← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فينهى عنه وفيه نزاع، وتركه أولى (١) . تشميت العاطس وإذا كان كافرا أو ذميا أو ما شابة: قال أحمد في رواية أبي طالب: التشميت يهديكم الله ويصلح بالكم، وهذا معنى ما نقل غيره، وقال في رواية حرب، هذا عن النبي ﷺ من وجوه، وقال ابن تميم: يرد عليه العاطس وإن كان المشمت كافرا، فيقول: آمين يهديكم الله ويصلح بالكم وإن كان المشمت المسلم، يغفر الله لنا ولكم، فحسن والأول أفضل، وكذا ذكر ابن عقيل إلا قوله، وإن كان المشمت كافرا، وقال القاضي: إنه روي عن النبي ﷺ لفظان: أحدهما: (يهديكم الله) الثاني: (يرحمكم الله) كذا قال: وصوابه: (يغفر الله لكم) قاله الشيخ تقي الدين (٢) . قال ابن تيمي: لا يشمت الرجل الشابة ولا تشمته، وقال حرب: قلت لأحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست فقال: إن أراد أن يستنطقها يسمع كلامها فلا؛ لأن الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتها قال الشيخ تقي الدين فيه عموم في الشابة (٣) . فإن عطس رابعة لم يشمته ذكره السامري وقدمه في الرعاية، وهو الذي ذكره الشيخ عبد القادر ومذهب مالك وغيره، وقال الشيخ تقي الدين، وهو المنصوص عن أحمد وذكر رواية صالح ومهنا (٤) . وكره الإمام أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه لأنه شيء فرغ منه، واختاره شيخنا (٥) .

стр. 737

قال الشيخ تقي الدين: وقد نص أحمد على أنه لا يستحب تشميت الذمي، ذكره أبو حفص في كتاب الأدب عن الفضل بن زياد، قال: قلت: يا أبا عبد الله لو عطس يهدي قلت له يهديكم الله ويصلح بالكم قال: أي شيء يقال لليهودي؟ كأنه لم يره، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لم يستحب تشميته لأن التمشيت تحية له فهو كالسلام ولا يستحب أن يبدأ بالسلام كذلك التشميت ويدل عليه ما رواه أبو حفص بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للمسلم على المسلم ست خصال إن ترك شيئا منهن ترك حقا واجبا عليه: إذا دعاه أن يجيبه وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يحضره وإذا لقيه إن يسلم عليه، وإذا استنصحه أن ينصحه، وإذا عطس أن يشمته، أو يسمته) فلما خص المسلم بذلك دل على أن الكافر بخلافه وهو في السنن إلا قوله: حقا واجبا عليه، ولأحمد ومسلم من حديث أبي هريرة: حق المسلم على المسلم ست، وذكره. قال الشيخ تقي الدين: التخصيص بالوجوب أو الاستحباب إنما ينفى ذلك في حق الذمي كما ذكره أحمد في النصيحة، وإجابة الدعوة لا تنفي جواز ذلك في حق الذمي من غير استحباب ولا كراهة كإجابة دعوته والذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام أحمد أنه يكره، وكلام ابن عقيل إنما نفى الاستحباب، وفي المسألة تعاطس اليهود عند النبي ﷺ وكان يجيبهم بالهداية، وإذا كان في التهنئة والتعزية روايتان فالتشميت كذلك (١) . فإذا سلم أحدهم وجب الرد عليه عند أصحابنا وعند عامة العلماء لصحة الأحاديث عنه ﵇ بالرد.

стр. 738

السلام عليهم وتهنئتهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم: وقال الشيخ تقي الدين: إذا سلم الذمي على المسلم فإنه يرد عليه مثل تحيته، وإن قال: أهلا وسهلا فلا بأس. كذا قال: وجزم في مواضع أخر بمثل قول الأصحاب (١) . وتحرم البداءة بالسلام، وفي الحاجة احتمال، نقل أبو داود فيمن له حاجة إليه، لا يعجبني، ومثله: كيف أنت؟ أو أصبحت؟ أو حالك؟ نص عليه وجوزه شيخنا (٢) . وقال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنسه له فلا بأس بذلك (٣) . واختلف كلام أبي العباس في تحية الذمي، هل ترد بمثلها، أو وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقول: أهلا وسهلا. وتجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام. وقال العلماء: يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام (٤) . من الشروط عليهم: ويمنع أهل الذمة من إظهار الأكل في نهار رمضان؛ فإن هذا من المنكر في دين الإسلام (٥) . وليس لهم إظهار شيء من شعائر دينهم في دار الإسلام لا وقت

стр. 739

الاستسقاء ولا عند لقاء الملوك. ويمنعون من المقام في الحجاز، وهو مكة، والمدينة واليمامة، والينبع، وفدك، وتبوك، ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان (١) . وإن أبى الذمي بذل الجزية أو الصغار أو التزام حكمنا ينقض عهده، وساب الرسول ﷺ يقتل ولو أسلم وهو مذهب أحمد. ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين فهذا يقتل ولو أسلم. ولو قال الذمي: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب ينغصون علينا، إن أراد طائفة معينين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله، وإن ظهر منه قصد العموم ينقض عهده وجب قتله (٢) . وإذا شرط ولي الأمر على التجار الداخلين إلى بلاد الإسلام، وهم من أهل الحرب أن يضمنوا ما أخذه أهل الحرب منهم لتجار المسلمين جاز ذلك وكان شرطا صحيحان لأن غايته أنه ضمان مجهول أو ضمان ما لم يجب، فهو كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر للناس من الديون، وهذا جائز عند أكثر العلماء مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، كما في قوله ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [٧٢/١٢] ولأن هؤلاء الطائفة الممتنعة ينصر بعضهم بعضا فهم كالشخص الواحد؛ فإذا اشترطوا أن تجارهم يدخلون بلاد الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين له والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك؛ ولهذا قال النبي ﷺ للأسير العقيلي

