← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

أقام بينة بالعين المودعة عند رجل سلمت إليه وقضى على الغائب، قال: ومن قال بغير هذا يقول: له أن ينظر بقدر ما يذهب الكتاب ويجيء، فإن جاء وإلا أخذ إعلام المودع وكلامه محتمل تخيير الحاكم بين أن يقضي على الغائب وبين أن يكاتبه في الجواب (١) . باب كتاب القاضي إلى القاضي ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص، وهو قول مالك وأبي ثور في الحدود، وقول مالك والشافعي وأبي ثور ورواية عن أحمد في القصاص. والمحكوم به إن كان عينًا في بلد الحاكم فإنه يسلمه إلى المدعي، ولا حاجة إلى كتاب، وأما إن كان دينًا أو عينًا في بلد أخرى، فهنا يقف على الكتاب. وههنا ثلاث مسائل متداخلات. مسألة: إحضار الخصم إذا كان غائبًا. ومسألة الحكم على الغائب. ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي. ولو قيل: إنما نحكم على الغائب إذا كان المحكوم به حاضرًا، لأن فيه فائدة وهي تسليمه، وأما إذا كان المحكوم به غائبًا فينبغي أن يكاتب الحاكم بما ثبت عنده من شهادة الشهود حتى يكون الحكم في بلد التسليم لكان متوجها. وهل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي بالثبوت أو الحكم من حاكم غير معين، مثل: أن يشهد شاهدان أن حاكمًا نافذ الحكم حكم بكذا وكذا؟

стр. 1157

القياس: أنه لا يقبل بخلاف ما إذا كان المكاتب معروفا؛ لأن مسألة مراسلة الحاكم ومكاتبته بمنزلة شهادة الأصول للفرع، وهذا لا يقبل في الحكم والشهادات، وإن قبل في الفتاوى والإخبارات (١) . وقد ذكر صاحب المحرر ما ذكره القاضي من أن الخصمين إذا أقرا بحكم الحاكم عليهما خير الثاني بين الإمضاء والاستئناف، لأن ذلك بمنزلة قول الخصم: شهد علي شاهدان ذوي عدل، فهنا قد يقال بالتخيير أيضًا. ومن عرف خطه بإقرار أو إنشاء أو عقد أو شهادة عمل به كالميت، فإن حضر وأنكر مضمونه فكاعترافه بالصوت وإنكاره مضمونة (٢) . وذكر قولا في المذهب أنه يحكم بشاهد ميت، وقال الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه وأنه مذهب جمهور العلماء وهو يعرف أن هذا خطه كما يعرف أن هذا صوته. واتفق العلماء على أنه يشهد على الشخص إذا عرف صوته مع إمكان الاشتباه، وجوز الجمهور كمالك وأحمد الشهادة على الصوت من غير رؤية المشهود عليه، والشهادة على الخط أضعف، لكن جوازه قوي أقوى من منعه، وكتابه في غير عمله أو بعد عزله كخبره (٣) . ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان ببلد واحد، وعند شيخنا وفي حق الله تعالى. ويقبل فيما ثبت عنده ليحكم به في مسافة قصر وعنه فوق يوم، وعند شيخنا، وقال خرجته في المذهب وأقل كخبر (٤) .

стр. 1158

قال القاضي: ويقول في كتابه: شهدا عندي بكذا، ولا يكتب ثبت عندي، لأنه حكم بشهادتهما كبقية الأحكام، وقاله ابن عقيل، وغيره، قال الشيخ تقي الدين: والأول أشهر؛ لأنه خبر بالثبوت كشهود الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزامًا اهـ (١) . قوله: ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى من يصل إليه كتابه هذا من قضاة المسلمين وحكامهم. قال الشيخ تقي الدين: وتعيين القاضي الكاتب كشهود الأصل، وقد يخبر المكتوب إليه قال الأصحاب في شهود الأصل يعتبر تعيينهم (٢) . قال الشيخ تقي الدين في كتاب أصدره إلى السلطان في مسألة الزيارة، وقد تنازع الفقهاء في كتاب الحاكم هل يحتاج إلى شاهدين على لفظه، أم إلى واحد، أم يكتفي بالكتاب المختوم، أو يقبل الكتاب بلا ختم ولا شاهد، على أربعة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره. نقله ابن خطيب السلامية في تعليقه (٣) . باب القسمة وما لا يمكن قسمة عينه إذا طلب أحد الشركاء بيعه وقسم ثمنه بيع وقسم ثمنه، وهو المذهب المنصوص عن أحمد في رواية الميموني، وذكره الأكثرون من الأصحاب. فيقال على هذا: إذا وقف قسطًا مشاعًا مما لا يمكن قسمة عينه فأنتم بين أمرين: إما بيع النصيب الموقوف وإما إبقاء شركة لازمة.

стр. 1159

وجوابه: إما الفرق، وإما الالتزام. أما الفرق فيقال: الوقف منع من نقل الملك في العين، فلا ضرر في شركة عينه. وأما الشركة في المنافع فيزول الضرر بالمهايات أو المؤاجرة عليها. والالتزام: أن يجوز مثل هذا أو جعل الوقف مفرزا تقديما لحق الشريك، كما لو طلب قسمة العين وأمكن، فإنا نقدم حق الإفراز على حق الوقف، ومن قال هذا فينبغي له أن يقول بقسم الوقف، وإن قلنا: القسمة بيع ضرورة، فقد نص أحمد على بيع أشياء تابعة في الوقف والاعتياض عنها. ومن تأمل الضرر الناشئ من الاشتراك في الأموال الموقوفة لم يخف عليه هذا. ولو طلب أحد الشريكين الإجارة أجبر الآخر عليها، ذكره الأصحاب ولو في الوقف، ولو طلب ادهم العلو لم يجب؛ بل يكرى عليهما على مذهب جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإذا أوجبنا على الشريك أن يؤاجر مع صاحبه فأجر أحد الشريكين العين المؤجرة، بدون إذن شريكه مدة فينبغي أن يستحق أكثر الأمرين من أجرة المثل والأجرة المسماة؛ لأن الأجرة المسماة إذا كانت أكثر فالمستأجر رضى أن ينتفع بها. وعلى قياس ذلك كل من اكترى مال غيره بغير إذنه. ويلزم إجابة من طلب المهايأة بالزمان والمكان. وليس لأحدهما أن يفسخ حتى ينقضي الدور ويستوفي كل منهما حقه منه. ولو استوفى أحدهما نوبته ثم تلفت المنافع في مدة الإجارة فإنه

стр. 1160

يرجع على الأول ببدل حصته من تلك المدة التي استوفاها ما لم يكن قد رضي بمنفعته في الزمن المتأخر على أي حال كان، جعلاً للتالف قبل القبض كالتالف في الإجارة (١) . وإذا طلب أحد الشركاء القسمة فيما ينقسم لزم الحاكم إجابته، ولو لم يثبت عنده ملكه كبيع المرهون والجاني. وكلام أحمد في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما يثبت عنده أنه ملكه وما لا يثبت، كجميع الأموال التي تباع، وأن مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت أنها خلية لا ولي لها، هل يزوجها بلا بينة؟ وقد نص أحمد في رواية حرب فيمن أقام بينة بسهم من ضيعة بيد قوم فهربوا منه تقسم عليهم ويدفع إليه حقه. فقد أمر الإمام أحمد الحاكم أن يقسم على الغائب إذا طلب الحاضر، وإن لم يثبت ملك الغائب (٢) . وقال شيخنا في قرية مشاعة قسمها فلا حوها: هل يصح؟ قال: إذا تهايئوها وزرع كل واحد منهم حصته فالزرع له ولرب الأرض نصيبه، إلا أن من ترك نصيبه مالكه فله أخذ أجرة الفضلة أو مقاسمتها (٣) . ومن بنى أو غرس فخرج مستحقًا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة إجبار إن قلنا بيع كقسمة تراض، وإلا فلا، وأطلق في التبصرة رجوعه، وفيه احتمال، قال شيخنا: إذا لم يرجع حيث لا يكون بيعًا فلا يرجع بالأجرة ولا بنصف قيمة الولد في الغرور إذا اقتسما الجواري أعيانا (٤) .

