← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

ومسألة غليظة إلّا ما عافى «١» الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك. فلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عمّاله، لأن كلامه ليس ككلام من مضى من أهله. وكتب إلى عبد الرحمن بن نعيم: أما بعد فاعمل عمل من يعلم أنّ الله لا يصلح عمل المفسدين. وكتب إلى سليمان بن أبى السرى: أن اعمل خانات، فمن مرّ بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة، وتعهّدوا دوابّهم. ومن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا [به] «٢» فأبلغه بلده. فلما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند: إنّ قتيبة ظلمنا وغدر بنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين، فأذن لهم، فوجّهوا وفدا إلى عمر، فكتب إلى سليمان: إنّ أهل سمرقند شكوا ظلما وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابى فأجلس لهم القاضى فلينظر فى أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة. فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضى، فقضى أن تخرج العرب إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا

стр. 7982

أو ظفرا عنوة. فقال أهل الصّغد: نرضى بما كان ولا نحدث شيئا «١» وتواصوا بذلك. وكتب إلى عبد الحميد: أما بعد فإنّ أهل الكوفة أصابهم بلاء وشدة وجور فى أحكام الله؛ وسنّة خبيثة سنّها عليهم عمّال السوء، وإن قوام الدّين العدل والإحسان، فلا يكوننّ [شىء] «٢» أهمّ إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم «٣» ، ولا تحمل خرابا على عامر، وخذ منه ما أطاق؛ وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج فى رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذنّ أجور الضرابين ولا هديّة النوروز والمهرجان؛ ولا ثمن الصحف ولا أجور الفيوج «٤» ولا أجور البيوت؛ ولا دراهم النكاح؛ ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتّبع فى ذلك أمرى، فإنى قد ولّيتك من ذلك ما ولّانى الله، ولا تعجل دونى بقطع ولا صلب حتى تراجعنى فيه، وانظر من أراد من الذريّة أن يحج فعجّل له مائة ليحجّ بها. والسلام. قال محمد بن [على] «٥» الباقر: إن لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بنى أمية عمر بن عبد العزيز ﵀، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال مجاهد: أتينا عمر نعلّمه؛ فلم نبرح حتى تعلّمنا منه «٦» .

стр. 7983

وقيل لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه: ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لى، فقال لى: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. وقال عمر: ما كذبت منذ علمت أنّ الكذب يضرّ أهله. وأخباره رضى الله عنه فى الخير والعدل كثيرة لو استقصيناها أو أوردنا ما طالعناه منها لطال ولخرج عن قاعدة هذا التأليف، وناهيك بها سيرة ضرب بها المثل فى العدل والإحسان منذ كانت إلى يومنا هذا. وكان له من الأولاد الذكور أربعة عشر وخمس بنات. كتّابه: رجاء بن حيوة الكندى؛ وابن أبى رقبة «١» . قاضيه: عبد الله بن سعد الأبلّى. حجابه: جيش، ومزاحم، مولياه. الأمير بمصر: أيوب بن شرحبيل. وأقر على القضاء عياض بن عبد الله؛ ثم صرفه بأبى مسعود عبد الله بن حذافة. وكان نقش خاتمه رضى الله عنه: «عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله» . ذكر بيعة يزيد بن عبد الملك هو أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهو التاسع من ملوك بنى أمية، بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب سنة [١٠١ هـ] إحدى ومائة بعد وفاة

стр. 7984

عمر بن عبد العزيز؛ وذلك بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك على ما تقدّم ذكر ذلك. قيل: ولما احتضر عمر رضى الله عنه قيل له: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمّة. قال: بماذا أوصيه؟ إنه من بنى عبد الملك. ثم كتب إليه: أما بعد فاتّق يا يزيد الصّرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك. والسلام. فلما ولى يزيد نزع أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم [عن المدينة، واستعمل عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى عليها؛ فأراد معارضة ابن حزم] «١» فلم يجد عليه سبيلا حتى شكا عثمان بن حيّان إلى يزيد ابن عبد الملك من ابن حزم، وأنه ضربه حدّين، وطلب منه أن يقيده منه. فكتب يزيد إلى عبد الرحمن كتابا: أما بعد فانظر فيم ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه فى أمر بيّن أو أمر مختلف فيه فلا تلتفت إليه. فأرسل ابن الضحاك إلى ابن حزم فأحضره؛ وضربه حدّين فى مقام واحد، ولم يسأله عن شىء، وعمد يزيد إلى كلّ ما فعله عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه مما لم يوافق هواه، فرده، ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثما آجلا.

стр. 7985

ذكر مقتل شوذب الخارجى وهزيمته بجيوش يزيد قبل ذلك واسم شوذب بسطام. قد ذكرنا خروجه فى أيام عمر بن عبد العزيز ﵀ ووصول رسله إلى عمر، وما كان بينهما من المناظرة، وخروج محمد بن جرير ابن عبد الله البجلى إليهم فى ألفين وموادعتهم إلى أن يعود رسولا شوذب من عند عمر؛ فلما مات عمر بن عبد العزيز أحبّ عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، وهو الأمير على الكوفة، أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك؛ فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة «١» شوذب، فلما رآه يستعدّ للحرب أرسل إليه يقول: ما أعجلكم قبل انقضاء المدّة. فأرسل إليه محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحال. فقال الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلّا وقد مات الرجل الصالح، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفر، وقتل أكثر «٢» أهل الكوفة، وانهزم من بقى منهم نحو الكوفة، وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة، ثم رجعوا إلى مكانهم. ثم وجّه يزيد بن عبد الملك تميم بن الحباب فى ألفين فقاتلوه، فقتل «٣» ، وقتل أكثر أصحابه، ولجأ من بقى منهم إلى الكوفة، والتحق بعضهم بيزيد، فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدى فى جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه.

