Полный текст (13 172 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
أيقنّا بالمهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحنيف على الترك فى أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة. ثم رجع، وأقبل نصر بن سيّار فى ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى أزالهم عن مواقفهم، وحمل عليهم الناس؛ فانهزم الترك، وقفل عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم.
وغزا سعيد بن عبد الملك الصائفة فى هذه السنة.
وغزا الجرّاح بن عبد الله اللّان «١» ، فصالح أهلها وأدّوا الجزية.
(ذكر غزاة عنبسة الفرنج بالأندلس)
وفى سنة [١٠٧ هـ] سبع ومائة غزا عنبسة بن سحيم الكلبى
عامل الأندلس بلد الفرنج فى جمع كثير، فنازل «٢» مدينة برشلونة، وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها، وعلى جميع ما فى المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم، وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمّة.
وفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الغور؛ وهى جبال هراة، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيّروها فى كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت، ووضع فيها الرجال، ودلّاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه.
وفيها غزا الحارث بن عمرو الطائى التّرك من جهة أرمينية فافتتح رستاقا من بلد التّرك وقرى كثيرة وأثّر أثرا حسنا.
وفى سنة [١٠٨ هـ] ثمان ومائة قطع أسد بن عبد الله النّهر ،
стр. 8017
وأتاه خاقان، فلم يكن بينهما قتال، ثم مضى أسد إلى غوريان «١» ، فقاتلهم يوما، ثم اقتتلوا من الغد فانهزم المشركون، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، وأسروا وسبوا وغنموا.
وفيها غزا مسلمة «٢» بن عبد الملك الروم مما يلى الجزيرة ففتح قيسارية، وهى مدينة مشهورة.
وغزا إبراهيم بن هشام ففتح حصنا من حصون الروم.
وفيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان، فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث بن عمرو الطائى، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحارث حتى عبر نهر روس «٣» ، فعاد إليه ابن خاقان فعاودوا «٤» الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان، وقتل من الترك خلق كثير.
وغزا معاوية بن هشام بن عبد الملك ومعه ميمون بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس.
وغزا البرّ مسلمة بن عبد الملك بن مروان.
وفى سنة تسع ومائة غزا عبد الله بن عقبة الفهرى فى البحر ،
وغزا معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح حصنا يقال له «٥» طيبة،
стр. 8018
وغزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد.
وغزا بشر بن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية، فغنم شيئا كثيرا، ثم رجع إلى القيروان فتوفى من سنته. واستعمل هشام عبيدة «١» بن عبد الرحمن بن أبى الأغرّ السلمى.
(ذكر خبر أشرس بن عبد الله السلمى أمير خراسان وأهل سمرقند وغيرها بما وراء النهر وما يتصل بذلك من الحروب)
فى سنة [١١٠] عشرة ومائة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وغيرها مما وراء النّهر يدعوهم إلى الإسلام ،
على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل فى ذلك أبا الصّيداء «٢» صالح بن طريف «٣» مولى بنى ضبّة والرّبيع بن عمران التميمى، فقال أبو الصّيداء:
إنما أخرج على شريطة أنه «٤» من أسلم لا يؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رءوس الرجال. فقال أشرس: نعم. فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن بن أبى العمرّطة «٥» الكندى، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فكتب إلى أشرس:
إنّ الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن أبى العمرّطة:
إنّ فى الخراج قوة للمسلمين، وقد بلغنى أنّ أهل الصّغد وأشباههم
стр. 8019
إنما أسلموا تعوّذا من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه، ثم عزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الخراج، وصيّره إلى هانىء بن هانىء، فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن تلفّظ بالإسلام، وكتب هانىء إلى أشرس:
إنّ الناس قد أسلموا وبنوا المساجد.
فكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممّن كنتم تأخذونه عنه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزلوا فى سبعة آلاف على عدّة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصّيداء وربيع بن عمران، والهيثم «١» الشّيبانى، وأبو فاطمة الأزدى، وعامر بن قشير، وبشير الخجندى «٢» ، وبيان العنبرى، وإسماعيل بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبى العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلمى؛ فكتب المجشّر إلى أبى الصّيداء فى القدوم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصّيداء وثابت قطنة فحبسهما، واجتمع أصحاب أبى الصّيداء وولّوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم:
كفّوا حتى نكتب إلى أشرس.
فكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج. فرجع أصحاب أبى الصّيداء وضعف أمرهم، فتتبّع الرؤساء فأخذوا وحملوا إلى مرو. وألحّ هانىء فى الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم والدّهاقين، وأخذوا الجزية ممّن أسلم، فكفرت الصّغد وبخارى، واستجاشوا
стр. 8020
التّرك، وخرج أشرس غازيا، فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر.
وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم، فعبر النهر فى عشرة آلاف، وأقبل أهل الصّغد وبخارى معهم خاقان والتّرك، فحصروا قطنا فى خندقه، وأرسل خاقان من أغار على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود، فوجهه مع عبد الله بن بسطام فى خيل «١» ، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما كان بأيديهم، ورجع الترك.
ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث سرية مع مسعود أحد بنى حيّان، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فقتل رجال من المسلمين، وهزم مسعود. فرجع إلى أشرس.
وأقبل العدوّ، فلقيهم المسلمون، فجالوا جولة، فقتل رجال من المسلمين.
ثم رجع «٢» المسلمون فصبروا، فهزم الله المشركين، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند «٣» ، فقطع عنهم العدوّ الماء، وأقام المسلمون يوما وليلة، وعطشوا؛ فرحلوا إلى المدينة التى قطع العدوّ بها الماء، وعلى المقدمة قطن بن قتيبة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال؛ فقال الحارث بن سريج «٤» للناس: القتل بالسيف أكرم
стр. 8021
فى الدنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا، وتقدم هو وقطن فى فوارس من تميم فقاتلوا حتى أزالوا التّرك عن الماء، فشرب الناس واستقوا، ثم قاتلوا الترك قتالا شديدا، فقتل ثابت قطنة فى جماعة من المسلمين بعد أن أبلوا أعظم بلاء وأحسنه.
