← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

ذكر ظهور أبى عبد الله محمد بن الحسين الحسنى المعروف بابن الداعى قال ابن الأثير «١» : كان ظهوره في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وذلك أنه هرب من بغداد وسار نحو الديلم، فاجتمع عليه عشرة آلاف رجل، فهرب ابن الناصر العلوى من بين يديه، وتلقّب ابن الداعى بالمهدى لدين الله، وعظم شأنه وهزم قائدا من قواد وشمكير. ثم أظهر النسك والعبادة ولبس الصوف، وحارب ابن وشمكير فهزمه في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وعزم على المسير إلى طبرستان وكتب إلى العراق كتابا يدعوهم إلى الجهاد، هذا ما أورده ابن الأثير «٢» فى خبره، ولم يذكر خبر وفاته، إلا أنّه لم يتم له أمر، ولا ظهر لغيره من أهل هذا البيت بعد ذلك بهذه الناحية ذكر، ولا كانت لهم مملكة فى جهة من الجهات، إلا ما نورده من أخبار العبيديين، الذين ملكوا المغرب والديار المصرية وغيرها، وانتسبوا إلى على بن أبى طالب ونفاهم أكثر الناس- بل عامّتهم- عن هذا النسب الشريف، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى من أخبارهم.

стр. 9557

الباب الثامن من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار صاحب الزنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل وإنما أفردنا هؤلاء بباب، لأنّهم ممن شاع ذكرهم وعظم محلّهم وطار اسمهم، واستولوا على كثير من البلاد وهزموا الجيوش، وأهمّ الخلافة أمرهم، وطالت مدتهم ولم يكونوا في أيام خليفة واحد، فنذكرهم في حوادث دولته، وإنما هم في أيام جماعة من الخلفاء، فلو ذكرناهم في حوادث أيامهم لانقطعت أخبارهم، وعسر على المطالع معرفتها، فلذلك أفردناهم لتكون أخبارهم سياقة، لا تنقطع بغيرها من الأخبار.

стр. 9558

ذكر أخبار صاحب الزنج وابتداء أمره وسبب خروجه كان خروجه في شوّال سنة خمس وخمسين ومائتين- فى خلافة المهتدى بالله- بفرات البصرة، وزعم أنّه على بن محمد بن أحمد بن على بن عيسى بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، وجمع الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ، وعبر دجلة فنزل الدينارى. قال أبو جعفر «١» الطبرى: وكان اسمه على بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس، وأمّه ابنة «٢» على بن رحيب بن محمد بن حكيم من أهل الكوفة، وهو أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك، مع زيد بن على بن الحسين، فلما قتل زيد هرب والتحق بالرى، فجاء إلى قرية ورزنين فأقام بها، وجدّه عبد الرحيم رجل من عبد القيس، كان مولده بالطالقان وقدم العراق، واشترى جارية فأوكدها محمدا أباه. قال: وكان صاحب الزنج هذا في ابتداء أمره متصلا بجماعة من حاشية المنتصر، منهم غانم الشطرنجى وسعيد الصعير، وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره، ثم إنّه شخص من سامرّا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادعى

стр. 9559

بها أنّه على بن عبد الله «١» بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله ابن عباس بن على بن أبى طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعة جماعة كثيره من أهلها ومن غيرها، فجرى بين الطائفتين عصبيّة قتل فيها جماعة. قال: وكان أهل البحرين قد أخلّوه محل نبى، وجبا الخراج ونفذ فيهم حكمه، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه، ثم تنكّر له منهم جماعة، فانتقل عنهم إلى الأحسّاء، ونزل على قوم يقال لهم بنو الشمّاس من بنى سعد بن تميم فأقام فيهم، وفي صحبته جماعة من البحرين، منهم يحيى بن محمد الأزرق البحرانى، وسليمان بن جامع- وهو قائد جيشه وكان ينتقل في البادية فذكر عنه أنه قال: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إمامتى، ظاهرة للناس، منها إنى لقّنت سورا من القرآن فجرى بها لسانى، فى ساعة واحدة وحفظتها في دفعة واحدة، منها سبحان «٢» والكهف وص، ومنها أنى فكرت في الموضع الذى أقصده حيث نبت بى البلاد فأظلتنى غمامة، وخوطبت منها فقيل لى: اقصد البصرة، وقيل عنه إنه قال لأهل الباديه إنّه يحيى بن عمر أبو الحسين، المقتول بالكوفه، فخدع أهلها فأتاه منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى الرّدم «٣» من البحرين، فكانت بينهم وقعة عظيمة، وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، قتلوا قتلا ذريعا فتفرّقت الأعراب عنه، فسار ونزل البصرة

стр. 9560

فى بنى ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة منهم على بن أبان المهلبى، وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين، وعاملها يوم ذاك محمد ابن رجاء الحضارىّ. فوافق قدومه فتنة أهل البصرة، بالبلالية والسعديّة، فطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم يدعوهم فلم يجبه «١» من أهل البلد أحد، وطلبه ابن رجاء فهرب، فأخذ جماعة ممن كانوا يميلون إليه وحبسهم، وكان ممّن حبس ابنه وابنته وزوجته وجارية له حاملا منه، وسار يريد بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن جامع، وبريش «٢» القريعى، فلما صار بالبطيحة نذر به وبأصحابة، فدخل بغداد فأقام بها حولا، فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كل واحد منهم، فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم جعفر بن محمد الصّوحانى، ومحمد بن القاسم، ومشرق ورفيق غلاما يحيى بن عبد الرحمن، فسمّى مشرفا حمزة وكناة أبا أحمد، وسمّى رفيقا جعفرا وكنّاه أبا الفضل، واتفق عزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء البلالية والسعدية فأخرجوا من كان في الحبس، فخلص أهله فيهم، فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان رجوعه في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه على بن

стр. 9561

أبان ويحيى بن محمد وسليمان ومشرق ورفيق، فوافوا البصرة فنزل بقصر القرشى على نهر يعرف بعمود ابن المنجّم، وأظهر أنّه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ. قال «١» : وذكر ريحان، أحد غلمان الشورجيين وهو أوّل من صحبه منهم، قال: كنت موكّلا بغلمان مولاى أنقل لهم الدقيق فأخذنى أصحابه فصاروا بى إليه، وأمرونى أن أسلّم عليه بالإمرة ففعلت، فسألنى عن الموضع الذى جئت منه فأخبرته، وسألنى عن أخبار البصرة فقلت لا علم لى، وسألنى عن غلمان الشورجيين وعن أحوالهم وما يجرى لهم فأعلمته، فدعانى إلى ما هو عليه فأجبته، فقال: إحتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم، ووعدنى أن يقوّدنى على من آتيه به، واستحلفنى ألّا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه، وخلّى سبيلى وعدت إليه من الغد، وقد أتاه جماعة من غلمان الدبّاسين، فكتب في حريرة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... الآية) «٢» ورفعها علما، وما زال يدعو غلمان أهل البصرة وهم يقبلون إليه، للخلاص من الرق والتعب، حتى اجتمع عنده خلق كثير، فخطبهم ووعدهم أن يقوّدهم ويملّكهم، وحلف لهم الأيمان ألّا يغدر بهم ولا يخذلهم، ولا يدع شيئا من الإحسان إلا أتى به إليهم، فأتاه مواليهم وبذلوا له عن كل عبد خمسة دنانير، ليسلّم إليه عبده، فبطح أصحابهم وأمر كل عبد أن يضرب مولاه أو وكيل

стр. 9562

مولاه خمسمائة شطب «١» ، ثم أطلقهم فمضوا نحو البصرة. ثم ركب في سفن هناك فعبر دجيلا إلى نهر ميمون، فأقام هناك والسودان تجتمع إليه إلى يوم الفطر، فخطبهم وصلّى بهم وذكرهم ما كانوا فيه من الشقاء وسوء الحال، وأنّ الله تعالى أنقذهم من ذلك، وأنّه يريد أن يرفع أقدارهم ويملّكهم العبيد والأموال، فلما كان بعد يومين رأى أصحابه الحميرىّ، فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة، فاستأمن إلى صاحب الزنج رجل يكنى بأبى صالح ويعرف بالقصير، فى ثلاثمائة من الزنج، فلما كثروا جعل القوّاد منهم، وقال لهم: من أتى منكم برجل فهو مضموم إليه، وكان ابن أبى عون قد نقل من واسط إلى ولاية الأبلة وكور دجلة، وسار قائد الزنج إلى المحمديّة، فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبى عون، فصاح الزنج: السلاح!! وقاموا وكان منهم فتح الحجّام، فقام وأخذ طبقا كان بين يديه، فلقيه رجل من الشورجيين يقال له بلبل، فلما رآه فتح حمل عليه وحذفه بالطبق الذى بيده، فرمى سلاحه وولّى هاربا، وانهزم أصحابه وكانوا أربعة آلاف، وقتل منهم جماعة ومات بعضهم عطشا، وأسر منهم فضرب أعناقهم، ثم سار إلى القادسيّة فنهبها أصحابه بأمره، وما زال يتردّد إلى أنهار البصرة، فوجد بعض السودان دارا لبعض بنى هاشم فيها سلاح فانتهبوه، فصار معهم ما يقاتلون به. فأتاه وهو بالسّيب جماعة من أهل البصرة يقاتلونه، فوجّه يحيى