стр. 7986

وأقام شوذب بمكانه «١» حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب وحذّروه أمره، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشىّ. فى عشرة آلاف، فقال شوذب لأصحابه: من كان منكم يريد الشهادة فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيدا وأصحابه مرارا حتى خاف سعيد ﵀ الفضيحة، وكان فارسا شجاعا، فوبخّ «٢» أصحابه، وقبّح عليهم الفرار، فحملوا فقتلوا بسطاما ومن معه من الخوارج. ذكر الغزوات والفتوحات فى خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر غزوة الترك وفى سنة [١٠٢ هـ] اثنتين ومائة كانت الحرب بين المسلمين والترك عند قصر الباهلى. وقيل: كان سبب ذلك أنّ عظيما من عظماء الدّهاقين أراد أن يتزوّج امرأة من باهلة كانت فى ذلك القصر، فأبت فاستجاش التّرك، فجمعهم خاقان ووجّههم إلى الصّغد، فساروا وعليهم كورصول حتى نزلوا بقصر الباهلى، ورجوا أن يسبوا من فيه، وكان فيه مائة أهل بيت بذراريهم، وكان على سمرقند يومذاك عثمان بن عبد الله بن مطرّف بن الشّخّير من قبل سعيد بن عبد العزيز عامل خراسان، فكتب أهل القصر إليه، وخافوا أن يبطىء عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة؛ وانتدب «٣» عثمان الناس؛ فانتدب المسيب

стр. 7987

ابن بشر الرّياحى، وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، وعليهم شعبة بن ظهير، وكان على سمرقند قبل عثمان، فلما عسكروا قال لهم المسيّب: إنكم تقدمون على حلبة التّرك عليهم خاقان، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب إن فررتم النار؛ فمن أراد الغزو والصبر فليقدم. فرجع عنه ألف وثلاثمائة، فلما سار فرسخا [آخر] «١» ، فقال مثل ذلك؛ فاعتزله ألف، ثم سار فرسخا آخر فقال مثل ذلك، فاعتزله ألف، وبقى فى سبعمائة؛ فسار حتى بقى على فرسخين من التّرك، فأتاه الخبر أن أهل القصر قد صالحوا التّرك على أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة، وأنه لما بلغهم مسير المسلمين قتلوا الرهائن وأنهم اتّعدوا القتال غدا. فبعث المسيّب رجلين إلى أهل القصر يعلمهم بقربه، ويستمهلهم يوما وليلة، فأتيا القصر فى ليلة مظلمة وقد أجرت «٢» ، الترك الماء فى نواحى القصر، فليس يصل إليه أحد. فلما دنوا من القصر صاح بهم الرّبيئة فاستنصتاه، وقالا له: ادع لنا عبد الملك بن دثار، فدعاه، فأعلماه قرب المسيّب، [وأمراه بالصّبر غدا، ورجعا إلى المسيّب،] «٣» فبايع أصحابه على الموت، فبايعوه، وسار حتى بقى «٤» بينه وبين القصر نصف فرسخ، فلما أمسى أمر أصحابه بالصّبر، وقال: ليكن

стр. 7988

شعاركم: يا محمد، ولا تتبعوا مولّيا، وعليكم بالدوابّ فاعقروها فإنها إذا عقرت كانت أشدّ عليهم منكم، وسار بهم ليلا فوافى عسكر الترك وقت السّحر، فخالطهم المسلمون، وعقروا الدواب، فانهزمت الترك، ونادى منادى المسيّب: لا تتبعوهم، فإنهم لا يدرون من الرّعب أتبعتوهم أم لا. وأمر أصحابه أن يقصدوا القصر ويحملوا ما فيه من المال ومن بالقصر؛ ممن يعجز عن المشى، ففعلوا، ورجع إلى سمرقند، ورجع التّرك من الغد، فلم يروا بالقصر أحدا، ورأوا قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين أتونا من الإنس. والله أعلم. ذكر غزو الصغد وفى سنة [١٠٢ هـ] اثنتين ومائة أيضا عبر سعيد النهر، وغزا الصّغد، وكانوا نقضوا العهد، وأعانوا التّرك على المسلمين، فلقيه الترك وطائفة من الصّغد، فهزمهم المسلمون وساروا حتى انتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقطعه بعضهم وقد أكمن «١» لهم التّرك، فلما جازهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادى، ثم جاء الأمير وبقيّة الجيش فانهزم العدوّ. وفيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية، وهو على الجزيرة قبل أن يلى العراق، فهزمهم، وأسر منهم خلقا كثيرا. وقيل «٢» سبعمائة أسير.

стр. 7989

وغزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم، فافتتح دلسة «١» ، وغزا أيضا فى سنة ثلاث ومائة، ففتح مدينة يقال لها رسلة «٢» . ذكر الوقعة بين سعيد الحرشى «٣» أمير خراسان وبين الصّغد وفى سنة [١٠٤ هـ] أربع ومائة غزا سعيد الحرشى، فقطع النّهر وسار فنزل قصر الرّيح على فرسخين من الدّبوسية «٤» ، وكان الصّغد لما بلغهم عزل سعيد بن عبد العزيز عن خراسان واستعمال الحرشى خافوه على أنفسهم، فأجمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم: أقيموا واحملوا له خراج ما مضى، واضمنوا له خراج ما يأتى، وعمارة الأرض، والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم، وأعطوه رهائن. قالوا: نخاف ألّا يقبل ذلك منا، ولكنا نأتى خجندة «٥» فنستجير بملكها، ونرسل إلى الأمير فنسأله الصّفح عما كان منّا. فوافقهم. فخرجوا إلى خجندة، وأرسلوا إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم، وينزلهم مدينته، فأراد أن يفعل فنهته أمه، وقالت له: فرّغ لهم رستاقا يكونون فيه؛ فأرسل إليهم: سمّوا رستاقا تكونون فيه حتى نفرغه لكم، وأجّلونى أربعين يوما.

стр. 7990

فاختاروا شعب عصام بن عبد الله الباهلى، فقال: نعم، وليس علىّ عقد ولا جوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم العرب قبل دخوله لم أمنعكم. فرضوا، وفرغ لهم الشّعب. فلما انتهى الحرشى إلى قصر الرّيح أتاه ابن عم ملك فرغانة فقال له: إنّ أهل الصّغد بخجندة، وأخبره خبرهم، وقال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضى الأجل. فوجّه معه عبد الرحمن القشيرى أو زياد «١» بن عبد الرحمن فى جماعة، ثم ندم «٢» بعد ما فصلوا، وقال: جاءنى علج لا أعلم صدق أم كذب؛ فغرّرت بجند من المسلمين. فارتحل فى أثرهم حتى نزل أشرو سنة «٣» ، فصالحهم بشىء يسير، ثم سار مسرعا حتى لحق القشيرى، وساروا حتى انتهوا إلى خجندة، فنزل عليهم وأخذ فى التأهّب. وكان الذين بخجندة قد حفروا خندقا فى ربضهم وراء الباب، وغطّوه بقصب وتراب، وأرادوا إذا التقوا إن انهرموا دخلوا من الطريق «٤» ، ويشكل على المسلمين فيسقطون فى الخندق. فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا وأخطئوا «٥» هم الطريق فسقطوا فى الخندق، فأخرج منهم المسلمون أربعين رجلا، وحصرهم الحرشىّ، ونصب عليهم المجانيق. فأرسلوا إلى ملك فرغانة: إنك قد غدرت [بنا] «٦» ، وسألوه

