← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

فهذه درجة أخرى قرّرها الداعى عند المدعو نبوّة نبىّ بعد محمد ﷺ ، وسهّل بها النقل عن شريعة، وأخرج بها المدعو إليها عما هو معلوم عند كل سامع لدعوة رسول الله ﷺ من أنّ من دينه وما علم من مذهبه ونحلته أنّه خاتم الرسل وأنّه لا نبىّ بعده، وأنّ دولته مبقاة وشريعته مفترضة أبدا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالعلم بذلك من ديانته وما عرف من مذهبه، وأنّ أمّته بلّغت عنه ذلك وفهمته، وأنّ من مفهوم شريعته أنّه لم يكن يجوز لأحد نبوّة غيره، فى وقته ولا فيما بعده، فكانت هذه الدعوة أوّل ما أخرج الداعى بها المدعوّ عن شريعة رسول الله ﷺ وأدخله في جملة الكفّار المرتدّين عن شريعته، وهو مع هذا لا يعد؟؟؟ ما خرج منه ولا دخل فيه. ذكر صفة الدعوة الخامسة قال: اعلم أنّه من يحصل على ما قدّمنا ذكره يحصل عليه، وقد؟؟؟ مهد له بطريق تعظيم الأعداد، ووكد بذكر الطبائع في أبنية العالم، وأمور كثيرة سيأتى ذكرها في المقالة الثامنة، كلها مبيّنة، على مذاهب مدخولة وأمور فاسدة مرذولة، مذاهب كثير من الملحدين المتفلسفة، مع اطّراح ما نقلت الأمّة، والاستخفاف بحال الشريعة، والاعتقاد لتعظيم الشيعة، والانتظار لفسخ ما ورث عن النبوّة، وتوقّع أمور باطنة بخلاف ما ألف من علم الظاهر، وقلّة احتفال بدلالة ظاهر القرآن وغيره من الكلام، على الأمور بحقائق اللغة العربية واقتفاء أثر العرب في أوضاع كلامهم، مع نمقيت العرب ومع تحبيب

стр. 9662

دناءة العجم، ويوهم أن العرب للعجم أعداء وظالمون وأنّهم لملكهم مغتصبون، هذا يقال للمدعوّ إذا كان أعجميا، فإن كان أعرابيا خوطب في حال دعوته: بأنّ العجم غلبوا على دعوته وفازوا بمملكته، وأنّ له الاسم ولهم الدنيا، وأنّه أحقّ بذلك منهم وأولى، فى أمور من هذا يطول وصفها بحسب ما يتخرّج للداعى فيها. ثم يمكن عنده طرفا من الهندسة في الأشكال، ويعرف أنّ طبائع الأعداد في النظام، لأمر يستخرج منه علوم الأئمة، والطريق إلى علم الإله والنبوّة، ويقرّر عنده أنّ مع كل إمام حججا متفرقين في الأرض وأنّ عددهم في كل زمان اثنا عشر رجلا، كما أن عدد الأئمة سبعة، وأن دلالة ذلك ظاهرة وحجّته قاهرة، بأن تعلم بأنّ الله جلّ وعزّ لا يخلق الأمور مجازفة على غير معان توجبها الحكمة، وإلا فلم خلق النجوم، التى فيها قوام العالم سبعة؟ وجعل السماوات والأرضين سبعة؟ وأمثال هذا وبالغوا، وكذلك الإثنا عشر حجّة، عدد البروج المعظّمة، وعدد الشهور المعروفة، وعدد النقباء من بنى اسرائيل، ونقباء النبى ﷺ من الأنصار، وفي كفّ الإنسان أربعة أصابع في كل إصبع ثلاثة شقوق تكون اثنى عشر شقا، وفي كل يد ابهام فيها شقّان بها قوام جميع كفّه، وسداد أصابعه ومفاصله، فالبدن كالأرض، والأصابع كالجزائر الأربع، والشقوق كالحجج فيها، والإبهام كالذى يقوم الأرض بعد ما فيها، والشقّان فيها الإمام وسوسه لا يفترقان، ولذلك صار في ظهر الإنسان اثنتا عشر خرزة كالحجج، وفي عنقه سبعة عالية كالأنبياء والأئمة، وكذلك حال السبعة الأنقاب في وجه الإنسان العالية على بدنه، فى أمثال لهذا كثيرة، يحصلون بها

стр. 9663

المدعوّ على الأنس بتمهيد طريق للخروج عن أحوال الأنبياء وشرائعهم والعدول عن ذلك إلى أمور الفلاسفة في ترتيب شبههم أبدا، ما رأوا أنّ هناك بقيّة من دين. ذكر صفة الدعوة السادسة قال الشريف ﵀: اعلم أنّهم إذا مكّنوا ما وصفنا وأحكموه ووثقوا لمساكنة المدعوّ أخذوا في تفسير معانى الشرائع بغير ما يدين به أهلها وسهّلوا عليه العدول عنها، فرتّبوا له معانى الصلاة والزكاة والحجّ والإحرام والطهارة وسائر الفرائض، على أمور سيأتى وصفها في المقالة الثامنة، على أنّ ذلك يكون تفسيره على إحكام وتمهيد بغير مجازفة ولا استعجال، فيحصل أولا على معنى: أنّ ذلك وضع دلالة على أمور نذكرها وننبّه عليها، فإذا قوى الانسلاخ من جملة الأمّة في نفسه، وسهل عليه طريق العدول عمّا هى عليه، لم يحتشم حينئذ أن يجعل ذلك موضوعا على جهة الرموز، إلى فلسفة من الأنبياء والأئمة، وسياسة للعامّة للجياشة إلى منافعهم في ذلك، وفي شغل بعضهم عن البغى على بعض أو عن الفساد في الأرض، مع إظهار تعظيم الناصبين لذلك، وأنّهم أهل الحكمة فيما رتّبوه منه، وإذا تمكّن أيضا في نفسه ما بدأنا بذكره- نقلوه إلى التمييز بين الأنبياء وبين أفلاطون «١» وأرسطوطاليس «٢» وغيرهما، وحسّنوا عنده أشياء من حكمهم، وعادوا على ناصب هذه الشرائع بالاستخفاف والمذمّة والاستحقار

стр. 9664

والطعن واللائمة، فيأتى ذلك على قلوب قد فرغت له، وسهل عليها فلم تنكره، ورأته مما بدأت به في تأنيسها. ذكر صفة الدعوة السابعة قال ﵀: اعلم أنّه متى أنس المدعو، بما ذكرناه كلّه أو بكثير منه، وقوى في نفس الداعى أنّه يصلح لما بعد هذا، إن كان الداعى بالغا، وبأغراض الدعوة عالما، وإلى التبليغ بمن يدعوه إلى هذه الأمور قاصدا- أتى بما نذكر؛ وأمّا إن كان الداعى مخدوعا ومتّخذا كالآلة ليتوصل به إلى التكسّب، ويمهدّ به الطريق ويرتّب، وهو غير بالغ إلى أعلى الرتبة في دعوة دون ذلك، فإنّه غافل لا يدرى كيف قصّته، ولا يظنّ أنّ الأمر الذي يراد به إلا ما عرفه وبلغه، أو ما يجانسه ويقاربه، فإذا أراد الداعى أن يسلك بالمدعو فوق ما وصفنا قال له: قد صحّ لك أنّ صاحب الدلالة الناصب للشريعة لا يستثنى بنفسه، ولا بدّ له من صاحب معه يعبّر عنه، ليكونا اثنين أحدهما هو الأصل والآخر عنه كان. واعلم أنّ ذلك لم يحصل في العالم السفلى إلا وقد يحصل مثله في العالم العلوى، فمذ بدء العالم اثنان هما أصل الترتيب وقوام النظام، أحدهما هو الأعلى والمفيد، والآخر هو الآخذ عنه المستفيد، وربما أنسوه في ذلك بأن يقولوا له: هذا هو الذى أراده الله بقوله (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» ، وكن هو الأكبر

стр. 9665

فى الرتبة، وأما الثانى فهو القدر الذى قال (الله) فيه (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) «١» ، وربما قالوا: هذا معنى ما تسمعه مما جاءت به الملّة، من أنّ أوّل ما خلق الله اللوح والقلم، وقال للقلم اكتب ما هو كائن، واللوح والقلم هما ما ذكرنا، وربما قالوا: هذا معنى قول الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) «٢» ، فسلك به فى هذا الطريق العدول عن التوحيد، وأنّ الصانع اثنان، وإن كان عندهم صنع الأجسام على جهة المثل والنظام، لا على معنى الاختراع والإحداث، وسيأتى ذلك وبيانه، وإنّما قدّم هذا تمهيدا له. ذكر صفة الدعوة الثامنة قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: اعلم أنّهم إذا رتّبوا ما ذكرنا قرّروا عند المدعوّ أنّ أحد المدبرين أسبق من الآخر في الوجود وأعلى منه في الرتبة، وأنّ الآخر مخلوق منه وكائن به، ولولاه لم يكن وأنّه كوّنه من نفسه، وأنّ السابق أنشأ الأعيان، والثانى صوّرها وركّبها، ثم ذكروا له منزلة السابق، وأنّ السابق كان عمّن كان منه، كما كان الثانى عن السابق، إلّا أنّ الذى كان عنه السابق لا اسم له ولا صفة ولا ينبغى لأحد أن يعبّر عنه ولا أن يعبده، فإذا بلغ هذه الرتبة سارعوا: إلا أنّ في الأسباب التى كان لها عندهم السابق عمّن كان منه ممّن لا اسم له ولا صفة، ما هو؟ وهل هو باختيار أم بغير اختيار؟ وكذلك الحال التى كان لها الثانى عن، السابق [اختلافا] ، فذهب