стр. 1161

ولا إجبار في قسمة المنافع، وعنه: بلى واختاره، في المحرر في القسمة بالمكان ولا ضرر، وإن اقتسماها بزمن أو مكان صح جائزًا، واختار في المحرر لازمًا إن تعاقدا مدة معلومة وقيل: لازمًا بالمكان مطلقًا فإن انتقلت كانتقال وقف فهل تنتقل مقسومة أو لا؟ فيه نظر، فإن كانت إلى مدة لزمت الورثة والمشتري قال ذلك شيخنا (١) . والمكيلات والموزونات المتساوية من كل وجه إذا قسمت لا يحتاج فيها إلى قرعة، نعم الابتداء بالكيل أو الوزن لبعض الشركاء ينبغي أن يكون بالقرعة، ثم إذا خرجت القرعة لصاحب الأكثر فهل يوفى جميع حقه، أو بقدر نصيب الأقل؟ الأوجه: أن يوفى الجميع كما يوفى مثله في العقار بين أنصبائه، لأن عليه في التفريق ضررًا، وحقه من جنس واحد، بخلاف الحكومات فإن الخصم لا يقدر إلا بواحدة لعدم ارتباط بعضها ببعض، نعم إن تعدد سبب استحقاقه مثل أن يكون ورث ثلث صبرة وابتاع ثلثها فهنا يتوجه وجهان (٢) . وإن كان بينهما أشجار فيها الثمرة أو أغنام فيها اللبن أو الصوم فهو كاقتسام الماء الحادث والمنافع الحادثة. وجماع ذلك انقسام المعدوم، لكن لو نقص الحادث المعتاد فللآخر الفسخ. قال القاضي: رأيت في تعليق أبي حفص العكبري عن أبي عبد الله ابن بطة في قوم بينهم كروم فيها ثمرة لم تبلغ مثل الحصرم فأرادوا قسمتها، فقال: لا تجوز قسمتها وفيها غلة لم تبلغ؛ لأن القسمة لا تجوز إلا بالقيمة، والقسمة كالبيع، وكما لا يجوز بيعة كذلك لا تجوز قسمته، قال: وهذا يدل من كلام أحمد على أنها بيع.

стр. 1162

قال أبو العباس: هذا من ابن بطة يقتضي أن بيع الشجرة الذي عليه ثمرة لم تبلغ لا يصح لتضمنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا خلاف المعروف من المذهب، وخلاف قوله ﷺ : «من باع ثمرة قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» . ومفهوم كلامه أن الحصرم إذا بلغ جازت القسمة مع أنها إنما تقسم خرصًا كأنه بيع شاة لبن بشاة ذات لبن. وعلى قياسه يجوز عنده بيع نخلة ذات رطب بنخلة ذات رطب؛ لأن الربوي تابع (١) وإذا اقتسما فحصل الطريق في حصة واحدة ولا منفذ للآخر بطلت لعدم التعديل والنفع. قال شيخنا: كذا طريق ماء، ونصه: هو لهما ما لم يشترطا رده (٢) . قال شيخنا: ولا أعلم خلافًا أن من قسم شيئًا يلزمه أن يتحرى العدل، ويتبع ما هو أرضي لله ورسوله، استفاد القسمة بولاية كإمام وحاكم أو بعقد كالناظر والوصي (٣) . وأجرة وكيل الضيافة والأمين لحفظ الزرع على المالك والفلاح، كسائر الأملاك، فإذا أخذوا من الفلاح بقدر ما عليه أو ما يستحقه الضيف حل لهم، وإن لم يأخذ الوكيل لنفسه إلا قدر أجرة عمله بالمعروف والزيادة يأخذها المقطع فالمقطع هو الذي ظلم الفلاحين (٤) .

стр. 1163

باب الدعاوي والبينات قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال، وذلك فيما إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا ولكن علم أنهم أغاروا وانتهبوا فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه، وقد تقدم ذلك، وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام، وحكينا كلامه ﵀ (١) . ويجب أن يفرق بين فسق المدعى عليه وعدالته، فليس كل مدعى عليه يرضى منه باليمين، ولا كل مدع يطالب بالبينة، فإن المدعي به إذا كان كبيرة والمطلوب لا تعلم عدالته فمن استحل أن يقتل أو يسرق استحل أن يحلف، لا سيما عند خوف القتل أو القطع ويرجع (٢) باليد العرفية إذا استويا في الخشية أو عدمها. وإن كانت العين بيد أحدهما فمن شاهد الحال معه كان ذلك لوثًا فيحكم له بيمينه (٣) . وإن ادعى أن له الآن لم تسمع بينة أنه كان له أمس، أو في يده في أصح الوجهين. وقال الشيخ تقي الدين: إن قال لا أعلم له مزيلاً، قبل كعلم الحاكم أنه يلبس عليه (٤) . ولو قال لمدعي دينارًا لا يستحق علي حبة فعند ابن عقيل ليس

стр. 1164

بجواب لأنه لا يكتفي في دفع الدعوى إلا بنص لا بظاهر، ولهذا لو حلف والله إني لصادق فيما أدعيته عليه أو حلف المنكر إنه لكاذب فيما ادعاه علي لم يقبل، وعند شيخنا: يعم الحبات وما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى (١) . وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين ردت على المدعي، وقيل: لا ترد؛ بل يحكم عليه بنكوله، وقيل:إن كان المدعى عليه هو العالم بالمدعي، دون المدعي مثل أن يدعي الورثة أو الوصي على غريم للميت دعوى فينكرها فهنا لا يحلف المدعي، بل إذا نكل المنكر قضي عليه لقوله ﷺ "لا تضطروا لناس في أيمانهم إلى ما لا يعلمون"، وإذا كان المدعي هو العالم مثل: أن يدعي على ورثة الميت حقًّا عليه يتعلق بتركته فهنا لهم رد اليمين عليه، فإذا لم يحلف لم يأخذ، وأما إذا كان المدعي يدعي العلم والمنكر يدعي العلم فهنا يتوجه القولان (٢) . وكل ناكل لا يقضي عليه بالنكول كاللعان ونحوه فهل يخلى سبيله أو يحبس حتى يقر أو يحلف على وجهين: أحدهما: يخلى سبيله، والوجه الثاني: يحبس حتى يقر أو يحلف، قال الشيخ تقي الدين ﵀: إذا قلنا يحبس فينبغي جواز ضربه كما يضرب الممتنع من اختيار إحدى نسائه إذا أسلم والممتنع من قضاء الدين كما يضرب المقر بالمجهول حتى يفسر (٣) . والدعوى في التهمة كسرقة يعاقب المدعي عليه الفاجر، وأنه لا يجوز إطلاقه ويحبس المستور.. وقال في الأحكام السلطانية: يحبسه وال. قال: وظاهر كلام الإمام أحمد: وقاض أيضًا، وأنه يشهد له قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ حملنا على

