Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.
стр. 9696
السلاح واتخاذ الإبل وإصلاح الرجال ونسج الدروع والمغافر ونظم الجواشن وضرب السيوف والأسنّة واتخاذ الروايا والمزاد والقرب وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب عن قربه وسدّ الوجوه التى يتعرّف منها أمر بلده وأحواله بالرجال واصلاح أراضى المزارع وأصول النخل وعمارته، واصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها، ونصب الأمناء على ذلك، وإقامة العرفاء على الرجال، والاحتياط على ذلك كلّه، حتى بلغ من تفقّده واحتياطه أنّ الشاة كانت تذبح فيسلّم اللحم إلى العرفاء، ليفرّقوه على من يرسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجزّ الصوف والشعر من الغنم ويفرّقه على من يغزله، ثم يدفع إلى من ينسجه عبيّا وأكسبة وغرائر وجوالقات ويفتل منه حبال، ويسلّم الجلد إلى الدبّاغ، فإذا خرج من الدبّاغ سلّم إلى خرّازى القرب والروايا والمزاد، وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفافا عمل منه، ثم يجمع ذلك كلّه إلى خزائن، فكان ذلك دأبه لا يغفل عنه، ويوجّه في كلّ مديدة بخيل إلى ناحية البصرة، فتأخذ من وجدت فتصير بهم إليه فيستعبدهم، فزادت بلاده وعظمت هيبته فى صدور الناس.
قال الشريف أبو الحسين: وقد كان واقع بنى ضبّة عند طرده لهم عن قرب بلده، فأصاب منهم وأصابوا منه، ولم يتب عدوا عنه بعيدا، فلما شخص مع العبّاس بن عمرو منهم من شخص- فى وقت مسيره لقتاله- ازداد بذلك حنقا عليهم، فواقعهم وقائع مشهورة بالشدّة والعظم، ثم ظفر بهم فأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما وجمعهم فيه وسدّه عليهم، ومنعهم الطعام والشراب فصاحوا وضجّوا
стр. 9697
فلم يغثهم، فمكثوا على ذلك شهرا ثم فتح عليهم، فوجد الأكثر منهم موتى، ووجد نفرا يسيرا قد بقوا على حال الموتى، وقد تغذوا بلحوم الموتى، فخصاهم وخلّاهم فمات أكثرهم.
ذكر مقتل أبى سعيد الجنابى
كان مقتله في سنة إحدى وثلاثمائة بعد أن استولى على سائر بلاد البحرين، وكان سبب مقتله أنّه لما هزم جيش العباس بن عمرو كما تقدم، واستولى على عسكره، أخذ من عسكره خادما له صقلبيا، فاستخدمه وجعله على طعامه وشرابه، فمكث كذلك مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا لله صلاة واحدة، ولا يصوم في شهر رمضان ولا في غيره يوما واحدا، فأضمر الخادم لذلك قتله، فدخل معه الحمّام «١» يوما- وكان الحمّام في داره، فأخذ الخادم معه خنجرا ماضيا- ولم يكن معه في الحمّام «٢» غيره، فلما تمكّن منه أضجعه فذبحه، ثم خرج فقال: السيد يستدعى «٣» فلانا لبعض بنى سنبر فأحضر فقال: ادخل فدخل، فبادره فقبض عليه وذبحه، ولم يزل يستدعى من رؤساء القرامطة واحدا واحدا حتى قتل جماعة من الرؤساء والوجوه، إلى أن استدعى بعضهم فنظر عند دخوله إلى باب البيت الأوّل دما جاريا، فاستراب بذلك وخرج مبادرا فلم يدركه الخادم وأعلم الناس، وعمد الخادم إلى الباب فأغلقه وكان وثيقا، فاجتمع
стр. 9698
الناس ونقبوا نقوبا إلى أن وصلوا إليه، فأخذه ابنه سعيد فأمر بشدّه بالحبال، ثم قرض لحمه بالمقاريض حتى مات رحمه الله تعالى.
وخلّف أبو سعيد من الأولاد: أبا القاسم سعيدا، وأبا طاهر سليمان، وأبا منصور أحمد، وأبا العباس «١» إبراهيم، والعبّاس محمد، وأبا يعقوب يوسف. وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته وبنى «٢» زرقان، وكان أحدهم زوج ابنته، وبنى سنبر، وكان متزوجا إليهم، وهم أخوال أولاده وبهم قامت دولته وقوى أمره، فأوصى إليهم إن حدث به موت أن يكون القيّم بأمرهم ابنه سعيدا إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان سعيد أكبر من أبى طاهر سنا، فإذا كبر أبو طاهر كان المدبّر لهم، فلما قتل جرى الأمر على ما وصّاهم به، وكان قد أخبرهم أنّ الفتوح يكون لأبى طاهر، فجلس سعيد يدبّر الأمر بعد مقتل أبيه إلى سنة خمس وثلاثمائة، ثم سلم الأمر لأخيه أبى طاهر، فدبّره وعمل أشياء موّه بها على عقول أصحابه فقبلوها وعظموا أمره، وكان من أخباره ما نذكره إن شاء الله تعالى، وكانت مدة تغلّب أبى سعيد على البحرين وما والاها نحوا من ستة عشر سنة «٣» .
стр. 9699
ذكر أخبار أبى القاسم الصناديقى ببلاد اليمن
وفي سنة ست وثمانين ومائتين استولى أبو القاسم النجّار المعروف بالصناديقى على اليمن، وكان ابن أبى الفوارس داعى عبدان قد أنفذه داعيا إلى اليمن، وكان هذا الصناديقى من موضع يعرف بالنّرس، وكان يعمل فيه الثياب النرسيّة، وقيل إنه كان يعمل في الكتّان، فلما صار إلى اليمن أجابه رجل من الجند يعرف بابن الفضل، فقوى أمره على اقامة الدعوة الخبيثة؛ فدخل فيها خلق كثير، فخلعهم من الإسلام، وأظهر العظائم، وقتل الأطفال وسبى النساء، وتسمّى برب العزّة وكان يكاتب بذلك، وأظهر شتم النبىّ ﷺ وسائر الأنبياء، واتّخذ دارا سمّاها دار الصفوة، وكان يأمر الناس بجمع نسائهم من أزواجهم وبناتهم واخوانهم، ويأمرهم بالاختلاط.
بهنّ ليلا ووطئهنّ، ويحتفظ بمن تحبل منهنّ في تلك الليلة وبمن تلد من بعد ذلك، ويتخذهم لنفسه خولا ويسمّيهم أولاد الصفوة، وعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه وأجلى السلطان، وقاتل القاسم بن أحمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادى وقلعه عن عمله بصعدة، وألجأه إلى أن هرّب عياله إلى الرسّ حذرا منه لقوّته عليه، ثم إنّ الله رزقه الظفر به فهزمه، وكان ذلك بلطف من ألطاف الله ﵎، وهو أن ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا، قتل به أكثر أصحابة في ليلة واحدة، وقلّ ما يعرف مثل هذا من البرد والثلج في ذلك البلد، ولما طغى وبعى قتله الله بالأكلة وأنزل بالبلدان التى غلب عليها بثرا قاتلا، كان يخرج على كتف
стр. 9700
الرجل «١» منهم بثرة فيموت في سرعة، فسمّى ذلك البثر حبّة القرمطىّ، وأخرب الله تعالى أكثر تلك البلاد التى ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، واعتصم ابنه بعده بالجبال والقلاع، ولم يزل بها مقيما يكاتب أهل ملّته، ويعنون كتبه، من ابن رب العزّة، ثم أهلكه الله عز «٢» وجل وبقيت منهم بقيّة، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادى، ولم يبق للنجّار بقيّة ولا لمن كان على مذهبه.
ولنرجع إلى أخبار زكرويه بن مهرويه وخبر من أرسله إلى الشام.
ذكر ظهور القرامطة بالشام وما كان من أمرهم وحروبهم
قد قدّمنا من أخبار زكرويه بن مهرويه واختفائه وحرص أصحاب عبدان على قتله، وأنّه لما طال عليه الأمر أرسل ابنه الحسن إلى الشام وذلك في سنة ثمان وثمانين ومائتين.