стр. 9563

ابن محمد في خمسمائة رجل فلقوا البصريين، فانهزم «١» البصريون منهم وأخذوا سلاحهم، ثم قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية اليهود «٢» فهزمهم أيضا، وأثبت أصحابه في الصحراء، ثم أسرى إلى الجعفريّة فوضع في أهلها السيف، فقتل أكثرهم وأتى منهم بأسرى فأطلقهم، ولقى جيشا كبيرا للبصريين مع رميس وعقيل، فهزمهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وكان معهم سفن فهبّت ريح فألقتها إلى الشط، فنزل الزنج وقتلوا من وجدوا فيها وغنموا ما فيها، وكان مع رميس سفن فركبها ونجا، فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيها، ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبيّة وأحرقها، وعاث في الأرض وأفسد، ثم لقيه قائد من قواد الأتراك، يقال له أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل، فاقتتلوا على نهر الريّان، فحمل السودان عليهم حملة صادقة، فقتلوا صاحب علمه فانهزم أبو هلال وأصحابه، وتبعهم السودان فقتلوا من أصحاب أبى هلال أكثر من ألف وخمسمائة رجل، وأخذوا منهم أسرى فأمر صاحب الزنج بقتلهم، ثم أتاه من أخبره أنّ الزينبى قد أعدّ له الجند والمتطوّعة والبلاليّة والسعديّة، وهم خلق كثير، وأنّهم قد أعدّوا الحبال لتكتيف من يأخذونه من السودان، وأنّ المقدّم عليهم أبو منصور أحد «٣» موالى الهاشميين، فأرسل على بن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم، فلقى طائفة منهم فهزمهم، وصار من معهم من العبيد إلى على بن أبان، وأرسل طائفة أخرى من أصحابه، إلى موضع فيه ألف

стр. 9564

وتسعمائة سفينة ومعها من يحفظها، فلما رأوا الزنج هربوا عنها، فأخذ الزنج السفن وأتوا صاحبهم بها، فلما أتوه جلس على نشز من الأرض، وكان في السفن قوم حجّاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة، فناظرهم فصدقوه في قوله، وقالوا له: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك فأطلقهم، وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر فأتاه بخبرهم: أنّهم قد أتوه بخلق كثير، فأمر محمد بن سلم «١» وعلى بن أبان أن يعقدوا لهم بالنخيل، وقعد هو على جبل مشرف، فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرجال، فأمر الزنج فكبّروا وحملوا عليهم، فحملت الخيول فتراجع الزنج حتى أتوا لجبل، ثم حملوا فثبتوا لهم، وقتل من الزنج فتح الحجّام، وصدق الزنج الحملة فأخذوهم بين أيديهم، وجرح محمد بن سلم، وحملوا عليهم فقتلوا منهم، وانهزم الناس وذهبوا كل مذهب، وتبعهم السودان إلى نهر بيان فوقعوا في الوحل، فقتلهم السودان وغرق كثير منهم، وأتى الخبر إلى الزنوج بأنّ لهم كمينا، فساروا إليه فإذا الكمين في ألف من المغاربة، فقاتلوهم قتالا شديدا، ثم حمل السوان عليهم فقتلوهم أجمعين وأخذوا سلاحهم، ثم وجّه أصحابه فرأوا مائتى سفينة، فيها دقيق فأخذوه ومتاع فنهبوه، ونهب المعلّى بن أيوب «٢» ، ثم سار فرأى مسلحة الزينبى فقاتلوه، فقاتلهم فقتلهم أجمعين، وكانوا مائتين، ثم سار فنهب قرية منذران «٣» ، ورأى فيها جمعا من الزنج

стр. 9565

ففرقهم على قوّاده، ثم سار فلقيه ستمائة فارس مع سليمان؛ ابن أخى الزينبىّ، ولم يقاتله فأرسل من ينهب، فأتوه بغنم وبقر فذبحوا وأكلوا، وفرّق أصحابه في انتهاب ما هناك. ثم سار صاحب الزنج يريد البصرة، حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحى، أتاه قوم من السودان، فأعلموه أنّهم رأوا في الرياحى بارقة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى تنادى السودان: السلاح السلاح!! فأمر على بن أبان بالعبور إليهم، فعبر في ثلاثمائة رجل، وقال له: إن احتجت إلى مدد فاستمدنى، فلما مضى على بن أبان صاح الزنج، السلاح السلاح!! لحركة رأوها في جهة أخرى، فوجّه محمد بن سلم بجمع فحاربهم من وقت الظهيرة إلى وقت العصر، ثم حمل الزنوج حملة صادقة فهزموهم، وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمسمائة، ورجعوا إلى صاحبهم، ثم أقبل على بن أبان في أصحابه- وقد هزموا من بإزائهم وقتلوا منهم، ومعه رأس ابن أبى الليث «١» البلالى القواريرى من أعيان البلالية، ثم سار من الغد عن ذلك المكان، ونهى أصحابه عن دخول البصرة، فتسرّع بعضهم فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم، وانتهى الخبر إليه فوجّه محمد بن سلم وعلى بن أبان ومشرقا وخلقا كثيرا، وجاء هو يسايرهم فلقوا البصريين، فأرسل إلى أصحابه ليتأخروا عن المكان الذى هم فيه، فتراجعوا فأكبّ عليهم أهل البصرة فانهزموا، وذلك عند العصر «٢» ، ووقع الزنوج في نهر كبير، وقتل

стр. 9566

منهم جماعة وغرق جماعة وتفرّق الباقون، وتخلّف صاحبهم عنهم وبقى في نفر يسير فنجا، تم لحقهم وهم متحيّرون لفقده، وسأل عن أصحابه فإذا ليس معه منهم إلا خمسمائة رجل، فأمر بالنفخ في البوق الذى يجتمعون إليه، فنفخ فيه فلم يأته أحد، وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التى كانت للزنوج وبها متاعهم، فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل، فأرسل محمد بن سلم إلى أهل البصرة يعظهم ويعلّمهم: ما الذى دعاه إلى الخروج؟ فقتلوه، فلما كان يوم الاثنين لأربع «١» عشرة خلت من ذى القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين جمع أهل البصرة وحشدوا، لما رأوا من ظهورهم عليه، وانتدب لذلك رجل يعرف بحمّاد «٢» الساجىّ وكان من غزاة البحر، وله علم في ركوب السفن، فجمع المطوّعة ورماة الأهداف وأهل المسجد الجامع ومن خفّ معه من البلاليّة والسعديّة وغيرهم، وشحن ثلاثة مراكب مقاتلة، ومضى جمهور الناس رجّالة، منهم من معه سلاح ومنهم نظّارة، فدخلت المراكب في المدّ والرجّالة على شاطىء النهر، فلما علم صاحب الزنج بذلك وجّه طائفة من أصحابه مع زريق «٣» الأصفهانى كمينا في شرفىّ النهر، وطائفة مع شبل وحسين الحمّامى فى غربيّه كمينا، وأمر على بن أبان أن يلقى أهل البصرة وأن يتستر هو ومن معه- بتراسهم، ولا يقاتل حتى يظهر أصحابه، وتقدّم إلى