стр. 1165

الحبس لقوة التهمة، وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ الأول قول أكثر العلماء، واختار تعزير مدع بسرقة ونحوها على من يعلم براءته واختار بأن خبر من له رائي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة كما تقدم (١) . قال الإمام أحمد في رواية مهنا: في الرجل يقيم الشهود أيستقيم للحاكم أن يقول: احلف؟ فقال: قد فعل ذلك علي بن أبي طالب، قيل: ويقيم ذلك؟ قال: قد فعل ذلك علي بن أبي طالب. وقال في رواية إبراهيم بن الحارث في رجل جاء بشهود على حق فقال المدعى عليه: استحلفه لم يلزم المدعي اليمين. فحمل القاضي الرواية الأولى على ما إذا ادعى على صبي أو مجنون أو غائب، والثانية على ما إذا ما ادعى على غيره. وحمل أبو العباس الرواية الأولى على أن للحاكم أن يفعل ذلك إذا أراد مصلحة لظهور ريبة في الشهود؛ لا أنه يجب مطلقا، والثانية على أنه لا يجب مطلقًا، فلا منافاة بين الروايتين كما قلنا في تفريق الشهود بين "أين"، و"حتى" (٢) و"كيف"؟ فإن الحاكم يفعل ذلك عند الريبة ولا يجب فعله في كل شهادة وكذلك تغليظ اليمين للحاكم أن يفعله عند الحاجة (٣) . قصة أبي قتادة وخزيمة تقتضي الحكم بالشاهد في الأموال. وقال القاضي في التعليق: الحكم بالشاهد الواحد غير متبع، كما قاله المخالف في الهلال في الغيم وفي القابلة على أنا لا نعرف الرواية بمنع الجواز.

стр. 1166

قال أبو العباس: وقد يقال: اليمين مع الشاهد الواحد حق للمستحلف، وللإمام فله أن يسقطها وهذا أحسن (١) . ولو قيل: إنه يحكم بشهادة امرأة واحدة مع يمين الطالب في الأموال لكان متوجها؛ لأنهما أقيما مقام الرجل في التحمل. وتثبت الوكالة ولو في غير المال بشاهد ويمين وهو رواية عن أحمد والإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة بدليل الأمة السوداء في الرضاع، فإن عقبة بن الحارث أخبر النبي ﷺ "أن المرأة أخبرته أنها أرضعتهما" فنهاه عنها من غير سماع من المرأة، وقد احتج به الأصحاب في قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فلولا أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة ما صحت الحجة، يؤيده: أن الإقرار بحكم الحاكم بالعقد الفاسد يسوغ للحاكم الثاني أن ينفذه مع مخالفته لمذهبه (٢) . وقال ابن القيم ﵀ في شهادة الرهن بقدر الدين: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره فالقول قول المرتهن مع يمينه ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن عند مالك وأهل المدينة، وخالفه الأكثرون ومذهبه أرجح، واختاره شيخنا ﵀ (٣) . قال الأصحاب: ومن ادعى أنه اشترى أو أتهب من زيد عبده، وادعى آخر كذلك، أو ادعى العبد العتق، وأقاما بينتين بذلك صححنا أسبق التصرفين وإن علم التأريخ، وإلا تعارضتا فيتساقطان أو يقتسماه، أو يقرع على الخلاف، وعن أحمد: تقدم بينة العتق.

стр. 1167

قال أبو العباس: الأصوب أن البينتين لم يتعارضا فإنه من الممكن أن يقع العقدان، لكن يكون بمنزلة ما لو زوج الوليان المرأة وجهل السابق، فإما أن يقرع بينهما أو يبطل العقدان بحكم أو بغير حكم. ولو قامت بينة بأن الولي أجر حصة مولية بأجرة مثلها وبينة بنصفها أخذ بأعلى البينتين قاله طائفة من العلماء. قال في المحرر: ولو شهد شاهدان أنه أخذ من صبي ألفا، وشاهدان على رجل آخر أنه أخذ من هذا الصبي ألفا لزم الولي أن يطالبهما بالألفين، إلا أن تشهد البينتان على ألف بعينها فيطلب الولي ألفا من أيهما شاء. قال أبو العباس: الواجب أن يقرع هنا إذا لم يكن فعل كل منهما مضمنا، نقل مهنا عن أحمد في عبد شهد له رجلان بأن مولاه باعه نفسه بألف درهم وشهد لمولاه رجل آخر أنه باعه بألفين، يعتق العبد، ويحلف لمولاه أنه لم يبعه إلا بألف. قال القاضي: فقد نص على الشاهد واليمين في قدر العوض الذي وقع العتق عليه. قال أبو العباس: بل اختلف الشاهدان، وليس هذا مما يتكرر فلم يجعل للسيد أن يحلف مع شاهده الأكبر لاختلافهما كما لا يحلف مع شاهده بالقيمة الكثيرة (١) . لو ادعى الزوجية اثنان وأقرت لهما وأقاما بينتين قدم أسبقهما فإن جهل عمل بقول الولي، وقال في الرعاية، يعمل بقول الولي المجبر، وقال في المغني: يسقطان ويحال بينهما ولم يذكر الولي.

стр. 1168

وقال الشيخ تقي الدين: مقتضى كلام القاضي أنها إذا كانت بيد أحدهما: مسألة الداخل والخارج (١) . وإن شهد أن هذا ابنه لا وارث له غيره وبينة أن هذا ابنه لا وارث له غيره قسم المال بينهما لأنه لا تنافي ذكره في عيون المسائل والمغني، قال الشيخ في فتاويه، إنما احتاج إلى إثبات لا وارث سواه، لأنه يعلم ظاهرا، فإن بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعرف باطن أمره؛ بخلاف دينه على الميت لا يحتاج إلى إثبات «لا دين عليه سواه» لخفاء الدين؛ ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع على يقين انتقالها (٢) . وإذا مات رجل وادعى آخر أنه وارثه قال في المحرر: حكم له بتركته وإن كان الشاهدان من أهل الخبرة الباطنة وإلا ففي الاستكشاف معها وجهان: انتهى، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: لا بد أن تقيد المسألة بأن لا يكون الميت ابن سبيل ولا غريبا (٣) . وإن تنازع الزوجان أورثتهما أو أحدهما وورثة الآخر ولو أن أحدهم مملوك نقله مهنا في قماش البيت.. وكذا صانعان في آلة دكانهما فآلة كل صنعة لصانعها. وقال القاضي في المسألتين: إذا كان بيدهما المشاهدة فبينهما وإن كان بيد أحدهما المشاهدة فله، ويتوجه طرده فيما تقدم. قال شيخنا: وكلام القاضي في التعليق يقتضي أن المدعي متى كان بيديهما وإن لم يكونا بدكان كالزوجين.

стр. 1169

فصل وإن كانت بيد ثالث فادعاها لنفسه حلف لكل واحد يمينًا، فإن نكل أخذها منه وبدلها واقترعا عليها، وقيل: يقتسمانها كَناكِلٍ مقر لهما. وقيل: من قرع منهما وحلف فله. وقال شيخنا: قد يقال: تجزئ يمين واحد (١) .

стр. 1170

كتاب الشهادات ويجب على من طلبت من الشهادة أداؤها، بل إذا امتنع الجماعة من الشهادة أثموا كلهم باتفاق العلماء، وقدح ذلك في دينهم وعدالتهم (١) . والطلب العرفي أو مقتضى الحال في طلب الشهادة كاللفظي، علمها المشهود له أو لا؟ وهو ظاهر الخبر وخبر "يشهد ولا يستشهد" محمول على شهادة الزور. وإذا أدى العبد شهادة قبل الطلب قام بالواجب، وكان أفضل، كمن عنده أمانة أداها عند الحاجة، والمسألة تشبه الخلاف في الحكم قبل الطلب. وإذا غلب على ظن الشاهد أنه يمتحن فيدعى إلى القول المخالف للكتاب والسنة أو إلى محرم فلا يسوغ له أداء الشهادة وفاقا، اللهم إلا أن يظهر قولا يريد به مصلحة عظيمة (٢) . ويجوز أخذ الأجرة على أداء الشهادة وتحملها، ولو تعينت إذا كان محتاجًا، وهو قول في مذهب أحمد، ويحرم كتمها ويقدح في عدالته (٣) .

