Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.
стр. 9591
قال: ثم إن عليا قدم عليه جماعة من قوّاد الزنج، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس، فهرب منهم غلام رومى إلى تكين وأخبره بمقامهم بالقنطرة، وتشاغلهم بالنبيذ وتفرّقهم في جمع الطعام، فسار تكين إليهم ليلا فأوقع بهم، وقتل من قوّادهم جماعة وانهزم الباقون، وسار تكين إلى على بن أبان فلم يقف له علىّ وانهزم، وأسر غلام له يعرف يجعفرويه ورجع علىّ إلى الأهواز ورجع تكين إلى تستر، وكتب علىّ إلى تكين يسأله الكفّ عن قتل غلامة فحبسه، ثم تراسل علىّ وتكين ونهاديا، فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين إلى الزنج، فسار حتى وافى تكين وقبض عليه وحبسه حتى مات، وتفرّق أصحاب تكين: ففرقة صارت إلى الزنج، وفرقة صارت إلى محمد بن عبيد الله الكردى، فبلغ ذلك مسرورا فأمّنهم، فجاءه الباقون منهم. قال: وبعض ما ذكرناه كان في ست وستين ومائتين.
وفي سنة ست وستين ولى أغرتميش ما كان يتولاه تكين البخارى من أعمال الأهواز، فدخل تستر ومعه أبّا ومطر بن جامع، فقتل مطر جعفرويه- غلام علىّ بن أبان- وجماعة معه كانوا مأسورين، وساروا إلى عسكر مكرم، وأتاهم الزنج هناك مع على بن أبان فاقتتلوا، فلما رأوا كثرة الزنج قطعوا الجسر وتحاجزوا، ورجع علىّ إلى الأهواز وأقام أخوه الخليل بالمسرقان في جماعة كثيرة من الزنج، وسار أغرتميش ومن معه نحو الخليل، ليعبروا إليه من قنطرة أربك، فكتب إلى أخيه علىّ فوافاه في النهر، وخاف أصحابه الذين خلفّهم بالأهواز فارتحلوا إلى نهر السّدرة، وتحارب علىّ وأغرتميش يومه، ثم انصرف علىّ إلى الأهواز فلم يجد أصحابه، فرجّه من يردّهم من نهر السدرة،
стр. 9592
فعسر عليهم ذلك فتبعهم وأقام معهم ورجع أغرتميش، فنزل «١» عسكر مكرم واستعد لقتالهم، وبلغ ذلك أغرتميش «٢» ومن معه من عسكر الخليفة، فساروا إليه فكمّن لهم علىّ، وقدّم الخليل إلى قتالهم فاقتتلوا، فكان أوّل النهار لأصحاب الخليفة، ثم خرج عليهم الكمين فانهزمو وأسر مطر بن جامع وعدّة من القوّاد، فقتله علىّ بغلامه جعفرويه وعاد إلى الأهواز، وأرسل رؤوس القتلى إلى صاحب الزنج، وكان علىّ وأغرتميش بعد ذلك في حروبهم على السواء، وصرف صاحب الزنج أكثر جنوده إلى علىّ بن أبان، فلما رأى ذلك أغرنميش وادعه، وجعل علىّ يغير على النواحى، فأغار على قرية بيروذ ونهبها، ووجّه الغنائم إلى صاحبه.
ذكر دخول الزنج رامهرمز
وفي سنه ست وستين ومائتين دخل علىّ والزنج رامهرمز، وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله كان يخاف علىّ بن أبان، لما في نفس علىّ منه لما ذكرناه، فكتب إلى انكلاى ابن صاحب الزنج، وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علىّ عنه ويكون إلى نفسه، فزاد ذلك غيظ علىّ منه، وكتب إلى صاحب الزنج بالايقاع بمحمد، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته بالخراج، فأذن له فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج، فمطله ودافعه فسار إليه علىّ وهو برامهرمز، فهرب محمد عنها ودخلها علىّ والزنج فاستباحها، ولحق محمد بأقصى معاقله، وانصرف علىّ غانما، وخاف
стр. 9593
محمد فكتب إليه يطلب المسالمة، فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه، فحمل إليه مائتى ألف درهم فأنفذها إلى صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله.
وفيها كانت وقعة للزنج انهزموا فيها، وكان سببها أن محمد بن عبيد الله كتب إلى علىّ بن أبان بعد الصلح يسأله المعونة على طائفة من الأكراد، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب علىّ إلى صاحبه يستأذنه، فكتب إليه أن: وجّه إليه جيشا وأقم أنت، ولا تنفذ حتى تستوثق منه بالرهن، ولا تأمن غدره والطلب بثأره، فكتب علىّ إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن، فبذل له اليمين ومطله بالرهائن، فلحرص علىّ على الغنائم أنفذ إليه جيشا، فسير محمد معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم ونشبت الحرب، فتخلى أصحاب محمد عن الزنج فانهزموا، وقتلت الأكراد منهم خلقا كثيرا، وكان محمد قد أعدّ لهم من يتعرض لهم إذا انهزموا، فأوقعوا بهم وسلبوهم وأخذوا دوابّهم، ورجعوا بأسوأ حال، فكتب علىّ إلى صاحب الزنج يعرّفه فقال: ضيّعت أمرى في ترك الرهائن، وكتب إلى محمد يتهدّده فخاف محمد، وكتب يخضع ويذل وردّ بعض الدواب، وقال: إنّنى كبست من كانت عندهم، وخلّصت هذه منهم، فأظهر صاحب الزنج الغضب عليه، فأرسل محمد إلى بهبوذ ومحمد بن يحيى الكرمانىّ، وكان أقرب الناس إلى علىّ، فضمن لهما ما لا إن أصلحا له عليا وصاحبه ففعلا ذلك، وأجابهما صاحب الزنج بالرضا عن محمد، على أن يخطب له على منابر بلاده، فأعلما محمدا ذلك فأجابهما إلى جميع ما طلبا، وجعل
стр. 9594
براوغ في الدعاء له على المنابر، ثم إنّ عليا استعدّ لمتّوث وسار إليها فلم يظفر بها، فرجع وعمل السلاليم والآلات التى يصعد بها إلى السور، واستعدّ لقصدها فعرف ذلك مسرور البلخى، وهو يومئذ بكور الأهواز، فلما سار علىّ إليها سار إليه مسرور، فوافاه قبل المغرب وهو نازل عليها، فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح هزيمة، وتركوا ما كانوا أعدّوه وقتل منهم خلق كثير، وانصرف علىّ مهزوما، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتته الأخبار باقبال الموفّق، ولم يكن لعلىّ بعدها وقعة، حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على الموفّق؛ على ما نذكره إن شاء الله، فكتب إليه صاحبه يأمره بالعود إليه ويستحثه حثا شديدا.
ذكر مسير أبى العباس بن الموفق وهو المعتضد بالله الى حرب الزنج وانتزاعه عامة ما كان بيد سليمان ابن جامع والزنج من أعمال دجلة
كان مسيره لذلك في سنة ست وستين ومائتين، وسبب ذلك أن الزنج لما دخلوا واسط وفعلوا بها ما فعلوا- واتصل ذلك بالموفّق- أمر ابنه أبا العباس بتعجيل المسير بين يديه، إليهم، فسار في شهر ربيع الآخر وشيّعه أبوه، وسيّر معه عشرة آلاف من الرجّالة والخيّالة فى العدّة الكاملة، وأخذ معه الشذاوات والسميريّات والمعابر للرجّالة، فسار حتى وافى دير العاقول، وكان على مقدمته في الشذاوات نصير المعروف بأبى حمزة، فكتب نصير إليه يخبره أنّ سليمان بن جامع قد وافى خيله ورجله وشذاوات وسميريّات- والجبّائى على مقدمته، حتى
стр. 9595
نزل الجزيرة فحصر بردودا «١» ، وأنّ سليمان بن موسى الشعرانىّ قد وافى الصلح، ووجّه طلائعه ليعرف أخبارهم، فعادوا وأعلموه موافاة الزنج وجيشهم، وأن أوّلهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط.
قال: وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا: إن العباس فتى حدث غرّ بالحرب، والرأى لنا أن نرميه بحدّنا كلّه، ونجتهد فى أول مرّة نلقاه فلعلّ ذلك يروعه فينصرف عنّا، فجمعوا وحشدوا، فلما علم أبو العباس قربهم عدل عن سنن الطريق واعترض في مسيره، ولقى أصحابه أوائل الزنج فتطاردوا لهم حتى طمعوا فيهم وتبعوهم، وجعلوا يقولون: اطلبوا أميرا للحرب فإنّ أميركم قد اشتغل بالصيد، فلما قربوا منه خرج عليهم فيمن معه، وصاح بنصير إلى أين يتأخر عن هذه الأكلب، فرجع نصير، وركب أبو العباس سميريّة وحفّ به أصحابه من جميع الجهات، فانهزمت الزنج وكثر القتل فيهم، وتبعوهم إلى أن وصلوا قرية عبد الله، وهى على ستة فراسخ من الموضع الذى لقوهم به وأخذوا منهم خمس شذاوات وعدّة سميريّات، وأسر جماعة واستأمن جماعة، فكان هذا أول الفتح.