стр. 740

حين قال: يا محمد علام أوخذ؟ فقال: (بجريرة حلفائك من ثقيف) وأسره النبي ﷺ وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده. ولو أسرنا حربيًا لأجل تخليص من أسروه منا جاز باتفاق المسلمين. ولنا أن نحبسه حتى يردوا أسيرنا، ولو أخذنا مال حربي حتى يردوا علينا ما أخذوه لمسلم جاز، فإذا اشترط عليهم ذلك في عقد الأمان جاز (١) . وليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعائر دينهم في ديار المسلمين، لا في أوقات الاستسقاء ولا في وقت مجيء النوائب، ويمنعون من إظهار التوراة، ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة وصلاتهم، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك (٢) . وكان شيخي ﵀ يقول: لا يمنع أهل الذمة، من ركوب جنس الخيل، فلو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع. والحمار الذي تبلغ قيمته مبلغا إذا ركبه واحد منهم لم أر للأصحاب فيه منعا، ولعلهم نظروا إلى الجنس، ومن الكلام الشائع: ركوب الحمار ذل، وركوب الخيل عز انتهى (٣) . ويمنعون من تعلية البنيان على جيرانهم المسلمين، وقال العلماء: ولو في ملك مشترك بين مسلم وذمي، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٤) .

стр. 741

الكنائس والبيع والديورة هل تبقى؟ وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته: ما يقول السادة العلماء وفقهم الله: في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟ فإن ملك جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود بذلك الإقليم أو غير الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده، أو مع غيره، أم لا؟ فإن لم يجز لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد، أم لا لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا أو أعقبوا فإن قلنا إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ وصححه العراقيون واختاره ابن أبي عصرون في المرشد، فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط أن لا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس

стр. 742

والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردد، في أن ذلك كان موجودا عند الفتح أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال، أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من الأولاد من عقدت معهم الذمة وإن سفلوا ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة بل يجري عليهم حكم من سلف، إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ فهل تحتاج كنائسهم وبيعهم إليه أم لا؟ فأجاب: الحمد لله ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي ﷺ وكعامة أرض الشام وبعض مدنها وكسواد العراق إلا مواضع قليلة فتحت صلحا وكأرض مصر فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقد ري في أرض مصر أنها فتحت صلحا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح، على ما ذكره العلماء المتأملون للروايات الصحيحة في هذا الباب؛ فإنها فتحت أولا صلحا، ثم نقض أهلها العهد فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ يستمده فأمده بجيش كثير فيه الزبير بن العوام ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة. ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب ﵄ أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين ينتفع بفائدها أول المسلمين وآخرهم، ثم

стр. 743

وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك. فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه، كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار. ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد. ما يقال في الكنائس والديرة وما يفعل فيها من العبادات إما مبدل أو محدث لم يشرعه الله أو نهى عنه بعد ما شرعه. وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين؛ فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلا أو محدثا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله نهى عنه بعد ما شرعه. وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. ولهذا لما استولى رسول الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم كبني قينقاع والنضير وقريظة كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون ودخلت في قوله سبحانه ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [٢٧/ ٣٣] ، وفي قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [٦/٥٩] ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [٧/٥٩] . لكن وإن ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متنوع، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبر، وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه

стр. 744

في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك، نفسه والعقار والأرض والمنقول، وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة. ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم وكانت المزارع ملكا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله ﷺ بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر ﵁ في خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد. فصل وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع بقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة. منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، لأنه إخراج ملك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهد قديم، ومنهم من يقول: بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد. فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية، ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين. ومن قال بجواز إقرارها بأيديهم فقوله أوجه وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا

стр. 745

يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد، ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكا، كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلته أو سلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكا له؛ بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي ﷺ من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم؛ فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه وكانت من كنائس الصلح لم يكن لهم أخذها قهرا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة. فصل ومتى انتقض عهدهم: ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلا عن كنائس العنوة كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد؛ فإن ناقض العهد أسوأ حالا من الكافر الأصلي ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار ولم يبق من دخل في عهدهم فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئا، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد، وله أن لا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز

стр. 746

هدمه، وإنما اختلفوا في جواز بقائه، وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئا للمسلمين. أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر. وأما على قول من يوجب قسمه فلأن عين المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك معين. وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له، فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له ولا أعلم به قائلا، فلا يفرع عليه؛ وإنما الخلاف في الجواز. نعم قد يقال في الأبناء إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم لأن لهم شبهة الأمان والعهد؛ بخلاف الناقضين فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له؛ فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه، وما وقع الشك فيه -على هذا التقدير- فهو لبيت المال. وأما الموجودون الآن إذا لم يصدر منهم نقض عهد فهم على الذمة؛ فإن الصبي يتبع أباه في الذمة وأهل داره من أهل الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين؛ لأن الصبي لما لم يكن مستقلا بنفسه جعل تابعا لغيره في الإيمان والأمان. وعلى هذا جرت سنة رسول الله ﷺ وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر. وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديما قبل فتح المسلمين. أما ما حدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ في

стр. 747

الشروط المشهورة عنه: «ألا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا قلاية» امتثالا لقول رسول الله ﷺ (لا تكون قبلتان ببلد واحد) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا كنيسة في الإسلام. وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى؛ فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين؛ فهدمها بصنعاء وغيرها. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى أهل وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد فأجابه بهدم كنائس سواد العراق وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أيما مصر مصرته العرب يعني المسلمين فليس للعجم يعني أهل الذمة، أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسا، ولا يشربوا فيه خمرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم (١) . وكل مصر مصره العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة.. ولهم رم