стр. 1171

الشهادة سبب موجب للحق، وحيث امتنع أداء الشهادة امتنعت كتابتها في ظاهر كلام أبي العباس والشيخ أبي محمد المقدسي (١) . ويجب على الشاهد أداء الشهادة إذا طلبت منه ولو كان الشهود أكثر من نصاب الشهادة. وأما إن كان المطلوب لا يتم النصاب إلا به فقد تعينت عليه إجماعا، إلا أن تكون الشهادة بجوز أو كذب ونحوه فلا يجوز أن يعان الظالم على ذلك لا بشهادة ولا غيرها (٢) . ولا تقبل الشهادة إلا بلفظ الشهادة فإن قال أعلم أو أُحق لم يحكم به. وعنه: يصح، ويحكم بها، اختارها أبو الخطاب والشيخ تقي الدين (٣) . قال شيخنا: فاشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من الصحابة، ولا يتوقف لفظ الشهادة لغة على ذلك وبالله التوفيق (٤) . ولا يشترط في أداء الشهادة لفظة أشهد وهو مقتضى قول أحمد، قال علي بن المديني، أقول: إن العشرة في الجنة، ولا أشهد، فقال أحمد: متى قلت فقد شهدت، وقال ابن هانئ لأحمد: تفرق بين العلم والشهادة في أن العشرة في الجنة قال: لا، وقال الميموني: قال أبو عبد الله: وهل معنى القول أو الشهادة إلا واحدا؟ قال أبو طالب: قال أبو عبد الله: العلم شهادة، وزاد أبو بكر بن حماد قال أبو عبد الله:

стр. 1172

﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [٨٦/٥٨] ، وقال: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [٨١/١٢] ، وقال المروذي: أظن أني سمعت أبا عبد الله يقول: هذا جهل أقول: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولا أشهد أنها بنت رسول الله ﷺ قال أبو العباس: ولا أعلم نصا يخالف هذا ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي اشتراط لفظ أشهد. ويعرض في الشهادة إذا خاف الشاهد من إظهار الباطن ظلم المشهود عليه، وكذلك التعريض في الحكم إذا خاف الحاكم من إظهار الأمر وقوع الظلم عليه، وكذلك التعريض في الفتوى والرواية كاليمين وأولى، إذ اليمين خبر وزيادة (١) . وإذا شهد أن العين كانت ملكه حين خرجت من يده بغير حق حكم له بها. وإما إن شهد أنها كانت ملكه فقط فهل يحكم له بذلك؟ على وجهين في مذهب أحمد، وقولين للشافعي. وإن شهد بسبب الملك وظهوره مثل: أن يشهد أنه ابتاعه، أو ورثه أو حكم له به الحاكم الفلاني، فإن الحاكم هنا يحكم باستصحاب الحال إذا لم يثبت معارض راجح، والشاهد لا يشهد بناء على استصحاب الحال، ولا أعلم في الأولى خلافا أن الحاكم يحكم باستصحاب الحال باتفاق العلماء. وأما صورة الخلاف فإن البينة لما شهدت بالملك في الماضي وسكتت عنه في الحال كان هذا ريبة تجوز أن البينة علمت بالزوال وسكتت عن ذلك، وأما إذا شهدت بسبب الملك لم يكن فيه ريبة، والأصل بقاء الملك، وإذا شهدت أنه لم يزل ملكه إلى أن غصبت منه

стр. 1173

أو استعيرت أو زالت يده عنه بغير حق، كما لو شهدت له أنه لم يزل ملكه عنه إلى أن مات فإنه يحكم به للورثة حتى تقوم حجة بما يخالف ذلك. وكذلك هناك يحكم للذي كان حائزًا إلى حين زوال حوزه، كزوال الملك، ولا أعلم في هذا خلافًا، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، فإن الغاصب والمستعير وغيرهما إذا جحدوا ملك غيرهم فشهدت البينة أنه لم يزل ملكه إلى حين الغصب، مثلاً احتاجوا إلى إثبات الانتقال إليهم، وإلا فالأصل بقاء الملك، وقد علم أن زوال اليد بالعدوان فلا يقبل أن اليد يده إذا عرف من مستندها ما يصلح مستندًا له من زوال اليد المحققة والانتقال إلى يد عادية، أما هذه البينة أو غيرها فلا يكلف رب البينة بقاء الملك إلى حين الدعوى لتعذر ذلك أو لعسره وفيه معونة عظيمة لكل سارق وناهب. يوضح ذلك أن الحاكم يحكم باستصحاب اليد وبغيرها من الطرق التي تفيد غالب الظن، والشاهد لا يشهد إلا بالعلم؛ لأن الحاكم لا بد له من فصل الحكومة فيفصلها لأقوى الجانبين حجة (١) . قال أحمد في رواية حرب: من كان أخرس فهو أصم لا تجوز شهادته قيل له فإن كتبها؟ قال: لم يبلغني في هذا شيء، واختار الجد قبول الكتابة، ومنعها أبو بكر. وقول أحمد: فهو أصم لا تجوز شهادته، يقتضي أنه منع شهادته لعدم سماعه فهذا منتف فيما رآه. قال الأصحاب: تجوز شهادة الأعمى في المسموعات (٢) وفيما رآه

стр. 1174

قبل عماه إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه (١) وإن لم يعرفه إلا بعينه (٢) فوجهان وكذلك الوجهان إذا تعذر حضور المشهود عليه أو به لموت أو غيبة أو حبس، ويشهد البصير على حليته، إذ في الموضعين تعذرات الرؤية من الشاهد. فأما الشاهد نفسه: هل له أن يعين ما رآه وكتب صفته أو ضبطها ثم رأى شخصًا بتلك الصفة؟ هذا أبعد. وهو شبيه بخطه إذا رآه ولم يذكر الشهادة. قال القاضي: فإن قال الأعمى: أشهد أن لفلان هذا على فلان هذا ولم يذكر اسمه ونسبه أو شهد البصير على رجل من وراء حائط ولم يذكر اسمه ونسبه لم يصح ذكره محل وفاق. قال أبو العباس: قياس المذهب أنه إذا سمع صوته صحت الشهادة عليه أداء، كما تصح تحملاً، فإنا لا نشترط رؤية المشهود عليه حين التحمل ولو كان شاهدًا بصيرًا فكذلك لا يشترط عند الأداء، وهذا نظير إشارة البصير الحاضر إذا سماه ونسبه، وهو لا يشترط في أصح الوجهين فكذلك إذا أشار إليه لا تشترط رؤيته. وعلى هذا فتجوز شهادة الأعمى على من سمع صوته وعرفه وإن لم يعرف اسمه ونسبه ويؤديها عليه إذا سمع صوته (٣) . ويشهد بالاستفاضة ولو عن واحد تسكن نفسه إليه اختاره الجد (٤) .

