← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وإن ركن المؤجر إلى شخص ليؤجره لم يجز لغيره الزيادة عليه. فكيف إذا كان المستأجر ساكنًا في الدار؟ فإنه لا يجوز الزيادة على ساكن الدار. وإذا وقعت الإجارة صحيحة فهي لازمة من الطرفين ليس للمؤجر الفسخ لأجل زيادة حصلت باتفاق الأئمة. وما ذكره بعض متأخري الفقهاء من التفريق بين أن تكون الزيادة بقدر الثلث فتقبل الزيادة أو أقل فلا تقبل فهو قول مبتدع لا أصل له عن أحد من الأئمة لا في الوقف ولا في غيره. وإذا التزم المستأجر بهذه الزيادة على الوجه المذكور لم تلزمه اتفاقًا. ولو التزمها بطيب نفس منه ففي لزومها قولان. فعند الشافعي وأحمد لا تلزمه أيضًا؛ بناء على أن إلحاق الزيادة والشروط بالعقود اللازمة لا تلحق. وتلزمه إذا فعلها بطيب نفس منه متبرعًا بذلك في القول الآخر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في القول الآخر، بناءً على أنه تلحقه الزيادة بالعقود اللازمة. لكن إذا كان قد علم أن العادة لم تجر بأن أحد هؤلاء يقبلها بطيب نفسه ولكن خوفًا من الإخراج فحينئذ لا تلزمهم بالاتفاق؛ بل لهم استرجاعها ممن قبضها منهم (١) . وإن استأجر أرضًا فعند انعقاد الحب أمطرت السماء حجارة أهلكت زرعه قبل حصاده سقط العشر. وفي وجوب الأجرة نزاع. والأظهر أنه إن لم يكن تمكن من استيفاء المنفعة المقصودة بالعقد فلا أجرة (٢) . وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ. قال الشيخ

стр. 807

تقي الدين ﵀: إن لم نقل بالأرش فورود ضعفه على أصل الإمام أحمد ﵀ بين (١) . وإن تعذر زرعها فله الخيار، وكذا لقلة ماء قبل زرعها أو بعده، أو عابت بغرق تعيب به بعض الزرع. واختار شيخنا أو برد أو فأر أو عذر، قال: فإن أمضى فله الأرض كعيب الأعيان، وإن فسخ فعليه القسط قبل القبض، ثم أجرة المثل إلى كماله، قال: وما لم يرو من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا (٢) . وأجرة المثل ليست شيئًا محدودًا، وإنما هو ما يساوي الشيء في نفوس أهل الرغبة. ولا عبرة بما يحدث في أثناء المدة من ارتفاع الكراء أو انخفاضه (٣) . قال شيخنا: ولو أنزاه على فرسه فنقص ضمن نقصه (٤) . وإذا بيعت العين المؤجرة أو المرهونة ونحوهما مما تعلق به حق لغير البائع وهو عالم بالعيب فلم يتكلم فينبغي أن يقال: لا يملك المطالبة بفساد البيع بعد هذا؛ لأن إخباره بالعيب واجب عليه بالسنة بقوله: «ولا يحل لمن علم ذلك إلا أن يبينه» فكتمانه تغرير، والغار ضامن. وكذا ينبغي أن يقال فيما إذا رأى عبده يبيع فلم ينهه. وفي جميع المواضع فإن المذهب أن السكوت لا يكون إذنًا. فلا يصح التصرف؛ لكن إذا لم يصح يكون تغريرًا فيكون ضامنًا بحيث أنه ليس له أن يطالب المشتري بالضمان؛ فإن ترك الواجب عندنا كفعل المحرم، كما يقال فيمن قدر على إنجاء إنسان من هلاكه؛ بل الضمان هنا أقوى.

стр. 808

وظاهر كلام الإمام أحمد في رواية الميموني: أن من باع العين المؤجرة ولم يتبين للمشتري أنها مستأجرة أنه لا يصح البيع. ووجهه أنه باع ملكه وملك غيره؛ فهي مسألة تفريق الصفقة (١) . وإجارة المضاف يفسر بشيئين. أحدهما: أن يؤجره سنة أو سنتين. والثاني: أن يؤجره مدة لا يمكن الانتفاع بالمأجور لما استؤجر له في ثاني المدة. فمن الحكام من يرى أن الإجارة لا تجوز إلا إذا أمكن الانتفاع بالعين عقب العقد. فإذا أراد أن يستأجر الأرض للإزدراع ونحوه كتب فيها: أنه استأجرها مقيلاً ومراحًا ومزدرعًا ونحو ذلك لتكون المنفعة ممكنة حال العقد (٢) . باب السبق وظاهر كلام أبي العباس: لا يجوز اللعب المعروف بـ «الطاب والمنقلة» (٣) وكل ما أفضى كثيره إلى حرمة إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للشر والفساد. وما ألهى وشغل عما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه كالبيع والتجارة وسائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به على حق شرعي فكله حرام. وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم: «أن عائشة ﵂ وجوارٍ كن يلعبن معها يلعبن بالبنات -وهن اللعب- والنبي ﷺ يراهن» فيرخص فيه للصغار ما لا يرخص فيه للكبار.

стр. 809

والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة إذا قصد به (١) نصر الإسلام وأخذ السبق عليه أخذ بالحق. فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما ينتفع به في الدين، كما في مراهنة أبي بكر ﵁، وهو أحد الوجهين في المذهب. ويجوز المسابقة بلا محلل، ولو أخرجه المتسابقان. ويصح شرط السبق للإنشاد وشراء قوس وكراء حانوت وإطعام الجماعة لأنه مما يعين على الرمي (٢) . ويصح تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميًا على الصحيح من المذهب. زاد في الترغيب من غير تقدير. وقيل: يصح اختاره الشيخ تقي الدين. قاله في الفائق (٣) . ولعب «الكرة» (٤) إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال بحيث يستعان بها على الكر والفر والدخول والخروج ونحوه في الجهاد، وغرضه الاستعانة على الجهاد الذي أمر الله بها رسوله ﷺ فهو حسن. وإن كان في ذلك مضرة بالخيل والرجال فإنه ينهى عنه (٥) . ومسابقة الرمي بالحجارة إن كان فيها منفعة للجهاد وإلا فهي باطل (٦) . وأما الرهان على ما فيه ظهور الإسلام وأدلته وبراهينه كما راهن عليه الصديق فهو أحق الحق وأولى بالجواز من الرهان على النضال،

стр. 810

وسباق الخيل والإبل أولى من هذا في الدين وأقوى؛ لأن الدين قام بالحجة والبرهان، وبالسيف. والقصد الأول إقامة الحجة، والسيف منفذ. قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة الذي به تفتح القلوب ويظهر الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى. وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية. قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم هو أكل المال بالباطل فكيف يلحق به أكله بالحق. قالوا: والصديق لم يقامر قط في جاهلية ولا إسلام، ولا أقر رسول الله ﷺ على قمار، فضلاً عن أن يأذن فيه (١) . قال ابن القيم ﵀: «المسألة الحادية عشرة» : المسابقة على حفظ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة والإصابة في المسائل: هل تجوز بعوض؟ منعه أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وجوزه أصحاب أبي حنيفة وشيخنا. إلى أن قال: وفرقة جوزته بغير محلل، قال شيخ الإسلام: وهو مقتضى المنقول عن أبي عبيدة بن الجراح. قال: وما علمت في الصحابة من اشترط المحلل، وإنما هو معروف عن سعيد بن المسيب وعنه تلقاه عنه الناس؛ ولهذا قال مالك بن أنس: لا تأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل، ولا يجب المحلل (٢) .

