وإذا خلف رجل مالاً بينه وبين آخر فأنكر الورثة حتى أبرأ وأخذوا منه بعض شيء لم يصح إبراؤهم، لأنهم مكرهون، وكذلك إذا قال: ما لكم عندي، غير كذا فأبرؤه، ثم ظهر أن لهم عنده غير ما أقر لهم به فلا يصح إبراؤهم من الزائد الذي كتمه (١) .
وإذا كان الإنسان ببلد سلطان ظالم أو قطاع طريق ونحوهم من الظلمة، فخاف أن يؤخذ ماله أو المال الذي يتركه لورثته أو المال الذي بيده للناس إما بحجة أنه ميت لا وارث له أو بحجة أنه مال غائب أو بلا حجة أصلاً، فيجوز له الإقرار بما يدفع عنه هذا الظلم ويحفظ هذا المال لصاحبه، مثل أن يقر لحاضر: أنه ابنه أو يقر أن له عليه كذا وكذا، أو يقر أن المال الذي بيده لفلان ويتأول في إقراره بأنه يعني بقوله: "ابني" كونه صغيرًا، أو بقوله: "أخي" أخوة الإسلام، وأن المال الذي بيده له، أي لأنه قبضه لكوني قد وكلته في إيصاله إلى مستحقه، لكن يشترط أن يكون المقر له أمينًا.
والاحتياط أن يشهد على المقر له أيضا: أن هذا الإقرار تلجئه، تفسيره كذا وكذا (٢) .
وإن أقر لبهيمة لم يصح، وقيل: يصح كقولهم بسببها ويكون لمالكها فيعتبر تصديقه.
قال الشيخ تقي الدين عن هذا القول: هذا الذي ذكره القاضي في ضمن مسألة الحمل (٣) .
وإن أقر من عليه ولاء بنسب وارث لم يقبل إقراره إلا أن يصدقه
стр. 1192
مولاه، وخرج في المحرر وغيره يقبل إقراره، واختاره الشيخ تقي الدين (١) .
وإن أقر من شك في بلوغه وذكر أنه لم يبلغ فالقول قوله بلا يمين، قطع به في المغني والمحرر لعدم تكليفه.
ويتوجه أن يجب عليه اليمين؛ لأنه إن كان لم يبلغ لم يضره، وإن كان قد بلغ حجر عليه فأقر بالحق، فقد نص أحمد في رواية ابن منصور إذا قال البائع: بعتك قبل أن تبلغ، وقال المشتري بعد بلوغك أن القول قول المشتري: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر التصرفات التي يشك فيها هل وقعت قبل البلوغ أو بعده؟ لأن الأصل في العقود الصحة، فإما إن يقال: هذا عام، وإما أن يفرق بين أن يتيقن أنه وقت التصرف كان مشكوكًا فيه غير محكومة يبلوغه أو لا يتيقن، فإنا مع تيقن الشك قد تيقنا صدور التصرف ممن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها، فقد شككنا في شرط الصحة، وذلك مانع من الصحة.
وأما في الحالة الأخرى، فإنه يجوز صدوره في حال الأهلية وحال عدمها والظاهر صدوره وقت الأهلية، والأصل عدمه قبل وقتها فالأهلية هنا متيقن وجودها.
ثم ذكر أبو العباس: أن من لم يقر بالبلوغ حتى تعلق به حق مثل إسلامه بإسلام أبيه أو ثبوت الذمة له تبعًا لأبيه أو بعد تصرف الولي له أو تزويج ولي أبعد منه لموليته- فهل يقبل منه دعوى البلوغ حينئذ، أم لا؟ لثبوت هذه الأحكام المتعلقة به في الظاهر قبل دعواه.
وأشار أبو العباس إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا راجع الرجعية زوجها، فقالت: قد انقضت عدتي.