стр. 748

ما تشعث منها، وعنه وبناؤها إذا انهدمت وعنه منعهما، اختاره الأكثر، قاله ابن هبيرة، كمنع الزيادة، قال شيخنا: ولو في الكيفية، وقال: لا أعلى ولا أوسع اتفاقا (١) . والكنائس ليست ملكا لأحد، وأهل الذمة ليس لهم منع من يعبد الله فيها لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبين الغافلين أعظم أجرا (٢) . لا يقال لزائر كنائسهم يا حاج ولا لمن يزور القبور والمشاهد: وإذا زار أهل الذمة كنيسة بيت المقدس فهل يقال لهم: يا حاج، مثلا؟ لا ينبغي أن يقال لهم ذلك تشبيها بحاج البيت الحرام، ومن اعتقد أن زيارتها قربة فقد كفر، فإن كان مسلما فهو مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر فقد كفر وصار مرتدًا، ومن قال لأحدهم: يا حاج فإنه يعاقب عقوبة بليغة تردعه عن مثل هذا الكلام الذي فيه تشبيه القاصدين للكنائس بالقاصدين لبيت الله الحرام، وفيه تعظيم لذلك النصراني وللكنيسة، وهو بمنزلة من يشبه أعياد النصارى بأعياد المسلمين ويعظمها، وأمثال ذلك مما فيه تشبيه الذين كفروا من أهل الكتاب بأهل الإيمان وقد قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [٣٥/٦٨] وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [٢٨/٣٨] . وأي نصراني قال لنصراني: يا حاج بين المسلمين، فإنه يعاقب على ذلك بما يردعه عقوبة بليغة.

стр. 749

وكل من يسافر إلى زيارة القبور والمشاهد كما يفعله طوائف من الرافضة ونحوهم في تسميتهم ذلك حجا، وقد صنف بعضهم كتابا سماه مناسك حج المشاهد فمن شبه ذلك الشرك والوثنية بالحج المشروع وجعله مثله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ومن سماه حجا أو جعله مناسك فإنه أيضا يعاقب عقوبة بليغة بما يردعه وأمثاله (١) . ومما شرط عليهم أيضًا: ويلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزا ظاهرا كالحياة وأولى، ذكره شيخنا وألا يتكنوا بكنية المسلمين، كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وكذا اللقب، كعز الدين، ونحوه قاله شيخنا. وقال شيخنا: ومن حمل سلاح والمقاتلة بثقاف ورمي وغيره، لأنه مشروط عليهم (٢) . ومن حمل سلاح والعمل به وتعلم المقاتلة والطعان والرمي وركوب الخيل (٣) . قال ابن القيم ﵀: ولما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكادوا لولا دفاع الله أن يحترق كله، وعلم من علم بذلك من النصارى وواطئوا عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا به ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء وأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو رضي به وأقر عليه، وأن حده القتل حتما لا تخيير للإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدا، والإسلام لا

стр. 750

يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما لأحكام الله؛ بخلاف الحربي إذا أسلم فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وأفتى به في غير موضع (١) . وقال شيخنا: من تولى منهم ديوانا للمسلمين انتقض عهده لأنه من الصغار (٢) .

стр. 751

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين فيمن يسمى الخميس المعروف بعيد النصارى عيدا وفيمن يعتقد أن مريم ابنة عمران ﵍ تجر ذيلها ذلك اليوم على الزرع فينمو ويلحق اللقيس بالبكير، ويخرجون في ذلك اليوم ثيابهم وحلي النساء يرجون البركة من ذلك اليوم وكثرة الخير، ويكحلون الصبيان، ويمغرون الدواب والشجر لأجل البركة، ويصبغون البيض، ويقامرون به، ويعتقدون حله، ويدقون البخور، ويتبخرون به قصد البركة، أفتونا مأجورين؟ الجواب: قال الشيخ الإمام، العالم العامل، مفتي الفرق، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم، بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي ﵀ ورضي عنه. الحمد لله وحده، كل ما يفعل في أعياد الكفار من الخصائص التي يعظم بها فليس للمسلم أن يفعل شيئا منها، قال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) وقال ﷺ (ليس منا من تشبه بغيرنا) وقد شارط عمر بن الخطاب ﵁ أهل الكتاب ألا يظهروا شيئا من شعائر الكفار لا الأعياد ولا غيرها، واتفق المسلمون على نهيهم عن ذلك كما شرطه عليهم أمير المؤمنين، وسواء قصد المسلم التشبه بهم أو لم يقصد ذلك بحكم العادة التي تعودها فليس له أن يفعل ما هو من خصائصهم، وكل ما فيه تخصيص عيدهم بلباس وطعام ونحو ذلك فهو من خصائص أعيادهم، وليس ذلك من دين المسلمين. ومن قال: إن مريم تجر ذيلها على الزرع فينمو، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن هذا اعتقاد الكفار النصارى وهو من أفسد الاعتقادات فإن من هو أفضل من مريم من الأنبياء والمرسلين عليهم

стр. 752

السلام لا سعى لهم في إنبات النبات، وإنزال القطر من السموات فكيف يكون ذلك من مريم ﵍؟ وإنما هذا اعتقاد النصارى فيها وفي شيوخهم القسيسين أنهم ينفعونهم أو يضرونهم، وهذا من شركهم الذي ذمهم الله تعالى به كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [٣١/٩] ، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [٧٩/٣] الآيتين. فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا هو كافر فكيف بمن اتخذ مريم أو غيرها من الشيوخ؟ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [٥٦/١٧] قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون العُزير والمسيح والملائكة فقال الله تعالى: هؤلاء الأنبياء والملائكة الذين تدعونهم يرجون رحمتي ويخافون عذابي كما ترجون رحمتي وتخافون عذابي ويتقربون إلي كما تتقربون إلي، وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، فإذا كان هذا في الملائكة والنبيين فكيف بمن دونهم كمريم وغيرها من الصالحين الرجال والنساء؟ فمن دعا غير الله تعالى أو عبده فهو مشرك بالله العظيم، وإن كان ذلك رجل صالح أو امرأة صالحة. وكذلك التزين يوم عيد النصارى من المنكرات وصنعة الطعام الزائد عن العادة وتكحيل الصبيان وتحمير الدواب والشجر بالمغرة وغيرها وعمل الولائم وجمع الناس على الطعام في عيدهم، ومن فعل هذه الأمور يتقرب بها إلى الله تعالى راجيا بركتها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا

стр. 753

قتل فإن هذا من إخوان النصارى، كما لو عظم رجل الصليب وصلى إلى المشرق، وتعمد بالعمودية فإن من فعل هذا فهو كافر مرتد يجب قتله شرعا وإن أظهر مع ذلك الإسلام. وكذلك صبغ البيض فيه. وأما القمار فيه فإنه حرام في كل وقت فيه وفي غيره. وكذلك البخور فيه ونحو ذلك. وبالجملة فليس ليوم عيدهم مزية على غيره، ولا يفعل فيه شيء مما يميزونه هم به. ولكن لو صامه الرجل قصدا لمخالفتهم فقد كرهه كثير من العلماء، كما روي عن أنس بن مالك، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ﵃، لأن من تخصيص أعياد الكفار بالصوم نوع تعظيم لها، وإن كانوا هم لا يصومونه فكيف إذا كان التعظيم من جنس ما يفعلونه؟ ألا ترى أن اليهود كانوا يتخذون يوم عاشوراء عيدا فيصومونه ويظهرون السرور فيه، وأمر النبي ﷺ بصيامه مرة واحدة قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان سقط وجوبه وبقي صومه مستحبا ثم إن النبي ﷺ لما قيل له إن اليهود والنصارى ويتخذونه عيدا قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) فقال أكثر أهل العلم مراده صوم التاسع والعاشر لئلا يخص يوم عاشوراء بالصوم، كما نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، وكان يقول: (صوموا يوما قبله أو يوما بعدها) وهو ﷺ فعل هذا في عاشوراء بعد أن كان أمر بصيامه ليخالف اليهود ولا يشاركهم في إفراد تعظيمه هذا مع أن عاشوراء لم يشرع فيه غير الصوم باتفاق علماء المسلمين فكل ما يفعل فيه غير ذلك من الاختضاب والكحل والتزين والاغتسال والتوسع على العيال غير العادة فيه من حبوب وغيرها هو من البدع المحدثة في الدين لم يستحبها أحد

стр. 754

من العلماء ولا السلف، بل كل ما روي فيها من الأحاديث المرفوعة فهي أحاديث موضوعة. فإذا كان رسول الله ﷺ كره نوعًا من التشبه بهم في عاشوراء فكيف بأعياد الشعانين والخميس وغير ذلك من أعياد الكافرين؟ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل خصائص عيدهم، وقال بعضهم، من ذبح فيه بطيخة فكأنما ذبح خنزيرا. فالواجب على ولاة الأمور نهي الناس عن هذه المنكرات المحرمة وأمرهم بملازمة شعائر الإسلام الذي لا يقبل الله غيره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ [١٩/٣] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [٨٥/٣] . مصورة عن مكتبة اسطنبول فقه نقلها من مكتبة الجامعة الإسلامية بخطة محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ٣/ ٣/ ١٤١٢ هـ.

стр. 755

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّسَ الله رُوحَه المجلد الرابع البيع - الخلع جمعه ورتبه محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

стр. 756

كتاب البيع وكل ما عده الناس بيعًا أو هبة: من متعاقب، أو متراخ، من قول، أو فعل، انعقد به البيع والهبة (١) . ومن استولى على ملك إنسان بلا حق ومنعه إياه حتى يبيعه إياه فهو كبيع المكره بلا عوض (٢) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀: بيع الحرير للكفار حديث عمر ﵁ يقتضي جوازه؛ بخلاف بيع الخمر؛ فإن الحرير ليس حرامًا على الإطلاق، وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة لهم؛ وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وجاز عملها لهم بالأجرة. انتهى كلامه ذكره في أول باب ما يجوز بيعه من تعليقه على المحرر (٣) . قال شيخنا في الفتاوى المصرية: يجوز تصرفه فيما بيده بالوقف وغيره حتى تقوم حجة شرعية بأنه ليس ملكًا له؛ لكن لا يحكم بالوقف حتى يثبت الملك (٤) . وفي مجموع أبي حفص في الإجارة: نقل يحيى بن محمد

стр. 757

الكحال: سألت أحمد عن رجل له حمام تقيمه غلته يريد أن يبيعه قال: لا يبيعه على أنه حمام يبيعه على أنه عقار ويهدم الحمام: ذكره الشيخ تقي الدين. قال: وكذلك الأبنية المصورة كنائس ونحو ذلك مما هو مبني للمنفعة المحرمة وما هو مصور على صورة المنفعة المحرمة ويمكن تصويره على صورة مباحة: مثل الحرير المفصل للرجال، وخاتم الذهب للرجل، وآنية الذهب والفضة (١) . قال ابن القيم ﵀: فصل وأما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله، ويدخل فيه أبعاضها أيضًا، ولهذا استشكل الصحابة ﵃ تحريم بيع الشحم مع ما لهم فيه من المنفعة فأخبرهم النبي ﷺ أنه حرام وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة. وهذا موضع اختلف فيه الناس لاختلافهم في فهم مراده ﷺ وهو أن قوله: «لا هو حرام» هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع فإنه ﷺ لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة قالوا: إن في شحومها من المنافع كذا وكذا يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: «لا هو حرام» (٢) . ومكة المشرفة فتحت عنوة. ويجوز بيعها لا إجارتها. فإن استأجرها فالأجرة ساقطة يحرم بذلها (٣) . وجوز شيخنا بيع الصفة والسلم حالاً إن كان في ملكه. قال: وهو المراد بقوله ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» فلو لم يجز السلم حالاً لقال: لا تبع هذا. سواء كان عنده أولاً. وأما إذا لم يكن