стр. 9567

الكمينين- إذا جازوهم «١» أهل البصرة- أن يخرجوا ويصيحوا بالناس، وبقى هو في نفر يسير من أصحابه، وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع، فثار أصحابه إليهم وظهر الكمينان من جانبى النهر وراء السفن والرجّالة، فضربوا من ولّى من الرجّالة والنظّارة، فغرقت طائفة وقتلت طائفة وهرب الباقون إلى الشط، فأدركهم السيف فمن ثبت قتل، ومن ألقى نفسه في الماء غرق، فهلك أكثر ذلك الجمع فلم ينج إلا الشريد، وكثر المفقودون من أهل البصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا اليوم يسمى يوم الشذا «٢» - وهو يوم أعظمه الناس، وكان فيمن قتل جماعة من بنى هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى، وجمعت الرؤوس لصاحب الزنج، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين فأعطاهم ما عرفوا، وجمع الرؤوس التى لم تطلب في جريبيّة «٣» وأطلقها، فوافت البصرة فجاء الناس وأخذوا كلّ ما عرفوه منها، وقوى صاحب الزنج بعد هذا اليوم، وتمكّن الرعب في قلوب أهل البصرة وأمسكوا عن حربه، وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان، فوجّه إليهم جعلان التركى مددا، وأمر بالأحوص «٤» الباهلى بالمصير إلى الأبلّة والبا، وأمدّه بقائد من الأتراك يقال له جريح، وانصرف

стр. 9568

صاحب الزنج بأصحابه في آخر النهار إلى سبخة- وهى سبخة أبى قرّة- وبثّ أصحابه يمينا وشمالا للغارة والنهب. ووصل جعلان إلى البصرة في سنة ست وخمسين ومائتين، ونزل بمكان بينه وبين صاحب الزنج فرسخ، وخندق عليه وعلى أصحابه وأقام ستة أشهر في خندقه، وجعل يوجّه الزينبىّ وبنى هاشم ومن خفّ لحرب الزنج، ثم سار جعلان للقائه فلم يكن بينهم إلا الرمى بالحجارة والسهام، ولا يجد جعلان إلى لقائه سبيلا لضيق المكان عن مجال الخيل، وكان أكثر أصحاب جعلان خيّالة، فلما طال مقامه في خندقه أرسل صاحب الزنج أصحابه إلى مسالك الخندق، فبيّتوا جعلان وقتلوا من أصحابه جماعة، وخاف الباقون خوفا شديدا، وكان الزينبىّ قد جمع البلاليّة والسعديّة ووجّه بهم من مكانين، وقاتلوا صاحب الزنج فظفر بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، فترك جعلان خندقه وسار إلى البصرة، وظهر عجزه للسلطان فصرفه عن حرب الزنج، وأمر سعيد الحاجب بمحاربتهم، وتحوّل صاحب الزنج بعد ذلك من السبخة- التى كان فيها- ونزل بنهر أبى الخصيب، وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر، وأخذ منها أموالا عظيمة لا تحصى، وقتل من فيها وأنهبها أصحابه ثلاثة أيام، وأخذ لنفسه بعد ذلك من النهب.

стр. 9569

ذكر دخول الزنج الأبله وفي سنة ست وخمسين ومائتين دخل الزنج الأبلّة، فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأحرقوها، وكان سبب ذلك أنّ جعلان لما تنحّى عن خندقه إلى البصرة ألحّ صاحب الزنج بالغارات على الأبلّة، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر معقل، ولم يزل يحارب إلى يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رجب فافتتحها، وقتل بها الأحوص وعبد «١» الله بن حميد الطوسى وأضرمها نارا، وكانت مبنيّة بالساج فأسرعت النار فيها، وقتل من أهلها خلق كثير، وفرّق الأموال العظيمة، وكان ما أحرقت النار أكثر من الذى نهب. قال: ولما اتصل خبر أهل الأبلّة بأهل عبّادان راسلوا صاحب الزنج في طلب الأمان، على أن يسلّموا إليه البلد، فأمّنهم وسلّموه إليه وأخذ ما فيه من الأموال والسلاح، ففرّقه في أصحابه. ذكر أخذ الزنج الأهواز قال: ولما فرغ صاحب الزنج من الأبلّة وعبّادان طمع في الأهواز، واستنهض أصحابه وسار إليها، فهرب من بها من الجند ومن أهلها ولم يبق إلا القليل، فدخلها وأخربها، وكان بها إبراهيم بن المدبّر يتولى الخراج فأخذوه أسيرا، بعد أن قاتل وجرح ونهب جميع ماله، وذلك

стр. 9570

لإثنتى عشرة ليلة مضت من رمضان من السنة، فخافه أهل البصرة وانتقل كثير من أهلها إلى البلدان. وأما إبراهيم بن المدبّر فإنّ صاحب الزنج وكل به وحبسه في بيت يحيى بن محمد البحراني، فكان به إلى سنة سبع وخمسين ومائتين، فأرغب الموكّلين به بمال فأطلقوه، فخرج هو وابن أخ له ورجل هاشمى ذكر انهزام الزنج من سعيد الحاجب وغلبة الزنج وفي شهر رجب سنة سبع وخمسين ومائتين أوقع سعيد الحاجب بجماعة من الزنج، فهزمهم واستنقذ من معهم، وذلك في خلافة المعتمد على الله بن المتوكل، فكانت المرأة من نساء تلك الناحية تأخذ الزنجى فتأتى به عسكر سعيد فلا يمتنع عليها، ثم عبر سعيد إلى غرب دجلة فأوقع بصاحب الزنج عدّة وقعات، ثم عاد إلى معسكره بهطمة «١» فأقام من ثانى رجب إلى آخر شعبان. ثم أوقع صاحب الزنج بسعيد، وذلك أنّه سيّر إلى سعيد جيشا، فأوقعوا به ليلا وأصابوا مقتلة من أصحاب سعيد، فقتلوا خلقا كثيرا وأحرقوا عسكره، فأمر بالمسير إلى باب الخليفة، وترك بغراج بالبصرة، فسار سعيد من البصرة وأقام بها بغراج يحمى أهلها، فردّ السلطان أمرها إلى منصور بن جعفر الخيّاط بعد سعيد، فجمع منصور الشذا وسار نحو صاحب الزنج، فكمّن له صاحب الزنج كمينا، فلما أقبل خرجوا عليه فقتلوا في أصحابه مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير، فلم يقابله منصور بعد ذلك.

стр. 9571

ذكر انهزام الزنج بالأهواز قال: وفي سنة سبع وخمسين ومائتين أرسل صاحب الزنج جيشا مع على بن أبان ليقطع قنطرة أربك «١» ، فلقيهم إبراهيم بن سيما منصرفا من فارس، فأوقع بهم وهزمهم وقتل منهم وجرح على بن أبان، ثم سار إبراهيم قاصدا نهر جبىّ «٢» ، وأمر كاتبه شاهين بن بسطام بالمسير على طريق آخر، ليوافيه بنهر جبىّ بعد الوقعة، وكان على بن أبان قد سار من الوقعة فنزل الخيزرانيّة، فأتاه رجل فأخبره باقبال شاهين إليه، فسار نحوه فالتقيا وقت العصر بموضع بين جبىّ ونهر موسى، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم صدمهم الزنج صدمة صادقة فهزموهم، وقتلوا شاهين وابن عم له وخلقا كثيرا، فلما فرغ الزنج منهم أتاهم الخبر بقرب إبراهيم بن سيما منهم، فسار علىّ نحوه فوافاه وقت العشاء الآخرة، فأوقع بإبراهيم وقعة شديدة قتل فيها جمعا كثيرا؛ قال على بن أبان: وكان أصحابى قد تفرّقوا بعد الوقعة مع شاهين، ولم يشهد معى حرب إبراهيم غير خمسين رجلا، ثم انصرف على بن أبان إلى جبىّ.