قال الشريف أبو الحسين محمد بن على الحسينى «٣» ﵀:
ولما أرسل زكرويه بن مهرويه ابنه إلى الشام أرسل معه رجلا من القرامطة من أهل نهر ملحانا، يقال له الحسن بن أحمد ويكنى بأبى الحسين، وأمره أن يقصد بنى كلب وينتسب لهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخذ من بنى
стр. 9701
العليص بن ضمضم بن عدى بن جناب بن كلب «١» بن وبرة ومواليهم وانضاف إليه طائفة من بنى الأصبع من «٢» كلب، ويسمى هؤلاء بالفاطميين وبايعوه، وكان الخبيث لما رجع إلى الطالقان يكتب إلى زكرويه يستأذنه في القدوم عليه، فيجيب بالتوقّف، فخرج نحو العراق، فلما وصل إلى السواد وجد زكرويه مختفيا، فلم يزل حتى توصل إلى المكان الذى هو فيه، فلم يظهر له لوما على قدومه وبعث إليه بخبر من استجاب له بالشام، فقال: أنا أخرج حتى أظهر فيهم هناك، فوجّه إليه: نعم ما رأيت، فضمّ إليه ابن أخته «٣» عيسى بن مهرويه، ويسمّى بالمدثّر لقبا وبعبد الله اسما، وغلاما من بنى مهرويه فتلقّب بالمطوّق وكان سيّاقا، وأنفذهم إلى الشام، وكتب إلى ابنه الحسن يعرّفه أنّه ابن الحجّة، ويأمره له بالسمع والطاعة، فسار حتى نزل في بنى كلب، فلقيه الحسن بن زكرويه وسرّ به، وجمع له الجمع وقال: هذا صاحب الإمام فامتثلوا أمره، وسرّوا به وقالوا له: مرنا بأمرك وبما أحببت، فقال لهم: استعدوا للحرب فقد أظلّكم النصر، ففعلوا ذلك، واتصلت أخبارهم بشبل الديلمى مولى المعتضد، وذلك في سنة تسع وثمانى ومائتين. فقصدهم فقتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه، وكانت الوقعة بالرصافة من غربى الفرات، ودخلوا الرصافة وأحرقوا مسجدها ونهبوها، وأصعدوا نحو الشام، واعترضوا الناس بالقتل والتحريق ونهب القرى، إلى أن وردوا أطراف
стр. 9702
دمشق، وكان هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ردّ أمر دمشق إلى طغج بن جف الفرغانى، فلقيتهم عساكره فانهزمت ولم تثبت، وقتل كثير منهم وأخذوا منهم ما قدروا عليه.
قال: ولما هزم طغج نزل على دمشق وقاتل أهل البلد، وكان يحضر الحرب على ناقة ويقول لأصحابه: لا تسيروا من مصافّكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا فإنه لا تردّ لكم دابّة إذ كانت مأمورة، فسمّى بذلك صاحب الناقة، وحصر طغج بدمشق سبعة أشهر، فكتب طغج إلى مصر بخبر من قتل من أصحابه، وأنه محصور وقد فنى أكثر الناس وخرب البلد، فأنفذوا إليه بدار الكبير غلام ابن طولون- وهو المعروف بالحمّامى- فسار حتى قرب من دمشق وخرج «١» إليه طغج واجتمعوا على محاربة القرامطة، والتقوا واقتتلوا بقرب دمشق «٢» ، فأصاب رئيس القرامطة- ابن القدّاح- سهم فقتله، ويقال أصابه الزراقون بمزراق فيه نفط فاحترق، وحمى أصحابه فقاتلوا عسكر بدر الحمّامى وطغج حتى انحازوا عنهم وانصرفت القرامطة وكان صاحب الناقة هذا المقتول قد ضرب دنانير ودراهم، وكتب على السكّة على أحد الوجهين: قل جاء الحق وزهق الباطل، وعلى الوجه الآخر: لا إله إلا الله، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودّة في القربى.
قال: فلما انصرفت القرامطة عن دمشق بعد قتل الطاغية بايعوا:
стр. 9703
الحسن «١» بن زكرويه بن مهرويه
فسمّى نفسه أحمد وتكنى بأبى العباس وهو صاحب الشامة.
قال ابن الأثير: ولما بايعه القرامطة دعا الناس فأجابه كثير من أهل البوادى وغيرهم، فاشتدت شوكته وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته «٢» .
قال الشريف أبو الحسين وسياقه أتمّ: ولما بايعوه ثار حتى افتتح عدّة مدن من الشام، وظهر على جند حمص، وقتل خلقا كثيرا من جند المصريين «٣» ، وتسمّى بأمير المؤمنين على المنابر وفي كتبه، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين وبعض سنة تسعين ومائتين، ثم سار بمن معه إلى نحو الرقّة، فخرج إليهم مولى الخليفة المكتفى بالله وكان عليها، فواقعهم فهزموه، وقتلوه واستباحوا عسكره ورجعوا يريدون دمشق، وجعلوا ينهبون جميع ما يمرّون به من القرى، ويقتلون ويسبون ويخربون، فلما قربوا من دمشق أخرج إليهم طغج جيشا كثيفا أمّر عليه غلامه بشيرا، فهزم القرامطة الجيش وقتل بشير في خلق من أصحابه، فلما اتصل بالمكتفى قتل غلامه الذى كان على الرقّة وخبر قتل بشير ندب أبا الأعزّ السّلمى، وضمّ إليه عشرة آلاف من الجند والموالى والأعراب، وخلع عليه لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة تسعين ومائتين وأنفذه، فسار حتى نزل حلب ثم خرج فنزل وادى بطنان، فتفرّق الناس ودخل قوم منهم الماء يتبرّدون فيه وذلك في القيظ، ووافاهم القرامطة يقدمهم المطوّق،
стр. 9704
فكان كل إنسان يحذر على نفسه وينجو بها، وركب أبو الأعزّ فرسه وصاح بالناس، فسار إليه جماعة لقى بها أوائل القوم، فلم يلبث إلا اليسير حتى انهزم، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون وينهبون حتى حجز الليل بينهم، وقد أتوا على عامّة العسكر وسلم منهم قليل.
ولحق أبو الأعزّ في جميعيّة معه بحلب، ثم تلاحق به قوم حتى حصل فى نحو ألف رجل، ووافت القرامطة فنازلوا أهل حلب فحاربهم أبو الأعزّ، فلم يقدروا منه على شىء فانصرفوا، وجمع الحسين بن زكرويه أصحابه، وكان قد اتّصل به خلق كثير من اللصوص ومن بنى كلب، فسار حتى نزل أطراف حمص فخطب له على منابرها.
ثم نهض إليها فأعطاه أهلها الطاعة، وفتحوا له البلد فدخلها، ثم سار إلى حماة ومعرّة النّعمان وغيرهما فقتل الرجال والنساء والأطفال، ثم رجع إلى بعلبك فقتل عامّة أهلها، ثم صار إلى سلمية فحاربه أهلها وامتنعو منه، فأعطاهم الأمان ففتحوا له «١» ، فبدأ بمن كان فيها من بنى هاشم.
وكان بها جماعة كثيرة، فقتلهم أجمعين، ثم كرّ على أهلها فأفناهم أجمعين وخرّ بها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، وكان مع ذلك لا يمرّ بقرية فيدع فيها أحدا، حتى أخرب البلاد وسبى الذرارى وقتل الأنفس من المسلمين وغيرهم، ولم يقم له أحد.
قال الشريف: ووردت كتب التجّار وسائر الناس من دمشق وغيرها بصورة الأمر وغلظه، وأن طغج قد فنيت رجاله وبقى في عدّة يسيرة، وأنّ القرامطة تقصد دمشق في أوقات فلا يقاتلهم إلا العامّة
стр. 9705
وقد أشرف الناس على الهلكة وكثر الضجيج بمدينة السلام، واجتمعت العامّة إلى يوسف بن يعقوب القاضى وسألوه إنهاء أخبار الناس إلى الخليفة، فوعدهم بذلك، ووردت كتب المصريين على المكتفى بالله يعرّفونه ما قتل من عسكرهم الذى خرج إلى الشام، وأن القرامطة أفنتهم وأنّهم قد أخربوا الشام، فأمر المكتفى الجيش بالاستعداد وإخراج المضارب إلى باب الشماسيّة، وخرج إلى مضربه في القوّاد والجند، ورحل لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة تسعين ومائتين، وسلك طريق الموصل ومضى نحو الرقّة بالجيوش حتى نزلها وانبثت جيوشه من حلب وحمص، وقلّد محمد بن سليمان حرب الحسين بن زكرويه، واختار له جيشا كثيفا، وكان محمد بن سليمان صاحب ديوان العطاء وعارض الجيش، فسار نحو القرامطة بجيشه.
ذكر الحرب بين محمد بن سليمان وبين القرامطة وانهزام القرامطة والظفر بالحسن بن زكرويه صاحب الشام وأصحابه وقتلهم
قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: ولما دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين كتب القاسم بن عبيد الله وهو وزير المكتفى بالله إلى محمد بن سليمان الكاتب يأمره بمناهضة القرامطة، فسار إليهم والتقى الجمعان يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم من هذه السنة، بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم، وقتل عامّة رجالهم، وورد كتاب محمد بن سليمان الكاتب إلى القاسم بن عبيد الله الوزير، يخبره بكيفيّة المصاف والقتال ومن
стр. 9706
كان في الميمنة والميسرة والقلب والجناحين من قوّاد عسكره، وأن القرامطة اجتمعوا ستّة كراديس، وأن ميسرتهم كان فيها ألف وخمسمائة فارس، وكمنوا خلفها أربعمائة فارس، وفي القلب ألف فارس وأربعمائة فارس، وفي ميمنتهم ألف فارس وأربعمائة فارس، وكمنوا خلفها مائتى فارس، وذكر كيف كانت حملاتهم وقتالهم، وكيف كانت هزيمتهم، فى كلام مطوّل تركناه اختصارا لطوله، إلا أنّ ملخّصه أنّ القرامطة قتلوا قتلا ذريعا، وذكر أن الكردوس الذى كان في ميسرة القرامطة قصده الحسين بن حمدان، وكان في جناح ميمنة عسكر الخليفة، واقتتلوا أشدّ قتال حتى تكسّرت الرماح وتقطّعت السيوف فصرع من القرامطة ستمائة في أول دفعة، وأخذ أصحاب الحسين منهم خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضّة، وأن القرامطة ولّوا مدبرين فاتبعهم الحسين بن حمدان، فرجعوا عليه فلم يزل يحمل حملة بعد حملة- وهم في خلال ذلك يصرعون منهم الجماعة بعد الجماعة- حتى أفناهم الله تعالى، فلم يفلت منهم إلا أقل من مائتى رجل.