وشبيه أيضا بما إذا ادعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهرًا كاللقيط
стр. 1193
الكفر بعد البلوغ فإنه لا يسمع منه على الصحيح، وكذلك لو تصرف المحكوم بحريته ظاهرًا كاللقيط ثم ادعى الرق ففي قبول قوله خلاف معروف (١) .
وإذا أقر المريض مرض الموت المخوف لوارث فيحتمل أن يجعل إقراره لوارث كالشهادة فترد في حق من ترد شهادته له كالأب، بخلاف من لا ترد.
ثم هذا هل يحلف المقر له معه كالشاهد؟ وهل تعتبر عدالة المقر؟ ثلاث احتمالات.
ويحتمل أن يفرق مطلقًا بين العدل وغيره؛ فإن العدل معه من الدين ما يمنعه من الكذب ونحوه في براءة ذمته، بخلاف الفاجر.
ولو حلف المقر له مع هذا تأكد؛ فإن في قبول الإقرار مطلقا فساد عظيم، كذلك في رده أيضًا.
ويتوجه فيمن أقر في حق الغير وهو غير متهم كإقرار العبد بجناية الخطأ وإقرار القاتل بجناية الخطأ إذ يجعل المقر كشاهد، ويحلف معه المدعي فيما ثبت بشاهد آخر، كما قلنا في إقرار بعض الورثة بالنسب هذا القياس والاستحسان.
وإقرار العبد لسيده (٢) ينبني على ثبوت مال السيد في ذمة العبد ابتداء ودوامًا، وفيه ثلاثة أوجه في الصداق.
وإقرار سيده له ينبني على أن العبد إذا قيل: يملك هل يثبت له دين على سيده؟ قال في الكافي: وإن أقر العبد بنكاح أو قصاص أو تعزير قذف صح (٣) وإن كذبه الولي.
стр. 1194
قال أبو العباس: وهذا في النكاح فيه نظر؛ فإن العبد لا يصح نكاحه بدون إذن سيده لأن في ثبوت نكاح العبد ضررا عليه فلا يقبل إلا بتصديق السيد.
قال الأصحاب: وإن أقر لعبد غيره بمال صح وكان لسيده.
قال أبو العباس: وإذا قلنا يصح قبول الهبة والوصية بدون إذن السيد لم يفتقر الإقرار إلى تصديق السيد.
وقد يقال: بل (١) وإن لم نقل بذلك لجواز أن يكون قد يملك مباحا فأقر بعينه أو تلفه وتضمن قيمته (٢) ، (٣) .
وإذا حجر الولي على المأذون له فأقر بعد الحجر. قال القاضي وغيره: لا يقبل.
وقياس المذهب صحة إقراره مطلقا، كالحاكم والوكيل والوصي بعد العزل، لأن الحجر عندنا يتبعض (٤) .
فصل
ولا تقبل الدعوى بما يناقض إقراره، إلا أن يذكر شبهة تجري بها العادة.
وإذا أنكر زوجية امرأته قدام الحاكم فلما أبرأته الزوجة بعد ذلك اعترف بالزوجية وطلق على مائتي درهم لم يبطل حقها بل هو باق في ذمته لها أخذه منه (٥) .
стр. 1195
ومتى ثبت نسب المقر له من المقر ثم رجع المقر وصدقه المقر له فهل يقبل رجوعه؟ فيه وجهان حكاهما في الكافي.
وقال أبو العباس: إن جعل النسب فيه حقًّا لله تعالى فهو كالحرية وإن جعل حق آدمي فهو كالمال.
والأشبه أنه حق آدمي كالولاء.
ثم إذا قبل: الرجوع عنه لحق الأقارب الثابت من المحرمية ونحوها هل يزول؟ وكذلك لو تراضيا عن التصادق على النكاح فالمصاهرة الثابتة هل تزول أو تكون كالإقرار بالرق؟ تردد نظر أبي العباس في ذلك.