стр. 7991

أن ينصرهم، فقال: قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم فى جوارى، فطلبوا الصّلح، وسألوا الحرشىّ أن يؤمنهم ويردّهم إلى الصّغد، فاشترط عليهم أن يردّوا ما فى أيديهم من نساء العرب وذراريهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحدا، ولا يتخلّف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثا حلّت دماؤهم. فخرج إليهم الملوك والتجار من الصّغد، ونزل عظماء الصّغد على الجند الذين يعرفونهم، ونزل كارزنج على أيوب بن حسّان «١» ، وبلغ الحرشى أنهم قتلوا امرأة ممن كان فى أيديهم، فقال [لهم] «٢» : بلغنى أنّ ثابتا الإشتيخنى قتل امرأة؛ فجحدوا. فسأل حتى استصح الخبر، فأحضر ثابتا وقتله، فلما بلغ «٣» كارزنج ذلك خاف أن يقتل فأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، وكان قد قال لابن أخيه: إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل. فبعث به إليه، وخرج واعترض الناس فقتل ناسا، وانتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت، وقتل الصّغد مائة وخمسين رجلا كانوا عندهم من أسرى المسلمين، فأمر الحرشىّ بقتل الصّغد بعد عزل التجار عنهم، فقاتلهم الصّغد بالخشب، ولم يكن لهم سلاح، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل سبعة آلاف، واصطفى الحرشى أموال الصّغد وذراريهم، وأخذ من ذلك ما أعجبه، وقسّم ما بقى، وفتح المسلمون حصنا يطيف به وادى الصّغد من ثلاث جهات صلحا على ألّا يتعرض لنسائهم وذراريهم، ففعلوا.

стр. 7992

وسار الحرشى إلى كسّ «١» ، فصالحوه على عشرة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف رأس، وولىّ الحرشى نصر بن سيّار قبض صلح كسّ، واستعمل سليمان بن أبى السرى على كس، ونسف- حربها وخراجها. وكانت خزار «٢» منيعة، فأرسل الحرشىّ إليها المسربل بن الخرّيت النّاجى، وكان صديقا لملكها، واسم ملكها سبغرى «٣» ، فأخبر الناجى الملك بما صنع الحرشى بأهل خجندة، وخوّفه. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تنزل بأمان، فصالحهم فأمنوه وبلاده، ورجع الحرشى إلى مرو ومعه سبغرى فقتله وصلبه ومعه أمانه. ذكر ظفر الخزر بالمسلمين وفى سنة [١٠٤ هـ] أربع ومائة دخل جيش المسلمين إلى بلاد الخزر من أرمينية، وعليهم ثبيت النّهرانى «٤» ، فاجتمعت الخزر فى جمع كثيف، وأعانهم قفجلق وغيرهم من التّرك، فلقوا المسلمين بمكان يعرف بمرج الحجارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من المسلمين خلق كثير، واحتوت الخزر على عسكرهم، وغنموا ما فيه، وأقبل المنهزمون [إلى الشام] «٥» ، فقدموا على يزيد، فوبّخهم على الهزيمة، فقال ثبيت: يا أمير المؤمنين، ما جبنت ولا نكّبت عن لقاء العدو، ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحى، وضاربت حتى انقطع سيفى، غير أن الله ﵎ يفعل ما يشاء.

стр. 7993

ذكر فتح بلنجر وغيرها «١» قال: لما تمّت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر فى البلاد. فجمعوا وحشدوا، فاستعمل يزيد بن عبد الملك الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ على أرمينية، وأمده بجيش كثيف، وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وقصد بلادهم، فسار الجرّاح وتسامعت به الخزر فعادوا حتى نزلوا بالباب والأبواب، ووصل الجرّاح إلى بردعة «٢» ، فأقام بها حتى استراح هو ومن معه، وسار نحو الخزر فعبر «٣» نهر الكرّ، فبلغه أنّ بعض من معه كتب إلى ملك الخزر يخبره بمسير الجرّاح إليه، فأمر الجرّاح مناديا فنادى فى الناس: إنّ الأمير مقيم ها هنا عدة أيام، فاستكثروا من الميرة. فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر يخبره أن الجرّاح مقيم، ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه، ثم أمر الجرّاح بالرحيل ليلا، وسار مجدّا حتى انتهى إلى مدينة الباب [والأبواب «٤» ] ، فلم ير الخزر، فدخل البلد، وبثّ سراياه للنّهب والغارة، فغنموا وعادوا، وسار الخزر إليه، وعليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الرّان «٥» ، واقتتلوا قتالا شديدا، فهزمهم المسلمون وتبعوهم يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق كثير،

стр. 7994

وغنم المسلمون جميع ما معهم، وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين، فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنه، ثم سار إلى مدينة برغر «١» فأقام عليها ستة أيام، وجدّ فى قتال أهلها، فسألوا الأمان فأمّنهم وتسلّم حصنهم ونقلهم منه. ثم سار إلى بلنجر وهو حصن مشهور من حصونهم، فنازله، وقاتل عليه قتالا شديدا، وملك الحصن عنوة، وغنم المسلمون ما فيه، فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين ألفا، وأخذ الجراح أولاد صاحب بلنجر وأهله، وأرسل إليه فأحضره وردّ إليه أمواله وأهله وحصنه، وجعله عينا للمسلمين؛ ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر «٢» ، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك، فصالحوا الجرّاح على مال يؤدّونه، ثم تجمّع أهل تلك البلاد، وأخذوا الطرق على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجرّاح يخبره بذلك، فعاد مجدّا حتى وصل إلى رستاق سلّى «٣» ، وأدركهم الشتاء، فاقام المسلمون به، وكتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه وبجموع الكفار، ويسأله المدد، فوعده بانفاذ العساكر، فمات قبل ذلك، فأقر هشام الجرّاح على عمله، ووعده المدد. هذا ما كان من الغزوات والفتوحات فى أيام يزيد بن عبد الملك، فلنذكر حوادث السنين فى أيامه .