قال: وحمل الكردوس الذى كان في ميمنتهم على القاسم بن سهل ويمن الخادم، فاستقبلوهم بالرماح فكسروها في صدورهم وعانق بعضهم بعضا، فقتلوا من الكفرة جماعة كبيرة. قال: وأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس «١» ومائة طوق فضّة، وأخذ أصحاب خليفة بن المبارك منهم مثل ذلك، وذكر في كتابه أنه حمل هو عليهم في القلب، فما زال أصحابه يقتلون القرامطة- فرسانهم ورجّالتهم- أكثر من خمسة
стр. 9707
أميال، وذكر في كتابه أن الحسن بن زكرويه لم يشهد هذا المصاف وأنّه يشخص إليه إلى سلمية. قال الشريف ﵀: وكان الحسن ابن زكرويه- لما أحسّ بقرب الجيوش- عرض أصحابه، وأخرج الأقوياء منهم عن الضعفة والسواد، وأنفذ الجيش وتخلّف هو في السواد والضعفة، فلما انهزم أصحابه ارتاع لذلك ورحل لوقته وسار خوفا من الطلب، وتلاحق به من أفلت من أصحابه، فخاطبهم بأنّهم أتوا من قبل أنفسهم وذنوبهم وأنّهم لم يصدقوا الله، وحرّضهم على المعاودة إلى الحرب فلم يجبه منهم أحد إلى ذلك، واعتلّوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم، فلما أيس منهم قال لهم: قد كاتبنى خلق من أهل بغداد بالبيعة لى، ودعاتى بها ينتظرون أمرى، وقد خلت من السلطان الآن، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها، ومستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد صاحبى، وكتبى ترد عليه بما يعمل به فاسمعوا له وأطيعوا أمره فضمنوا له ذلك، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمّى بالمدثّر وصاحبه المطوّق وغلام له رومىّ، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق وساروا يريدون سواد الكوفة، وسلك البرّ وتجنّب المدن والقرى، حتى إذا صار قريبا من الدالية نفد زاده، فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بالقرب منها خلف رابية، ووجّه بعض من كان معه لابتياع ما يصلحه، فلما دخلها أنكر زيّه بعض أهلها وساء له عن أمره فورى وتلجلج، فاستراب به وقبض عليه وأتى به واليها، وكان يعرف بأبى خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات، قال: والدالية قرية من عمل الفرات، قال:
فسأله أبو خبزة عن خبره ورهب عليه، فعرّفه أن القرمطى، الذى
стр. 9708
خرج أمير المؤمنين المكتفى بالله في طلبه، خلف رابية أشار إليها، فسار أبو خبزة إلى ذلك الموضع ومعه جماعة بالسلاح حتى أشرف عليهم، فأخذهم وشدّهم وثاقا وتوجه بهم إلى صاحبه ابن كشمرد، فسار بهم إلى المكتفى وهو يومئذ بالرقّة، فأمر أن يشهّروا بها ففعل بهم ذلك، وألبس الحسن بن زكرويه درّاعة ديباج وبرنس من حرير وهو على بختىّ، والمدثّر والمطوّق على جملين عليهما درّاعتا ديباج وبرانس حرير، وهم بين يديه، وذلك في يوم الأربعاء لأربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين.
قال: وقدم محمد بن سليمان الكاتب الرقّة والجيوش معه، بعد أن تتبّعوا ما بقى من القرامطة فأسروا وقتلوا، فخلف المكتفى بالله عساكره مع محمد بن سليمان بالرقّة، وشخص في خاصّته وغلمانه وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد، وحمل القرمطى وأصحابه معه ومن أسر في الوقعة، وذلك في أول يوم من صفر سنة إحدى وتسعين ومائتين، فلما صار إلى بغداد عمل له دميانه غلام يا زمان كرسيّا سمكه ذراعان ونصف، وركّبه على فيل وأركبه عليه ودخل المكتفى بالله وهو بين يديه مع أصحابه الأسرى، عليهم دراريع الديباج والبرانس والمطوّق في وسط الأسرى على جمل، وهو غلام حدث قد جعل في فيه خشبة مخروطة قد شدّت إلى قفاه كاللجام، وذلك أنّهم في وقت دخولهم الرقّة أكثر الناس الدعاء عليهم، فكان هو يشتم الناس الذين يدعون عليهم ويبصق عليهم، وكان دخولهم كذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول من هذه السنة.
стр. 9709
قال: فلما وصل المكتفى إلى داره حبسهم ووكل بهم، ووصل محمد بن سليمان بعد ذلك على طريق الفرات في الجيش، وقد تلقّط، بقايا القرامطة من كل وجه، فنزل بباب الأنبار في ليلة الخميس لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل من السنة، فأمر المكتفى القوّاد وأصحاب الشرط بتلقّيه والدخول معه، فدخل محمد بن سليمان في زى حسن ومعه بين يديه نيّف وسبعون أسيرا، وخلع الخليفة على محمد بن سليمان وطوّقه بطوق من ذهب، وسوّره بسوار من ذهب، وخلع على جميع القوّاد وطوّقوا وسوّروا، وحبس الأسرى وكان المكتفى بالله وقت دخوله أمر أن تبنى له دكّة في المصلّى العتيق من الجانب الشرقى، مربّعة ذرعها عشرون ذراعا في مثلها وارتفاعها عشرة أذرع يصعد إليها بدرج، فلما كان يوم الاثنين لأربع بقين من شهر ربيع الأول أمر المكتفى القوّاد وجميع الغلمان وصاحب جيشه محمد ابن سليمان وصاحب شرطته أن يحضروا هذه الدكّة، فحضروها وصعد الوجوه ووقف الباقون على دوابّهم، وخرج التجّار والعامّة للنظر وحملوا الأسرى كلّهم مع خلق كثير منهم كانوا بالكوفة وحملوا إلى بغداد وغيرهم ممّن حمل ممّن كان على مذهبهم، فأحضر جميعهم على الجمال وقتلوا جميعا وعدّتهم ثلاثمائة وستون وقيل ثلاثمائة ونيّف وعشرون، وقدم الحسن بن زكرويه وعيسى ابن أخت مهرويه، وهما زميلان، على بغل في عماريّة، قد أرسل عليهما أغشية، فأصعدا إلى الدكّة وأقعدا، وقدم أربعة وثلاثون إنسانا من الأسرى من وجوه القرامطة، ممّن عرف بالنكاية والعداوة للإسلام والكلب على سفك الدماء واستباحة النساء وقتل الأطفال، وكان كل واحد منهم
стр. 9710
يبطح على وجهه فتقطع يده اليمنى ويرمى بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يده اليسرى، ثم رجله اليمنى ويرمى بها إلى أسفل ثم تضرب عنقه ويرمى به إلى أسفل، فلما فرغ منهم قدّم المدثر ففعل به مثل ذلك ثم كوى ليعذب ثم ضربت عنقه، ثم قدم الحسن بن زكرويه فضرب مائتى سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وكوى وضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وحملت الرؤوس فصلبت على الجسر، وصلب بدن الحسن فمكث مصلوبا نحوا من سنة، ثم سقط عليه حائط ودفنت أجساد الأسرى عند الدكة، وهدمت بعد أيام.
قال الشريف: ومن كتب اللعين الحسن بن زكرويه إلى بعض عمّاله:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله المهدى المنصور الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الداعى إلى كتاب الله، الذابّ عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المنتصرين، ومشتت المخالفين، والقيم بسنة المرسلين، وولد خير الوصيّين صلى الله عليه وعلى آله الطيّبين وسلّم- كتاب إلى جعفر «١» بن حميد الكردى، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد «٢» جدّى رسول؛ أما بعد: فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من
стр. 9711
أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد فى الأرض فأعظمنا ذلك «١» ، ورأينا أن ننفذ إلى هناك من جيوشنا من ينتقم الله به، من أعدائنا الظالمين الذين يسعون في الأرض فسادا فأنفذنا جماعة من المؤمنين «٢» إلى مدينة حمص ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك، لطلب أعداء الله حيث كانوا ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم، فينبغى أن يكون «٣» قلبك وقلوب من اتبعك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل يعوّدنا في كل من مرق «٤» من الطاعة وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث فيها، ولا تخف عنّا شيئا من أمرها.
سبحانك اللهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدى رسوله وعلى أهل بيته وسلم كثيرا.