стр. 758

عنده فإنما يفعله لقصد التجارة والربح فيبيعه بسعر ويشتريه بأرخص ويلزمه تسليمه في الحال وقد يقدر عليه وقد لا تحصل له تلك السلعة إلا بثمن أعلى مما تسلف فيندم. وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك ندم المسلف إذ كان يمكنه أن يشتريه بذلك الثمن؛ فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه فإن حصل ندم البائع وإن لم يحصل ندم المشتري. وفي التلخيص وغيره: لا يصح بيع لحم في جلد أو معه اكتفاء برؤية الجلد فإنه بيع رءوس وسموط قال شيخنا في حيوان مذبوح: يجوز بيعه مع جلده جميعًا، كما قبل الذبح كقول جماهير العلماء، كما يعلمه إذا رآه حيًا. ومنعه بعض متأخري الفقهاء ظنًا أنه بيع غائب بدون رؤية ولا صفة. قال شيخنا: وكذلك يجوز بيع اللحم وحده والجلد وحده. وأبلغ من ذلك «أن النبي ﷺ وأبا بكر في سفر الهجرة، اشتريا من رجل شاة، واشترطا له رأسها وجلدها وسواقطها وكذلك كان أصحابه ﵇ يتبايعون (١) . ويجوز بيع الطير لقصد صوته إذا جاز حبسه. وفيه احتمالان لابن عقيل (٢) . واختار أبو العباس صحة البيع بغير صفة وهو بالخيار إذا رآه، وهو رواية عن أحمد ومذهب الحنفية. وضعفه في موضع آخر (٣) . وإن باعه لبنًا موصوفًا في الذمة واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة صح (٤) . فلا يصح برقم مجهول، ولا بما ينقطع سعره، أو كما يبيع الناس

стр. 759

على الأصح فيهن. وصححه شيخنا بثمن المثل، كنكاح، وأنه مسألة السعر، وأخذه من مسألة التحالف (١) . واحتج بما في المسند أن النبي ﷺ : «نهى أن يسلم في حائط بعينه» إلا أن يكون قد بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن التمر يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه (٢) . ويجوز بيع الكلاء ونحوه الموجود في أرضه إذا قصد استنباته (٣) . ولو باع ولم يسم الثمن صح بثمن المثل كالنكاح (٤) . فصل ولا يصح بيع ما قصد به الحرام كعصير يتخذه خمرًا إذا علم ذلك كمذهب أحمد وغيره، أو ظن وهو أحد القولين. ويؤيده أن الأصحاب قالوا: لو ظن المؤجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية كبيع الخمر ونحوه لم يجز له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح الإجارة. والبيع والإجارة سواء (٥) . وإن جمع البائع بين عقدين مختلفي الحكم بعوضين متميزين لم يكن للمشتري أن يقبل أحدهما بعوضه (٦) . ومن باع ربويًا بنسيئة حرم أخذه عن ثمن ما لا يباع به نسيئة ما لم

стр. 760

تكن حاجة، وهو توسط بين الإمام أحمد في تحريمه والشيخ أبي مقدس في حله (١) . وقال أحمد أيضًا: أكره للرجل ألا يكون له تجارة غير النسيئة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا، وعلله شيخنا ابن تيمية ﵁ بأنه يدخل في بيع المضطر؛ فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه؛ فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار (٢) . فصل ويحرم الشراء على شراء أخيه، وإذا فعل ذلك كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة وأخذ السلعة أو عوضها (٣) . وتحرم مسألة التورق، وهو رواية عن أحمد (٤) . قوله: «كشرائه وبيعه زمن الخيار» قال ابن رجب: ومال الإمام أحمد إلى القول بأنه عام في الحالين يعني مدة الخيار وبعدها ولو لزم العقد ... وتبع في ذلك الشيخ تقي الدين فإنه سئل عن ذلك في المسائل البغدادية وأجاب بأن الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد وقدماء أصحابه أنه لا فرق بين زمن الخيار وعدمه، فما أطلقه أبو الخطاب ذكره أبو بكر، وكذلك ذكره القاضي وغيره. وإن كان هذا القيد ذكره جماعة

стр. 761

منهم القاضي في بعض المواضع، وابن عقيل فيما أظن، وأبو حكيم وصاحبه السامري، وأسعد بن منجا وأبو محمد وأبو البركات وغيرهم وأطال في ذلك واختاره. وذكر المسألة أيضًا في إبطال التحليل (١) . وسأله ابن الحكم عن رجل يقر بالعبودية حتى يباع قال: يؤخذ المقر والبائع بالثمن، فإن مات أحدهما أو غاب أخذ الآخر بالثمن واختاره شيخنا (٢) . وقال الشيخ تقي الدين: يكره للرجل أن يحب غلو أسعار المسلمين ويكره الرخص. ويكره المال المكسوب من ذلك، كما قال من قال من الأئمة: إن مالاً جمع من عموم المسلمين لمال سوء (٣) . قال أحمد: لا ينبغي أن يتمنى الغلاء (٤) . ومن ضمن مكانًا للبيع ويشتري فيه وحده كره الشراء منه بلا حاجة. ويحرم عليه أخذ زيادة بلا حق (٥) . ولا يربح على المسترسل أكثر من غيره. وله أن يأخذه منه بالقيمة المعروفة بغير اختياره. قال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح الرجل في العشرة خمسة يكره ذلك قال: إذا كان أجله إلى سنة أو أقل بقدر الربح فلا بأس به. وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل؛ لأنه شبه بيع المضطر. وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة (٦) . وإذا اتفق أهل السوق على ألا يزيدوا في سلعة لهم فيها غرض

стр. 762

ليشتريها أحدهم ويتقاسموها فهذا يضر بالمسلمين أكثر من تلقي الركبان، أما إذا اتفق اثنان وفي السوق من يزيد فلا يحرم ذلك؛ لأن باب المزايدة مفتوح. ولا يجوز أن يطلب بالسلعة ثمنًا كثيرًا ليغري المشتري بها فيدفع ما يزيد على قيمتها إذا كان جاهلاً بالقيمة (١) . باب الشروط في البيع وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود -فلو باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن صح البيع والشرط، ونقل عن ابن مسعود ﵁ وعن أحمد نحو العشرين نصًا على صحة الشروط، وأنه يحرم الوطء لنقص الملك. سأل أبو طالب الإمام أحمد عمن اشترى أمة يشترط أن يتسرى بها لا للخدمة قال: لا بأس به، وهذا من أحمد يقتضي أنه إذا شرط على البائع فعلاً أو تركًا في البيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه صح البيع والشرط كاشتراط العتق، وكما اشترط عثمان لصهيب وقف داره عليه، ومثل هذا أن يبيعه بشرط أن يعلمه، أو شرط ألا يخرجه من ذلك البلد، أو شرط ألا يستعمله في العمل الفلاني، أو أن يزوجه، أو يساويه في المطعم، أو لا يبيعه، أو لا يهبه. فإذا امتنع المشتري من الوفاء فهل يجبر عليه أو يفسخ؟ على وجهين؛ وهو قياس قولنا: إذا شرط في النكاح ألا يسافر بها أو ألا يتزوج عليها؛ إذ لا فرق في الحقيقة بين الزوجة والمملوك (٢) . وإذا شرط البائع نفع المبيع لغيره مدة معلومة -فمقتضى كلام أصحابنا جوازه؛ فإنهم احتجوا بحديث أم سلمة: «أنها أعتقت سفينة