стр. 1175

وفي التعليق وغيره: الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة وأنها تحصل بالنساء والعبيد، وقال شيخنا: هي نظير أصحاب المسائل عن الشهود على الخلاف (١) . قال القاضي: لا تصح الشهادة بمجهول ولا لمجهول، قال أبو العباس: وفي هذا نظر؛ بل تصح الشهادة بالمجهول ويقضي له بالمتيقن، وللمجهول يصح في مواضع كثيرة، أما حيث يقع الحق مجهولاً فلا ريب فيها، كما لو شهد بالوصية بمجهول أو لمجهول، أو شهد باللقطة أو اللقيط، والمجهول نوعان: مبهم كأحد هذين، ومطلق كثوب وعبد، وكذلك في البيع والإجارة والصداق، كما قلنا في الواجب المخير والمطلق. قال أبو العباس: وقد سئلت عن بينة شهدت بوقف سهم من دار معينة من دور، ثم تهدمت وصارت عرصة فلم تعرف عين تلك الدار التي فيها السهم ولا عدد الدور، فقلت: يحتمل أن يقرع قرعتين، قرعة لتعيين الدار، وقرعة لتعيين ذلك السهم وكذلك في كل حق اختلط بغيره وجهلنا القدر فيقرع للمقدر فيكتب رقاعًا بأسماء العدد ثم يخرج لعدد الحق الفلاني (٢) . وكذا تجوز الشهادة على المزارعة لمن لم ير جوازها لأن ذلك محل اجتهاد. وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام (٣) . وقال الشيخ تقي الدين: ولا يعتبر في أداء الشهادة قوله: وأن

стр. 1176

الدين باق في ذمة الغريم إلى الآن، بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبق الحق إجماعا (١) . فصل ذكر القاضي أن الخلاف عند الأصحاب في الشهادة شهادة الصبيان على الجراح الموجبة للقصاص، فأما الشهادة بالمال فلا تقبل، قال الشيخ تقي الدين: وهذا عجيب من القاضي؛ فإن الصبيان لا قود عليهم، وإنما الشهادة بما يوجب المال، ذكره في القواعد الأصولية (الإنصاف ١٢/ ٣٨) . وقال شيخنا في الذمي إذا زنا بالمسلمة قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره هذا نص كلامه (٢) . وإذا حضر الموت وليس عنده مسلم فله أن يشهد من حضره من أهل الذمة في الوصية ويحلفوا إذا شهدوا وهذا قول جمهور السلف وهو قول إمام الأئمة أحمد وأبي عبيد، وعليه يدل القرآن والسنة. وهذا مبني على أصل وهو أن الشهادة عند الحاجة يجوز فيها مثل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال (٣) . قال شيخنا ﵀: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا الموضع (٤) وهو ضرورة يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة حضرا وسفرا.

стр. 1177

قال الشيخ: ويؤيد هذا ما ذكره القاضي وغيره، محتجًا به وهو في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد، أن رجلاً من المسلمين خرج فمر بقرية فمرض ومعه رجلان من المسلمين: فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه، فلم يجد أحدًا من المسلمين في تلك القرية فدعوا أناسًا من اليهود والنصارى فأشهدوهم على ما دفع إليهما وذكر القصة فانطلقوا إلى ابن مسعود فأمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود والنصارى حق، فحلفوا فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به اليهودي والنصراني، وذلك في خلافة عثمان ﵁ (١) . قال شيخنا ﵀: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تعتبر، وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم (٢) . وشهادة الفاسق مردودة بنص القرآن واتفاق المسلمين، وقد يجيز بعضهم الأمثل فالأمثل، من الفساق عند الضرورة إذا لم يجد عدول ونحو ذلك، وأما قبول شهادة الفاسق فهذا لم يقله أحد من المسلمين (٣) . وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [٢٨٢/٢] يقتضي أنه يقبل في الشهادة على حقوق الآدميين من رضوه شهيدًا بينهم ولا ينظر إلى عدالته، كما يكون مقبولاً عليهم فيما ائتمنوه عليه. وقوله تعالى: في آية الرجعة والوصية ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾

стр. 1178

[١٠٦/٥] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [٢/٦٥] ولم يصف الرجلين نفسهما بأنهما عدل بل وصفهما بأنهما ذوا عدل أي صاحبا عدل. والعدل في المقال هو الصدق والبيان الذي هو ضد الكذب والكتمان كما بينه تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [١٠٢/٦] والعدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر. وبهذا يمكن الحكم بين الناس وإلا فلو اعتبر في شهود كل طائفة ألا يشهد عليهم إلا من يكون قائما بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كان الصحابة ﵃ لبطلت الشهادات كلها أو غالبها. وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا فسر الفاسق في الشهادة بالفاجر وبالمتهم فينبغي أن يفرق بين حال الضرورة وعدمها كما قلنا في الكفار. وقال أبو العباس في موضع آخر: ويتوجه أن تقبل شهادة المعروفين بالصدق وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضرورة مثل: الجند، وجفاة البدو، وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل. وله أصول، منها قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وشهادة بعضهم على بعض في قول وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وشهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه الرجال. ويظهر ذلك بالمحتضر في السفر إذا حضره اثنان كافران واثنان مسلمان يصدقان وليس بملتزمين للحدود، أو اثنان مبتدعان، فهاذان خير من الكافرين.

стр. 1179

والشروط التي في القرآن إنما هي في تحمل الشهادة، لا في الأداء. وينبغي أن نقول في الشهود ما نقول في المحدثين، وهو أنه من الشهود من تقبل شهادته في نوع دون نوع أو شخص دون شخص، كما أن في المحدثين كذلك. ونبأ الفاسق ليس بمردود بل هو موجب للتبين والتثبت كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *﴾ [٦/٤٩] وفي القراءة الأخرى: ﴿فتثبتوا﴾ فعلينا التبين والتثبت عند خبر الفاسق الواحد ولم نؤمر به عند خبر الفاسقين، وذلك أن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الواحد، أما إذا علم أنهما لم يتواطئا فهذا قد يحصل به العلم. وترد الشهادة بالكذبة الواحدة، وإن لم نقل هي كبيرة وهي رواية عن الإمام أحمد. ومن شهد على إقرار كذب مع علمه بالحال أو تكرر منه النظر إلى الأجنبيات والقعود في مجالس تنتهك فيها المحرمات الشرعية قدح ذلك في عدالته (١) ولا يستريب أحد فيمن صلى محدثًا أو إلى غير القبلة، أو بعد الوقت أو بلا قراءة أنها كبيرة. ويحرم اللعب بالشطرنج، وهو قول أحمد وغيره من العلماء، كما لو كان بعوض أو تضمن ترك واجب أو فعل محرم إجماعًا وهو شر من النرد وقاله مالك. ومن ترك الجماعة فليس عدلاً، ولو قلنا هي سنة.

стр. 1180

وتحرم محاكاة الناس على وجه السخرية المضحكة ويعزر فاعلها هو ومن يأمره بها، لأنه أذى. ومن دخل قاعات البغايا، فتح على نفسه باب الشر وصار من أهل التهم عند الناس؛ لأنه اشتهر عمن اعتاد دخولها وقوعه في مقدمات الجماع المحرم أو فيه. والعشرة المحرمة، والنفقة في غير الطاعة، وعلى كافل الأمرد منعه منها، ومن عشرة أهلها ولو لمجرد خوف وقوع الصغائر فقد بلغ عمر ﵁: أن رجلاً تجتمع إليه الأحداث فنهى عن الاجتماع به لمجرد الريبة. وتقبل شهادة الكافر على المسلم في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيره، وهو مذهب أحمد، ولا تعتبر عدالتهم، وإن شاء لم يحلفهم بسبب حق الله. ولو حكم حاكم بخلاف آية الوصية ينقض حكمه؛ فإنه إنما خالف نص الكتاب بتأويلات سمجة. وقول أحمد: أقبل شهادة أهل الذمة إذا كانوا في سفر ليس فيه غيرهم هذه ضرورة. يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة، حضرا، وسفرا، وصية، وغيرها وهو متجه. كما تقبل شهادة النساء في الحدود إذا اجتمعن في العرس، أو الحمام ونص عليه أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه. ونقل ابن صدقة في الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق بعض عبيده ولا يحضره إلا النساء، هل تجوز شهادتهن؟ قال: نعم، تجوز شهادتهن في الحقوق.