وكان عمّاله يكاتبونه بمثل هذا الصدر. قال ابن الأثير «٥» :
وكان قد نجا من أعيان القرامطة رجل من بنى العليص يسمى إسماعيل ابن النعمان في جماعة معه، فكاتبه المكتفى بالله وبذل له الأمان، فحضر في نيّف «٦» وستين نفسا، فأحسن الخليفة إليهم وسيّرهم إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، فأقاموا معه مدّة وعزموا على
стр. 9712
إنشاء فتنة بالرحبة، وكان قد انضم إليهم جماعة كثيرة، فشعر بهم القاسم فقتلهم فارتدع من كان قد بقى من موالى بنى العليص، وذلّوا ولزموا السماوة حتى جاءهم كتاب من زكرويه بن مهرويه، يذكر لهم أن ممّا أوحى إليه أن صاحب الشامة وأخاه يقتلان، وأن إمامه، الذى هو حى، يظهر بعدهما ويظفر
ذكر خبر ارسال زكرويه بن مهرويه محمد بن عبد الله الى الشام وما كان من أمره الى أن قتل
كان الحسن بن زكرويه قد خلف القاسم بن أحمد المكنى بأبى الحسين خليفة على من بسلمية من أصحابه كما قدّمنا، فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه فأخبره بخبر القوم، الذين استخلفه عليهم ابنه الحسن أنهم اضطربوا عليه، وأنه خافهم وتركهم وانصرف، فلامه زكرويه على قدومه لوما كثيرا، وقال له: ألا كاتبتنى قبل انصرافك إلىّ، ووجده على ما به تحت خوف شديد من طلب السلطان من وجه وطلب أصحاب عبدان الذى كان قد تسبّب في قتله من وجه آخر ثم إنّ زكرويه أعرض عن القاسم وأنفذ رجلا من أصحابه، كان يعلم الصبيان بالزابوقة «١» يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد «٢» المكنى أبا غانم في سنة ثلاث وتسعين ومائتين فتسمى نصرا، وأمره أن يتوجّه إلى أحياء كلب ويدعوهم، فدار أحياء كلب ودعاهم فلم يقبله
стр. 9713
إلا رجل من بنى زياد يعرف بمقدام بن الكيّال، ثم استجاب له طوائف من الأصبعيين الذين يعرفون بالفواطم، وقوم من بنى العليص وصعاليك من بنى كلب، فسار بهم نحو الشام، وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهم بنواحى مصر على حرب إبراهيم الخليجى، وكان قد خالف كما قدّمنا ذكر ذلك، فاغتم محمد بن عبد الله بن سعيد غيبته فصار إلى مدينتى بصرى وأذرعات فحارب أهلها ثم أمّنهم فلما استسلموا قتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم، وسار نحو دمشق فخرج إليه صالح بن الفضل خليفة ابن كيغلغ فيمن معه، فأثخنوا فيهم وظفروا عليهم ثم غرّوهم ببذل الأمان، فقتلوا صالحا وعسكره وقصدوا دخول دمشق فدفعهم عنها أهلها فانصرفوا إلى طبريّة، ولحق بهم جماعة من الجند ممّن سلم بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم، عامل ابن كيغلغ على الأردن، فهزموه، وبذلوا له الأمان ثم غدروا به فقتلوه ونهبوا طبريّه وقتلوا وسبوا النساء، فأنفذ المكتفى الحسين بن حمدان في طليهم مع وجوه من القوّاد، فدخل دمشق وهم بطبريّة، فلما علموا بذلك عطفوا نحو السماوة، وأتبعهم الحسين بن حمدان في البريّة، فأقبلوا ينتقلون من ماء إلى ماء يغورون ما يرتحلون عنه من الماء، فلم يزالوا على ذلك حتى وردوا الماءين المعروفين بالدمعانة والحالّة، فانقطع عنهم لعدم الماء فمال نحو رحبة مالك بن طوق، وأسرى عدو الله حتى وافى هيت وهم غازون وذلك لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين، طلوع الشمس، فنهب ربض هيت والسفن التى فى الفرات وقتل نحو مائتى إنسان، وأقام هناك يومين والقوم
стр. 9714
متحصّنون، ثم رحل بما أخذه وبمائتى كرّ حنطة إلى نحو الماءين وبقيّة أصحابه هناك، فلما اتصل الخبر بالمكتفى أرسل إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداجيق ومعه جماعة من القوّاد في جيش كثيف، ثم أتبعه بمؤنس الخادم «١» ، فنهض محمد بن إسحاق نحوهم فوجدهم قد غوّروا المياه، فأنفذ إليه من بغداد بالروايا والقرب والمزاد، وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة، فلما أحسّوا بذلك إئتمروا بصاحبهم نصر، فوثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذيب بن القائم فقتله، وشخص إلى بغداد متقرّبا بذلك ومستأمنا، فأسنيت له الجائزة وكف عن طلب قومه بقتل محمد هذا، فمكث أياما ببغداد وهرب، ثم إن طلائع محمد بن كنداجيق ظفرت برأس محمد المقتول هذا، فحمل إلى بغداد.
قال: ثم إن قوما من بنى كلاب أنكروا ما فعله الذيب من قتل محمد، ورضيه آخرون فتحزّبوا أحزابا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى بينهم ثم افترقوا، فصارت الفرقة التى رضيت قتله إلى ناحية عين التمر، وتخلف من كره قتله على الماء الذى كانوا ينزلون عليه، واتصل الخبر بزكرويه بن مهرويه فردّ القاسم إليهم.
стр. 9715
ذكر ارسال زكرويه بن مهرويه القاسم بن أحمد ودخوله الكوفة وما كان من أمره
قال: ولما اتّصل الخبر بزكرويه كان القاسم بن أحمد عنده، فردّه إليهم لمعرفتهم به، فلما ورد عليهم جمعهم ووعظهم، وقال: أنا رسول وليّكم وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الذيب بن القائم، وأنّكم قد ارتددتم عن الدين، فاعتذروا وحلفوا ما كان ذلك بمحبّتهم، وذكروا ما جرى بينهم وبين أهلهم من الخلف والقتل والبعد بهذا السبب، فقال لهم: قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدّمنى، وليّكم يقول لكم: قد حضر أمركم وقرب ظهوركم، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا ومن أهل سوادها أكثر، وموعدكم اليوم الذى ذكره الله، يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، فأجمعوا أمركم وسيروا إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها، ومنجز وعدى الذى جاءتكم به رسلى، فسرّوا بذلك سرورا كثيرا وارتحلوا نحو الكوفة، فلما وردوا إلى القطقطانة، وهى قرية خراب في البرّ، بينها وبين الكوفة ستة وثلاثون ميلا، وذلك يوم الأربعاء قبل يوم عرفه بيوم من سنة ثلاث وتسعين ومائتين، خلّفوا بها الخدم والأموال ثم أمرهم أن يلحقوا به عين الرحبة على ستة أميال من القادسية، ثم شاور الوجوه من أصحابه فى أى وقت يأتى الكوفة؟ فقال قائل ليلا فلا يتحرك أحد إلا قتلناه، ويخرج إلينا واليها في قلة فنأخذه ونقتله، وقال آخر: نمهل إلى أن ندخلها عشاء في يوم العيد، والجند سكارى والبلد خال، فنقصد باب إسحاق وهو غافل فنأخذه ونقف على بابه، فلا يأتينا أحد إلا
стр. 9716
قتلناه، فإنهم لا يأتونا إلا نفر بعد نفر، وكانت شحنة الكوفة يومئذ سبعة آلاف رجل، إلا أن المقيم بالكوفة يومئذ أربعة آلاف من الدميانية والمصريين وغيرهم، والناس فيها أحياء «١» والبلد على غاية الاجتماع والحسن وكثرة الناس، وقال آخرون: نسير ليلتنا ثم نكمن في النجف في شعابه فنريح الخيل والإبل وننام، ونركب عمود الصبح فنشنّها غارة على أهل المصلّى، وقد نزل الجند للصلاة وركب غلمانهم الدوابّ، ونضع السيف وجل أهل البلد هناك، فقال اللعين: هذا هو الرأى، فركبوا وساروا حتى حصلوا في بعض المواضع فناموا، فلم يوقظهم إلا مسّ الشمس يوم العيد، لطفا من الله تعالى بالناس؛ قال: وقد كان أحد ما شغلهم أنهم اجتازوا بقوم من اليهود يدفنون ميتا لهم بالنّخيلة، فشغلهم قتلهم فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد صلى إسحاق بن عمران بالناس «٢» العيد، وانصرف والناس متبدّدون في ظاهر الكوفة ومنهم من قد انصرف، ولاسحاق بن عمران «٣» طلائع تتفقد، وكان ذلك لأمور قد أرجف الناس بها فى البلد، من فتن تحدث من غير جهة القرامطة، وقيل كانت عدّتهم ثمانمائة فارس وأربعمائة راجل: وهم يقاتلون على طمع وشبهة، فأقبلوا يقدمهم هذا المكنى بأبى الحسين. قال: وكان أحد الألطاف أنّ إسحاق بن عمران قد أحدث مصلى بالقرب من طرف البلد فصلى فيه، وكان الرجوع منه إلى البلد سهلا، فقصدت القرامطة المصلى العتيق، على ما كانوا يقدرون من اجتماع الناس فيه، فلم بصادفوا فيه أحدا،