فأما إن ادعى نسبًا ولم يثبت لعدم تصديق المقر له، أو قال: أنا فلان ابن فلان، وانتسب إلى غير أب معروف، وقال: لا أب لي، أو لا نسب لي، ثم ادعى بعد هذا نسبًا آخر، أو ادعى أنه له أبا فقد ذكر الأصحاب في باب ما علق من النسب أن الأب إذا اعترف بالابن بعد نفيه قبل منه فكذلك غيره لأن هذا النفي والإقرار بمحل ومنكر لم يثبت به نسب، فيكون إقراره بعد ذلك مقبولاً، كما قلنا فيما إذا أقر بمال لمكذب إذا لم يجعله لبيت المال فإنه إذا ادعى المقر بعد هذا أنه ملكه قبل منه، وإن كان المقر به أرق نفسه فهو كغيره بناء على أن الإقرار المكذوب وجوده كعدمه.
وهناك على الوجه الآخر يجعله بمنزلة المال الضائع أو المجهول فيحكم بالحرية لحريته وبالمال ليثبت المال.
وهنا يكون بمنزلة مجهول النسب فيقبل به الإقرار ثابتا.
وسر المسألة: أن الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول.
والإقرار الذي لم يتعلق به حق لله ولا حق لآدمي هو من باب
стр. 1196
الدعاوي فيصح الرجوع عنه، ومن أقر بطفل له أم فجاءت أمه بعد موت المقر تدعي زوجته فالأشبه بكلام أحمد ثبوت الزوجية، فهنا حمل على الصحة وخالف الأصحاب في ذلك.
ومن أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر وقال: ما قبضت، وسأل إحلاف خصمه فله ذلك في أصح قولي العلماء.
ولا يشترط في صحة الإقرار كون المقر به بيد المقر.
والإقرار قد يكون بمعنى الإنشاء كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [٨١/٣] ولو أقر به وأراد إنشاء تمليكه صح.
ومن أنكر زوجية امرأة فأبرأته ثم أقر بها كان أو عليه ولاء بنسب له طلبه بحقها.
ومن أقر وهو مجهول النسب لوارث حي أخ أو عم فصدقه المقر له وأمكن قبل، صدقه الولي أو لا، وهو قول أبي حنيفة وذكره الجد تخريجا.
وكل صلة كلام معتبرة له للاستثناء، وغير المتقارب فيها متواصل، والإقرار مع استدراك متواصل وهو أحد القولين.
ولو قال في الطلاق أنه سبق لسانه لكان كذلك، ويحتمل أن يقبل الإضراب المتصل (١) .
وإن قال: غصبت هذا المال من زيد لا بل من عمرو لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو، وقيل: لا يغرم قيمته لعمرو، وقيل: لا بإقرار مع استدراك متصل واختاره الشيخ تقي الدين (٢) .
стр. 1197
ومن أقر بملك ثم ادعى شراءه قبل إقراره لا يقبل ما يناقض إقراره إلا مع شبهة معتادة (١) .
وإن قال: قفيز حنطة بل قال قفيز شعير أو درهم بل دينار لزماه معًا، وقيل: يلزمه شعير والدينار فقط، قال في النكت: ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين قبول قوله في الإضراب مع الاتصال (٢) .
ولو أبان زوجته في مرضه فأقر وارث شافعي أنه وارثه وأقبضها وأبرأها مع علمه بالخلاف لم يكن له دعوى ما يناقضه ولا يسوغ الحكم له.
وقياس المذهب فيما إذا قال: أنا مقر في جواب الدعوى أن يكون مقرا بالمدعي به لأن المفعول ما في الدعوى، كما قلنا في قوله: «قبلت» أن القبول ينصرف إلى الإيجاب لا إلى شيء آخر وهو وجه في المذهب.
وأما إذا قال: لا أنكر ما تدعيه فبين الإنكار والإقرار مرتبة، وهي السكوت.
