيد بن المهلّب أخذ أموالهما، وقتل أخاهما لأمهما الحارث بن منقذ، فخرج ثابت إلى طرخون، فشكا إليه ما صنع به يزيد، وكان ثابت محبوبا إلى الترك بعيد الصوت فيهم «٤» ؛ فغضب له طرخون، وجمع له نيزك والسّبل وأهل بخارى والصّغانيان، فقدموا مع ثابت إلى موسى، واجتمع لموسى أيضا فلّ عبد الرحمن ابن العباس من هراة وفلّ عبد الرحمن بن الأشعث من العراق، ومن ناحية كابل، [وقوم من بنى تميم ممن كان يقاتل ابن خازم فى الفتنة من أهل خراسان] «٥» ، فاجتمع معه «٦» ثمانية آلاف.
فقال له ثابت وحريث: سر بنا حتى نقطع النهر ونخرج يزيد عن خراسان ونولّيك.
فهمّ أن يفعل، فقال له أصحابه: إن أخرجت يزيد عن
стр. 7882
خراسان تولّى ثابت وأخوه خراسان وغلبا عليها، فامتنع من المسير، وقال لثابت وحريث: إن أخرجنا يزيد قدم عامل لعبد الملك، ولكنا نخرج عمّال يزيد من وراء النهر، وتكون [هذه الناحية] «١» لنا؛ فأخرجوا عماله، وجبوا الأموال، وقوى أمرهم، وانصرف طرخون ومن معه، واستبدّ ثابت وحريث بتدبير الأمر، وليس لموسى إلا اسم الإمرة. فقيل لموسى: اقتل ثابتا وحريثا، واستقلّ بالأمر، فإنه ليس لك من الأمر شىء. وألحّ أصحابه عليه فى ذلك حتى همّ بقتلهما.
فبينما هم فى ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة والتبّت والترك فى سبعين ألف مقاتل غير الأتباع ومن ليس هو كامل السلاح.
فخرج موسى وقاتلهم فيمن معه، ووقف ملك الترك على تلّ فى عشرة آلاف فى أكمل عدّة، وقد اشتدّ القتال، فقال موسى لأصحابه:
إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشىء، فقصدهم «٢» حريث بن قطبة وقاتلهم حتى أزالهم عن التلّ، ورمى حريث بنشّابة فى جبهته، وتحاجزوا وبيّتهم موسى، فحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة «٣» ملكهم، فوجأ رجلا منهم بقبيعة «٤» سيفه، فطعن فرسه فاحتمله الفرس فألقاه فى نهر بلخ فغرق وقتل من التّرك خلق كثير، ونجا من نجا منهم بشرّ، ومات حريث بيومين «٥»
стр. 7883
ورجع موسى وحمل معه الرءوس، فبنى منها جوسقين، وقال أصحاب موسى: قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر «١» ثابت، فأبى، وبلغ ثابتا بعض ذلك فدسّ «٢» محمد بن عبد الله الخزاعى على موسى، وقال:
إياك أن تتكلم بالعربية، فإن «٣» سألوك فقل: أنا من سبى «٤» الباميان، ففعل ذلك، وتلطّف حتى اتصل بموسى وصار يخدمه «٥» وينقل إلى ثابت خبرهم، فحذر ثابت. وألحّ القوم على موسى، فقال لهم ليلة: قد أكثرتم على؛ وفيما تريدون هلاككم، فعلى أىّ وجه تقتلونه ولا أغدر به «٦» . فقال له أخوه نوح: إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض الدّور فضربنا عنقه قبل أن يصل إليك. فقال: والله إنه لهلاككم، وأنتم أعلم.
فخرج الغلام فأخبر ثابتا فخرج من ليلته فى عشرين فارسا ومضى، وأصبحوا فلم يجدوه ولا الغلام، فعلموا أنه كان عينا له، ونزل ثابت بحشورا «٧» ، واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم، فأتاه موسى وقاتله فتحصن ثابت بالمدينة، وأتى طرخون معينا له، فرجع موسى إلى ترمذ، وأقبل ثابت وطرخون ومعهما أهل بخارى، ونسف وكشّ «٨» ، فاجتمعوا فى ثمانين ألفا، فحصروا
стр. 7884
موسى حتى جهد هو وأصحابه، فقال يزيد بن «١» هذيل: والله لأقتلنّ ثابتا أو لأموتنّ، فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير:
أنا أعرف بهذا منك، ما أتاك «٢» إلّا بغدرة، فاحذره. فأخذ ابنيه:
قدامة، والضحاك رهنا، فكانا فى يد ظهير، وأقام يزيد يلتمس غرّة ثابت، فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعى، فخرج ثابت إليه ليعزيه [ومعه ظهير ورهط من أصحابه، وفيهم يزيد بن هذيل] «٣» وهو بغير سلاح، وقد غابت الشمس، فدنا يزيد من ثابت فضربه على رأسه [فعضّ السيف برأسه] «٤» ، فوصل إلى الدماغ وهرب، فسلم. فأخذ طرخون قدامة والضحاك ابنى يزيد فقتلهما، وعاش ثابت سبعة أيام، ومات.
وقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت [فقاما قياما ضعيفا] «٥» ، فانتشر أمرهم، وأجمع موسى على بياتهم، فأخبر طرخون بذلك فضحك، وقال: موسى يعجز أن يدخل متوضّأه فكيف يبيّتنا، لا يحرس الليلة أحد.
فخرج موسى فى ثمانمائة، وجعلهم أرباعا، وبيّتهم فكانوا لا يمرّون بشىء إلّا صرعوه «٦» من الرجال والدوابّ وغيرها، فأرسل طرخون إلى موسى: أن كفّ أصحابك، فإنا نرحل إذا أصبحنا، فرجع موسى وارتحل «٧» طرخون والعجم جميعا.
