ووقف الهازل ووقف التلجئة إن غلب على الوقف شبه التحرير من جهة أنه لا يقبل الفسخ فينبغي أن يصح كالعتق والإتلاف. وإن غلب عليه شبه التمليك فيشبه الهبة والتمليك. وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح (١) .
ونقل جماعة عن الإمام أحمد فيمن وقف دارًا وإن لم يحدها. قال: يصح وإن لم يحدها إذا كانت معروفة اختاره الشيخ تقي الدين. وعند الشيخ تقي الدين: لا يصح وقف منافع أم الولد في حياته (٢) .
قال في المحرر: ولا يصح وقف المجهول. قال أبو العباس: المجهول نوعان: مبهم، ومعين. مثل دار لم يرها. فمنع هذا بعيد. وكذلك هبته.
فأما الوقف على المبهم فهو شبيه بالوصية له. وفي الوصية روايتان منصوصتان مثل أن يوصي لأحد هذين أو لجاره محمد وله جاران بهذا الاسم.
وقف المبهم مفرع على هبته وبيعه وليس عن أحمد في هذا منع (٣) .
وينبغي أن يشترط في الواقف أن يكون ممن يمكن من تلك القربة. فلو أراد الكافر أن يقف مسجدًا منع منه (٤) .
стр. 842
شروطه:
١- المنفعة:
ولو قال الواقف: وقفت هذه الدراهم على قرض المحتاجين لم يكن جواز هذا بعيدًا. وإذا أطلق وقفًا لنقدين ونحوهما مما يمكن الانتفاع ببذله فإن منع صحة هذا الوقف فيه نظر، خصوصًا على أصلنا فإنه يجوز عندنا بيع الوقف إذا تعطلت منفعته.
وقد نص أحمد في الذي حبس فرسًا عليها حلية محرمة أن الحلية تباع وينفق منها عليها وهذا تصريح بجواز مثل هذا.
ولو وقف منفعة يملكها كالعبد الموصى بخدمته أو منفعة أمه في حياته أو منفعة العين المستأجرة فعلى ما ذكره أصحابنا لا يصح.
قال أبو العباس: وعندي ليس في هذا فقه؛ فإنه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه أو فرس يركبونه أو ريحان يشمه أهل المسجد (١) .
وطيب الكعبة حكمه حكم كسوتها، فعلم أن التطيب منفعة مقصودة؛ لكن قد يطول بقاء مدة الطيب وقد يقصر ولا أثر لذلك.
ويصح وقف الكلب المعلم والجوارح المعلمة وما لا يقدر على تسليمه.
وأقرب الحدود في الموقوف أنه كل عين تجوز إعارتها.
قال في الرعاية: وإن وقف نصف عبد صح وإن لم يسر إلى بقيته وإن كان لغيره.
стр. 843
وإن أعتق ما وقفه منه أو أعتقه الموقوف عليه لم يصح عتقه ولم يسر.
وإن أعتق الواقف باقيه أو أعتقه شريكه فقد صح عتق نفسه ولم يسر إلى الموقوف.
قال أبو العباس: هذا ضعيف (١) .
وما يأخذه الفقهاء من الوقف: هل هو إجارة، أو جعالة، أو كرزق من بيت المال؟ فيه أقوال: ثالثها المختار (٢) .
وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا أو أجرة؛ بل رزق للإعانة على الطاعة، وذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به والمنذور ليس كالإجارة والجعل. اهـ (٣) .
قال ابن القيم ﵀: وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفًا على أهل الذمة: هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقييده الاستحقاق بذلك الوصف. وقال: هكذا قال أصحابنا: ويصح الوقف على أهل الذمة.
فأنكر ذلك شيخنا غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين؛ وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف، حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون
стр. 844
حله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الإسلام (١) .
وأما الوقف على قبور الأنبياء. فإن كان وقفًا على بناء المساجد عليها وإيقاد المصابيح فقد تقدم حكمه وأنه معصية لا يحل الوفاء به، وأنه من عمل المشركين. والذين يقولون: إن من العلماء من وقف على مدينة النبي ﷺ . يريدون بذلك أنه وقف على قبر. فهو خطأ منهم في فهم العبارة؛ فإن هذا إنما هو وقف على من بالمدينة النبوية، وليس لذلك اختصاص بالنبي ﷺ ؛ إذ جميع ما يصرفه المسلمون من الأموال في أنواع الوقف وغيره إنما هو بأمر النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢) [٧/٥٩] .