فسار سليمان بن جامع إلى نهر الأمير، وسار سليمان الشعرانىّ إلى سوق الخميس، وانحدر أبو العباس فأقام بالعمر، وهو على فرسخ من واسط، وأصلح شذاواته وأخذ يراوح القوم القتال ويعاديهم، ثم إن سليمان استعدّ وحشد وجعل أصحابه في ثلاثة أوجه، وقالوا إنّه
стр. 9596
حدث غرّ يغرّر بنفسه وكمّنوا كمينا، فبلغ الخبر أبا العبّاس فحذر، وأقبلوا وقد كمّنوا الكمناء ليغتر باتّباعهم فيخرج الكمين عليه، فمنع أبو العبّاس أصحابه من اتّباعهم، فلما علموا أنّ كيدهم لم يتمّ خرج سليمان في الشذاوات والسميريّات، فأمر أبو العبّاس نصيرا أن يبرز إليهم، وركب هو في شذاة من شذاواته سماها الغزال، ومعه جماعة من خاصّته، وأمر الخيّالة بالمسير بازائه على شاطىء النهر إلى أن ينقطع، فيعبروا دوابّهم، ونشبت الحرب بين الفريقين فوقعت الهزيمة على الزنج، وغنم أبو العبّاس منهم أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والجبّائى بعد أن أشفيا على الهلاك، وبلغوا طهيثا وأسلموا ما كان معهم، ورجع أبو العباس إلى معسكره، وأقام الزنج عشرين يوما لا يظهر منهم أحد، وجعلوا على طريق الخيل آبارا وجعلوا فيها سفافيد حديد، وجعلوا على رؤوسها البوارى والتراب ليسقط فيها المجتازون، فسقط فيها رجل ففطنوا لها فتركوا ذلك الطريق. واستمد سليمان صاحب الزنج فأمدّه بأربعين سميريّة بآلاتها ومقاتليها، فعادوا للتعرض للحرب فلم يثبتوا لأبى العبّاس، ثم سيّر إليهم عدة سميريّات فأخذها الزنج، فبلغه الخبر وهو يتغدّى فركب في سميريّة ولم ينتظر أصحابه وتبعه منهم من خفّ فأدرك الزنج، فانهزموا وألقوا أنفسهم في الماء، فاستنقذ سميريّاته ومن كان فيها، وأخذ منهم إحدى وثلاثين سميريّة ورمى أبو العبّاس يومئذ عن قوس حتى دميت ابهامه، فلما رجع أمر لمن معه بالخلع، وأمر باصلاح السميريّات المأخوذة من الزنج.
ثم إنّ أبا العبّاس رأى أن يتوغّل مازروان حتى يصير إلى الحجّاجيّة ونهر الأمير، ويعرف ما هناك، فقدّم نصيرا في أوّل السميريّات
стр. 9597
وركب أبو العبّاس في سميريّة ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان وهو يظن أنّ نصيرا أمامه، فلم يقف له على خبر، وكان قد سار على غير طريق أبى العباس، وخرج من مع أبى العبّاس من الملّاحين إلى غنم رأوها ليأخذوها، فبقى هو ومحمد بن شعيب فأتاهما جمع من الزنج من جانبى النهر، فقاتلهم أبو العباس بالنشّاب، ووافاه زيرك في باقى الشذاوات، فسلم أبو العبّاس وعاد إلى عسكره، ورجع نصير، وجمع سليمان بن جامع أصحابه وتحصّن بطهيثا، وتحصّن الشعرانىّ وأصحابه بسوق الخميس، وجعلوا يحملون الغلات إليها، واجتمع بالصينيّة جمع كثير، فوجّه أبو العباس جماعة من قوّاده على الخيل إلى ناحية الصينيّة، وأمرهم بالمسير في البرّ وإذا عرض لهم نهر عبروه، وركب هو في الشذاوات والسميريّات، فلما أبصرت الزنج الخيل خافوا ولجأوا إلى الماء والسفن، فلم يلبثوا أن وافتهم الشذاوات مع أبى العبّاس، فلم يجدوا ملجأ فاستسلموا، فقتل منهم فريق وأسر فريق، وألقى فريق أنفسهم في الماء، وأخذ أصحاب أبى العبّاس سفنهم وهى مملوءة أرزا، وأخذ الصينيّة وأزاح الزنج عنها، فانحازوا إلى طهيثا وسوق الخميس، ورجع أبو العباس إلى عسكره وقد فتح الصينيّة.
وبلغه أن جيشا عظيما للزنج مع ثابت بن أبى دلف ولؤلؤ، فسار إليهم وأوقع بهم وقعة عظيمة وقت السحر، فقتل منهم خلقا كثيرا منهم لؤلؤ، وأسر ثابتا فمنّ عليه وجعله مع بعض قوّاده، واستنقذ خلقا كثيرا من النساء، فأمر بردّهنّ إلى أهلهنّ، وأخذ كلّ ما كان الزنج جمعوه، وأمر أصحابه أن يتجهزوا للمسير إلى سوق الخميس،
стр. 9598
وأمر نصيرا بتعبئة أصحابه للمسير، فقال له: إن نهر سوق الخميس ضيّق، فأقم أنت ونسير نحن، فأبى عليه، فقال له محمد بن شعيب: إن كنت لا بدّ فاعلا فلا تكثر الشذاوات ولا الرجال فإنّ النهر ضيّق، فسار نصير بين يديه إلى فم برمساور «١» ، فوقف أبو العبّاس وتقدّمه نصير في خمس عشرة شذاة، فى نهر يؤدى إلى مدينة الشعرانىّ، التى سمّاها المنيعة في سوق الخميس، فلما غاب عنه نصير خرج جماعة كثيرة في البرّ على أبى العبّاس، فمنعوه من الوصول إلى المدينة، وقاتلوه قتالا شديدا من أوّل النهار إلى الظهر، وخفى عليه خبر نصير، وجعل الزنج يقولون: قد قتلنا نصيرا، فاغتمّ أبو العبّاس لذلك وأمر محمدا يتعرّف خبره، فسار فرآه عند سكر «٢» الزنج، وقد أحرقه وأضرم النار في مدينتهم، وهو يقاتلهم قتالا شديدا، فعاد إلى أبى العبّاس فأخبره فسرّ بذلك، وأسر نصير من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العبّاس، ووقف أبو العبّاس فقاتلهم فرجعوا عنه، وكمّن بعض شذاواته وأمر أن تظهر واحدة منها، فطمعوا فيها وأدركوها فعلقوا بسكّانها، فخرجت عليهم السفن الكمائن وفيها أبو العبّاس، فانهزم الزنج وغنم أبو العبّاس منهم ست سميريّات، وانهزموا لا يلوون على شىء من الخوف، ورجع أبو العبّاس إلى عسكره سالما، وخلع على الملّاحين وأحسن إليهم.
стр. 9599
ذكر مسير الموفق لقتال الزنج وفتح المنيعة
قال: وفي سنة سبع وستين ومائتين أيضا سار الموفّق عن بغداد إلى واسط لحرب الزنج، وجمع وحشد الفرسان والرجّالة واستكثر من العدّة، وسدّ الجهات التى يخاف منها لئلا يبقى له ما يشغل قلبه وكان صاحب الزنج قد أرسل إلى علىّ بن أبان المهلبىّ، يأمره أن يجتمع مع سليمان بن جامع على حرب أبى العبّاس بن الموفّق، فخاف الموفّق وهنا يتطرق إلى ابنه أبى العبّاس، فسار عن بغداد في صفر سنة سبع وستين فوصل إلى واسط في شهر ربيع الأوّل، فلقيه ابنه فأخبره بحال جنده وقوّاده فخلع عليه وعليهم، ورجع أبو العبّاس إلى معسكره بالعمر، ثم نزل الموفّق على نهر بسنداد «١» بازاء قرية عبد الله، وأمر ابنه فنزل شرقىّ دجلة بازاء فوّهة بردودا، وولّاه مقدّمته وأعطى الجيش أرزاقهم، وأمر ابنه أن يسير بما معه من الآلات الحربية إلى فوّهة برمساور، فرحل في نخبة أصحابه «٢» ، ورحل الموفّق بعده فنزل قوّهة برمساور، فأقام يومين ثم وصل إلى المدينة التى سماها صاحب الزنج- المنيعة- من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين، وسلك بالسفن في برمساور وسارت الخيل شرقيّه حتى «٣» حاذوا براطق، الذى يوصل إلى المنيعة، وأمر
стр. 9600
أن تعبر الخيل لتصير من الجانبين، وأمر ابنه أبا العبّاس بالتقدّم بالشذاوات بعامة الجيش، ففعل فلقيه الزنج فحاربوه حربا شديدة، ووافاهم أبو أحمد الموفّق والخيل من جانبى النهر، فلما رأوا ذلك انهزموا وتفرّقوا، وعلا أصحاب أبى العبّاس السور ووضعوا السيوف فى من لقيهم، ودخلوا المنيعة فقتلوا بها خلقا كثيرا، وأسروا عالما عظيما، وغنموا ما كان فيها، وهرب الشعرانى ومن معه وتبعه أصحاب الموفّق إلى البطائح، فغرق منهم خلق كثير ولجأ الباقون إلى الآجام، ورجع الموفّق إلى معسكره من يومه، وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأه، سوى من ظفر به من الزنجيّات، وأمر بحفظ النساء وحملهنّ إلى واسط ليدفعن إلى أهلهنّ، ثمّ بكّر إلى المدينة وأمر الناس بأخذ ما فيها فأخذ جميعه، وأمر بهدم سورها وطمّ خندقها واحراق ما بقى فيها من السفن، وأخذوا من الطعام والشعير والأرز شيئا كثيرا، فأمر ببيع ذلك وصرفه إلى الجند.
قال: ولما انهزم سليمان لحق بالمذار، وكتب إلى صاحب الزنج بذلك، فورد الكتاب عليه- وهو يتحدّث- فانحلّ بطنه فقام إلى الخلاء دفعات، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذّره مثل الذى نزل بالشّعرانىّ ويأمره بالتيقّظ. قال: وأقام الموفّق ببر مساور يومين يتعرّف أخبار الشّعرانىّ وسليمان بن جامع، فأتاه من أخبره أن سليمان بن جامع بالحوانيت، فسار حتى وافى الصينيّة، وأمر ابنه أبا العبّاس بالتقدّم بالشذاوات والسميريّات إلى الحوانيت، فسار أبو العبّاس إليها فلم ير سليمان بها، ورأى هناك جمعا من الزنج مع قائدين لهم، خلّفهم سليمان بن جامع هناك لحفظ غلّات كثيرة لهم فيها، فحاربهم أبو
стр. 9601
العبّاس إلى أن حجز بينهم الليل، واستأمن إلى أبى العبّاس رجل، فسأله عن سليمان بن جامع فأخبره أنّه مقيم بطهيثا بمدينته التى سماها المنصورة، فعاد أبو العبّاس إلى أبيه بالخبر، فأمره بالمسير إليه فسار حتى نزل بردوا، فأقام بها لاصلاح ما يحتاج إليه، واستكثر من الآلات التى يسدّ بها الأنهار ويصلح بها الطرق للخيل، وخلّف ببردودا بغراج التركى.