стр. 7885
فلما عزل يزيد بن المهلب وولى المفضّل أراد أن يحظى عند الحجّاج بقتال موسى، فسيّر إليه عثمان بن مسعود فى جيش، وكتب إلى أخيه مدرك بن المهلب وهو ببلخ يأمره بالمسير معه، فعبر النّهر فى خمسة عشر ألفا، وكتب إلى السّبل وإلى طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى وضيّقوا عليه، فمكث شهرين فى ضيق، وقد خندق عثمان عليه، وحذر البيات، فقال موسى لأصحابه: اخرجوا بنا، حتى متى نصبر «١» ؟
فاجعلوا يومكم معهم إمّا ظفرتم وإما قتلتم، واقصدوا الترك.
فخرجوا وخلّف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم فى المدينة، وقال له: إن قتلت فلا تدفعنّ المدينة إلى عثمان، وادفعها إلى مدرك ابن المهلب، وخرج وجعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان، وقال: لا تقاتلوه «٢» إلا إن قاتلكم، وقصد طرخون وأصحابه فصدقوهم القتال، فانهزم طرخون، واستولى موسى على عسكره، وزحفت «٣» التّرك والصّغد، فحالوا بين موسى والحصن، فقاتلهم، فعقروا «٤» فرسه فسقط، فقال لمولى له: احملنى. فقال: الموت كريه، ولكن ارتدف، فإن نجونا نجونا جميعا، وإن هلكنا هلكنا جميعا.
فارتدف، فلما نظر إليه عثمان حين وتب قال: وثبة موسى وربّ الكعبة، وقصده وعقرت فرسه، فسقط هو ومولاه فقتلوه، ونادى منادى عثمان: من لقيتموه فخذوه أسيرا، ولا تقتلوا أحدا، فقتل ذلك
стр. 7886
اليوم من الأسرى خلقا كثيرا من العرب خاصة، فكان يقتل العربى ويضرب المولى ويطلقه، وكان الذى أجهز على موسى واصل ابن طيسلة «١» العنبرى، وسلّم النضر المدينة إلى مدرك فسلمها مدرك إلى عثمان، وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسرّه ذلك، لأنه من قيس.
وكان مقتل موسى فى سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين، وكان مقام موسى بالحصن أربع عشرة سنة. وقيل خمس عشرة سنة.
ذكر وفاة عبد العزيز بن مروان
وولاية عبد الله بن عبد الملك مصر والبيعة للوليد وسليمان ابنى عبد الملك بولاية العهد كانت وفاته بمصر فى جمادى الأولى سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين، وكان عبد الملك أراد أن يخلعه من ولاية العهد، ويبايع لابنه الوليد، فنهاه قبيصة بن ذؤيب عن ذلك، وقال: لا تفعل، ولعل الموت يأتيه، فكفّ عنه عبد الملك ونفسه تنازعه إلى خلعه؛ فدخل عليه روح بن زنباع، وكان أجلّ الناس عند عبد الملك، وقال:
يا أمير المؤمنين، لو خلعته ما انتطح فيها عنزان؛ وأنا أول من يجيبك إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء الله ونفعل.
ونام روح عنده، فدخل عليهما قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان، وكان عبد الملك قد تقدّم إلى حجّابه ألّا يحجبوا قبيصة عنه، وكان
стр. 7887
إليه الخاتم والسكّة، والأخبار تأتيه قبل عبد الملك، فلما دخل سلّم عليه، وقال: آجرك الله فى عبد العزيز أخيك! قال: هل توفى؟
قال: نعم. فاسترجع، ثم أقبل على روح، وقال: كفانا الله «١» ما نريد. وكان هذا مخالفا لك يا قبيصة. وضمّ عبد الملك عمل عبد العزيز إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وأمر بالبيعة لابنيه:
الوليد، وسليمان، فبايعهما الناس، وكتب بذلك إلى الأمصار، وكان على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومى، فدعا الناس إلى البيعة، فأجابوا إلا سعيد بن المسيّب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حىّ، فضربه هشام ضربا مبرّحا، وطاف به وهو فى تبّان «٢» شعر حتى بلغ رأس الثنية [التى يقتلون ويصلبون عندها] «٣» ، ثم ردّه وحبسه.
فبلغ ذلك عبد الملك، فقال: قبّح الله هشاما، إنما كان ينبغى له أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى أن يبايع يضرب عنقه أو يكفّ عنه.
وكتب إليه يلومه ويقول: إن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف؛ وقد كان سعيد امتنع أيضا من بيعة ابن الزبير، وقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس، فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستّين سوطا.
فكتب ابن الزبير إلى جابر يلومه، وقال: ما لنا ولسعيد! دعه، لا تعرض له.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل.
стр. 7888
سنة (٨٦ هـ) ست وثمانين:
ذكر وفاة عبد الملك بن مروان
كانت وفاته بدمشق فى منتصف شوال سنة [٨٦ هـ] ستّ وثمانين، وكان يقول: أخاف الموت فى شهر رمضان، فيه ولدت، وفيه فطمت، وفيه جمعت القرآن، وفيه بايع لى الناس، فمات فى شوّال حين أمن الموت فى نفسه، واختلف فى عمره من ثلاث وستين سنة إلى سبع وخمسين.
وصلّى عليه ابنه ولىّ عهده الوليد.
وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يوما، خلص له الأمر منها بعد مقتل عبد الله بن الزّبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلّا سبع ليال، ودفن بدمشق خارج باب الجابية.
قيل: ولما اشتدّ مرضه نهاه بعض الأطباء أن يشرب الماء، وقال:
إن شرب الماء مات، فاشتدّ عطشه، فقال: يا وليد، اسقنى ماء.
قال: لا أعين عليك. فقال لابنته فاطمة: اسقينى، فمنعها الوليد.
فقال: لتدعنّها أو لأخلعنّك. فقال: لم يبق بعد هذا شىء، فسقته فمات.