стр. 9717
فأقبلت خيل منهم من تلك الجهة، فدخلوا الكوفة من يمينها، فوضعوا السيف حتى وصلوا إلى حبسها ففتحوه، وقتلوا كثيرا من الناس وأخرجوا خلقا، فارتجت الكوفة وخرج الناس بالسلاح، وتكاثر الناس على من دخل الكوفة من القرامطة، فقذفوهم بالحجارة فقتل منهم جماعة، وأقبل جل القوم نحو الخندق فقتلوا ناسا، وناوشهم طوائف من الجند تخلفوا بالصحراء وبعض ما كان أنفذ إسحاق بن عمران طليعة، فقتلوا بعضهم وأفلت بعضهم إلى البلد، وكان إسحاق بن عمران قد انصرف في أحسن زى وأجمله، فلما صار قرب داره تفرّق الجيش عنه إلا خواصا، كان قد عمل لهم سماطا في داره، فلما سار في بعض الطريق لحقه فارس من بنى أسد على فرس له بلقاء، قد طعنت في عنقها ودمها سائل على كتفها إلى الحافر، فشق الجند وزاحم غلمانه وجاوز إسحاق بن عمران، ثم قلب رأس فرسه إليه فوقف له، فقال: جاءتنا أيها الأمير خيل من الأعراب، فقتلت وسلبت وخرجت إلى الصحراء، فلما رددناهم طعنت فرسى، فقلب إسحاق بن عمران فرسه راجعا، وأمر بإخراج الجند نحو الخندق، وبين يدى إسحاق بن عمران نحو من ستين راجلا، ومعه غلمانه ونفر يسير من الجند، حتى إذا صار عند قصر عيسى بن موسى ومعه أبو عيسى صالح بن على بن يحيى الهاشمى يسايره فالتفت إليه، وقال: خذ هؤلاء الرجّالة وامض إلى قنطرة بنى عبد الوهاب- وهى إحدى قناطر الخندق- فاكشفها، فأخذهم ومضى، وتقدّم إلى عبد الله الحسين بن عمر العلوى أن يدور في البلد ويسكّن الناس، فدار وعليه السواد فسكن الناس، وخرج كثير
стр. 9718
من الناس بالسلاح، وتفرّق من دخل الكوفة من القرامطة لمّا رماهم أهلها، وقتل بعض القصابين رجلا منهم بساطور، وكان فيمن تفرّق منهم رجل من كلب يعرف بالمقلقل، وهو أحد رجالهم وشجعانهم في جمع معه، فأفضى به الطريق إلى دار عيسى بن على، فلقيهم أحد الفرسان من الجند يعرف بالوردانى، قد ركب لمّا سمع الصيحة، فلم يشك أنّهم من الجند لما رأى من كثرة الجواشن عليهم والدروع، فقال لهم: سيروا يا أصحابنا، فأمسكوا عنه حتى توسّطهم ثم عطفوا عليه بالسيوف فقتلوه، وأخذوا دابّته وساروا نحو الخندق للقاء أصحابهم، فلما صاروا بالصحراء من الكوفة نظر إليهم أبو عيسى، فلم يشك أنّهم من أصحاب السلطان، ثم نظر إليهم وقد لقوا جماعة من العامّة، فأقبلوا يسلبونهم، فتبيّن أمرهم فحمل عليهم فعدلوا عن سلب أولئك، وحمل فارسهم المقلقل- وكان رجلا عظيما جسيما- وفي يده سيف عريض، فالتقى هو وأبو عيسى فطعنه أبو عيسى تحت ثندوته «١» فصرعه، فحذفه المقلقل بالسيف فأصاب جحفلة «٢» فرسه فعقره، وأمر أبو عيسى بعض الرجّالة فاحتزّ رأسه ووجّه به إلى إسحاق بن عمران، وقد رفع رأسه، فكان ذلك أحد ما كسرهم؛ قال: واجتمعت الخيل والرجّالة فقاتلهم إسحاق بمن معه- وليسوا بالكثيرين- قتالا شديدا، فى يوم صائف شديد الحرّ طويل إلى الزوال، وخرج الناس من العامّة فانصرف القرامطة مكدودين
стр. 9719
فنزلوا العدير على ميلين من الكوفة وارتحلوا عشيا نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية، وقد وصل إليهم رسول إسحاق بن عمران، فحذّرهم أمرهم يعنى حذّر أهل القادسيّة، وعرف يومئذ صبر إسحاق ابن عمران على حملاتهم وتشجيعه لأصحابه.
قال: وأخرج إسحاق بن عمران مضاربه بظاهر الكوفة، وخرج إليه أصحابه فعسكر، وبات الناس بالكوفة على غاية الجزع والتحارس ونصب الحجارة على الأسطحة؛ قال: ولما وصلت القرامطة إلى عين الرحبة وكانوا قد خلّفوا سوادهم هناك،؟؟؟ فرحلو ثم وساروا بهم فنزلوا عينا بسرّة العذيب تعرف بعين عبد الله، ثم رحلوا فنزلوا قرية تعرف بالصوّان على نهر هد من سواد الكوفة، ثم مضى أبو الحسين إلى قرية تعرف بالدرنه «١» على نهر زياد من سواد الكوفة، فخرج إليه بها زكرويه وكان من أمره ما نذكره.
ذكر ظهور زكرويه بن مهرويه وقتاله عساكر الخليفة وأخذه الحاج وما كان من أمره الى أن قتل
كان ظهور زكرويه بن مهرويه في سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وذلك أنّه لما وصل القاسم بن أحمد إلى الدرنة خرج زكرويه إليه
стр. 9720
منها، وكان بها مستترا كما ذكرنا فيما تقدّم، فقال القاسم للعسكر:
هذا صاحبكم وسيّدكم ووليّكم الذى تنتظرونه، فترجّلوا بأجمعهم وألصقوا خدودهم بالأرض، وضرب لزكرويه مضرب عظيم وطافوا به وسرّوا سرورا عظيما، واجتمع إليه أهل دعوته من أهل السواد فعظم جيشه جدا، وكان إسحاق بن عمران قد كتب إلى العباس بن الحسن «١» وزير المكتفى- يخبره خبر القرامطة ومهاجمتهم على الكوفة وما كان من خبرهم، وأثنى على من عنده من الجند وذكر حسن بلائهم، فلما وصل إليه الكتاب قلق له، وشاور بعض أصحابه في لقاء الخليفة المكتفى بالله بذلك، فأشار عليه بتعجيله بذلك، فقال الوزير:
كيف ألقاه بهذا مع ما يحتاج إليه من الأموال ولعهدى به، وقد ناظرنى منذ يومين في دينار واحد، ذكر أنّه فضل بقيّة نفقة رفعت إليه، فقال له صاحبه: أيها الوزير إن أسعفك وإلا ففى أموال خدمك وأسبابك فضل فوظفها علينا، وتنفق فيها، فقال: فرّجت، والله- عنى، ثم لبس ثيابه وأبى إلى المكتفى بالله فدخل عليه في غير وقت الدخول فعرّفه الخبر، فقال له المكتفى: كأنّك يا عباس قد قلت: كيف أخبر أمير المؤمنين بمثل هذا وقد ناظرنى في دينار فضل نفقة! فقال: قد كان ذاك يا أمير المؤمنين، قال: إنّما جرى ذلك لمثل هذا، فلا تبخل بمال في مثل هذا، وأباحه الأموال والإنفاق في
стр. 9721
الرجال ليلا ونهارا، فأنفذ الوزير جنىّ «١» الصفوانى ومباركا القمّى ونحرير العمرى ورائقا وطائفة من الغلمان الحجرية وجماعة من القوّاد فى جيش عظم، فوصل أوائلهم في اليوم السادس من يوم النحر، فركب إليهم إسحاق بن عمران وذكر لهم قوّة من لقى من القرامطة، وأنّه قد مارسهم، وحذّرهم أن يغتروا بهم، وقال لهم: سيروا إلى القادسيّة فإنّ بينكم وبينها مرحلة، وإذا صرتم بها فأريحوا واستريحوا وتجمّعوا، ثم سيروا إليهم وطاولوهم ونازلوهم فإنّ الظفر برجى بذلك فيهم عندى، ولا ترموا بأنفسكم عليهم فإنّهم صبر غير أنكال، فقال له بشر الأفشينى: إن رأيناهم كفيناك القول يا أبا يعقوب، إنما نخشى أن يهربوا، فدعا لهم بالنصر ورحلوا نحو القادسيّة، فباتوا بها ليلة ورحلوا في آخرها إلى الصوّان، وبين الموضعين نحو العشرة أميال، ورحلوا بالأثقال والفهود والبزاة وهم على غير تعبئة مستخفّين بهم، فأسرعوا السير ووصلوا وقد تعب ظهرهم وقلّ نشاطهم وقد عمد القرامطة فضربوا بيوتهم إلى جانب جرف عظيم لنهر هناك وأثقالهم مما يلى البيوت، والرجّالة في أيديهم السيوف، وقتالهم من وجه واحد صفا واحدا قدّام البيوت بقدر نصف غلوة، والفرسان جلوس خلف الرجّالة، فلما تراءى الفريقان ركب الفرسان وافترقوا فصاروا جناحين للرّجالة، وحملوا على الناس فصدقوهم الحملة فانكفأوا راجعين، وتلاقى الرجّالة من الفريقين، فأتت رجّالة العسكر على رجّالة القرامطة وألجأوهم إلى البيوت، وأقبلت الفرسان فنظروا إلى
стр. 9722
الرجّالة ينهبون بيوتهم، فترحّلوا وحمّلوا خيلهم الأمتعة، وكانت القرامطة في مجنبات الناس لما رأوا من صدق القتال، فلما رأوا الناس قد حمّلوا الدواب والجمازات وتشاغلوا حملوا على الجمازات والبغال بالرماح، فأقبلت لا يردّها شىء عن الناس تخبطهم، فانهزم الناس ووضع السيف فيهم، وقتل الأكثر وتبع الأقل نحو القادسيّة وفيهم مبارك القمّى، فأقاموا ثلاثا يجمعون السلب والأسرى، وجمع زكرويه الآلة والمتاع والأثاث والجمازات، فقيل إنّه أخذ ثلاثمائة جمل وخمسمائة بغل ممّا كان للسلطان سوى ما أخذ للقواد، وقيل إنّه قتل ألفا وخمسمائة رجل، فقوى أصحابه جدا، ودخل الكوفة فلول الجيش عراة.
