قومه، ولما قالت الأمة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعدون في السبت ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [١٦٤/٧] أي نقيم عذرنا عند ربنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله.
ومن لم يحب ما أحبه الله وهو المعروف ويبغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر لم يكن مؤمنا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان، ولا يمكن أن يحب جميع المنكرات بالقلب إلا إن كان كافرا، وهو الذي مات قلبه، كما سئل بعض السلف عن ميت الأحياء في قولهم:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
فقال: هو الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض، فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف حيث قالوا: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فهو، قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه مادتان، مادة تمده بالإيمان، ومادة تمده بالنفاق، فذلك خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وفي الجملة فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعين عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فإن تركه كان عاصيا لله ولرسوله، وقد يكون فاسقا وقد يكون كافرا.
وينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيها قبل الأمر، رفيقا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله حليما
بعد الأمر، لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ
стр. 702
بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) [١٧/٣١] .
قال الشيخ تقي الدين ﵀: [في قوله وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل] إنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل ولهذا قال: (وليس وراء ذلك) فجعل المؤمنين ثلاث طبقات فكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه.
قال: وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم (٢) .
مسائل الخلاف هل فيها إنكار؟
وقال في إبطال التحليل، قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم، أو العمل، أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا، وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء.
وأما العمل فإن كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار، كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض
стр. 703
العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.
والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيه دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل والمتعة حرام، وذكر مسائل كثيرة (١) .
آداب المحتسب:
قال الشيخ تقي الدين: الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [١٧/٣١] فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر، وفي الصحيحين عن عبادة قال: بايعنا رسول الله ﷺ على
السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وعلى أثره علينا وأن
стр. 704
لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ونهى رسول الله ﷺ عن القتال في الفتنة.
فأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم أو ما ظنوه هم ظلمة ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعض المرجئة وأهل الفجور يرون أن إنكار المنكر من الفتن:
وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنا أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك ولهذا ذكر الأستاذ أبو منصور الماتريدي المصنف في الكلام وأصول الدين من الحنفية الذين وراء النهر ما قابل به المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط في هذا الزمان.
وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابا مفردًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما صنف الخلال والدارقطني ذلك، انتهى (١) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (٢) .
من المنكرات:
وقال أيضا في مكان آخر: إن من أصر على ترك الجماعة ينكر
стр. 705
عليه، ويقاتل أيضًا في أحد الوجهين عند من استحبها، وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام عنده الدليل المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة (١) .
وقال الشيخ تقي الدين: ومن كان قادرا على إراقة الخمر وجب عليه إراقتها ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهر الخمر فإنهم يعاقبون عليه أيضا بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم (٢) .
كفارة الغيبة:
قال ابن القيم ﵀ في كفارة الغيبة بعد ذكر الحديث:
وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحليله؟ والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار له وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (٣) .
وذكر غير واحد: إن تاب من قذف إنسان أو غيبته قبل علمه به هل يشترط لتوبته إعلامه والتحليل منه؟ على روايتين.
وقال الشيخ تقي الدين بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة قال: فكل مظلمة في العرض من اغتياب صادق وبهت كاذب فهو في معنى القذف إذا القذف قد يكون صدقًا فيكون في المغيب غيبة، وقد يكون كذبا فيكون بهتا، واختيار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء
стр. 706
يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته كما روي في الأثير، ومن هذا الباب قول النبي ﷺ (إيما مسلم شتمته أو لعنته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة) وهذا المعنى صحيح من وجه (١) .
وإذا زنا بامرأة ثم تاب هل يعلم الزوج؟
وقال شيخ الإسلام تقي الدين أيضا: سئلت عن نظير هذه المسألة، وهو رجل تعرض لامرأة غيره فزنا بها، ثم تاب من ذلك، وسأله زوجها عن ذلك فأنكر، فطلب استحلافه، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموسا، وإن لم يحلف قويت التهمة، وإن أقر جرى عليه وعليها من الشر أمر عظيم.
فأفتيته أنه يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار والصدقة عنه ونحو ذلك بما يكون بإزاء إيذائه له في أهله، فإن الزنا بها تعلق به حق الله تعالى، وحق زوجها من جنس حقه في عرضه، وليس مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال، بل هو من جنس القذف الذي جزاؤه من غير جنسه، فتكون توبة هذا كتوبة القاذف، وتعريضه كتعريضه وحلفه على التعرض كحلفه، وأما لو ظلمه في دم أو مال فإنه لا بد من إيفاء الحق فإن له بدلا، وقد نص أحمد ﵁ في الفرق بين توبة القاتل وبين توبة القاذف.
وهذا الباب ونحوه فيه خلاص عظيم وتفريج كربات للنفوس من آثار المعاصي والمظالم، فإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ، ولا يجرؤهم على معاصي الله تعالى، وجميع
النفوس لا بد أن تذنب، فتعريف النفوس ما يخلصها من الذنوب من
стр. 707
التوبة والحسنات الماحيات كالكفارات، والعقوبات هو من أعظم فوائد الشريعة انتهى كلامه (١) .
وقال في الإنصاف: لا يشترط لصحة توبة من قذف وغيبة ونحوهما إعلامه والتحلل منه على الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: والأشبه أنه يختلف، وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر له ولم يعلمه وذكره الشيخ تقي الدين عن أكثر العلماء وعلى الصحيح من الروايتين لا يجب الاعتراف لو سأل فيعرض ولو مع استحلافه؛ لأنه مظلوم لصحة توبته.
ومن جوز التصريح في الكذب المباح فهنا فيه نظر، ومع عدم التوبة والإحسان تعريضه كذب ويمينه غموس، قال: واختار أصحابنا، لا يعلمه بل يدعو له في مقابلة مظلمته، وقال الشيخ تقي الدين، وزناه بزوجة غيره كالغيبة (٢) .
وسئل أيضًا عن غيبة تارك الصلاة فقال: إذا قيل عنه: إنه تارك للصلاة وكان تاركها فهذا جائز، وينبغي أن يشاع ذلك عنه ويهجر حتى يصلي.
وقال الشيخ تقي الدين في المستتر: ويذكره أمره على وجه النصيحة.
وقال أيضًا: يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى (٣) .
ومن حلفه مخدومه أنه متى رأى أحدًا خانه يعلمه، فخانه أحد،
стр. 708
فإذا اطلع عليه استوفى حقه منه أو عاقبه بما يستحق من غير عدوان، وجب على الذي عرف بالقضية أن يطلعه وينصحه ولو لم يستخلفه، فكيف إذا حلفه؟ ويأثم إذا سكت عن هذه النصيحة (١) .