وقال الشيخ تقي الدين: لو وقف قنديل نقد للنبي ﷺ صرف لجيرانه قيمته. وقال في موضع آخر: النذر للقبور هو للمصالح ما لم يعلم ربه (٣) .
وأما هذه الأوقاف على الترب ففيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته وكون هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه؛ إذ قد لا يدرس حفظ القرآن في بعض البلاد بسبب عدم الأسباب الحاضة عليه.
وفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله، ومن التأكل بالقرآن، وقرائته على غير الوجه المشروع، وإشغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة. فمتى أمكن تحصيل هذه المصلحة بدون ذلك الفساد جاز.
فالواجب النهي عن ذلك والمنع منه وإبطاله.
стр. 845
وإن ظن حصول مفسدة أكثر من ذلك لم يدفع أدنى المفسدتين باحتمال أعلاهما (١) .
ويصح الوقف على النفس، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها جماعة من أصحابه (٢) .
قال شيخنا: ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها: أن يريد الرجل أن يقف على نفسه بعد موته على جهات متصلة، فيقول له أرباب الحيل: أقر أن هذا المكان الذي بيدك وقف عليك من غيرك، ويعلمونه الشروط التي يريد إنشاءها فيجعلها إقرارًا، فيعلمونه الكذب في الإقرار، ويشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويحكمون بصحته. ولا يستريب مسلم أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه، فكيف يلقن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها؟! ثم إذا كان وقف الإنسان على نفسه باطلاً في دين الله فقد علمتموه حقيقة الباطل؛ فإن الله تعالى قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا بالإقرار الكاذب، فيصير المال حرامًا على من يتناوله إلى يوم القيامة. وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحًا فقد أغنى الله تعالى عن تكلف الكذب (٣) .
ويصح الوقف على أم ولده بعد موته، وإن وقف على غيرها على أن ينفق عليها مدة حياته أو يكون الريع لها مدة حياته صح؛ فإن استثناء الغلة لأم ولده كاستثنائها لنفسه.
وإن وقف عليها مطلقًا فينبغي في الحال أنا إذا صححنا وقف
стр. 846
الإنسان على نفسه صح؛ لأن ملك أم ولده أكثر ما يكون بمنزلة ملكه. وإن لم نصححه فيتوجه أن يقال: هو كالوقف على العبد القن، ويتوجه الفرق بأن أم الولد لا تملك بحال. وفيها نظر.
وقد تخرج على ملك العبد بالتمليك، فإن هذا نوع تمليك لأم ولده؛ بخلاف العبد القن. فإنه قد يخرج عن ملكه فيكون ملكًا لعبد الغير.
وإذا مات السيد فقد تخرج هذه المسألة عن مسألة تفريق الصفقة؛ لأن الوقف على أم الولد يعم حال رقها وعتقها، فإذا لم يصح في أحد الحالين خرج في الحال الأخرى وجهان. وإذا قلنا: إن الوقف المنقطع الابتداء يصح فيجب أن يقال ذلك هنا. وإن قلنا لا يصح فهذا كذلك (١) .
وإذا اشترط القبول في الوقف على المعين فلا ينبغي أن يشترط المجلس؛ بل يلحق بالوصية والوكالة. فيصح معجلاً أو مؤجلاً بالقول والفعل (٢) فأخذ ريعه قبول، وينبغي أنه لورده بعد قبوله كان له ذلك.
أن يقف ناجزًا، فإن علقه على شرط لم يصح. وقيل: يصح واختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق والحارثي وقال: الصحة أظهر وأحرى (٣) .
والصواب الذي عليه محققو الفقهاء في مسألة الوقف على المعين إذا لم يقبل أورده أن ذلك ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولاً واحدًا. ثم إن قبل الموقوف عليه وإلا انتقل إلى من بعده،
стр. 847
كما لو مات أو تعذر استحقاقه لفوات وصف فيه؛ إذ الطبقة الثانية تتلقى من الواقف لا من الموقوف عليه (١) .
شروط الواقف:
ولا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًا خاصة، وهو ظاهر المذهب، أخذًا من قول أحمد في اعتبار القربة في أصل الجهة الموقوف عليها (٢) .
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف للجند (٣) .