ورحل زكرويه يريد الحاج وبعث دعاته إلى السواد، فلم يلحق به فيما قيل إلا النساء والصبيان، قال: ولما وقف الخليفة على صورة الأمر عظم عليه وعلى الناس وخافوا على الحجّاج، فأنفذ المكتفى بالله محمد بن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج وطلب زكرويه، وضمّ إليه خلقا عظيما وجماعة من القوّاد ونحو ألفى رجل من بنى شيبان واليمن وغيرهم، وكان زكرويه قد نزل على عين «١» الزبيديّة، ثم نزل على أربعة أميال من واقصة، فوافت القافلة لست أو سبع خلت من المحرم من سنة أربع وتسعين ومائتين، فأنذرهم أهل المنزل بالفرامطة فلم يتزلوا وطووا، فنجّاهم الله ، وكان
стр. 9723
معهم من أصحاب السلطان الحسن بن موسى وسيما الابراهيمى، فلما وافى زكرويه واقصة تعرّف الخبر فعرف أنّهم قد حذّروهم، فقتل جماعة من أهل المنزل ونهب وأحرق الحشيش وتحصّن الباقون منه، ورحل فلقيته الخراسانية من الحجّاج على الأرض البسيطة التى تخرج منها حجارة النار، يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم، وليس معهم أحد من أصحاب السلطان، فرشقوا القرامطة بالنشّاب وقد أحاطوا بهم فانحازوا عنهم، ثم تقدّم إلى الحاج جماعة منهم فسألوهم: هل فيكم سلطان، فإنّا لا نريدكم؟ فقالوا لهم: لا، إنما نحن قوم حجّاج، فقال لهم زكرويه: امضوا، فرحلوا وأمهلهم حتى ساروا ثم قصدهم، يبعج الجمال بالرماح حتى كسر بعضها بعضا واختلطت، ووضع السيف فقتل خلقا عظيما واستولى على الأموال.
وقدم محمد بن إسحاق بن كنداج الكوفة ثم رحل إلى القادسية فلما وقف على خبر مسيرهم نحو واقصة أنفذ علّان بن كشمرد في خيل جريدة، حتى لقى فلّ الخراسانيّة فأشاروا عليه أن يلحق الحاج فإنّ القافلة الثانية تنزل العقبة الليلة أو من غد، فحثّ حتى تسبق إليها فتجتمع أنت ومن فيها على قتال الكفرة، الله الله في الناس أدركهم، فرحل راجعا نحو القادسية وقال: لا أغرّر برجال السلطان للقتل، فلقى بعد ذلك من المكتفى شرا؛ وورد زكرويه العقبة يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من المحرم وفي القافلة مبارك القمّى وأحمد ابن نصر الديلمى وأحمد بن على الهمذانى، وقد كانت كتب المكتفى اتصلت إلى أمراء القافلة الثانية والثالثة مع رسله، يأمرهم أن يتجنّبوا الطريق ويرجعوا إلى المدينة، ويأخذوا على طريق البصرة أو غيرها
стр. 9724
فلم يفعلوا ذلك، ولما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا فكانت الغلبة لأصحاب السلطان حتى لم يشكّوا في ذلك، ثم خرج اللعين زكرويه إلى آخر القافلة وقد رأى خللا هناك، فعمل في الجمال كما عمل في جمال الخراسانية، وقتل سائر الناس إلا يسيرا استعبدهم أو شريدا، ثم أنفذ خيلا فلحقت من أفلت من أوائل القوم حتى ردّوهم إليه، فقتلهم وأخذ النساء وجميع ما في القافلة، وقتل مباركا القمّى ومظفّرا ابنة وأسر أبا العشائر، فقطع يديه ورجليه وضرب عنقه، وأطلق من النساء ما لا حاجة له فيها، ووقع بعض الجرحى بين القتلى حتى تخلّصوا ليلا، ومات كثير من الناس جوعا وعطشا، وورد من قدّم من الناس يخبرون أن نساء القرامطة كنّ يطفن بين القتلى فيقلن:
عزيز علينا، من يرد ماء نسقيه، فإن كلّمهنّ جريح مطروح أجهزن عليه، قال: ويقال إنّ جميع القتلى كانوا نحوا من عشرين ألفا، وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة.
قال: ولما اتصل خبر القافلتين بمدينة السلام جاء الناس من ذلك ما شغلهم، وتقدّم السلطان باخراج المال وإزاحة العلل، وأخرج العباس بن الحسن ومحمد بن داود الجرّاح الكاتب المتولى دواوين الخراج والضياع بالمسير إلى الكوفة لانقاذ الجيش منها، وحمل معه أموالا عظيمة، وقال: كلّما قرب نفاد ما معك كاتبنى لأمدّك بالأموال، وخرج إليها يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم، وقدّم خزانة سلاح جعلها بالكوفة فما زالت بقاياها هناك إلى أن أخذها الهجرىّ. قال: ثم رحل زكرويه يريد القافلة الثالثة فلم يدع ماء في طريقه إلا طرح فيه جيف الموتى، ونزل زبالة فقتل من
стр. 9725
بها من التجار، ونهب الحصن وبث الطلائع خوفه من لحوق عسكر السلطان به، فلما أبطأت القافلة عليه فنزل الشّقوق ثم نزل في رمل يقال له الهبير والطليح، وأقام ينتظر القافلة وفيها من الفوّاد نفيس المولدى، وعلى ساقتها صالح الأسود ومعه الشّمسة، وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا ومعه الخزانة، وكان في القافلة من الوجوه إبراهيم «١» بن أبى الأشعث، ومعه كاتبه المنذر بن إبراهيم وميمون ابن إبراهيم الكاتب وكان إليه ديوان الخراج، والفرات بن أحمد ابن محمد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العبّاس بن الحسن، وعلى بن العبّاس النّهيكى وغيرهم من الرؤساء، وخلق من مياسير التجّار وفيها من المتاجر والرقيق ما يخرج عن الوصف، وفيها جماعة من الأشراف منهم أبو عبد الله أحمد بن موسى بن جعفر وجماعة من أهله، فأصاب بعضهم جراحات وأسر بقيّتهم، فعرفهم بعض المولّدين من وجوه عسكره فأخبره يهم، فخلّى لأبى عبد الله أحمد بن موسى وأهله الطريق، ومكّنهم من جمال تحمّلوا عليها، وكان أحمد بن موسى أحد من دخل بغداد وخبّر السلطان بأمرهم وجلالة حالهم؛ وأقاموا بفيد وقد اتّصل بهم أنّهم ينتظرون مددا من السلطان ففعل ابن كشمرد ما فعل من رجوعه إلى القادسيّة ولم ينجدهم، فلمّا طال مقامهم نفذ ما في المنزل وغلا السعر جدا، وجلوا عن الأجفر والخزيميّة ثم الثعلبية ثم الهبير، فلم يستتم نزولهم حتى ناهضهم زكرويه فقاتلهم يومهم كلّه، ثم باتوا على السواء، ثم باكرهم فقاتلهم
стр. 9726
فبينما هم كذلك إذ أقبلت قافلة العمرة، وكان المعتمرون يتخلّفون للعمرة بعد خروج الحاج إذا دخل المحرّم، وينفردون قافلة واحدة وانقطع ذلك من تلك السنة، فاجتمع الناس وقاتلوهم يومهم، ونفذ الماء وعطشوا ولا ماء لهم هناك، وباتوا وزكرويه مستظهر عليهم، ثم عاودوهم القتال حتى ملك القافلة، فقتل الناس وأخذ ما فيها من حريم ومال وغير ذلك، وأفلت ناس قليل قتل أكثرهم العطش، ثم سار مصعدا نحو فيد فتحصّن منه أهلها، فطاولهم فصبروا عليه ونزل منهم ثمانية عشر رجلا بالحبال من رأس الحصن، فقاتلوا رجّالتهم قتالا شديدا وقد أسندوا ظهورهم بسور الحصن، ورمى أهل الحصن بالحجارة؛ قال: سمعت داود بن عتاب الفيدى- وكان نبيلا صدوقا- قال: نزلنا إليهم نحو أربعين رجلا متزرين بالسراويلات، وقد كان لحقهم- لا أدرى- عطش قال أو جوع، قال: فطردناهم فمالوا «١» إلى حصن يقرب منّا، قد كان بيننا وبين أهله عداوة قديمة، فأخذوا منهم الأمان ونزلوا ليفتحوا لهم، فقال بعضنا لبعض:
إن ظفروا به أخذوا منه ما يحتاجون إليه، وعادوا إليكم، قال:
فطرحنا أنفسنا عليهم وأحسّ بذلك أهل الحصن فقويت قلوبهم، وخرجوا فكشفناهم، وتبعهم جماعة منّا فسلبوا منهم جمالا، وكان ذلك سبب صلاحنا مع أصحاب الحصن.