ثم اجتمع رجال من المسلمين تبايعوا على الموت مع قطن بن قتيبة، وحملوا على العدوّ فقاتلوهم فكشفوهم، وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجز بينهم اللّيل، وتفرّق العدوّ، وأتى أشرس بخارى، فحصر أهلها فعزل وهو يحاصرها بالجنيد بن عبد الرحمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر وقعة كمرجة
قال: ثم إنّ خاقان حصر كمرجة «١» ، وهى من أعظم بلدان خراسان، وبها جمع من المسلمين، ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة «٢» ، ونسف، وطوائف من أهل بخارى، فأغلق المسلمون الباب، وقطعوا القنطرة التى على الخندق، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذى جئت بخاقان ليردّ علىّ مملكتى، وأنا آخذ لكم الأمان، فشتموه، وأتاهم بازغرى، فقال: إنّ خاقان يقول لكم: إنى أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة، ويحسن «٣»
стр. 8022
إليكم وتكونون معه، فأبوا ذلك، فأمر خاقان بجمع الحطب «١» الرطب، وأن يلقى فى الخندق ليعبروا عليه. فجمع فى سبعة أيام، فكانوا يلقون الحطب الرّطب، ويلقى المسلمون الحطب اليابس حتى سوّى الخندق بالأرض؛ فأشعل المسلمون فيه النيران، وهاجت ريح شديدة، فاحترق الحطب الذى جمع فى سبعة أيام فى ساعة واحدة، ثم فرّق خاقان على الترك أغناما، وأمرهم أن يأكلوها ويحشوا جلودها ترابا، ويلقوها فى الخندق، ففعلوا ذلك، فأرسل الله تعالى مطرا شديدا، فاحتمل السيل ما فى الخندق، وألقاه فى النّهر الأعظم.
ورماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى وكان داهية، وكان خاقان لا يخالفه؛ ففرح المسلمون بقتله، وكان عند المشركين مائة من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء «٢» العتكىّ والحجاج ابن حميد النضرى، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم، واستماتوا واشتدّ القتال.
ثم وقع الاتفاق بينهم وبين الترك على أنّ خاقان يرحل عن كمرجة، ويرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند والدّبوسية «٣» ، فأجاب أهل كمرجة إلى ذلك، وأخذ كلّ منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء، وارتحل خاقان، ثم رحلوا بعده، وسيّر معه كور صول التّركى ليمنعهم ممن يتعرّض إليهم من الترك، فلما
стр. 8023
انتهوا إلى الدّبوسية، وكان بها عشرة آلاف مقاتل من المسلمين، أمنوا وأطلق كلّ من الطائفتين ما بيدهم من الرهائن، وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما، فيقال: إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوما.
وفى هذه السنة ارتد أهل كردر «١» ، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم.
وغزا مسلمة التّرك من نحو باب اللّان، فلقى خاقان فى جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر، وأصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان ورجع مسلمة.
وغزا معاوية الروم ففتح صلم «٢» .
وغزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهرى.
(ذكر عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن، وقتاله الترك)
وفى سنة [١١١ هـ] إحدى عشرة ومائة عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله عن خراسان ،
واستعمل الجنيد بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبى حارثة المرّى، وحمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان فى خمسمائة، وسار
стр. 8024
إلى ماوراء النّهر، وسار معه الخطاب بن محرز السلمى خليفة أشرس بخراسان، فقطعا النّهر، وأرسل الجنيد إلى أشرس، وهو يقاتل أهل بخارى والصّغد: أن أمدّنى بخيل.
وخاف أن يقطع «١» دونه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمّانى، فلما كان عامر ببعض الطريق عرض له التّرك والصّغد، فدخل حائطا حصينا، وقاتلهم على الثلمة، وكان معه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم وواصل بن عمرو القيسى «٢» ، فخرج واصل وعاصم بن عمير السمرقندى وغيرهما، فاستداروا خلف الترك فلم يشعر خاقان إلّا والتكبير من ورائه، وحمل المسلمون على التّرك، فقاتلوهم، وقتلوا عظيما من عظماء الترك، فانهزم التّرك، وسار عامر حتى لقى الجنيد، وأقبل معه وعلى مقدمة الجنيد عمارة ابن خريم «٣» ، فلما صار على فرسخين من بيكند تلقّته خيل التّرك، فقاتلوهم، فكاد الجنيد يهلك هو ومن معه، ثم أظهره الله، وسار حتى قدم العسكر، وظفر الجنيد، وقتل من الترك، ثم زحف إليه خاقان، فالتقوا دون زرمان «٤» من بلاد سمرقند، وقطن بن قتيبة على ساقة الجنيد، فأسر الجنيد ابن أخى خاقان، فبعث به إلى هشام، ورجع الجنيد بالظّفر إلى مرو.
стр. 8025
وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى، حتى أتى قيسارية.
وغزا عبد الله بن أبى مريم البحر.
وفيها سارت التّرك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو، فهزمهم.
وفيها استعمل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ على أرمينية، وعزل أخاه مسلمة، فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس «١» ، ففتح مدينتهم البيضاء، وانصرف سالما.
(ذكر مقتل الجراح بن عبد الله الحكمى وولاية سعيد الحرشى وحروبه مع الخزر والتّرك، وما افتتحه من البلاد)
وفى سنة [١١٢ هـ] ثنتى عشرة ومائة قتل الجرّاح بن عبد الله الحكمى .
وسبب ذلك أنه لما هزم الخزر اجتمعوا هم والتّرك من ناحية اللّان، فلقيهم الجرّاح فيمن معه من أهل الشام، فاقتتلوا أشدّ قتال رآه الناس، وتكاثر الخزر والتّرك على المسلمين، فاستشهد الجرّاح ومن معه بمرج أردبيل «٢» ، فلما قتل طمع الخزر وأوغلوا فى البلاد حتى قاربوا الموصل، وعظم الخطب على المسلمين.
فبلغ الخبر هشام بن عبد الملك، فاستشار سعيدا الحرشى،
стр. 8026
فقال: أرى أن تبعثنى على أربعين دابّة من دوابّ البريد، ثم تبعث إلىّ كل يوم بأربعين [رجلا] «١» ، واكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافونى «٢» . ففعل ذلك، وسار الحرشىّ وهو لا يمرّ بمدينة إلّا استنهض «٣» أهلها، فيجيبه من يريد الجهاد.
ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن «٤» ، فلقيه جماعة من أصحاب الجرّاح، فردّهم معه، وسار فبلغ خلاط «٥» ، فحاصرها أياما وفتحها، وقسّم غنائمها فى أصحابه، ثم سار عنها وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شىء حتى أتى بردعة، وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبى ويقتل، وهو يحاصر مدينة ورثان «٦» ، فأرسل الحرشىّ رجلا من أصحابه إلى أهلها يعرّفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر، فسار ولقيه بعض الخزر، فأخذوه وسألوه عن الخبر، فأخبرهم وصدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنّا إليك، وأطلقناك، وإلا قتلناك. قال: فما الذى تريدون؟ قالوا «٧» : تقول لأهل ورثان: إنكم ليس لكم مدد، ولا من يكشف ما بكم، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك.
فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه، فقال لهم:
стр. 8027
أتعرفونى؟ قالوا: نعم، أنت فلان. قال: فإنّ الحرشى قد وصل إلى مكان كذا فى عساكر كثيرة، وهو يأمركم بحفظ البلد، والصّبر، ففى هذين اليومين يصل إليكم.
فرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، وقتلت الخزر ذلك الرجل، ورحلوا عن مدينة ورثان، ووصلها الحرشى، وقد ارتحل الخزر إلى أردبيل، فسبقهم «١» إليها، فساروا عنها، ونزل سعيد باجروان «٢» ، فأتاه فارس على فرس أبيض، فقال له: أيها الأمير، هل لك فى الجهاد والغنيمة؟ قال: وكيف لى بذلك؟ قال: هذا عسكر الخزر فى عشرة آلاف، ومعهم خمسة آلاف بنت من المسلمين أسارى وسبايا، وهم على أربعة فراسخ.
فسار الحرشىّ إليهم ليلا، فوافاهم آخر الليل، وهم نيام، فكبسهم مع الفجر، ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير «٣» رجل واحد.
ثم أتاه ذلك الفارس الذى أتاه أولا وقال له: هذا جيش الخزر ومعهم أموال المسلمين وأولادهم، وحرم الجرّاح وأولاده، وهم بمكان كذا؛ فسار الحرشى إليهم، فما شعروا إلّا والمسلمون معهم، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنقذوا من معهم، وغنموا أموال الخزر، وحمل الأسارى إلى باجروان.
стр. 8028
وبلغ الخبر ابن ملك الخزر، فجمع أصحابه من نواحى أذربيجان، فاجتمع له عساكر كثيرة، فحرّضهم، وسار نحو الحرشىّ، وسار الحرشىّ إليه، فالتقيا بزرند «١» ، واقتتلوا أشدّ قتال، فانحاز المسلمون يسيرا ثم عادوا إلى القتال، فاشتدّت نكايتهم فى العدوّ، فهزموهم، وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أوس «٢» ، وعادوا عنهم وحووا ما فى عسكرهم من الأموال والغنائم، وأطلقوا الأسارى والسّبايا، وحملوا الجميع إلى باجروان، ثم جمع ابن ملك الخزر من لحق به من عساكره، وعاد بهم نحو الحرشى، فنزل على نهر البيلقان «٣» ، فسار الحرشى نحوه؛ فوافاهم هناك، والتقوا، فكانت الهزيمة على الخزر، فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، وجمع الحرشى الغنائم، وعاد إلى باجروان وكتب إلى هشام بالفتح، وأرسل إليه الخمس. فكتب إليه هشام يشكره، ويثنى عليه، ويأمره بالمسير إليه، واستعمل هشام أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد، وسار إلى الترك حتى جاز البلاد [فى آثارهم] «٤» .
ذكر وقعة الجنيد بالشعب
وفى سنة [١١٢ هـ] ثنتى عشرة ومائة أيضا خرج الجنيد أمير خراسان غازيا يريد طخارستان؛ فوجه عمارة بن خريم
стр. 8029
إلى طخارستان فى ثمانية عشر ألفا، ووجّه إبراهيم بن بسام الليثى فى عشرة آلاف إلى وجه آخر، وجاشت التّرك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ فكتب إلى الجنيد أنّ خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم، فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث الغوث.
فعبر الجنيد النهر، وقد فرّق عساكره، فسار بمن معه حتى نزل كشّ «١» ، وتأهّب للمسير، وبلغ ذلك الترك؛ فعوّروا الآبار التى فى طريق كش، وسار الجنيد يريد سمرقند، فأخذ طريق العقبة، وارتقى فى الجبل، ثم سار حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ، ودخل الشّعب فصبّحه خاقان فى جمع عظيم؛ فكانت بينهم وقعة عظيمة صبر الناس فيها وقاتلوا حتى كانت السيوف لا تقطع شيئا، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، ثم كانت المعانقة؛ ثم تحاجزوا، فاستشهد من المسلمين جماعة.
فبينما الناس كذلك إذ أقبل رهج «٢» ، وطلعت الفرسان»
، فنادى منادى الجنيد: الأرض الأرض! وترجّل، وترجّل الناس، ثم أمر أن يخندق كلّ قائد على حياله، فخندقوا وتحاجزوا وقد أصيب من الأزد يومئذ مائة وتسعون رجلا، وكان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر، فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد
стр. 8030
ابن الحارث، فقصدهم، فلما قربوا حملت بكر عليهم فأفرجوا لهم، واشتد القتال بينهم.
فلما رأى الجنيد شدّة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد الله بن حبيب: اختر إمّا أن تهلك أنت أو سورة بن الحرّ.
فقال: هلاك سورة أهون على. قال: فاكتب إليه فليأتك فى أهل سمرقند؛ فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجّهوا إليه فقاتلوه.
فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم، فسار فى اثنى عشر ألفا، فأصبح على رأس جبل، فتلقّاه خاقان، وقد بقى بينه وبين الجنيد نحو فرسخ فقاتلهم فاشتدّ «١» القتال، وسقط سورة بن الحرّ، فاندقّت فخذه، وقتل وتفرّق الناس، وقتلهم الترك، ولم ينج منهم غير ألفين. ويقال: ألف.
ولما استقلّ خاقان بقتال سورة خرج الجنيد مبادرا يريد سمرقند، فلقيه الترك قبل وصوله إليها، فقاتلهم قتالا شديدا.
وقال الجنيد: أىّ عبد قاتل فهو حر. فقاتل العبيد قتالا عجبت منه الناس، وهزم الله الترك.
ومضى الجنيد إلى سمرقند، وكتب إلى هشام بن عبد الملك بالخبر. فكتب إليه هشام: قد وجّهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، وعشرة آلاف من أهل الكوفة، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح، ومثلها ترسة «٢» ، فافرض فلا غاية لك فى الفريضة لخمسة «٣» عشر ألفا.
стр. 8031
قال «١» : وأقام الجنيد بسمرقند، وتوجّه خاقان إلى بخارى، وعليها قطن بن قتيبة، فسار الجنيد إليه، وخلّف بسمرقند عثمان بن عبد الله ابن الشّخّير فى أربعمائة [فارس وأربعمائة] «٢» راجل.