стр. 763

وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ ما عاش» . واستثناء خدمة غيره في العتق كاستثنائها في البيع (١) . وشرط البراءة من كل عيب، باطل، وعلله جماعة من أصحابنا بأنه خيار يثبت بعد البيع فلا يسقط قبله كالشفعة. ومقتضى هذا التعليل صحة البراءة من العيوب بعد عقد البيع. وقال المخالف: في صحة البراءة إسقاط حق. وصح في المجهول كالطلاق والعتاق. قيل له: والجواب: أنا نقول بوجوبه، وأنه يصح في المجهول لكن بعد وجوبه. والصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة من كل عيب والذي تقضي به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري؛ لكن إذا ادعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلم، فإن نكل قضي عليه (٢) . لو قال: بعتك إن جئتني بكذا، أو إن رضي زيد صح البيع والشرط، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٣) . وإن علق عتق عبده ببيعه وكان قصده بالتعليق اليمين دون التبرر بعتقه أجزأه كفارة يمين. وإن قصد به التقرب كان عتقه مستحقًا كالنذر فلا يصح بيعه، ويكون العتق معلقًا على صورة البيع. وطرد أبو العباس قوله هذا في تعليق الطلاق على الفسخ والخلع فجعله معلقًا على صورة الفسخ والخلع. قال: ولو قيل بانعقاد الفسخ والعقد المعلق عليه فلا يمتنع وقوع الطلاق معه على رأي ابن حامد حيث أوقعه مع البينونة بانقضاء العدة فكذلك بالفسخ (٤) .

стр. 764

باب الخيار ويثبت خيار المجلس في البيع، ويثبت خيار الشرط في كل العقود ولو طالت المدة، فإن أطلقا الخيار ولم يوقتاه بمدة توجه أن يثبت ثلاثًا، لخبر حبان بن منقذ. وللبائع الفسخ في مدة الخيار إذا رد الثمن وإلا فلا. ونقل أبو طالب عن أحمد وكذلك التملكات القهرية لإزالة الضرر كالأخذ بالشفعة وأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر والزرع من الغاصب (١) . ويثبت خيار مسترسل إلى البائع لم يماسكه. اختاره شيخنا (٢) . والنماء المتصل في الأعيان المملوكة العائد إلى من انتقل الملك عنه، لا يتبع الأعيان، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب حيث قال: إذا اشترى غنمًا فنمت ثم استحقت فالنماء له وهو يعم المتصل والمنفصل (٣) . ويحرم كتم العيب: ذكره الترمذي عن العلماء. وذكر أبو الخطاب: يكره. وفي التبصرة: وهو نص أحمد ويصح. وعنه لا. نقل حنبل بيعه مردود، اختاره أبو بكر. وكذا لو أعلمه به ولم يعلما قدر عيبه ذكره شيخنا (٤) . وإن اشترى شيئًا وظهر به عيب فله أرشه إن تعذر رده، وإلا فلا. وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة والشافعي، وكذا في نظائره كالصفقة إذا تفرقت. والمذهب يخير المشتري بين الرد وأخذ الثمن

стр. 765

وإمساكه وأخذ الأرش. فعليه يجبر المشتري على الرد وأخذ الأرش لتضرر البائع بالتأخير (١) . والجار السوء عيب (٢) . وإذا ظهر عسر المشتري أو مطله فللبائع الفسخ (٣) . فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه. من اشترى شيئًا بكيل أو وزن نقله جماعة. وعنه: المطعوم منهما وظاهر المذهب، أو عدد، والمشهور أو ذرع (و) وذكره شيخنا (٤) . ولا يتصرف فيه ولا بإجارة قبل قبضه. وعنه يجوز من بائعه وفي رهنه وهبته بلا عوض بعد قبض ثمنه وجهان. ويصح عتقه قولاً واحدًا وذكره شيخنا. وجوز شيخنا التولية والشركة وجوز التصرف بغير بيع، وبيعه لبائعه (٥) . ويملك المشتري المبيع بالعقد، ويصح عتقه قبل القبض إجماعًا فيهما. ومن اشترى شيئًا لم يبعه قبل قبضه سواء كان المكيل والموزون وغيرهما، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن عقيل ومذهب الشافعي، وروي عن ابن عباس ﵄. وسواء كان المبيع من ضمان

стр. 766

المشتري أولى، وعلى ذلك تدل أصول أحمد، كتصرف المشتري في الثمرة قبل جدها في أصح الروايتين وهي مضمونة على البائع، وكصحة تصرف المستأجر في العين المؤجرة بالإجارة وهي مضمونة على المؤجر. ويمنع التصرف في صبرة الطعام المشتراة جزافًا على إحدى الروايتين وهي اختيارات الخرقي مع أنها من ضمان المشتري، وهذه طريقة الأكثرين. وعلة النهي عن البيع قبل القبض ليست توالي الضمانين؛ بل عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فيسعى في رد المبيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ. وعلى هذه العلة تجوز التولية في المبيع قبل قبضه، وهو مخرج من جواز بيع الدين. ويجوز التصرف فيه بغير البيع، ويجوز بيعه لبائعه، والشركة فيه. وكل ما ملك بعقد سوى البيع فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره؛ لعدم قصد الربح. وإذا تعين ملك إنسان في موروث أو وصية أو غنيمة لم يعتبر لصحة تصرفه قبضه بغير خلاف. وينقل الضمان إلى المشتري بتمكنه من القبض. وظاهر مذهب أحمد الفرق بين تمكن قبضه وغيره، ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره (١) . وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه كبيع. وجوز شيخنا البيع وغيره لعدم قصد الربح، وما لا ينفسخ بهلاكه - كنكاح وخلع وعتق وصلح عن دم عمد- قيل: كبيع لكن يجب بتلفه مثله أو قيمته ولا