ودخل عليه الوليد وابنته فاطمة عند رأسه تبكى، فقال: كيف أمير المؤمنين؟ قال: هو أصلح ممّا كان. فلما خرج قال عبد الملك «١» :
ومستخبر عنا يريد بنا «٢» الردّى ... ومستخبرات والدموع سواجم
стр. 7889
ذكر وصيته بنيه عند موته
قال «١» : وأوصى بنيه عند موته، فقال: أوصيكم بتقوى الله، فإنه أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حقّ الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذى تفرّون «٢» ، ومجنّكم الذى عنه ترمون، وأكرموا الحجاج فإنّه الذى وطّألكم المنابر «٣» ودوّخ لكم البلاد، وأذلّ لكم الأعداء، وكونوا بنى أم بررة. لا تدبّ بينكم العقارب، وكونوا فى الحرب أحرارا، فإن القتال لا يقرّب ميتة، وكونوا للمعروف منارا؛ فإن المعروف يبقى أجره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوى الأحساب، فإنهم أصون له وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتغمّدوا «٤» ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا.
ذكر أولاده وأزواجه
كان له: الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر- درج، وعائشة؛ أم هؤلاء ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة «٥» .
ويزيد ومروان «٦» ومعاوية [درج، وأم كلثوم، أمهم عاتكة ابنة
стр. 7890
يزيد بن معاوية] «١» ، وهشام أمه «٢» أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد «٣» بن المغيرة المخزومية، واسمها عائشة، وأبو بكر، وهو بكار، أمّه عائشة بنت موسى بن طلحة ابن عبيد الله، والحكم- درج، أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفّان، وفاطمة، أمّها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام ابن المغيرة، وعبد الله «٤» ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير [وقبيصة «٥» ] لأمهات أولاد؛ وكان له من النساء [سوى من ذكرناه] «٦» شقراء بنت حلبس الطائى، وأم أبيها ابنة عبد الله بن جعفر بن أبى طالب.
ذكر شىء من أخباره وعماله
قالوا: كان عبد الملك بن مروان عاقلا حازما أدبيا لبيبا عالما، قال أبو الزّناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيّب، وعروة ابن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان. وقال الشعبى ﵀: ما ذاكرت أحدا إلّا وجدت لى الفضل عليه، إلّا عبد الملك، فإنى ما ذاكرته حديثا إلّا زادنى فيه، ولا شعرا إلّا زادنى فيه، قالوا:
وكان محبا للفخر والبذخ، وكثرت الشعراء على أيامه، وكان من فحول شعرائه جرير والفرزدق والأخطل وكثيّر.
وكان عبد الملك مقدما على سفك الدماء، وكذلك كانت عمّاله:
فكان الحجاج بالعراق، والمهلب بن أبى صفرة بخراسان، وهشام
стр. 7891
ابن إسماعيل المخزومى بالمدينة، وعبد الله ولده بمصر، وموسى ابن نصير اللّخمى بالمغرب، ومحمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، ومحمد بن مروان بالجزيرة؛ وما منهم إلّا من هو ظالم غشوم جائر.
وكان نقش خاتمة: آمنت بالله مخلصا.
وكتّابه: روح بن زنباع، ثم قبيصة بن ذؤيب، وغيرهما.
قاضيه: أبو بشر الخولانى، وعبد الله بن قيس.
حاجبه: يوسف مولاه.
الأمراء بمصر وقضاتها
أقرّ عبد الملك أخاه عبد العزيز على إمارة مصر إلى أن مات، فولّى ابنه عبد الله. وكان القاضى بمصر عابس إلى أن مات، فولى عبد العزيز بشير بن النّضر بن بشير المزنى، ثم مات فولّاها عبد الرحمن بن حجر الخولانى. ثم صرفه وولى يونس الحضرمى، ثم صرفه وولى عبد الرحمن بن معاوية بن خديج القضاء والشرطة، فلما ولى عبد الله بن عبد الملك أقرّ عبد الرحمن على القضاء ثم صرفه وولى عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ابن حسنة ثم عزله، وولى عبد الواحد بن عبد الرحمن بن خديج.
قال: وعبد الملك أول من غدر فى الإسلام: حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق.
وهو أول من نقل الدواوين من الفارسية والرومية إلى العربية.
وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس من قبله يراجعونهم.
وهو أوّل من نهى عن الأمر بالمعروف، فإنه قال فى خطبته بعد
стр. 7892
قتل ابن الزبير: ولا يأمرنى أحد بتقوى الله تعالى بعد مقامى هذا إلّا ضربت عنقه.
ذكر بيعة الوليد بن عبد الملك
هو أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء، وقد تقدم ذكر نسبها، وهو السادس من ملوك بنى أمية. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه، وذلك فى يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين. قال: ولما دفن أبوه عبد الملك انصرف عن قبره فدخل المسجد ورقى المنبر فخطب الناس، وقال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة. قوموا فبايعوا، فكان أول من عزّى نفسه وهنّأها، وكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام السلولى وهو يقول «١» :
الله أعطاك التى لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك، ويأبى الله إلّا سوقها ... إليك حتى قلّدوك طوقها
وبايعه، وقام «٢» الناس للبيعة «٣» .
وقد قيل: إنّ الوليد لمّا صعد المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، لا مقدّم لما أخّر الله، ولا مؤخّر لما قدّم، و [قد] «٤» كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه
стр. 7893
الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار ولىّ هذه الأمة بالذى يحقّ لله عليه فى الشدة على المذنب «١» واللين لأهل الحقّ والفضل، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه «٢» ؛ من حجّ البيت، وغزو الثّغور.
وشنّ الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزا ولا مفرّطا.
أيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإنّ الشيطان مع الفرد.
أيها الناس، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه، ثم نزل.
ولنبدأ من أخبار الوليد بالغزوات والفتوحات، ثم نذكر الحوادث على حكم السنين:
ذكر الغزوات والفتوحات التى اتفقت فى خلافة الوليد بن عبد الملك
ولنبدأ من ذلك بأخبار قتيبة بن مسلم وما فتحه من البلاد:
ذكر ولاية قتيبة بن مسلم خراسان وغزواته وفتوحاته
فتح قتيبة بن مسلم فى مدّة ولايته خراسان من بلاد ما وراء النّهر:
الصّغانيان «٣» ، وأخرون، وكاسان «٤» ، وأورشت، وهى من فرغانة
стр. 7894
وأخسيكت «١» ، وهى مدينة فرغانة القديمة، وبيكند «٢» ، وبخارى، والطالقان «٣» والفارياب «٤» والجوزجان، وشومان «٥» وكش «٦» ، ونسف، ورام جرد، وسمرقند، والشاش «٧» وفرغانة، ومدينة كاشغر.