ذكر استيلاء أبى أحمد الموفق على طهيثا
قال: ولما فرغ الموفّق من الذى يحتاج إليه سار عن بردودا إلى طهيثا لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان امسيره على الظهر في خيله، وحدّرت السفن والآلات فنزل بقرية الجوزيّة وعقد جسرا، ثم غدا فعبر خيله عليه ثم عبر بعد ذلك، فسار حتى نزل معسكرا على ميلين من طهيثا فأقام بها يومين، ومطرت لسماء مطرا شديدا فشغل عن القتال، ثم ركب لينظر موضعا للحرب، فانتهى إلى قريب من سور مدينة سليمان بطهيثا- وهى التى سمّاها المنصورة- فتلقّاه خلق كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى، واشتدت الحرب وترجّل جماعة من الفرسان، وقاتلوا حتى خرجوا عن المضيق الذى كانوا فيه، وأسر من غلمان الموفّق جماعة، ورمى أبو العبّاس ابن الموفّق أحمد بن مهدى «١» الجبّائى بسهم خالط دماغه فسقط، وحمل
стр. 9602
إلى صاحب الزنج فلم يلبث أن مات بحضرته، فصلّى عليه وعظمت لديه المصيبة بموته، وكان أعظم أصحابه غناء، وانصرف الموفّق إلى معسكره وقت المغرب، وأمر أصحابه بالتحارس ليلتهم والتأهّب للحرب، فلما أصبحوا- وذلك في يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر- عبىّ الموفّق أصحابه، وجعلهم كتائب يتلو بعضها بعضا فرسانا ورجّالة، وأمر بالشذاوات والسميريّات أن يسار بها إلى النهر، الذى يشقّ مدينة سليمان، وهو النهر المعروف ينهر المنذر، ورتّب أصحابه في المواضع التى يخاف منها، ثم نزل فصلّى أربع ركعات وابتهل إلى الله في النصر ثم لبس سلاحه، وأمر ابنه أبا العبّاس أن يتقدّم إلى السور، فتقدّم إليه فرأى خندقا فأحجم الناس عنه، فحرّضهم قوّادهم وترجّلوا معهم فاقتحموه وعبروه، وانتهوا إلى الزنج وهم على سورهم، فلمّا رأى الزنج تسرّعهم إليهم ولّوا منهزمين، واتبعهم أصحاب أبى العبّاس فدخلوا المدينة، وكان الزنج قد حصّنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق سورا، فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق فيكشفهم أصحاب أبى العبّاس، ودخلت الشذاوات والسميريّات المدينة من النهر. فجعلت تغرق كل ما مرّت لهم به من سميريّة وشذاة، وقتلوا من بجانبى النهر وأسروا، حتى أجلوهم عن المدينة وعمّا اتصل بها، وكان مقدار العمارة بها فرسخا، وحوى الموفّق ذلك كلّه، وأفلت سليمان بن جامع ونفر من أصحابه، وكثر القتل فيهم والأسر، واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط والكوفة والقرى وصبيانهم
стр. 9603
أكثر من عشرة «١» آلاف، فأمر بحملهم إلى واسط ودفعهم إلى أهليهم، وأخذ ما كان فيها من الذخائر والأموال، وأمر بصرف ذلك إلى الأجناد، وأسرّ عدّة من نساء سليمان وأولاده، وتخلص من كان أخذ من أصحاب الموفّق، ولجأ جمع كثير إلى الآجام فأمر أصحابه بطلبهم، وأقام سبعة عشر يوما، وهدم سور المدينة وطمّ خنادقها، وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلا، فكان إذا أتى بالواحد منهم عفا عنه وضمّه إلى قوّاده وغلمانه، لما كان دبّره من استمالتهم، وأرسل في طلب سليمان ابن جامع حتى بلغوا دجلة العوراء فلم يظفروا به، وأمر زيرك بالمقام بطهيثا ليتراجع أهل تلك الناحية إليها.
ذكر مسير الموفق الى الأهواز واجلاء الزنج عنها
قال: ولما فرغ أبو أحمد الموفّق من المنصورة رحل نحو الأهواز لاصلاحها واجلاء الزنج عنها، فأمر ابنه أبا العبّاس أن يتقدّمه، وأمر باصلاح الطرق للجيوش، واستخلف على من ترك من عسكره بواسط ابنه هارون، ولحقة زيرك فأخبره بعود أهل طهيثا إليها وأمّن الناس، فأمره الموفّق بالانحدار في الشذا والسميريّات مع نصير، ليتتبّع المنهزمين ويوقع بهم وبمن ظفروا به من الزنج، حتى ينتهى إلى مدينة صاحب الزنج بنهر أبى الخصيب، فسارا وارتحل الموفّق في مستهل جمادى الآخرة من واسط حتى أتى السوس، وأمر مسرورا بالقدوم عليه، وهو عامله هناك فأتاه، وكان صاحب الزنج- لما بلغه ما عمل
стр. 9604
الموفّق بسليمان بن جامع- خاف أن يأتيه، وهو على حال تفرّق أصحابه عنه، فكتب إلى علىّ بن أبان بالقدوم عليه، وكان بالأهواز في ثلاثين ألفا، فترك جميع ما كان عنده من طعام ودوابّ وأغنام وغير ذلك، واستلخف عليه محمد بن يحيى الكرنبائىّ، فلم يقم ولا تبع عليا، وكتب صاحب الزنج أيضا إلى بهبوذ بن عبد الوهاب، وهو بالفندم «١» والباسيان وما اتصل بهما، يأمره بالقدوم عليه، فترك ما كان عنده من الذخائر وسار نحوه، فحوى ذلك جميعه الموفّق وقوى به على حرب صاحب الزنج.
قال: ولما سار على بن أبان عن الأهواز تخلف بها جمع من أصحابه زهاء ألف رجل، فأرسلوا إلى الموفّق يطلبون الأمان فأمّنهم، فقدموا عليه فأجرى عليهم الأرزاق، ثم رحل عن السوس إلى جنديسابور وتستر وجبا الأموال، ووجّه إلى محمد بن عبيد الله الكردى- وكان خائفا منه- فأمّنه وعفا عنه وطلب منه الأموال والعساكر، فحضر عنده فأحسن إليه، ثم رحل إلى عسكر مكرم ووافى الأهواز، ثم رحل عنها إلى نهر المبارك من فرات البصرة، وكتب إلى ابنه هارون أن يوافيه بجميع الجيش إلى نهر المبارك، فلقيه هناك في منتصف شهر رجب، وكان زيرك ونصير- لما خلّفهما الموفّق ليتتبّعا الزنج- انحدرا حتى وافيا الأبلّة، فاستأمن إليهما رجل أخبرهما: أن صاحب الزنج قد أرسل إليهما عددا كثيرا في الشذا والسميريّات إلى دجلة، ليمنع عنها من يريدها، وأنهم يريدون عسكر نصير- وكان عسكره بنهر المرأة،
стр. 9605
فرجع نصير من الأبلّة إلى عسكره لما بلغه ذلك، وسار زيرك من طريق آخر، لأنّه قدّر أن الزنج تأتى عسكر نصير من ذلك الوجه، فكان كذلك فلقيهم في طريقه فظفر بهم وانهزموا منه، وكانوا قد جعلوا كمينا فدلّ زيرك عليه، فتوغّل حتى أتاه، فقتل من الكمناء جماعة وأسر جماعة، وكان ممّن ظفر به مقدّم الزنج، وهو أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصرى، وهو من أكابر قوادهم، وأخذ منهم ما يزيد على ثلاثين سميرية، فجزع لذلك جميع الزنج، فاستأمن إلى نصير منهم زهاء ألفى رجل، فكتب بذلك إلى الموفّق، فأمره بقبولهم والإقبال إليه بالنهر المبارك، فوافاه هنالك؛ وأمر الموفّق ابنه أبا العبّاس بالمسير إلى محاربة صاحب الزنج بنهر أبى الخصيب، فسار إليه فحاربه من بكرة النهار إلى الظهر، واستأمن إليه قائد من قوّاد الزنج ومعه جماعة، فكسر ذلك صاحب الزنج، وعاد أبو العبّاس بالظفر، وكتب الموفّق إلى صاحب الزنج يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وخراب البلدان واستباحه الفروج والأموال وادعاء النبوّة والرسالة، ويبذل له الأمان، فوصل الكتاب إليه فقرأه ولم يكتب جوابه.