стр. 767

فسخ. واختار شيخنا لهما فسخ نكاح لفوات بعض المقصود كعيب مبيع (١) . باب الربا والصرف إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلاً بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلاً آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النسيئة بينهما - فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان. أحدهما: المنع وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق. والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا (٢) . الثاني: هل تختص الرخصة بعرية النخل ... أو لا تختص فتجوز في سائر الثمار وهو قول القاضي إلحاقًا لذلك بعرية النخل بجامع الحاجة، أو يلحق العنب فقط وهو احتمال لأبي محمد لقوة شبهه بالرطب في الاقتيات والتفكه؟ على ثلاثة أقوال. وخرج أبو العباس على ذلك بيع الخبز باليابس في برية الحجاز ونحوها، وكذلك بيع الفضة الخالصة بالمغشوشة نظرًا للحاجة (٣) . وجوزها [العرايا] شيخنا في الزرع (٤) . ويحرم بيع حب بدقيقه، أو أحدهما بسويقه. وعنه يجوز وزنًا. وعلل أحمد المنع بأن أصله كيل. فيتوجه من الجواز بيع مكيل وزنًا

стр. 768

وموزون كيلاً. اختاره شيخنا (١) . وما خرج عن القوت بالصنعة فليس بربوي ولا بجنس نفسه؛ فيباع خبز بهريسة وزيت بزيتون وسمسم بشيرج (٢) . ويجوز بيع الموزونات الربوية بالتحري، وقاله مالك (٣) . وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه (٤) . وظاهر مذهب أحمد جواز بيع السيف المحلى بجنس حليته، لأن الحلية ليست بمقصودة (٥) . ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل. ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالاً أو مؤجلاً ما لم يقصد كونها ثمنًا (٦) . ويحرم بيع اللحم بحيوان من جنسه إذا كان المقصود اللحم (٧) . وما جاز فيه التفاضل كالثياب والحيوان يجوز النسأ فيه إن كان متساويًا وإلا فلا. وهو رواية عن أحمد (٨) . التحقيق في عقود الربا أنه إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد.

стр. 769

وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطل العقد فهو بطلان مالم يتم ببطلان ما تم (١) . الصرف .... وكذلك تبعه أبو العباس حتى إنه وهم جده في قوله: وعنه أنها تتعين فلا تبدل مع الغصب والعيب. (بكل حال) (٢) . ولا يشترط الحلول والتقابض في صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين، وهو رواية عن أحمد نقله ابن منصور، واختارها ابن عقيل (٣) . وإذا اصطرفا دينًا في ذمتهما جاز. وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة ومالك خلافًا لما نص عليه أحمد (٤) . وفي الموجز رواية: لا يحرم (الربا) في دار حرب. وأقرها شيخنا على ظاهرها (٥) . باب بيع الأصول والثمار ولا يجوز بيع مزارع لغير رب المال، وكذا له من غير شرط القطع. وسأله ابن منصور: يبيع الزرع قال: لا يجوز حتى يبدو صلاحه، وكذا نقل: لا يبيع عمله قبل ظهور زرع لم يجب له شيء. وقال القاضي: قياس المذهب جوازه ويكون شريكًا بعمارته. قال شيخنا: لو تقايلا الإجارة أو فسخاها بحق فله قيمة حرثه،

стр. 770

وإن أخر القطع مع شرطه حتى صلح الثمر وطالت الجزة واشتد الحب فسد العقد (١) . واختار شيخنا ثبوتها في زرع مستأجر وحانوت نقص نفعه عن العادة، وأنه خلاف ما رواه عن أحمد، وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام. وقال شيخنا أيضًا: قياس نصوصه وأصوله: إذا عطل نفع الأرض بآفة انفسخت فيما بقي كانهدام الدار ونحوه، وأنه لا جائحة فيما تلف من زرعه، لأن المؤجر لم يبعه إياه، ولا ينازع في هذا من فهمه (٢) . باب السلم ولو أسلم مقدارًا معلومًا إلى أجل معلوم في شيء، بحكم أنه إذا حل يأخذه بأنقص مما يساوي بقدر معلوم صح، كالبيع بالسعر. ويصح حالاً إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه، وإلا فلا (٣) . ويصح تعليق البراءة على شرط وهو رواية عن أحمد. وما قبضه أحد الشريكين من دين مشترك بعقد أو إرث أو إتلاف أو ضريبة وسبب استحقاقها واحد فلشريكه الأخذ من الغريم، ويحاصه فيما قبضه، وهو مذهب الإمام أحمد، وكذا لو تلف. ولو تبارئآ ولأحدهما على الآخر دين مكتوب فادعى استثناءه بقلبه وأنه لم يبرئه منه قبل، ولخصمه تحليفه (٤) . يصح بيع الدين المستقر من الغريم لا من غيره. وفي رهنه عند

стр. 771

مدين بحق له روايتان في الانتصار. وعنه: يصح منهما. قال شيخنا: نص عليه في مواضع. وعنه: لا. اختاره الخلال وذكره في عيون المسائل عن صاحبه، كدين السلم. وفي المبهج وغيره رواية: يصح فيه، اختاره شيخنا وأنه قول ابن عباس. لكن بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن. قال: وكذا ذكره أحمد في بدل القرض وغيره، ولأنه مبيع، وجواز التصرف ليس ملازمًا للضمان في ظاهر مذهب أحمد، وكالثمن؛ لكن منعه أحمد في مكيل أو موزون، ولم يفرق ابن عباس، وأحمد تبعه، فيحمل كلامه على التنزيه (١) . باب القرض ويجوز قرض المنافع مثل أن يحصد معه يومًا ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها؛ لكن الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات الأمثال حتى يجب على المشهور في الأخرى القيمة. ويتوجه في المتقوم أنه يجوز رد المثل بتراضيهما. وإن ظهر المقترض مفلسًا ووجد المقرض عين ماله فله الرجوع بعين ماله بلا ريب، والدين الحالي يتأجل بتأجيله، سواء كان الدين قرضًا أو غيره، وهو قول مالك ووجه في مذهب أحمد، ويتخرج رواية عن أحمد من إحدى الروايتين في تأجيل العارية، وفي إحدى الروايتين في صحة إلحاق الأجل والخيار بعد لزوم العقد. ولو أقرض أكاره بذرًا أو أمره ببذره وأنه في ذمته كما يفعله الناس فهو فاسد، وله نصف المثل، ولو تلف لم يضمنه لأنه أمانة. ولو اقترض من رجل قروضًا متفرقة ووكل المقرض في ضبطها أو ابتاع منه شيئًا ووكل البائع في ضبط المبيع حفظًا أو كتابة فينبغي أن يكون قول هذا المؤتمن ههنا مقبولاً (٢) .