وكان أول ما بدأ به قتيبة أنه لما قدم خراسان أميرا للحجاج، وذلك فى سنة [٨٦ هـ] ست وثمانين قدمها والمفضّل بن المهلب يحرض الجند للغزاة، فخطب قتيبة الناس، وحثّهم على الجهاد، ثم عرضهم، وسار بهم.
فلما كان بالطالقان تلقّاه دهاقين بلخ وساروا معه، وقطع النهر فتلقّاه ملك الصّغانيان بهدايا ومفتاح «٨» من ذهب، ودعاه إلى بلاده، فمضى معه فسلّمها إليه، لأن ملك أخرون وشومان كان يسىء جواره، ثم سار قتيبة منها إلى أخرون وشومان وهما من
стр. 7895
طخارستان، فصالحه ملكها على فدية أدّاها إليه، فقبلها قتيبة. ثم انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان وأورشت، وهى من فرغانة، وفتح أخسيكت وهى مدينة فرغانة القديمة.
وقيل: إن قتيبة قدم خراسان فى سنة [٨٥ هـ] خمس وثمانين فعرض الجند فغزا أخرون وشومان، ثم رجع إلى مرو.
وقيل: إنه لم يغزا فى هذه السنة، ولم يقطع النهر بسبب بلخ، فإنّ بعضها كان منتقضا عليه، فحاربهم وسبى منهم، ثم صالحوه فأمر بردّ السّبى.
ذكر قتيبة ونيزك
قال: لمّا صالح قتيبة ملك شومان كتب إلى «١» نيزك طرخان صاحب باذغيس فى إطلاق من عنده من أسرى المسلمين، وكتب إليه يتهدّده، فخافه نيزك، فأطلقهم، وبعث بهم إليه، ثم كتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد الله بن أبى بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، فصالحه «٢» نيزك لأهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة.
ذكر غزوة بيكند وفتحها
وغزا قتيبة بيكند فى سنة [٨٧ هـ] سبع وثمانين، وهى أدنى مدائن بخارى إلى النّهر، فلما نزل بهم استنصروا الصّغد واستمدّوا من حولهم.
فأتوهم فى جمع كثير، وأخذوا الطرق على قتيبة فقاتلهم «٣»
стр. 7896
شهرين فى كل يوم، ثم انهزم الكفّار إلى المدينة، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وتحصّن من دخل المدينة منهم بها، فأمر قتيبة بهدم سورها، فسألوه الصلح، فصالحهم، واستعمل عليهم عاملا «١» وارتحل عنهم. فلما سار خمس فراسخ نقضوا [الصلح «٢» ] وقتلوا العامل ومن معه. فرجع قتيبة فنقب السّور فسقط، فسألوه الصلح فأبى، ودخلها عنوة، وقتل من كان بها من المقاتلة، وكان فيمن أخذ من المدينة رجل أعور، وهو الذى استجاش التّرك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا أفدى نفسى بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف، فاستشار قتيبة الناس، فقالوا: هذا «٣» زيادة فى الغنائم؛ وما عسى أن يبلغ من كيد هذا؟ قال: والله لا يروّع بك مسلم «٤» أبدا، وأمر به فقتل؛ وأصابوا فيها من الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضّة ما لا يحصى، ولا أصابوا بخراسان مثله.
ولما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى مرو.
ذكر غزو نومشكث وراميثنة وصلح أهلها
وقتال التّرك والصّغد وأهل فرغانة وفى سنة [٨٨ هـ] ثمان وثمانين غزا قتيبة نومشكث «٥» ، فتلقّاه أهلوها، فصالحهم، ثم سار إلى راميثنة «٦» ، فصالحه أهلها، وانصرف
стр. 7897
عنهم وزحف إليه التّرك ومعهم الصّغد وأهل فرغانة فى مائتى ألف.
وملكهم كوربغانو «١» ابن أخت ملك الصّين، فاعترضوا المسلمين؛ فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم أخا قتيبة وهو على الساقة وبينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، فقاتلهم عبد الرحمن ومن معه، وأرسل إلى أخيه، فرجع بالمسلمين، وقد أشرف الترك على الظهور على عبد الرحمن ومن معه، فلما رأى المسلمون قتيبة طابت نفوسهم، وقويت، وقاتلوا إلى الظّهر، فانهزم الترك ومن معهم وكان نيزك يومئذ مع قتيبة، فأبلى بلاء حسنا، ورجع قتيبة بعد الهزيمة إلى مرو
ذكر غزو بخارى وفتحها
كانت غزوة بخارى فى سنة [٨٩ هـ] تسع وثمانين، والفتح فى سنة [٩٠ هـ] تسعين؛ وذلك أن الحجاج بن يوسف كتب إلى قتيبة يأمره بقصد وردان خذاه «٢» ، فعبر النّهر من زمّ «٣» ، فلقى الصّغد وأهل كسّ ونسف فى طريق المفازة، فقاتلوه، فظفر بهم.
ومضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السّفلى عن يمين وردان، فلقوه فى جمع كثير، فقاتلهم يومين وليلتين، فظفر بهم، وغزا وردان «٤» خذاه ملك بخارى فلم يظفر منه بشىء، فرجع إلى مرو. وكتب إلى الحجاج يخبره؛ فكتب إليه الحجاج أن صوّرها. فبعث إليه
стр. 7898
بصورتها، فكتب إليه أن تب إلى الله جلّ ثناؤه مما كان منك وأتها من مكان كذا وكذا.
[قيل «١» ] : وكتب إليه أن كس بكس، وانسف نسفا، ورد وردان، وإياك والتحويط، ودعنى من بنيّات «٢» الطريق.