стр. 1181

والصحيح قبول شهادة النساء في الرجعة فإن حضورهن عندها أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق في الديون. وعن أحمد في شهادة الكفار في كل موضع ضرورة غير المنصوص عليه روايتان، لكن التحليف هنا لم يتعرضوا له فيمكن أن يقال: لا تحليف، لأنهم إنما يحلفون حيث تكون شهادتهم بدلا في التحمل، بخلاف ما إذا كانوا أصولاً قد علموا من غير تحمل. وقال أبو العباس في موضع آخر: ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان وجها، وتكون شهادتهم بدلا مطلقا. وإذا قبلنا شهادة الكفارة في الوصية في السفر فلا يعتبر كونهم من أهل الكتاب وهو ظاهر القرآن. وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب في انتصاره ومذهب أبي حنيفة وجماعة من العلماء. ولو قيل: إنهم يحلفون مع شهادة بعضهم على بعض كما يحلفون على شهادتهم على المسلمين، في وصية السفر لكان متوجهًا. وشهادة الوصي على الميت مقبولة، قال في المغني: لا نعلم فيه خلافًا. قال أبو العباس: إلا أن يقال: قد يستفيد بهذه الشهادة نوع ولاية في تسليم المال، ومثله شهادة المودع يقول: أودعنيها فلان، ومالكها فلان. والواجب في العدو أو الصديق ونحوهما: أنه إن علم منهما العدالة الحقيقية قبلت شهادتهما وأما إن كانت عداوتهما ظاهرة مع إمكان أن يكون الباطن بخلافه لم تقبل، ويتوجه هذا في الأب ونحوه.

стр. 1182

وتقبل شهادة البدوي على القروي في الوصية في السفر، وهو أخص من قول من قبلها مطلقا، أو منع منها مطلقًا، وعلل القاضي وغيره منع شهادة البدوي على القروي بأن العادة أن القروي إنما يشهد على أهل القرية دون أهل البادية. قال أبو العباس: فإذا كان البدوي قاطنًا مع المدعيين في القرية قبلت شهادته لزوال هذا المعنى، فيكون قولا آخر في المسألة مفصلاً. وقال أبو العباس في قوم أجروا شيئًا: لا تقبل شهادة أحد منهم على المستأجر لأنهم وكلاء أو أولياء (١) . ولا تشترط الحرية (٢) في الشهادة، وهو رواية في مذهب أحمد. وظاهر كلام أبي العباس: ولو في الحدود والقصاص، وهو مذهب أحمد. والشهادة في مصرف الوقف مقبولة، وإن كان مستندها الاستفاضة في أصح القولين (٣) . ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة.. قال الشيخ تقي الدين قال أصحابنا: والاثنتان أحوط من المرأة الواحدة (٤) .

стр. 1183

ونقل جماعة: من ترك الوتر ليس عدلاً، وقاله شيخنا في الجماعة على أنها سنة، لأنه يسمى ناقص الإيمان (١) . ويعتبر أيضًا اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرة.. وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد نص عليه، وعند شيخنا، أو غضب أو لعنة أو نفي الإيمان، قال: ولا يجوز أن يقع نفي الإيمان لأمر مستحب، بل لكمال واجب (٢) . ومن أتى فرعًا مختلفًا فيه يعتقد تحريمه ردت شهادته نص عليه وقيل: لا، كمتأول. وفيه في الإرشاد: إلا أن يجيز ربا الفضل أو لا يرى الماء من الماء لتحريمهما الآن، وذكرهما شيخنا مما خالف النص من جنس ما ينقض فيه حكم الحاكم. وقال الشيخ تقي الدين: اختلف الناس في دخول الفقهاء في أهل الأهواء فأدخلهم القاضي وغيره وأخرجهم ابن عقيل وغيره (٣) . وعنه: يفسق متأول لم يسكر من نبيذ، اختاره في الإرشاد والمبهج، قال الزركشي: وعلله ابن الزاغوني.. وفيه في الواضح روايتان واختلف فيه كلام الشيخ تقي الدين (٤) . ومن أخذ بالرخص فنصه: يفسق وذكره ابن عبد البر إجماعًا، وقال شيخنا كرهه العلماء (٥) .

стр. 1184

ومن قصد خروج الريح منه ليضحك الجماعة، فإنه يعزر على ذلك، وترد شهادته فقد ذكر العلماء أن هذا عمل قوم لوط، ومن لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله، وقد قال طائفة في قول تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [٢٩/٢٩] أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، وينصبون مزالق يزلق بها المارة ونحو ذلك (١) . "إن الذي يحدث ليضحك الناس ويل له ثم ويل له" والمصر على ذلك فاسق، مسلوب الولاية، مردود الشهادة (٢) . إذا مات الرجل وقد قال لأولاده: إنه طلق امرأته من مدة، واتفقوا مع بعض الشهود من أصحاب الميت فشهدوا بذلك وهم من أصحابه المباطنين له، وكانت المرأة مقيمة معه إلى أن توفي يخلو بها وهم يعلمون ذلك في العادة؛ فإن شهادتهم مرودة، لأن إقرارهم له على خلوتها بعد الطلاق يجرح عدالهم (٣) . قال ابن القيم ﵀ في الحكم بالتواتر: وإن لم يكن المخبرون عدولا ولا مسلمين. قال شيخنا: وهذا يقتضي أن القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية (٤) . موانع الشهادة وعدد الشهود ولو شهد أحد الغانمين بشيء من المغنم قبل القسمة فإن قلنا: ملكوه لم تقبل شهادته، كشهادة أحد الشريكين للآخر، وإن قلنا: لم

стр. 1185

تملك قبلت ذكره القاضي في خلافه، وقال الشيخ تقي الدين: وفي قبولها نظر وإن قلنا لم تملك، لأنها شهادة تجر نفعًا (١) . الشهادة على الشهادة وقال الشيخ تقي الدين: الفرع يقول: أشهد على فلان أنه يشهد له، أو أشهد على شهادة فلان بكذا، فإن ذكر لفظ المسترعي فقال: أشهد على فلان أنه قال: إني أشهد فهو أوضح، فالحاصل أن الشاهد بما سمع: تارة يؤدي اللفظ، وتارة يؤدي المعنى. وقال أيضا: والفرع يقول: أشهد أن فلانًا يشهد، أو بأن فلانًا يشهد فهو أولى رتبة، والثانية: أشهد أنه يشهد أو بأن يشهد، والثالث: أشهد على شهادته (٢) . وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى أو بدله بلا نزاع وعنه: يغرمون كل المهر، وذكر الشيخ تقي الدين ﵀: يغرمون مهر المثل (٣) . لو شهد بعد الحكم بمناف للشهادة الأولى فكرجوعه وأولى، قاله الشيخ تقي الدين (٤) . نقل الشيخ أبو محمد في الكافي عن أبي الخطاب أن الشهود إذا بانوا بعد الحكم كافرين أو فاسقين وكان المحكوم به إتلافا فإن الضمان عليهم دون المزكين والحاكم قال: لأنهم فوتوا الحق على مستحقه.