ويصح ابتياع كتب الزندقة ليحرقها ذكره الشيخ تقي الدين في مسودة شرح المحرر ولم يزد عليه (٢) .
ويخرج من رواية منصوصة عن الإمام أحمد في منع التجارة إلى دار الحرب إذا لم يلزموه بفعل محرم أو ترك واجب، وينكر ما يشاهد من المنكر بحسبه (٣) .
وحكى الشيخ تقي الدين أن أبا حنيفة وأحمد وغيرهما، قالوا: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج، لأنه مظهر للمعصية، وقال مالك وصاحب أبي حنيفة: يسلم عليه، انتهى (٤) .
وقال أبو داود: قلت لأحمد، أسلم على المخنث؟ قال: لا أدري: السلام اسم من أسماء الله ، قال الشيخ تقي الدين: فقد توقف في السلام على المخنث (٥) .
وذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه: أنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي، ولا يجيب دعوته (٦) .
قال الشيخ تقي الدين: فأما الحدث الوضيء فلم يستثنوه، فيه
стр. 709
نظر، وهو كما قال: وهذه المسألة تشبه مسألة النظر إليه، وهي مشهورة (١) .
وذكر الشيخ تقي الدين أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره (٢) .
الهجر والسلام:
فأما هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله فقال ابن عقيل: يكره، وكلام الأصحاب خلافه، ولهذا قال الشيخ تقي الدين ﵀: اقتصاره في الهجرة على الكراهة ليس بجيد، بل من الكبائر على نص أحمد الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وقد صح قوله ﷺ : (فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) (٣) .
وقال الشيخ تقي الدين فإن اقتصر الراد على لفظ وعليك، كما رد النبي ﷺ ، على الأعرابي وهو مقتضى الكتاب فإن المضمر كالمظهر، إلا أن يقال: إذا وصله بكلام فله الاقتصار بخلاف ما إذا سكت، ولولا أن الرد الواجب يحصل به لما أجزأ الاقتصار عليه في الرد على الذمي، ومقتضى كلام ابن أبي موسى وابن عقيل لا يجوز، وكذلك قال الشيخ عبد القادر، انتهى كلامه (٤) .
روى أبو جعفر عن ابن عباس مرفوعا: إني لأرى لرد جواب الكتاب علي حقا كما أرى رد جواب السلام، قال الشيخ تقي الدين: وهو المحفوظ عن ابن عباس، يعني: موقوفًا (٥) .
стр. 710
كتاب الجهاد
وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم (١) .
أنواع الجهاد ومتى يجب كفاية أو عينا؟
والجهاد منه: ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة، والحجة، واللسان، والرأي والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه (٢) .
والحرب خدعة.
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... ... هو أول وهو المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لعبد مرة ... ... بلغا من العلياء كل مكان
قال: وعلى الأمير أن يحرضهم على الجهاد ويقاتل بهم عدوه بدعائهم ورأيهم وفعلهم وغير ذلك مما يمكن الاستعانة به على الجهاد، ويفعل مع بر وفاجر يحفظان المسلمين، لا مخذل ونحوه (٣) .
стр. 711
ويستحب أن يدعو سرا، قال أبو داود باب ما يدعى عند اللقاء ثم روي بإسناد جيد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل.. وكان غير واحد منهم شيخنا يقول هذا عند قصد مجلس علم (١) .
ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد في رواية ابن الحكم، وهو الذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله.
وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها، كما تجب النفقات والزكاة وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية، فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعًا.
قال أبو العباس: سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين، كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير، ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما لا يقدم عليه إلا إذا خوطب به كصدقة الفطر، فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر هو الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة، وأولى، وإن كان حال استنفار الإمام فقضاء الدين أولى؛ إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه ولذلك قلت: لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع، كما في مسألة التترس وأولى، فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله، وقلت أيضًا: إذا
стр. 712
كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه فالواجب وفاؤهم لتحصيل المصلحتين الوفاء والجهاد.
ونصوص أحمد توافق ما كتبته وقد ذكرها الخلال.
قال القاضي: إذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد وكان على مسافة تقصر فيها الصلاة فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة كالحج، وما قاله القاضي من القياس على الحج لم ينقل عن أحمد، وهو ضعيف، فإن وجوب الجهاد قد يكون لدفع ضرر العدو فيكون أوجب من الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة فبعض الجهاد أولى.
وثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه) فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر، وهذا نص في وجوبه مع الإعسار، بخلاف الحج، هذا كله في قتال الطلب.
وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا.
فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده.
والجهاد منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة، واللسان، والرأي، والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه (١) .
стр. 713
ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم وأموالهم، قال المروذي: سئل أبو عبد الله عن الغزو في شدة البرد في مثل الكانونين فيتخوف الرجل إن خرج في ذلك الوقت أن يفرط في الصلاة فيرى له أن يغزو أو يقعد، قال: لا يقعد، الغزو خير له وأفضل، فقد قال الإمام أحمد بالخروج مع خشيته تضييع الفرض، لأن هذا مشكوك فيه، أو لأنه إذا أخر الصلاة بعض الأوقات عن وقتها كان ما يحصل له من فضل الغزو مربيا على ما فاته.
وكثيرا ما يكون ثواب بعض المستحبات أو واجبات الكفاية أعظم من ثواب واجب، كما لو تصدق بألف درهم وزكى بدرهم.
قال ابن بختان: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغزو قبل الحج قال: نعم، إلا أنه بعد الحج أجود.
فضل الجهاد:
وسئل أيضا عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج فنزل على قوم ثبطوه عن الغزو وقالوا: إنك لم تحج تريد الغزو، قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه، فإن أعانه الله حج، ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسا.
قال أبو العباس: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده؛ لكن تأخيره لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو لضرر أهل الزكاة، وكتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان ونحو ذلك، وهذا أجود ما ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي ﷺ الحج إن كان وجب عليه مقدمًا.
وكلام أحمد يقتضي الغزو وإن لم يبق معه مال للحج، لأنه قال: فإن أعانه الله حج مع أن عنده تقديم الحج أولى، كما أنه يتعين الجهاد
стр. 714
بالشروع وعند استنفار الإمام، لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس (١) .
وهل يطيع والديه في تركه أو ترك غيره؟
وقال أبو بكر في زاد المسافر: من أغضب والديه وأبكاهما يرجع فيضحكهما وقال في رواية أبي عبد الله: روى عبد الله بن عمر وقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فبايعه، فقال: جئت أبايعك على الجهاد، وتركت أبوي يبكيان، قال: (ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما) .