ولما انتهى الجنيد إلى كرمينية «٣» أتاه خاقان وذلك فى مستهلّ رمضان من السنة، فاقتتلوا يومهم؛ ثم ارتحل الجنيد وقد قوى الساقة بالرجال، فجاءت الترك فمالوا على الساقة فاقتتلوا فاشتدّ القتال بينهم، فقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء الترك، فتطيّروا من ذلك، وانصرفوا. وسار المسلمون فدخلوا بخارى، ثم قدمت الجنود من الكوفة والبصرة فسرّح الجنيد معهم حوثرة ابن زيد العنبرى فيمن انتدب معه.
وقيل: إنّ وقعة الشّعب كانت فى سنة [١١٣ هـ] ثلاث عشرة ومائة .
[والله أعلم] «٤» .
وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح خرشنة «٥» .
[والله أعلم] «٦» .
стр. 8032
ذكر غزو مسلمة وعوده
فى هذه السنة فرّق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم وسبى وأسر وأحرق، ودان له من وراء جبال بلنجر، وأقبل ابن خاقان وقد اجتمعت عليه الخزر وغيرهم من تلك الأمم، وصار فى جموع عظيمة. فلما بلغ مسلمة الخبر أمر أصحابه فأوقدوا النيران، ثم ترك خيامهم وأثقالهم، وعاد بعسكره جريدة، وقدم الضعفة «١» وأخّر الشجعان، وطوى المراحل كلّ مرحلتين فى مرحلة حتى وصل الباب والأبواب [فى آخر رمق] «٢» .
وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط. من ناحية مرعش «٣» ثم رجع. والله أعلم.
(ذكر غزو مروان بن محمد بلاد الترك) ودخوله إلى بلاد ملك السّرير وغيرها من بلادهم وما افتتحه وقرره وصالح عليه الملوك
وفى سنة [١١٤] أربع عشرة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية .
وسبب ذلك أنه كان فى عسكر مسلمة بن عبد الملك حين غزا الخزر، فلما عاد مسلمة- كما تقدّم- سار مروان إلى هشام فلم يشعر به
стр. 8033
حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه، فقال: ضقت ذرعا بما أذكره، ولم أر من يحمله غيرى. قال: وما هو؟ قال:
يا أمير المؤمنين؛ إنه كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره ما دخل به الوهن على المسلمين. ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجّه أخاه مسلمة إليهم، فو الله ما وطىء من بلادهم إلّا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك، فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب، وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، فاستعدّ القوم وحشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكاية، فكان قصاراه السّلامة، وقد أردت أن تأذن لى فى غزوة أذهب بها عنّا العار، وأنتقم من العدو. قال: قد أذنت لك. قال: وتمدنى بمائة ألف وعشرين ألف مقاتل؟
قال: قد فعلت. قال: وتكتم هذا الأمر عن كل أحد؟ قال:
قد فعلت. وقد استعملتك على إرمينية.
فودّعه وسار إلى إرمينية واليا عليها وسيّر إليه هشام الجنود [من الشام والعراق والجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود] «١» والمتطوّعة مائة ألف وعشرون ألفا، فأظهر أنه يريد غزو اللّان، وأرسل إلى ملك الخزر يطلب منه المهادنة، فأجابه إلى ذلك، وأرسل «٢» إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من جهازه، وأحضره، ثم أغلظ لهم فى القول وآذنهم بالحرب، وسيّر الرسول إلى صاحبه بذلك، ووكل به من يسير به
стр. 8034
على طريق فيه بعد، وسار هو فى أقرب الطّرق، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلّا ومروان قد وافاهم بالجنود، فاستشار ملك الخزر أصحابه، فقالوا: إنّ هذا قد جمع ودخل بلادك، فإن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع جندك إلى مدّة، فيبلغ منك ما يريد، وإن أنت لقيته على حالك هذه هزمك وظفر بك، والرأى أن تتأخّر إلى أقصى بلادك، وتدعه وما يريد.
فقبل رأيهم وسار ودخل مروان البلاد، وأوغل فيها، وأخربها، وغنم وسبى، وانتهى إلى آخرها، وأقام فيها عدّة أيام أذلّهم، ودخل بلاد ملك السّرير، فأوقع بأهلها، وفتح قلاعا، ودان له الملك، وصالحه على ألف رأس: خمسمائة غلام، وخمسمائة جارية سود الشعور «١» ، ومائة ألف مدى تحمل إلى الباب، وصالح أهل تومان «٢» ، على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مدى «٣» ، ثم دخل أرض زديكران «٤» ، فصالحه ملكها، ثم أتى أرض حمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم، وافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان «٥» ، فافتتحها صلحا، ووظف على طبر سرانشاه «٦» عشرة آلاف مدى كلّ سنة تحمل إلى الباب؛ ثم
стр. 8035
نزل على قلعة صاحب الّلكز «١» وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك الّلكز يريد ملك الخزر، فقتله راع بسهم وهو لا يعرفه، فصالح أهل الّلكز مروان، واستعمل عليهم عاملا وسار إلى قلعة شروان «٢» وهى على البحر، فأذعن له بالطاعة، وسار إلى الدّوادانيّة، فأوقع بهم، ثم عاد.
وغزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن.
وفيها التقى عبد الله البطّال هو وقسطنطين فى جموع، فهزمهم البطّال وأسر قسطنطين.
وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية.
وفى سنة [١١٥ هـ] خمس عشرة ومائة غزا معاوية بن هشام أرض الروم .
وغزا أيضا الصائفة فى سنة [١١٦ هـ] ست عشرة.
وفى سنة [١١٧ هـ] سبع عشرة غزا معاوية «٣» بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة،
وفرّق سراياه فى أرض الروم.
وبعث مروان بن محمد، وهو على إرمينية بعثين؛ فافتتح أحدهما
стр. 8036
حصونا ثلاثة من الّلان، ونزل الآخر على تومان شاه، فنزل أهلها على الصّلح.
وفى سنة [١١٨ هـ] ثمان عشرة [ومائة] «١» غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم.
وغزا مروان بن محمد من إرمينية، ودخل أرض ورتيس «٢» ، من ثلاثة أبواب، فهرب ورتيس إلى الخزر، وترك حصنه، فحصره مروان، ونصب عليه المجانيق، واتفق قتل ورتيس، قتله بعض من اجتاز به، وأرسل رأسه إلى مروان، فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرّيّة ...