стр. 811

«ومن أدخل فرسًا بين فرسين» الحديث. وسمعت شيخ الإسلام يقول: رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ خطأ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب نفسه. وهكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري عنه، عن سعيد بن المسيب مثل الليث بن سعد وعقيل ويونس ومالك بن أنس، وذكره في الموطأ عن سعيد بن المسيب نفسه. ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف لا يحتج بمجرد روايته عن الزهري لغلطه في ذلك (١) . فصل الأعمال التي تكون بين اثنين فصاعدًا يطلب كل منهما أن يغلب الآخر - ثلاثة أصناف: «صنف» أمر الله به ورسوله كالسباق بالخيل والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب، لأنه مما يعين على الجهاد في سبيل الله. «والصنف الثاني» ما نهى الله ورسوله عنه بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى آخر الآية [٩٠/٥] . مسألة: فالميسر محرم بالنص والإجماع، ومنه اللعب بالنرد والشطرنج وما أشبهه مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء، فإن كان بعوض حرم إجماعًا. وإن لم يكن بعوض ففيه نزاع عند الصحابة وجمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد. ونص الشافعي على تحريم النرد وإن كان بلا عوض، وتوقف في الشطرنج. ومنهم من أباح النرد الخالي عن

стр. 812

العوض، لما ظنوا أن الله حرم الميسر لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة أكل المال بالباطل. فقالوا: إذا لم يكن فيه أكل مال بالباطل زال سبب التحريم. وأما الجمهور فقالوا: إن تحريم الميسر مثل تحريم الخمر؛ لاشتماله على الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولإلقائه العداوة والبغضاء، ومنعه عن صلاح [ذات] البين الذي يحبه الله ورسوله، وإيقاعه اللاعبين في الفساد الذي يبغضه الله ورسوله، واللعب بذلك يلهي القلب ويشغله ويغيب اللاعب به عن مصالحه أكثر مما يفعله الخمر؛ ففيها ما في الخمر وزيادة، ويبقى صاحبها عاكفًا عكوف شارب الخمر عن خمره وأشد، وكلاهما مشبه بالعكوف على الأصنام، كما في المسند أنه قال: «شارب الخمر كعابد الوثن» وثبت عن أمير المؤمنين ﵁: أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وقلب الرقعة. وإذا كان ثم مال تضمن أيضًا أكل المال بالباطل، فيكون حرامًا من وجهين. والله حرم الربا لما فيه من أكل المال باطلاً. وما نهي عنه من بيع الغرر كبيع حبل الحبلة وبيع الثمار قبل بدو الصلاح والملامسة والمنابذة إنما حرمه لما فيه من أكل المال بالباطل. «النوع الثالث» من المغالبات: ما هو مباح لعدم المضرة الراجحة، وليس مأمورًا به على الإطلاق لعدم احتياج الدين إليه، ولكن قد يقع أحيانًا كالمصارعة والمسابقة على الأقدام ونحوه. فهذا مباح باتفاق المسلمين إذا خلا عن مفسدة راجحة. وقد صارع النبي ﷺ ركانة بن يزيد، وسابق عائشة، وكان أصحابه ﵃ يتسابقون على أقدامهم بحضرته. لكن أكثر العلماء لا يجوزون في هذا سبقًا وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل لقوله ﷺ : «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» ولأن السبق إنما أبيح إعانة على ما أوجبه الله

стр. 813

ورسوله من الجهاد. وأبو حنيفة أباح السبق بالمحلل، كما يبيحه في سباق الخيل بناء على أن العمل بنفسه مباح، والسبق عنده من الجعالة، والجعالة تجوز على العمل المباح. والذي قاله هو القياس، ولو كان السبق من جنس الجعالة فإن الناس قد تنازعوا في جواز الجعالة، وأبطلها طائفة من الظاهرية. والصواب الذي عليه الجمهور جوازها، وليست عقدًا لازمًا؛ لأن العمل فيها معلوم. ولهذا يجوز أن يجعل للطبيب جعلاً على الشفاء، كما جعل سيد الحي اللديغ لأصحاب - النبي ﷺ حين رقاه أبو سعيد الخدري. ولا يجوز أن يستأجر الطبيب على الشفاء، لأنه غير مقدور عليه. ومن هنا يظهر فقه «باب السبق» فإن كثيرًا من العلماء اعتقدوا أن السبق إذا كان من الجانبين وليس بينهما محلل كان هذا من الميسر المحرم، وأنه قمار؛ لأن كلاً منهما متردد بين أن يغرم أو يغنم، وما كان كذلك فهو قمار. واعتقدوا أن القمار المحرم إنما حرم لما فيه من المخاطرة والتغرير، وظنوا أن الله حرم الميسر لذلك، وهذا موجود في المتسابقين إذا أخرج كل منهما السبق، فحرموا ذلك. وروي في ذلك حديث ظنه بعضهم صحيحًا؛ وهو قوله: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار» ومعلوم أن هذا الحديث ليس من كلام النبي ﷺ بل هو من كلام سعيد بن المسيب، هكذا رواه الثقاة، ورفعه سفيان بن حسين الواسطي وهو ضعيف. ثم الذين اعتقدوا أن هذه المسابقة بلا محلل قمار تنازعوا بعد ذلك فمنهم من لم يجوز العوض بحال. ومنهم من جوزه من أحدهما بشرط ألا يرجع إليه بل يعطيه الجماعة إن غلب. وروي ذلك عن مالك وغيره، وهو أصح.

стр. 814

والقياس: لو كانت المسابقة من الطرفين قمارًا محرمًا فإنهم رأوا أن هذه ليست جعالة يقصد الجاعل فيها بدل الجعل في عمل ينتفع به؛ إنما قصد أن يغلب صاحبه فحرموها، وقالوا: دخول المحلل فيها يزيدها شرًا، وأن المقامرة حرمت لما فيها من أكل المال بالباطل، والمحلل يزيدها شرًا؛ فإن المتسابقين إذا غلب أحدهما صاحبه فأخذ ماله كان هذا في مقابلة أن الآخر إذا غلبه أخذ ماله. فكان مبناها على العدل؛ بخلاف المحلل فإنه ظلم محض؛ فإنه بعرضة أن يغنم أو يسلم، والآخران قد يغرمان فلا يستوون في المغنم والمغرم والسلامة؛ بخلاف إذا لم يكن بينهما محلل فكلاهما قد يغنم وقد يغرم وقد يسلم فيما إذا تساويا وجاءا معًا. فهذا أقرب إلى العدل؛ فإذا حرم الأقرب إلى العدل فلأن يحرم الأبعد عنه بطريق الأولى. وأيضًا فإذا قيل: هذا محرم لما فيه من المخاطرة وأكل المال بالباطل كان بالمحلل أشد تحريمًا؛ لأنها أشد مخاطرة وأشد أكلاً للمال بالباطل؛ لأنها عند عدمه إنما أن يغنم أو يغرم أحدهما، وهنا المخاطرة باقية كل منهما قد يغنم أو قد يغرم، وانضم إلى ذلك مخاطرة ثالثة وهي أنه هناك يغرم إذا غلبه صاحبه، وهنا يغرم إذا غلبه، وإذا غلبه المحلل فكان المحلل زيادة في المخاطرة. وأيضًا: فإن كلا يحتمل أن يغلب ويغنم أو يغرم. وأما المحلل فلا يحتمل أن يغلب أو يغرم؛ بل هو يغنم لا محالة أو يسلم. فمن تدبر هذه الأمور علم أن الشريعة منزهة عن مثل هذا أن تحرم الشر لمجرد مفسدة قليلة وتبيحها بالمفسدة عينها إذا كثرت، ولكن أصحاب الحيل كثيرًا ما يقعون في هذا فيحرمون على الرجل بعض أنواع الزيادة دفعًا لأكل المال بالباطل لئلا يتضرر، ويفتحون له حيلة يؤكل فيها ماله بالباطل أكثر، ويكون فيها ظلمه وضرره أعظم.