стр. 9606
ذكر محاصرة مدينة صاحب الزنج وهى المدينة التى سماها المختارة
قال: ولما أنفذ الموفّق الكتاب إلى صاحب الزنج ولم يرد جوابه، عرض عسكره وأصلح آلاته ورتّب قوّاده، ثم سار هو وابنه أبو العبّاس فى العشرين من شهر رجب سنة سبع وستين إلى مدينة صاحب الزنج، فلما أشرف عليها وتأمّلها ورأى حصانتها بالأسوار والخنادق ووعور الطريق إليها وما أعدّ من المجانيق والعرّادات والقسى وسائر الآلات على سورها مما لم ير مثله ممّن تقدّم من منازعى السلطان، ورأى من كثرة عدد المقاتله ما استعظمه، فلما عاين الزنج أصحاب الموفّق ارتفعت أصواتهم حتى ارتجّت الأرض، فأمر الموفّق ابنه بالتقدّم إلى سور المدينة ورمى من عليه بالسهام، فتقدّم حتى ألصق شذاواته بقصر صاحب الزنج، فكثر الزنج وأصحابهم على أبى العبّاس، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم ومقاليعهم، ورمى عوامّهم بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع الطرف إلا على سهم أو حجر، وثبت أبو العبّاس، فرأى صاحب الزنج من ثباته وثبات أصحابه ما لا رأى مثله من أحد ممّن حاربهم، ثم أمرهم الموفّق بالرجوع ففعلوا، واستأمن إلى الموفّق مقاتلة من سمارتين فأمّنهم، وخلع على من فيها من المقاتلة والملاحين على أقدارهم ووصلهم، وأمر بادنائهم إلى موضع يراهم فيه نظراؤهم، فكان ذلك من أنجع المكائد، فلما رأوهم الباقون رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه وابتدروا إليه، فصار إلى الموفّق في ذلك اليوم عدد كثير من أصحاب السميريّات فعمّهم بالخلع والصلات، فلما رأى صاحب
стр. 9607
الزنج ذلك أمر بردّ أصحاب السميريّات إلى نهر أبى الخصيب، ووكل بفوّهة النهر من يمنعهم من الخروج، وأمر بهبوذ- وهو من أشرّ قوّاده، أن يخرج في الشذاوات، فخرج فبرز إليه أبو العبّاس في شذاواته وقاتله، واشتدت الحرب فانهزم بهبوذ إلى فناء قصر صاحب الزنج، وأصابته طعنتان وجرح بالسهام، فولج نهر أبى الخصيب وقد أشفى على الموت، وقتل ممّن كان معه قائد ذو بأس- يقال له عميرة، وظفر أبو العبّاس بشذاة فقتل أهلها، ورجع هو ومن معه سالمين، واستأمن إلى أبى العباس أهل شذاة فأمّنهم وأحسن إليهم وخلع عليهم، ورجع الموفّق ومن معه إلى عسكره بالنهر المبارك، واستأمن إليه عند منصرفه خلق كثير، فأمّنهم وخلع عليهم ووصلهم وأثبت أسماءهم مع أبى العبّاس، وأقام في عسكره يومين ثم نقل عسكره لست ليال بقين من شهر رجب إلى نهر جطّى فنزله، وقام به إلى منتصف شعبان لم يقاتل.
ثم ركب في منتصف شعبان في الخيل والرّجل وأعدّ الشذاوات والسميريّات، وكان معه من الجند والمطّوعة زهاء خمسين ألفا، وكان مع صاحب الزنج أكثر من ثلاثمائة ألف انسان، كلهم ممّن يقاتل بسيف أو رمح أو مقلاع أو منجنيق، وأضعفهم رماة الحجارة من أيديهم وهم النظّارة، والنساء تشركهم في ذلك، فأقام أبو أحمد ذلك اليوم، ونودى بالأمان للناس كافّة إلا صاحب الزنج، وكتب الأمان فى رقاع ورميت في السهام، ووعد فيها الإحسان، فمالت قلوب أصحاب صاحب الزنج فاستأمن من ذلك اليوم خلق كثير، فخلع عليهم ووصلهم، ولم يكن ذلك اليوم حرب.
стр. 9608
ثم رحل من نهر جطّى من الغد فعسكر قرب مدينة صاحب الزنج، ورتّب قوّاده وأجناده وعيّن لكل طائفة موضعا يحافظون عليه ويضبطونه، وكتب الموفّق إلى البلاد في عمل السميريّات والشذاوات والزواريق والاكثار منها، ليضبط بها الأنهار لتنقطع الميرة عن صاحب الزنج وأسّس في منزلته مدينة سمّاها الموفّقيّة، وكتب إلى عمّاله في النواحى بحمل الأموال والميرة في البر والبحر إلى مدينته، وأمرهم بانفاذ من يصلح للاثبات في الديوان، وأقام ينتظر ذلك شهرا، فوردت عليه المير متتابعة، وجهّز التجار صنوف التجارات إلى الموفّقيّة، واتخذت فيها الأسواق، ووردتها مراكب البحر، وبنى الموفّق بها المسجد الجامع وأمر الناس بالصلاة فيه، فجمعت هذه المدينة من المرافق وسيق إليها من صنوف الأشياء ما لم يكن في مصر من الأمصار القديمة، وحملت الأموال وأدرّت الأرزاق.
قال «١» : وعبرت طائفة من الزنج فنهبوا أطراف عسكر نصير وأوقعوا به، فأمر الموفّق نصيرا بجمع عسكره وضبطهم، وأمر الموفّق ابنه أبا العبّاس بالمسير إلى طائفة من الزنج كانوا خارج المدينة، فقاتلهم فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم ما كان معهم، فصار إليه طائفة منهم بالأمان، فخلع عليهم وأمّنهم ووصلهم، وأقام أبو أحمد يكايد صاحب الزنج، يبذل الأمان لمن صار إليه، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم، وكانت قافلة قد أتت من الأهواز فأسرى إليها
стр. 9609
بهبوذ في سميريات، فأخذها فعظم ذلك على الموفّق، وغرم لأهلها ما أخذ منهم، وأمر بترتيب الشذاوات على مخارج الأنهار، وقلّد ابنه أبا العبّاس الشذاوات وحفظ الأنهار بها من البحر إلى المكان الذى هم به.
قال: وفي شهر رمضان من السنة عبرت طائفة من الزنج يريدون الايقاع بنصير، فردّهم الله خائبين، وظفروا بصندل الزنجى، وكان يكشف رؤوس المسلمات ويقلّبهن تقليب الإماء، فلما أتى به أمر الموفّق أن يرمى بالسهام ثم قتله، واستأمن إلى الموفّق من الزنج خلق كثير، فبلغت عدة من استأمن إليه إلى آخر شهر رمضان خمسين آلفا؛ وفي شوّال انتخب صاحب الزنج من عسكره خمسة آلاف من الشجعان والقوّاد، وأمر على بن أبان المهلبىّ بالعبور لكبس عسكر الموفّق، وكان فيهم أكثر من مائتى قائد، فعبروا ليلا واختفوا في آخر النخل، وأمرهم: أنّه إذا ظهر أصحابهم وقاتلوا الموفّق من بين يديه ظهروا وحملوا على عسكره، وهم غارون مشاغيل بحرب من أمامهم، فاستأمن منهم انسان من الملّاحين فأخبر الموفّق، فسيّر ابنه أبا العبّاس لقتالهم وضبط الطرق التى يسلكونها، فقاتلوا قتالا شديدا، وأسر أكثرهم، وغرق منهم خلق كثير، وقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأمر أبو العبّاس أن تحمل الأسرى والرؤوس في السميريات، ويعبر بهم على مدينة صاحب الزنج، ففعلوا ذلك، وبلغ الموفّق أنّ صاحب الزنج قال لأصحابه: إن الأسرى والرؤوس من المستأمنة، فأمر بالقاء الرؤوس إليهم في منجنيق، فلما رأوها عرفوها فأظهروا الجزع والبكاء، وظهر لهم كذب صاحبهم.
وفيها أمر صاحب الزنج باتخاذ شذاوات فعملت له، فكانت
стр. 9610
خمسين شذاة فقسمها بين ثلاثة من قوّاده، وأمرهم بالتعرض لعسكر الموفّق، وكانت شذاوات الموفّق يومئذ قليلة، لأنّه لم يصل إليه ما أمر بعمله، والتى كانت عنده منها فرّقها على أفواه الأنهار، ليقطع الميرة عن صاحب الزنج، فخافهم أصحاب الموفّق فورد عليهم الشذاوات التى كان الموفّق أمر بعملها، فسيّر ابنه أبا العباس يوردها خوفا عليها من الزنج، فلما أقبل بها رآها الزنج فعارضوها بشذاواتهم، فقصد غلام لأبى العبّاس منعهم وقاتلهم، فانكشفوا بين يديه وتبعهم حتى أدخلهم نهر أبى الخصيب، وانقطع عن أصحابه فعطفوا عليه فأخذوه ومن معه بعد حرب شديدة، فقتلوا وسلمت الشذاوات التى مع أبى العبّاس، وأصلحها ورتّب فيها من يقاتل، ثم أقبلت شذاوات صاحب الزنج على عادتها، فخرج إليهم أبو العبّاس في أصحابه، فقاتلهم فهزمهم وظفر منهم بعدّة شذاوات، فقتل منهم من ظفر به فيها، فمنع صاحب الزنج أصحابه من الخروج عن فناء قصره، وقطع أبو العبّاس الميرة عن الزنج فاشتد جزع الزنج، وطلب جماعة من وجوه أصحاب صاحب الزنج الأمان فأمّنوا؛ وكان منهم محمد ابن الحارث العمّى «١» ، وكان إليه ضبط السور مما يلى عسكر الموفق، فخرج ليلا فأمّنه الموفّق ووصله بصلات كثيرة له ولمن خرج معه، وحمله على عدّة دواب بآلاتها وحليتها، وأراد اخراج زوجته فلم يقدر، وأخذها صاحب الزنج فباعها؛ ومنهم أحمد البرذعى «٢» ،
стр. 9611
وكان من أشجع رجال صاحب الزنج، فخلع عليه وعلى غيره ممّن أتاه ووصلهم بصلات كثيرة. قال: ولما انقطعت الميرة والمواد عن صاحب الزنج أمر شبلا وأبا الندا وهما رؤساء قوّاده- وكان يثق بهم- بالخروج إلى البطيحة في عشرة آلاف من ثلاثة وجوه للغارة وقطع الميرة عن الموفّق، فسيّر الموفّق إليهم زيرك في جمع من أصحابه، فلقيهم بنهر ابن عمر فرأى كثرتهم فراعه ذلك، ثم استخار الله تعالى في قتالهم فحمل عليهم وقاتلهم، فقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم فانهزموا، فوضع فيهم السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم مثل ذلك وأسر خلقا كثيرا، وأخذ من سفنهم ما أمكنه أخذه، وغرق منها ما غرق، وكان ما أخذه من سفنهم نحو أربعمائة سفينة، وأقبل بالأسرى والرؤوس إلى مدينة الموفّق.