قال شيخنا: كل متصرف بولاية إذا قيل: يفعل ما يشاء فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه وما يراه مطلقًا فشرط باطل بمخالفته الشرع، وغايته أن يكون شرطًا مباحًا وهو باطل على الصحيح المشهور، حتى لو تساوى فعلان عمل بالقرعة، وإذا قيل هنا بالتخيير فله وجه (٤) .
إذا شرط الواقف لناظره أجرة فكلفته عليه حتى تبقى أجرة مثله. وقال المصنف ومن تبعه: كلفته من غلة الوقف. قيل للشيخ تقي الدين: فله العادة بلا شرط، فقال: ليس له إلا ما يقابل عمله (٥) .
стр. 848
ولو وقف على آل جعفر وآل علي فهل يسوى بين أفرادهم، أو يقسم بينهم نصفين؟
قال أبو العباس: أفتيت أنا وطائفة من الفقهاء أنه يقسم بين أعيان الطائفتين. وأفتى طائفة أنه يقسم نصفين فيأخذ آل جعفر النصف وإن كانوا واحدًا وهو مقتضى أحد قولي العلماء (١) .
لو وقف على ابني أخيه يوسف وأيوب. ثم ظهر أن أيوب اسمه صالح، فشك فيه. فإن لم يكن لأخيه ابنان سواهما فحق أيوب ثابت ولا يضر الغلط في اسمه. وإن كانوا ثلاثة بنين ووقع الشك في عين الثالث أخرج بالقرعة في رواية عن أحمد (٢) .
وما حصل للأسير من ريع الوقف فإنه يتسلمه ويحفظه وكيله ومن يتنقل بعده جميعًا (٣) .
وأفتى تقي الدين باستحقاق الحمل من الوقف أيضًا (٤) .
الثمرة للموجود عند التأبير أو بدو الصلاح.
قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول:.... ليس كذلك، لأن واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السنة كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عامًا فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة من ريع الوقف لئلا يفضي إلى أن يحضر الإنسان شهرًا مثلاً فيأخذ مغل جميع الوقف ويحضر غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة (٥) فلا يستحق شيئًا
وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها. قال الشيخ تقي الدين: يستحق
стр. 849
بحصته من مغله. وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ (١) .
ولو أقر الموقوف عليه أنه لا يستحق في هذا الوقف إلا مقدارًا معلومًا ثم ظهر شرط الواقف أنه يستحق أكثر حكم له بمقتضى شرط الواقف، ولا يمنع من ذلك إقراره المتقدم (٢) .
ومن زور ولاية لنفسه بإمامة وباشر فيتوجه إن كانت ولايته شرطًا لاستحقاقه لم يستحق، وإلا خرج على صحة إمامته. وقال شيخنا: له أجر مثله، وأطلق، كمن ولايته فاسدة بغير كذبه لا ما يستحقه عدل بولاية شرعية (٣) .
ومن أكل المال بالباطل قوم لهم رواتب أضعاف حاجاتهم، وقوم لهم جهات معلومها كثير يأخذونه ويستنيبون بيسير (٤) .
وإذا مات شخص من مستحقي الوقف وجهل شرط الواقف صرف إلى جميع المستحقين بالسوية (٥) .
وقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي وهي وقف على الحنابلة والمجتهد ليس منهم. فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له (٦) .
واختار الشيخ تقي الدين فيما إذا وقف على أقرب قرابته استواء الأخ من الأب والأخ من الأبوين (٧) .
стр. 850
قال: ومن شرط في القربات أن يقدم فيها الصنف المفضول فقد شرط خلاف شرط الله كشرطه في الإمامة تقديم غير الأعلم. والناظر منفذ لما شرطه الواقف (١) .
وإذا شرط في استحقاق ريع الوقف العزوبة فالمتأهل أحق من العزب إذا استويا في سائر الصفات (٢) .
قال شيخنا: ليس له أن يستأجر الوقف زيادة على شرط الواقف ولا يغيره لمصلحة نفسه؛ بل إذا غيره لمصلحة نفسه ألزم بإعادته إلى مثل ما كان وبضمان ما فوته من غير منفعة، وعلى ولاة الأمور إلزامه بما يجب عليه، فإن أبي عوقب بحبس وضرب ونحوه؛ فإن المدين يعاقب بذلك فكيف بمن امتنع من فعل واجب مع تقدم ظلم؟ (٣) .