стр. 7995

تتمة سنة (١٠١ هـ) احدى ومائة: ذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبى صفرة على البصرة وخلعه يزيد بن عبد الملك قد ذكرنا هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز ﵀، وأنه إنما هرب خوفا من يزيد بن عبد الملك لمنافرة كانت بينهما. وقيل: كان السبب الذى أوجب كراهة يزيد بن عبد الملك فى يزيد بن المهلب أن ابن المهلب خرج يوما من الحمّام فى أيام سليمان وقد تضمّخ بالغالية، فاجتاز بيزيد بن عبد الملك وهو إلىّ جانب عمر ابن عبد العزيز، فقال يزيد بن عبد الملك: قبّح الله الدنيا! لوددت أنّ مثقال الغالية بألف دينار، فلا يناله إلا كلّ شريف، فقال ابن المهلّب: بل وددت أنّ الغالية فى جبهة الأسد فلا ينالها إلا لى. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن وليت يوما لأقتلنّك. فقال ابن المهلب: والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حىّ لاضربنّ وجهك بمائة ألف سيف. وقيل: كان السبب أنّ يزيد بن المهلب كان قد عذّب أصهار يزيد بن عبد الملك، وكان سليمان بن عبد الملك لما ولى الخلافة طلب آل عقيل فأخذهم وسلّمهم إلى ابن المهلب ليخلّص الأموال منهم، فبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق وبها خزائن الحجاج ابن يوسف وعياله، فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتى به أمّ الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك. وقيل: بل أخت لها- فعذّبها، فأتى يزيد بن عبد الملك إلى ابن المهلب فى منزله، فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذى قرّرتم عليها أنا أحمله،

стр. 7996

فلم يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن ولّيت من الأمر شيئا لأقطعنّ منك عضوا ... فقال ابن المهلّب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينّك بمائة ألف سيف. فحمل يزيد بن عبد الملك المال «١» عنها، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم. قال: فلما ولى يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، وإلى عدى بن أرطاة، يعرّفهما هرب يزيد، ويأمرهما بالتحرز منه، وأمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلّب ويحبسهم، فقبض عليهم وفيهم المفضّل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب نحو البصرة، وقد جمع عدىّ بن أرطاة الجموع، وخندق على البصرة، وندب الناس، وجاء يزيد فى أصحابه «٢» والذين معه، فالتقاه «٣» أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه، فمرّ بجموع عدىّ؛ فجعل لا يمرّ بخيل من خيل عدىّ إلا تنحّوا عن طريقه، وأقبل حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، فبعث إلى عدىّ أن ابعث إلىّ إخوتى وأنا أصالحك على البصرة وأخلّيك وإياها حتى آخذ لنفسى من يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه قطع الذهب والفضّة؛ فمال الناس إليه؛ وكان عدىّ لا يعطى إلّا درهمين درهمين، ويقول: لا يحلّ أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلّغوا بهذه حتى يأتى الأمر، فقال الفرزدق «٤» :

стр. 7997

أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم «١» ... إلى الموت آجال لهم ومصارع وأكيسهم من قرّ فى قعر بيته «٢» ... وأيقن أنّ الموت لا بدّ واقع وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبّانة بنى يشكر وهو المنصف «٣» فيما بينه وبين القصر، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة وانهزموا، فتبعهم يزيد وأصحابه حتى دنا من القصر، وخرج إليهم عدىّ بنفسه فقتل من أصحابه وانهزم هو «٤» ، وقصد قتل آل المهلب الذين فى حبسه، فأغلقوا الباب ومنعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد، ونزل فى دار سالم «٥» ابن زياد بن أبيه، وهى إلى جنب القصر، ونصب السلاليم، وفتح القصر، وأتى بعدى بن أرطاة فحبسه، وقال: لولا حبسك إخوتى لما حبستك، وأخرج إخوته وهرب بوجوه أهل البصرة، فلحقوا بالكوفة، وكان يزيد قد بعث حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى طلب الأمان، فعاد بما طلب ومعه خالد القسرى وعمرو ابن يزيد الحكمى، فوجد المغيرة بن زياد وقد فرّ من يزيد ابن المهلب، فأخبرهم الخبر، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك ومعهم حميد، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويعدهم

стр. 7998

الزيادة، وأرسل «١» أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد، فى سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة. وقيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق حتى بلغوا الكوفة فنزلوا بالنّخيلة «٢» ، واستوثق أمر البصرة لابن المهلّب، وبعث عمّاله على الأهواز وفارس وكرمان، ثم سار يزيد من البصرة، واستعمل عليها أخاه مروان، وأتى واسطا، وأقام عليها أياما يسيرة إلى أن دخلت سنة [١٠٢ هـ] اثنتين ومائة، فسار عنها. واستخلف عليها ابنه معاوية، ونزل «٣» عنده بيت المال، وقدم أخاه عبد الملك نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد واقتتلوا، فظفر عبد الملك أوّلا، ثم كانت الهزيمة عليه، فعاد بمن معه إلى أخيه، وأقبل مسلمة يسير على شاطىء الفرات إلى الأنبار، وعقد عليها جسرا فعبر وسار حتى نزل على ابن المهلّب، والتحق بابن المهلّب «٤» ناس كثير من الكوفة والثغور، وأحصى ديوانه مائة ألف وعشرين ألفا، فقال: لوددت أنّ لى بهم من بخراسان من قومى. ثم قام فى أصحابه وحرّضهم على القتال، وكان اجتماع ابن المهلب ومسلمة ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر سنة [١٠٢ هـ] اثنتين ومائة خرج مسلمة فى جنوده حتى قرب من ابن المهلّب، والتقوا واقتتلوا؛ فانهزم أصحاب ابن المهلب،

стр. 7999

فترجّل وبقى فى جماعة من أصحابه وقد استقتل وهو يتقدّم؛ فكلّما مرّ بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه؛ وأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره، فلما دنا منه أدنى فرسه ليركب، فعطف عليه أهل الشام، فقتل يزيد والسّميدع «١» ومحمّد بن المهلّب، وكان رجل من كلب يقال له القحل «٢» بن عيّاش لما نظر إلى يزيد قال: هذا والله يزيد، والله لأقتلنّه أو ليقتلنى، فمن يحمل معى يكفينى أصحابه حتى أصل إليه، فحمل معه ناس، فاقتتلوا ساعة، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بآخر رمق، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو الذى قتله، وأنّ يزيد قتله، وأتى مولى لبنى مرّة برأس يزيد إلى مسلمة، فقيل له: أنت قتلته؟ قال: لا، فبعث مسلمة بالرأس إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد ابن عقبة بن أبى معيط. وقيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابى، ولم ينزل لأخذ رأسه أنفة. قال: ولما قتل يزيد كان المفضّل بن المهلّب يقاتل أهل الشام وهو لا يدرى بقتل أخيه ولا بهزيمة الناس، فأتاه آت وقال له: ما تصنع وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل؟ فتفرّق الناس عنه، ومضى المفضّل إلى واسط. وقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك، وكره أن يخبره بقتل يزيد