ذكر عبور الموفق الى مدينة صاحب الزنج وخروجه عنها وعوده اليها
قال: وفي ذى الحجّة سنة سبع وستين أيضا عبر الموفّق مدينة صاحب الزنج لست بقين من الشهر، وكان سبب ذلك أنّ جماعة من قوّاد صاحب الزنج، لما رأوا ما حلّ بهم من البلاء، من قتل من يظهر منهم، وشدّة الحصار على من لزم المدينة، وحال من خرج بالأمان، جعلوا يهربون من كل وجه ويخرجون إلىّ الموفّق، فلما رأى ذلك صاحب الزنج جعل على الطريق التى يمكنهم الهرب منها من يحفظها، فأرسل جماعة من القوّاد إلى الموفّق يطلبون الأمان، وأن يوجّه لمحاربة صاحبهم جيشا ليجدوا طريقا إلى المصير إليه، فأمر ابنه أبا العبّاس بالمصير إلى النهر
стр. 9612
الغربى- وبه علىّ بن أبان- ففعل، واشتدت الحرب فاستظهر أبو العباس على الزنج، فأمّدهم صاحبهم بسليمان بن جامع في جمع، واتصلت الحرب من أوّل النهار إلى العصر، وكان الظفر لأبى العبّاس وصار إليه القوم الذين كانوا طلبوا الأمان منه، واجتاز أبو العبّاس بمدينة صاحب الزنج عند نهر الأتراك، فرأى قلّة الزنج هناك، فطمع فيهم فقصدهم وقد انصرف أكثر أصحابه إلى الموفقيّة، فدخل البلد بمن بقى معه، وندب صاحب الزنج أصحابه لحربهم، فلما رأى أبو العباس اجتماعهم وقلّة أصحابه رجع، وأرسل إلى أبيه الموفّق يستمدّه فأتاه من خف من الغلمان وظهروا على الزنج وهزموهم، وكان سليمان ابن جامع لما رأى ظهور أبى العبّاس سار في النهر مصعدا في جمع كثير فأتى أصحاب أبى العبّاس «١» من خلفهم وهم يحاربون من بإزائهم، وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبى العبّاس «٢» ، ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج، فأصيب جماعة من غلمان الموفّق، وأخذ الزنج عدة أعلام وحامى أبو العبّاس عن أصحابة فسلم أكثرهم ثم انصرف وطمع الزنج بهذه الوقعة وشدّت قلوبهم، فأجمع الموفّق على العبور إلى مدينتهم بجميع جيوشه، وأمر الناس بالتأهّب وجمع المعابر والسفن وفرّقها عليهم، ودخل يوم الأربعاء لست بقين من الشهر، وفرّق أصحابه على المدينة ليضطر صاحبها إلى تفرقة أصحابه، وقصد الموفّق إلى ركن من أركان المدينة وهو أحصن ما فيها، وقد أنزله صاحب الزنج ابنه انكلاى وسليمان بن جامع وعلىّ بن أبان، وعليه من المجانيق
стр. 9613
وآلات القتال ما لا يحدّ، فلما التقى الجمعان أمر الموفّق غلمانه بالدنوّ منه، وبينهم وبين ذلك السور نهر الأتراك، وهو نهر عريض كثير الماء فأحجموا عنه، فصاح بهم الموفّق وحرّضهم على العبور، فعبروا سباحة والزنج ترميهم بالمجانيق والمقاليع والحجارة والسهام، فصبروا حتى جاوزوا النهر وانتهبوا إلى السور، ولم يكن معهم من الفعلة من كان أعدّ لهدم السور، فتولّى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح، وسهّل الله تعالى ذلك وكان معهم بعض السلاليم، فصعدوا على ذلك إلى السور، ونصبوا علما من أعلام الموفّق، فانهزم الزنج عنه وسلّموه بعد قتال شديد، وقتل من الفريقين خلق كثير، ولما علا أصحاب الموفّق السور أحرقوا ما كان عليه من مجانيق وآلات وغير ذلك، وكان أبو العبّاس قصد ناحية أخرى، فمضى على بن أبان لقتاله فهزمه أبو العبّاس وقتل جمعا كثيرا من أصحابه، ولحق أصحاب أبى العبّاس بالسور فثلموا فيه ثلمة، ودخلوه فلقيهم سليمان ابن جامع فقاتلهم حتى ردّهم إلى مواضعهم، ثم إن الفعلة وافوا السور فهدموه في عدة مواضع، وعملوا على الخندق جسر فعبر الناس عليه من ناحية الموفّق، فانهزم الزنج عن سور ثان «١» كانوا قد اعتصموا به، وجعل أصحاب الموفّق يقتلونهم حتى انتهوا إلى نهر ابن سمعان، وقد صارت دار ابن سمعان في أيدى أصحاب الموفّق فأحرقوها، وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا حتى بلغوا ميدان صاحبهم، فرجع في جمع من أصحابه فانهزم أصحابه عنه، وقرب منه بعض رجّالة الموفّق، فضرب
стр. 9614
وجه فرسه بترسه وذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفّق الناس بالرجوع فرجعوا، ومعهم من رؤوس أصحابه شىء كثير، وقد استأمن إلى أبى العباس أوّل النهار نفر من قوّاد صاحب الزنج، فتوقف عليهم حتى حملهم في السفن.
وأظلم الليل وهّبت ريح عاصف وقوى الجزر، فلصق أكثر السفن بالطين، فخرج جماعة من الزنج فنالوا من أصحابه، وقتلوا منهم نفرا، وكان بهبوذ بازاء مسرور البلخى فأوقع بأصحاب مسرور، وقتل منهم وأسر جماعة، فكسر ذلك من نشاط أصحاب الموفّق، وكان بعض أصحاب صاحب الزنج قد انهزم على وجهه نحو نهر الأمير وعبّادان، وهرب جماعة من الأعراب إلى البصرة، فأرسلوا يطلبون الأمان فأمّنهم الموفّق، وخلع عليهم وأجرى عليهم الأرزاق، وكان ممّن رغب في الأمان من قوّاده ريحان بن صالح المغربى- وكان من رؤساء أصحابه، فأرسل يطلب الأمان وأن يرسل جماعة إلى مكان ذكره ليخرج إليهم، ففعل الموفّق فصار إليه فخلع عليه وأحسن إليه ووصله، ثم ضمّه إلى أبى العبّاس، ثم استأمن بعده جماعة من أصحابه، وكان خروج ريحان إليه لليلة بقيت من ذى الحجّة من هذه السنة.
وفي سنة ثمان وستين ومائتين في المحرّم خرج إلى الموفّق من قوّاد صاحب الزنج جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجّان، وكان من ثقات أصحابه فارتاع لذلك، وخلع عليه الموفّق وأحسن إليه، وحمله في سميرية إلى ازاء قصر صاحبه، وأخبرهم أنّهم في غرور وأعلمهم بما وقف عليه من كذب الخبيث وفجوره، فاستأمن في ذلك اليوم خلق كثير من قوّاد الزنج وغيرهم، فأحسن إليهم الموفّق وتتابع الناس في
стр. 9615
طلب الأمان، ثم أقام الموفّق لا يحارب ليريح أصحابه إلى شهر ربيع الآخر من السنة.
فلما انتصف الشهر قصد الموفّق مدينة الزنج، وفرّق قوّاده على جهاتها، وجعل مع كل طائفة منهم من النقّابين جماعة لهدم السور، وتقدّم إلى جميعهم ألا يزيدوا على هدم السور ولا يدخلوا المدينة، وتقدّم إلى الرماة أن يحموا بالسهام من يهدم السور وينقبه، فتقدموا إلى المدينة من سائر جهاتها، ووصلوا إلى السور وثلموه في مواضع كثيرة، ودخل أصحاب الموفّق المدينة من تلك الثلم، وجاء أصحاب صاحب الزنج فقاتلوهم فهزمهم أصحاب الموفّق، وتبعوهم حتى أوغلوا فى طلبهم، واختلفت بهم طرق المدينة، فبلغوا أبعد من الموضع الذى وصلوا إليه في المرّة الأولى وأحرقوا وأسروا، وتراجع الزنج عليهم وخرج الكمناء من مواضع يعرفونها ويجهلها أصحاب الموفّق، فتحيّروا ودافعوا عن أنفسهم وتراجعوا نحو دجلة، بعد أن قتل منهم جماعة وأخذ الزنج أسلابهم، ورجع الموفّق إلى مدينته وأمر بجمع أصحابه، ولامهم على مخالفته في دخولهم وافساد رأيه وتدبيره، وأمر باحصاء من فقد من أصحابه، وأقر ما كان لهم من الرزق على أولادهم وأهليهم، فحسن موقع ذلك عندهم، وزاد في صحة نيّاتهم وصدق عزائمهم.