(ذكر ظفر المسلمين بالترك وقتل خاقان ملك الترك)
وفى سنة [١١٩ هـ] تسع عشرة ومائة كانت الحرب بين أسد ابن عبد الله القسرى أمير خراسان وبين خاقان ملك التّرك .
وسبب ذلك أنّ الحارث بن سريج كان قد خلع بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين، وولى أسد خراسان على ما نذكره إن شاء الله، فكتب الحارث إلى خاقان يعلمه بضعف أسد وقلّة أصحابه، ويستدعيه لحربه.
فأقبل خاقان، وقطع النّهر إلى بلخ، فلقيه أسد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالتّرك، وهزموهم أقبح هزيمة، وغنموا
стр. 8037
أموالهم وخيولهم وأثقالهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأراد خصىّ لخاقان حمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، ومضى خاقان إلى طخارستان ثم إلى بلاده. وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون، واستعدّ لغزو المسلمين، فلاعب خاقان يوما كور صول بالنّرد على خطر، فتنازعا، فضرب كور صول يد خاقان فكسرها وتنحّى عنه، وجمع جمعا، وبلغه أنّ خاقان قد حلف ليكسرنّ يده؛ فبيّت خاقان فقتله، وتفرّقت الترك واشتغلوا بأنفسهم، وأرسل أسد إلى هشام بن عبد الملك يخبره بالفتح وبقتل خاقان، فلم يصدق ذلك. وأرسل «١» مبشّرا آخر فوقف على باب هشام وكبّر، فأجابه هشام بالتكبير. فلما انتهى إليه أخبره بالفتح، فسجد شكرا لله تعالى.
وفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الختّل «٢» ، فقتل بدر طرخان [ملك الختّل] «٣» ، وغلب على القلعة العظمى، وفرّق عساكره فى أودية الختّل، فملئوا أيديهم من الغنائم والسبى.
وهرب أهلها إلى الصين.
وغزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.
وغزا مروان بن محمد من إرمينية فدخل بلاد الّلان، وسار فيها
стр. 8038
حتى خرج منها إلى بلاد الخزر، فمرّ ببلنجر وسمندر «١» ، وانتهى إلى البيضاء التى يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.
وفى سنة [١٢٠ هـ] عشرين ومائة غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة .
وغزا إسحاق بن مسلم العقيلى تومان شاه وافتتح قلاعه وخرّب أرضه.
(ذكر غزوات نصر بن سيار ماوراء النهر)
وفى سنة [١٢١ هـ] إحدى وعشرين ومائة غزا نصر بن سيّار ماوراء النهر مرّتين:
إحداهما من نحو الباب الجديد، فسار «٢» من بلخ، ثم رجع إلى مرو، فخطب الناس، وأخبرهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبى الخرقاء على كشف المظالم، وأنه قد وضع الجزية عمّن أسلم، وجعلها على من كان يخفّف عنه من المشركين، فلم تمض جمعة «٣» حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدّون الجزية عن رءوسهم، وثمانون «٤» ألفا من المشركين كانت الجزية قد وضعت عنهم، فحوّل ما كان على المسلمين عليهم، ثم صنّف الخراج ووضعه مواضعه.
ثم غزا الثانية إلى ورغسر «٥» وسمرقند.
стр. 8039
ثم غزا الثالثة إلى شاش من مرو، فحال بينه وبين عبور نهر الشاش كورصول فى خمسة عشر ألفا، وكان معهم الحارث بن سريج «١» ، وعبر كورصول فى أربعين رجلا فبيّت العسكر فى ليلة مظلمة، ومع نصر بخارى خذاه فى أهل بخارى، ومعه أهل سمرقند وكشّ ونسف، وهم عشرون ألفا، فنادى نصر: ألا لا يخرجنّ أحد، واثبتوا على مواضعكم.
فخرج عاصم بن عمير- وهو على جند سمرقند- فمرّت به خيل الترك، فحمل على رجل فى آخرهم فأسره، فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فأتى به إلى نصر، فقال له نصر:
من أنت؟ قال: كورصول. قال: الحمد لله الذى أمكن منك يا عدوّ الله. قال: ما ترجو من قتل شيخ، وأنا أعطيك أربعة آلاف بعير من إبل الترك وألف برذون تقوّى به جندك، وتطلق سبيلى.
فاستشار نصر الناس، فأشاروا بإطلاقه، فسأله عن عمره قال: لا أدرى. قال: كم غزوت؟ قال: ثنتين وسبعين غزاة.
قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم. قال: لو أعطيتنى ما طلعت عليه الشمس ما أفلتّ من يدى بعد ما ذكرت من مشاهدك.
وقال لعاصم بن عمير السغدى «٢» : قم إلى سلبه فخذه. فقال:
من أسرنى؟ قال: نصر- وهو يضحك- أسرك يزيد بن قرّان «٣» الحنظلى، وأشار إليه. قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه، أو لا يستطيع أن يتم بوله، فكيف يأسرنى؟ أخبرنى من أسرنى؟ قال:
стр. 8040
أسرك عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم «١» القتل إذا أسرنى فارس من فرسان العرب.
فقتله وصلبه على شاطىء النهر، فلما قتل أحرقت الترك أبنيته، وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب خيولهم.
فلما أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.
وارتفع إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس. وكتب يوسف ابن عمر الثقفى عاهل العراقين إلى نصر بن سيّار يأمره بالمسير إلى الشاش «٢» لقتال الحارث بن سريج، فاستعمل نصر يحيى بن حصين على مقدمته، فسار إلى الشاش، فأتاهم الحارث، وأغار الأخرم، وهو فارس الترك، على المسلمين فقتلوه، وألقوا رأسه إلى الترك، فصاحوا وانهزموا، وسار نصر إلى الشاش فتلقّاه ملكها بالصلح والهديّة والرّهن، فاشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلده، فأخرجه إلى فاراب «٣» ، واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة، وكانوا قد علموا بمجيئة، فأحرقوا الحشيش، وقطعوا الميرة، فوجّه نصر إلى ولى عهد صاحب فرغانة فحاصره فى حصن، فخرج وقد غفل المسلمون فغنم دوابّهم، فوجّه إليهم نصر رجالا من تميم، ومعهم محمد بن المثنى، فكايدهم
стр. 8041
المسلمون وأهملوا دوابهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدّهقان وأسروا منهم، فكان فيمن أسر ابن الدّهقان، فقتله نصر.