стр. 8000

فيستقتل، فقال له: إنّ الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضّل بمن بقى من ولد المهلب إليها، فلما علم بقتل يزيد حلف أنّه لا يكلّم عبد الملك أبدا، فما كلّمه حتى قتل بقندابيل «١» . قال: ولما أتت هزيمة ابن المهلّب إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين إنسانا «٢» كانوا عنده، فضرب أعناقهم، منهم عدىّ ابن أرطاة، وابنه محمد، ومالك، وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة بالمال والخزائن، وجاء المفضّل بن المهلب واجتمع إلى المهلّب بالبصرة، وأعدّوا السفن وتجهّزوا للركوب. فى البحر إلى جبال كرمان، وحملوا عيالهم «٣» وأموالهم فى السفن البحريّة، ولجّجوا حتى أتوا جبال كرمان، فخرجو من سفنهم، وحملوا ما معهم على الدوابّ. وكان المقدّم عليهم المفضّل، وكان بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبى فى طلبهم وفى أثر الفلّ، فأدرك المفضّل ومن اجتمع إليه، فقاتلوه قتالا شديدا، فقتل من أصحاب المفضل جماعة، وطلب بعض من معه الأمان، ومضى آل المهلب إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب، فردّه؛ وسيّر فى أثرهم هلال بن أحوز التميمى فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخولها فمنعهم أميرها وادع بن حميد، وكان يزيد بن المهلب قد استعمله عليها، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه إن قتل فى حربه يلجأ أهله إليها ويتحصّنوا بها حتى يأخذوا أمان يزيد بن عبد الملك.

стр. 8001

وقال له: قد اخترتك لهم من بين قومى فكن عند حسن ظنّى؛ وعاهده ليناصحنّ أهل بيته إن هم لجئوا إليه. فلما أتوه «١» منعهم من الدخول، وكتب إلى هلال بن أحوز، فلما التقوا نصب هلال راية أمان، فتفرّق الناس عن آل المهلب، وتقدموا هم بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، وهم المفضل، وعبد الملك، وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب. والمنهال بن أبى عيينة بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة ابن المهلّب، وحملت رءوسهم؛ وفى أذن كلّ واحد رقعة فيها اسمه، ولحق منهم برتبيل أبو عيينة بن المهلب، وعمرو «٢» بن يزيد، وعثمان بن المفضل؛ وبعث هلال بالرءوس والنساء الأسرى من آل المهلّب إلى مسلمة بن عبد الملك وهو بالحيرة، فبعثهم إلى يزيد ابن عبد الملك، فبعثهم «٣» يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على حلب، فنصب الرءوس، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم منه الجرّاح بن عبد الله الحكمى بمائة ألف، وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة بن الجرّاح شيئا، وكانت الأسرى من آل المهلّب ثلاثة عشر رجلا، فلما جىء بهم إلى يزيد بن عبد الملك كان «٤» عنده كثير عزّة فقال «٥» :

стр. 8002

حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تأته من صالح لك يكتب أساءوا فإن تصفح فإنك قادر ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب فقال يزيد: هيهات يا أبا صخر؛ أطّت «١» بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك، إن الله أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة، ثم أمر بهم فقتلوا، وبقى غلام صغير. فقال: اقتلونى، فما أنا بصغير. فقال: انظروا، أنبت؟ فقال: أنا أعلم بنفسى، قد احتلمت ووطئت النساء، فأمر به فقتل. والذين قتلوا من آل المهلّب بين يدى يزيد بن عبد الملك المعارك وعبد الله، والمغيرة، والمفضل، ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب ودويّة» والحجاج، وغسّان، وشبيب، والفضل أولاد المفضل بن المهلّب، والمفضل ابن قبيصة بن المهلب. قال: وأما أبو عيينة بن المهلّب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى أمانه فأمّنه، وبقى عمرو «٣» وعثمان حتى ولى أسد ابن عبد الله القسرى خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان. *** وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وهو عامل المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد، وعلى قضائها الشّعبى، وعلى خراسان عبد الرحمن بن نعيم.

стр. 8003

سنة اثنتين ومائة: ذكر ولاية مسلمة بن عبد الملك العراق وخراسان وعزله وولاية عمر بن هبيرة قال: ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب ابن المهلّب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن عمرو ابن الوليد على الكوفة، وبعث إلى البصرة عبد الرحمن بن سليم «١» الكلبى، وعلى شرطتها عمرو بن يزيد التميمى، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة ويقتلهم، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام، وكتب إلى مسلمة بالخبر فعزله، واستعمل على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، واستعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، وهو الذى يقال له سعيد خدينة «٢» ، وإنما لقّب بذلك لأنه كان رجلا ليّنا متنعّما، فدخل عليه بعض ملوك العجم وسعيد فى ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، فلما خرج من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير. قال: خدينة. فلقّب خدينة، وهى الدّهقانة ربّة البيت. وكان سعيد زوج «٣» ابنة مسلمة، فلذلك استعمله، فغزا سعيد الصّغد كما تقدم. قال: ولما ولى مسلمة العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا، فأراد يزيد عزله فاستحيى من ذلك، فكتب إليه أن استخلف على عملك، وأقبل. فلما قدم لقيه عمر بن هبيرة الفزاى بالطريق

стр. 8004

على دوابّ البريد، فسأله عن مقدمه، فقال: وجّهنى أمير المؤمنين فى حيازة أموال بنى المهلّب. ولم يكن الأمر كذلك، وإنما كان يزيد قد استعمله، فلم يلبث حتى أتاه عزل ابن هبيرة عمّاله والغلظة عليهم، وكان ابن هبيرة قبل ذلك يلى الجزيرة. ذكر البيعة لهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بولاية العهد وفى هذه السنة أراد يزيد أن يأخذ البيعة لابنه الوليد، فقال [له] «١» مسلمة بن عبد الملك: إنّ ابّنك لم يبلغ الحلم؛ وأشار عليه بالبيعة لهشام، ففعل، وبايع لهشام بولاية العهد، ثم من بعده لابنه الوليد بن يزيد، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد الحلم، فكان يزيد إذا رآه يقول: الله بينى وبين من جعل هشاما بينى وبينك. ذكر مقتل يزيد بن أبى مسلم كان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبى مسلم على إفريقية فى سنة [١٠١ هـ] إحدى ومائة، فقتل فى هذه السنة. وكان سبب قتله أنه أراد أن يسير فى أهل إفريقية بسيرة الحجاج فى أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن [كان] «٢» أصله من السّواد من أهل الذّمة، فإنه ردهم إلى قراهم، ووضع عليهم الجزية على ما كانوا «٣» عليه قبل الإسلام. فلما عزم يزيد بن مسلم على ذلك