ومن عمر وقفًا بالمعروف ليأخذ عوضه فله أخذه من غلته (٤) .
وقال شيخنا فيمن نزل عن وظيفة الإمام: لا يتعين المنزول له، ويولي من له الولاية من يستحق التولية شرعًا (٥) .
ومن وقف مدرسة على مدرس وفقهاء فلناظر ثم الحاكم تقدير أعطيتهم. فلو زاد النماء فهو لهم. والحكم بتقديم مدرس أو غيره باطل ولو نفذه حكام.
وإن قيل: إن المدرس لا يزيد ولا ينقص بزيادة النماء ونقصه كان باطلاً؛ لأنه لهم والقياس أن يسوى بينهم ولو تفاوتوا في المنفعة كالإمام
стр. 851
والجيش في المغنم؛ لكن دل العرف على التفضيل، وإنما قدم القيم لأن ما يأخذه أجرة؛ ولهذا يحرم أخذه فوق أجرة مثله بلا شرط (١) .
وفي الإنصاف بعد قوله باطل ولو نفذه حكام:
إذ لم نعلم أحدًا ممن يعتد به قال به ولا بما يشابهه.
وفيه أيضًا: وبطلانه لمخالفته مقتضى الشرط والعرف أيضًا. وليس تقدير الناظر أمرًا كتقدير الحاكم بحيث لا يجوز له ولا لغيره زيادته ونقصه للمصلحة (٢) .
والإمام والمؤذن كالقيم؛ بخلاف المدرس والمتعبد والفقهاء فإنهم من جنس واحد (٣) .
إذا جهل شرط الواقف وتعذر العثور عليه قسم على أربابه بالسوية. واختار الشيخ تقي الدين ﵀ أنه يرجع في ذلك إلى العرف والعادة وهو الصواب (٤) .
ومن شرط لغيره النظر إن مات فعزل نفسه أو فسق فكموته؛ لأنه تخصيصه للغالب ذكره شيخنا (٥) . ثم إن صار هو أو الوصي أهلاً عاد كما لو صرح به وكالموصوف ذكره شيخنا (٦) .
ومن قدر له الواقف شيئًا أكثر منه أخذه إن استحقه بموجب الشرع. ولو عطل مغل وقف مسجد سنة تقسط الأجرة المستقبلة عليها
стр. 852
وعلى السنة الأخرى، لأنه خير من التعطيل ولا ينقص الإمام بسبب تعطيل الزرع العام (١) .
والناظر إن لم يشترط له شيء ليس له إلا ما يقابل عمله، لا العادة.
واعتبر أبو العباس في موضع جواز أخذ الناظر أجرة عمله مع فقره، كوصي اليتيم. ولا يقدم الناظر بمعلومه بلا شرط (٢) . قال: ومتى فرط سقط مما له بقدر ما فوته من الواجب (الفروع ج ٤/ ٥٩٥ إنصاف ج ٧/ ٦٣) .
ولا يجوز أن يولي فاسقًا في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته فكيف يولى (٣) .
وإن نزل مستحق تنزيلا شرعيًا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي (٤) .
وقال أيضًا: لا يجوز أن ينزل فاسق في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته فكيف ينزل (٥) .
وقال شيخنا: قد تجوز الصلاة خلف من لا يجوز توليته. وليس للناس أن يولوا عليهم الفساق، وإن نفذ حكمه أو صحت الصلاة خلفه.
وقال أيضًا: اتفقت الأئمة على كراهة الصلاة خلفه، واختلفوا في صحتها، ولم يتنازعوا في أنه لا ينبغي توليته.
стр. 853
وما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد فالإمامة لمن رضوه لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم صرفه ما لم يتغير حاله، وليس له أن يستنيب إن غاب، ولهم انتساخ كتاب الوقف والسؤال عن حاله. واحتج شيخنا بمحاسبة النبي ﷺ عامله على الصدقة مع أن له ولاية صرفها والمستحق غير معين فهنا أولى. ونصه: إذا كان متهمًا ولم يرضوا به. ونصب المستوفي الجامع للعمال المتفرقين هو بحسب الحاجة والمصلحة؛ فإن لم تتم مصلحة قبض المال وصرفه إلا به وجب. وقد يستغنى عنه لقلة العمال ومباشرة الإمام والمحاسبة بنفسه، كنصب الإمام للحاكم؛ ولهذا كان ﵊ في المدينة يباشر الحكم واستيفاء الحساب بنفسه، ويولي مع البعد. ذكره شيخنا.