стр. 9616
ذكر ايقاع أبى العباس بن الموفق بالأعراب وانقطاع الميرة عن الزنج ومقتل بهبوذ بن عبد الوهاب
وفي سنة ثمان وستين ومائتين أوقع أبو العبّاس أحمد بن الموفّق، وهو المعتضد بالله بقوم من الأعراب، كانوا يحملون الميرة إلى الزنج فقتل منهم جماعة وأسر الباقين وغنم ما كان معهم، وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة، وسيّر الموفّق رشيقا مولى أبى العبّاس، فأوقع بقوم من بنى تميم كانوا يجلبون الميرة إلى صاحب الزنج، فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم، فحمل الأسرى والرووس إلى الموفقيّة، فأمر بهم الموفّق فوقفوا بازاء عسكر الزنج، وكان فيهم رجل يسفر بين صاحب الزنج والأعراب «١» ، فقطعت يده ورجله وألقى في عسكر الزنج، وأمر بضرب أعناق الأسرى فانقطعت الميرة بذلك عن صاحب الزنج «٢» ، فأضرّ بهم الحصار وأضعف أبدانهم، فكان يسأل الأسير والمستأمن عن عهده بالخبز فيقول: عهدى به منذ زمان طويل، فلما وصلوا إلى هذه الحال رأى الموفّق أن يتابع عليهم الحرب، ليزيدهم ضرا وجهدا، فكثر المستأمنون في هذا الوقت، وخرج كثير من أصحاب الخبيث فتفرّقوا في القرى والأنهار البعيدة فى طلب القوت، فبلغ ذلك الموفّق فأمر جماعة من قوّاد غلمانه بقصد تلك المواضع، ويدعون من بها إليه فمن أبى قتلوه، فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأتاه كثير منهم، فلما كثر المستأمنون عند الموفّق عرضهم، فمن كان ذا قوّة وجلد أحسن إليه وخلطه بغلمانه، ومن كان منهم
стр. 9617
ضعيفا أو شيخا أو جريحا قد أزمنته الجراحة كساه وأعطاه دراهم، وأمر به أن يحمل إلى عسكر صاحب الزنج، فيذكر ما رأى من الإحسان، فتهيّأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث، وجعل الموفّق وابنه أبو العبّاس يلازمان قتال صاحب الزنج- تارة هذا وتارة هذا- وجرح أبو العبّاس ثم برىء، وكان من جملة من قتل من أعيان قوّاد صاحب الزنج بهبوذ بن عبد الوهاب، وكان كثير الخروج في السميريّات، وكان ينصب عليها أعلاما تشبه أعلام الموفّق، فإذا رأى من يستضعفه أخذه، فأخذ من ذلك ما لا جزيلا، فواقعه في بعض خرجاته أبو العباس، فأفلت بعد أن أشفى على الهلاك، ثم خرج مرّة أخرى فرأى سميريّة، فيها بعض أصحاب أبى العباس فقصدها طامعا في أخذها، فحاربه أهلها فطعنه غلام من غلمان أبى العبّاس في بطنه، فسقط في الماء فأخذه أصحابه فحملوه إلى عسكر صاحبه، فمات قبل وصوله وكان قتله من أعظم الفتوح، وعظمت الفجيعة على صاحب الزنج وأصحابه، فاشتد جزعهم عليه، وأحسن الموفّق إلى ذلك الغلام فوصله وكساه وطوّقه وزاد في رزقه، وفعل بكل من كان معه في تلك السميريّة نحو ذلك، ثم ظفر بالذوائبى «١» وكان ممايلا لصاحب الزنج.
وفي سنة تسع وستين ومائتين رمى الموفّق بسهم في صدره، وكان سبب ذلك أنّ بهبوذ لما هلك طمع صاحب الزنج في أخذ أمواله، وكان قد صحّ عنده أن ملكه قد حوى مائتى ألف دينار وجواهر وفضّة، فطلب
стр. 9618
ذلك وأخذ أهله وأصحابه فضربهم، وهدم أبنيته طمعا في المال فلم يجد شيئا، فكان فعله مما أفسد قلوب أصحابه عليه، ودعاهم إلى الهرب منه، فأمر الموفّق بالنداء بالأمان في أصحاب بهبوذ، فسارعوا إليه فألحقهم في العطاء بمن تقدّم، ورأى الموفّق ما كان يتعذّر عليه من العبور إلى الزنج، فى الأوقات التى تهب فيها الرياح لتحرّك الأمواج، فعزم على أن يوسّع لنفسه ولأصحابه موضعا في الجانب الغربى، فأمر بقطع النخل واصلاح المكان، وأن تعمل له الخنادق والسور ليأمن البيات، فعلم صاحب الزنج أنّ الموفّق إذا جاوره قرّب على من يريد اللحاق به المسافة، مع ما يدخل قلوب أصحابه من الخوف وانتقاض تدبيره عليه فاهتمّ بمنع الموفّق من ذلك وبذل الجهد فيه وقاتل أشد القتال، فاتفق أن الريح عصفت في بعض تلك الأيام وقائد من القواد هناك، فانتهز صاحب الزنج الفرصة في انفراد هذا القائد وانقطاع المدد عنه فسيّر إليه جميع أصحابه فقاتلوه فهزموه، وقتلوا كثيرا من أصحابه ولم يجد الشذاوات التى لأصحاب الموفّق سبيلا إلى القرب منهم، خوفا من الزنج أن تلقيها على الحجارة فتنكسر، فغلب الزنج عليهم وأكثروا القتل والأسر، ومن سلّم منهم ألقى نفسه في الشذاوات وعبروا إلى الموفقيّة فعظم ذلك على الناس، ونظر الموفّق فرأى أنّ نزوله بالجانب الغربى لا يأمن معه حيلة الزنج وصاحبهم وانتهاز فرصة لكثرة الأدغال وصعوبة المسالك، وأنّ الزنج أعرف بتلك المضايق وأجرأ عليها من أصحابه، فترك ذلك وجعل قصده إلى هدم سور صاحب الزنج وتوسعة الطرق والمسالك، فأمر بهدم السور من ناحية النهر المعروف بمنكى، وباشر الحرب بنفسه واشتد القتال، وكثر القتل
стр. 9619
والجراح من الجانبين ودام ذلك أياما عدّة، وكان أصحاب الموفّق لا يستطيعون الولوج لقنطرتين كانتا على نهر منكى، وكان الزنج يعبرون عليها وقت القتال، فيأتون أصحاب الموفّق من وراء ظهورهم فينالون منهم، فأعمل الحيلة في إزالتهما، فأمر أصحابه بقصدهما عند اشتغال الزنج وغفلتهم عن حراستهما، وأمرهم أن يعدّوا الفؤوس والمناشير وما يحتاجون إليه من الآلات، فقصدوا القنطرة الأولى نصف النهار فأتاهم الزنج لمنعهم، فاقتتلوا فانهزم الزنج، وكان مقدّمهم أبا النداء فأصابه سهم، فى صدره فقتله، وقطع أصحاب الموفّق القنطرتين ورجعوا، وألحّ الموفّق على صاحب الزنج بالحرب، وهدم أصحابه من السور ما أمكنهم، ودخلوا المدينة وقاتلوا فيها، وانتهوا إلى دار ابن سمعان وسليمان بن جامع فهدموهما، ونهبوا ما فيهما، وانتهوا إلى سويقة لصاحب الزنج سمّاها الميمونة، فهدمت وأخربت وهدموا دار الجبّائى وانتهبوا ما كان فيها من الخزائن، وتقدّموا إلى الجامع ليهدموه فاشتد محاماة الزنج عنه، فلم يصل إليه أصحاب الموفّق، لأنّه كان قد خلص مع صاحب الزنج نخبة أصحابه وأرباب البصائر، فكان أحدهم إذا قتل أو جرح اجتذبه الذى إلى جنبه ووقف مكانه، فلما رأى الموفّق ذلك أمر أبا العبّاس بقصد الجامع من أحد أركانه بشجعان أصحابه، وأضاف إليهم الفعول للهدم ونصب السلاليم ففعل ذلك، وقاتل عليه أشد قتال فوصلوا إليه فهدموه، وأخذ منبره فأتى به الموفّق، ثم عاد الموفّق لهدم السور فأكثر منه، وأخذ أصحابه دواوين صاحب الزنج وبعض خزانته، فظهر للموفّق أمارات الفتح، فإنّهم لعلى ذلك إذ وصل سهم إلى الموفّق فأصابه في صدره
стр. 9620
رماه به رومى كان مع صاحب الزنج اسمه قرطاس وذلك لخمس بقين من جمادى الأولى، فستر الموفّق ذلك وعاد إلى مدينته فبات، ثم عاود الحرب على ما به من ألم الجراح، ليشدّ بذلك قلوب أصحابه فزاد في علّته، وعظم أمرها حتى خيف عليه، واضطرب العسكر والرعيّة وخافوا وأشار عليه بعض أصحابه وثقاته بالعود إلى بغداد، ويخلف من يقوم مقامه فأبى ذلك، وخاف أن يستقيم من حال صاحب الزنج ما فسد، واحتجب عن الناس مدّة ثم برىء من علّته، وظهر لهم ونهض لحرب صاحب الزنج وكان ظهوره في شعبان من هذه السنة.