فخرج قتيبة إلى بخارى فى سنة [٩٠ هـ] تسعين، فاستجاش وردان خذاه الصّغد والترك ومن حوله، فأتوه «٣» وقد سبق إليها قتيبة وحصرها «٤» . فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى المسلمين يقاتلونهم، فقالت الأزد: اجعلونا ناحية، وخلّوا بيننا وبين قتالهم، فقال قتيبة: تقدّموا، فتقدّموا، وقاتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم الأزد، حتى دخلوا العسكر، وركبهم المشركون حتى حطموهم، وقاتلت مجنبتا المسلمين الترك حتى ردّوهم إلى مواقفهم، فوقفت الترك على نشز، فقال قتيبة: من يزيلهم عن هذا الموقف! فلم يقم «٥» لهم أحد من العرب، فأتى بنى تميم، فقال لهم: يوم «٦» كأيّامكم.
فأخذ وكيع اللواء، وقال: يا بنى تميم، أتسلموننى اليوم؟
قالوا: لا، يا أبا المطرّف «٧» ، وكان هزيم «٨» بن أبى طحمة «٩» على خيل تميم، ووكيع رأسهم. فقال: يا هزيم قدّم خيلك، ورفع إليه
стр. 7899
الراية، وتقدم هزيم، وتقدّم وكيع فى الرّجّالة «١» ، وكان بينهم وبين الترك نهر، فأمر وكيع هزيما بقطعه إليهم، فعبره فى الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فعمل عليه جسرا من خشب، وقال لأصحابه: من وطّن نفسه على الموت فليعبر وإلّا فليثبت مكانه.
فلم يعبر معه إلا ثمانمائة رجل «٢» . فلما عبر بهم قال لهزيم: إنى مطاعنهم فاشغلهم عنّا بالخيل، وحمل عليهم حتى خالطهم، وحمل هزيم فى الخيل فطاعنهم «٣» ، وقاتلهم المسلمون حتى حدروهم عن التلّ، ثم عبر الناس إليهم بعد انهزام التّرك، ونادى قتيبة: من أتى برأس فله مائة، فأتى برءوس كثيرة، وجرح خاقان وابنه، وفتح الله على المسلمين.
قال: ولما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصّغد، فرجع طرخون ملكهم ومعه فارسان، فدنا من عسكر قتيبة، فطلب رجلا يكلّمه.
فأرسل إليه قتيبة حيّان «٤» النبطى، فطلب الصلح على فدية يؤدّيها إليهم.
فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وصالحه، ورجع طرخون إلى بلاده.
ورجع قتيبة ومعه نيزك.
стр. 7900
ذكر غدر نيزك وفتح الطالقان وما كان من خبر نيزك إلى أن قتل
قال: ولما رجع قتيبة عن بخارى ومعه نيزك وقد خاف «١» لما رأى من الفتوح، فقال لأصحابه: أنا مع هذا ولست آمنه، فلو استأذنته ورجعت كان الرأى. قالوا: افعل. فاستأذن قتيبة، فأذن له وهو بآمل، فرجع يريد طخارستان، وأسرع السّير حتى أتى النّوبهار «٢» ، وقال لأصحابه: لا شكّ أن قتيبة قد ندم على إذنه لى، وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسى، فكان كما قال:
ندم قتيبة، وبعث إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك، فتبعه المغيرة، فوجده قد دخل شعب خلم «٣» ، فرجع المغيرة، وأظهر نيزك الخلع، وكتب إلى أصبهذ بلخ وإلى باذان «٤» ملك مرو الرّوذ وإلى ملك الطالقان وإلى ملك الفارياب «٥» وإلى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة.
وكتب إلى كابل شاه يستظهر به، وبعث إليه بثقله وماله، وسأله أن يأذن له إن اضطرّ أن يأتيه، فأجابه إلى ذلك، وكان خبعويه «٦» ملك طخارستان ضعيفا؛ فأخذه نيزك، فقيّده بقيد من ذهب لئلا يخالف عليه، وكان خبعويه هو الملك ونيزك عنده، فاستوثق منه،
стр. 7901
وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبعويه، وبلغ قتيبة خلعه، وقد تفرّق الجند، فبعث أخاه عبد الرحمن فى اثنى عشر ألفا إلى البروقان «١» ، وقال: أقم بها ولا تحدث شيئا، فإذا انقضى الشتاء [فعسكر، و] «٢» سرنحو طخارستان، فسار؛ فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد لتقدم عليه الجنود، فقدموا. فسار نحو الطالقان، وكان ملكها قد خلع وطابق نيزك على الخلع، فأتاه قتيبة، فأوقع بأهل الطالقان، فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ فى نظام واحد، واستعمل أخاه عمرو «٣» بن مسلم.
وقيل: إن ملك الطالقان لم يحارب قتيبة، فكفّ عنه، وكان بها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، ثم سار قتيبة إلى الفارياب فى سنة [٩١ هـ] إحدى وتسعين، فخرج إليه ملكها مقرّا مذعنا، فقبل منه ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها رجلا من باهلة «٤» ، وبلغ ملك الجوزجان خبرهم، فهرب إلى الجبال، وسار قتيبة إلى الجوزجان، فلقيه أهلها «٥» سامعين مطيعين، فقبل منهم ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها عامر بن مالك الحمّانى، ثم أتى بلخ فلقيه أهلها، فلم يقم إلّا يوما واحدا، وسار يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب
стр. 7902
خلم، ومضى نيزك إلى بغلان «١» ، وخلّف مقاتلته على فم الشعب ومضايقه يمنعونه، ووضع مقاتلته فى قلعة حصينة من وراء الشّعب، فأقام قتيبة أياما لا يقدر على دخوله، ولا يعرف طريقا يسلكه إلى نيزك إلّا الشّعب أو مفازة لا تقدر العساكر على قطعها، فأتاه إنسان فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل القلعة التى من وراء الشّعب، فأمّنه قتيبة، وبعث معه رجالا، فانتهى بهم إلى القلعة، فطرقوهم وهم آمنون، فقتلوا منهم، وهرب من بقى ومن كان فى الشّعب، فدخل قتيبة الشّعب، فأتى القلعة ومضى إلى سمنجان «٢» ، فأقام بها أياما ثم سار إلى نيزك، وقدم أخاه عبد الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادى فرغانة، ووجّه ثقله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى حتى نزل الكرز «٣» ، وعبد الرحمن يتبعه، ونزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قتيبة على فرسخين من أخيه، وتحصّن نيزك بالكرز، وليس له «٤» إلّا مسلك من وجه واحد، وهو صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قلّ ما فى يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجدرى. وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليما الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك، واحتل لتأتينى به بغير أمان، فإن أعياك «٥» وأبى فأمّنه.