وسجل كتاب الوقف من الوقف كالعادة. ذكره شيخنا (١) .
وقال أيضًا: من ثبت فسقه أو أقر متصرفًا بخلاف الشرط الصحيح عالمًا بتحريمه قدح فيه، فإما أن ينعزل أو يضم إليه أمين على الخلاف المشهور. ثم إن صار هو أو الوصي أهلاً عاد، كما لو صرح به وكالموصوف (٢) .
وله الأجرة من وقت النظر فيه (٣) .
ومن لم يقم بوظيفته عزله من له الولاية بمن يقوم بها إذا لم يتب الأول ويلتزم بالواجب (٤) .
وإذا رحل وخلى وظيفته شاغرة فتولاها أحد ولاية شرعية ثم عاد الأول بعد مدة فليس له أن ينازعه. وإذا ذكر أن ولي الأمر أذن له أن
стр. 854
يستنيب فإنه إن كان جائزًا فهو لم يفعله، وإن لم يكن جائزًا لم ينفعه. وإذا أصر على منازعته مع علمه بالتحريم قدح في عدالته (١) .
والذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يتسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها. وعلى هذا فلهم أن يطلبوا الأجرة من المستأجر لأنه فرط. ولهم أن يطالبوا الناظر (٢) .
ومأخذ الوقف المنقطع: أن الوقف هل يصح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة؟
فعلى قول من قال: لا يزال وقفًا لا يصح توقيته. وعلى قول من قال: يعود ملكًا يصح توقيته، فإن غلب جانب التحريم فالتحريم لا يتوقت؛ لأنه ليس له شريك. وإن غلب جانب التمليك فتوقيت جميعه قريب من توقيته على بعض البطون، كما لو قال: هذا وقف على زيد سنة ثم على عمرو سنة ثم على بكر سنة.
وضابط الأقوال في الوقف المنقطع: إما على جميع الورثة، وإما على العصبة، وإما على المصالح، وإما على الفقراء والمساكين منهم.
وعلى الأقوال الأربعة؛ فإما وقف، وإما ملك. فهذه ثمانية. ومنها أربعة في الأقارب. وهل يختص به فقراؤهم؟ فيصير فيهم ثمانية. والثالث عشر تفصيل ابن موسى أنه إذا رجع إلى جميع الورثة يكون ملكًا بينهم على فرائض الله؛ بخلاف رجوعه إلى العصاة قال أبو العباس: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد (٣) .
وتجب عمارته بحسب البطون ذكره شيخنا. وذكر غيره: لا تجب
стр. 855
كالطلق. وتقدم عمارته على أرباب الوظائف. وقال شيخنا الجمع بينهما بحسب الإمكان أولى؛ بل قد يجب (١) .
وذكر في القاعدة الثالثة والخمسين بعد المائة: أن الشيخ تقي الدين اختار فيما إذا وقف على ولده دخول ولد الولد في الوقف دون الوصية، وفرق بينهما (٢) .
وإن وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته دخل فيه ولد البنين. ونقل عنه لا يدخل فيه ولد البنات، قال في الفائق: اختاره الخرقي والقاضي وابن عقيل والشيخان يعني بهما المصنف والشيخ تقي الدين (٣) .
وقال الشيخ تقي الدين: ذوو طبقته إخوته وبنو عمه ونحوهم، ومن هو أعلى منه عمومته ونحوهم، ومن هو أسفل منهم ولده وولد إخوته وطبقتهم (٤) .
ولو قال: وقفت على أولادي ثم أولادهم الذكور والإناث ثم أولادهم الذكور وإن سفلوا فإن أحد الطبقة الأولى لو كانت بنتًا فماتت ولها أولاد فما استحقته قبل موتها فلهم.
ولو قال: ومن مات عن غير ولد فنصيبه لأخويه ثم نسلهم وعقبهم ممن لم يعقب ومن أعقب ثم انقطع عقبه.
وقول الواقف: «ومن مات من غير نسل» يعود ما كان جاريًا عليه على من هو في درجته وذي طبقته -يقدم الأقرب إلى المتوفى فالأقرب- وهو حرمان الطبقة السفلى فقط لا حرمان العليا (٥) .