стр. 9666

بعضهم إلى أنّ ذلك كان لفكرة عرضت لمن كان عنه السابق، فجاء منها السابق، ثم عرضت فكرة للسابق فجاء منها الثانى، على نحو ما يقوله بعض المجوس في توليد، اتفق واهرمن «١» الذى هو الشيطان- عن القديم، وأنّ ذلك بفكرة وقعت رديّة ولدته؛ وربما قال بعضهم إنّ تلك الفكرة، لأنّ الذى لا صفة له فكّر: أقدر أخلق مثلى أم لا؟ وكان من ذلك أن تصوّر التالى، ثم فكّر التالى في ذلك فلم يأت بمثله، فى أنحاء من هذه الأمور التى سيأتى وصفها، ممّا يخرج به قائلوه عن كل ديانة دان بها أحد من أهل الشرائع، التى ينعقد معها نبوّة وشريعة ولا يكون إلا مع دهريّة أو ثنويّة «٢» . ثم رتّب هولاء أنّ التالى يدأب في أعمال منه، حتى يلحق بمنزلة السابق «٣» ، وأنّ «٤» الناطق في الأرض يدأب في أعماله حتى يلحق بمنزلة التالى «٥» ، فيقوم مقامه فيكون بمنزلته سواء، وأنّ السّوس يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة الناطق سواء، وأنّ الداعى يدأب في أعماله حتى يبلغ منزلة السّوس وحاله سواء، وأن هكذا تجرى أمور العالمين في أدواره وأكواره، في أمثال لهذا. ثم قرّر عنده أنّ القول في معنى النبىّ الصادق الناطق ليس يجرى

стр. 9667

على ما يقوله أهل الشرائع، من أنّه جاء بمعجزات ودلالات خارجة عن أحوال العادات، وأنّ معنى ذلك إنّما هو يأتى بأمور تنتظم بها السياسة ووجوه الحكمة، وترتّب بها الفلسفة، ومعان تنبىء «١» عن حقائق ابتداء السماوات والأرض، وبدأتها على حقائق الأمور إمّا برموز وإمّا بإفصاح، وتنظيم ذلك شريعة يقتفى عليها الناس، ورتّب له أمر القرآن، وما معنى كلام الله، بخلاف ما يدين به أهل الكتب، ورتّب له أمر القيامة وتقضّى أمر الدنيا وحصول الجزاء من الثواب والعقاب، على أمور ليست ممّا يعتقده الموحّدون في شىء، بل ذلك على معان أخر، من تقلّب الأمور وحدوث الأدوار عند انقضاء الكواكب وعوالم جماعتها، والقول في الكون والفساد على ترتيب الطبائع، على أمور كلها سيأتى شرحها إن شاء الله تعالى. ذكر صفة الدعوة التاسعة قال: اعلم أنّه إذا حصل المدعوّ على ما ذكرنا أحيل حينئذ على طلب الأمور وتحقيقها وحدودها والاستدلال عليها من طرق المتفلسفة وادراكها من كتبهم، وجعلوا ما قدّموه سابقا له على طرائقهم، واستنباط ما خفى عنهم وبنوه على علم الأربع طبائع، التى هى استقصّات وأصول الجواهر عندهم، وعلى ترتيب القول في الفلك والنجوم والنفس والعقل وأمثال ذلك فيما هو معروف، فيحصل الآن البالغون إلى هذه الرتب على أحد هذه الوجوه، التى يعتقدها بعض

стр. 9668

أهل الإلحاد ممّن يدين بقدم أعيان الجواهر، ويصير ما قدم من ذكر الحدث والأصول رموز إلى معانى المبادى، وتقلّب الجواهر وحدوث الأمور التى يكون لها على أحوال وأحكام، وعلى نحو تنزيل كثير منهم لحال العقل من حال النفس وحال الفلك من حال العقل، وحال الطبائع والأعراض من حال النفس والعقل، وحال المنقلب بالكون والفساد وما يكون من حال الهيولى بتقلّب الأعراض المختلفة «١» وترتيب العناصر، والقول في العلّة: هل تفارق المعلول أم لا؟ وإقرار بعضهم بصانع لم تزل معه العناصر والمبادىء أوّلا، وما هى تلك الأمور وكيف حدودها، وما يصحّ من صفاتها والأسباب التى تعلم بها، فربّما صار البالغ في النظر في هذا إلى اعتقاد مذهب مانى وابن ديصان، وربما صار إلى مذهب المجوس، وربما دان بما يحكى عن أرسطاطاليس، وربما صار إلى أمور تحكى عن أفلاطون «٢» ، وربما اختار من تلك معانى مركبة من هذه الأمور، كما يجرى كثير من هؤلاء المتحيّرين. قال: وجميع ما وصفنا من التدريج بالمقدّمات إنما يحصل الانسلاخ من شرائع أهل الكتب والنبوّة فقط، وجميعها يصلح أن تجعل تمهيدا ورموزا إلى جميع هذه المذاهب التى ذكرناها، وتجتذب بألفاظها إليها بالتأويل بحسب ما يريد المعتقد، لما شاء منها ممّا سنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى. قال: وأمّا سلخه من جميع ما تقدم «٣» عليه من أمر الإمامة والنبوّة

стр. 9669

فإنّه أوّلا يجعل عنده منازل، جميعهم منقوصة غير منزلة محمد بن إسماعيل صاحب الدور الآخر، ويرتّب له أنّ جميعهم لا يأتى بوحى من الله ، ولا معجزة كما يقول الظاهرية، وإنما يختص بالصفا فيلقى في فهمه ما يريد الله، فيكون ذلك كلاما، ثم يجسّده النبى ويظهره للخلق، وينظّم الشرائع بحسب المصالح في سياسات الناس ثم يؤمر بالعمل بذلك مدّة، ثم يترك إلى أن يؤمر بذلك، يستدعى بها الناس، لا لأنّها تجب على أهل المعرفة بأعراضها وأسبابها ثم يقال له بعد ذلك إنّما هى آصار وأثقال حملها الكفار، وكذلك سائر المحرّمات، ثم يلقّن أنّ إبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء أنبياء سياسات وشرائع، فأما أنبياء الحكمة فإنّ هؤلاء أخذوا عنهم كافلاطون وأمثاله من الفلاسفة، فبنوا شرائعهم ليوصلوا بها العامّة إلى علومهم؛ ثم يقال له: انظر أيهما أحكم، فلان النبى أو فلان؟ ثم يلقّن أن في بعض أحكامهم اختلالا وفسادا، ثم يلقن البراءة منهم وسوء سيرتهم، وأنّهم قتلوا النفوس، وأمثال هذا. ويلقّن في محمد بن إسماعيل بن جعفر أنّه سيظهر، ثم يقال له بعد ذلك: إنما يظهر في العالم الروحانى إذا صرنا إليه، أما الآن فإنما يظهر أمره على ألسن أوليائه، ثم يلقّن أنّ الله أبغض العرب لما قتلت الحسين بن على فنقل خلافة الأئمة عنهم كما نقل النبوّة عن بنى إسرائيل لما قتلوا الأنبياء، ولا يقوم بخلافة الأئمة إلا أولاد كسرى، فيكون ذلك غاية ما يقدّموه في هذا الباب كلّه متى استوى لهم، فإن لم يتمّ له ذلك مع الدعوة تركه في أى منزلة نزلها، مستعيذا «١» بهذه الوجوه.

стр. 9670

قال: ثم اعلم- رحمك الله- أنّ هذا الترتيب والتخريج والتنزيل إنّما كانت الدعاة [عليه] عند اجتماعها على مبتدأ الدعوة، والانعقاد على طلب الغوائل للمسلمين، فيها اتفقوا على جملة منها وأصولها، وفتحوا بالفكر طريقها، ومهّدوه على معنى ما ذكرناه، وتفرّقوا في البلدان، وتمهيدهم بحسب أفكارهم واجتهادهم في الحيلة على المستمع، وتميّزوا في ذلك وتمكّنوا منه في طول الأيّام، سيّما مذ قويت أحوال الجنّابى على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخباره. قال: فقد بيّنا خبر هذه الدعوة وكيف جرى أمرها، وكيف يسلك بالمخدوع كل مسلك، حتى يصير إلى التعطيل والإباحة، فهذا أصل هذه الدعوة الملعونة وما أسّست عليه قديما، ثم تغيّرت وتفرّعت منذ انتشرت ببلاد المغرب ومصر والشام، وجعلوا منها طرقا وأبوابا، فمنها علم القوت «١» وعلم الكفاف وبلاغات مفصّلة، وبطل الترتيب الأول الذى وصفنا: من أنّ الدعوة كانت إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، فصار موضعه من يكون من ولد عبيد الله بن ميمون القدّاح، الذين ملكوا المغرب ومصر والشام، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبارهم، ولنصل هذا الفصل بذكر العهد الذى يحلفون به.