ولو قال الرجل: أنا لا أكذب فلانا لم يكن مصدقًا له، فالمتوجه أنه مجرد نفي للإنكار إن لم ينضم إليه قرينة بأن يكون المدعي مما يعلمه المطلوب وقد ادعى عليه علمه وإلا لم يكن إقرارًا.
حكى صاحب الكافي عن القاضي أنه قال فيما إذا قال المدعي: لي عليك ألف، فقال المدعي عليه: قضيتك منها مائة، أنه ليس بإقرار، لأن المائة قد رفعها بقوله والباقي لم يقر به. وقوله: «منها» يحتمل ما يدعيه.
قال أبو العباس: هذا يخرج على أحد الوجهين في «أبرأتها» .
стр. 1198
و «أخذتها» و «قبضتها» أنه مقر بباقي الألف؛ لأن الهاء ترجع إلى المذكور، ويتخرج أن يكون مقرًا بالمائة على رواية في قوله: «كان له علي وقضيته» .
ثم هل يكون مقرا بها وحدها أو بالجميع؟ على ما تقدم.
والصواب في الإقرار المعلق بشرط: أن نفس الإقرار لا يتعلق، وإنما يتعلق المقر به، لأن المقر به قد يكون معلقا بسبب قد يوجبه، أو يوجب أداءه دليل يظهره.
فالأول كما لو قال مقر: إذا قدم زيد فعلي لفلان ألف، صح، وكذلك إن قال: إن رد عبده الآبق فله ألف ثم أقر بها فقال: إن رد عبده الآبق فله ألف صح.
وكذلك الإقرار بعوض الخلع لو قالت: إن طلقني أو عفا عني فله عندي ألف وأما التعليق بالشهادة فقد يشبه التحكيم.
ولو قال: إن حكمت علي بكذا التزمته. . لزمه عندنا فلذلك قد يرضى بشهادته وهو في الحقيقة التزام، وتزكية للشاهد، ورضى بشهادة واحد.
وإذا أقر العامي بمضمون محض وادعى عدم العلم بدلالة اللفظ ومثله يجهله قبل منه على المذهب.
وإذا أقر لغيره بعين له فيها حق لا يثبت إلا برضا المالك، كالرهن والإجارة ولا بينة، قال الأصحاب: لم يقبل ويتوجه أن يكون القول قوله؛ لأن الإقرار ما تضمن ما يوجب تسليم العين أو المنفعة فما أقر بما يوجب التسليم كما في قوله: «كان له علي ألف وقضيته» ، ولأنا نجوز مثل هذا الاستثناء في الإنشاءات في البيع ونحوه فكذلك في الإقرارات. والقرآن يدل على ذلك في آية الدين، وكذا لو أقر بفعل فعله وادعى إذن المالك.
стр. 1199
والاستثناء يمنع دخول المستثني في اللفظ، لا أنه يخرجه بعدما دخل في الأصح.
قال القاضي: ظاهر كلام أحمد جواز استثناء النصف لأن أبا منصور روى عن أحمد أنه إذا قال: كان لك عندي مائة دينار فقضيتك منها خمسين وليس بينهما بينة فالقول قوله.
قال أبو العباس: ليس هذا من الاستثناء المختلف فيه، فإن قوله: قضيتك ستين مثل خمسين، قال أبو حنيفة إذا قال: له علي كذا وكذا درهما لزمه أحد عشر درهما وإن قال: كذا وكذا درهما لزمه إحدى وعشرون.
وإن قال: كذا درهم لزمه عشرون.
وما قاله أبو حنيفة أقرب مما قاله أصحابنا؛ فإن أصحابنا بنوه على أن كذا وكذا تأكيد وهو خلاف الظاهر المعروف، وأن الدرهم مثل الترجمة لهما، وهذا يقتضي الرفع إلى النصب، ثم هو خلاف لغة العرب.
وأيضا: لو أراد درهما لما كان في قوله "درهما" فائدة؛ بل يكفيه أن يقول كذا درهما لما كان (١) في أراد درهما.