قال الشريف: ولم يبق دار بالكوفة وبغداد والعراق إلا وفيها مصيبة وعبرة سايلة وضجيج وعويل، حتى قيل إنّ المكتفى اعتزل
стр. 9727
النساء هما وغما، قال: وخفى أمر زكرويه، لا يعلم أين توجه، وقد كان أخذ ناحية مطلع الشمس، فتقدّم المكتفى يتتبّع أحواله وإشحان البلدان- التى يخاف مصيره إليها- بالرجال، وأنفذ وصيف ابن صوارتكين ولجيم بن الهيصم والقاسم بن سيما في جيش عظيم بالميرة والزاد والمال والجمال، لاستقبال الناس وإزاحة عللهم، وتقدّم يطلب زكرويه حيث كان، إلى أن وردت كتب أهل فيد بخبره، فكوتب عند ذلك إسحاق «١» بن كنداج بأن يلزم القادسيّة ونواحى الكوفة بجيشه، وكوتب لجيم بالمسير إلى خفّان ومعارضة زكرويه حيث كان، وأن ينفذ الطلائع والأعراب ويرغّبوا في تتبّع حاله حتى يعرف، فجاءت الأخبار بما غلب على ظنّهم، أنّه لم يخط ناحية البصرة وأنّه يقصد الاجتماع مع أبى سعيد الجنابى وهو المقدّم ذكره، فاجتمع القوّاد وتشاوروا واستقبلوا طريقا يقال له الطريق الشامى، ويقال له طريق الطف وهو بين الكوفة والبصرة، وعملوا على المقام هناك ليكونوا بين الكوفة وواسط والبصرة، فساروا مستدبرى القبلة مستقبلى البصرة يرتحلون من ماء إلى آخر، حتى نزلوا يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائتين ركيا فيه ماء بقرية خراب يقال لها صماخ، كان يسكنها على قديم الدهر قوم من ربيعة يقال لهم بنو عنزة، وبين هذا الموضع وبين البصرة ثلاثة أيام، فلقيهم قوم من الأعراب فخبّروهم أن القرامطة بالثنىّ، وهو موضع من ذى قار الذى كانت فيه وقعة العرب مع العجم في أيام
стр. 9728
كسرى، وهو واد كثير الماء العذب وبينه وبين صماخ عشرة أميال، فبات الجيش بصماخ وتراءت الطلائع في عشى يومئذ، ورحل زكرويه من غد وهو طامع بالظفر، فالتقوا بقرية خراب يقال لها إرم، بينها وبين الثنىّ ثلاثة أميال، وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان جميعا، ثم انهزم كرويه فقتل الجيش أكثر من معه، وأسر خلق كثير منهم وأفلت صعاليك من العرب على الخيل مجرّدين، ووصل إلى زكرويه- وهو في القبّة- فى أوائل السواد، فظنّوا أنّه في الخيل التى انهزمت، فقذف رجل بنار فوقعت في قبّته فخرج من ظهرها فألقى نفسه من مؤخّرها ولحقه بعض الرحّالة- وهو لا يعرفه- فضربه على رأسه ضربة أثخنته فسقط إلى الأرض فأدركه صاحب للجيم كان يعرفه فأخذه وصار به إليه، فأخذه لجيم وأركب الذى جاءه به نجيبا فارها، وقال له:
طر- إن أمكنك- حتى تأتى بغداد، وعرّف العبّاس بن الحسن الوزير أنّك رسولى إليه، واشرح له ما شاهدت وسلّم إليه الخاتم، فسار حتى دخل بغداد وأعلمه بالخبر.
قال: ومضى لجيم إلى وصيف والقاسم بن سيما فعرّفهما خبر زكروية واجتمعوا جميعا وكتبوا كتاب الفتح، ونهب الجيش عسكر القرامطة وأخذت زوج زكرويه واسمها مؤمنة وأخذ خليفته وجماعة من خاصّته وأقربائه وكاتبه، وانصرف العسكر نحو الكوفة فمات زكرويه بخفّان من جراحات أصابته، فصبّر وكفّن وحمل على جمل إلى بغداد، وأدخلت جثّته وزوجته وحرم أصحابه وأولادهم والأسرى ورؤوس من قتل بين يديه وخلفه ونساؤه في الجوالقات.
стр. 9729
قال ابن الأثير «١» : وانهزم جماعة من أصحابه إلى الشام، فأوقع بهم أصحاب الحسين بن حمدان فقتلوا عن آخرهم، وأخذ الأعراب رجلين من أصحاب زكرويه يعرف أحدهما بالحدّاد والآخر بالمنتقم وهو أخو امرأة زكرويه، كانا قد توجّها إليهم يدعوانهم إلى الخروج إلى صاحبهم، فسيّروهما إلى بغداد، وتتبّع الخليفة القرامطة بالعراق فقتل بعضهم وحبس بعضهم، وبادت هذه الطائفة منهم بالعراق مدّة.
ذكر أخبار من ظهر من القرامطة بعد مقتل زكرويه بن مهرويه
قال الشريف أبو الحسين: ولمّا قتل زكرويه سكن أمر القرامطة وانقطعت حركاتهم وذكر دعوتهم، فلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين خرج رجل من السواد من الزطّ يعرف بأبى حاتم، فقصد أصحاب البورانى خاصة، وكان هذا البورانى داعيا وأصحابه يعرفون بالبورانيّة، فلما ظهر أبو حاتم حرّم عليهم الثوم والكرّاث والفجل، وحرّم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم بأشياء لا يقبلها إلا الأحمق السخيف من ترك الشرائع، وهذه الطائفة من القرامطة تعرف بالبقليّة.
وأقام أبو حاتم هذا نحو سنة ثم زال، ثم اختلفوا بعده وكانوا أهل قرى بسواد الكوفة، فقالت طائفة منهم زكرويه بن مهرويه
стр. 9730
حى، وإنّما شبّه على الناس به، وقالت فرقة منهم الحجة لله محمد ابن إسماعيل.
ثم خرج رجل من بنى عجل قرمطى يقال له:
محمد بن قطبة فاجتمع له نحو من مائة رجل، فمضى بهم إلى نحو الجامدة من واسط، فنهب وأفسد فخرج إليهم أمير الناحية فقتلهم وأسرهم.
ذكر أخبار أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابى
قد قدّمنا أخبار أبيه أبى سعيد وحروبه وما استولى عليه، وذكرنا خبر مقتله وولاية ابنه سعيد، وأنّه سلّم الأمر إلى أخيه أبى طاهر سليمان، هذا في سنة خمس وثلاثمائة، وقد قيل بل عجز سعيد عن الأمر فغلبه عليه أخوه أبو طاهر سليمان. قال: وكان شهما شجاعا، وكان الخليفة المقتدر بالله قد كتب إلى أبى سعيد كتابا ليّنا في معنى من عنده من أسرى المسلمين، وناظره وأقام الدليل على فساد مذهبه، فلما وصلت الرسل إلى البصرة بلغهم موته، فكتبوا بذلك إلى الخليفة فأمرهم بالمسير إلى ابنه، فأتوا أبا طاهر بالكتاب فأكرم الرسل وأطلق الأسرى وأجاب عن الكتاب، ثم تحرّك أبو طاهر بعد ذلك في سنة عشر وثلاثمائة، وعمل على أخذ البصرة فعمل سلاليم عراضا، يصعد على كل مرقاة اثنان بزارفين- إذا احتيج إلى نصبها وتخلع إذا أريد حملها، ورحل بهذه السلالم المزرقنة يريد البصر،
стр. 9731
فلما قرب منها أمهل إلى أن جنّ الليل، وأمر باخراج الأسنّة وقد كانت وضعت في رمل كيلا تصدأ فركّبت على الرماح، وفرّق الجنن «١» على أصحابه، وحشيت الغرائر بالرمل وحمّلت على الجمال وحمّلت أشياء من حديد قد أعدّت لما يحتاج إليه، ثم سار بأصحابه إلى السور قبل الفجر، فوضعوا السلالم وصعد عليها قوم من جلداء أصحابه، وتقدّم إليهم بقتل من يتكلم من الموكّلين بالأبواب، ودفع للآخرين ما أعدّه لكسر الأقفال، وقد كان التوانى وقع في أرزاق الموكّلين على الأبواب، فتفرّقوا للمعاش إلا بقيّة من المشايخ القدماء فإنّ أرزاقهم كانت جارية عليهم، فصادفوا بعضهم هناك تلك الليلة فتسوّروا ونزلوا ووضعوا السيف عليهم، وجاء الآخرون فكسروا الأقفال ودخل القرامطة، فأوّل ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول معهم في الأبواب نحو ذراع، ليمنعوا غلقها إلا بتعب، وساروا ونذر بهم قوم فبادروا سبكا «٢»
المفلحى وهو يومئذ الأمير فأعلموه، فركب وقد طلع الفجر ومعه بعض غلمانه فتلقوه وقتلوه، وفزع الناس وركبت الخيل فقتل من تسرّع منهم، وكانت العامّة قد منعها السلطان أن تحمل سلاحا، فاجتمعوا بغير سلاح ومعهم الآجر، وحضر سبك واجتمعت الجند ووقعت الحرب، فأصابت القرامطة جراحات والقتل في العامّة كثير، واستمرّ ذلك إلى آخر النهار واختلاط الظلام، ثم خرج القرامطة وقد قتلوا من الناس مقتلة عظيمة إلى خارج
стр. 9732
البلد فباتوا خارج الدرب، وخرج الناس بعيالاتهم فركبوا السفن، وباكر أبو طاهر البلد فنزل دار عبد السلام الهاشمى، وتفرّق أصحابه في البلد يقتلون من وجدوا وينهبون ما يجدون في المنازل، ويحمل ذلك إلى موضع قد أمر بجمعه فيه.
وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل «١»
: أن دخولهم البصرة كان في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وأنّه وصل إليها في ألف وسبعمائة رجل، وأقام بها سبعة عشر يوما يحمل منها ما يقدر عليه من الأموال والأمتعة والنساء والصبيان، وعاد إلى بلده.
قال الشريف: وتراجع الناس فاشتغلوا بدفن من قتل، ولم يردّ كثير منهم حريمه خوفا من عود القرامطة، قال: ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالسلطان أنفذ ابن نفيس «٢»
في عدة وعدة فسكن الناس، وولى البلد فشحن السور بالرجّالة، وتحرّز الناس وأعدوا السلاح؛ قال: وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلّد أعمال الكوفة وقصر ابن هبيرة والسواد وطريق مكة، فجرى بينه وبين البورانى وقائع عظيمة حتى ردّهم عن عمله بشجاعته وإقدامه، فعمرت البلاد وأمن الناس وصلحت الطرق واستقام عزّ السلطان، فوقف القرمطى من ذلك على ما هاله، وكانت جواسيس أبى طاهر لا تنقطع عن العراق في صور مختلفة، واتّصل به أنّ أبا الهيجاء يهوّن أمره ويتمنّى أن ينتدب لحربه، فخاف ذلك ولم يأمنه.
стр. 9733
ذكر أخذ أبى طاهر الحاج وأسره ابن حمدان وما كان من أمره في اطلاقه
؟؟؟ كانت هذه الحادثة في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، وذلك أن أبا طاهر بن أبى سعيد الجنابى القرمطى أنفذ رجلا من جواسيسه إلى مكة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقد خرجت قوافل الحاج مع أبى الهيجاء بن حمدان في تلك السنة، فكان الجاسوس يقوم على المحجّة فيقول: يا معشر الناس ادعوا على القرمطى عدوّ الله وعدوّ الاسلام، ويسأل عن أمير الحاج وفي كم هو وكم أرزاقهم، ويسأل عمّن خرج من التجّار وما معهم من الأموال، فكان ذلك دأبه حتى قضى الحج، ثم خرج في أوّل النفر فأسرع إلى سواد باهلة، ثم إلى اليمامة وصار إلى الأحساء في أيام يسيرة، فأخبر سليمان القرمطى بصورة الأمر، فوجّه سليمان من يثلّ «١»
الآبار بينه وبين لبنه «٢»
وبعض آبار لبنه ويسوّى حياضها، وورد بعض الأعراب إلى أبى الهيجاء- وهو بعيد ينتظر رجوع الحاج وذلك في آخر ذى الحجة من السنة- فأخبره أنّ آبار لبنه قد ثلت فاستراب بذلك، وجاء بعض الأعراب بجلّة «٣»
فيها قطعة من تمر هجّر فتيقّن أمر القرامطة، فشغل ذلك قلبه، وجاءه ما لم يقدره ولا ظنه فاضطرب من ذلك اضطرابا شديدا، وورد حاتم الخراسانى بقافلة
стр. 9734
الحاج من مكة ثانى ذلك اليوم، ومعه قافلة عظيمة، فزاد ذلك في شغل قلب أبى الهيجاء لخوفه عليه، ولم يظهر ذلك لحاتم ولا لغيره ثم ارتحل فلم يعترض عليه، فلما صار حاتم بالثعلبيّة أنهى إليه شىء من أخبار القرامطة وأنّهم بلبنه، وكان القرمطى رحل من بلده في ستمائة فارس وألف راجل، وسار حاتم فاجتاز بالهبير ليلا فلم ينزله، وسار حتى نزل الشقوق، وأغذّ السير وسلّمه الله ومن معه، ونزلت بفيد قافلة أخرى من غد رحيل حاتم من الخراسانيّة، ثم ساروا عنها حتى إذا كانوا بالهبير ظهر لهم أبو طاهر سليمان القرمطى، فقتل بعضهم وأفلت البعض حتى وردوا الكوفة، فاشتد خوف الناس بالكوفة على الحاج واضطربوا، إلا أن نفوسهم قويّة بمقام أبى الهيجاء بفيد، وكان أبو الهيجاء قد أنفذ رجلا طائيا يعرف له أخبار القرامطة، يقال له مسبع بن العيدروس من بنى سنبس- وكان خبيرا بالبرّ، وتقدّم إليه أن يسرع إليه بالخبر ويعدل عن الطريق، ومعه جماعة قد أزاح عللهم في الرزق والمحمل، فساروا حتى قربوا من لبنه فنزل إليهم فارسان، فركبوا خيولهم وتلقّوهما فتطاردوا، وقصّرا في الركض وهبطا واديا خلفهما وخرجا منه، ولحقتهم الخيل فساروا على أرض جدب، فدفع عليهم نحو من سبعين فارسا، فلم ينته حتى طعنت فيهم وضربت، فرجع القوم على خيل مطرودة وخيول القرامطة مستريحة، فبالغوا في دفعهم بكل جهد فلم تك إلا ساعة حتى قتلوا جميعا، وأسروا مسبعا دليل القوم فحملوه إلى لبنه، فسأله القرمطى وقال: إن صدقتنى أطلقتك، فلما أخبره أمر بحفظه، قال: ولم بمض لأبى الهيجاء يومان بعد إرسال الطليعة حتى وردت قوافل الحاج
стр. 9735
وأصحاب السلطان معها، وفيها من الوجوه أحمد بن بدر، عم السيدة أم المقتدر بالله، وشفيع الخادم، وفلفل الأسود صاحب خزانة السلطان، وإسحاق بن عبد الملك الهاشمى صاحب الموسم وغيرهم، فأعلمهم أبو الهيجا الخبر فأجالوا الرأى، فقال لهم: قد أنفذت رجالا أثق بهم طليعة، وأخذت عليهم ألا يرجعوا حتى يشربوا من لبنه والصواب التوقّف عن الرحيل لننظر ما يأتون به، فعملوا على ذلك وأقاموا بفيد ستة أيام، ونزلت القافلة الوسطى فيد وكثر الناس وغلت الأسعار، ولم يقدروا على حشيش للعل؟؟؟ ولا خبز، فضجّ الناس وأجمعوا على الرحيل فرحلوا عن فيد يوم الأحد، وخلّف أبو الهيجاء ابن أخيه على بن الحسين بن حمدان بفيد، في خيل ينتظرون الحاج الذى مع قافلة الشّمسة؛ قال: وكان الحاج قبل ذلك يسيرون قافلة بعد قافلة لكثرتهم، ومن أراد أن يسير بعد الحاج سمار، ومن أراد أن يتخلّف ليعتمر في الحرم تخلّف، وكان الأمر يحملهم على ذلك فيسيرون قافله بعد قافلة؛ قال: ثم وردت قافلة الشمسة فيد، فجاءهم بعض التجار بخبر ما اتصل بأبى الهيجاء، وكان في القافلة أبو عيسى صالح ابن على الهاشمى، وجماعة من العبّاسيين، وأبو محمد بن الحسن «١»
ابن الحسين العلوى وعمر بن يحيى العلوى وغيرهما من الطالبيين وتجار الكوفة، فتجلّت حقيقة الأخبار من أمر القرامطة، فاجتمعوا في مضرب أبو عيسى وتشاوروا، فاجتمع رأيهم على المقام بفيد إلى أن ترتحل القافلة، ثم ينظروا لأنفسهم في عرب يخرجون معهم إلى الكوفة، فأقام
следующие страницы →