стр. 856
وعنه: أزواجه من أهله ومن أهل بيته، ذكرها شيخنا. وقال: في دخولهن في آله وأهل بيته روايتان، واختار الدخول، وأنه قول الشريف (١) .
وقال الشيخ تقي الدين: فيما إذا قال: بطنًا بعد بطن ولم يزد شيئًا. هذه المسألة فيها نزاع والأظهر أن نصيب كل واحد ينتقل إلى ولده ثم إلى ولد ولده ولا مشاركة اهـ (٢) .
لو وجد في كتاب الوقف أن رجلاً وقف على فلان وعلى بني بنيه واشتبه: هل المراد بني بنيه جمع أو بني بنته واحدة البنات، فقال ابن عقيل في الفنون: يكون بينهما عندنا لتساويهما كما في تعارض البينات. قال الشيخ تقي الدين ﵀: ليس هذا من تعارض البينتين؛ بل هو بمنزلة تردد البينة الواحدة. ولو كان من تعارض البينتين فالقسمة عند التعارض رواية مرجوحة وإلا فالصحيح إما التساقط، وإما القرعة. فيحتمل أن يقرع هنا. ويحتمل أن يرجح بنو البنين لأن العادة أن الإنسان إذا وقف على ولد بنته لا يخص منهما الذكور بل يعم أولادهما؛ بخلاف الوقف على ولد الذكور فإنه يخص ذكورهم كثيرًا كآبائهم، ولأنه لو أراد ولد البنت سماها باسمها أو أشرك بين ولدها وولد سائر بناته. قال: وهذا أقرب إلى الصواب (٣) .
وأفتى أيضًا ﵀ فيمن وقف على أحد أولاده وله عدة أولاد وجهل اسمه أنه يميز بالقرعة (٤) .
стр. 857
وقال الشيخ تقي الدين: يعطي من ليس له أب يعرف ببلاد الإسلام.
قال: ولا يعطي كافرًا (١) .
وإذا زرع البطن الأول من أهل الوقف في الأرض الموقوفة ثم ماتوا وانتقل إلى البطن الثاني كان مبقي إلى أوان جذاذه بأجرة. وقال أبو العباس في موضع آخر: تجعل مزارعة بين الزارع ورب الأرض لنموه من بذر أحدهما وبذر الآخر. وكذا الحكم في أرض الإقطاع المزروعة إذا انتقل إلى مقطع آخر والزرع قائم فيها.
وشجر الجوز الموقوف إن أدرك وإن قطعه في حياة البطن الأول فهو له. فإن مات وبقي في الأرض مدة حتى زاد كانت الزيادة حادثة من منفعة الأرض التي للبطن الثاني والأصل الذي ورث الأول، فإما أن يقسم الزيادة على قدر القسمين، وإما أن يعطي الورثة أجرة الأرض للبطن الثاني.
وإن غرسه البطن الأول من مال الوقف ولم يدرك إلا بعد انتقاله إلى البطن الثاني فهو لهم. وليس لورثة الأول فيه شيء (٢) .
ومن وقف وقفًا مستقلاً ثم ظهر عليه دين ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف وهو في مرض الموت بيع باتفاق العلماء. وإن كان الوقف في الصحة فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره، ومنعه قوي.
قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير وقد ثبت أن النبي ﷺ باع المدبر في الدين. والله أعلم.
стр. 858
وإذا وقف الواقف وعليه دين مستغرق وأثبت عند الحاكم ولم يتعرض لصحة الوقف ولم يعلم الموقوف عليهم ثم مات الواقف فرد الموقوف إلى الموقوف عليهم وطلب أرباب الديون ديونهم ورفعت القضية إلى حاكم يرى بطلان هذا الوقف من جهة شرط النظر لنفسه وكونه يستغرق الذمة بالدين وكونه لم يخرجه من يده فهل يجوز نقضه؟ فيقال حكم الحاكم بما قامت به البينة والقضاء بموجبه والإلزام بمقتضاه لا يمنع الحاكم الثاني الذي عنده أن الواقف كانت ذمته مشغولة بالديون حين الوقف أن يحكم بمذهبه في بطلان هذا الوقف، ويصرف المال إلى الغرماء المستحقين للوفاء. فإن الحاكم الأول في وجوه هؤلاء الخصوم ونوابهم لا يتضمن حكمه عمله بهذا الفصل المختلف فيه. وإذا صادف حكمه مختلفًا فيه لم يعلمه ولم يحكم فيه جاز نقضه (١) .