стр. 1186

بشهادتهم الباطلة، قال أبو العباس: هذا ينبني على أن الشاهد الصادق إذا كان فاسقًا أو متهمًا بحيث لا يحل للحاكم الحكم بشهادته: هل يجوز له أداء الشهادة؟ إن جاز له أداء الشهادة بطل قول أبي الخطاب، وإن لم يجز كان متوجهًا لأن شهادتهم حينئذ فعل محرم، وإن كانوا صادقين كالقاذف الصادق. وإذا جوزنا للفاسق أن يشهد جوزنا للمستحق أن يشهده عند الحاكم ويكتم فسقه، وإلا فلا. وعلى هذا فلو امتنع الشاهد الصادق العدل أن يؤدي الشهادة إلا بجعل: هل يجوز إعطاؤه الجعل؟ إن لم نجعل ذلك فسقًا فعلى ما ذكرنا. قال صاحب المحرر: وعنه لا ينتقض الحكم إذا كانا فاسقين، ويغرم الشاهدان المال، لأنهما سبب الحكم بشهادة ظاهرها الزور. قال أبو العباس: وهذا يوافق قول أبي الخطاب، ولا فرق إلا في تسمية ضمانهما نقضًا وهذا لا أثر له، لكن أبو الخطاب يقوله في الفاسق وغير الفاسق على ما حكي عنه. وهذه الرواية لا تتوجه على أصلنا إذا قلنا الجرح المطلق لا ينقض وكان جرح البينة مطلقًا، فإنه اجتهاد فلا ينقض به اجتهاد، ورواية عدم النقض أخذها القاضي من رواية الميموني عن أحمد في رجلين شهدا أنهما دفنا ههنا فلانا بالبصرة فقسم ميراثه، ثم إن الرجل جاء بعد وقد تلف ماله قد تبين للحاكم أنهما شهدا على زور أيضمنهما ماله؟ قال: وظاهر هذا أنه لم ينقض الحكم، لأنه لم يغرم الورثة قيمة ما أتلفوه من المال، بل أغرم الشاهدين ولو نقضه لأغرم الورثة. قال: ويحتمل أنه أغرم الورثة ورجعوا بذلك على الشهود، لأنهم معذورون فيكون قوله: «يضمنهما» يعني: الورثة.

стр. 1187

قال أبو العباس: النقض في هذه الصورة لا خلاف فيه فإن تبين كذب الشاهد غير تبين فسقه. فقول أحمد: إما أن يكون ضمانًا في الجملة كسائر المتسببين، أو يكون ضمان استقرار كما دلت عليه أكثر النصوص من أن المعذور لا ضمان عليه. ولو زكوا الشهود ثم ظهر فسقهم ضمن المزكون. وكذلك يجب في الولاية لو أراد الإمام أن يولي قاضيًا أو واليًا لا يعرفه فيسأل عنه فزكاه أقوام ووصفوه بما يصلح معه للولاية ثم رجعوا أو ظهر بطلان تزكيتهم، فينبغي أن يضمنوا ما أفسده الوالي والقاضي، وذلك لو أشاروا عليه وأمروا بولايته. لكن الذي لا ريب في ضمانه هو من تعهد المعصية منه مثل الخيانة مثل من يعلم منه الخيانة أو العجز ويخبر عنه بخلاف ذلك، أو يأمر بولايته، أو يكون لا يعلم حاله ويزكيه أو يشير به. فأما إن اعتقد صلاحه وأخطأ فهذا معذور، والسبب ليس محرمًا. وعلى هذا فالمزكي للعامل من المقترض والمشتري والوكيل كذلك (١) . وشاهد الزور إذا تاب بعد الحكم فيما لا يبطل برجوعه فهنا قد يتعلق به حق آدمي، ثم تارة يجيء إلى الإمام تائبًا فهذا بمنزلة قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه، وتارة يتوب بعد ظهور تزويره فهنا لا ينبغي أن يسقط عنه التعزير.

стр. 1188

ومن شهد بعد الحكم شهادة تنافي شهادته الأولى فكرجوعه عن الشهادة الأولى وأولى. وأفتى أبو العباس في شاهد قاس بكذا، وكتب خطه بالصحة فاستخرج الوكيل على حكمه، ثم قاس وكتب خطه بزيادة فغرم الوكيل الزيادة. قال أبو العباس: يغرم الشاهد ما غرمه الوكيل من الزيادة بسببه، تعمد الكذب أو أخطأ كالرجوع، والله أعلم (١) . باب اليمين في الدعاوي قال أصحابنا: ومن تغليظ اليمين بالمكان: اليمين عند صخرة بيت المقدس. وليس له أصل في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، بل السنة أن تغليظ اليمين فيها كتغليظها في سائر المساجد عن المنبر. والتغليظ بالمكان والزمان واللفظ لا يستحب على قول أبي البركات ويستحب على قول أبي الخطاب مطلقًا. وكلام أحمد في رواية الميموني يقتضي التغليظ مطلقًا من غير تعليق باجتهاد الإمام. ولنا قول ثالث: يستحب إذا رآه الإمام مصلحة فينبغي أنه إذا امتنع منه الخصم صار ناكلاً. ولا يحلف المدعي عليه بالطلاق وفاقًا (٢) .

стр. 1189

ومال الشيخ تقي الدين وصاحب النكت إلى وجوب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه على ما يأتي في كلامهما (١) . ونقل المجد من تعليق القاضي: تغليظ اليمين على المجوس بالله الذي بعث إدريس رسولاً، لأنهم يعتقدون أنه الذي جاء بالنجوم التي يعتقدون تعظيمها. ويغلظ على الصابئ «بالله الذي خلق النار» ؛ لأنهم يعتقدون تعظيم النار. قال الشيخ تقي الدين: هذا بالعكس، لأن المجوس تعظم النار، والصابئة تعظم النجوم (٢) . لو أبى من وجبت عليه اليمين التغليظ لم يصر ناكلا، قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان مع زيد تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ فامتنع من الإجابة أدى ما أدعي به ولو لم يكن كذلك لم يكن في التغليظ زجر قط. وقال الشيخ تقي الدين أيضا: متى قلنا هو مستحب، فينبغي إنه إذا امتنع منه الخصم يصير ناكلا (٣) .

стр. 1190

كتاب الإقرار والتحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدع، وإن أخبر بما على غيره لغيره، فإن كان مؤتمنًا عليه فهو مخبر، وإلا فهو شاهد فالقاضي والوكيل والمكاتب والوصي والمأذون له كل هؤلاء ما أدوه فهم مؤتمنون فيه، فإخبارهم بعد العزل ليس إقرارًا، وإنما هو خبر محض (١) . وإن قال: أنا مقر، أو خذها، أو اتزنها، أو اقبضها، أو أحرزها، أو هي صحاح -فعلى وجهين: أحدهما: يكون مقرًا، واختاره الشيخ تقي الدين (٢) . ولا يجب عند أحد من العلماء أن يكتب في الوثائق أنه قادر مليء ولا يجوز أن يكتب ذلك إلا إذا علم أنه مقر به. ولا يجوز تلقين الإقرار لمن لا يعلم أنه صادق فيه، ولا الشهادة عليه إلا إذا علم أنه كاذب في ذلك، كالعقود المحرمة فإن النبي ﷺ "لعن آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه" ومن أقر بمثل هذا الكذب وشهد على الإقرار به أو لقنه أن يقول إنه مليء بالحق وهو غير مليء به بل لقنه ذلك مع علمه عاقبه ذلك من غضب الله فهو متبع هواه (٣) .