стр. 9572

ذكر أخذ الزنج البصرة وتخريبها قال: وفي شوال سنة سبع وخمسين ومائتين جمع صاحب الزنج أصحابه لدخول البصرة، وتخريبها لضعف أهلها وتفرّقهم، وكان منصور الخيّاط قد أمسك عن حربه بعد تلك الوقعة التى ذكرناها، واقتصر على تخفير القيروانات والسفن، فامتنع أهل البصرة فعظم ذلك على صاحب الزنج، فتقدّم إلى على بن أبان بالمقام بالخيزرانيّة ليشغل منصورا عن تسيير القيروانات، وكان علىّ بنواحى جبىّ والخيزرانيّة، ثم أمر محمد بن يزيد الدارمى- وهو أحد من صحبه بالبحرين- أن يخرج إلى الأعراب فيجمعهم، فخرج إليهم فأتاه منهم خلق كثير فأناخوا بالقندل «١» ، ووجّه إليهم سليمان بن موسى الشّعرانى، وأمرهم بطرق البصرة والايقاع بها ليتمرّن الأعراب على ذلك، ثم انهض علىّ بن أبان وضمّ إليه طائفة من الأعراب، وأمره باتيان البصرة من ناحية بنى سعد، وأمر يحيى بن محمد البحرانى باتيانها من ناحية نهر عدى وضمّ إليه سائر الأعراب، فكان أوّل من واقع أهل البصرة على بن أبان، وبغراج يومئذ بالبصرة في جماعة من الجند، فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس نحوه، وأقبل يحيى بن محمد فيمن معه نحو الجسر، فدخل على بن أبان البصرة وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت، ثم عاد يحيى إلى البصرة يوم الأحد فتلقّاه بغراج في جمع، فردّوه يومه ذلك، ثم غاداهم يوم الإثنين

стр. 9573

فدخل وقد تفرق الجند، وانحاز بغراج ومن معه. ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلّبى فاستأمنه لأهل البصرة فأمّنهم، فنادى منادى إبراهيم: من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبة حتى ملأوا الرحاب، فلما رأى اجتماعهم انتهز الفرصة لئلا يتفرقوا فغدر بهم، وأمر أصحابه بقتلهم فكان السيف يعمل فيهم وأصواتهم مرتفعة بالشهادة، فقتل ذلك الجمع كله ولم يسلم منهم إلا النادر، ثم انصرف يومه ذلك، ودخل علىّ بن أبان إلى الجامع فأحرقه، وأحرقت البصرة من عدة مواضع، واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل، وعظم الخطب وعمّها القتل والنهب والاحراق، وقتلوا كل من رأوه بها، فمن كان من أهل اليسار أخذوا ماله وقتلوه، ومن كان فقيرا قتلوه لوقته، فبقوا كذلك عدة أيام، ثم أمر يحيى أن ينادى بالأمان ليظهروا فلم يظهر أحد، ثم انتهى الخبر إلى صاحب الزنج فصرف على بن أبان عنها، وأقرّ يحيى عليها لموافقته هواه في كثرة القتل، وصرف عليا لابقائه على أهلها، فهرب الناس على وجوههم، وصرف صاحب الزنج جيشه عن البصرة. قال: ولما أخرب البصرة انتمى إلى زيد لمصير جماعة من العلويين إليه، وترك الانتساب إلى عيسى بن زيد، وانتسب إلى يحيى بن زيد، قال القاسم بن الحسن النوفلى: كذب، ابن يحيى «١» لم يعقب غير بنت ماتت وهى ترضع.

стр. 9574

ذكر مسير المولد لحرب صاحب الزنج وانتصار صاحب الزنج وفي ذى القعدة من السنة أمر المعتمد على الله المولّد بالمسير إلى البصرة لحرب الزنج، فسار فنزل الأبلّة فسيّر صاحب الزنج يحيى ابن محمد لحربه، فسار إليه فقاتله عشرة أيام، ثم وطّن المولّد نفسه على المقام، فكتب صاحب الزنج إلى يحيى يأمره بتبييت المولّد، وسيّر إليه أبا الليث الأصفهانى فبيّته، ونهض المولّد فقاتله تلك الليلة ومن الغد إلى العصر، ثم انهزم عنه ودخل الزنج عسكره فغنموا ما فيه، واتبعه يحيى إلى الجامدة فأوقع بأهلها، ونهب تلك القرى وسفك ما قدر عليه من الدماء، ثم رجع إلى نهر معقل. ذكر الحرب بين منصور الخياط والزنج وقتل منصور قال: وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين قتل منصور بن جعفر الخياط، وسبب ذلك أن صاحب الزنج لما فرغ من أمر البصرة أمر على بن أبان بالمسير إلى جبىّ، لحرب منصور بن جعفر وهو يومئذ يلى الأهواز، فأقام بازائه شهرا وكان منصور في قلّة من الرجال، ثم وجّه صاحب الزنج جلّة أصحابه مع أبى الليث الأصفهانى، وأمره بطاعة على بن أبان فلما صار إليه خالفه واستبدّ، وجاء منصور كما كان يجىء للحرب، فتقدّم إليه أبو الليث عن غير إذن علىّ، فظفر به منصور وقتل من الزنج خلقا كثيرا، وأفلت أبو الليث ورجع إلى

стр. 9575

صاحب الزنج، ثم إنّ على بن أبان وجّه طلائع يأتونه بخبر منصور، وأسرى إلى وال كان لمنصور على بعض الأعمال، فقتله وقتل أكثر أصحابه وغنم ما كان معهم ورجع، وبلغ الخبر منصور بن جعفر فأسرى إلى الخيزرانيّة، وخرج إليه على بن أبان فتحاربوا إلى الظهر فانهزم منصور وتفرّق عنه أصحابه، وأدركته طائفة من الزنج فحمل عليهم، وقاتلهم حتى تكسّر رمحة وفنى نشّابه، ثم حمل حصانه ليعبر النهر فوقع في النهر، وسبب وقوعه أن بعض الزنج رآه حين أراد أن يعبر النهر، فألقى نفسه في النهر قبل منصور وتلقّى الفرس حين وثب، فنكص الفرس وسقط منصور في النهر فقتله الأسود وأخذ سلبه، وقتل معه أخوه خلف بن جعفر وغيره من أصحابه. ذكر مسير أبى أحمد الموفق لقتال الزنج وقتل مفلح وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين عقد المعتمد على الله لأخيه أبى أحمد الموفّق على ديار مضر وقنّسرين والعواصم، وخلع عليه وعلى مفلح في شهر ربيع الآخر وسيّرهما لحرب الزنج بالبصرة، وركب المعتمد معه وشيّعه وسار نحو البصرة، ونازل صاحب الزنج، وكان سبب ارساله ما فعله الزنج بالبصرة، فأكبر الناس ذلك وتجهّزوا إليه وساروا في عدة وعدة كاملة، وصحبه من سوقة بغداد خلق كثير، وكان على بن أبان بجبىّ، وسار يحيى بن محمد البحرانى إلى نهر العباس ومعه أكثر الزنوج، وبقى صاحبهم في قلّة من الناس، وأصحابه يغادون البصرة ويراوحونها لثقل ما نالوه منها، فلما نزل عسكر الموفّق

стр. 9576

نهر معقل أجفل من فيه من الزنوج إلى صاحبهم مرعوبين، وأخبروه بعظم الجيش وأنّهم لم يرد عليهم مثله، فأحضر رئيسين من أصحابه فسألهما عن قائد الجيش فلم يعرفاه، فجزع لذلك ثم سيّر إلى على ابن أبان يأمره بالمصير إليه فيمن معه، فلما كان يوم الأربعاء لإثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى أتاه بعض قوّاده، فأخبره بمجىء العساكر وتقدّمهم، وأنّهم ليس في وجوههم من الزنوج من يردّهم، فكذبه وسبّه وأمر فنودى في الزنوج بالخروج إلى الحرب فخرجوا، فرأوا مفلحا قد أتاهم في عسكر فقاتلوه، فبينما مفلح يقاتلهم إذ أتاه سهم غرب، لا يعرف من رمى به، فأصابه فرجع وانهزم أصحابه، وقتل الزنج فيهم قتلا ذريعا، وحملوا الرؤوس إلى صاحب الزنج، واقتسم الزنج لحوم القتلى، وأتى بالأسرى فسألهم عن قائد الجيش فأخبروه أنّه أبو أحمد، ومات مفلح من ذلك السهم ولم يلبث صاحب الزنج إلا يسيرا حتى وافاه على بن أبان، ثم رحل الموفّق إلى الأبلّة ليجمع ما فرّقته الهزيمة ثم صار إلى نهر أبى الأسد «١» . ذكر مقتل يحيى بن محمد البحرانى وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين أيضا أسر يحيى بن محمد البحرانى قائد صاحب الزنج، وكان سبب ذلك أنّه لما سافر نحو نهر العبّاس لقيه عسكر اصفجون «٢» ، عامل الأهواز بعد منصور، فقاتلهم وكان