وأيضا (٢) لو لغة العرب هو خلاف لا النصب ثم يقتضي الرفع لهما وهذا مثل الترجمة وأن الدرهم المعروف الظاهر أن يقول: درهم (٣) .
ويصح استثناء ما دون النصف ... وظاهر كلامه في المستوعب أنه كالاستثناء في اليمين على ما تقدم في كتاب الأيمان وذكر الشيخ تقي
стр. 1200
الدين قال مثله كل صلة كلام مغير له، واختار أن المتقارب متواصل (١) .
وإن قال: له علي اثنا عشر درهما ودينار، فإن رفع الدينار فواحد، واثني عشر إن رضيه نحوي فمعناه الاثنا عشر دراهم ودنانير، وذكره الشيخ في فتاويه (٢) .
ومنها لو قال: غصبت منه ثوبا في منديل أو زيتا في زق ونحوه ففيه الوجهان المتقدمان.
قال في النكت: ومن العجب حكاية بعض المتأخرين أنهما يلزمانه وأنه محل وفاق، واختار الشيخ تقي الدين التفرقة بين المسألتين فإنه قال فرق بين أن يقول: غصبته أو أخذت منه ثوبا في منديل؛ وبين أن يقول له عندي ثوب في منديل، فإن الأول يقتضي أن يكون موصوفا بكونه في المنديل وقت الأخذ، وهذا لا يكون إلا وكلاهما مغصوب؛ بخلاف قوله: له عندي، فإنه يقتضي أن يكون فيه وقت الإقرار، وهذا لا يوجب كونه له اهـ (٣) .
وإن أقر أنه وهب وأقبض أو رهن وأقبض أو أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر القبض فقط ولا بينة، فعنه له تحليفه، واختاره جماعة ... واختاره الشيخ تقي الدين والشيخ الموفق (٤) .
وإذا قال له علي من درهم إلى عشرة أو ما بين الدرهم إلى العشرة فهذا له أوجه.
أحدها: يلزمه تسعة، وثانيها، عشرة، وثالثها ثمانية.
стр. 1201
والذي ينبغي (١) أن يجمع بين الطرفين من الأعداد، فإذا قال: من واحد إلى عشرة لزمه خمسة وخمسون إن أدخلنا الطرفين وخمسة وأربعون إن أدخلنا المبتدأ فقط، وأربعة وأربعون إن أخرجناهما.
ويعتبر في الكلام عرف المتكلم، فيحمل مطلق كلامه على أقل محتملاته (٢) والله سبحانه وتعلم أعلم (٣) .
وإن قال: من درهم إلى عشرة، لزمه تسعة ويحتمل أن يلزمه عشرة، وذكر الشيخ تقي الدين أن قياس هذا القول يلزمه أحد عشر؛ لأنه واحد وعشرة والعطف يقتضي التغاير (٤) .
لو قال: له عندي ما بين عشرة إلى عشرين لزمه تسعة عشر على القول الأول، وعشرون على القول الثاني، قال في المحرر ومن تبعه: وقياس الثالث يلزمه تسعة، وقال الشيخ تقي الدين: قياس الثاني أن يلزمه ثلاثون بناء على أنه يلزمه في المسألة الأولى أحد عشر (٥) .
لو قال: له علي ما بين كر شعيرا، إلى كر حنطة، لزمه كر شعير وكر حنطة إلا قفيز شعير على قياس المسألة التي قبلها، قال في المستوعب قال القاضي في الجامع: هو مبني على ما تقدم إن قلنا لزمه هناك عشرة لزمه هنا كران، وإن قلنا: يلزمه تسعة، لزمه كر حنطة وكر شعير إلا قفيزا شعيرا، وقال في التلخيص قال أصحابنا: يتخرج على الروايتين إن قلنا يلزمه عشرة لزمه الكران، وإن قلنا: يلزمه تسعة لزمه كران إلا قفيز شعير اهـ.