стр. 772

باب الرهن ويجوز رهن العبد المسلم من كافر بشرط كونه في يد مسلم، واختاره طائفة من أصحابنا. ويجوز للإنسان أن يرهن مال نفسه على دين غيره، كما يجوز أن يضمنه وأولى، وهو نظير ظاهر إعارته للرهن. وإذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين فالقول قول المرتهن ما لم يدع أكثر من قيمة الرهن، وهو مذهب مالك. وإذا لم يكن للمديون وفاء غير الرهن وجب على رب المال إمهاله حتى يبيعه، فمتى لم يمكن بيعه إلا بخروجه من الحبس وكان في بيعه وهو في الحبس ضرر عليه وجب إخراجه. ويضمن عليه أو يمشي معه هو أو وكيله (١) . لو أذن الراهن للمرتهن في البيع ثم رجع جاز؛ لكن لو ادعى أنه رجع قبل البيع ... لم يقبل؛ لأن الأصل عدمه، ولو تعلق به حق ثالث. ثم وجدت الشيخ تقي الدين اختار مثل ذلك ذكره المصنف عنه في الوكالة فقال: قال شيخنا: لو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل. انتهى (٢) . باب الضمان وقياس المذهب أنه يصح بكل لفظ يفهم منه الضمان عرفًا: مثل زوجه وأنا أؤدي الصداق، أو بعه وأنا أعطيك الثمن، واتركه لا تطالبه وأنا أعطيك الثمن (٣) . ويصح ضمان حارس ونحوه، وتجار حرب بما يذهب من البلد أو

стр. 773

البحر، وغايته ضمان مجهول وما لم يجب، وهو جائز عند أكثر أهل العلم مالك وأبي حنيفة وأحمد (١) . واختار شيخنا صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون وهو جائز عند أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [٧٢/١٢] ولأن الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضًا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم؛ فإذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئًا وما أخذوه كانوا ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك، كما يجوز نظائره؛ لهذا قال الأسير العقيلي للنبي ﷺ : يا محمد علام أخذتني وسابقة الحاج - يعني ناقته؟ - قال: «بجريرة حلفائك من ثقيف» فأسر النبي ﷺ هذا العقيلي وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده. قال: ويجب على ولي الأمر إذا أخذوا مالاً لتجار المسلمين أن يطالبهم بما ضمنوه ويحبسهم على ذلك كالحقوق الواجبة (٢) . الكفالة ومن كفل إنسانًا فسلمه إلى مكفوله -ولا ضرر في تسليمه- برئ. ولو في حبس الشرع. ولا يلزمه إحضاره منه إليه عند أحد من الأئمة (٣) .

стр. 774

باب الحوالة والحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط. وله اختيار الرجوع ومطالبته. وليس للابن أن يحيل على الأب. ولا يبيع دينه إذا جوزنا بيع ما على الغريم إلا برضاء الأب. وكره أحمد أن يتزوج الرجل أو يقترض أو يشتري إذا لم يعلم الآخر بعسرته. فلأن يكره أن يحيل على معسر ولم يعلم أولى؛ لأن ظاهر الحال أن الرجل إنما يعامل من كان قادرًا على الوفاء، فإذا كتم ذلك كان غارًا (١) . باب الصلح ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً، وهو رواية عن أحمد، وحكي قولاً للشافعي. ويصح عن دية الخطأ وعن قيمة المتلف غير المثل بأكثر منها من جنسها، وهو قياس قول أحمد. والعين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة كالاستظلال بجدار الغير والنظر في سراجه لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقًا. ولو اتفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر ضمن لشريكه نصيبه (٢) . وإذا احتاج الملك المشترك إلى عمارة لا بد منها فعلى أحد الشريكين أن يعمر مع شريكه إذا طلب ذلك منه في أصح قولي العلماء (٣) . ويلزم الأعلى التستر بما يمنع مشارفته على الأسفل. وإن استويا

стр. 775

وطلب أحدهما بناء السترة أجبر الآخر مع الحاجة إلى السترة وهو مذهب أحمد (١) . وليس للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يؤذي جاره: من بناء حمام، وحانوت طباخ، ودقاق، وهو مذهب أحمد (٢) . ومن لم يسد بئره سدًا يمنع من التضرر بها ضمن ما تلف بها. وله تعلية بنائه ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، وليس له منعه خوفًا من نقص أجرة ملكه بلا نزاع (٣) . قال شيخنا: الضرار محرم بالكتاب، والسنة، ومعلوم أن المشاقة والمضارة مبناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه. فمتى قصد الإضرار ولو بالمباح أو فعل الإضرار من غير استحقاق فهو مضار. وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار فليس بمضار ومن ذلك قول النبي ﷺ في حديث النخلة التي كانت تضر صاحب الحديقة لما طلب من صاحبها المعاوضة عنها بعدة طرق فلم يفعل فقال: «إنما أنت مضار ثم أمر بقلعها» فدل على أن الضرار محرم لا يجوز تمكين صاحبه منه. ومن كانت له ساحة تلقى فيها الأتربة والزبالة وفضلات الحيوانات ويتضرر الجيران بذلك فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران: إما بعمارتها أو إعطائها لمن يعمرها، أو يمنع أن يلقى فيها ما يضر بالجيران (٤) .
следующие страницы →