стр. 9577

أكثر منهم عددا، فنال ذلك العسكر من الزنج بالنشاب وجرحوهم، فعبر يحيى النهر إليهم فانحازوا عنه، وغنم سفنا كانت مع العسكر فيها الميرة، وساروا بها إلى عسكر صاحب الزنج، على غير الوجه الذى فيه على بن أبان لتحاسد كان بينه وبين يحيى، ووجّه يحيى طلائعه إلى دجلة فلقيهم جيش أبى أحمد الموفّق، سائرين إلى نهر أبى الأسد، فرجعوا إلى علىّ فأخبروه بمجىء الجيش، فرجع من الطريق الذى كان سلكه وسلك طريق نهر العبّاس، وعلى فم النهر مراكب تحميه من عسكر الخليفة، فلما رآهم يحيى راعه ذلك، وخاف أصحابه فنزلوا السفن وعبروا النهر، وبقى يحيى ومعه بضعة عشر رجلا، فقاتلهم هو وذلك النفر اليسير فرموهم بالسهام، فجرح ثلاث جراحات فلما جرج تفرّق أصحابه عنه، فرجع حتى دخل بعض السفن وهو مثخن بالجراح، وأخذ أصحاب السلطان الغنائم وأخذوا السفن، وعبروا إلى سفن كانت للزنج فأحرقوها، وتفرّق الزنج عن يحيى في بقيّة نهارهم، فلما رأى تفرّقهم ركب سميريّة وأخذ معه طبيبا لأجل الجراح، وسار فيها فرأى الملّاحون سميريّات السلطان فخافوا فألقوا يحيى ومن معه. فمشى وهو مثقل وقام الطبيب الذى معه فأتى أصحاب السلطان، فأخبرهم خبره فأخذوه وحملوه إلى أبى أحمد، فحمله أبو أحمد إلى سامرّا فقطعت يداه ورجلاه ثم قتل، فجزع صاحب الزنج عليه جزعا شديدا وقال لهم لما قتل يحيى: اشتدّ جزعى عليه فخوطبت أنّ قتله كان خيرا لك، إنّه كان شرها.

стр. 9578

ذكر عود أبى أحمد الموفق الى سامرا واستخلافه محمد المولد على حرب الزنج وفي هذه السنة أيضا انحاز أبو أحمد الموفق إلى واسط، ثم منها إلى سامرّا، وكان سبب ذلك أنه لما صار إلى نهر أبى الأسد كثرت الأمراض في أصحابه وكثر فيهم الموت، فرجع إلى باذاورد فأقام هناك، وأمر باعطاء الجند أرزاقهم واصلاح الآلات والسميريّات وشحنها بالقوّاد، وعاد إلى عسكر صاحب الزنج، وأمر جماعة من قوّاده بقصد مواضع سمّاها من نهر أبى الخصيب وغيره «١» ، وبقى معه جماعة، فمال أكثر، الخلق حتى التقى الناس ونشبت الحرب إلى نهر أبى الخصيب «٢» ، وبقى أبو أحمد في قلّة من أصحابه، فلم يزل عن موضعه خوفا أن يطمع الزنج فيه، ولما رأى الزنج قلّة من معه طمعوا فيه وكثروا عليه، واشتدت الحرب عنده وكثر القتل والجراح، وأحرق أصحاب أبى أحمد منازل الزنوج، واستنقذوا من النساء جمعا كثيرا، ثم ألقى الزنج جدّهم نحوه، فلما رأى أبو أحمد ذلك علم أنّ الحزم في المحاجزة، فأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم على مهل وتؤدة، واقتطع الزنج طائفة من أصحابه فقاتلوهم، فقتلوا من الزنج خلقا كثيرا ثم قتلوا بأجمعهم، وحملت رؤوسهم إلى قائد الزنج، وهى مائة رأس وعشرة أروس، فزاد ذلك في عتوّ صاحب الزنج، فعبىّ أبو أحمد أصحابه للرجوع إلى الزنج، فوقعت نار في أطراف

стр. 9579

عسكره في يوم ريح عاصف، فاحترق كثير منه فرحل «١» إلى واسط، فلما نزل إلى واسط تفرّق عنه عامّة أصحابه، فسار منها إلى سامرّا، واستخلف على واسط لحرب الزنج محمد المولّد، ثم عاد الموفّق بعد ذلك لحرب الزنج، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ذكر دخول الزنج الأهواز ومسير موسى بن بغا لحربهم قال: وفي سنة تسع وخمسين ومائتين في شهر رجب دخل الزنج الأهواز، وذلك أنّ صاحبهم أنفذ على بن أبان وضمّ إليه الجيش، الذى كان مع يحيى البحرانى وسليمان بن موسى الشعرانى، وسيّره إلى الأهواز، وكان المتولى عليها بعد منصور بن جعفر رجلا يقال له اصغجون، فبلغه خبر الزنج فخرج إليهم، والتقى العسكران بدست «٢» ميسان، فانهزم اصغجون وغرق وقتل وأسر خلق كثير من أصحابه، وكان ممّن أسر الحسن بن هرثمة والحسن بن جعفر، وحملت الرؤوس والأعلام والأسرى إلى صاحب الزنج، فأمر بحبس الأسرى، ودخل الزنج الأهواز فأقاموا يفسدون فيها ويعبثون، إلى أن قدم موسى بن بغا. قال «٣» : ولما كان في ذى القعدة أمر المعتمد على الله موسى بن بغا

стр. 9580

بالمسير إلى حرب صاحب الزنج، فسير إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح، وإلى البصرة اسحاق بن كنداجيق، وإلى باذاورد إبراهيم بن سيما، وأمرهم بمحاربة صاحب الزنج، فسار عبد الرحمن إلى محاربة على ابن أبان فتواقعا، فانهزم عبد الرحمن ثم استعدّ وعاد إلى على، فأوقع به وقعة عظيمة قتل فيها من الزنج قتلا ذريعا، وأسر خلقا كثيرا، وانهزم على بن أبان، ثم أراد ردّ الزنج فلم يرجعوا من الخوف الذى دخلهم من عبد الرحمن، فلما رأى ذلك أذن لهم بالانصراف، فانصرفوا إلى مدينة صاحبهم، ووافى عبد الرحمن حصن مهدي ليعسكر به، فسيّر إليه صاحب الزنج علىّ بن أبان فواقعة فلم يقدر عليه، ومضى يريد الموضع المعروف بادركه «١» ، وكان إبراهيم بن سيما بالباذاورد، فواقعه على بن أبان فهزمه علىّ، ثم واقعه ثانية فهزمه إبراهيم، فمضى علىّ بالليل حتى انتهى إلى نهر يحيى، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن فوجّه إليه طاشتمر في جمع من الموالى، فلم يصل إليه لامتناعه بالآجام والقصب والحلافى، فأضرمه عليه نارا فخرجوا هاربين، فأسر منهم أسرى وانصرف أصحاب عبد الرحمن بالأسرى والظفر، ثم سار عبد الرحمن نحو علىّ بن أبان بمكان نزل فيه، فكتب إلى صاحب الزنج يستمده فأمدّه بثلاث عشرة شذاة، ووافاه عبد الرحمن فتواقعا يومهما، فلما كان الليل انتخب علىّ من أصحابه جماعة ممّن يثق بهم، وسار وترك عسكره وأتى عبد الرحمن من ورائه فبيّته، فنال

стр. 9581

منه شيئا يسيرا وانحاز عبد الرحمن، فأخذ علىّ منهم أربع شذوات وأنى عبد الرحمن دولاب فأقام به، وسار طاشتمر إلى علىّ فوافاه وقاتله، فانهزم علىّ إلى نهر السّدره، وكتب طاشتمر يستمد عبد الرحمن ويخبره بانهزام علىّ، فأتاه عبد الرحمن وواقع عليا بنهر السّدرة وقعه عظيمة، فانهزم علىّ إلى صاحب الزنج، وعسكر عبد الرحمن ببيان «١» فكان هو وإبراهيم بن سيما يتناوبان المسير إلى عسكر الزنج فيوقعان به، واسحاق بن كنداجيق بالبصرة، وقد قطع الميرة عن الزنج، فكان صاحبهم يجمعهم يوم محاربة عبد الرحمن وإبراهيم، فإذا انقضت الحرب سيّر طائفة منهم إلى البصرة لقتال اسحاق، فأقاموا كذلك بضعة عشر شهرا، إلى أن انصرف موسى بن بغا عن حرب الزنج، ووليها مسرور البلخى على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى أبو الساج الأهواز وسيّر عبد الرحمن إلى فارس، وأمر أبو الساج بمحاربة الزنج فندب صهره «٢» لمحاربتهم، فلقيه علىّ بن أبان بناحية دولاب، فقتل عبد الرحمن وانحاز أبو الساج إلى ناحية عسكر مكرم، ودخل الزنج الأهواز فقتلوا أهلها وسبوا وأحرقوا، ثم انصرف أبو الساج عما كان وليه من الأهواز وحرب الزنج، ووليها إبراهيم بن سيما فلم يزل بها حتى انصرف عنها مع موسى بن بغا.