стр. 815

ومن العلماء من أباح السبق بالمحلل، كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك. وهذا مبني على أصلين. أحدهما: أن هذه جعالة. والثاني: أن القمار هو المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم، وهذا المعنى ينتفي بالمحلل، فإنه حينئذ يدور على أمرين: أن يغنم، أو يغرم، أو يسلم. وقد تقدم التنبيه على بعض ما في كل من الأصلين. والمقصود الأعظم بيان فساد ظن الظان أنه بدون المحلل قمار وبالمحلل يزول القمار. فيقال: أولاً: إن الدليل الشرعي قد دل على أن القمار هو هذا دون هذا. ويقال ثانيًا: المتسابقان كل منهما متردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم؛ فإنهما لو جاءا معًا لم يأخذ أحدهما سبق الآخر. فقولهم: إن القمار هو المتردد بين أن يغنم أو يغرم فقط ليس بمستقيم؛ بل عندهم وإن تردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم فهو أيضًا قمار وهذا موجود مع المحلل؛ فإن كلاً منهما يتردد بين أن يغنم إن غلب وبين أن يغرم إن غلب، وبين أن يسلم إن جاءا معًا، أو جاء هو ورفيقه معًا، فالمخاطرة فيها موجودة مع المحلل؛ وبدون المحلل، بل زادت بدخوله فتبين أن المعنى لم يزل بدخول المحلل. بل ازداد مفسدة؛ فإنه على بر السلامة ولا عدل فيه؛ بخلاف ما لو كانوا بلا محلل. فكان كل منهما مساويًا للآخر في الاحتمال، وهذا عدل، وهو على الميزان بينهما؛ بل الذي بذلك الجعل ليجعل الرغبة فيما يحبه لا ينظر في مصلحته، بل معرضًا للخسارة، ويجعل الدخيل الذي جاء تابعًا للغرض لا يخسر شيئًا من ماله، والذي يتقرب إلى الله بما يحبه يخسر، والذي لم يقصد لم يعط

стр. 816

شيئًا ولا يخسر؛ بل إما سالمًا وإما غانمًا، فهل يحسن هذا في شرع رسول الله ﷺ ؟! وإن كان القائلون علماء فضلاء أئمة. فإنما وقعت الشبهة من حيث ظنوا أن الميسر المحرم الذي هو القمار حرم لما فيه من المخاطرة، ثم منهم من رأى المخاطرة كلها محرمة من المحلل وعدمه، وهذا أقرب إلى الأصل الذي ظنوا لو كان صحيحًا. ومنهم من رأى الحاجة إلى السبق، وقد جاء الشرع بها، فجمع بين ما أمر الله به وبين ما أبطله من القمار، فأباحه مع المحلل فقط. والمقصود هنا بالجعل أن يظهر أنه قوي؛ لأن صاحبه يغلبه ويأخذ ماله، بخلاف الجعالة فإن الغرض بها العمل من العامل الذي يأخذ الجعل، فليست هذه جعالة، والجاعل قصده وجود الشرط، والمسابق الذي أظهر المال قصده ألا يوجد الشرط الذي هو سبق صاحبه له؛ بل قصده عدمه. فأين هذا من هذا؟! هذا يكره أن يغلب، وذاك يجب أن يحصل قصده الذي هو رد آبقه أو بناء حائطه، كما يقول الحالف: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو علي الحج. ومقصده أنه لا يفعله؛ بخلاف الناذر الذي يقول: أن شفى الله مريضي فعلي أن أصوم شهرًا، وكالمخالع الذي يقول: إن أبرأتيني من صداقك فأنت طالق. ومن تبين حقيقة هذه المسألة تبين له أن من رأى أنه حرام ولو مع المحلل فقوله أصح على ما ظنوه. وأما إذا تقرر أن تحريم الميسر لما نص الله تعالى على أنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد يشتد تحريمه لما فيه من أكل المال بالباطل. والمسابقة التي أمر الله بها ورسوله لا تشتمل لا على هذا الفساد ولا على هذا فليست من الميسر، وليس إخراج السبق فيها مما حرمه الله ورسوله، ولا من القمار الداخل في الميسر؛ فإن لفظ القمار المحرم ليس في القرآن، إنما فيه لفظ الميسر، والقمار داخل في هذا الاسم، والأحكام الشرعية يجب أن تتعلق

стр. 817

بكلام الله ورسوله ومعناه -فلينظر في دلالة ألفاظ القرآن والحديث، وفي المعاني والعلل، والحكم والأسباب التي علق الشارع بها الأحكام، فيكون الاستدلال بما أنزل الله من الكتاب والميزان. والقياس الصحيح الذي يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين هو العدل وهو الميزان. وذلك أن المسابقة والمناضلة عمل صالح يحبه الله ورسوله، وقد سابق النبي ﷺ بين الخيل، وكان أصحابه يتناضلون، ويقول لهم: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا» وكان قد صار مع أحد الحزبين ثم قال: «ارموا وأنا معكم كلكم» تعديلاً بين الطائفتين. والرمي والركوب قد يكون واجبًا، وقد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًا، وقد نص أحمد وغيره على أن العمل بالرمح أفضل من صلاة الجنازة في الأمكنة التي يحتاج فيها إلى الجهاد كالثغور، فكيف برمي النشاب؟ وروي «أن الملائكة لم تحضر شيئًا من لهوكم إلا الرمي» وروي أن قومًا كانوا يتناضلون فحضرت الصلاة، فقالوا: يا رسول الله قد حضرت الصلاة، فقال: «هم في صلاة» وما كان كذلك فليس من الميسر الذي حرمه الله؛ بل هو من الحق، كما قال: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته لامرأته فإنهن من الحق» . وحينئذ فأكل المال بهذه الأعمال أكل بالحق لا بالباطل، كما قال ﷺ في حديث الرقية: «لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلتم برقية حق» فجعل كون العمل نافعًا لا ينهى عنه، بل إذا أكل به المال فقد أكل بحق، وهنا هذا العمل نافع للمسلمين مأمور به لم ينه عنه، فالمعنى الذي لأجله حرم الله الميسر أكل المال بالقمار، وهو أن يأكل بالباطل، وهذا أكل بالحق. وأما المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل

стр. 818

مخاطرة؛ بل قد علم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة، ولا كل ما كان مترددًا بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم، وليس في أدلة الشرع ما يوجب تحريم جميع هذه الأنواع لا نصًا ولا قياسًا؛ ولكن يحرم من هذه الأنواع ما يشتمل على أكل المال بالباطل، والموجب للتحريم عند الشارع أنه أكل مال بالباطل، كما يحرم أكل المال بالباطل وإن لم يكن مخاطرة؛ لا أن مجرد المخاطرة محرم، مثل المخاطرة على اللعب بالنرد والشطرنج لما فيه من أكل المال بالباطل، وهو ما لا نفع فيه له ولا للمسلمين؛ فلو جعل السلطان أو أجنبي مالاً لمن يغلب بذلك جاز وإن لم يكن هناك مخاطرة، وكذلك لو جعل أحدهما جعلاً، وكذلك لو أدخلا محللاً، فعلم أن ذلك لم يحرم لأجل المخاطرة؛ لا سيما وجمهور العلماء يحرمون هذا العمل، وإن خلا عن عوض. وأما أخذ العوض في المسابقة والمصارعة فهذه الأعمال لم تجعل في الأصل لعبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسوله، فلهذا لم يحض الشارع عليها ولا رغب فيها, وإنما يقصد بها في الغالب راحة النفوس، أو الاستعانة على المباحات، فأباحها الشارع لعدم الضرر الراجح، ولم يأمر بها ولا رغب فيها لأنها ليست مما يحتاجه المسلمون، ولا يتوقف قيام الدين عليها، كالرمي والركوب، ولو خلي المسلمون عن مصارع ومسابق على الأقدام لم يضرهم لا في دينهم ولا في دنياهم، بخلاف ما لو خلوا عن الرمي والركوب لغلب الكفار على المسلمين؛ ولهذا لم يدخل فيها السبق. ألا ترى أن للإمام أن يخرج جعلاً لمن يرمي، ولا يحل له أن يخرجه لمن يصارع؟ وإذا عرف هذا عرف أن مجرد المخاطرة ليس مقتضيًا لتحريم المسألة، وانكشفت، وظهرت، وعرف أن الصواب: أن يعرف مراد