ذكر احراق قصر صاحب الزنج وما يتصل بذلك من الحروب والوقائع
قال «١» : ولما صحّ الموفّق من جراحه عاد إلى ما كان عليه من حرب صاحب الزنج، وكان قد أعاد بعض الثلم في السور، فأمر الموفّق بهدم ذلك وهدم ما يتصل به وركب في بعض العشايا، وكان القتال متصلا ذلك اليوم مما يلى نهر منكى، والزنج مجتمعون فيه قد شغلوا أنفسهم بتلك الجهة، وظنّوا أنّهم لا يؤتون إلا منها، فأتى الموفّق ومعه الفعلة وقرب من نهر منكى وقاتلهم، فلما اشتدت الحرب أمر الذين في الشذاوات بالمصير إلى أسفل نهر أبى الخصيب، وهو خال من المقاتلة والرجال، فتقدّم أصحاب الموفّق وأخرجوا الفعلة فهدموا السور من تلك الناحية، وصعد المقاتلة فقتلوا في النهر مقتلة عظيمة،
стр. 9621
وانتهوا إلى قصور من قصور صاحب الزنج فأحرقوها وانتهبوا ما فيها واستنقذوا عددا كثيرا من النساء اللاتى كنّ فيها، وغنموا منها، وانصرف الموفّق عند غروب الشمس بالظفر والسلامة، وبكّر إلى حربهم وهدم السور، فأسرع الهدم حتى اتصل بدار انكلاى، وهى متصلة بدار صاحب الزنج، فلما أعيت صاحب الزنج الحيل أشار عليه على ابن أبان باجراء الماء على السباخ، وأن يحفر خنادق في مواضع عدة تمنعهم من دخول المدينة ففعل ذلك، فرأى الموفّق أن يجعل قصده طمّ الخنادق والأنهار والمواضع المعوّرة ففعل ذلك، وحامى الزنج عنه ودامت الحرب، ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم، وذلك لتقارب ما بين الفريقين، فلما رأى شدّة الأمر من هذه الناحية قصد احراق دار صاحب الزنج والهجوم عليها من دجلة، فكان يعوقه عن ذلك كثرة ما أعدّ لها من المقاتلة والحماة عن داره، فكانت الشذاوات إذا قربت من قصره رميت من فوق القصر بالسهام والحجارة والمجانيق والمقاليع، وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم فتعذّر احراقها لذلك، فأمر الموفّق أن يسقف الشذا بالأخشاب، ويعمل عليها الخيش وتطلى بالأدوية التى تمنع النار من احراقها ففعل ذلك، ورتّب فيها أنجاد أصحابه وجمعا من النفّاطين.
واستأمن إلى الموفّق محمد بن سمعان كاتب صاحب الزنج، وكان أوثق أصحابه في نفسه، وكان سبب استئمانه أنّ صاحب الزنج أطلعه على أنّه عازم على الخلاص وحده بغير أهل ولا مال، فلما رأى ذلك من عزمه أرسل يطلب الأمان، فأمّنه الموفّق وأحسن إليه؛ وقيل كان سبب خروجه أنّه كان كارها لصحبة صاحب الزنج، مطّلعا على كفره
стр. 9622
وسوء باطنه، ولم يمكنه التخلّص منه إلى الآن، ففارقه في عاشر شعبان.
فلمّا كان الغد بكّر الموفّق لمحاربة الزنج، وأمر أبا العبّاس بقصد دار محمد الكرنبائى- وهى بازاء دار صاحب الزنج- واحراقها وما يليها من منازل قوّاد الزنج، يشغلهم بذلك عن حماية دار صاحبهم وأمر المرّتين في الشذاوات المطليّة بقصد دار صاحب الزنج واحراقها ففعلوا ذلك، وألصقوا شذاواتهم بسور قصره، وحاربوهم أشد حرب فنضحهم الزنج بالنيران فلم تعمل شيئا، وأحرق من القصر الرواشين والأبنية الخارجة وعملت النار فيها، وسلم الذين كانوا في الشذا مما كان الزنج يرسلونه عليهم، وأمر الموفّق الذين في الشذا بالرجوع فرجعوا، فأخرج من كان فيها ورتّب غيرهم، وانتظر إقبال المدّ وعلوّه فلما أقبل عادت الشذا إلى قصره، وأحرقوا بيوتا منه كانت تشرع على دجلة، واضطرمت النار فيها وقويت واتصلت، فأعجلت صاحب الزنج ومن كان معه عن التوقّف على ما كان فيها من الأموال والذخائر وغير ذلك، فخرج هاربا وتركه، وعلا غلمان الموفّق قصره مع أصحابهم فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من الذهب والفضّة والحلىّ وغير ذلك، واستنقذوا جماعة من النساء اللواتى كان صاحب الزنج يأنس بهنّ من اللواتى كان استرقّهنّ، ودخلوا دوره ودور ابنه انكلاى فأحرقوها جميعا، وفرح الناس بذلك وتحاربوا، هم وأصحاب صاحب الزنج على باب قصره، فكثر القتل في أصحابه والجراح والأسر، وفعل أبو العبّاس في دار الكرنبائى من النهب والهدم والإحراق مثل ذلك، وقطع أبو العبّاس يومئذ سلسلة عظيمة كان صاحب الزنج
стр. 9623
قطع بها نهر أبى الخصيب، لتمتنع الشذا من دخوله، فحازها أبو العباس وأخذها معه، وعاد الموفّق بالناس مع المغرب مظفّرا، وأصيب صاحب الزنج في نفسه وماله، وجرح ابنه انكلاى في بطنه جرحا أشفى منه على الهلاك.
ذكر غرق نصير صاحب الشذا
قال: وفي يوم الأحد لعشر بقين من شعبان غرق أبو حمزة نصير وهو صاحب الشذاوات، وكان سبب غرقه أن الموفّق بكّر إلى القتال وأمر نصيرا بقصد قنطرة لصاحب الزنج، كان عملها في نهر أبى الخصيب دون الجسرين، اللذين كان اتخذهما على النهر، وفرّق أصحابه من الجهات، فعجّل نصير فدخل في أوّل المدّ في عدة من شذاواته، فحملها الماء فألصقها بالقنطرة، ودخلت عدّة من شذاوات الموفّق مع غلمانه، ولم يأمرهم بالدخول فضلّت شذاوات نصير ولم يبق للملّاحين فيها عمل، ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على جانبى النهر، وألقى الملّاحون أنفسهم في الماء خوفا من الزنج، ودخل الزنج الشذاوات فقتلوا بعض المقاتلة، وغرق أكثرهم، وصابرهم نصير حتى خاف الأسر، فقذف بنفسه في الماء فغرق، وأقام الموفّق يومه ذلك يحاربهم وينهبهم ويحرق منازلهم، ولم يزل يومه مستعليا عليهم، وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من أشد الناس قتالا لأصحاب الموفّق، وثبت مكانه حتى خرج عليه كمين للموفّق فانهزم أصحابه، وجرح سليمان جراحة في ساقه، فسقط لوجهه في مكان كان به حريق وفيه بعض الجمر فاحترق بعض جسده، وحمله أصحابه بعد أن كاد يؤسر، وانصرف
стр. 9624
الموفّق سالما ظافرا، وأصاب الموفّق مرض المفاصل فبقى به شعبان وشهر رمضان وأياما من شوّال، وأمسك عن حرب الزنج ثم برىء وتماثل، فأمر باعداد آلة الحرب.
ذكر احراق قنطرة صاحب الزنج
قال «١» : ولما اشتغل الموفّق بعلّته أعاد صاحب الزنج القنطرة التى غرق عندها نصير، وزاد فيها وأحكمها ونصب دونها أدقال «٢» ساج، وألبسها الحديد وسكر أمامها سكرا من حجارة، ليضيق المدخل على الشذا وتحتدّ جرية الماء في النهر، فندب الموفّق أصحابه، وندب طائفة من شرقىّ نهر أبى الخصيب وطائفة من غربيّه، وأرسل النجّارين والفعلة لقطع القنطرة وما جعل أمامها، وأمر بسفن مملوءة قصبا أن يصبّ عليها النفط، وتدخل النهر ويلقى فيها النار لتحرق الجسر، وفرّق جنده على أصحاب صاحب الزنج، ليمنعوهم من معاونة من عند القنطرة، فسار الناس إلى ما أمرهم به، وذلك في عاشر شوّال، وتقدّمت الطائفتان إلى الجسر فلقيهما انكلاى ابن صاحب الزنج وعلى بن أبان وسليمان بن جامع، واشتبكت الحرب ودامت وحامى أولئك عن القنطرة، لعلمهم بما عليهم في قطعها من الضرر، ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر، ثم إنّ غلمان الموفّق أزالوا الزنج عن القنطرة، وقطعها النجّارون ونقضوها وما كان عمل
стр. 9625
من الأدقال الساج، وكان قطعها قد تعذّر عليهم فأدخلوا تلك السفن التى فيها القصب والنفط وأضرموها نارا، فوافت القنطرة فأحرقنها فوصل النجّارون بذلك إلى ما أرادوا، وأمكن أصحاب الشذا دخولهم النهر فدخلوا، وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر الأوّل الذى يتلو هذه القنطرة، وقتل من الزنج كثير واستأمن كثير، ووصل أصحاب الموفّق إلى الجسر وقت المغرب، فكره الموفّق أن يدركهم الليل فأمرهم بالرجوع، وأثاب المحسن على قدر احسانه ليزدادوا جدا فى حرب عدوّه، وأخرب من العد برجين حجارة كانوا عملوهما، ليمنعوا الشذا من الخروج منه إذا دخلته، فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه.