стр. 9582

ذكر انتداب أبى أحمد الموفق لحرب الزنج وما شغله عن ذلك واستعماله مسرورا البلخى على حربهم وما كان في خلال ذلك من أخبارهم وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولّى المعتمد على الله أخاه أبا أحمد العهد بعد ابنه جعفر، ولقّبه الناصر لدين الله الموفّق، وولّاه من الأعمال ما قدّمنا ذكره في أخباره الدولة العباسية، وولّى موسى بن بغا إفريقية على ما قدمناه، وأمر المعتمد على الله أخاه الموفّق بحرب الزنج، فولّى الموفّق الأهواز والبصرة وكور دجلة- وذلك من جملة ما هو مضاف إلى ولايته- مسرورا البلخى، وسيّره على مقدمته في ذى الحجة من السنة وعزم على المسير بعده، فحدث من أمر يعقوب بن الليث الصفّار ما منعه عن المسير على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الصفارية، ثم رجع مسرور البلخى لقتال يعقوب، فخلت البلاد من العساكر السلطانية، فبثّ صاحب الزنج سراياه في تلك البلاد تنهب وتحرق وتخرّب، وذلك في سنة اثنتين وستين ومائتين، وأتته الأخبار بخلوّ البطيحة من جند السلطان، فأمر سليمان بن جامع وجماعة من أصحابة بالمسير إلى الحوانيت، وأمر سليمان بن موسى بالمصير إلى القادسية، وقدم أبّا «١» التركى في ثلاثين شذاة يريد عسكر الزنج فنهب وأحرق، فكتب صاحب الزنج إلى سليمان بن موسى يأمره بمنعه من العبور، فأخذ سليمان عليه الطريق، فقاتلهم

стр. 9583

شهرا حتى تخلّص، وانحاز إلى سليمان بن جامع من مذكورى البلاليّة وأنجادهم جمع كثير في خمسين ومائة سميرية، وكان مسرور البلخى قد وجّه قبل مسيره عن واسط جماعة من أصحابة في شذاة إلى سليمان، فأشار الباهليون على سليمان أن يتحصّن في عقر ما وراء «١» طهيثا والأدغال التى فيها، وكرهوا خروجه عنهم لموافقته في فعله وخافوا السلطان، فسار فنزل إليه بقربة مروان بالجانب الشرقى من نهر طهيثا، وجمع إليه رؤساء الباهليين، وكتب إلى صاحب الزنج يعلمه بما صنع، فكتب إليه يصوّب رأيه ويأمره بانفاذ ما عند من ميرة ونعم، فأنفذ ذلك إليه. وورد الخبر على سليمان أنّ أغرتميش وخشيشا قد أقبلا في الخيل والرجال «٢» والسميريات والشذاة يريدون حربه، فجزع جزعا شديدا، فلما أشرفوا عليه ورآهم أخذ جمعا من أصحابه، وسار راجلا واستدبر أغرتميش، وجدّ أغرتميش في المسير إلى عسكر سليمان، وكان سليمان قد أمر الذي استخلفه في جيشه ألّا يظهر منهم أحد لأصحاب أغرتميش، وأن يخفوا أنفسهم ما قدروا إلى أن يسمعوا أصوات طبولهم، فإذا سمعوها خرجوا عليه، وأقبل أغرتميش إليهم فجزع أصحاب سليمان جزعا شديدا فتفرّقوا، ونهضت شرذمة منهم فواقعوهم وشغلوهم عن دخول العسكر، وجاء سليمان من خلفهم وضرب طبوله، وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم، فانهزم أصحاب أغرتميش وظهر من كان

стр. 9584

من السودان بطهيثا، ووضعوا السيوف فيهم فقتل خشيش وانهزم أغرتميش، وتبعه الزنوج إلى عسكره فنالوا حاجتهم منه، وأخذوا شذاوات فيها مال وغيره، فعاد أغرتميش إليهم فانتزعها من أيديهم، وعاد سليمان وقد ظفر وغنم، وكتب إلى صاحب الرنج بالخبر وسيّر إليه رأس خشيش، فسيّره إلى علىّ بن أبان وهو بنواحى الأهواز، وسيّر سليمان سريّة فظفروا باحدى عشرة شذاة وقتلوا أصحابها. ثم كانت للزنج وقعة عظيمة انهزموا فيها في سنة اثنتين وستين أيضا وكانت هذه الوقعة مع أحمد بن ليثويه، وكان سببها أن مسرورا البلخى وجّه أحمد بن ليثويه إلى كور الأهواز، فنزل السوس وكان يعقوب الصفّار- المستولى على خراسان- قد قلّد محمد بن عبيد الله ابن هزار «١» مرد الكردى كور الأهواز، فكاتب محمد قائد الزنج يطمعه في الميل إليه، وأوهمه أنّه يتولى له كور الأهواز، وكان محمد يكاتبه قديما، وعزم على مداراة الصفّار وقائد الزنج، حتى يستقيم له الأمر فيها، فكاتبه صاحب الزنج يجيبه إلى ما سأل، على أن يكون على بن أبان المتولّى للبلاد، ومحمد بن عبيد الله يخلفه عليها، فقبل محمد ذلك، فوجّه إليه على بن أبان جيشا وأمدّهم محمد بن عبيد الله، فساروا نحو السوس فمنعهم أحمد بن ليثويه ومن معه من جند الخليفة عنها، وقاتلهم فقتل خلقا كثيرا وأسر جماعة، وسار أحمد حتى جندى «٢» سابور، وسار على بن أبان من الأهواز منجدا محمد بن

стр. 9585

عبيد الله على أحمد بن ليثويه، فلقيه محمد «١» فى جيش كثير من الأكراد والصعاليك، ودخل محمد تستر، فانتهى إلى أحمد بن ليثويه الخبر بتضافرهما على قتاله، فخرج عن جندى سابور إلى السوس، وكان محمد قد وعد علىّ بن أبان أن يخطب لصاحبه قائد الزنج يوم الجمعة على منبر تستر، فلما كان يوم الجمعة خطب للمعتمد على الله وللصفّار، فلما علم على بن أبان ذلك انصرف إلى الأهواز، وهدم قنطرة كانت هناك لئلا تلحقه الخيل، وانتهى أصحاب علىّ إلى عسكر مكرم فنهبوها، وكانت داخلة في سلم صاحب الزنج فغدروا بها، وساروا إلى الأهواز، فلما علم أحمد ذلك أقبل إلى تستر، فأوقع بمحمد بن عبيد الله ومن معه، فانهزم محمد ودخل أحمد تستر، وأنت الأخبار على بن أبان أنّ أحمد على قصده، فسار إلى لقائه ومحاربته فالتقيا واقتتل العسكران، فاستأمن جماعة من الأعراب، الذين كانوا مع علىّ بن أبان- إلى أحمد بن ليثويه، فانهزم باقى أصحاب علىّ وثبت معه جماعة يسيرة، فاشتد القتال وترجّل على بن أبان وباشر القتال راجلا، فعرفه بعض أصحاب أحمد فأنذر به، فلما عرفوه انصرف هاربا، وأتاه بعض أصحابه بسميريّة فركب فيها ونجا مجروحا، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وعاد إلى الأهواز ولم يقم بها، ومضى إلى عسكر صاحبه يداوى جراحه، واستخلف على عسكره بالأهواز، فلما برئت جراحه عاد إلى الأهواز، ووجّه أخاه الخليل بن أبان في سنة ثلاث وستين ومائتين في جيش كثيف إلى

стр. 9586

أحمد بن ليثويه، وكان أحمد بعسكر مكرم فكمّن لهم أحمد وخرج إلى قتالهم، فالتقى الجمعان واقتتلوا أشد قتال، وخرج الكمين على الزنج فانهزموا وتفرّقوا وقتلوا، ووصل المنهزمون إلى على بن أبان، فوجّه علىّ مسلحة [إلى المسرقان] «١» ، فوجّه إليهم أحمد بن ليثويه ثلاثين فارسا من أعيان أصحابه فقتلهم الزنج جميعهم. ذكر دخول الزنج واسط وما تقدم ذلك من الحروب والوقائع كان دخول الزنج واسط في سنة أربع وستين ومائتين، وذلك أن سليمان بن جامع لما سار إلى البطائح في سنة اثنتين وستين- وكان بينه وبين أغرتميش ما ذكرناه- كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ليحدث به عهدا، فأذن له في ذلك، فأشار عليه الجبّائى «٢» أن يتطرق إلى عسكر تكين البخارىّ، وهو ببردود «٣» ، فقبل قوله وسار إلى تكين، فلما كان على فرسخ منه قال له الجبّائى: الرأى أن تقيم أنت هاهنا، وأمضى أنا في السميريّات فأجرّ القوم إليك فيأتونك وقد تعبوا، فتنال منهم حاجتك، ففعل سليمان ذلك وجعل بعض أصحابه كمينا، ومضى الجبّائى إلى تكين فقاتله ساعة، ثم تطارد لهم فتبعوه،