стр. 9671

ذكر العهد الذى يؤخذ على المخدوعين في مبدأ الدعوة الخبيثة قال الشريف: يقول الداعى لمن يأخذ عليه العهد: جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته، وذمّة رسول الله ﷺ وأنبيائه وملائكته ورسله، وما أخذه على النبيّين من عهد وعقد وميثاق أنّك تستر جميع ما تسمعه وسمعته، وعلمته، وتعلمه، وعرفته وتعرفه من أمرى وأمر المقيم بهذا البلد لصاحب الحق الإمام، الذى عرفت إقرارى له: ونصحى لمن عقد ذمته، وأمور إخوانه وأصحابه وولده وأهل بيته المطيعين له على هذا الدين ومخالصته له، من الذكور والإناث والصغار والكبار، فلا يظهر من ذلك قليلا ولا كثيرا ولا بشىء يدل عليه، إلا ما أطلقت لك أنّك تتكلم به، أو أطلقه صاحب الأمر المقيم بهذا البلد، فتعمل في ذلك بأمرنا ولا تتعدّاه ولا تزيد عليه، وليكن ما تعمل عليه قبل العهد بقولك وفعلك: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله، وتشهد أنّ الجنّة حق وأنّ النار حق، وأنّ الموت حق وأنّ البعث حق وأنّ الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وتقيم الصلاة لوقتها، وتؤتى الزكاة يحقّها، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت الحرام، وتجاهد في سبيل الله حق جهاده، على ما أمر الله به رسوله ﷺ ، وتوالى أولياء الله وتعادى أعداء الله وتقول بفرائض الله وسننه وسنن نبيّه ﷺ وعلى آله الطاهرين، ظاهرا وباطنا وعلانية وسرا وجهرا، فإنّ ذلك يؤكد

стр. 9672

هذا العهد ولا يهدمه، ويثبته ولا يزيله، ويقرّبه ولا يباعده، ويشدّه ولا يضعفه، ويوجب ذلك ولا يبطله، ويوضحه ولا يعميه، كذلك هو في الظاهر والباطن، وسائر ما جاء به النبيون من رتبهم صلوات الله عليهم أجمعين، على الشرائط المبينة في هذا العهد. وجعلت على نفسك الوفاء بذلك- قل نعم، فيقول المغرور: نعم، ثم يقول له: والصيانه له بذلك وأداء الأمانة له على ألا تظهر شيئا أخذ عليك في هذا العهد- في حياتنا ولا بعد وفاتنا، ولا على غضب ولا على حال رضى، ولا على حال رغبة ولا رهبة، ولا على حال شدّة ولا على حال رخاء ولا على طمع، ولا على حال حرمان، تلقى الله على الستر لذلك والصيانة له- على الشرائط المبيّنة في هذا العهد. وجعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمة رسوله ﷺ وعلى آله أن تمنعنى وجميع من أسمّيه معى لك وأثبته عندك، ممّا تمنع منه نفسك، وتنصح لنا ولوليّك- ولىّ الله- نصحا ظاهرا وباطنا، فلا تخن الله ووليّه، ولا تخنّا ولا أحدا من إخواننا وأوليائنا، ومن تعلم أنه منّا بسبب، في أهل ولا مال ولا رأى ولا عهد ولا عقد تتأوّل عليه بما تبطله. فإن فعلت شيئا من ذلك- وأنت تعلم أنّك قد خالفته، وأنت على ذكر منه- فأنت برى من الله خالق السموات والأرض، الذى سوى خلقك وألّف تركيبك وأحسن إليك في دينك ودنياك وآخرتك، وتبرأ من رسله الأولين والآخرين وملائكته المقرّبين الكروبين والروحانيّين،

стр. 9673

والكلمات التامّات والسبع المثانى والقرآن العظيم، وتبرأ من التوراة والإنجيل والزبور والذكر الحكيم، ومن كل دين ارتضاه الله في مقدم الدار الآخرة، ومن كل عبد رضى الله عنه، وأنت خارج من حزب الله وحزب أوليائه، وخذلك الله خذلانا بيّنا، فعجّل لك بذلك النقمة والعقوبة والمصير إلى نار جهنّم، التى ليس فيها رحمة وأنت برىء من حول الله وقوّته، ملتجأ إلى حول نفسك وقوّتها، وعليك لعنة الله التى لعن بها إبليس، فحرم عليه بها الجنّة وخلّده النار. إن خالفت شيئا من ذلك لقيت الله يوم تلقاه وهو عليك غضبان، ولله عليك أن تحجّ إلى بيته الحرام ثلاثين حجة نذرا واجبا، ماشيا حافيا، لا يقبل الله منك إلا الوفاء بذلك؛ وإن خالفت ذلك فكلّ ما تملكه في الوقت الذى تخالف فيه فهو صدقة على الفقراء والمساكين، الذين لا رحم بينك وبينهم، لا يأجرك الله عليه، ولا يدخل عليك بذلك منفعة، وكل مملوك لك- من ذكر أو أثنى- في ملكك وتستعبده إلى وقت وفاتك، إن خالفت شيئا من ذلك، فهم أحرار لوجه الله ، وكل امرأة لك وتتزوّجها إلى وقت وفاتك- إن خالفت شيئا من ذلك- فهنّ طوالق ثلاثا بتّة، طلاق الحرج والسّنة لا مثنويّة لك فيها ولا اختبار ولا رجعة ولا مشيئة، وكلّ ما كان لك من أهل ومال وغيرهما فهو عليك حرام، وكل ظهار فهو لازم لك. وأنا المستخلف لك لإمامك وحجّتك، وأنت الحالف لهما وإن نويت أو عقدت أو أضمرت خلاف ما أحملك عليه وأحلّفك به، فهذه اليمين من أوّلها إلى آخرها محدّدة عليك لازمة لك، لا يقبل الله

стр. 9674

منك إلا الوفاء بها، والقيام على ما عاهدت بينى وبينك، قل نعم، فيقول المخدوع: نعم. فهذه اليمين التى يؤنس بها المخدوع من ذكر الصلاة والصيام والزكاة والحج وشرائع الإسلام، فما ينكر شيئا مما يسمع، وكل ذلك تأنيس ما «١» يتوصل به إلى هذه الأمور، التى تقدّم ذكرها على التدريج. قال الشريف رحمه الله تعالى: ووجدت في كتاب من كتبهم يعرف بكتاب السياسة ما يشرح به ذكر ما تقدم من أمر الدعوة، فيه وصايا الدعاة، وهذا مختصر منه يقول فيه: من وجدته شيعيا فاجعل التشيع عنده دينك، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم الأمّة لعلى وولده، وقتلهم الحسين وسبيهم البنات، والتبرّى من تيم وعدى ومن بنى أميّة وبنى العبّاس، وما شاكل ذلك من الأعاجيب التى تسلك عقولهم، فمن كان بهذه الصورة أسرع إلى إجابتك بهذا الناموس، حتى يتمكّن ممّا يحتاج إليه؛ ومن وجدته صائبا فداخله بالأسابيع يقرب عليك جدا، ومن وجدته مجوسيا فقد اتفقت معه في الأصل من الدرجة الرابعة، من تعظيم النار والنور والشمس، واتل عليه أمر السابق فإنّه لهرمس الذى يعرفونه بالنور «٢» المكنون من ظنّه الجيّد والظلمة المكنونة من وهمه الردىء، فإنّهم مع الصابئين أقرب الأمم إلينا وأولاهم بنا، لولا يسير صحّفوه بجهلهم

стр. 9675

به؛ وإن ظفرت بيهودى فادخل عليه من جهة المسيح، يعنى مسيح اليهود الدجّال وأنّه المهدى، وأنّ عند معرفته تكون الراحة من الأعمال وترك التكليفات، كما أمر بالراحة في يوم السبت، وتقرّب من قلوبهم بالطعن على النصارى والمسلمين الجهّال، وزعمهم أن عيسى «١» لم يولد ولا أب له، وقرّر في نفوسهم أنّ يوسف النجّار أبوه، وأنّ مريم أمّه، وأنّ يوسف كان ينال منها ما ينال الرجال من نسائهم وما يشاكل ذلك، فإنّهم لا يلبثون أن يتبعوك؛ وادخل على النصارى بالطعن على اليهود والمسلمين جميعا، وبصحة عقدهم الصليب عندهم وعرّفهم تأويله، وأفسد عليهم مما قام لهم من جحد الفار قليط، وقرّر عندهم أنه جاء وأنك إليه تدعوهم، ومن وقع إليك من المنانية فإنّه يحرّك الذى منه تغترف، فداخلهم بالممازجة من الباب السادس، وأظهر من الدرجة السادسة من حدود البلاغ، وامتزاج الظلمة بالنور إلى آخر ما في الباب من ذلك، فإنّك تملكهم به وتحيلهم، فإن أنست من بعضهم رشدا كشفت له الغطاء. ومن وقع إليك من الفلاسفة فقد علمت أن على الفلاسفة العهدة، وإنّا قد اجتمعنا وهم على نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم، لولا ما يخالفنا بعضهم فيه من أنّ للعالم مدبّرا لا يعرفونه، فإنّه وقع الإتفاق على أنّه لا مدبّر للعالم فقد زالت الشبهة فيما بيننا وبينهم، وإن لك ثنوى فبخ بخ قد ظفرت، فالمدخل عليه بإبطال التوحيد، والقول بالسابق والتالى ووراثة أحدهما، على ما هو مرسوم في أوّل درجة البلاغ وثالثه، وإن وقع لك سنىّ فعظّم عنده