وقال الشيخ تقي الدين بعد قول أبي بكر هذا مقتضى قوله أن يبرا في جميع المباحات، فما أمراه ائتمر، وما نهياه انتهى، ثم ذكر الشيخ تقي الدين: نصوص أحمد تدل على أنه لا طاعة لهما في ترك الفرض، وهي صريحة في عدم ترك الجماعة وعدم تأخير الحج (٢) .
وروى المروذي عن علي بن عاصم: أنه سئل عن الشبهة فقال: اطع والديك وسئل عنها بشر بن الحارث، فقال: لا تدخلني بينك وبين والديك، وذكر الشيخ تقي الدين رواية المروذي ثم قال: وقال في رواية ابن إبراهيم فيما هو شبهة فتعرض عليه أمه أن يأكل، فقال: إذا علم أنه حرام بعينه فلا يأكل، قال الشيخ تقي الدين، مفهوم هذه الرواية أنهما قد يطاعان إذا لم يعلم أنه حرام ورواية المروذي فيها أنهما لا يطاعان في الشبهة وكلامه يدل على أنه لولا الشبهة لوجب الأكل لأنه لا ضرر عليه فيه وهو يطيب نفسهما، انتهى كلامه (٣) .
стр. 715
فضل تعلم الرمي:
قال شيخ الإسلام: وقد روي أن قوما يتناضلون فقيل: يا رسول الله قد حضرت الصلاة، قال: «إنهم في الصلاة» فشبه رمي النشاب بالصلاة وكفى بذلك فضلا (١) .
قال شيخنا: وهذه الأمور الثلاثة التي فضل كل واحد من الأئمة بعضها، وهي: الصلاة والعلم والجهاد، هي التي قال فيها عمر بن الخطاب ﵁: لولا ثلاث في الدنيا لما أحببت البقاء فيها لولا أن أحمل أو أجهز جيشا في سبيل الله، ولولا مكابدة هذا الليل، ولولا مجالسة أقوام ينتقمون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر لما أحببت البقاء (٢) قال ابن القيم ﵀: فالأول الجهاد، الثاني قيام الليل، والثالث مذاكرة العلم.
جهاد الدفع:
وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات، لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف.
وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به؛ لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا.
стр. 716
ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف عنه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب (١) .
وتجوز النيابة في الجهاد إذا كان النائب ممن لا يتعين عليه (٢) .
وقال شيخنا: جهاد الدافع للكفار يتعين على كل أحد، ويحرم فيه الفرار في مثليهم لأنه جهاد ضرورة لا اختيار، وثبتوا يوم أحد والأحزاب وجوبله وكذا لما قدم التتار دمشق (٣) .
ويجوز أن يغمس المسلم نفسه في صف الكفار لمصلحة ولو غلب على ظنه أنهم يقتلونه (٤) .
يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بأهل الأهواء كالرافضة والقدرية والجهمية وفروعهم والخوارج:
قال صاحب المحرر في أحكامه: (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) : وذكر هذه الأخبار (٥) وقال حفيده: فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع انتهى كلامه (٦) .
قال أبو علي بن الحسين بن أحمد بن المفضل البلخي: دخلت
على أحمد بن حنبل فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال أحمد: لا يستعان بهم، قال: يستعان باليهود والنصارى
стр. 717
ولا يستعان بهم؟ قال: إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم وأصحاب الأهواء داعية، عزاه الشيخ تقي الدين إلى مناقب البيهقي وابن الجوزي يعني للإمام أحمد.
وقال: فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة، انتهى كلامه (١) .
من يعتبر برأيه في أمور الجهاد:
والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا (٢) .
لا يستعان بأهل الذمة:
ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة، لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها.
وسئل أحمد في رواية أبي طالب عن الاستعانة بهم في مثل الخراج فقال: لا يستعان بهم في شيء، ومن تولى منهم ديوان للمسلمين ينقض عهده، ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساد لم يجز استعماله، لكن إن تاب ومضت مدة ظهر معها صدق توبته جاز استعماله، وغيره أولى منه بكل حال، فإن أبا بكر ﵁ عهد: ألا يستعمل من أهل الردة أحد وإن عاد إلى الإسلام: لما يخاف من فساد نياتهم (٣) .
стр. 718
أصناف من يقاتل والغرض من قتالهم:
وإذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه؛ بخلاف الخارجين عن الشريعة، كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، أو الخوارج الذين قاتلهم علي: كالخرمية، والتتار، وأمثال هذه الطوائف ممن نطق بالشهادتين ولا يلتزم شرائع الإسلام.
وأما الحربي إذا نطق بها كف عنه، ثم إن لم يصل فإنه يستتاب، فإن صلى وإلا قتله الإمام، وليس لأحد من الرعية قتله، إنما يقتله ولي الأمر عند مالك والشافعي وأحمد؛ وعند أبي حنيفة يعاقبه بدون القتل.
وأما إذا كان في طائفة ممتنعين عن الصلاة ونحوها، فهؤلاء يقاتلون كقتال المرتدين والخوارج، ومن قدر عليه قتله، فيجب الفرق بين المقدور عليه وبين قتال الطائفة الممتنعة التي تحتاج إلى قتال (١) .
وقال أبو العباس في رده على الرافضي [كل طائفة] يقع منها التأويل في الدم والمال والعرض، ثم ذكر قتل أسامة للرجل الذي أسلم بعد أن علاه السيف، وخبر المقداد، فقال: قد ثبت أنهم مسلمون يحرم قتلهم ومع هذا فلم يضمن المقتول بقود ولادية؛ لأن القاتل كان متأولاً، وهذا قول أكثرهم كالشافعي وأحمد وغيرهم (٢) .
ويجب جهاد الكفار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأسراهم، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ويدعوا المسلمين إلى ما كان عليه السلف من الصدق وحسن الأخلاق، فإن هذا من أعظم أصول الإسلام وقواعد الإيمان التي بعث الله بها رسله وأنزل.
стр. 719
كتبه، أمر عباده عمومًا بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف، كما قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [١٣/٤٢] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [١٠٥/ ٣] وأخبر سبحانه أنه أرسل جميع المرسلين بدين الإسلام كما قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [٧٨/٢٢] .
وفي الصحيحين عنه ﷺ قال: (إنا معاشر الأنبياء إخوة لعلاة ديننا واحد، وأنا أولى بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي) فتبين أن دين الأنبياء واحد، وأنهم إخوة لعلاة، وهم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، فإن كان بالعكس، قيل: أولاد أخياف، وإن اشتركوا في الأمرين قيل: أولاد أعيان.