стр. 819

رسول الله ﷺ من أقواله وحكمه وعلله التي علق بها الأحكام؛ فإن الغلط إنما ينشأ عن عدم المعرفة بمراده ﷺ . والمخاطرة مشتركة بين كل من المتسابقين؛ فإن كلا يرجو أن يغلب الآخر ويخاف أن يغلبه، فكان ذلك عدلاً وإنصافًا بينهما كما تقدم. وكذلك كل من المتبايعين لسلعة، فإن كلا يرجو أن يربح فيها ويخاف أن يخسر. فمثل هذه المخاطرة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. والتاجر مخاطر وكذلك الأجير المجعول له جعل على رد آبق، وعلى بناء حائط؛ فإنه قد يحتاج إلى بذل مال فيكون مترددًا بين أن يغرم أو يغنم، ومع هذا فهو جائز. والمخاطرة إذا كانت من الجانبين كانت أقرب إلى العدل والإنصاف، مثل المضاربة، والمساقاة، والمزارعة؛ فإن أحدهما مخاطر قد يحصل له ربح وقد لا يحصل. وما علمت أحدًا من الصحابة شرط في السباق محللاً ولا حرمه إذا كان كل منهما يخرج، وإنما علمت المنع في ذلك عن بعض التابعين، وقد روينا عن أبي عبيدة بن الجراح: أنه راهن رجلان في سباق الخيل ولم يكن بينهما محلل. وثبت في المسند والترمذي وغيرهما: «أنه لما اقتتلت فارس والروم فغلبت فارس الروم وبلغ ذلك أهل مكة وكان ذلك في أول الإسلام ففرح بذلك المشركون؛ لأن المجوس أقرب إليهم من أهل الكتاب، وساء ذلك المسلمين لأن أهل الكتاب أقرب إليهم من المجوس، فأخبر أبو بكر بذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ فخرج أبو بكر ﵁ فراهن المشركين على أنه إن غلبت الروم في بضع سنين أخذ

стр. 820

الرهان، وإن لم تغلب الروم أخذوا الرهان» وهذه المراهنة هي مثل المراهنة في سباق الخيل والرمي بالنشاب، وكانت جائزة لأنها مصلحة للإسلام؛ لأن فيها مصلحة بيان صدق الرسول ﷺ فيما أخبر به من أن الروم سيغلبون بعد ذلك، وفيها ظهور أقرب الطائفتين إلى المسلمين على أبعدهما. وهذا فعله الصديق ﵁ وأقره عليه رسول الله ﷺ ولم ينكره عليه، ولا قال: هذا ميسر وقمار. والصديق أجل قدرًا من أن يقامر؛ فإنه لم يشرب الخمر في جاهلية ولا إسلام وهي أشهى إلى النفوس من القمار. وقد ظن بعضهم أن هذا قمار لكن فعله هذا كان قبل تحريم القمار، وهذا إنما يقبل إذا ثبت أن مثل هذا ثابت فيما حرمه الله من الميسر، وليس عليه دليل شرعي أصلاً. بل هي مجرد أقوال لا دليل عليها وأقيسة فاسدة يظهر تناقضها لمن كان خبيرًا بالشرع، وحل ذلك ثابت بسنة رسول الله ﷺ حيث أقر صديقه على ذلك؛ فهذا العمل معدود من فضائل الصديق ﵁ وكمال يقينه حيث أيقن بما قاله رسول الله ﷺ وأحب ظهور أقرب الطائفتين إلى الحق، وراهن على ذلك رغبة في إعلاء كلمة الله ودينه بحسب الإمكان. وبالجملة إذا ثبتت الإباحة فمدعي النسخ يحتاج إلى دليل. والكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع، وإنما كتبت ذلك في جلسة واحدة. و «السبق» بالفتح هو العوض. وبالسكون هو الفعل. وقال ﷺ : «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» مطلقًا لم يشترط محللاً لا هو ولا أصحابه، بل ثبت عنهم مثل ذلك بلا محلل.

стр. 821

ومما يوضح الأمر في ذلك أن السبق في غير هذه الثلاثة لم يحرم لأنه قمار. فلو بذل أحدهما عوضًا في النرد والشطرنج حرم اتفاقًا مع أن العوض ليس من الجانبين. ولو كان بينهما محلل في النرد حرم اتفاقًا أيضًا. فالعوض في النرد والشطرنج حرام سواء كان منهما أو من أحدهما أو من غيرهما بمحلل أو غير محلل. فلم يحرم لأجل المخاطرة. فلو كان الميسر المجمع على تحريمه والنرد والشطرنج لأجل المخاطرة لأبيح مع عدمها. فلما ثبت أنه محرم على كل تقدير علم بطلان تعليل تحريمه بذلك. وأكثر العلماء يحرمون العوض من الجانبين في المصارعة وإن كان بينهما محلل يرفع المخاطرة عند من يقول بذلك، فعلم أن المؤثر هو أكل المال بالباطل، أو كون العمل يصد عن الصلاة وعن ذكر الله ويوقع العداوة والبغضاء كما دل عليه القرآن، كما أن بذل المال لما فيه من إعلاء كلمة الله ودين الله هو من الجهاد الذي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ به، سواء كان فيه مخاطرة أو لم يكن؛ فإن المجاهدة في سبيل الله فيها مخاطرة قد يغلب وقد يغلب، وكذلك سائر الأمور من الجعالة والمزارعة والمساقاة والتجارة والسفر وغيرهما كما تقدم بيانه. وفي هذا كفاية والله أعلم (١) . وإذا كان السبق من أحد الحزبين أو من غيرهما لم يحتج إلى محلل. ويمكنهم مع هذا أن يكون الحزب الأول يخرج السبق أول مرة والآخر يخرجه في المرة الثانية والأول في المرة الثانية، ولم يحتج إلى محلل. وعليهم مع هذا أن يكرروا الرمي (٢) .

стр. 822

باب العارية والعارية تجب مع غناء المالك، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهي مضمونة وإن لم يشترط ضمانها، وهي رواية عن أحمد (١) . وعنه يضمن إن شرطه وإلا فلا. اختاره الشيخ تقي الدين (٢) . ولو سلم شريك شريكه دابة فتلفت بلا تعد ولا تفريط (٣) لم يضمن. وقياس المذهب إذا قال: أعرتك دابتي لتعلفها أن هذا يصح؛ لأن أكثر ما فيه أنه بمنزلة استئجار العبد بطعامه وكسوته، لكن دخول العوض فيه يلحقه بالإجابة إلا أن يكون ذلك يسيرًا لا يبلغ أجرة المثل بلا تعد فيكون حكم العارية باقيًا. وهذا في المنافع نظير الهبة المشروط فيها فيكون حكم العارية باقيًا. وهذا في المنافع نظير الهبة المشروط فيها الثواب في الأعيان. قال أبو العباس في قديم خطه: نفقة العين المعارة هل تجب على المالك، أو على المستعير؟ لا أعرف فيها نقلاً؛ إلا أن قياس المذهب على ما يظهر لي أنها تجب على المستعير؛ لأنهم قالوا: إنه يجب عليه مؤنة ردها وضمانها إذا تلفت وهذا دليل على أنه يجب عليه ردها إلى صاحبها كما أخذها منه سوى نقص المنافع المأذون له فيها. ثم إنه خطر لي أنها تخرج على الأوجه في نفقة الجارية الموصى بعتقها فقط. أحدها: أنه يجب على المالك؛ لكن فيه نظر. وثانيها: على المالك للنفع. وثالثها: نفقتها في كسبها. فإن قيل: هناك المنفعة مستحقة وليس ذلك هنا؛ فإن مالك الرقبة هو مالك المنفعة، غير أن المستعير ينتفع بها بطريق الإباحة وهذا يقوي وجوبها على المعير. والأصل الأول يقوي وجوبها على المستعير.