стр. 9587

فأرسل إلى سليمان يعلمه ذلك، وقال لأصحابه- وهو بين يدى أصحاب تكين شبه المنهزم ليسمع أصحاب تكين قوله- غرّرتمونى وأهلكتمونى!! وكنت نهيتكم عن الدخول هاهنا فأبيتم ولا أرانا ننجو منه!! فطمع أصحاب تكين وجدّوا في طلبه، وجعلوا ينادون «بلبل في قفص» ، فما زالوا كذلك حتى جاوزوا موضع الكمين وقاربوا عسكر سليمان، وقد كمّن أيضا خلف جدر هناك، فخرج سليمان إليهم فقاتلهم، وخرج الكمين من خلفهم، وعطف الجبّائى على من في النهر، فاشتد القتال، فانهزم أصحاب تكين من الوجوه كلها، وركبهم الزنج فقتلوهم وسلبوهم أكثر من ثلاثة فراسخ، وعادوا عنهم، فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم فكبسوهم، فقاتلهم تكين وأصحابه فانكشف سليمان، ثم عبىّ أصحابة وأمر طائفة أن تأتيه من جهة ذكرها بهم، وطائفة من الماء، وأتى هو في الباقين، وقصدوا تكين من جهاته كلها، فعلم يقف من أصحابه أحد، وانهزموا وتركوا عسكرهم فغنم الزنج ما فيه، وعادوا بالغنيمة. واستخلف سليمان الجبّائى على عسكره، وسار إلى صاحبه وذلك فى سنة ثلاث وستين، فلما سار سليمان إلى صاحب الزنج خرج الجبّائى بالعسكر إلى مازروان «١» لطلب الميرة، فاعترضه جعلان فقاتله، فانهزم الجبّائى وأخذت سفنه، وأتته الأخبار أنّ منجور ومحمد ابن على «٢» بن حبيب اليشكرى قد بلعا الحجّاجيّة، فكتب إلى

стр. 9588

صاحبه بذلك، فسيّر إليه سليمان فوصل إلى طهيثا مجدا، وأظهر أنّه يريد قصد جعلان، وقدم الجبّائى وأمره أن يأتى جعلان ويقف بحيث يراه ولا يقاتله، ثم سار سليمان نحو محمد بن على بن حبيب مجدا فأوقع به وقعة عظيمة، وغنم غنائم كثيرة، وقتل أخا لمحمد بن على ورجع، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وستين أيضا. ثم سار في شعبان إلى قرية حسّان، وبها قائد يقال له جيش «١» ابن خمارتكين فأوقع به، فهزمه ونهب القرية وأحرقها وعاد، ثم سار فى شعبان أيضا إلى مواضع فنهبها وعاد، ثم سار في رمضان وأظهر أنّه يريد جعلان بمازروان «٢» ، فبلغت الأخبار جعلان «٣» فضبط عسكره، فتركه سليمان وعدل إلى أبّا فأوقع به وهو غارّ، وغنم منه ست شذاوات، ثم أرسل الجبّائى في جماعة لينهب، فصادفهم جعلان فأخذ سفنهم وغنم منهم، فأتاد سليمان في البرّ فهزمه واستنقذ سفنهم، وغنم شيئا آخر وعاد، ثم سار سليمان إلى الرصافة في «٤» ذى القعدة فأوقع بمطر بن جامع وهو بها، وغنم غنائم كثيرة وأحرق الرصافة «٥» واستباحها، وحمل أعلاما وانحدر إلى مدينة صاحب الزنج، وأقام ليعيّد هناك بمنزله، فسار مطر إلى الحجّاجيّة فأوقع بأهلها وأسر جماعة، وكان بها قاض لسليمان فأسره مطر وحمله إلى واسط، وصار مطر إلى قريب طهيثا ورجع، فكتب الجبّائى إلى سليمان بذلك، فسار نحوه فوافاه لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة ثلاث وستين.

стр. 9589

ثم صرف جعلان ووافاه أحمد بن ليثويه فأقام بالشديديّة، ومضى سليمان إلى تكين في خمس شذاوات، وذلك في سنة أربع وستين، فواقعه تكين بالشديديّة، وكان أحمد بن ليثويه حينئذ قد سار إلى الكوفة، فظهر تكين على سليمان وأخذ الشذاوات بما فيها، وكان فيها صناديد سليمان وقوّاده فقتلهم، ثم إنّ أحمد عاد إلى الشديديّة وضبط تلك الأعمال، حتى وافاه محمد المولّد وقد ولّاه الموفّق مدينة واسط، فكتب سليمان إلى صاحبه يستمده، فأمدّه بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس «١» ، فلما أتاه المدد قصد إلى محاربة محمد المولّد، فأوقع به وهرب المولّد، ودخل سليمان مدينة واسط فقتل فيها خلقا كثيرا ونهب وأحرق، وكان بها كنجور «٢» البخارى، فقاتله يومه إلى العصر ثم قتل، وانصرف سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ويخرّب، فأقام هناك تسعين ليلة. ذكر وقائع كانت بين الزنج وبين أحمد بن ليثويه وتكين البخارى وأغرتميش فى سنة خمس وسنة ست وستين ومائتين وفي سنة خمس وستين كانت وقعة بين أحمد بن ليثويه وبين سليمان بن جامع والزنج بناحية جنبلاء، وسبب ذلك أن سليمان كتب إلى صاحب الزنج، يخبره بحال نهر يسمّى الزهيرى «٣» ويسأله

стр. 9590

أن يأذن في عمله، ويقول إنّه متى أنفذه تهيّأ له حمل ما في جنبلاء وسواد الكوفة، فأنفذ إليه زكرويه «١» لذلك، وأمره بمساعدته والنفقة على عمل النهر، فمضى سليمان فيمن معه وأقام بالشريطيّة نحوا من شهر، وشرعوا في عمل النهر، وكان أصحاب سليمان في أثناء ذلك يتطرّقون إلى ما حولهم، فواقعه أحمد بن ليثويه، وهو عامل الموفّق بجنبلاء، فقتل من الزنوج نيّفا وأربعين قائدا، ومن عامّتهم ما لا يحصى كثرة وأحرق سفنهم، فمضى سليمان مهزوما إلى طهيثا. وفيها سار جماعة من الزنوج في ثلاثين سميريّة إلى جبّل «٢» ، فأخذوا أربع سفن فيها طعام وانصرفوا. وفيها دخل الزنج النّعمانيّة فأحرقوها وسبوا، وصاروا إلى جرجرايا ودخل أهل السودان بغداد. وفيها استعمل الموفّق مسرورا البلخى على كور الأهواز، فولّى مسرور ذلك تكين البخارىّ، فسار تكين إليها، وكان على بن أبان والزنج قد أحاطوا بتستر، فخاف أهلها وعزموا على تسليمها إليهم، فوافاهم تكين وهم على تلك الحال، فواقع على بن أبان حال وصوله، فانهزم على والزنج وقتل كثير منهم وتفرقوا، ونزل تكين تستر. قال: وهذه الوقعة تعرف بوقعة كودك «٣» وهى مشهورة.