وهذا لأن الدين هو الأصل، فشبه بالأب، والشرعة، والمنهاج تبع، فشبه بالأم فقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [٤٨/٥] والشرعة والمنهاج السبيل.
وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [١٤٨/٢] والقرآن له شريعة، والتوراة لها شريعة قبل النسخ، واتباع كل شريعة قبل النسخ والتبديل هو الواجب، وهو من تمام الدين الذي هو الإسلام.
فلما بدلت اليهود التوراة ونسخت لم يبقوا مسلمين حيث كفروا ببعض الكتاب وآمنوا ببعض (١) .
والزنديق وهو المنافق كمرتد.. وكذا قال ابن الجوزي بعد أن ذكر هل جهادهم بالكلام أم بالسيف وأورد على الثاني أنه لم يقع؟ فأجاب أنه إذا أظهروه.. وكذا قال شيخنا: هذا كان أولا ثم نزل: ﴿مَلْعُونِينَ
стр. 720
أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [٦١/ ٣٣] فعلم أنهم إن أظهروه كما كانوا قتلوا (١) .
وقتال التتار ولو كانوا مسلمين هو مثل قتال الصديق ﵁ مانعي الزكاة، ويأخذ مالهم وذريتهم: وكذا المتحيز إليهم (٢) ولو ادعى إكراهًا. ومن أجهز على جريح لم يأثم، ولو تشهد ومن أخذ منهم شيئًا خمس وبقيته له، ومن ابتاع منهم مال مسلم أخذه ربه، وإن جهله أعطى ما اشتراه به، وهو للمصالح (٣) .
ومن قفز إلى بلد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله جاز قتله كالصائل. ذكره شيخنا (٤) .
والرافضة الجبلية يجوز أخذ أموالهم وسبي حريمهم يخرج على تكفيرهم (٥) .
ويجب أن يحال بين الرافضي وبين أولاده في حال حياتهم، لأنه لا بد أن يفسد دينهم (٦) .
التمثيل:
وإن مثل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، الصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد ولا نكال لهم عن نظيرها، فأما إن كان في
التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان فإنه هنا
стр. 721
من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القصة في أحد كذلك؛ فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حقًا لله تعالى (١) فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار، ويحرم الجزع، انتهى (٢) .
الاسترقاق
والرق الشرعي سببه الكفر لما لم يسلم ويعبد الله أباح الله للمسلم أن يستعبده (٣) .
وسئل أبو العباس عن سبي ملطية مسلميها ونصاراها، فحرم مال المسلمين وأباح سبي النصارى وذريتهم ومالهم كسائر الكفار، إذ لا ذمة لهم ولا عهد، لأنهم نقضوا عهدهم السابق من الأئمة بالمحاربة وقطع الطريق وبما فيه الغضاضة علينا والإعانة على ذلك، ولا يعقد لهم الأمن عن قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وهؤلاء التتر لا يقاتلونهم على ذلك؛ بل بعد إظهار إسلامهم لا يقاتلون الناس على الإسلام؛ ولهذا وجب قتال التتر حتى يلتزموا شعائر الإسلام، ومنها الجهاد وإلزام أهل الذمة بالجزية والصغار، ونواب التتر، الذين يسمون الملوك لا يجاهدون على الإسلام، وهم تحت حكم التتر.
ونصارى أهل ملطية وأهل المشرق ويهودهم لو كان لهم ذمة وعهد من ملك مسلم يجاهدهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية كأهل المغرب واليمن لما لم يعاملوا (٤) أهل مصر والشام معاملة أهل العهد جاز لأهل
стр. 722
مصر والشام غزوهم واستباحة دمهم ومالهم، لأن أبا جندل وأبا بصير حاربا أهل مكة مع أن بينهم وبين النبي ﷺ عهدًا، وهذا باتفاق الأئمة، لأن العهد والذمة إنما يكون من الجانبين، والسبي المشتبه يحرم استرقاقه، ومن كسب شيئًا فادعاه رجل وأخذه فعلى الآخذ للمأخوذ منه ما غرمه عليه من نفقة وغيرها إن لم يعرف أنه ملكه أو ملك الغير أو عرف وأنفق غير متبرع. والله أعلم (١) .
ويحكم بإسلام الطفل إذا مات أبواه أو كان نسبه منقطعًا: مثل كونه ولد زنا، أو منفيًا بلعان. وقاله غير واحد من العلماء (٢) .
الغنائم وقسمتها
وتحريق رحل الغال من باب التعزير، لا الحد الواجب، فيجتهد فيه الإمام بحسب المصلحة. ومن العقوبة المالية حرمانه ﷺ السلب للمددي لما كان في أخذه عدوانًا على ولي الأمر.
وإذا قال الإمام: من أخذ شيئًا فهو له أو فضل بعض الغانمين على بعض، وقلنا ليس له ذلك على رواية: هل تباح لمن لا يعتقد جواز أخذه؟ قد يقال: هذا مبني على الروايتين فيما إذا حكم بإباحة شيء يعتقده المحكوم له حرامًا، وقد يقال: يجوز هنا قولاً واحدًا، لأنا لا نفرق دائمًا في تصرفات السلطان بين الجواز وبين النفوذ؛ لأنا لو قلنا: تبطل ولايته وقسمه وحكمه لما أمكن إزالة هذا الفساد إلا بأشد منه فسادًا، فينفذ دفعًا لاحتماله ولما هو شر منه في الوفاء.
والواجب أن يقال: يباح الأخذ مطلقًا، لكن يشترط أن لا يظلم غيره، وإذا لم يغلب على ظنه واحد من الأمرين فالحل أقرب.
стр. 723
ولو ترك قسمة الغنيمة وترك هذا القول وسكت سكوت الإذن في الانتهاب وأقر على ذلك فهو إذن، فإن الإذن تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل، وتارة يكون بالإقرار على ذلك، فالثلاث في هذا الباب سواء، كما في إباحة المالك في أكل طعامه ونحو ذلك؛ بل لو عرف أنه راض بذلك فيما يرون أن يصدر منه قول ظاهر أو فعل ظاهر أو إقرار فالرضا منه بتغيير إذنه بمنزلة الدال على ذلك، إذ الأصل رضاه حتى لو أقام الحد وعقد الأنكحة من رضي الإمام بفعله ذلك كان بمنزلة إذنه على أكثر أصولنا، فإن الإذن العرفي عندنا كاللفظي والرضا الخاص كالإذن العام فيجوز للإنسان أن يأكل طعام من يعلم رضاه بذلك لما بينهما من المودة، وهذا أصل في الإباحة والوكالات والولايات، لكن لو ترك القسمة ولم يرض بالانتهاب إما لعجزه أو لأخذه المال ونحو ذلك أو أجاز القسمة فهنا من قدر على أخذ مبلغ حقه من هذا المال المشترك فله ذلك؛ لأن مالكية متعينون، وهو قريب من الورثة؛ لكن يشترط انتفاء المفسدة من فتنة أو نحوها (١) .