стр. 9676

أبا بكر وعمر واذكر فيهما فضائل، واثلب عليا «١» وولده واذكر لهم مساوىء، ولوّح «٢» له أنّ أبا بكر وعمر قد كان لهما في هذا الأمر- الذى تلقيه إليه- نسب، فإذا دخلت عليه بهذا المدخل درجته إلى ما تريد وملكته، واتخذ غليظ العهود ووكيد الأيمان وشديد المواثيق جنّة لك وحصنا، ولا تهجم على مستجيبيك بالأشياء التى تبهر عقولهم، حتى ترقّيهم إلى المراتب حالا فحالا، ودرّجهم درجة درجة، فواحد لا تزيده على التشيّع والأيمان لمحمد بن إسماعيل شيئا، وأنّه حى لا تجاوز به هذا الحد، وأظهر لهم العفاف عن الدرهم والدينار وخفّف عليهم وطأتك، ومره بالصلاة السبعين، وحذّره الكذب والزنا واللواط وشرب الخمر، وعليك في أمره بالرفق والتؤدة والمداراة يكن لك عونا على دهرك وعلى من يعاديك أو يتغيّر عليك من أصحابك وينافسك، فلا تخرجه عن عبادة إلهه، والتدبّر بشريعته، والقول بإمامة علىّ وبنيه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأقم له دلائل الأسابيع فقط، ودقّه بالصلاة دقا، فإنّك إن أومأت إلى كرائمه يوما- فضلا عن ماله- لم يمنعك، فإن أدركته الوفاة وصّى إليك بما خلف وورّثك إياه، ولم ير أنّ في العالم أوثق منك، وأخّر ترقّيه من ذلك إلى نسخ شريعة محمد، وأنّ السابع هو الخاتم للرسل، وأنّا ينطق كما ينطق كما نطقوا ويأتى بأمر جديد، وأنّ محمدا صاحب الدور السادس، وأنّ عليا لم يكن إماما، وحسّن القول فإنّ هذا باب

стр. 9677

كبير وعلم عظيم، مرجّى الارتقاء إلى ما هو أكبر منه، ويعينك على زوال ما جاء من قبله من وجود النبوّات، على المنهاج الذى هو عليه، وقليل من ترقّيه من هذا الباب إلى معرفة أم القرآن ومؤلفه وسننه. وإياك أن تغتر بكثير ممّن يبلغ «١» معك إلى هذه المنزلة فترقّيه إلى غيرها، إلا من بعد طول المؤانسة والمداوسة واستحكام الثقة، إنّ ذلك يكون عونا لك عند بلاغه على تعطيل الكتب، التى يزعمون أنّها منزلة من عند الله، فيكون هذا نعم المقدّمة؛ وآخر ترقّيه من هذا إلى ما هو أعلى منه، فإنّ القائم قد مات، وأنّه يقوم روحانيا، وأنّ الخلق يرجعون إليه بصور روحانيّة، وأنّه يفصل بين العباد بأمر الله ، يشتفى من الكافرين للمؤمنين بالصور الروحانيّة، فإن ذلك يكون عونا لك عند بلاغه على إبطال المعاد، الذى يزعمونه والنشور من القبور؛ وآخر ترقّيه من هذا إلى إبطال الملائكة في السماء والجنّ في الأرض، فإنّه قبل آدم بشر كثير، وتقيم على ذلك الدلائل المرسومة من كتب شيوخنا المتقدّمين، فإنّ ذلك مما يعينك في وقت بلاغه، على تسهيل التعطيل لله، والإرسال بالملائكة إلى الأنبياء، والرجوع به إلى الحق، والقول بقدم العالم؛ وآخر ترقّيه إلى أوائل درج التوحيد، وتدخل عليه بما تضمّنه كتاب الدرس الشافى للنفس من أنّ لا إله لا «٢» صفة ولا موصوف، فإنّ ذلك ممّا يعينك على القول بالإلهية، تستحقّها عند البلاغ إلى ذلك، ومن رقّيته إلى هذه المنزلة فعرّفه حسب ما عرّفناك حقيقة من أمر الإمام، وأنّ

стр. 9678

إسماعيل ومحمدا ابنه من أبوابه، وفي ذلك عون لك على إبطال إمامة ولد على بن أبى طالب، عند البلوغ والرجوع إلى القول بالحق لأهله ثم لا تزال شيئا فشيئا في أبواب البلاغ السبعة، حتى تبلغ الغاية القصوى على تدريج، وكل باب يأتى يشهد للمتقدّم قبله، والمتقدّم يشهد للمتأخر. واستعمل في أمرك الكتمان كما يوصى بنى القوم خاصّته، فقال: استعينوا على أموركم بالكتمان، ولا تظهر أحدا على شىء ممّا تظهر عليه من هو فوقه بوجه ولا سبب، وعليك بإظهار التقشّف للعامّة والوقار عندهم، وتجنّب ما هو منكر عندهم، ولا تنبسط كل الانبساط لإخوانك البالغين كما فعل من كان قبلك فإنه أتى بالتشديد ثم حلّ الأمور، فإذا تدبّرت بهذا التدبير وسلكت طريقته فقد سلكت طريق الأنبياء وأخذت حدودهم، وعليك بعد ذلك بالاجتهاد في معالجة خفّة اليد، والأخذ بالأعين والحذق بالشعبذة، فلن يخلو من الحاجة إلى ذلك عند قوم ينسبونك بعمله إلى إقامة المعجزات، كما نسبوا قوما تقدّموا؛ وعليك بمعرفة أحاديث الأوّلين وقصصهم وطرائقهم ومذاهبهم، لتكون بيّنة أمرك في الأقاويل على قدر ما يصلح لأهل زمانك، ترشد وتوفّق ويقدّم على الأيام أمرك، ويعلو ذكرك، ويكون الداخل في أمرك بعد وفاتك أكثر من الداخل معك في حياتك، فينفع لك ولمخلفيك من بعدك بك، وعلى يديك ويدى أمثالك من أهل النجابة والعقل دعوة الحق، وتملك لك ولعقبك وذرّيتك ملكا لا ينبغى لغيرك مثله. فهذه وصيّتى لك مشتملة على جمل من النواميس الطارقة للأنبياء على قدر عقولهم.

стр. 9679

قال الشريف رحمه الله تعالى: ووجدت في هذا الكتاب المعروف بكتاب السياسة أيضا فصلا فيه (ولشيخنا الجليل المقدس) ، وهذا مختصر منه يوصى دعاته في أهل الأديان- وذلك لأمّة محمد خاصة:- فابذل الآن سيفك فيهم إذا تمكّنت منهم وصار لك حزب، وظهرت بهذه الحيل التى قد وقفتك عليها، واستملت الناس بها فإنّهم أعداؤنا، وصف أموالهم واستفرد «١» بناتهم وأولادهم، ولا تخفر «٢» لهم ذمّة ولا تحفظ لهم قربة، ولا ترحم علويا، فلو تمكّن علوى كتمكّن غيره من الأنبياء للقينا منه جهدا، وعبّر بما يدّعيه من حقوق جدّه على هؤلاء الحمير ما هو أكثر مما عبره جده، وإياك والاغضاء عمّن تجده من ولد علىّ، يعنى اقتله إذا تمكّنت منه، وإيّاك والرخصة لأحد من أسنانك في الثقة بواحد منهم، تهتدى وتوفّق لازلت بالعلم سعيدا، وإلى الخير هاديا ومهديا، وعلى جميع الأحوال الحمد لإلهنا على ما منحنا، وصلواته على عباده المصطفين، يعنى إلهه الذى أباحه اللذات وأعماه عن الهدى، وفتح له طرق الضلالة، وعباده الذين اصطفى دعاته الذين بهم يضلّون الناس. هذا ما حكاه الشريف أبو الحسين من دعواتهم التسع، وعهدهم الذى يأخذونه ووصاياهم. وحكى عز الدين بن الأثير الجزرى رحمه الله تعالى في تاريخه الكامل- عند ذكره لأخبار القرامطة قال «٣» : وكان فيما يحكى عن مذهبهم أنّهم جاءوا بكتاب فيه- يقول