стр. 9591

قال: ثم إن عليا قدم عليه جماعة من قوّاد الزنج، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس، فهرب منهم غلام رومى إلى تكين وأخبره بمقامهم بالقنطرة، وتشاغلهم بالنبيذ وتفرّقهم في جمع الطعام، فسار تكين إليهم ليلا فأوقع بهم، وقتل من قوّادهم جماعة وانهزم الباقون، وسار تكين إلى على بن أبان فلم يقف له علىّ وانهزم، وأسر غلام له يعرف يجعفرويه ورجع علىّ إلى الأهواز ورجع تكين إلى تستر، وكتب علىّ إلى تكين يسأله الكفّ عن قتل غلامة فحبسه، ثم تراسل علىّ وتكين ونهاديا، فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين إلى الزنج، فسار حتى وافى تكين وقبض عليه وحبسه حتى مات، وتفرّق أصحاب تكين: ففرقة صارت إلى الزنج، وفرقة صارت إلى محمد بن عبيد الله الكردى، فبلغ ذلك مسرورا فأمّنهم، فجاءه الباقون منهم. قال: وبعض ما ذكرناه كان في ست وستين ومائتين. وفي سنة ست وستين ولى أغرتميش ما كان يتولاه تكين البخارى من أعمال الأهواز، فدخل تستر ومعه أبّا ومطر بن جامع، فقتل مطر جعفرويه- غلام علىّ بن أبان- وجماعة معه كانوا مأسورين، وساروا إلى عسكر مكرم، وأتاهم الزنج هناك مع على بن أبان فاقتتلوا، فلما رأوا كثرة الزنج قطعوا الجسر وتحاجزوا، ورجع علىّ إلى الأهواز وأقام أخوه الخليل بالمسرقان في جماعة كثيرة من الزنج، وسار أغرتميش ومن معه نحو الخليل، ليعبروا إليه من قنطرة أربك، فكتب إلى أخيه علىّ فوافاه في النهر، وخاف أصحابه الذين خلفّهم بالأهواز فارتحلوا إلى نهر السّدرة، وتحارب علىّ وأغرتميش يومه، ثم انصرف علىّ إلى الأهواز فلم يجد أصحابه، فرجّه من يردّهم من نهر السدرة،

стр. 9592

فعسر عليهم ذلك فتبعهم وأقام معهم ورجع أغرتميش، فنزل «١» عسكر مكرم واستعد لقتالهم، وبلغ ذلك أغرتميش «٢» ومن معه من عسكر الخليفة، فساروا إليه فكمّن لهم علىّ، وقدّم الخليل إلى قتالهم فاقتتلوا، فكان أوّل النهار لأصحاب الخليفة، ثم خرج عليهم الكمين فانهزمو وأسر مطر بن جامع وعدّة من القوّاد، فقتله علىّ بغلامه جعفرويه وعاد إلى الأهواز، وأرسل رؤوس القتلى إلى صاحب الزنج، وكان علىّ وأغرتميش بعد ذلك في حروبهم على السواء، وصرف صاحب الزنج أكثر جنوده إلى علىّ بن أبان، فلما رأى ذلك أغرنميش وادعه، وجعل علىّ يغير على النواحى، فأغار على قرية بيروذ ونهبها، ووجّه الغنائم إلى صاحبه. ذكر دخول الزنج رامهرمز وفي سنه ست وستين ومائتين دخل علىّ والزنج رامهرمز، وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله كان يخاف علىّ بن أبان، لما في نفس علىّ منه لما ذكرناه، فكتب إلى انكلاى ابن صاحب الزنج، وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علىّ عنه ويكون إلى نفسه، فزاد ذلك غيظ علىّ منه، وكتب إلى صاحب الزنج بالايقاع بمحمد، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته بالخراج، فأذن له فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج، فمطله ودافعه فسار إليه علىّ وهو برامهرمز، فهرب محمد عنها ودخلها علىّ والزنج فاستباحها، ولحق محمد بأقصى معاقله، وانصرف علىّ غانما، وخاف

стр. 9593

محمد فكتب إليه يطلب المسالمة، فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه، فحمل إليه مائتى ألف درهم فأنفذها إلى صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله. وفيها كانت وقعة للزنج انهزموا فيها، وكان سببها أن محمد بن عبيد الله كتب إلى علىّ بن أبان بعد الصلح يسأله المعونة على طائفة من الأكراد، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب علىّ إلى صاحبه يستأذنه، فكتب إليه أن: وجّه إليه جيشا وأقم أنت، ولا تنفذ حتى تستوثق منه بالرهن، ولا تأمن غدره والطلب بثأره، فكتب علىّ إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن، فبذل له اليمين ومطله بالرهائن، فلحرص علىّ على الغنائم أنفذ إليه جيشا، فسير محمد معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم ونشبت الحرب، فتخلى أصحاب محمد عن الزنج فانهزموا، وقتلت الأكراد منهم خلقا كثيرا، وكان محمد قد أعدّ لهم من يتعرض لهم إذا انهزموا، فأوقعوا بهم وسلبوهم وأخذوا دوابّهم، ورجعوا بأسوأ حال، فكتب علىّ إلى صاحب الزنج يعرّفه فقال: ضيّعت أمرى في ترك الرهائن، وكتب إلى محمد يتهدّده فخاف محمد، وكتب يخضع ويذل وردّ بعض الدواب، وقال: إنّنى كبست من كانت عندهم، وخلّصت هذه منهم، فأظهر صاحب الزنج الغضب عليه، فأرسل محمد إلى بهبوذ ومحمد بن يحيى الكرمانىّ، وكان أقرب الناس إلى علىّ، فضمن لهما ما لا إن أصلحا له عليا وصاحبه ففعلا ذلك، وأجابهما صاحب الزنج بالرضا عن محمد، على أن يخطب له على منابر بلاده، فأعلما محمدا ذلك فأجابهما إلى جميع ما طلبا، وجعل

стр. 9594

براوغ في الدعاء له على المنابر، ثم إنّ عليا استعدّ لمتّوث وسار إليها فلم يظفر بها، فرجع وعمل السلاليم والآلات التى يصعد بها إلى السور، واستعدّ لقصدها فعرف ذلك مسرور البلخى، وهو يومئذ بكور الأهواز، فلما سار علىّ إليها سار إليه مسرور، فوافاه قبل المغرب وهو نازل عليها، فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح هزيمة، وتركوا ما كانوا أعدّوه وقتل منهم خلق كثير، وانصرف علىّ مهزوما، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتته الأخبار باقبال الموفّق، ولم يكن لعلىّ بعدها وقعة، حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على الموفّق؛ على ما نذكره إن شاء الله، فكتب إليه صاحبه يأمره بالعود إليه ويستحثه حثا شديدا. ذكر مسير أبى العباس بن الموفق وهو المعتضد بالله الى حرب الزنج وانتزاعه عامة ما كان بيد سليمان ابن جامع والزنج من أعمال دجلة كان مسيره لذلك في سنة ست وستين ومائتين، وسبب ذلك أن الزنج لما دخلوا واسط وفعلوا بها ما فعلوا- واتصل ذلك بالموفّق- أمر ابنه أبا العباس بتعجيل المسير بين يديه، إليهم، فسار في شهر ربيع الآخر وشيّعه أبوه، وسيّر معه عشرة آلاف من الرجّالة والخيّالة فى العدّة الكاملة، وأخذ معه الشذاوات والسميريّات والمعابر للرجّالة، فسار حتى وافى دير العاقول، وكان على مقدمته في الشذاوات نصير المعروف بأبى حمزة، فكتب نصير إليه يخبره أنّ سليمان بن جامع قد وافى خيله ورجله وشذاوات وسميريّات- والجبّائى على مقدمته، حتى

стр. 9595

نزل الجزيرة فحصر بردودا «١» ، وأنّ سليمان بن موسى الشعرانىّ قد وافى الصلح، ووجّه طلائعه ليعرف أخبارهم، فعادوا وأعلموه موافاة الزنج وجيشهم، وأن أوّلهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط. قال: وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا: إن العباس فتى حدث غرّ بالحرب، والرأى لنا أن نرميه بحدّنا كلّه، ونجتهد فى أول مرّة نلقاه فلعلّ ذلك يروعه فينصرف عنّا، فجمعوا وحشدوا، فلما علم أبو العباس قربهم عدل عن سنن الطريق واعترض في مسيره، ولقى أصحابه أوائل الزنج فتطاردوا لهم حتى طمعوا فيهم وتبعوهم، وجعلوا يقولون: اطلبوا أميرا للحرب فإنّ أميركم قد اشتغل بالصيد، فلما قربوا منه خرج عليهم فيمن معه، وصاح بنصير إلى أين يتأخر عن هذه الأكلب، فرجع نصير، وركب أبو العباس سميريّة وحفّ به أصحابه من جميع الجهات، فانهزمت الزنج وكثر القتل فيهم، وتبعوهم إلى أن وصلوا قرية عبد الله، وهى على ستة فراسخ من الموضع الذى لقوهم به وأخذوا منهم خمس شذاوات وعدّة سميريّات، وأسر جماعة واستأمن جماعة، فكان هذا أول الفتح. فسار سليمان بن جامع إلى نهر الأمير، وسار سليمان الشعرانىّ إلى سوق الخميس، وانحدر أبو العباس فأقام بالعمر، وهو على فرسخ من واسط، وأصلح شذاواته وأخذ يراوح القوم القتال ويعاديهم، ثم إن سليمان استعدّ وحشد وجعل أصحابه في ثلاثة أوجه، وقالوا إنّه
следующие страницы →