стр. 1202
وقال في الرعاية: لزمه كران، وقيل: إلا قفيز شعير، إن قلنا يلزمه تسعة.
وقال الشيخ تقي الدين: الذي قدمه في الرعاية هو قياس الثاني في الأولى، وكذلك هو عند القاضي، ثم قال: هذا اللفظ ليس بمعهود، فإنه إن قال: له علي ما بين كر حنطة وكر شعير فالواجب تفاوت ما بين قيمتهما وهو قياس الوجه الثالث، واختيار أبي محمد اهـ (١) .
والواجب أن يفرق بين الشيئين اللذين يتصل أحدهما بالآخر عادة كالقراب في السيف والخاتم في الفص، لأن ذلك إقرار بهما، وكذلك الزيت في الزق والتمر في الجراب.
ولو قال غصبته ثوبا في منديل أو أخذت منه ثوبا في منديل كان إقرار بهما لا، له عندي ثوب في منديل فإنه إقرار بالثوب خاصة وهو قول أبي حنيفة (٢) .
علوم (٣)
وينبغي أن يخفض صوته عند المعلم قال الشيخ تقي الدين: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له انتهى كلامه (٤) .
الاشتقاق
وقلت يوما لشيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه: قال ابن جنين: مكثت برهة إذ ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه
стр. 1203
وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه، فقال لي ﵀: وهذا كثير ما يقع لي (١) .
ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة خفيفة للمعنى الخفيف، والمتوسطة للمتوسط، فيقولون: عز يعز بفتح العين إذا صلب.
وأرض عزاز صلبة ويقولون: عز يعز بكسرها إذا امتنع، والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبا ولا يمتنع على كاسره، ثم يقولون: عزه يعزه، إذا غلبه، قال الله تعالى في قصة داود ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [٢٣/٣٨] والغلبة أقوى من الامتناع إذ قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه متحصنا عن عدوه ولا يغلب غيره، فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع فاعطوه أضعف الحركات والممتنع المتوسط بين المرتبين فأعطوه حركة الوسط (٢) .
علم النفس
قال ابن القيم ﵀ في أقسام النفوس وطبائعها وانقسام الناس بالنسبة إليها، وسألت يوما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة وقطع الآفات والأشغال بتنقية الطريق وبتنظيفها.
فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس وهو جب القذر كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئا ظهر غيره.
стр. 1204
فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السير قط ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك.
فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا وأثنى على قائله (١) .
قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر الخلاف في السمع والبصر: أيهما أشرف؟
قال شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه ونور ضريحه: وفصل الخطاب إن إدراك السمع أعم وأشمل، وإدراك البصر أتم وأكمل، فهذا له التمام والكمال، وذاك له العموم والشمول، فقد ترجح كل منهما بما اختص به تم كلامه (٢) .
وقال المعتصم يوما لبعض أصحابه، يا فلان، إذا نصر الهوى ذهب الرأي.
وسمعت رجلا يقول لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد، أو قال: نسيه فقال الشيخ: هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم (٣) .
أعلام
أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي المتوفى ٤٨١ هـ.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: علمه خير من عمله (٤) .
стр. 1205
مؤلفات:
الرد على الجهمية للإمام أحمد
قال الخلال كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله وكتبه عبد الله من خط أبيه، واحتج القاضي أبو يعلى في كتابه إبطال التأويل، بما نقله منه عن أحمد، وذكر ابن عقيل في كتابه بعض ما فيه عن أحمد، ونقله عن أصحابه قديما وحديثا، ونقل منهم البيهقي وعزاه إلى أحمد، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية عن أحمد.
كتاب الرد على الجهمية والنقض على بشر المريسي.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جداً.
وانتهيت من تبييضه في شهر ربيع الثاني من عام ألف وأربعمائة وسبعة عشرة هجرية وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
стр. 1206
المراجع
١- مختصر الفتاوى المصرية مطبعة أنصار السنة المحمدية ١٣٦٨هـ.