стр. 8005

اجتمع رأى أهل إفريقية على قتله، فقتلوه وولّوا عليهم الوالى الذى كان قبله، وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار، وكتبوا إلى يزيد ابن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من طاعة، ولكن يزيد بن أبى مسلم سامنا مالا يرضاه الله والمسلمون، فقتلناه، وأعدنا عاملك. فكتب إليهم: إنه لم يرض بما صنع. وأقرّ محمد بن يزيد على عمله. وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك، وهو عامل المدينة. سنة (١٠٣ هـ) ثلاث ومائة: ذكر استعمال سعيد الحرشى على خراسان وعزل سعيد خدينة «١» عنها فى هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خدينة عن خراسان بشكوى المجشّر بن مزاحم السلمى، وعبد الله بن عمير الليثى، واستعمل سعيد بن عمرو الحرشى، من بنى الحريش بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وكان خدينة بباب سمرقند، فبلغه عزله فرجع وقدم الحرشى خراسان فلم يعرض لعمال خدينة. وقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال: صه؛ مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه برىء. وخطب النّاس وحثّهم على الجهاد، وقال: إنكم لا تقاتلون بكثرة [ولا بعدّة] «٢» ، ولكن بنصر الله وعزّ الإسلام، فقولوا: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

стр. 8006

وقال «١» : فلست لعامر إن لم ترونى ... أمام الخيل أطعن «٢» بالعوالى وأضرب «٣» هامة الجبّار منهم ... بعضب الحدّ حودث بالصّقال «٤» فما أنا فى الحروب بمستكين ... ولا أخشى مصاولة الرّجال أبى لى والدى من كلّ ذمّ ... وخالى فى الحوادث غير خالى فهابه الصّغد، وكان من قتاله إياهم وقتلهم ما ذكرناه. ولما ظفر بهم كتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى ابن هبيرة فوجد عليه. وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك، وولى عبد الواحد ابن عبد الله النّضرى الطائف. سنة (١٠٤ هـ) أربع ومائة: ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة وولاية عبد الواحد وفى هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحّاك عن مكّة والمدينة. وسبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علىّ رضى الله عنهما، فقالت: ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنىّ هؤلاء، فألحّ عليها، وقال: لئن لم تفعلى لأجلدن أكبر بنيك فى

стр. 8007

الخمر، يعنى عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على، وكان على الديوان بالمدينة ابن هرمز رجل من [أهل] «١» الشام، وقد رفع حسابه، وهو يريد أن يسير إلى يزيد، فدخل على فاطمة يودّعها، فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من الضحاك. وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد يخبره بذلك. فقدم ابن هرمز [على يزيد] «٢» ، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل من مغرّبة خبر؟ فلم يذكر شأن فاطمة، فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. فقال ابن هرمز: إنها حملتنى رسالة؛ وأخبره الخبر، فنزل عن فراشه، وقال: لا أمّ لك! عندك هذا وما تخبرنيه! فاعتذر بالنّسيان، فأذن «٣» لرسولها، فأدخل، وقرأ كتابها، وجعل يضرب بخيزران فى يده، ويقول: لقد اجترأ ابن الضحّاك، هل من رجل يسمعنى صوته فى العذاب؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النّضرى. فكتب إليه بيده: قد ولّيتك المدينة، فاهبط إليها، واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوته، وأنا على فراشى. وسار البريد بالكتاب، ولم يدخل على ابن الضحاك، فأحسّ وأحضر البريد، وأعطاه ألف دينار ليخبره الخبر، فأخبره، فسار ابن الضحاك مجدّا فنزل على مسلمة بن عبد الملك، فاستجاربه، فحضر مسلمة عند يزيد، فطلب إليه حاجة جاء لها، فقال: كلّ

стр. 8008

حاجة هى لك إلا ابن الضحاك. فقال: هى والله ابن الضحّاك. فقال: والله لا أعفيه أبدا. ورده إلى عبد الواحد بالمدينة فعذّبه، ولبس جبّة صوف، فسأل الناس. وكان قدوم النضرى فى شوال سنة [١٠٤ هـ] أربع ومائة، فأحسن السيرة فى الناس، وكان ابن الضحاك قد آذى «١» الأنصار طرّا، فأعفاهم الله منه. وفيها عزل عمر بن هبيرة سعيدا الحرشى عن خراسان وولّاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابى، وسبب ذلك أن الحرشى كان يستخفّ بابن هبيرة فعزله وعذّبه حتى أدّى الأموال. وحج بالناس فى هذه السنة عبد الواحد النّضرى. سنة (١٠٥ هـ) خمس ومائة: ذكر أخبار الخوارج فى أيام يزيد بن عبد الملك وهؤلاء الخوارج الذين نذكرهم ذكرهم ابن الأثير «٢» فى حوادث هذه السنة، ولم يذكر أنهم خرجوا فيها، فقال «٣» : وفى أيام يزيد خرج حرورى اسمه عقفان فى ثلاثين رجلا، فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه، فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة، والرأى أن تبعث إلى كلّ رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلّمه ويردّه. ففعل ذلك، فرجعوا وبقى

стр. 8009

عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه وردّه «١» . فلما ولى هشام بن عبد الملك ولّاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان عاصيا، فشدّه وثاقا، وبعث به إلى هشام، فأطلقه لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، واستعمل عقفان على الصدقة فبقى إلى أن توفّى هشام. وخرج مسعود بن أبى زينب «٢» العبدى بالبحرين على الأشعث ابن عبد الله بن الجارود، ففارق الأشعث البحرين، وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلى من قبل ابن هبيرة، فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة «٣» قتالا شديدا، فقتل مسعود، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج، فقاتلهم يومه كلّه، فلما أمسى تفرّق عنه أصحابه، وبقى فى نفر يسير، فدخل قصرا فتحصّن به، فنصبوا عليه السلاليم، وصعدوا إليه فقتلوه. وقيل: إن «٤» مسعودا غلب على البحرين واليمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو. [والله أعلم] «٥» . وخرج مصعب بن محمد الوالبى، وكان من رؤساء الخوارج، فطلبه عمر بن هبيرة، وطلب معه مالك بن الصّعب وجابر بن سعد، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق، وأمّروا عليهم مصعبا، فاستمر