وفي رد شيخنا على الرافضي عن بعض أصحابنا (وش) أن الله أضاف هذه الأموال إضافة ملك كسائر أملاك الناس، ثم اختار قول بعض العلماء أنها ليست ملكًا لأحد؛ بل أمرها إلى الله والرسول، بخلاف ما ملكه الله تعالى لعباده فإن له صرفه في المباح (٢) .
ويرضخ للبغال والحمير وهو قياس المذهب والأصول، كمن يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان (٣) .
стр. 724
فصل
الإقطاع اليوم إقطاع استغلال ليس له بيعه ولا هبته باتفاق الأئمة، ولا ينتقل إلى ورثته، بخلاف ما كان في العصور الأولى.
وما يأخذه الجندي ليس أجرة للجهاد، لأنه لو كان أجرة كان لفعل الجهاد، وإنما عليهم أن يقاتلوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، وأجرهم على الله، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
والإقطاع الذي يأخذونه معاونة لهم، ورزقًا لنفقة عيالهم ولإقامة الخيل والسلاح، وفي الحديث (مثل الذي يغزو من أمتي في سبيل الله مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها) فهي ترضعه لما في قلبها عليه من الشفقة والرحمة، لا لأجل أجرها، كذلك المجاهد يغزو لما في قلبه من الإيمان بالله والدار الآخرة، لا لأجل المال.
وإذا كان الله قد أمر المسلمين من الصحابة وغيرهم أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأوجب عليهم عشر أموالهم من الخارج من الأرض فكيف لا يجب على من يعطي مالاً ليجاهد؟ وقد قال النبي ﷺ (من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا) فالذي يعطي المجاهد يكون مجاهدًا بماله، والمجاهد يجاهد بنفسه، وأجر كل واحد منهما على الله لا ينقص أحدها من الآخر شيئًا، ولم يكن هذا أجيرًا لهذا.
ولو أعطى رجل من المسلمين أرضًا يستغلها ويكون هو يجاهد في سبيل الله لوجب عليه فيها العشر ولم يسقط لأجل الجهاد، فإن الإقطاع أولى.
وولي الأمر لا يعطيهم من ماله وإنما يقسم بينهم حقهم كما يقسم
стр. 725
التركة بين الورثة، ولهذا يجوز لهم إجارته كما يجوز لأهل الوقف، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [٤١/٢٢] .
فمن قام بهذه الأمور نصره الله على عدوه.
فعلى كل من أنبت الله له زرعًا العشر، سواء كان بأرض مصر أو غيرها، من مالك، ومستأجر، ومقطع، ومستعير.
وكذلك التمر والزبيب ونحوه مما تجب فيه الزكاة، فلا تخلى الأرض من عشر، أو خراج باتفاق المسلمين.
ولكن اختلفوا هل يجتمع العشر والخراج الذي هو خراج الإسلام؟
فقال أبو حنيفة: لا وقال الباقون: نعم.
والأرض الخراجية عند أبي حنيفة هي التي يملكها صاحبها وعليه فيها الخراج وله بيعها وهبتها وتورث عنه.
فمن قال: إن أرض مصر اليوم لا عشر عليها عند أبي حنيفة فقد أخطأ لأن الجند لا يملكونها ولا الفلاحون، ولم يضرب على المقطع خراج في خدمته.
وإذا تركت الأرض المملوكة بلا عشر ولا خراج كان هذا مخالفًا لإجماع المسلمين، ومن أفتى بخلو هذه الأرض عن العشر والخراج يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
ومن زعم أن الجهاد هو عوض الخراج فقد أخطأ من وجهين:
стр. 726
أحدهما: أنهم لا يملكون الخراج، بل تنازع الناس في إجارة الإقطاع حتى ظن طائفة من الحنفية وغيرهم أنه لا يؤجر، لأن المقطع لم يملك المنفعة بنفسه، والأرض الخراجية يؤجرها من عليهم الخراج بالإجماع.
والثاني: أن ما يعطاه الجندي من الرزق ليس خراجًا عليهم ولا أجرة للجهاد؛ بل هم أعظم المستحقين، للخراج وغيره من أصول الفيء والفيء. إما أن يختصموا به في أحد القولين: وإما أن يكونوا من أحق المسلمين به، فكيف يكون الخراج مأخوذًا منهم.
وقول القائل: الإمام أسقط عنهم الخراج لكونهم من المقاتلة فصاروا كأنهم يؤدونه.
يقال له: هذا لا يسقط الزكاة؛ لأن إقطاعهم إياها لأجل أن يستغلوها بلا خراج ولو كان جعلها لهم كالخراجية لجاز لهم بيعها والذي تنتقل إليه إما أن يؤدى خراجها أو يسقط عنه الخراج إن كان من المقاتلة، فأما ما لم يكن لهم ذلك علم أنه لا خراج عليهم.
ولو استأجر المجاهد أرضًا كان عليه العشر عند الجمهور عليه الأجرة لرب الأرض وهو قول صاحبي أبي حنيفة.
وأبو حنيفة يقول: العشر على المؤجر: فلا يجتمع عنده الأجرة.
وأبو حنيفة أسقط العشر على من عليه الخراج قال: لأن كلاهما حق وجب بسبب الأرض والمقطع لم يعط شيئًا غير ما أعد نفسه له من القتال، ألا ترى أنه لو أخذ بعض المسلمين أرضًا خراجية كان عليه العشر مع الجهاد.
يوضح ذلك أن الأرض لو كانت عشرية وصارت لبيت المال
стр. 727
بطريق الإرث فأقطعهما السلطان لمن يستغلها من المقاتلة، فهل يكون ذلك مسقطًا للعشر؟
فمن جعل الإقطاع استئجارًا يجعل المجاهدين بمنزلة من يستأجره الإمام للعمارة والفلاحة. يقول: إذا كان الخراج على شخص فاعتاض عنه الإمام ببعض هذه الأعمال كانت الأرض خراجية.
وهذا غلط عظيم، فإنه يخرج الجهاد عن أن يكون قربة وطاعة، ويجعل المجاهد في سبيل الله بمنزلة اليهود والنصارى استؤجروا لعمارة دار وصنعة سلاح.
والفقهاء متفقهون على الفرق بين الاستئجار على القرب وبين رزق أهلها.