٢- الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية بتحقيق محمد حامد الفقي مطبعة السنة المحمدية ١٣٦٩ هـ.
٣- الفروع لأبي عبد الله محمد بن مفلح ت ٧٦٣ ومعه تصحيح الفروع للشيخ علاء الدين أبي الحسين علي بن سليمان المرداوي ت ٨٨٥ ستة مجلدات عالم الكتب.
٤- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف تأليف.. علي بن سليمان المرداوي بتصحيح وتحقيق محمد حامد الفقي عدد المجلدات اثنا عشر الطبعة الأولى عام ١٣٧٦.
٥- المسودة في أصول الفقه: تحقيق وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد (دار الكتب العربي، بيروت) .
٦- الآداب الشرعية والمنح المرعية، تأليف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي مكتبة التقدم عام ١٣٤٨ هـ.
стр. 1207
مؤلفات ابن القيم:
١- إعلام الموقعين تأليف العالم العلامة المحقق المدقق أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت (٧٥١) بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ط ١٤٠٧ هـ مكتبة الكليات الأزهرية) .
٢- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: بتحقيق وتصحيح محمد حامد الفقي دار المعرفة بيروت جزآن.
٣- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (دار الطباعة المحمدية بالأزهر ١٣٩٢) هـ.
٤- الكلام على مسألة السماع: تحقيق ودراسة الدكتور راشد بن عبد العزيز الحمد دار العاصمة بالرياض ١٤٠٩ هـ.
٥- زاد المعاد في هدي خير العباد: (ط دار الفكر بيروت ١٣٩٢هـ) أربعة أجزاء.
٦- الوابل الصيب تحقيق وتعليق الشيخ إسماعيل الإنصاري (مطابع النصر الحديثة بالرياض) .
٧- مدارج السالكين (مطبعة السنة المحمدية ١٣٧٥هـ ثلاث مجلدات) .
٨- تهذيب سنن أبي داود بتحقيق محمد حامد الفقي وأحمد محمد شاكر مطبعة السنة المحمدية.
٩- إعلام الموقعين: بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد شركة الطباعة الفنية المتحدة بيروت أربعة أجزاء.
١٠- الروح مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح دار الكتب العلمية بيروت.
١١- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة جزآن المطبعة السلفية بمكة ١٣٤٩ هـ.
стр. 1208
١٢- مفتاح دار السعادة جزآن (مكتبة الرياض الحديثة) .
١٣- الجواب الكافي: (دار الكتب العلمية بيروت) .
١٤- التبيان في أقسام القرآن (دار الطباعة المحمدية بالأزهر (١٣٦٨ هـ)) .
١٥- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
١٦- أحكام أهل الذمة بتحقيق وتعليق الدكتور صبحي الصالح دار العلم للملايين بيروت جزآن.
١٧- بدائع الفوائد (إدارة الطباعة المنيرية) أربعة أجزاء.
١٨- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية (دار الكتب العلمية بيروت) .
١٩- إغاثة اللفهان في حكم طلاق الغضبان (المكتب الإسلامي بيروت) .
٢٠- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية بتحقيق محمد حامد الفقي ١٣٧٢ هـ.
٢١- الرسالة التبوكية (مطبعة المدني ١٣٧٦) هـ.
٢٢- الفوائد (دار مصر للطباعة) .
٢٣- عدة الصابرين.
٢٤- تحفة الودود بأحكام المولود (دار الكتاب العربي- بيروت) .
٢٥- طريق الهجرتين (دار الكتاب العربي- بيروت) .
٢٦- شفاء العليل (دار التراث بالقاهرة) .
٢٧- الفروسية تحقيق محمد نظام الدين الفتيح (مكتبة التراث) .
وبقية المراجع وهي قليلة ذكرت في الأصل عند نهايتها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.