стр. 7903
فخرج إليه، وأخذ معه أطعمة وأخبصة كثيرة، وأتى نيزك، فقال له: إنك أسأت إلى نفسك «١» وغدرت. قال نيزك: فما الرأى؟
قال: أرى أن تأتيه، فإنه ليس ببارح، وقد عزم على أن يشتو مكانه، هلك أو سلّم. قال نيزك: فكيف آتيه على غير أمان. قال:
ما أظنّه يؤمّنك لما فى نفسه عليك، لأنك قد ملأته غيظا، ولكنى أرى ألّا يعلم حتى تضع يدك فى يده، فإنى أرجو أن يستحى ويعفو.
قال: إنّ نفسى تأبى هذا. فقال سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم ويعود حالك عنده، فإذا أبيت فإنى منصرف. وقدم الطعام الذى معه، ولا عهد لهم بمثله، فانتهبه أصحاب نيزك، فساءه ذلك، فقال له سليم: أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك. فأت قتيبة. فقال: لا آمنه على نفسى، ولا آتيه إلا بأمان، وإنّ ظنّى أنه يقتلنى، وإن أمننى؛ ولكن الأمان أعذر لى. فقال سليم:
قد أمنك؛ أفتتهمنى؟ قال: لا. وقال له أصحابه: اقبل قول سليم.
فخرج معه ومعه خبعويه «٢» وصول طرخان خليفة جبعويه، وخنس «٣» طرخان صاحب شرطته وشقران «٤» ابن أخى نيزك، فلما خرجوا من الشّعب حالت خيل قتيبة بين أصحاب نيزك وبين الخروج، فقال نيزك: هذا أوّل الغدر. فقال سليم: تخلّف هؤلاء عنك خير لك.
وأقبل سليم ونيزك ومن معه حتى دخلوا على قتيبة، فحبسهم.
стр. 7904
وكتب إلى الحجاج يستأذنه فى قتل نيزك، واستخرج قتيبة ما فى الكرز من متاع، وأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يأمره بقتل نيزك، فدعا قتيبة الناس، واستشارهم، فاختلفوا، فقال ضرار ابن حصين: إنى سمعتك تقول: أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل فلا ينصرك الله عليه أبدا. فدعا نيزك، فضرب رقبته بيده، وأمر بقتل صول وابن أخى نيزك، وقتل من أصحابه سبعمائة. وقيل اثنى عشر ألفا، وصلب نيزك وابن أخيه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وأخذ الزّبير مولى عبّاس الباهلى خفّا لنيزك فيه جوهر، فكان أكثر من فى بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر، وأطلق قتيبة جبعويه «١» ومنّ عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات.
ولما قتل نيزك رجع قتيبة إلى مرو، وأرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان، فأمنه على أن يأتيه، فطلب رهنا [يكونون فى يده] «٢» ويعطى رهائن، فأعطاه قتيبة حبيب بن عبد الله بن حبيب الباهلى، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته، وقدم على قتيبة، ثم رجع فمات بالطالقان، فقال أهل الجوزجان: إنهم سمّوه فقتلوا حبيبا. وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده.
стр. 7905
ذكر غزوة شومان وكشّ ونسف وفتح ذلك
وفى سنة [٩١ هـ] إحدى وتسعين سار قتيبة إلى شومان فحصرها، وكان سبب ذلك أنّ ملكها طرد عامل قتيبة من عنده، فأرسل إليه قتيبة رسولين: أحدهما من العرب اسمه عيّاش، والآخر من أهل خراسان يدعوانه «١» إلى أن يؤدّى ما كان صالح عليه، فقدما شومان، فخرج أهلها إليهما، فرموهما. فانصرف الخراسانىّ وقاتلهم عيّاش فقتلوه، ووجدوا به ستّين جراحة، وبلغ قتيبة قتله، فسار إليهم بنفسه، فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخو قتيبة إلى ملكها، وكان صديقا له، يأمره بالطاعة، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: أتخوّفنى من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصنا؟ فأتاه قتيبة وقد تحصّن ببلده فنصب «٢» عليه المجانيق، ورمى الحصن فهشمه، فلما خاف الملك أن يظهر قتيبة عليه جمع ما كان بالحصن من مال وجوهر، ورمى به فى بئر فى القلعة لا يدرك قعرها، ثم فتح القلعة، وخرج، فقاتل حتى قتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة وسبى الذريّة، ثم سار إلى كشّ ونسف، ثم سار إلى بخارى.
وقيل: إنه سار إلى الصّغد، فلما رجع عنهم قالت الصّغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذّل واستطبت الجزية، وأنت شيخ كبير، فلا حاجة لنا فيك. فحبسوه وولوا غورك «٣» فقتل طرخون نفسه.
стр. 7906
ذكر صلح خوارزم شاه وفتح خام جرد
وفى سنة [٩٣ هـ] ثلاث وتسعين صالح قتيبة خوارزم شاه، وسبب ذلك أن [ملك] «١» خوارزم كان ضعيفا، فغلبه أخوه خرّزاذ على أمره، وكان أصغر منه، فكان إذا بلغه أنّ عند أحد ممّن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا أو دابّة أو بيتا أو أختا أو امرأة جميلة أرسل إليه، وأخذه منه، فلا يمتنع عليه أحد، ولا الملك «٢» ، فإذا قيل للملك قال: لا أقوى عليه.