стр. 823

ثم أقول: هذا لا تأثير له في مسألتنا؛ فإن المنفعة حاصلة في الأصل والفرع. ثم كونه يملك انتزاع المنفعة من يده غير مؤثر، بدليل ما لو كان واهب المنفعة أبا وكان المثيب ابنه وهذا في غير صورة الوصية (١) . العارية المقبوضة مضمونة، نص عليه؛ لأن النفع غير مستحق؛ بخلاف عبد موصى بنفعه. وقاسها جماعة على المقبوض على وجه السوم، فدل على رواية مخرجة، وهو متجه. وذكر الحارثي خلافًا لا يضمن، وذكره شيخنا عن بعض أصحابنا، واختاره صاحب الهدي فيه. وعنه بلى إن شرطه اختاره أبو حفص وشيخنا (٢) (٣) . باب الغصب قال في المحرر: وهو الاستيلاء على مال الغير ظلمًا. قوله: «على مال الغير» يدخل فيه مال المسلم والمعاهد، وهو المال المعصوم. ويخرج منه استيلاء المسلمين على أموال أهل الحرب فإنه ليس بظلم. ويدخل فيه استيلاء (٤) المحاربين على مال المسلمين. وليس بجيد؛ فإنه ليس من الغصب المذكور حكمه هنا (٥) بإجماع المسلمين، إذ لا خلاف أنه لا يضمن بالإتلاف ولا بالتلف؛ وإنما الخلاف في وجوب

стр. 824

رد عينه (١) . وأما أموال أهل البغي وأهل العدل فقد لا يرد؛ لأن هناك لا يجوز الاستيلاء على عينها. ومتى أتلفت بعد الاستيلاء على عينها ضمنت. وإنما الخلاف في ضمانها بالإتلاف وقت الحرب. ويدخل فيه ما أخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها. فأما استيلاء أهل الحرب بعضهم على بعض فيدخل فيه. وليس بجيد؛ لأنه ظلم، فيحرم عليهم قتل النفوس وأخذ الأموال إلا بأمر الله؛ لكن يقال: لما كان المأخوذ مباحًا بالنسبة إلينا لم يصر ظلمًا في حقنا، ولا في حق من أسلم منهم. فأما ما أخذ من الأموال والنفوس أو أتلف منها في حال الجاهلية (٢) أقر قراره؛ لأنه كان مباحًا؛ لكن لما كان الإسلام عفا عنه فهو عفو بشرط الإسلام، وكذلك شرط الأمان. فلو تحاكم إلينا مستأمنان حكمنا بالاستقرار (٣) . قال الشيخ تقي الدين: ويتوجه فيما إذا غصب فرسًا وكسب عليه مالاً إن جعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما (٤) . ويضمن المغصوب بما نقص رقيقًا كان أو غيره، وهو رواية عن أحمد واختارها طائفة من أصحابه (٥) . إذا خلف مُوَرِّثٌ مالاً من إبل أو غنم أو غيرها فيه شيء حرام من

стр. 825

غصب أو غيره لا يعرفه الوارث عينًا، يعرف مالكه أو لا يعرفه، وقدر نصيب الحرام غير معروف فإنه ينصفه نصفين: نصف لهذه الجهة، ونصف لهذه الجهة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في مشاطرة العمال أموالهم لما تبين له أن في مالهم شيئًا من بيت المال وما هو خالص لهم ولم يتبين القدر فجعل عمر أموالهم نصفين؛ ولأنه مال مشترك والشركة المطلقة تقتضي التسوية. ولا تجوز القرعة، ووقف الأمر إضاعة للحقوق. والقول في هذه المسألة بالقسمة تارة والقرعة تارة خير من حبسها بلا فائدة (١) . ومن زرع بغير إذن شريكه والعادة بأن من زرع فيها له نصيب معلوم ولربها نصيب قسم ما زرعه في نصيب شريكه كذلك. ولو طلب أحدهما من الآخر أن يزرع معه أو يهايئه فأبى فللأول الزرع في قدر حقه بلا أجرة (٢) وقد اعتبر أبو العباس في موضع آخر إذن ولي الأمر (٣) . قال في المحرر: ومن قبض مغصوبًا من غاصبه ولم يعلم فهو بمنزلة في جواز تضمينه العين والمنفعة، لكنه يرجع إذا غرم على غاصبه بما لم يلزمه ضمانه خاصة. قال أبو العباس: يتخرج ألا يضمن الغاصب ما لم يلتزمه على قولنا إنه لا يقلع غرسه وبناءه حتى يضمن بعضه ويرجع به على البائع. وعلى ظاهر كلامه في المنع من تضمين مودع المودع إذا لم يعلم. وعلى إحدى الروايتين فإن المغرور لا يضمن الأولاد؛ بل يضمنهم الغار ابتداء.

стр. 826

وإذا مات الحيوان المغصوب فضمنه الغاصب فجلده -إذا قلنا يطهر بالدباغ- للمالك، وقياس المذهب ويتخرج أنه للغاصب (١) . ولو حبس الغاصب المغصوب وقت حاجة مالكه إليه كمدة شبابه ثم رده في مشيبه فتفويت تلك المدة ظلم يفتقر إلى جزاء (٢) . وإن وقف الرجل وقفًا على أولاده -مثلاً- ثم باعه وهم يعلمون أنه قد وقفه فهل يكون سكوتهم عن الإعلام تغريرًا مع أنهم هم المستحقون؟ فهذا يستمد من السكوت: هل هو إذن؟ وهو ما إذا رأى عبده أو ولده يتصرف. فقال أصحابنا: لا يكون إذنًا؛ لكن هل يكون تغريرًا؟ فإن قول النبي ﷺ في السلعة المبيعة: «لا يحل لمن يعلم ذلك إلا أن يبينه» يقتضي وجوب الضمان وتحريم السكوت، فيكون قد فعل محرمًا تلف به مال معصوم فهذا قوي جدًا. لكن قد يقال: فطرده أن من علم بالعيب -غير البائع- فلم يبينه فقد غر المشتري فيضمن. فيقال: هذا يبنى على أن الغرور من الأجنبي (٣) ولو لم يكن الأولاد أو غيرهم قد عرف فإذا وجب الرجوع على الواقف بما قبضه من الثمن وبما ضمنه المشتري من الأجرة ونقص قيمة البناء والغرس ونحو ذلك، ولو كان قد مات معسرًا أو هو كان معسرًا في حياته فهل يؤخذ من ريع الوقف الثمن الذي غرمه المشتري؟ لا شك أن هذا بعيد في الظاهر؛ لأن ريع الوقف للموقوف عليه، ولم يقر. فلا يؤخذ من ماله ما يقضي به دين غيره. لكن باعتبار هذا الدين على الواقف بسبب تغريره بالوقف فكأن الواقف هو الآكل لريع وقفه. وقد يتوجه ذلك إذا كان الواقف قد احتال بأن وقف ثم باع؛ فإن قصد

стр. 827

الحيلة إذا كان متقدمًا على الوقف لم يكن الوقف لازمًا في المحتال عليه الذي هو أكل مال المشتري المظلوم. ولو واطأ المالك رجلاً على أن يبيع داره ويظهر أنها للبائع لا أنه يبيعها بطريق الوكالة فهل تجعل هذه المواطأة وكالة وإن لم يأذن في بيعها لنفسه، أم يجعل غررًا؟ فإنه ما أذن في بيع فاسد؛ لكن قصد التغرير. فهل يعاقب بجعل البيع صحيحًا، أم بضمان التغرير؟ (١) قال الشيخ في فتاويه: وإن أنفق على أطفال غاصب وصيه مع علمه لم يرجع، وإلا رجع؛ لأن الموصي غره (٢) . وإن غصب ثوبًا فقصره أو غزلاً فنسجه أو فضة ... رد ذلك بزيادته وأرش نقصه ولا شيء له. وعنه: يكون شريكًا بالزيادة، اختاره الشيخ تقي الدين، قاله في الفائق (٣) . وإن نقصت لتغير الأسعار لم يضمن. وعنه يضمن، اختاره ابن أبي موسى والشيخ تقي الدين، قاله في الفائق (٤) . وإن وطئ الجارية فعليه الحد والمهر وإن كانت مطاوعة وأرش البكارة. وعنه: لا يلزمه مهر للثيب، اختاره الشيخ تقي الدين، ولم يوجب عليه سوى أرش البكارة نقله عنه في الفائق (٥) . وإن تلفت فعليه قيمتها ولا يرجع بها إن كان مشتريًا، ويرجع بها المتهب ... وعلى المذهب يأخذ من الغاصب ثمنها ويأخذ أيضًا نفقته