стр. 9680

الفرج بن عثمان- وهو من قرية يقال لها نصرانة، وهو داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدى، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبريل، وذكر أنّ المسيح تصوّر له في جسم إنسان وقال: إنّك الداعية، وإنّك الحجّة، وإنّك الناقة، وإنّك الدابّة، وإنّك يحيى بن زكريا، وإنّك روح القدس، وعرّفه أن الصلاة «١» أربع ركعات- ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل «٢» غروبها، وأنّ الأذان في كل صلاة أن يقول: الله أكبر، أربع مرات أشهد أنّ لا إله إلا الله مرتين، أشهد أنّ آدم رسول الله، أشهد أنّ نوحا رسول الله «٣» ، أشهد أنّ إبراهيم رسول الله، أشهد أنّ موسى رسول الله، أشهد أنّ عيسى رسول الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله، أشهد أنّ أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول الله، وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح، وهو من المنزّل على أحمد بن محمد بن الحنفيّة، والقبلة إلى بيت المقدس، والجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شىء، والسورة التى يقرأها: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه، المنجد لأوليائه بأوليائه «٤» ، قل إنّ الأهلّة مواقيت للناس ظاهرها، ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها، أوليائى الذين عرفوا عبادى، سبيلى: اتّقونى يا أولى الألباب، وأنا الذى لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذى أبلو عبادى وأمتحن خلقى، فمن صبر على بلائى

стр. 9681

ومحنتى واختبارى أدخلته «١» فى جنّتى وأخلدته في نعيمى، ومن زال عن أمرى وكذّب رسلى أخلدته مهانا في عذابى، وأتممت أجلى وأظهرت أمرى على ألسنة رسلى، وأنا الذى لم يعل علىّ جبّار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذى أصرّ على أمره ودام على جهالته، وقال: لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين، أولئك هم الكافرون، ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربّى ورب العزّة، وتعالى عما يقول الظالمون يقولها مرّتين، فإذا سجد قال: الله أعلى مرّتين، الله أعظم مرّتين. ومن شرائعه أن يصوم يومين في السنة، وهما المهرجان والنيروز، وأنّ النبيذ حرام، والخمر حلال، ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأنّ من حاربه واجب قتله، ومن لم يحاربه ممّن خالفه أخذ منه الجزية، ولا يؤكل كلّ ذى ناب ولا ذى مخلب. وقد أخذ هذا الفصل حقّه من الإطالة والاسهاب، فلنذكر مبدأ هذه الدعوة. ذكر ابتداء دعوة القرامطة قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: كان مبدأ هذه الدعوة الخبيثة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، وزعموا أنّه الإمام المهدى الذى يظهر في آخر الزمان ويقيم الحق وأنّ البيعة له، وأنّ الداعى إنما يأخذها على الناس له، وأنّ ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، ولم تزل هذه الدعوة إلى محمد بن إسماعيل إلى أن هرب

стр. 9682

سعيد المسمى بعبيد الله من سلمية إلى المغرب، وتلقّب بالمهدى فصار هو الإمام، وانتسب إلى أنّه من ولد إسماعيل بن جعفر، فنقلوا الدعوة إليه، وكان القول في المبدأ: أن محمد بن إسماعيل حىّ لم يمت، وأنّه يظهر في آخر الزمان وأنه مهدىّ الأمّة. قال: ولم يكن غرض هذا المحتال أن يرفع محمد بن إسماعيل، ولا يأخذ له بيعة، إنّما جعله بابا يستغل به عقل من يدخل فيه «١» ويتبيّن له أنّه قد تمكّن من خديعته وبلغ المراد منه، شيعيا كان أو سنيّا. قال: ولما أظهر اللعين ما أظهر من هذه الأقوال كلها، بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجّة والإمام، وأنّه المعوّل والقصد والمراد، وبه اتّسقت هذه الأمور ولولا هو لهلك الحق وعدم الهدى والعلم، وظهر في كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء، وقتل جماعة ممّن أظهر خلافا لهم، فخافهم الناس جدا واستوحشوا من ظهور السلاح بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم، مقاربة لهم وجزعا منهم. ثم إنّ الدعاة اجتمعوا واتّفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا، يكون وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة في طسّوج الفرات- من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميّات، قرية تعرف بمهيماباذ، فنقلوا إليها صخرا عظيما، وبنوا حولها سورا منيعا عرضه ثمانية أذرع، وجعلوا من ورائه خندقا عظيما، وفرغوا من

стр. 9683

ذلك في أسرع وقت «١» ، وبنوا فيها البنيان العظيم، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان، وسمّيت دار الهجرة وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين «٢» . فلم يبق بعد هذا أحد إلا خافهم، ولا بقى أحد يخافونه لقوّتهم وتمكّنهم في البلاد، وكان الذى أعانهم على ذلك تشاغل السلطان ببقيّة الخوارج وصاحب الزنج بالبصرة، وقصر يد السلطان وخراب العراق وركوب الأعراب واللصوص وتلف «٣» الرجال وفساد البلدان وقلّة رغبة من يلى الأعمال من ذوى الاصلاح والأمانة من العمّال وأصحاب الحروب، فتمكّن هؤلاء الدعاة ومن تبعهم بهذا السبب، وبسطوا أيديهم في البلاد وعلت كلمتهم، فغلبوا على ذلك سنين ذكر انتفاض الدعوة عن حالتها الأولى ومقتل عبدان وما كان من أمر زكرويه بعده قال الشريف: وكان قرمط يكاتب من بسلمية من الطواغيت «٤» فلما توفّى من كان في وقته وجلس ابنه من بعده كتب إلى حمدان قرمط كتابا، فلما ورد عليه الكتاب وقرأه أنكر ما فيه، وتبيّن فيه ومنه ألفاظا قد تغيّرت، وشيئا ليس هو على النظام الأوّل، فاستراب به

стр. 9684

وفطن أنّ حادثة حدثت، فأمر قرمط ابن مليح- وكان داعيا من دعاته- أن يخرج فيتعرف الخبر، فامتنع عليه واعتذر، فأنفذ من أحضر عبدان الداعية من عمله، فلما حضر أنفذه ليتعرف ما حدث من هذا الأمر، ويكشف عن سبب تغيّره، فسار عبدان لذلك، فلما وصل عرّف بموت الطاغية الذى كانوا يكاتبونه، فاجتمع بابنه وسأله عن الحجّة ومن الإمام بعده، الذى يدعو إليه، فقال الابن: ومن الإمام؟ قال عبدان: محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان الذى كان أبوك يدعو إليه، وكان حجّته، فأنكر ذلك عليه وقال: محمد بن إسماعيل لا أصل له، ولم يكن الإمام غير أبى وهو من ولد ميمون بن ديصان، وأنا أقوم مقامه، فعرف عبدان القصة واستقصى الخبر وعلم أنّ محمد بن إسماعيل ليس له في هذا الأمر حقيقة، وإنما هو شىء يحتالون به على الناس، وأنّه ليس من ولد عقيل بن أبى طالب، فرجع عبدان إلى قرمط فعرّفه الخبر، فأمره قرمط أن يجمع الدعاة ويعرّفهم صورة الأمر وما تبين منه، ويقطع الدعوة، ففعل عبدان ذلك وقطعت الدعوة من ديارهم، ولم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها كانت قد امتدّت في سائر الأقطار وامتدّ شرها، وفطعت الدعاة مكاتبة أصحابهم الذين بسلمية. وكان رجل من أولاد القدّاح قد نفذ إلى الطالقان يبث الدعاة، ونزل بقرمط وهو بسواد الكوفة عند عبوره إلى الطالقان، وكانت الدعاة يكاتبونه، فلما انقطعت المكاتبة عن جميع أولاد القدّاح قطعت عن هذا الذى بالطالقان، فطال انتظاره، فشخص عن الطالقان ليقصد قرمط، وكان قرمط قد سار إلى كلواذى، فلما وصل

стр. 9685

إلى كلواذى سأل عن قرمط، فعرف أنّه انتقل فلا يدرى أين مضى وما عرف لقرمط بعد ذلك خبر، ولا علمت وفاته ولا ما اتفق له، فقصد ابن القدّاح سواد الكوفة، فنزل على عبدان، فعتب عليه وعلى جميع الدعاة في انقطاع كتبهم عنه، فعرّفه عبدان أنهم قطعوا الدعوة وأنهم لا يعودون فيها وأن أباه كان قد غرّهم «١» وادّعى نسبه من عقيل بن أبى طالب كذبا ودعا إلى المهدى، فكنّا نعمل على ذلك، فلما تبينا أنّه لا أصل لذلك، وعرفا أن أباك من ولد ميمون بن ديصان وأنّه صاحب الأمر، تبنا إلى الله تعالى مما تحمّلناه، وحسبنا ما كفرنا أبوك فتريد أن تردّنا كفارا؟! انصرف عنا إلى موضعك. قال: وكان عبدان قد تاب من هذه الدعوة حقيقة، فلما أيس منه صار إلى زكرويه بن مهرويه، فعرّفه خبر عبدان وما ردّ عليه، فلقيه زكرويه بكل ما يحب، وقدر أنّه ينصبه داعيا مقام أبيه، فيستقيم له أخذ الأموال وجمع الرجال، وواطأه على ذلك، وقال له: إن هذا الأمر لا يتم مع عبدان، لأنه داعى البلد كلّه، والدعاة من قبله والناس من تحت يده، وأنه لا يجيبه إلا أهل دعوته خاصة. وشرعا في إعمال الحيلة على قتل عبدان، واتّفقا على ذلك، ثم وجّه زكرويه إلى رجل من بنى تميم بن كليب وأخ له كانا من أهل دعوته، وأحضر جماعة من قراباته وثقاته فأظهرهم على ابن اللعين، وعرّفهم أنّه ابن الحجّة، وأن الحجّة توفى وأن ابنه هذا يقوم مقامه، فأجلّوه وأعظموه