ذكر انتقال صاحب الزنج الى الجانب الشرقى واحراق سوقه
قال: لما أحرقت دور صاحب الزنج وقصوره ومنازل أصحابه، كما قدّمنا ذكر ذلك- ونهبت أموالهم انتقلوا إلى الجانب الشرقى من نهر أبى الخصيب، وجمع عياله حوله ونقل أسواقه، فضعف أمره بذلك ضعفا شديدا، ظهر للناس وامتنعوا من جلب الميرة إليه، فانقطعت عنه كل مادّة، وبلغ الرطل من خبز البرّ عشرة دراهم، فأكّلوا الشعير وأصناف الحبوب، ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كان أحدهم يأكل صاحبه إذا انفرد به، والقوى يأكل الضعيف، ثم أكلوا أولادهم، ورأى الموفّق أن يخرب الجانب الشرقى كما أخرب الغربىّ، فأمر أصحابه بقصد دار الهمدانىّ ومعهم الفعلة، وكان هذا الموضع محصّنا بجمع كثير،
стр. 9626
وعليه عرّادات ومنجنيقات وقسى، فاشتبكت الحرب وكثرت القتلى فانتصر أصحاب الموفّق عليهم وقتلوهم وهزموهم، وانتهوا إلى الدار فتعذر عليهم الصعود إليها لعلوّ سورها، فلم تبلغه السلاليم الطوال فرمى بعض غلمان الموفّق كلاليب معهم، فعلّقوها في أعلام صاحب الزنج وجذبوها فتساقطت الأعلام منكوسة، فلم تشك المقاتلة عن الدار في أنّ أصحاب الموفّق قد ملكوها، فانهزموا لا يلوى أحد منهم على صاحبه فأخذها أصحاب الموفّق وصعد النفّاطون فأحرقوها وما كان عليها من المجانيق والعرّادات، ونهبوا ما كان فيها من المتاع والأثاث، وأحرقوا ما كان حولها من الدور، واستنقذوا من كان فيها من النساء، وكنّ كثيرا، فحملن إلى الموفقيّة وأمر الموفّق بالإحسان إليهن، واستأمن يومئذ من أصحاب صاحب الزنج وخاصّته الذين يلون خدمته جماعة كثيرة، فأمّنهم الموفّق وأحسن إليهم، ودلّ جماعة من المستأمنة الموفّق على سوق عظيمة كانت لصاحب الزنج، متّصلة بالجسر الأوّل تسمّى المباركة، وأعلموه أنّه إن أحرقها لم يبق لهم سوق غيرها، وخرج عنهم تجّارهم الذين بهم قواهم، فعزم الموفّق على احراقها وأمر أصحابه بقصد السوق من جانبيها ففعلوا، وأقبلت الزنج إليهم فتحاربوا أشد حرب، واتصل أصحاب الموفّق إلى طرف من أطراف السوق وألقوا فيه النار فاحترق، واتصلت النار، وكان الناس يقتتلون والنار محيطة بهم، وسقطت على المقاتلة واحترق بعضهم، فكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس، ثم تحاجزوا ورجع أصحاب الموفّق إلى عسكرهم، وانتقل تجّار السوق إلى أعلى المدينة، وكانوا قد نقلوا معظم أمتعتهم وأموالهم.
стр. 9627
قال: ثم فعل صاحب الزنج بالجانب الشرقى من حفر الخنادق وتعوير «١» الطرق مثل ما كان فعل بالجانب الغربىّ بعد هذه الوقعة، واحتفر خندقا عظيما حصّن به منازل أصحابه التى على النهر الغربىّ، فرأى الموفّق أن يخرب باقى السور إلى النهر الغربىّ، ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة، وكان بالجانب الغربىّ جمع من الزنج قد تحصّنوا بسور منيع، وهم أشجع أصحابه، فكانوا يحامون عنه وكانوا يخرجون على أصحاب الموفّق عند محاربتهم، فأمر الموفّق أن يقصد هذا الموضع ويخرب سوره ويخرج من فيه، وأمر ابنه أبا العبّاس والقوّاد بالتأهّب لذلك، وتقدّم إليهم وأمر أن تقرب الشذاوات من السور، ونشبت الحرب ودامت إلى بعد الظهر، وهدم في السور مواضع وأحرق ما كان عليه من العرّادات، وتحاجز الفريقان وهما على السواء سوى هذا السور واحراق عرّادات كانت عليه، ونال الفريقين من الجراح أمر عظيم، وعاد الموفّق فوصل الناس على قدر بلائهم، هكذا كان عمله في محاربته، وأقام الموفّق بعد هذه الوقعة أياما، ثم رأى معاودة هذا الموضع لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه، وأنّه لا يقدر على ما يريد إلا بعد إزالته، فأعدّ الآلات ورتّب أصحابه وقصده، وقاتل من فيه وأدخلت الشذاوات النهر، واشتدت الحرب ودامت، وأمدّ صاحب الزنج بالمهلبىّ وسليمان بن جامع في جيشهما، فحملوا على أصحاب الموفّق حتى ألحقوهم بسفنهم وقتلوا منهم جماعة، فرجع الموفّق ولم يبلغ منهم ما أراد، وتبيّن له أنّه إذا
стр. 9628
قاتلهم من وجوه عدّة خفّت وطأتهم على من يقصد هذا الموضع، ففرّق أصحابه على جهات أصحاب الزنج، وصار هو في جهة النهر الغربى وقاتل من فيه وصدقهم أصحابه القتال فهزموهم، فولّوا وتركوا حصنهم في أيدى أصحاب الموفّق، فهدموه وأسروا وقتلوا وخلّصوا من هذا الحصن خلقا كثيرا من النساء والصبيان، ورجع الموفّق إلى عسكره بما أراد.
ذكر استيلاء الموفّق على مدينة صاحب الزنج الغربية
قال «١» : لما هدم الموفّق سور دار صاحب الزنج أمر باصلاح المسالك، ليتسع على المقاتلة الطريق إلى الحرب، ثم رأى قلع الجسر الأوّل الذى على نهر أبى الخصيب، لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضا، وأمر بسفينة كبيرة أن تملأ قصبا ويجعل فيه النفط، ويوضع فى وسطها دقل طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا التصقت به، ثم أرسلها عند غفلة الزنج وقوة المدّ، فوافت الجسر وعلم بها الزنج فأتوها وطمّوها بالحجارة والتراب، ونزل بعضهم فخرقها فغرقت، وكان قد احترق من الجسر شىء يسير فأطفأه الزنج، فاهتم الموفّق بالجسر فندب أصحابه وأعدّ النفّاطين والفعلة والفؤوس، وأمرهم بقصده من غربىّ النهر وشرقيّة، وركب الموفّق في أصحابه وقصد فوّهة نهر أبى الخصيب، وذلك في منتصف شوّال سنة تسع وستين فسبق الطائفة التى في غرب النهر، فهزم الموكّلين على الجسر وهم سليمان بن جامع
стр. 9629
وانكلاى ابن صاحب الزنج وأحرقوه، وأتى بعد ذلك الطائفة الأخرى ففعلوا بالجانب الشرقى «١» مثل ذلك، فأحرق الجسر وتجاوزه إلى جانب حظيرة كان يعمل فيها سميريّات صاحب الزنج وآلاته، فاحترق ذلك كله إلا شيئا يسيرا من الشذاوات والسميريّات كانت فى النهر، وقصدوا سجنا للزنج فقاتلهم الزنج ساعة من النهار، ثم غلبهم أصحاب الموفّق عليه فأطلقوا من فيه، وأحرقوا ما مرّوا به إلى دار مصلح- وهو من قدماء أصحابه- فدخلوها فنهبوها وما فيها وسبوا نساءه وولده واستنقذوا خلقا كثيرا، وعاد الموفّق وأصحابه بالظفر والسلامة، وانحاز صاحب الزنج واصحابه من هذا الجانب إلى الجانب «٢» الشرقى من نهر أبى الخصيب، واستولى الموفّق على الجانب الغربى غير طريق يسيرة على الجسر الثانى، فأصلحوا الطرق فزاد ذلك في رعب الزنج، فأجمع كثير من القوّاد- الذين كان صاحب الزنج يرى أنّهم لا يفارقونه- على طلب الأمان فطلبوه، فبذل لهم فخرجوا أرسالا فأحسن الموفّق إليهم وألحقهم بأمثالهم، وأحب الموفّق أن يتمرّن أصحابه على سلوك النهر ليحرق الجسر الثانى فكان يأمرهم بادخال الشذا فيه واحراق ما على جانبه من المنازل، فهرب إليه في بعض الأيام قائد للزنج ومعه قاض كان لهم ففتّ ذلك فى أعضادهم، ووكّل صاحب الزنج بالجسر الثانى من يحفظه وشحنه بالرجال، فأمر الموفّق بعض أصحابه فأحرق ما عند الجسر من سفن فزاد ذلك في احتياط صاحب الزنج وحراسته للجسر، لئلا يحرق
стр. 9630
ويستولى الموفّق على الجانب الغربىّ، وكان قد تأخّر من أصحابه جمع فى منازلهم المقاربة للجسر الثانى، وكان أصحاب الموفّق يأتونهم ويقفون على الطريق الخفيّة، فلما عرفوا ذلك عزموا على احراق الجسر الثانى، فأمر الموفّق ابنه أبا العبّاس والقوّاد أن يتجهّزوا لذلك، وأن يأتوا من عدّة جهات ليوافوا الجسر، وأعدّ معهم الفؤوس والنفط والآلات ودخل هو في الشذا ومعه أنجاد أصحابه، واشتبكت الحرب في الجانبين جميعا واشتد القتال، وكان في الجانب الغربى بازاء أبى العباس ومن معه انكلاى ابن صاحب الزنج وسليمان بن جامع، وفي الجانب الشرقى بازاء راشد مولى الموفّق ومن معه صاحب الزنج والمهلبى في باقى الجيش، فدامت الحرب مقدار ثلاث ساعات ثم انهزم الزنج لا يلوون على شىء، وأخذت السوق منهم، ووصل أصحاب الشذا النهر ودانوا من الجسر، وقاتلوا من يحميه بالسهام وأضرموه نارا، وانهزم انكلاى وسليمان وقد أثخنا بالجراح، فوافيا الجسر والنار فيه فحالت بينهما وبين العبور، فألقيا أنفسهما ومن معهما في النهر فغرق منهم خلق كثير، وأفلت انكلاى وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك، وقطع الجسر وأحرق وتفرّق جيش الموفّق في جانبى المدينة، وأحرق من الدور والقصور والأسواق شيئا كثيرا واستنقذ من النساء والصبيان ما لا يحصى ودخلوا الدار التى كان صاحب الزنج سكنها بعد إحراق قصره فنهبوا ما كان فيها وأحرقوها، وهرب هو واستنقذ في هذا اليوم نسوة من العلويّات، كنّ محبسات في موضع قريب من داره فأحسن الموفّق إليهن، وفتح سجنا كان له وأخرج خلقا كثيرا ففكّ عنهم الحديد، وأخرج ذلك اليوم كلّ ما كان بنهر أتى الخصيب من شذا ومراكب بحرية وسفن كبار
следующие страницы →