فلما طال عليه ذلك كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلّمها إليه، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكلّ من يضادّه ليحكم فيه «٣» بما يرى، ولم يطلع أحدا من مرازبته على ذلك. فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وتجهّز للغزو، وأظهر أنه يريد الصّغد، وسار من مرو وجمع خوارزم شاه أجناده ودهاقنته «٤» . فقال: إن قتيبة يريد الصغد، وليس بغازيكم، فهلمّوا نتنعّم فى ربيعنا هذا، فأقبلوا على الشرب والتنعّم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة فى هزارسب «٥» ، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله. قال: لكنى لا أرى
стр. 7907
ذلك، لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشدّ شوكة، ولكن أصرفه بشىء أخرجه «١» إليه.
فأجابوه إلى ذلك، فسار خوارزم شاه إلى مدينة الفيل من وراء النهر، وهى أحصن بلاده، وقتيبة لم يعبر النهر، فأرسل إليه خوارزم شاه، فصالحه على عشرة آلاف رأس، وعين ومتاع و [على] «٢» أن يعينه على خام جرد، فقبل قتيبة ذلك.
وقيل: صالحه على مائة ألف رأس، وبعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى [ملك] «٣» خام جرد، وكان يغازى «٤» خوارزم شاه، فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه، وقدم بأربعة آلاف أسير، فقتلهم، وسلّم قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفهم، فقتلهم، ودفع أموالهم إلى قتيبة. والله أعلم.
ذكر فتح سمرقند
قال: فلما قبض قتيبة صلح خوارزم قام إليه المجشّر بن مزاحم السلمى فقال له: سر «٥» الآن إن أردت الصّغد يوما من الدّهر، فإنهم آمنون من أن تأتيهم عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام.
قال: أشار عليك بهذا أحد؟ قال: لا. قال: فسمعه منك أحد؟
قال: لا. قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربنّ عنقك.
стр. 7908
فلما كان الغد من يوم كلامه له أمر قتيبة أخاه عبد الرحمن فسار فى الفرسان والرّماة، وقدّم الأثقال إلى مرو، فسار يومه، فلما أمسى كتب إليه قتيبة: إذا أصبحت فوجّه الأثقال إلى مرو، وسر فى الفرسان والرّماة نحو الصّغد، واكتم الأخبار، فإنى بالأثر.
ففعل عبد الرحمن ما أمره، وخطب قتيبة الناس، وقال لهم:
إن الصّغد شاغرة «١» برجلها، وقد نقضوا العهد الذى بيننا، وصنعوا ما بلغكم؛ وإنى أرجو أن تكون خوارزم والصّغد كقريظة والنّضير.
ثم سار فأتى الصّغد، فبلغها بعد عبد الرحمن بثلاث أو أربع، وقدم معه أهل خوارزم وبخارى، فقاتلوا شهرا من وجه واحد وهم محصورون.
وخاف أهل الصّغد طول الحصار، فكتبوا إلى ملك الشاش وأخشاد «٢» وخاقان وفرغانة: إنّ العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا [به] «٣» ، فانظروا لأنفسكم، ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فنظروا وقالوا:
إنما نؤتى من سفلتنا وإنهم «٤» لا يجدون كوجدنا. فانتخبوا من أبناء الملوك وأهل النّجدة من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال، وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة؛ فيبيّتوه، وولّوا عليهم ابنا لخاقان، فساروا.
стр. 7909
وبلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره مائة، وقيل ستّمائة من أهل النّجدة والشجاعة، وأعلمهم الخبر، وأمرهم بالمسير إليهم، فساروا، وعليهم صالح بن مسلم، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم، فجعل صالح له كمينين «١» . فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوّهم، فلما رأوا صالحا حملوا عليه، واقتتلوا فشدّ الكمينان عن يمين وشمال، فقتلهم المسلمون، وأسروا منهم، ولم يفلت منهم إلا الشريد، واحتووا على سلاحهم وأسلابهم. وسئل بعض الأسرى عن القتلى فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا، إن كان الرجل ليعدّ «٢» بمائة رجل.
ونصب قتيبة المجانيق على سمرقند، ورماهم فثلمه ثلمة «٣» .
ثم أمر قتيبة الناس بالجدّ فى القتال، وأن يبلغوا ثلمة المدينة، ففعلوا، وحملوا وقد تترّسوا حتى بلغوا الثّلمة، ووقفوا عليها، فرماهم الصّغد بالنشّاب، فلم يبرحوا، فأرسلوا إلى قتيبة أن انصرف عنّا اليوم حتى نصالحك غدا. فقال: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثّلمة.
وقيل: بل قال: جزع العبيد! انصرفوا على ظفركم. فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفى ألف ومائتى ألف مثقال فى كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس «٤» ، وأن يخلوا المدينة
стр. 7910
لقتيبة، فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى فيها مسجدا فيصلّى فيه ويخطب ويتغدّى ويخرج.
فلما تمّ الصّلح بنى المسجد ودخلها قتيبة فى أربعة آلاف انتخبهم.
فدخل المسجد، فصلّى فيه، وخطب وأكل طعاما، ثم أرسل إلى الصّغد يقول: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ، فإنى لست خارجا منها، ولست آخذ منكم إلّا ما صالحتكم عليه، غير أنّ الجند يقيمون فيها.
وقيل: إنه شرط عليهم فى الصّلح مائة ألف رأس «١» وبيوت النيران وحلية الأصنام. فقبض ذلك، وأتى بالأصنام، فأخذ ما عليها.
وأمر بها فأحرقت، فوجد من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال، وأصاب بالصّغد جارية من ولد يزدجرد، فأرسلها إلى الحجاج.
فأرسلها الحجاج إلى الوليد، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد. ثم رجع قتيبة إلى مرو، واستعمل على سمرقند إياس بن عبد الله على الحرب.
وجعل على الخراج عبيد الله بن أبى عبيد الله مولى مسلم «٢» .
ذكر غزو الشاش وفرغانة
وفى سنة [٩٤ هـ] أربع وتسعين قطع قتيبة النّهر وفرض على أهل بخارى وكشّ ونسف عشرين ألف مقاتل، فساروا معه.