стр. 9686

وقالوا له: مرنا بأمرك، فأمرهم بقتل عبدان، وعرّفهم أنه نافق وعصى وخرج عن الملّة، فساروا إليه من ليلتهم وبيّتوه فقتلوه، وكان زكرويه هذا من تحت يد عبدان، وعبدان هو الذى أقامه داعية فلما شاع في الناس أنّ زكرويه قتل عبدان طلبه الدعاة والقرامطة ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم بأسرهم إلا أهل دعوته، وخاف على نفسه، ولم يتم له أمره الذى دبّره، فقال لابن اللعين: قد ترى ما حدث، ولا آمن عليك وعلى نفسى، فارجع إلى بلدك ودعنى، فإنى أرجو أن يتغيّر الأمر، فأتمكّن من الناس وأدعوهم إليك، فإذا تمكّنت من ذلك أرسلت إليك لتصير «١» إلىّ، فانصرف إلى الطالقان واستتر زكرويه وتنقّل في القرى، وذلك في سنة ست وثمانين ومائتين، والقرامطة تطلبه وأصحاب عبدان يرصدونه، وكان قد اتّخذ مطمورة تحت الأرض على بابها صخرة، فإذا دخل قوم إلى القرية في طلبة قامت امرأة في الدار التى هو فيها إلى تنّور ينقل، فوضعته بقرب الصخرة ثم أشعلت النار، وأرت أنها تريد أن تخبز، فيخفى أمره على من يطلبه، فمكث كذلك سنة ست وسنة سبع وثمانين ومائتين فلما رأى انحراف أهل السواد عنه «٢» إلا أهل دعوته وطال أمره، أنفذ ابنه الحسن في سنة ثمان وثمانين ومائتين إلى الشام، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لأخبار أبى سعيد الجنّابى.

стр. 9687

ذكر أخبار أبى سعيد الجنابى وظهوره بالبحرين هو أبو سعيد بن بهرام من أهل جنّابه، وأصله من الفرس وكان يعمل الفراء، وسبب دخوله في هذه الدعوة وظهوره، أنّه سافر إلى سواد الكوفة، فذكر «١» أنه تزوّج بقرية من سواد الكوفة، إلى قوم يقال لهم بنو القصّار، وكانوا أصولا في هذه الدعوة الخبيثة فأخذها عنهم، وقيل بل أخذ الدعوة عن نفسه، وقد قيل إنه تلقاها عن حمدان قرمط، وسار داعية من قبله فنزل القطيف، وهى حينئذ مدينة عظيمة، فجلس بها يبيع الدقيق ولزم الوفاء والصدق، ودعا الناس، فكان أوّل من أجابه الحسين وعلى وحمدان بنو سنبر «٢» ، وقوم ضعفاء ما بين قصّاب وحمّال وأمثال هؤلاء. قال الشريف أبو الحسين: فلما دعا بتلك الناحية وقويت يده واستجاب له الناس وجد بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا الصمامى كان عبدان الداعى أنفذه قبل أبى سعيد إلى القطيف وما والاه، فلما تبيّن أمره أبو سعيد الجنّابى عظم عليه أن يكون داع غيره، فقبض عليه وحبسه في بيت حتى مات هزلا. قال: وقد ذكر أنّ هذا الداعى أخذ على بنى سنبر قبل أبى سعيد، وكان في أنفسهم حقد عليه لقتله أبا زكريا. وحكى ابن الأثير الجزرى في تاريخه الكامل ابتداء أمر القرامطة بناحية البحرين «٣» :

стр. 9688

أن رجلا يعرف بيحيى بن المهدى قصد القطيف، ونزل على رجل يعرف بعلى بن المعلّى بن حمدان، وكان متغاليا في التشيّع، فأظهر له يحيى أنّه رسول المهدى، وذلك في سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر أنه خرج إلى شيعته يدعوهم لأمره، وأنّ خروجه قد قرب، فجمع على بن المعلّى الشيعة من أهل القطيف، وأوقفهم على الكتاب الذى أحضره يحيى بن المهدى من المهدى إليهم، فأجابوه: إنّهم خارجون معه إذا ظهر أمره، وأجابه سائر قرى البحرين بمثل ذلك، فكان فيمن أجابه أبو سعيد الجنّابى، ثم غاب يحيى بن المهدى مدة، ورجع بكتاب يزعم أنّه من المهدى إلى شيعته، فيه: قد عرّفنى رسولى يحيى بن المهدى مسارعتكم إلى أمرى، فليدفع إليه كل رجل منكم ستة دنانير وثلثى دينار، ففعلوا ذلك ثم غاب وعاد بكتاب، فيه ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم، فدفعوا إليه الخمس. قال: وحكى أن يحيى بن المهدى جاء إلى منزل أبى سعيد الجنّابى فأكل طعاما، وخرج أبو سعيد من البيت وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى، وأن لا نمنعه إذا أرادها، فانتهى الخبر إلى الوالى فضرب يحيى وحلق رأسه ولحيته، وهرب أبو سعيد إلى جنّابه، وصار يحيى إلى بنى كلاب وعقيل والحريش، فاجتمعوا معه ومع أبى سعيد فعظم أمر أبى سعيد، واشتدت وطأته وظهر أمره؛ قال: وكان ظهوره بالبحرين في سنة ست وثمانين ومائتين.

стр. 9689

ذكر استيلاء أبى سعيد الجنابى على هجر وما كان من خلال ذلك من حروبه ووقائعه قال الشريف أبو الحسين: كان من الاتّفاق لأبى سعيد أن البلد الذى قصده بلد واسع كثير الناس، ولهم عادة بالحروب، ورجال شداد جهّال غفل القلوب، بعيدون من علم شريعة الإسلام ومعرفة نبوّة أو حلال أو حرام، فظفر بدعوته في تلك الناحية، ولم يناوئه مناوىء، فقاتل بمن أطاعه من عصاه حتى اشتدت شوكته جدا، وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس وأجابه كثير منهم طلبا للسلم، ورحل من البلد خلق كثير إلى نواحى مختلفة وبلدان شتى، خوفا من شرّه، ولم يمتنع عليه إلا هجر، وهى مدينة البحرين ومنزل سلطانها والتجّار والوجوه، فنازلها شهورا يقاتل أهلها، فلما طال عليه أمرها وكل بها جلّ أصحابه من أهل النجدة، ثم ارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان، فابتنى بها دارا وجعلها منزلا، وتقدّم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب في الأيام إلى هجر هو ومن يحاصرها، ويعقب من أصحابه في كلّ أيام قوما، ثم دعا العرب فأجابه أوّل الناس، بنو الأضبط من كلاب، لأن عشيرتهم كانوا أصابوا فيهم دما، فساروا إليه بحرمهم وأموالهم فنزلوا الأحساء، وأطمعوه في بنى كلاب وسائر من يقرب منه من العرب، وطلبوا منه أن يضمّ إليهم رجالا ففعل ذلك، فلقوا بهم عشيرتهم فاقتتلوا فهزمتهم القرامطة فأكثروا فيهم القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة نحو الأحساء، فاضطر المغلوبين إلى أن دخلوا في طاعته

стр. 9690

وصاروا تحت أمره، ثم وجّه أبو سعيد بجيش آخر إلى بنى عقيل فظفر بهم، فقصدوه ودخلوا في طاعته، فملك تلك الفلاة، وتجنّب قتاله كلّ أحد إلا بنى ضبّة، فإنها ناصبته الحرب، فلما اجتمع «١» إليه من اجتمع من العرب وغيرهم خوّفهم ومنّاهم ملك الأرض كلها، فاستجاب بعضهم إلى دعوته فردّ إليهم ما أخذ منهم من أهل وولد، وأجاب آخرون رغبة في دعوته، ولم يردّ على أحد إبلا ولا عبدا ولا أمة وأنزل الجميع معه الأحساء، وأبى قوم دعوته فردّ عليهم حرمهم ومن لم يبلغ من أولادهم أربع سنين وشيئا من الإبل يحملون عليه، وحبش ما سوى ذلك كله، وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوّاما، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسم جميعهم على الخدود لئلا يختلطوا بغيرهم، وعرّف عليهم عرفاء، وعلّم من صلح لركوب الخيل والطعان فتشأوا لا يعرفون غيره، وصارت دعوته طبعا لهم، وقبض كل مال في البلد والثمار والحنطة والشعير، وأنفذ الرعاة في الإبل والغنم، وقوما للنزول معها لحفظها والتنقّل معها على نوب معروفة، وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل أحد إلى غير ما يطعمه، وهو لا يغفل مع ذلك عن هجر، فلما أضجروه وطال أمرهم وقد كان بلغ منهم الحصار كل غاية، وأكلوا السنانير والكلاب وكان حصارهم يزيد على عشرين شهرا، ثم جمع أصحابه وحشد لهم وعمل الدبّابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا أشد قتال لم يقتتلوا مثله قبل ذلك، ودام القتال عامّة النهار، وكلّ منتصف من الآخر، وكثرت