стр. 8010

إلى أن ولى خالد القسرى العراق فى أيام هشام، فبعث إليهم جيشا، وكانوا قد صاروا بحزّة «١» من أعمال الموصل، فالتقوا واقتتلوا، فقتل الخوارج. وقيل: كان قتلهم فى أيام يزيد. والله أعلم. ذكر وفاة يزيد بن عبد الملك وشىء من أخباره كانت وفاته بحوران «٢» لخمس بقين من شعبان سنة [١٠٥] خمس ومائة، وله أربعون سنة. وقيل خمس وثلاثون. وقيل: غير ذلك. وكانت خلافته أربع سنين وشهرا. وكان جميلا أبيض جسيما مدوّر الوجه شديد الكبر عاجز الرأى، وكان صاحب لهو، وهو أول من اتخذ القيان من بنى أمية، وكان يهوى جاريتين، وهما حبابة وسلّامة، وهى سلّامة القس، وقال يوما- وقد طرب: دعونى أطير. فقالت حبابة: على «٣» من تدع الأمّة؟ فقال: عليك. وغنّت يوما «٤» : بين التّراقى واللهاة حرارة ... ما تطمئنّ وما تسوغ فتبرد فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا فيك حاجة.

стр. 8011

فقال: والله لأطيرنّ. فقالت: فعلى من تخلّف الأمّة والملك؟ فقال «١» : عليك والله. وقبّل يدها. وخرجت معه إلى ناحية الأردنّ للتنزه فرماها بحبّة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى أنتنت، وهو يقبّلها ويشمّها وينظر إليها ويبكى، فكلّم فى أمرها فدفنها. وقيل: إنه نبشها بعد دفنها، وبقى سبعة أيام لا يظهر للناس، وأشار «٢» عليه مسلمة بذلك لئلا يظهر منه ما يسفّهه عندهم. قال: وكان يزيد قد حجّ أيام أخيه سليمان، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان اسمها الغالية «٣» ، فقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. فردّها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة يوما: هل بقى من الدنيا شىء تتمنّاه؟ قال: نعم، حبابة، فأرسلت فاشترتها، وأتت بها فأجلستها من وراء الستر، وأعادت عليه القول الأول. فقال: قد أعلمتك، فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها، فحظيت سعدة عنده، وأكرمها. وهى سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان. قال: وإنما قيل لسلّامة القسّ، لأن عبد الرحمن بن عبد الله [ابن] «٤»

стр. 8012

أبى عمار أحد بنى جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابدا مجتهدا فى العبادة، وكان يسمى القس لعبادته. مرّ يوما بمنزل مولاها، فسمع غناءها، فوقف يسمعه فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر وتسمع! فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكان لا تراها وتسمع غناءها. فدخل معه فغنّت «١» ، فأعجبه غناؤها. ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته. فقالت له يوما على خلوة: أنا والله أحبّك. قال: وأنا والله. قالت: وأحبّ أن أقبّلك. قال: وأنا والله. قالت: وأحب أن أضع بطنى على بطنك. قال: وأنا والله. قالت: فما يمنعك؟ قال: قوله تعالى «٢» : «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» . وأنا أكره أن تئول «٣» خلّتنا «٤» إلى عداوة، ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته. وله فيها أشعار كثيرة منها قوله: ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طرّبت فى صوتها كيف تصنع تمدّ نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل من صوتها يترجع وله فيها غير ذلك. وأما يزيد فأخباره مع سلّامة وحبابة كثيرة مشهورة أضربنا عن ذكر كثير منها.

стр. 8013

فلنذكر خلاف ذلك من أخباره: وكان له من الأولاد الذكور ثمانية، [منهم] «١» عبد الله، والوليد. كتّابه: عمر بن هبيرة، ثم إبراهيم بن جبلة، ثم أسامة بن زيد السّليحى. قاضيه: عبد الرحمن بن الحسحاس وغيره. حجّابه: سعيد وخالد مولياه. نقش خاتمه: قنى السيئات يا عزيز. الأمير بمصر: بشر بن صفوان. وأقرّ أبا مسعود على القضاء، ثم ولّى إمارة مصر حنظلة بن صفوان أخا بشر، وسار بشر إلى إفريقية. وولى مصر أيضا فى خلافته أسامة ابن زيد، والله أعلم. ذكر بيعة هشام بن عبد الملك هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه أم هشام فاطمة، وقيل: عائشة بنت هشام المخزومى، وهو العاشر من ملوك بنى أميّة. بويع له لخمس بقين من شعبان سنة [١٠٥ هـ] خمس ومائة بعد وفاة أخيه. أتته الخلافة وهو بالرّصافة «٢» ، [فجاءه البريد بالخاتم

стр. 8014

والقضيب وسلّم عليه بالخلافة] «١» ، فركب منها، حتى أتى دمشق، وكان من أول ما ابتدأ به أن عزل عمر بن هبيرة عن العراق، واستعمل خالد بن عبد الله القسرى، وذلك فى شوال من السنة. ولنبدأ بذكر الغزوات والفتوحات فى أيامه: ذكر الغزوات والفتوحات فى أيام هشام بن عبد الملك على حكم السنين فى سنة [١٠٥ هـ] خمس ومائة غزا الجرّاح الحكمىّ اللّان «٢» حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة. وغزا سعيد بن عبد الملك أرض الرّوم، فبعث سريّة فى نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعا. وغزا مسلم بن سعيد الكلابى أمير خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئا، وقفل فاتبعه الترك فلحقوه، والناس يعبرون جيحون، وعلى الساقة عبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل «٣» تميم، فحاموا حتى عبر الناس. وغزا مسلم أفشين «٤» ، فصالح أهلها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة. وغزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى، فافتتح قونية من أرض الروم، وكمخ «٥» . والله أعلم.