وأرسل نصر سليمان بن صول بكتاب الصّلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخل الخزائن ليراها، ثم رجع إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قال: سهلا كثير الماء والمرعى، فكره ذلك، وقال: ما أعلمك؟ فقال سليمان: قد غزوت غرشتان «١» وغور والختّل وطبرستان، فكيف لا أعلم؟ قال: فكيف رأيت ما أعددنا؟
قال: عدّة حسنة، ولكن أما علمت أنّ المحصور لا يسلم من خصال؟ [قال: وما هن؟ قال:] «٢» لا يأمن أقرب الناس إليه، وأوثقهم فى نفسه، أو يفنى ما جمع، فيسلم برمته، أو يصيبه داء فيموت.
فكره ما قاله له، وأمره فأحضر كتاب الصلح، فأجاب إليه، وسير أمّه معه، وكانت صاحبة أمره، فقدمت على نصر فكلّمها فكلمته، وكان فيما قالت [له] «٣» : كلّ ملك لا تكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزير يبثّ إليه ما فى نفسه، ويشاوره ويثق بنصيحته. وطبّاخ إذا لم يشته الطعام اتّخذ له ما يشتهى، وزوجة إذا دخل عليها مغتمّا فنظر إلى وجهها زال غمّه،
стр. 8042
وحصن إذا فزع أتاه فأنجاه- تعنى البرذون- وسيف إذا قاتل لم يخش خيانته. وذخيرة إذا حملها عاش بها أين كان من الأرض.
ودخل تميم بن نصر فى جماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا:
هذا فتى خراسان تميم بن نصر. قالت: ما له نبل الكبير، ولا حلاوة الصغير.
ثم دخل الحجاج بن قتيبة، فقالت: من هذا؟ قالوا:
الحجاج بن قتيبة، فحيّته، وسألت عنه، وقالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء، ولا يصلح بعضكم لبعض، قتيبة الذى ذلّل لكم ما أرى، وهذا ابنه تقعده دونك، فحقّه «١» أن تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه.
ذكر غزو مروان بن محمد بن مروان
وفى سنة [١٢١ هـ] إحدى وعشرين أيضا غزا مروان بن محمد من إرمينية وهو واليها، فأتى قلعة بيت السّرير فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية «٢» فقتل وسبى، ودخل غرمسك «٣» ، وهو حصن فيه بيت الملك وسريره، فهرب الملك منه إلى حصن خيزج «٤» ، وهو الذى فيه السرير الذهب، فسار إليه مروان ونازله صيفة وشتوة «٥» ، فصالحه الملك على ألف رأس فى كل سنة، ومائة ألف
стр. 8043
مدى، وسار مروان فدخل أرض أرزو بطران «١» ، فصالحه ملكها. ثم سار فى أرض تومان فصالحه وسار حتى أتى حمزين، فأخرب بلاده، وحصر حصنا له شهرا فصالحه.
ثم أتى مروان أرض مسدار «٢» ، فافتتحها على صلح، ثم نزل كيران «٣» فصالحه طبرسران «٤» وفيلان، وكلّ هذه الولايات على شاطىء البحر من أرمينية إلى طبرستان.
وفيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير.
وفى سنة [١٢٤ هـ] أربع وعشرين غزا سليمان بن هشام الصائفة
فلقى أليون ملك الروم فغنم.
هذا ما أمكن إيراده من الغزوات والفتوحات فى أيام هشام
فلنذكر حوادث السنين فى أيامه .
سنة (١٠٦ هـ) ست ومائة:
ذكر ولاية أسد خراسان
فى هذه السنة استعمل خالد بن عبد الله القسرى أخاه أسدا على خراسان، فقدمها ومسلم بن سعيد بفرغانة، فلما أتى أسد النهر ليقطعه منعه الأشهب بن عبيد التميمى؛ وكان على السفن
стр. 8044
بامل، وقال: قد نهيت عن ذلك، فأعطاه ولاطفه، فأبى. قال: فإنى أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشركه فى أمانتنا.
وأتى الصّغد فنزل بالمرج، وعلى سمرقند هانىء بن هانىء، فخرج فى الناس للقاء أسد، فرآه على حجر، فقال «١» الناس:
ما عند هذا خير، أسد على حجر، ودخل سمرقند وعزل هانئا عنها، واستعمل عليها الحسن بن أبى العمرّطة «٢» الكندى، ثم كان من عزل أسد ما نذكره إن شاء الله.
وفيها استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم ابن أبى العاص بن أمية على الموصل، وهو الذى عمل النّهر الذى كان بالموصل.
وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرّة فيها ماء، وهى تحملها ساعة ثم تستريح قليلا لبعد الماء، فكتب بذلك إلى هشام، فأمره أن يحفر نهرا إلى البلد، فحفره، وبقى العمل فيه عدّة «٣» سنين ومات الحرّ سنة (١١٣ هـ) ثلاث عشرة ومائة.
وفى سنة ست أيضا عزل هشام عبد الواحد النّضرى عن مكّة والمدينة والطائف، وولّى ذلك كله «٤» إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة فى جمادى الآخرة.
وكانت ولاية النّضرى سنة وثمانية أشهر.
стр. 8045
[وفيها] «١» استقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحى «٢» ، ثم عزله، واستقضى الصّلت الكندىّ، وكان العامل على العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسرى البجلى، وكان عامل خالد على البصرة عقبة بن عبد الأعلى على الصلاة. وعلى الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى القضاء ثمامة بن عبد الله بن أنس.
وحجّ بالناس فى هذه السنة هشام بن عبد الملك.
سنة (١٠٧ هـ) سبع ومائة:
فى هذه السنة كان من خبر دعاة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله فى أخبار الدولة العبّاسية.
وفيها عزل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمى عن إرمينية وأذربيجان، واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها الحارث بن عمرو الطائى، فافتتح من بلاد الترك رستاقا وقرى كثيرة، وأثّر أثرا حسنا.
وفيها نقل أسد من كان بالبروقان «٣» إلى بلخ من الجند، وأقطع من كان بالبروقان بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا، وأراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له:
стр. 8046
إنهم يتعصّبون؛ فخلّى بينهم، وتولّى بناء مدينة بلخ برمك، وهو أبو خالد بن برمك، وبينها وبين البروقان فرسخان.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام.
سنة (١٠٨ هـ) ثمان ومائة:
فى هذه السنة كان من خبر شيعة بنى العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها وقع الحريق بدابق، فاحترق المرعى والدوابّ والرجال.