стр. 9691

بينهم القتلى، ثم رجع إلى الأحساء، ثم باكرهم فناوشوه فانصرف، فلما قرب من الأحساء أمر الرجّالة ومن جرح أن ينصرف، وعاود فى خيل فدار حول هجر، وفكّر فيما يكيدهم به، وإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، يخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، ثم يجتمع ماؤها في نهر ويستقيم حتى يمرّ بجانب هجر ملاصقا، ثم ينزل إلى التخيل فيسقيها، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم، فلما تبيّن له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة عسكرا، ثم رجع إلى الأحساء وجمع الناس كلّهم وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف وأمر قوما بجمع الحجارة وآخرين ينفذون بها إلى العين، وأعدّ الرمل والحصى والتراب، فلما «١» اجتمع أمر أن يطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين، وأن يطرح فوقها الرمل والحصى والتراب «٢» والحجارة ففعل ذلك، فقذفته العين ولم يغن ما فعلوه شيئا، فانصرف إلى الأحساء هو ومن معه، وغدا في خيل فضرب في البرّ، وسأل عن منتهى العين فقيل له إنّها تتصل بساحل البحر، وأنّها تنخفض كلّما نزلت، فردّ جميع من «٣» كان معه وانحدر على النهر نحوا من ميلين ثم أمر بحفر «٤» نهر هناك، ثم أقبل هو وجمعه يأتون في كل يوم، والعمّال يعملون حتى حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله عنهم فصبّ في البحر، فلما تمّ له ذلك نزل على هجر وقد انقطع الماء عمّن بها،

стр. 9692

فأيقنوا بالهلاك فهرب بعضهم نحو البحر، فركبوه إلى جزيرة ادالى وسيراف وغيرهما، ودخل قوم منهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يقدروا على الهرب ولم يدخلوا في دعوته، فقتلهم وأخذ ما في المدينة ثم أخربها، وصارت الأحساء مدينة البحرين. ذكر الحرب بين القرامطة أصحاب أبى سعيد وأهل عمان قال: ولما استولى على هجر وخرتها أنفذ سريّة من أصحابه ستمائة فارس إلى عمان، فوردت على غفلة فقتلوا ونهبوا وأسروا في عمل عمان وأنفذ أهل عمان سريّة إليهم في ستمائة رجل من أهل النجدة فأدركوهم فجعلت القرامطة ما غنموه وراء ظهورهم، وأقبلوا نحو أهل عمان فاقتتلوا، حتى تكسّرت الرماح وتقطّعت السيوف وتعانقوا، وتكادموا وتراضخوا بالحجارة، فلم تغرب الشمس حتى تفانوا، فبقى من أهل عمان خمسة نفر لا حراك بهم، ومن القرامطة ستة نفر مجرّحين إلا أنهم أحسن حالا من العمانيّة، فركب القرامطة ست رواحل وعادوا إلى أبى سعيد، فأخبروه الخبر واعتذروا إليه، فلم يقبل عذرهم وأمر بهم فقتلوا، وقال: هؤلاء خاسوا بعهدى ولم يواسوا أصحابهم الذين قتلوا، فأنزلت بهم ما كانوا له أهلا، وتطيّر بهلاك السريّة وأمسك عن أهل عمان. «١»

стр. 9693

ذكر الحرب بين القرامطة وعسكر المعتضد بالله وانتصار القرامطة قال: ولما كان من أمر أبى سعيد الجنّابى ما كان، اتصلت أخباره بالمعتضد بالله، وكتب إليه أحمد بن محمد بن يحيى الواثقى- وهو إذ ذاك يتولى البصرة- يعلمه خبر أبى سعيد، وأنّه اتّصل به أنّه يريد الهجوم على البصرة، فأمره المعتضد بالله أن يعمل على البصرة سورا فعمله، فكان مبلغ ما صرف عليه أربعة عشر ألف دينار، ثم كتب الواثقى إلى المعتضد يسأله المدد، فسيّر إليه ثلاثمائة رجل في سماريّات، وأنفذ المعتضد بالله العبّاس بن عمرو الغنوى في ألفى رجل، وأقطعه اليمامة والبحرين وأمره بمحاربة القرامطة- وكان يتولّى بلاد فارس- فسار إلى البصرة فوردها وذلك في سنة سبع «١» وثمانين ومائتين، وخرج منها نحو هجر وبينهما بضع عشرة ليلة في فلاة مقفرة، وتبعه من مطوّعة البصرة نحو من ثلاثمائة رجل من بنى ضبة وغيرهم، وعرف أبو سعيد خبرهم فسار نحوهم وقدّم أمامه مقدّمة، فلما عاينهم العبّاس بن عمرو خلف سواده وسار إليهم فيمن خفّ من أهل العسكر وأدرك أبو سعيد مقدّمته في باقى أصحابه، فتناوشوا القتال فكانت بينهم حملات، ثم حجز الليل بينهم فانصرفوا على السواء فلما جاء الليل انصرفت مطوّعة البصرة ومن معهم من بنى ضبّة، فكسر ذلك الجيش وفتّ في أعضادهم، وأصبح العباس بن عمرو فعبّى أصحابه للقتال والتقوا، فجعل بدرا غلام أحمد بن عيسى بن

стр. 9694

الشيخ في نحو مائة من أصحابه على ميمنة أبى سعيد، فأوغل فيهم فلم يرجع منهم أحد، وحمل أبو سعيد على العبّاس وأصحابه فانهزموا، وأسر العبّاس بن عمرو ومعه «١» نحو من سبعمائة رجل من أصحابه، واحتوى القرامطة على عسكره، وقتل أبو سعيد من غديومة جميع الأسرى ثم أحرقهم، وترك العبّاس بن عمرو «٢» ومضى المنهزمون فتاه كثير منهم في البرّ وتلف كثير منهم عطشا، وورد قوم منهم البصرة فارتاع الناس لهم، حتى أخذوا في الانتقال عن البصرة فمنعهم الواثقى. قال: ولما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد الجنّابى العبّاس ابن عمرو، وقال له: أتحب أن أطلقك؟ قال: نعم قال: على أن تبلغ عنى صاحبك ما أقول، قال: أفعل، قال: تقول الذى أنزل بجيشك ما أنزل بغيك، هذا بلد كان خارجا عن يدك غلبت عليه وأقمت به وكان فيّ من الفضل ما آخذ غيره، فما عرضت لما كان في يدك ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيّتك بسوء، فتوجيهك إلىّ الجيوش لأى سبب؟! اعلم إنّى لا أبرح عن هذا البلد ولا يوصل إليه وفيّ، وفي هذه العصابة التى معى روح، فاكفنى نفسك ولا تتعرّض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر، وأطلقه وأرسل معه من يردّه إلى مأمنه، فأوردوه بعض السواحل فصادف مركبا فركب فيه إلى الأبلة، ووصل إلى بغداد في شهر رمضان من السنة. قال: وقد كان الناس يعظّمون

стр. 9695

أمر العباس ويكثرون ذكره ويسمّونه قائد الشهداء، فلما وصل إلى المعتضد بالله عاتبه على تركه الاستظهار والتحرّز وأنّبه، فاعتذر بهرب بنى ضبّة ومن كان معهم من المطوّعه وهرب أصحابه عنه، وأنّه لو أراد الهرب لأمكنه، فلم يبرح حتى رضى عنه وزال همّه، ثم سأله عن خبره فعرّفه جميعه، ووصف له أحوال القرامطة وما قاله أبو سعيد بعد أن استأذنه في ذلك فأذن له، فقال: صدق ما أخذ شيئا كان في أيدينا، وأطرق مفكرا ثم رفع رأسه، فقال: كذب عدوّ الله الكافر، المسلمون رعيّتى حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بى عمر لأشخصنّ بنفسى إلى البصرة وجميع غلمانى، ولأوجهنّ إليه جيشا كثيفا فإن هزمه وجّهت جيشا، فإن هزمه خرجت في جميع قوّادى وجيشى إليه، حتى يحكم الله بينى وبينه، وشغله بعد ذلك أمر وصيف غلام ابن أبى السّاج وأحفزه، فخرج في طلبه وهو عليل، وذلك في شوّال من هذه السنة، فأخذه وعاد إلى بغداد فدامت علّته واستمرّ وجعه ومات. قال القاسم بن عبيد الله: ما زال أمير المؤمنين المعتضد بالله يذكر أمر أبى سعيد في مرضه ويتلهّف، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: حسرة في نفسى كنت أحب أن أبلغها قبل موتى، والله لقد كنت وضعت في نفسى أن أركب، ثم أخرج إلى باب البصرة متوجّها نحو البحرين، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفى إلا ضربت عنقه، وإنى أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة. قال: وأقبل أبو سعيد بعد اطلاق العبّاس على جمع الخيل وإعدا