стр. 828

وعمله من البائع الغار. قاله الشيخ تقي الدين (١) . قال الشيخ تقي الدين: لا يسقط حق المظلوم الذي أخذ ماله وأعيد إلى ورثته؛ بل له أن يطالب الظالم بما حرمه من الانتفاع به في حياته (٢) . ولو بايع الرجل مبايعات يعتقد حلها ثم صار المال إلى وارث أو منتهب أو مشتر يعتقد تلك العقود محرمة. فالمثال الأصلي لهذا اقتداء المأموم بصلاة إمام أخل بما هو فرض عند المأموم دونه، والصحيح الصحة. وما قبضه الإنسان بعقد مختلف فيه يعتقد صحته لم يجب عليه رده في أصح القولين. ومن كسب مالاً حرامًا برضاء الدافع ثم تاب: كثمن خمر ومهر البغي وحلوان الكاهن فالذي يتلخص من كلام أبي العباس أن القابض إذا لم يعلم التحريم ثم علم جاز له أكله. وإن علم التحريم أولاً ثم تاب فإنه يتصدق به. كما نص عليه أحمد في حامل الخمر. وللفقير أكله، ولولي الأمر أن يعطيه أعوانه. وإن كان فقيرًا أخذ هو كفايته له. وفيما عرف ربه: هل يلزمه رده إليه، أم لا؟ قولان. وظاهر كلام أبي العباس أن نفس المصيبة لا يؤجر عليها. وقال أبو عبيدة: بلى، إن صبر أثيب على صبره. قال: وكثيرًا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب فيكون فيها أجر بهذا الاعتبار (٣) . وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان

стр. 829

التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق. قال شيخنا: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف ﵇ لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال: قد اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا فعلوا ذلك. نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذي أبيهم وللميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ وقد أحيط بهم. ويوسف ﵇ لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا، وإن كان من ضمن ما فعل من تأذى أبيه أعظم من أذى إخوته فإنما ذلك أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب ﵉ كمال الجزاء وعلو المنزلة، وتبلغ حكمة الله تعالى -التي قدرها وقضاها- نهايتها. ولو فرض أن يوسف ﵇ قصد الاقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف هل له أن يخونه كما خانه أو يسرقه كما سرقه؟ ولم تكن قضية يوسف ﵇ من هذا النوع. نعم لو كان يوسف ﵇ أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا شبهة له أيضًا على هذا التقدير فإن هذا لا يجوز في مثل شرعنا بالاتفاق، ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان في هذا ابتلاء من الله تعالى لذلك المعتقل، كأمر إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق الأخ امتحانه وابتلاءه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه، ويكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب ﵇ في احتباس يوسف ﵇ عنه (١) .

стр. 830

وأما إذا كان الرجل غصب مال الرجل مجاهرة فغصب من ماله مجاهرة بقدر ماله فليس هذا من هذا الباب؛ فإن الأول يؤدي إلى التأويلات الفاسدة، وأن يحلل لنفسه ما لا يحل له أخذه. وهذا يعرف ما أخذه فلا يأخذ إلا قدر حقه أو أكثر، ويكون معلومًا لا يمكن إنكاره (١) . ويضمن المغصوب بمثله مكيلاً أو موزونًا أو غيرهما حيث أمكن، وإلا فالقيمة. وهو المذهب عند ابن أبي موسى، وقاله طائفة من العلماء. وإذا تغير السعر وفقد المثل فينتقل إلى القيمة وقت الغصب وهو أرجح الأقوال (٢) . ومن كانت عنده غصوب وودائع وغيرها لا يعرف أربابها صرفت في المصالح. وقال العلماء ولو تصدق بها جاز. وله الأكل منها ولو كان عاصيًا إذا تاب وكان فقيرًا (٣) . ولا يجوز لوكيل بيت المال ولا غيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ. وليس للحاكم أن يحكم بصحته. وما لبيت المال من المقاسمة أو الأرض الخراجية لا يباع لما فيه من إضاعة حقوق المسلمين (٤) . ومن غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر فله تضمين الكذاب عليه بما غرمه (٥) . وقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عمل فيه بالاجتهاد، كما يفعل في قدر قيمته بالاجتهاد، إذ الخرص والتقويم واحد؛ فإن الخرص هو الاجتهاد في معرفة مقدار

стр. 831

الشيء، والتقويم هو الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه؛ بل قد يكون الخرص أسهل. وكلاهما يجوز مع الحاجة (١) . وعمل شيخنا بالاجتهاد في قيمة المتلف فخرص الصبرة واعتبر في مزارع أتلف مغل سنتين بالسنين المعتدلة، وفي ربح مضارب بشراء رفقته من نوع متاعه وبيعهم في مثل سفره (٢) . ولو اشترى مغصوبًا من غاصبه ولا يعلم به رجع بنفقته وعمله على بائع غار له (٣) . وقال تقي الدين فيمن اشترى مال مسلم من التتار لما دخلوا الشام: إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به؛ لأنه لم يصر لها إلا بنفقته وإن لم يقصد ذلك، كما رجحه فيمن اتجر بمال غيره وربح (٤) . ومن تصرف بولاية شرعية ولم يضمن، كمن مات ولا ولي له ولا حاكم، وليس لصاحبه إذا علم رد المعاوضة لثبوت الولاية عليها شرعًا (٥) . وإذا كان المتلف مما لا يباع مثل الثمر والزرع قبل بدو صلاحه فههنا لا يجوز تقويمه بشرط القطع؛ لأنه مستحق للبقاء وإن لم يجز بيعه كذلك. وإما أن يقوم مع الأصل ثم يقوم الأصل بدونه، وأما أن ينظر إلى حالة كماله فيقوم بدون نفقة الإبقاء ففيه نظر لإمكان تلفه قبل ذلك. وأما إذا جاز بيعه مستحق الإبقاء فيقوم مستحق الإبقاء، كما تقوم المنقولات مع جواز الآفات عليها جميعًا (٦) .

стр. 832

وإذا كان للناس على إنسان ديون أو مظالم بقدر ما له على الناس من الديون والمظالم كان يسوغ أن يقال: يحاسب بذلك فيه بقدر حقه من هذا أو يصرف إلى غريمه، كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه يستوفي ما له ويوفي ما عليه (١) . وأما إذا مات الميت وله غرماء مديونون لم يستوف مما عليهم شيئًا فهل مطالبتهم للميت أو للورثة؟ اضطرب فيه الناس. والصواب: إن كان الحق مظالم لم يتمكن هو ولا ورثته من استيفائها: من قود، أو قذف، أو غصب - فهو المطالب. وإن كان دينًا ثبت باختياره وتمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى مات فورثته تطالب به إلى يوم القيامة. وإن كان دينًا عجز عن استيفائه هو وورثته، فالأشبه أنه هو الذي يطالب به. فإن العجز إذا كان ثابتًا فيه وفي الوارث ولم يتمكن أحدهما من الانتفاع بذلك في الدنيا لم يدخل في الميراث، فيكون المستحق أحق بحقه في الآخرة، كما في المظالم. والإرث مشروط بالتمكن من الاستيفاء، كما أنه مشروط بالعلم بالوارث. فلو مات وله عصبة بعيدة لا يعرف نسبهم لم يرثوه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا عام في جميع الحقوق التي لله ولعباده هي مشروطة بالتمكن من العلم والقدرة. والمجهول والمعجوز عنه كالمعدوم. ولهذا قال العلماء: إن ما يجهل مالكه من الأموال التي قبضت بغير حق كالمكوس أو قبضت بحق كالوديعة والعارية وجهل صاحبها بحيث تعذر ردها إليه فإنها تصرف في مصالح المسلمين، وتكون حلالاً

стр. 833

لمن أخذها بحق كأهل الحاجة والاستعانة بها على مصالح المسلمين دون من أخذها بباطل، كمن يأخذ فوق حقه. ثم المظلوم إذا طالب بها يوم القيامة وعليه زكاة فلا تقوم هذه بالزكاة؛ بل عقوبة الزكاة أعظم من حسنة المظالم، والوعيد بترك الزكاة عظيم. ولكن الذي ورد: أن الفرائض تجبر بالنوافل. فهذا إذا تصدق باختياره صدقة تطوع لا يكون شيئًا خرج بغير اختياره فإنه يرجى له أن يحاسب بما تركه من الزكاة إذا كان من أهلها العازمين على فعلها. «وأول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل انظروا إن كان لعبدي تطوع فيكمل بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك» روى ذلك أحمد في المسند. وهذا لأن التطوع من جنس الفريضة فأمكن الجبران به عند التعذر، كما قال الصديق ﵁: إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة. فيكون من رحمة الله به أن يجعل النفل مثل الفرض، بمنزلة من أحرم بالحج تطوعًا وعليه فرضه فإنه يقع عن فرضه عند طائفة كالشافعي وأحمد في المشهور. وكذلك في رمضان عند أبي حنيفة وقول في مذهب أحمد. وكذلك من شك هل وجب عليه غسل أو وضوء بحدث، أم لا؟ فإنه لا يجب عليه غسل. وكذلك الوضوء عند جمهور العلماء؛ لكن يستحب له التطهر احتياطًا، وإذا فعل ذلك وكان واجبًا عليه في نفس الأمر أجزأ عنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [٢٨٦/٢] . وكذلك الشارع جعل عمل الغير عنه يقوم مقام فعله فيما عجز عنه: مثل من وجب عليه الحج وهو معضوب، أو مات ولم يحج، أو نذر صومًا أو غيره ومات قبل فعله، فعله عنه وليه. فقد قال ﷺ : «دين