فرزق المقاتلة والقضاة والمؤذنين والأئمة جائز بلا نزاع.
وأما الاستئجار فلا يجوز عند أكثرهم لا سيما أبو حنيفة والشافعي، وإن جوزوه على الإمامة فإنه لا يجوز على الجهاد لأنه يصير متعينًا.
فهؤلاء غلطوا على الأئمة عمومًا وعلى أبي حنيفة خصوصًا (١) .
قال شيخنا: ولو يبست الكروم بجراد أو غيره سقط من الخراج حسبما تعطل من النفع قال: وإذا لم يمكن النفع به ببيع أنو إجارة أو عمارة أو غيره لم تجز المطالبة بالخراج (٢) .
ويحرم تعشير الأموال والكلف التي ضربها الملوك على الناس (ع) ذكره ابن حزم وشيخنا (٣) .
стр. 728
لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر ولا على عدمه؛ وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك.
فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه.
وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين فهي لهم، نص عليه الإمام أحمد، وقال في رواية أبي طالب، ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك.
قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام، كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها؛ ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع.
وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرف ربه فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعه من المشتري مجانًا؛ لأن قبض الإمام بحق ظاهرًا وباطنًا.
ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبين مودعًا أو مغصوبًا أو مرهونًا، وكذا القبض، والقبض منه واجب، ومنه مباح، وكذلك صرفه منه واجب، ومنه مباح، قال في المحرر: وكل ما قلنا قد ملكوه ما عدا أم الولد فإذا اغتنمناه وعرف ربه قبل قسمته رد إليه إن شاء وإلا بقي غنيمة.
قال أبو العباس: يظهر الفرق إذا قلنا قد ملكوه يكون الرد ابتداء ملك، وإلا كان كالمغصوب، وإذا كان ابتداء ملك فلا يملكه ربه إلا بالأخذ، فيكون له حق تملكه؛ ولهذا قال: وإلا بقي غنيمة.
стр. 729
ومثله لو ترك العامل حقه في المضاربة أو ترك أحد الورثة حقه أو أحد أهل الوقف المعين حقه ونحو ذلك.
وعلى ذلك إجازة الورثة. ومثله عفو المرأة أو الزوج عن نصف الصداق قال في المحرر: وإن لم يعرفه ربه بعينه قسم ثمنه وجاز التصرف فيه.
قال أبو العباس: أما إذا لم يعلم أنه ملك المسلم فظاهر أنه لا يرده، وأما إذا علم فهل يكون كاللقطة أو كالخمس والفيء واحدًا أو يصير مصروفًا في المصالح وهذا قول أكثر السلف ومذهب أهل المدينة، ورواية عن أحمد ووجه في مذهبه، وليس للغانمين إعطاء أهل الخمس قدره من غير الغنيمة (١) .
والمكوس إذا قطعها الإمام الجند فهي حلال لهم إذا جهل مستحقها، وكذلك إذا رتبها للفقراء والفقهاء وأهل العلم (٢) .
وأما إعارة السلاح والخيل لمن يقرض عليها، فإن كان ممن يرتزق من بيت المال ويصرفه في غير مصارفه الشرعية أو يقصر فيما يجب عليه من الجهاد لم يجز إعانته على المعصية والتدليس والتزوير، وكذلك الجندي الذي يسرق النفقة وينفقها في المعاصي والفواحش حتى يبقى لا يمكنه أن يقوم بما يجب عليه.
وكذلك الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله أو يتخذون مالاً ينفع للجهاد من عرض وعقار حتى لا يقوموا بما يجب عليهم.
وأما إذا كان الغازي معذورًا أو معدومًا أو مظلومًا مثل أن يكون قد
стр. 730
ماتت خيله بغير تفريط منه ولم يعوض عنهما (١) وأن الأرض التي له لم تغل ما يقوم بذلك أو حدث له من العيال ما يمنعونه عن تمام العمل، أو كان قد ظلم فلم يعط من بيت المال الرزق الذي عليه أن يقيم به ما ينبغي لمثله فهذا إذا خيف في عَرضِهِ نقصًا أن يزداد ظلمه أو يقطع خبزه مع استحقاقه أو يعطي خبزه لمن هو دونه في نفع المسلمين فأعير ما يتجمل به فلا بأس بذلك، بل يستحب ذلك ويؤمر به إذا كانت الإعارة لأجل أن ترى عيون الكفار جند المسلمين وقصد بذلك عز المسلمين كان حسنًا محمودًا (٢) .
الفيء ومصرفه
ولا حق للرافضة في الفيء.
وليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه بما فوق الحاجة، كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه، أو إلى من يهوونه قاله شيخنا وغيره (٣) .
ويقدم المحتاج على غيره في الأصح عن أحمد.
وعمال الفيء إذا خانوا فيه وقبلوا هدية أو رشوة فمن فرض له دون أجرته أو دون كفايته وكفاية عياله بالمعروف لم يستخرج منه ذلك القدر.
قال: وإن قلنا: لا يجوز لهم الأخذ خيانة، فإنه يلزم الإمام الإعطاء، فهو كأخذ المضارب حصته أو الغريم دينه بلا إذن فلا فائدة في استخراجه ورده إليهم، بل إن لم يصرفه الإمام في مصارفه الشرعية، لم يعن على ذلك، قال: وقد ثبت أن عمر ﵁ شاطر عماله.
стр. 731
كسعد وخالد وأبي هريرة وعمرو بن العاص ولم يتهمهم بخيانة بينة بل بمحاباة اقتضت أن جعل أموالهم بينهم وبين المسلمين (١) .
وليس للسلطان إطلاق الفيء دائمًا (٢) .
باب الأمان والهدنة
ولا يصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد مدة معلومة لازمة، قال شيخنا: وجائزة (٣) .
وإذا قال: هادناكم ما شئنا أو شاء فلان لم يصح في الأصح، كقوله: نقركم ما أقركم الله، واختار شيخنا صحته أيضًا (٤) .
وفي «المبهج» رواية برد مهر من شرط ردها مسلمة، ونصر لا يلزم، كما لو لم يشترط ذكر ذلك آخر الجهاد في فصل أرض العنوة والصلح، وقال قبيل (كتاب الجزية) ، نقل جعفر: المرأة منهم تجيء إلينا اليوم مسلمة يرد على زوجها المهر، فإن ذلك كان حينئذ ولا ترد المرأة، والظاهر أنه سقط لا قال شيخنا: رد المال الذي هو عوض عن رد المرأة المشروط ردها منسوخ، أما رده نفسه فلا ناسخ له، ولو لم تبق امرأة يشترط ردها فلا يرد مهرها لعدم سببه فإن وجد سببه هو إفساد النكاح فالآية دلت عليه ولم ينسخ، وفي لزوم مسلم تزوجها رد مهرها الذي كان دفعه إليها زوج كان إليه روايتان (٥) .