وفيها خرج عبّاد الرّعينى «١» باليمن محكّما فقتله أميرها يوسف بن عمرو «٢» ، وقتل أصحابه وكانوا ثلاثمائة.
وحج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام.
وفيها مات محمد بن كعب القرظى، وقيل سنة سبع عشرة.
وقيل: إنه ولد على عهد رسول الله ﷺ .
سنة (١٠٩ هـ) تسع ومائة:
فى هذه السنة عزل أسد بن عبد الله القسرى عن خراسان، وسبب ذلك أنه ضرب نصر بن سيار ونفرا بالسياط، منهم عبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحرّ والبخترى بن أبى درهم، وعامر بن مالك الحمّانى، وحلقهم وسيّرهم هو إلى أخيه، وكتب إليه:
إنهم أرادوا الوثوب بى.
فلما قدموا على خالد لام أسدا وعنّفه، وقال: ألا بعث إلىّ بروءسهم.
وخطب أسد يوما، فقال: قبّح الله هذه الوجوه وجوه
стр. 8047
أهل الشقاق والنّفاق والشّغب والفساد، اللهم فرّق بينى وبينهم، وأخرجنى إلى مهاجرى ووطنى.
فبلغ فعله هشام بن عبد الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فعزله، فرجع إلى العراق فى رمضان من السنة، واستخلف على على خراسان الحكم بن عوانة الكلبى، فأقام الحكم صيفيته فلم يغز، ثم استعمل هشام أشرس بن عبد الله السلمى على خراسان، وأمره أن يكاتب خالدا، وكان أشرس فاضلا خيّرا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله.
فلما قدم خراسان فرح الناس به، واستقضى أبا المنازل الكندى، ثم عزله واستقضى محمد بن يزيد.
وحجّ بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام، فخطب الناس، فقال: سلونى، فإنكم لا تسألون أحدا أعلم منى، فسأله رجل من أهل العراق عن الأضحية أواجبة هى؟ فما درى ما يقول: فنزل.
سنة (١١٠ هـ) عشرة ومائة:
فيها جمع خالد القسرى الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبى بردة، وعزل ثمامة عن القضاء.
وحجّ بالناس إبراهيم بن إسماعيل.
وفيها مات الفرزدق الشاعر، وله إحدى وتسعون سنة.
ومات جرير بن الخطفى الشاعر.
стр. 8048
سنة (١١١ هـ) إحدى عشرة ومائة:
فى هذه السنة كان عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد ابن عبد الرحمن؛ وقد تقدم ذكر ذلك فى الغزوات.
وفيها استعمل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمى على إرمينية، وعزل أخاه مسلمة كما تقدم.
وحج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومى.
سنة (١١٢ هـ) ثنتى عشرة ومائة:
حج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومى. وقيل سليمان بن هشام بن عبد الملك. والله أعلم.
سنة (١١٣ هـ) ثلاث عشرة ومائة:
فى هذه السنة قتل عبد الوهاب ابن بخت «١» ، وكان قد غزا مع البطّال أرض الرّوم، فانهزم الناس عن البطّال، فحمل عبد الوهاب، وهو يقول: ما رأيت فرسا أجبن منك، وسفك الله دمى إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه، وصاح:
أنا عبد الوهاب! من الجنّة تفرّون! ثم تقدم فى نحو العدو، فجاء برجل وهو يقول: واعطشهاه! فقال: تقدم، الرّىّ أمامك، وخالط القوم فقتل وقتل فرسه.
وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل إبراهيم بن هشام المخزومى، والله أعلم.
سنة (١١٤ هـ) أربع عشرة ومائة:
فى هذه السنة كانت ولاية مروان بن محمّد بن مروان إرمينية وأذربيجان، وقد تقدم ذكر ذلك فى الغزوات.
стр. 8049
وفيها عزل هشام إبراهيم بن هشام المخزومى عن المدينة، واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم فى ربيع الأول، فكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثمانى سنين، وعزله أيضا عن مكّة والطائف، واستعمل على ذلك محمد بن هشام المخزومى.
وحجّ بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث وقيل: محمد ابن هشام.
وفيها توفى محمد بن على بن الحسين الباقر. وقيل سنة خمس عشرة.
سنة (١١٥ هـ) خمس عشرة ومائة:
حجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن هشام المخزومى، وكان الأمير بخراسان الجنيد. وقيل: بل كان قد مات، واستخلف عمارة بن خريم المرّى. [والله أعلم] «١» .
سنة (١١٦ هـ) ست عشرة ومائة:
فى هذه السنة عزل الجنيد عن خراسان.
وسبب ذلك أنه تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام؛ واستعمل عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالى على خراسان، وكان الجنيد قد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه.
فقدم عاصم وقد مات الجنيد، واستخلف عمارة بن خريم وهو ابن عمه، فعذّبه عاصم، وعذّب عمال الجنيد لعداوة كانت بينه وبين الجنيد ...
стр. 8050
ذكر خلع الحارث بن سريج «١» بخراسان
وما كان من أمره وفى هذه السنة خلع الحارث بن سريج وأقبل إلى الفارياب «٢» فأرسل إليه عاصم رسلا. منهم مقاتل بن حيّان النّبطى، والخطاب ابن محرز السلمى، فقالا لمن معهما: لا نلقى الحارث إلّا بأمان، فأبى القوم عليهما وأتوه، فأخذهم الحارث وحبسهم، ووكل بهم رجلا فأوثقوه، وخرجوا من السجن، فركبوا وعادوا إلى عاصم، فأمرهم فخطبوا وذمّوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدره، وكان الحارث قد لبس السّواد، ودعا إلى كتاب الله وسنّة نبيه والبيعة للرضا، فسار من الفارياب، وأتى بلخ، وعليها «٣» نصر بن سيار والتّجيبى، فلقياه فى عشرة آلاف وهو فى أربعة آلاف، فقاتلهما، فانهزم أهل بلخ.
وتبعهم الحارث، فدخل مدينة بلخ، وخرج نصر بن سيّار منها، وأمر الحارث بالكف عنهم، واستعمل عليها رجلا من ولد عبد الله ابن خازم، وسار إلى الجوزجان فغلب عليها وعلى الطالقان ومرو الرّوذ. فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه فى أى بلد يقصد.
فقيل له: مرو بيضة خراسان وفرسانهم كثير، ولو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك فقاتلهم، وإن أقاموا قطعت المادّة عنهم.