стр. 834

الله أحق بالقضاء» أي أحق أن يستوفى من وارث الغريم؛ لأنه أرحم من العباد، فهذا تشهد له الأصول. أما أن يعتد له بالدين على الناس مع كونه لم يخرج الزكاة. فلا يصح. نعم لو كان للناس عليه مظالم أو ديون بقدر ما له عند الناس كان يسوغ أن يقال: يحاسب بذلك فيؤخذ حقه من هذا ويصرف إلى هذا كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه. وكل هذا من حكم العدل بين العباد ولا يظلم ربك أحدًا (١) . ومن ندم ورد الغصوب بعد موت المغصوب منه كان للمغصوب منه مطالبته في الآخرة لتفويته عليه الانتفاع به في حياته، كما لو مات الغاصب فرده وارثه (٢) . ومن مات معدمًا يرجى أن الله يقضي عنه ما عليه (٣) . وللمظلوم الاستعانة بمخلوق. فإذا خافه فالأولى له الدعاء على من ظلمه. ويجوز الدعاء بقدر ما يوجبه ألم ظلمه، لا على من شتمه أو أخذ ماله: بالكفر. ولو كذب عليه لم يفتر عليه، بل يدعو إليه بمن يفتري عليه نظيره. وكذا إن أفسد عليه دينه (٤) . ومن ترك دينه باختياره وقد تمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى

стр. 835

مات. طلب به ورثته. وإن عجز هو وورثته فالمطالبة في الأشبه كما في المظالم للخبر (١) . ومن أمر رجلاً بإمساك دابة ضارية فجنت عليه ضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموسًا وإلا فلا (٢) . والدابة إذا أرسلها صاحبها بالليل كان مفرطًا، فهو كما إذا أرسلها قرب زرع. ولو كان معها راكب أو قائد أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه؛ لأنه تفريط، وهو مذهب أحمد (٣) . لو ادعى صاحب الزرع أن غنم فلان نفشت ليلاً ووجد أثر في الزرع أثر غنم قضي بالضمان على صاحب الغنم. وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال، وجعلها معتبرة كالقيافة في الأنساب (٤) . وقال الشيخ تقي الدين: ومن لم يسد بئره سدًا يمنع من الضرر ضمن ما تلف بها (٥) . ومن العقوبة الثانية: إتلاف الثوبين المعصفرين، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو، وإراقة عمر اللبن الذي شيب بالماء للبيع. والصدقة بالمغشوش أولى من إتلافه (٦) .

стр. 836

باب الشفعة وإنما تجب في عقار تجب قسمته. وعنه: أولاً- اختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي وشيخنا (١) . وتثبت شفعة الجوار مع الشركة في حق من حقوق الملك: من طريق أو ماء أو نحو ذلك نص عليه أحمد في رواية أبي طالب في الطريق (٢) . وإذا حابى البائع المشتري بالثمن محاباة خارجة عن العادة يتوجه ألا يكون للمشتري أخذه إلا بالقيمة، أو أن لا شفعة له. فإن المحاباة بمنزلة الهبة من بعض الوجوه (٣) ولا شفعة في بيع الخيار ما لم ينقض. نص عليه أحمد في رواية حنبل. قال القاضي: لأن أخذ الشفيع بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار فلم يجز له المطالبة بالشفعة. وهذا التعليل من القاضي يقتضي أن الخيار إذا كان للمشتري وحده فللشفيع الأخذ، كما يجوز للمشتري أن يتصرف فيه في هذا الموضع (٤) . وأولى الروايات في مذهب الإمام أحمد أنه لا شفعة لكافر على مسلم. وقد يفرق بين أن يكون الشقص لمسلم فلا تجب الشفعة، أو لذمي فتجب. وحينئذ فهل العبرة بالبائع أو المشتري أو كليهما أو أحدهما؟ أربع احتمالات (٥) . وذكر شيخنا وجهًا فيمن اكترى نصف حانوت جاره للمكتري الأول الشفعة من الثاني (٦) . ولو ترك الولي شفعة موليه فنصه لا يسقط، وقيل: بلى. وقيل مع عدم الحظ. قلت: قال في تصحيح الفروع بعد أن ذكر وجهين ...

стр. 837

والوجه الثالث: إن كان فيها حظ لم تسقط، وإلا سقطت، وعليه أكثر الأصحاب قال الزركشي: اختاره ابن حامد وتبعه القاضي وعامة أصحابه. قال الحارثي: هذا ما قاله الأصحاب انتهى. واختاره الشيخ تقي الدين (١) . وإن أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط. ويحتمل أن تسقط وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها أبو بكر في الشافي، واختاره الشيخ تقي الدين (٢) . باب الوديعة ولو أودع المودع بلا عذر ضمن. والمودع الثاني لا يضمن إن جهل، وهو رواية عن أحمد. وكذا المرتهن منه. وهو وجه في المذهب. ولو قال المودع أودعتها الميت، وقال: هي لفلان وقال ورثته بل هي له وليست لفلان ولم يقم بينة أنها كانت للميت ولا على الإيداع؟ قال أبو العباس: أفتيت أن القول قول المودع مع يمينه لأنه قد ثبتت له اليد. وإذا تلفت الوديعة فللمودع قبض البدل؛ لأن من يملك قبض العين يملك قبض البدل، كالوكيل وأولى (٣) . وإذا استعمل كاتبًا خائنًا أو عاجزًا أثم بما أذهب من حقوق الناس لتفريطه. ذكره شيخنا (٤) . ومن استأمنه أمين على ماله فخشي من حاشيته إن منعهم من

стр. 838

عادتهم المتقدمة لزمه فعل ما يمكنه، وهو أصلح للأمير من تولية غيره فيرتع معهم، لا سيما وللأخذ شبهة ذكره شيخنا (١) . وإن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن، وليس للمالك مطالبة الأجنبي. وقال القاضي: له ذلك. وقال في المذهب ومسبوك الذهب: ليس للمالك مطالبة الأجنبي على المنصوص ... واختاره الشيخ تقي الدين ﵀ (٢) . وإن أودعها بلا عذر ضمنا وقراره عليه. فإن علم الثاني فعليه. وعنه: لا يضمن الثاني إن جهل اختاره شيخنا، كمرتهن في وجه واختاره شيخنا (٣) . باب إحياء الموات وحريم البئر العادية -وهي التي أعيدت- خمسون ذراعًا (٤) . ولو ترك جمدًا في حر شديد حتى ذاب وتقاطر ماؤه فقصد إنسان إلى ذلك القطر وتلقاه في إناء وجمعه وشربه كان مضمونًا عليه، وإن كان لو تركه لضاع ذكره أبو طالب في الانتصار. وفيه نظر (٥) . باب الجعالة ومن استنقذ مال غيره من الهلكة ورده استحق أجرة المثل ولو بغير شرط في أصح القولين، وهو منصوص أحمد وغيره (٦) .