стр. 732
أخذ الجزية
والجزية شرعت عقوبة وعوضًا، عن حقن الدم عند أكثر العلماء، وأجرة عن سكني الدار عند بعضهم، ومن قال بالثاني لا يسقطها بإسلام من وجبت عليه ولا بموته، لا جزية على عبد مسلم، وفي عبد الكافر نزاع لأحمد وغيره (١) .
قال ابن القيم ﵀: ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه وزوروه وفيه أن
النبي ﷺ أسقط عن يهود خيبر الجزية، وفيه شهادة علي بن أبي طالب وسعد بن معاذ وجماعة من الصحابة ﵃، فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله ﷺ ومغازيه وسيره، وتوهموا بل ظنوا صحته، فجروا على حكم هذا الكتاب المزور، حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من طلب منه أن يعين على تنفيذه والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه.
تزوير اليهود:
منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر.
ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية، والجزية لم تكن نزلت بعد، ولا يعرفها الصحابة حينئذ فإن نزولها عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام.
ومنها: أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، وهذا محال فلم يكن في زمانه كلف ولا سخر تؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف والسخر؛ وإنما هي من وضع الملوك الظلمة واستمر الأمر عليها.
стр. 733
ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم يذكره أحد من أهل المغازي والسير، ولا أحد من أهل الحديث والسنة، ولا أحد من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحد من أهل التفسير، ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك عرفوا كذبه وبطلانه، فلما استرقوا بعض الدول في وقت فتنة وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وعتقوه وأظهروه، وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله ولرسوله، ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله أمره وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه (١) .
قال شيخنا: ولما كان عام إحدى وسبعمائة أحضر جماعة من يهود دمشق عهودًا ادعوا أنها قديمة، وكلها بخط علي بن أبي طالب ﵁ وقد غشونا (٢) بما يقتضي تعظيمها وكانت قد نفقت على ولاة الأمور من مدة طويلة فأسقطت (٣) عنهم الجزية بسببها، وبأيديهم توقيع ولاة فلما وقفت عليها تبين في نفسها (٤) ، ما يدل على كذبها من وجوه كثيرة جدًا.
منها: اختلاف الخطوط اختلافًا متفاقمًا في تأليف الحروف الذي يعلم معه أن ذلك لا يصدر عن كاتب واحد، وكلها نافية أنه خط علي بن أبي طالب ﵁.
ومنها: أن فيها من اللحن الذي يخالف لغة العرب ما لا يجوز نسبة مثله إلى علي ﵁ ولا غيره.
стр. 734
ومنها: الكلام الذي لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ في حق اليهود مثل: (إنهم يعاملون بالإجلال والإكرام) وقوله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وقوله (أحسن الله بكم الجزاء) وقوله: (عليه أن يكرم محسنكم ويعفو عن مسيئكم) وغير ذلك.
ومنها: أن في الكتاب إسقاط الخراج عنهم مع أنهم في أرض الحجاز، والنبي ﷺ لم يضع خراجا قط، وأرض الحجاز لا خراج فيها بحال، والخراج أمر يجب على المسلمين فكيف يسقط عن أهل الذمة؟
ومنها: أن في بعضها إسقاط الكلف والسخر عنهم، وهذا مما فعله الملوك المتأخرون لم يشرعه الرسول ﷺ وخلفاؤه.
وفي بعضها: أنه شهد عنده عبد الله بن سلام وكعب بن مالك وغيرهما من أحبار اليهود، وكعب بن مالك لم يكن من أحبار اليهود فاعتقدوا أنه كعب الأحبار وذلك لم يكن من الصحابة وإنما أسلم على عهد عمر ﵁.
ومنها: أن لفظ الكلام ونظمه ليس من جنس كلام النبي ﷺ .
ومنها: أن فيه من الإطالة والحشو ما لا يشبه عهود النبي ﷺ .
وفيها وجوه أخر متعددة مثل أن هذه العهود لم يذكرها أحد من العلماء المتقدمين قبل ابن شريح ولا ذكروا أنها رفعت إلى أحد من ولاة الأمور فعملوا بها ومثل ذلك مما يتعين شهرته ونقله (١) .
ومن كان من أهل الذمة زنديق يبطن جحود الصائغ أو جحود الرسل أو الكتب المنزلة أو الشرائع أو المعاد ويظهر التدين بموافقة
أهل الكتاب فهذا يجب قتله بلا ريب كما يجب قتل من ارتد من أهل
стр. 735
الكتاب إلى التعطيل، فإن أراد الدخول في الإسلام فهل يقال: إنه يقتل أيضا كما يقتل منافق المسلمين لأنه ما زال يظهر الإقرار بالكتب والرسل؟ أو يقال: بل دين الإسلام فيه من الهدى والنور ما يزيل شبهته؟ بخلاف دين أهل الكتابين؟ هذا فيه نظر (١) .
واختار أبو العباس في رده على الرافضي أخذ الجزية من جميع الكفار، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد بل كانوا قد أسلموا.
وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة، من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب فقد خالف الكتاب والسنة.
ولا يبقى في يد راهب مال إلا ما يتبلغ به فقط.
ويجب أن يؤخذ منه مال كالورق التي في الديورة والمزارع إجماعا.
ومن له تجارة منهم أو زراعة وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم كمن يدعو إليه من راهب وغيره تلزمه الجزية، وحكمه حكمهم بلا نزاع (٢) .
وقال شيخنا: اتفقوا على التسوية، بين اليهود والنصارى لتقابلهما وتعارضهما (٣) والعشور التي تؤخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية وتقديرها على الخلاف (٤) .
لعن الكفار:
ولعن الكفار مطلقا حسن لما فيهم من الكفر، وأما لعن المعين
стр. 736
فينهى عنه وفيه نزاع، وتركه أولى (١) .
تشميت العاطس وإذا كان كافرا أو ذميا أو ما شابة:
قال أحمد في رواية أبي طالب: التشميت يهديكم الله ويصلح بالكم، وهذا معنى ما نقل غيره، وقال في رواية حرب، هذا عن النبي ﷺ من وجوه، وقال ابن تميم: يرد عليه العاطس وإن كان المشمت كافرا، فيقول: آمين يهديكم الله ويصلح بالكم وإن كان المشمت المسلم، يغفر الله لنا ولكم، فحسن والأول أفضل، وكذا ذكر ابن عقيل إلا قوله، وإن كان المشمت كافرا، وقال القاضي: إنه روي عن النبي ﷺ لفظان: أحدهما: (يهديكم الله) الثاني: (يرحمكم الله) كذا قال: وصوابه: (يغفر الله لكم) قاله الشيخ تقي الدين (٢) .