стр. 8051
قال: لا أرى ذلك؛ وسار إلى مرو، فأقبل إليها يقال فى ستين ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بن المثنّى، وحمّاد ابن عامر الحمّانى، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف الرياحىّ، وعطاء الدبوسى.
ومن الدهاقين دهقان الجوزجان، ودهقان الفارياب «١» ، وملك الطالقان ودهقان مرو الرّوذ فى أشباههم، وخرج عاصم فى أهل مرو وغيرهم، فعسكر وقطع القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوها، فمال محمد بن المثنّى الفراهيدى الأزدى إلى عاصم فى ألفين، فأتى الأزد، ومال حمّاد بن عامر الحمّانى إليه، فأتى بنى تميم، وأتى الحارث وعاصم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق منهم بشر كثير، فى أنهار مرو وفى النّهر الأعظم؛ ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق خازم «٢» بن عبد الله بن خازم، وكان مع الحارث. وقتل أصحاب الحارث قتلا ذريعا، وقطع الحارث وادى مرو، فضرب رواقا عند منازل الدّهاقين، وكفّ عنه عاصم «٣» ؛ واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها عزل هشام عبد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر، واستعمله على إفريقية.
وقيل: كان ذلك فى سنة [١١٧ هـ] سبع عشرة ومائة.
وحجّ بالناس فى هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك. والله أعلم.
стр. 8052
سنة (١١٧ هـ) سبع عشرة ومائة:
ذكر عزل عاصم عن خراسان
وولاية أسد وخبر الحارث بن سريج فى هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمّها إلى خالد بن عبد الله القسرى أمير العراقين، فاستعمل عليها خالد أخاه أسد بن عبد الله.
وكان سبب ذلك أنّ عاصما كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن خراسان لا تصلح إلّا أن تضمّ إلى العراق «١» وتكون معونتها وموادها «٢» من قريب، لتباعد أمير المؤمنين [عنها] «٣» وتباطىء غياثه [عنها] «٤» ، فضمّ هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله، وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية كانت به.
فسيّر خالد [إليها] «٥» أخاه أسدا، فلما بلغ عاصم إقبال أسد، وأنه قد بعث على مقدمته محمد بن مالك الهمدانى صالح الحارث ابن سريج، وكتبا بينهما كتابا، على أن ينزل الحارث أىّ كور خراسان شاء، وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب الله وسنّة نبيه، فإن أبى اجتمعا عليه.
فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم، وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين فانفسح ذلك.
стр. 8053
وكان عاصم بقرية بأعلى مرو؛ فأتاه الحارث بن سريج فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم الحارث، وأسر جماعة من أصحابه، منهم: عبد الله بن عمرو المازنى رأس أهل مرو الرّوذ، فقتل عاصم الأسرى، وعظّم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع فى نقض الكتاب، وكتبوا كتابا بما كان وبهزيمة الحارث وبعثوه إلى أسد، فلقيه بالرّى وقيل ببيهق «١» .
فكتب أسد إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ومائة حلّة، وحبس أسد عاصما وحاسبه وطلب منه مائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز، وأطلق عمّال الجنيد، وقدم أسد ولم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور، والحارث بمرو الرّوذ، وخالد بن عبيد الله الهجرىّ بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الرّوذ أن يأتى الهجرى مرو من قبل آمل، وإن قصد الهجرى قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ، فأجمع رأيه على توجيه عبد الرحمن بن نعيم فى أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ، وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل؛ عليهم زياد القرشى مولى حيّان النبطى وغيره، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد، ونصب عليهم المجانيق؛ فطلبوا الأمان، وطلبوا كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، وألّا يؤخذ أهل المدن بجنايتهم، فأجابهم أسد إلى ذلك، واستعمل عليهم يحيى ابن نعيم بن هبيرة الشيبانى؛ وسار يريد بلخ، فأخبر أنّ أهلها قد
стр. 8054
بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فسار حتى قدمها، واتّخذ سفنا، وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصرا لها، وبها سنان الأعرابى، فنزل أسد دون النهر، ولم يطق العبور إليهم، ولا أن يمدّهم، وخرج أهل ترمذ من المدينة، وقاتلوا الحارث قتالا شديدا، فاستطرد الحارث لهم، وكان قد وضع كمينا، فلما جاوزوه خرج عليهم، فانهزموا.
ثم ارتحل أسد إلى بلخ، ثم خرج أهل ترمذ إلى الحارث، فهزموه ثم سار أسد إلى سمرقند فى طريق زمّ «١» ، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيبانى وهو فى حصن من حصونها- وهو من أصحاب الحارث- فأمّنه، ووعده المواساة والكرامة والأمان لمن معه، وأقسم إنه إن ردّ ذلك ورمى بسهم ألّا يؤمّنه «٢» أبدا، وإنه إن جعل له ألف ألف أمان لا يفى له.
فخرج إليه وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر «٣» - وماء سمرقند منها- فسكر «٤» الوادى، وصرفه عن سمرقند.
ثم رجع إلى بلخ، فلما استقرّ بها سرّح جديعا الكرمانى إلى القلعة التى فيها ثقل الحارث وأصحابه، واسمها التبوشكان من
стр. 8055
طخارستان العليا وفيها بنو برزى «١» التغلبيّون أصهار الحارث، فحصرهم الكرمانى حتى فتحها، وذلك فى سنة [١١٨ هـ] ثمان عشرة، فقتل مقاتلتهم، وسبى عامّة أهلها من العرب والموالى والذّرارى، وباعهم فيمن يزيد فى سوق بلخ.
قال: ونقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضى، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بدّ مفارقى فاطلبوا الأمان، وأنا شاهد، فإنهم يجيبونكم. وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت عنا، وخلّنا.
فأرسلوا يطلبون الأمان، فأخبر أسد أنّ القوم ليس لهم طعام ولا ماء، فسرّح إليهم أسد جديعا الكرمانى وستة آلاف، فحصرهم فى القلعة وقد عطش أهلها، وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم، ويترك لهم نساءهم وأولادهم، فأجابهم، فنزلوا على حكم أسد.
فأرسل أسد إلى الكرمانى يأمره أن يحمل إليه خمسون رجلا من وجوههم، فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه فقتلهم، وكتب إلى الكرمانى أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثا، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم. ففعل ذلك بهم، وأخرج أثقالهم فباعها، واتخذ أسد مدينة بلخ دارا، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان.
وحجّ بالناس فى سنة [١١٧ هـ] سبع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك.
следующие страницы →