стр. 839

باب اللقطة ولا تملك لقطة الحرم بحال ويجب تعريفها أبدًا، وهو رواية عن أحمد، واختارها طائفة من العلماء. وتضمن اللقطة بالمثل، كبدل القرض. وإذا قلنا بالقيمة فالقيمة يوم ملكها الملتقط قطع به ابن أبي موسى وغيره. خلافًا للقاضي وأبي البركات (١) . باع الملتقط اللقطة بعد الحول ثم جاء ربها فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعها من المشتري (٢) . ولو وجد لقطة في غير طريق مأتي فهي لقطة على الصحيح من المذهب قدمه في الفائق. واختار الشيخ تقي الدين أنها كالركاز (٣) . ومن استنقذ فرسًا من أيدي العرب ثم مرض الفرس ولم يقدر على المشي جاز له بيعه، بل يجب في هذه الحال أن يبيعه لذمة صاحبه وإن لم يكن وكيله نص عليه الأئمة ويحفظ الثمن (٤) . باب اللقيط وذكر ابن أبي موسى في «الإرشاد» أن بعض شيوخه حكى رواية عن الإمام أحمد أن الملتقط يرثه (يرث اللقيط) واختاره الشيخ تقي الدين ﵀ ونصره (٥) .

стр. 840

كتاب الوقف تعريفه: قال شيخنا: وأقرب الحدود في الوقف أنه كل عين تجوز عاريتها (١) . ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه عرفًا، كجعل أرضه مسجدًا، أو الإذن للناس بالصلاة فيه، أو أذن فيه وأقام (٢) ونقله أبو طالب وجعفر وجماعة عن أحمد. أو جعل أرضه مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، ونص عليه أحمد أيضًا. ومن قال: قريتي التي بالثغر لموالي الذين بها أولادهم صح وقفًا. ونقله يعقوب بن إسحاق بن بختان عن أحمد. وإذا قال واحد أو جماعة: جعلنا هذا المكان مسجدًا أو وقفًا صار مسجدًا ووقفًا بذلك وإن لم يكملوا عمارته. وإذا قال كل منهم: جعلت ملكي للمسجد أو في المسجد ونحو ذلك صار بذلك حقًا للمسجد. ولو قال الإنسان تصدقت بهذا الدهن على هذا المسجد ليوقد فيه جاز. وهو من باب الوقف وتسميته وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها لا تأباه اللغة، وهو جائز في الشرع (٣) .

стр. 841

ووقف الهازل ووقف التلجئة إن غلب على الوقف شبه التحرير من جهة أنه لا يقبل الفسخ فينبغي أن يصح كالعتق والإتلاف. وإن غلب عليه شبه التمليك فيشبه الهبة والتمليك. وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح (١) . ونقل جماعة عن الإمام أحمد فيمن وقف دارًا وإن لم يحدها. قال: يصح وإن لم يحدها إذا كانت معروفة اختاره الشيخ تقي الدين. وعند الشيخ تقي الدين: لا يصح وقف منافع أم الولد في حياته (٢) . قال في المحرر: ولا يصح وقف المجهول. قال أبو العباس: المجهول نوعان: مبهم، ومعين. مثل دار لم يرها. فمنع هذا بعيد. وكذلك هبته. فأما الوقف على المبهم فهو شبيه بالوصية له. وفي الوصية روايتان منصوصتان مثل أن يوصي لأحد هذين أو لجاره محمد وله جاران بهذا الاسم. وقف المبهم مفرع على هبته وبيعه وليس عن أحمد في هذا منع (٣) . وينبغي أن يشترط في الواقف أن يكون ممن يمكن من تلك القربة. فلو أراد الكافر أن يقف مسجدًا منع منه (٤) .

стр. 842

شروطه: ١- المنفعة: ولو قال الواقف: وقفت هذه الدراهم على قرض المحتاجين لم يكن جواز هذا بعيدًا. وإذا أطلق وقفًا لنقدين ونحوهما مما يمكن الانتفاع ببذله فإن منع صحة هذا الوقف فيه نظر، خصوصًا على أصلنا فإنه يجوز عندنا بيع الوقف إذا تعطلت منفعته. وقد نص أحمد في الذي حبس فرسًا عليها حلية محرمة أن الحلية تباع وينفق منها عليها وهذا تصريح بجواز مثل هذا. ولو وقف منفعة يملكها كالعبد الموصى بخدمته أو منفعة أمه في حياته أو منفعة العين المستأجرة فعلى ما ذكره أصحابنا لا يصح. قال أبو العباس: وعندي ليس في هذا فقه؛ فإنه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه أو فرس يركبونه أو ريحان يشمه أهل المسجد (١) . وطيب الكعبة حكمه حكم كسوتها، فعلم أن التطيب منفعة مقصودة؛ لكن قد يطول بقاء مدة الطيب وقد يقصر ولا أثر لذلك. ويصح وقف الكلب المعلم والجوارح المعلمة وما لا يقدر على تسليمه. وأقرب الحدود في الموقوف أنه كل عين تجوز إعارتها. قال في الرعاية: وإن وقف نصف عبد صح وإن لم يسر إلى بقيته وإن كان لغيره.

стр. 843

وإن أعتق ما وقفه منه أو أعتقه الموقوف عليه لم يصح عتقه ولم يسر. وإن أعتق الواقف باقيه أو أعتقه شريكه فقد صح عتق نفسه ولم يسر إلى الموقوف. قال أبو العباس: هذا ضعيف (١) . وما يأخذه الفقهاء من الوقف: هل هو إجارة، أو جعالة، أو كرزق من بيت المال؟ فيه أقوال: ثالثها المختار (٢) . وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا أو أجرة؛ بل رزق للإعانة على الطاعة، وذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به والمنذور ليس كالإجارة والجعل. اهـ (٣) . قال ابن القيم ﵀: وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفًا على أهل الذمة: هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقييده الاستحقاق بذلك الوصف. وقال: هكذا قال أصحابنا: ويصح الوقف على أهل الذمة. فأنكر ذلك شيخنا غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين؛ وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف، حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون

стр. 844

حله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الإسلام (١) . وأما الوقف على قبور الأنبياء. فإن كان وقفًا على بناء المساجد عليها وإيقاد المصابيح فقد تقدم حكمه وأنه معصية لا يحل الوفاء به، وأنه من عمل المشركين. والذين يقولون: إن من العلماء من وقف على مدينة النبي ﷺ . يريدون بذلك أنه وقف على قبر. فهو خطأ منهم في فهم العبارة؛ فإن هذا إنما هو وقف على من بالمدينة النبوية، وليس لذلك اختصاص بالنبي ﷺ ؛ إذ جميع ما يصرفه المسلمون من الأموال في أنواع الوقف وغيره إنما هو بأمر النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢) [٧/٥٩] . وقال الشيخ تقي الدين: لو وقف قنديل نقد للنبي ﷺ صرف لجيرانه قيمته. وقال في موضع آخر: النذر للقبور هو للمصالح ما لم يعلم ربه (٣) . وأما هذه الأوقاف على الترب ففيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته وكون هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه؛ إذ قد لا يدرس حفظ القرآن في بعض البلاد بسبب عدم الأسباب الحاضة عليه. وفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله، ومن التأكل بالقرآن، وقرائته على غير الوجه المشروع، وإشغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة. فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون ذلك الفساد جاز. فالواجب النهي عن ذلك والمنع منه وإبطاله.

стр. 845

وإن ظن حصول مفسدة أكثر من ذلك لم يدفع أدنى المفسدتين باحتمال أعلاهما (١) . ويصح الوقف على النفس، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها جماعة من أصحابه (٢) . قال شيخنا: ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها: أن يريد الرجل أن يقف على نفسه بعد موته على جهات متصلة، فيقول له أرباب الحيل: أقر أن هذا المكان الذي بيدك وقف عليك من غيرك، ويعلمونه الشروط التي يريد إنشاءها فيجعلها إقرارًا، فيعلمونه الكذب في الإقرار، ويشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويحكمون بصحته. ولا يستريب مسلم أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه، فكيف يلقن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها؟! ثم إذا كان وقف الإنسان على نفسه باطلاً في دين الله فقد علمتموه حقيقة الباطل؛ فإن الله تعالى قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا بالإقرار الكاذب، فيصير المال حرامًا على من يتناوله إلى يوم القيامة. وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحًا فقد أغنى الله تعالى عن تكلف الكذب (٣) . ويصح الوقف على أم ولده بعد موته، وإن وقف على غيرها على أن ينفق عليها مدة حياته أو يكون الريع لها مدة حياته صح؛ فإن استثناء الغلة لأم ولده كاستثنائها لنفسه. وإن وقف عليها مطلقًا فينبغي في الحال أنا إذا صححنا وقف
следующие страницы →