стр. 1191

وإذا خلف رجل مالاً بينه وبين آخر فأنكر الورثة حتى أبرأ وأخذوا منه بعض شيء لم يصح إبراؤهم، لأنهم مكرهون، وكذلك إذا قال: ما لكم عندي، غير كذا فأبرؤه، ثم ظهر أن لهم عنده غير ما أقر لهم به فلا يصح إبراؤهم من الزائد الذي كتمه (١) . وإذا كان الإنسان ببلد سلطان ظالم أو قطاع طريق ونحوهم من الظلمة، فخاف أن يؤخذ ماله أو المال الذي يتركه لورثته أو المال الذي بيده للناس إما بحجة أنه ميت لا وارث له أو بحجة أنه مال غائب أو بلا حجة أصلاً، فيجوز له الإقرار بما يدفع عنه هذا الظلم ويحفظ هذا المال لصاحبه، مثل أن يقر لحاضر: أنه ابنه أو يقر أن له عليه كذا وكذا، أو يقر أن المال الذي بيده لفلان ويتأول في إقراره بأنه يعني بقوله: "ابني" كونه صغيرًا، أو بقوله: "أخي" أخوة الإسلام، وأن المال الذي بيده له، أي لأنه قبضه لكوني قد وكلته في إيصاله إلى مستحقه، لكن يشترط أن يكون المقر له أمينًا. والاحتياط أن يشهد على المقر له أيضا: أن هذا الإقرار تلجئه، تفسيره كذا وكذا (٢) . وإن أقر لبهيمة لم يصح، وقيل: يصح كقولهم بسببها ويكون لمالكها فيعتبر تصديقه. قال الشيخ تقي الدين عن هذا القول: هذا الذي ذكره القاضي في ضمن مسألة الحمل (٣) . وإن أقر من عليه ولاء بنسب وارث لم يقبل إقراره إلا أن يصدقه

стр. 1192

مولاه، وخرج في المحرر وغيره يقبل إقراره، واختاره الشيخ تقي الدين (١) . وإن أقر من شك في بلوغه وذكر أنه لم يبلغ فالقول قوله بلا يمين، قطع به في المغني والمحرر لعدم تكليفه. ويتوجه أن يجب عليه اليمين؛ لأنه إن كان لم يبلغ لم يضره، وإن كان قد بلغ حجر عليه فأقر بالحق، فقد نص أحمد في رواية ابن منصور إذا قال البائع: بعتك قبل أن تبلغ، وقال المشتري بعد بلوغك أن القول قول المشتري: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر التصرفات التي يشك فيها هل وقعت قبل البلوغ أو بعده؟ لأن الأصل في العقود الصحة، فإما إن يقال: هذا عام، وإما أن يفرق بين أن يتيقن أنه وقت التصرف كان مشكوكًا فيه غير محكومة يبلوغه أو لا يتيقن، فإنا مع تيقن الشك قد تيقنا صدور التصرف ممن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها، فقد شككنا في شرط الصحة، وذلك مانع من الصحة. وأما في الحالة الأخرى، فإنه يجوز صدوره في حال الأهلية وحال عدمها والظاهر صدوره وقت الأهلية، والأصل عدمه قبل وقتها فالأهلية هنا متيقن وجودها. ثم ذكر أبو العباس: أن من لم يقر بالبلوغ حتى تعلق به حق مثل إسلامه بإسلام أبيه أو ثبوت الذمة له تبعًا لأبيه أو بعد تصرف الولي له أو تزويج ولي أبعد منه لموليته- فهل يقبل منه دعوى البلوغ حينئذ، أم لا؟ لثبوت هذه الأحكام المتعلقة به في الظاهر قبل دعواه. وأشار أبو العباس إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا راجع الرجعية زوجها، فقالت: قد انقضت عدتي. وشبيه أيضا بما إذا ادعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهرًا كاللقيط

стр. 1193

الكفر بعد البلوغ فإنه لا يسمع منه على الصحيح، وكذلك لو تصرف المحكوم بحريته ظاهرًا كاللقيط ثم ادعى الرق ففي قبول قوله خلاف معروف (١) . وإذا أقر المريض مرض الموت المخوف لوارث فيحتمل أن يجعل إقراره لوارث كالشهادة فترد في حق من ترد شهادته له كالأب، بخلاف من لا ترد. ثم هذا هل يحلف المقر له معه كالشاهد؟ وهل تعتبر عدالة المقر؟ ثلاث احتمالات. ويحتمل أن يفرق مطلقًا بين العدل وغيره؛ فإن العدل معه من الدين ما يمنعه من الكذب ونحوه في براءة ذمته، بخلاف الفاجر. ولو حلف المقر له مع هذا تأكد؛ فإن في قبول الإقرار مطلقا فساد عظيم، كذلك في رده أيضًا. ويتوجه فيمن أقر في حق الغير وهو غير متهم كإقرار العبد بجناية الخطأ وإقرار القاتل بجناية الخطأ إذ يجعل المقر كشاهد، ويحلف معه المدعي فيما ثبت بشاهد آخر، كما قلنا في إقرار بعض الورثة بالنسب هذا القياس والاستحسان. وإقرار العبد لسيده (٢) ينبني على ثبوت مال السيد في ذمة العبد ابتداء ودوامًا، وفيه ثلاثة أوجه في الصداق. وإقرار سيده له ينبني على أن العبد إذا قيل: يملك هل يثبت له دين على سيده؟ قال في الكافي: وإن أقر العبد بنكاح أو قصاص أو تعزير قذف صح (٣) وإن كذبه الولي.

стр. 1194

قال أبو العباس: وهذا في النكاح فيه نظر؛ فإن العبد لا يصح نكاحه بدون إذن سيده لأن في ثبوت نكاح العبد ضررا عليه فلا يقبل إلا بتصديق السيد. قال الأصحاب: وإن أقر لعبد غيره بمال صح وكان لسيده. قال أبو العباس: وإذا قلنا يصح قبول الهبة والوصية بدون إذن السيد لم يفتقر الإقرار إلى تصديق السيد. وقد يقال: بل (١) وإن لم نقل بذلك لجواز أن يكون قد يملك مباحا فأقر بعينه أو تلفه وتضمن قيمته (٢) ، (٣) . وإذا حجر الولي على المأذون له فأقر بعد الحجر. قال القاضي وغيره: لا يقبل. وقياس المذهب صحة إقراره مطلقا، كالحاكم والوكيل والوصي بعد العزل، لأن الحجر عندنا يتبعض (٤) . فصل ولا تقبل الدعوى بما يناقض إقراره، إلا أن يذكر شبهة تجري بها العادة. وإذا أنكر زوجية امرأته قدام الحاكم فلما أبرأته الزوجة بعد ذلك اعترف بالزوجية وطلق على مائتي درهم لم يبطل حقها بل هو باق في ذمته لها أخذه منه (٥) .

стр. 1195

ومتى ثبت نسب المقر له من المقر ثم رجع المقر وصدقه المقر له فهل يقبل رجوعه؟ فيه وجهان حكاهما في الكافي. وقال أبو العباس: إن جعل النسب فيه حقًّا لله تعالى فهو كالحرية وإن جعل حق آدمي فهو كالمال. والأشبه أنه حق آدمي كالولاء. ثم إذا قبل: الرجوع عنه لحق الأقارب الثابت من المحرمية ونحوها هل يزول؟ وكذلك لو تراضيا عن التصادق على النكاح فالمصاهرة الثابتة هل تزول أو تكون كالإقرار بالرق؟ تردد نظر أبي العباس في ذلك. فأما إن ادعى نسبًا ولم يثبت لعدم تصديق المقر له، أو قال: أنا فلان ابن فلان، وانتسب إلى غير أب معروف، وقال: لا أب لي، أو لا نسب لي، ثم ادعى بعد هذا نسبًا آخر، أو ادعى أنه له أبا فقد ذكر الأصحاب في باب ما علق من النسب أن الأب إذا اعترف بالابن بعد نفيه قبل منه فكذلك غيره لأن هذا النفي والإقرار بمحل ومنكر لم يثبت به نسب، فيكون إقراره بعد ذلك مقبولاً، كما قلنا فيما إذا أقر بمال لمكذب إذا لم يجعله لبيت المال فإنه إذا ادعى المقر بعد هذا أنه ملكه قبل منه، وإن كان المقر به أرق نفسه فهو كغيره بناء على أن الإقرار المكذوب وجوده كعدمه. وهناك على الوجه الآخر يجعله بمنزلة المال الضائع أو المجهول فيحكم بالحرية لحريته وبالمال ليثبت المال. وهنا يكون بمنزلة مجهول النسب فيقبل به الإقرار ثابتا. وسر المسألة: أن الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول. والإقرار الذي لم يتعلق به حق لله ولا حق لآدمي هو من باب
следующие страницы →