стр. 7911
فوجّهم إلى الشاش، وتوجّه إلى فرغانة فأتى خجندة «١» فجمع له أهلها، ولقوه، واقتتلوا مرارا، كلّ ذلك يكون الظّفر للمسلمين. ثم إن قتيبة أتى كاسان «٢» مدينة فرغانة، وأتاه الجنود الذين وجّههم إلى الشاش وقد فتحوها وأحرقوا أكثرها، وانصرف إلى مرو.
وقال سحبان «٣» يذكر قتالهم بخجندة «٤» :
وسل «٥» الفوارس فى خجن ... دة تحت مرهفة العوالى
هل كنت أجمعهم إذا ... هزوا وأقدم فى قتالى
أم كنت أضرب هامة ال ... عاتى «٦» وأصبر للعوالى
هذا وأنت قريع قي ... س كلّها ضخم النّوال
وفضلت قيسا فى النّدى ... وأبوك فى الحجج الخوالى
ولقد تبيّن عدل حك ... مك فيهمو فى كلّ مال «٧»
تمّت مروءتكم ونا ... غى «٨» عزّكم غلب الجبال
стр. 7912
ذكر فتح مدينة كاشغر «١»
وفى سنة [٩٦ هـ] ست وتسعين سار قتيبة من مرو وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، ومضى إلى فرغانة وبعث جيشا مع كثير ابن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى سبيا، فختم أعناقهم، وأوغل حتى بلغ قرب الصّين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلىّ رجلا شريفا يخبرنى عنكم وعن دينكم، فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسنة وبأس وعقل وصلاح «٢» ، فأمر لهم بعدّة حسنة ومتاع حسن من الخزّ والوشى وغير ذلك، وخيول حسنة، وكان عليهم «٣» هبيرة بن مشمرج «٤» الكلابى، وقال لهم قتيبة:
إذا دخلتم عليه فأعلموه أنّى قد حلفت أنّى لا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبى خراجهم.
فساروا [وعليهم هبيرة] «٥» ، فلما قدموا دعاهم ملك الصين فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل، وتطيّبوا، ولبسوا النّعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه، فجلسوا فلم يكلّمهم الملك ولا أحد ممن عنده، فنهضوا.
فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما ما هم إلّا نساء. ما بقى منا أحد إلّا انتشر ما عنده.
стр. 7913
فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشى وعمائم الخزّ والمطارف، وغدوا عليه. فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا. وقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك.
فلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا «١» سلاحهم، ولبسوا البيض والمغافر، وأخذوا السيوف والرماح والقسىّ، وركبوا. فنظر إليهم ملك الصين، فرأى مثل الخيل «٢» ؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم، وأقبلوا مشمّرين. فقيل لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم [وأخذوا رماحهم] «٣» ، ودفعوا خيلهم، كأنهم يتطاردون. فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء.
فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلىّ زعيمكم، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد رأيتم عظم ملكى، وأنه ليس أحد يمنعكم منّى، وأنتم فى يدى بمنزلة البيضة فى كفّى. وإنى سائلكم عن أمر، فإن لم تصدقونى قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم بزيّكم الأول والثانى والثالث [ما صنعتم] «٤» ؟ قال: أما زيّنا الأول فلباسنا فى أهلنا. وأما الثانى فزيّنا إذا أتينا أمراءنا، وأما الثالث فزيّنا لعدوّنا. قال: ما أحسن ما دبّرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ينصرف، فإنى قد عرفت قلّة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم. قال «٥» :
стр. 7914
وكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله فى بلادك وآخرها فى منابت الزيتون. وأما تخويفك إيّانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، ولسنا نكرهه ولا نخافه، وقد حلف صاحبنا ألّا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، وتعطى «١» الجزية. قال:
فإنّا نخرجه من يمينه، ونبعث له بتراب من أرضنا، فيطؤه، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها. فبعث إليه بهديّة وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، وبتراب من أرضه، وأعادهم «٢» وأحسن جوائزهم. فقدموا على قتيبة، فقبل ذلك، ووطىء التراب، وختم الغلمان، وردهم، فقال سوادة بن عبد الملك السّلولى «٣» :
لا عيب فى الوفد الذين بعثتهم ... للصّين أن سلكوا طريق المنهج
كسروا الجفون على القذى خوف الرّدى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج
أدّى رسالتك التى استرعيته «٤» ... فأتاك من حنث اليمين بمخرج
هذه غزوات قتيبة وفتوحاته.
وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كلّ سنة اشترى اثنى عشر فرسا [من جياد الخيل] «٥» واثنى عشر هجينا، فتخدم إلى وقت الغزو، فإذا تأهّب للغزو ضمّرها، وكان يحمل عليها الطلائع، وكان لا يجعل الطلائع إلا فرسان الناس وأشرافهم، ويجعل معه من
стр. 7915
العجم من يستنصحه. وإذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثم شقّه نصفين، وجعل شقّة عنده، وأعطى نصفه للطليعة، ويأمرهم أن يدفنوه فى موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرها، ثم يبعث بعد الطّليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا.
ولنذكر من الغزوات والفتوحات فى أيام الوليد خلاف ما ذكرنا:
ذكر فتح السند وقتل ملكها وما يتّصل بذلك من أخبار العمال عليها
وفى سنة [٨٩ هـ] تسع وثمانين قتل محمد بن القاسم بن محمد ابن الحكم بن أبى عقيل الثقفى داهر «١» بن صصّة ملك السند، وملك بلاده، وكان الحجاج قد استعمله على ذلك الثّغر وسيّر معه ستة آلاف مقاتل، وجهّزه بجميع ما يحتاج إليه حتى المسالّ والإبر والخيوط، فسار [محمد] «٢» إلى مكران، وأقام بها أياما. ثم أتى قنّزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل «٣» فقدمها يوم جمعة، ووافته سفن كان حمل فيها السلاح والرجال والأداة. فأنزل الناس منازلهم وخندق ونصب عليها منجنيقا يقال له العروس كان يمدّ به خمسمائة رجل، وكان بالدّيبل بدّ «٤» عظيم عليه
следующие страницы →