стр. 8015

(ذكر غزوة مسلم الترك) وفى سنة [١٠٦ هـ] ست ومائة غزا مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الترك ، فقطع النهر، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب خالد القسرى بولايته العراق، ويأمره بإتمام غزاته، فسار إلى فرغانة «١» ، فلما وصلها بلغه أنّ خاقان قد أقبل إليه، فارتحل، فسار ثلاث مراحل فى يوم، وأقبل إليهم خاقان، فلقى طائفة من المسلمين، فقتل جماعة منهم، وأصاب دوابّ لمسلم، ورحل مسلم بالناس، فسار ثمانية أيام والترك يطيفون «٢» بهم، وأحرق الناس ما ثقل عليهم من أثقالهم، فحرقوا ما قيمته ألف ألف، ونزل مسلم فى الليلة التاسعة، وأصبح فسار فورد النّهر وأقام «٣» يوما ثم قطعه من الغد، واتبعهم ابن لخاقان، فعطف حميد ابن عبد الله وهو على السّاقة على طائفة من الترك نحو المائتين فقاتلهم، فأسر أهل الصّغد وقائدهم وقائد الترك فى سبعة، ومضى البقيّة. ورجع حميد فرمى بنشّابة فى ركبته فمات. وعطش الناس فى هذه الغزوة عطشا شديدا وأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس. وجاء عبد الرحمن بن نعيم عهده على خراسان من قبل أسد بن عبد الله أخى خالد القسرى، فأقرأه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعا وطاعة. قال بعض من شهد هذه الغزوة، قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى

стр. 8016

أيقنّا بالمهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحنيف على الترك فى أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة. ثم رجع، وأقبل نصر بن سيّار فى ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى أزالهم عن مواقفهم، وحمل عليهم الناس؛ فانهزم الترك، وقفل عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم. وغزا سعيد بن عبد الملك الصائفة فى هذه السنة. وغزا الجرّاح بن عبد الله اللّان «١» ، فصالح أهلها وأدّوا الجزية. (ذكر غزاة عنبسة الفرنج بالأندلس) وفى سنة [١٠٧ هـ] سبع ومائة غزا عنبسة بن سحيم الكلبى عامل الأندلس بلد الفرنج فى جمع كثير، فنازل «٢» مدينة برشلونة، وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها، وعلى جميع ما فى المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم، وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمّة. وفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الغور؛ وهى جبال هراة، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيّروها فى كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت، ووضع فيها الرجال، ودلّاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه. وفيها غزا الحارث بن عمرو الطائى التّرك من جهة أرمينية فافتتح رستاقا من بلد التّرك وقرى كثيرة وأثّر أثرا حسنا. وفى سنة [١٠٨ هـ] ثمان ومائة قطع أسد بن عبد الله النّهر ،

стр. 8017

وأتاه خاقان، فلم يكن بينهما قتال، ثم مضى أسد إلى غوريان «١» ، فقاتلهم يوما، ثم اقتتلوا من الغد فانهزم المشركون، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، وأسروا وسبوا وغنموا. وفيها غزا مسلمة «٢» بن عبد الملك الروم مما يلى الجزيرة ففتح قيسارية، وهى مدينة مشهورة. وغزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من حصون الروم. وفيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان، فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث بن عمرو الطائى، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحارث حتى عبر نهر روس «٣» ، فعاد إليه ابن خاقان فعاودوا «٤» الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان، وقتل من الترك خلق كثير. وغزا معاوية بن هشام بن عبد الملك ومعه ميمون بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس. وغزا البرّ مسلمة بن عبد الملك بن مروان. وفى سنة تسع ومائة غزا عبد الله بن عقبة الفهرى فى البحر ، وغزا معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح حصنا يقال له «٥» طيبة،

стр. 8018

وغزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد. وغزا بشر بن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية، فغنم شيئا كثيرا، ثم رجع إلى القيروان فتوفى من سنته. واستعمل هشام عبيدة «١» بن عبد الرحمن بن أبى الأغرّ السلمى. (ذكر خبر أشرس بن عبد الله السلمى أمير خراسان وأهل سمرقند وغيرها بما وراء النهر وما يتصل بذلك من الحروب) فى سنة [١١٠] عشرة ومائة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وغيرها مما وراء النّهر يدعوهم إلى الإسلام ، على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل فى ذلك أبا الصّيداء «٢» صالح بن طريف «٣» مولى بنى ضبّة والرّبيع بن عمران التميمى، فقال أبو الصّيداء: إنما أخرج على شريطة أنه «٤» من أسلم لا يؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رءوس الرجال. فقال أشرس: نعم. فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن بن أبى العمرّطة «٥» الكندى، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فكتب إلى أشرس: إنّ الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن أبى العمرّطة: إنّ فى الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغنى أنّ أهل الصّغد وأشباههم

стр. 8019

إنما أسلموا تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه، ثم عزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الخراج، وصيّره إلى هانىء بن هانىء، فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن تلفّظ بالإسلام، وكتب هانىء إلى أشرس: إنّ الناس قد أسلموا وبنوا المساجد. فكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممّن كنتم تأخذونه عنه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزلوا فى سبعة آلاف على عدّة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصّيداء وربيع بن عمران، والهيثم «١» الشّيبانى، وأبو فاطمة الأزدى، وعامر بن قشير، وبشير الخجندى «٢» ، وبيان العنبرى، وإسماعيل بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلمى؛ فكتب المجشّر إلى أبى الصّيداء فى القدوم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصّيداء وثابت قطنة فحبسهما، واجتمع أصحاب أبى الصّيداء وولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم: كفّوا حتى نكتب إلى أشرس. فكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج. فرجع أصحاب أبى الصّيداء وضعف أمرهم، فتتبّع الرؤساء فأخذوا وحملوا إلى مرو. وألحّ هانىء فى الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم والدّهاقين، وأخذوا الجزية ممّن أسلم، فكفرت الصّغد وبخارى، واستجاشوا

стр. 8020

التّرك، وخرج أشرس غازيا، فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر. وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم، فعبر النهر فى عشرة آلاف، وأقبل أهل الصّغد وبخارى معهم خاقان والتّرك، فحصروا قطنا فى خندقه، وأرسل خاقان من أغار على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود، فوجهه مع عبد الله بن بسطام فى خيل «١» ، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما كان بأيديهم، ورجع الترك. ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث سرية مع مسعود أحد بنى حيّان، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين، وهزم مسعود. فرجع إلى أشرس. وأقبل العدوّ، فلقيهم المسلمون، فجالوا جولة، فقتل رجال من المسلمين. ثم رجع «٢» المسلمون فصبروا، فهزم الله المشركين، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند «٣» ، فقطع عنهم العدوّ الماء، وأقام المسلمون يوما وليلة، وعطشوا؛ فرحلوا إلى المدينة التى قطع العدوّ بها الماء، وعلى المقدمة قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال؛ فقال الحارث بن سريج «٤» للناس: القتل بالسيف أكرم
следующие страницы →