قال ابن تيمي: لا يشمت الرجل الشابة ولا تشمته، وقال حرب: قلت لأحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست فقال: إن أراد أن يستنطقها يسمع كلامها فلا؛ لأن الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتها قال الشيخ تقي الدين فيه عموم في الشابة (٣) .
فإن عطس رابعة لم يشمته ذكره السامري وقدمه في الرعاية، وهو الذي ذكره الشيخ عبد القادر ومذهب مالك وغيره، وقال الشيخ تقي الدين، وهو المنصوص عن أحمد وذكر رواية صالح ومهنا (٤) .
وكره الإمام أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه لأنه شيء فرغ منه، واختاره شيخنا (٥) .
стр. 737
قال الشيخ تقي الدين: وقد نص أحمد على أنه لا يستحب تشميت الذمي، ذكره أبو حفص في كتاب الأدب عن الفضل بن زياد، قال: قلت: يا أبا عبد الله لو عطس يهدي قلت له يهديكم الله ويصلح بالكم قال: أي شيء يقال لليهودي؟ كأنه لم يره، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لم يستحب تشميته لأن التمشيت تحية له فهو كالسلام ولا يستحب أن يبدأ بالسلام كذلك التشميت ويدل عليه ما رواه أبو حفص بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للمسلم على المسلم ست خصال إن ترك شيئا منهن ترك حقا واجبا عليه: إذا دعاه أن يجيبه وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يحضره وإذا لقيه إن يسلم عليه، وإذا استنصحه أن ينصحه، وإذا عطس أن يشمته، أو يسمته) فلما خص المسلم بذلك دل على أن الكافر بخلافه وهو في السنن إلا قوله: حقا واجبا عليه، ولأحمد ومسلم من حديث أبي هريرة: حق المسلم على المسلم ست، وذكره.
قال الشيخ تقي الدين: التخصيص بالوجوب أو الاستحباب إنما ينفى ذلك في حق الذمي كما ذكره أحمد في النصيحة، وإجابة الدعوة لا تنفي جواز ذلك في حق الذمي من غير استحباب ولا كراهة كإجابة دعوته والذي ذكره القاضي وهو ظاهر كلام أحمد أنه يكره، وكلام ابن عقيل إنما نفى الاستحباب، وفي المسألة تعاطس اليهود عند النبي ﷺ وكان يجيبهم بالهداية، وإذا كان في التهنئة والتعزية روايتان فالتشميت كذلك (١) .
فإذا سلم أحدهم وجب الرد عليه عند أصحابنا وعند عامة العلماء لصحة الأحاديث عنه ﵇ بالرد.
стр. 738
السلام عليهم وتهنئتهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم:
وقال الشيخ تقي الدين: إذا سلم الذمي على المسلم فإنه يرد عليه مثل تحيته، وإن قال: أهلا وسهلا فلا بأس. كذا قال: وجزم في مواضع أخر بمثل قول الأصحاب (١) .
وتحرم البداءة بالسلام، وفي الحاجة احتمال، نقل أبو داود فيمن له حاجة إليه، لا يعجبني، ومثله: كيف أنت؟ أو أصبحت؟ أو حالك؟ نص عليه وجوزه شيخنا (٢) .
وقال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنسه له فلا بأس بذلك (٣) .
واختلف كلام أبي العباس في تحية الذمي، هل ترد بمثلها، أو وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقول: أهلا وسهلا.
وتجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام.
وقال العلماء: يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام (٤) .
من الشروط عليهم:
ويمنع أهل الذمة من إظهار الأكل في نهار رمضان؛ فإن هذا من المنكر في دين الإسلام (٥) .
وليس لهم إظهار شيء من شعائر دينهم في دار الإسلام لا وقت
стр. 739
الاستسقاء ولا عند لقاء الملوك. ويمنعون من المقام في الحجاز، وهو مكة، والمدينة واليمامة، والينبع، وفدك، وتبوك، ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان (١) .
وإن أبى الذمي بذل الجزية أو الصغار أو التزام حكمنا ينقض عهده، وساب الرسول ﷺ يقتل ولو أسلم وهو مذهب أحمد.
ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين فهذا يقتل ولو أسلم.
ولو قال الذمي: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب ينغصون علينا، إن أراد طائفة معينين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله، وإن ظهر منه قصد العموم ينقض عهده وجب قتله (٢) .
وإذا شرط ولي الأمر على التجار الداخلين إلى بلاد الإسلام، وهم من أهل الحرب أن يضمنوا ما أخذه أهل الحرب منهم لتجار المسلمين جاز ذلك وكان شرطا صحيحان لأن غايته أنه ضمان مجهول أو ضمان ما لم يجب، فهو كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر للناس من الديون، وهذا جائز عند أكثر العلماء مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، كما في قوله ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [٧٢/١٢] ولأن هؤلاء الطائفة الممتنعة ينصر بعضهم بعضا فهم كالشخص الواحد؛ فإذا اشترطوا أن تجارهم يدخلون بلاد الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين له والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك؛ ولهذا قال النبي ﷺ للأسير العقيلي
стр. 740
حين قال: يا محمد علام أوخذ؟ فقال: (بجريرة حلفائك من ثقيف) وأسره النبي ﷺ وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده.
ولو أسرنا حربيًا لأجل تخليص من أسروه منا جاز باتفاق المسلمين.
ولنا أن نحبسه حتى يردوا أسيرنا، ولو أخذنا مال حربي حتى يردوا علينا ما أخذوه لمسلم جاز، فإذا اشترط عليهم ذلك في عقد الأمان جاز (١) .
وليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعائر دينهم في ديار المسلمين، لا في أوقات الاستسقاء ولا في وقت مجيء النوائب، ويمنعون من إظهار التوراة، ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة وصلاتهم، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك (٢) .
وكان شيخي ﵀ يقول: لا يمنع أهل الذمة، من ركوب جنس الخيل، فلو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع.
والحمار الذي تبلغ قيمته مبلغا إذا ركبه واحد منهم لم أر للأصحاب فيه منعا، ولعلهم نظروا إلى الجنس، ومن الكلام الشائع: ركوب الحمار ذل، وركوب الخيل عز انتهى (٣) .
ويمنعون من تعلية البنيان على جيرانهم المسلمين، وقال العلماء: ولو في ملك مشترك بين مسلم وذمي، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٤) .