стр. 9696

السلاح واتخاذ الإبل وإصلاح الرجال ونسج الدروع والمغافر ونظم الجواشن وضرب السيوف والأسنّة واتخاذ الروايا والمزاد والقرب وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب عن قربه وسدّ الوجوه التى يتعرّف منها أمر بلده وأحواله بالرجال واصلاح أراضى المزارع وأصول النخل وعمارته، واصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها، ونصب الأمناء على ذلك، وإقامة العرفاء على الرجال، والاحتياط على ذلك كلّه، حتى بلغ من تفقّده واحتياطه أنّ الشاة كانت تذبح فيسلّم اللحم إلى العرفاء، ليفرّقوه على من يرسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجزّ الصوف والشعر من الغنم ويفرّقه على من يغزله، ثم يدفع إلى من ينسجه عبيّا وأكسبة وغرائر وجوالقات ويفتل منه حبال، ويسلّم الجلد إلى الدبّاغ، فإذا خرج من الدبّاغ سلّم إلى خرّازى القرب والروايا والمزاد، وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفافا عمل منه، ثم يجمع ذلك كلّه إلى خزائن، فكان ذلك دأبه لا يغفل عنه، ويوجّه في كلّ مديدة بخيل إلى ناحية البصرة، فتأخذ من وجدت فتصير بهم إليه فيستعبدهم، فزادت بلاده وعظمت هيبته فى صدور الناس. قال الشريف أبو الحسين: وقد كان واقع بنى ضبّة عند طرده لهم عن قرب بلده، فأصاب منهم وأصابوا منه، ولم يتب عدوا عنه بعيدا، فلما شخص مع العبّاس بن عمرو منهم من شخص- فى وقت مسيره لقتاله- ازداد بذلك حنقا عليهم، فواقعهم وقائع مشهورة بالشدّة والعظم، ثم ظفر بهم فأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما وجمعهم فيه وسدّه عليهم، ومنعهم الطعام والشراب فصاحوا وضجّوا

стр. 9697

فلم يغثهم، فمكثوا على ذلك شهرا ثم فتح عليهم، فوجد الأكثر منهم موتى، ووجد نفرا يسيرا قد بقوا على حال الموتى، وقد تغذوا بلحوم الموتى، فخصاهم وخلّاهم فمات أكثرهم. ذكر مقتل أبى سعيد الجنابى كان مقتله في سنة إحدى وثلاثمائة بعد أن استولى على سائر بلاد البحرين، وكان سبب مقتله أنّه لما هزم جيش العباس بن عمرو كما تقدم، واستولى على عسكره، أخذ من عسكره خادما له صقلبيا، فاستخدمه وجعله على طعامه وشرابه، فمكث كذلك مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا لله صلاة واحدة، ولا يصوم في شهر رمضان ولا في غيره يوما واحدا، فأضمر الخادم لذلك قتله، فدخل معه الحمّام «١» يوما- وكان الحمّام في داره، فأخذ الخادم معه خنجرا ماضيا- ولم يكن معه في الحمّام «٢» غيره، فلما تمكّن منه أضجعه فذبحه، ثم خرج فقال: السيد يستدعى «٣» فلانا لبعض بنى سنبر فأحضر فقال: ادخل فدخل، فبادره فقبض عليه وذبحه، ولم يزل يستدعى من رؤساء القرامطة واحدا واحدا حتى قتل جماعة من الرؤساء والوجوه، إلى أن استدعى بعضهم فنظر عند دخوله إلى باب البيت الأوّل دما جاريا، فاستراب بذلك وخرج مبادرا فلم يدركه الخادم وأعلم الناس، وعمد الخادم إلى الباب فأغلقه وكان وثيقا، فاجتمع

стр. 9698

الناس ونقبوا نقوبا إلى أن وصلوا إليه، فأخذه ابنه سعيد فأمر بشدّه بالحبال، ثم قرض لحمه بالمقاريض حتى مات رحمه الله تعالى. وخلّف أبو سعيد من الأولاد: أبا القاسم سعيدا، وأبا طاهر سليمان، وأبا منصور أحمد، وأبا العباس «١» إبراهيم، والعبّاس محمد، وأبا يعقوب يوسف. وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته وبنى «٢» زرقان، وكان أحدهم زوج ابنته، وبنى سنبر، وكان متزوجا إليهم، وهم أخوال أولاده وبهم قامت دولته وقوى أمره، فأوصى إليهم إن حدث به موت أن يكون القيّم بأمرهم ابنه سعيدا إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان سعيد أكبر من أبى طاهر سنا، فإذا كبر أبو طاهر كان المدبّر لهم، فلما قتل جرى الأمر على ما وصّاهم به، وكان قد أخبرهم أنّ الفتوح يكون لأبى طاهر، فجلس سعيد يدبّر الأمر بعد مقتل أبيه إلى سنة خمس وثلاثمائة، ثم سلم الأمر لأخيه أبى طاهر، فدبّره وعمل أشياء موّه بها على عقول أصحابه فقبلوها وعظموا أمره، وكان من أخباره ما نذكره إن شاء الله تعالى، وكانت مدة تغلّب أبى سعيد على البحرين وما والاها نحوا من ستة عشر سنة «٣» .

стр. 9699

ذكر أخبار أبى القاسم الصناديقى ببلاد اليمن وفي سنة ست وثمانين ومائتين استولى أبو القاسم النجّار المعروف بالصناديقى على اليمن، وكان ابن أبى الفوارس داعى عبدان قد أنفذه داعيا إلى اليمن، وكان هذا الصناديقى من موضع يعرف بالنّرس، وكان يعمل فيه الثياب النرسيّة، وقيل إنه كان يعمل في الكتّان، فلما صار إلى اليمن أجابه رجل من الجند يعرف بابن الفضل، فقوى أمره على اقامة الدعوة الخبيثة؛ فدخل فيها خلق كثير، فخلعهم من الإسلام، وأظهر العظائم، وقتل الأطفال وسبى النساء، وتسمّى برب العزّة وكان يكاتب بذلك، وأظهر شتم النبىّ ﷺ وسائر الأنبياء، واتّخذ دارا سمّاها دار الصفوة، وكان يأمر الناس بجمع نسائهم من أزواجهم وبناتهم واخوانهم، ويأمرهم بالاختلاط. بهنّ ليلا ووطئهنّ، ويحتفظ بمن تحبل منهنّ في تلك الليلة وبمن تلد من بعد ذلك، ويتخذهم لنفسه خولا ويسمّيهم أولاد الصفوة، وعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه وأجلى السلطان، وقاتل القاسم بن أحمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادى وقلعه عن عمله بصعدة، وألجأه إلى أن هرّب عياله إلى الرسّ حذرا منه لقوّته عليه، ثم إنّ الله رزقه الظفر به فهزمه، وكان ذلك بلطف من ألطاف الله ﵎، وهو أن ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا، قتل به أكثر أصحابة في ليلة واحدة، وقلّ ما يعرف مثل هذا من البرد والثلج في ذلك البلد، ولما طغى وبعى قتله الله بالأكلة وأنزل بالبلدان التى غلب عليها بثرا قاتلا، كان يخرج على كتف

стр. 9700

الرجل «١» منهم بثرة فيموت في سرعة، فسمّى ذلك البثر حبّة القرمطىّ، وأخرب الله تعالى أكثر تلك البلاد التى ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، واعتصم ابنه بعده بالجبال والقلاع، ولم يزل بها مقيما يكاتب أهل ملّته، ويعنون كتبه، من ابن رب العزّة، ثم أهلكه الله عز «٢» وجل وبقيت منهم بقيّة، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادى، ولم يبق للنجّار بقيّة ولا لمن كان على مذهبه. ولنرجع إلى أخبار زكرويه بن مهرويه وخبر من أرسله إلى الشام. ذكر ظهور القرامطة بالشام وما كان من أمرهم وحروبهم قد قدّمنا من أخبار زكرويه بن مهرويه واختفائه وحرص أصحاب عبدان على قتله، وأنّه لما طال عليه الأمر أرسل ابنه الحسن إلى الشام وذلك في سنة ثمان وثمانين ومائتين. قال الشريف أبو الحسين محمد بن على الحسينى «٣» ﵀: ولما أرسل زكرويه بن مهرويه ابنه إلى الشام أرسل معه رجلا من القرامطة من أهل نهر ملحانا، يقال له الحسن بن أحمد ويكنى بأبى الحسين، وأمره أن يقصد بنى كلب وينتسب لهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخذ من بنى
следующие страницы →