لو شرط في الوقف أن يبيعه بطلا. وقيل: يبطل الشرط. قال الشيخ تقي الدين ﵀: يصح في الكل نقله عنه في الفائق (٢) .
قال الشيخ تقي الدين: يجب بيعه بمثله مع الحاجة، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة. ولا يجوز بمثله لفوات التعيين بلا حاجة (٣) .
وجوز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة كجعل الدور حوانيت والحكورة المشهورة.
ولا فرق بين بناء وبناء وعرصة بعرصة (٤) .
стр. 859
وإن علم أن وقفه لا يبقى دائمًا وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد (١) .
ولو جمع كفن ميت فكفن وفضل من ثمنه شيء صرف في تكفين الموتى أو رد إلى المعطي، وكلام أحمد يقتضيه (٢) . وما فضل عن حاجة المسجد صرف إلى مسجد آخر؛ لأن الواقف له غرض في الجنس، والجنس واحد. وقد روى الإمام أحمد عن علي أنه حض الناس على إعطاء مكاتب في كتابته ففضل شيء عن حاجته فصرفه في المكاتبين.
وقال أبو العباس في موضع آخر: ويجوز صرفه في سائر المصالح وبناء مساكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه (٣) .
ولو وقف مسجدًا وشرط إمامًا وستة قراء وقيمًا ومؤذنًا وعجز الوقف عن تكميل حق الجميع ولم يرض الإمام والمؤذن والقيم إلا بأخذ جامكية مثلهم صرف إلى الإمام والمؤذن والقيم جامكية مثلهم مقدمة على القراء؛ فإن هذا هو المقصود الأصلي (٤) .
ولورثة إمام مسجد أجرة عمله في أرض المسجد كما لو كان الفلاح غيره، ولهم من مغله بقدر ما باشر مورثهم (٥) .
باب الهبة والعطية
وإعطاء المرء المال ليمدح به ويثني عليه مذموم. وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه ولئلا ينسب إلى البخل مشروع؛ بل هو محمود مع النية الصالحة.
стр. 860
والإخلاص في الصدقة ألا يسأل عوضها دعاء من المعطي، ولا يرجو بركته وخاطره ولا غير ذلك من الأقوال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (١) .
وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافأة من التطفيف، وقاله مقاتل، وكذا اختار شيخنا في رده على الرافضي أن من العدل الواجب مكافأة من له يد أو نعمة ليجزيه بها (٢) .
وجوز الحارثي تجويزها على شرط واختاره الشيخ تقي الدين. ذكره عنه في الفائق (٣) .
ولا توقيتها. وذكر الحارثي الجواز، واختاره الشيخ تقي الدين (٤) .
وأن شرط رجوعها إلى المعمر بكسر الميم عند موته، أو قال هي لآخرنا موتًا صح الشرط. هذه إحدى الروايتين اختاره الشيخ تقي الدين (٥) .
وإن شرط ثوابًا مجهولاً لم تصح. وعنه أنه إذا قال: يرضيه بشيء فيصح، وذكره الشيخ تقي الدين ظاهر المذهب (٦) .
لا يصح الإبراء من الدين قبل وجوبه. وجزم جماعة بأنه تمليك، ومنع بعضهم أنه إسقاط وأنه لا يصح بلفظ الإسقاط، ومنع أيضًا أنه لا يعتبر قبوله، وقال: العفو عن دم العمد تمليك أيضًا. إن وجدت قضاء
стр. 861
فاقض وإلا فأنت في حل. قال في الفروع: وهذا متجه واختاره شيخنا (١) .
واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر. بخلاف البيع.
وتصح هبة المجهول كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو من وجد شيئًا من مالي فهو له. وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه.
وللمبيح أن يرجع فيما قال قبل التمليك. وهذا نوع من الهبة يتأخر القبول فيه عن الإيجاب كثيرًا وليس بإباحة (٢) .
قال أبو العباس: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولاً واحدًا. وقاسه أبو الخطاب على البيع (٣) .
وإن حملوا الجهاز مع البنت إلى بيتها على الوجه المعروف فهو تمليك لها. فلا تقبل دعوى أمها أن الجهاز ملكها. وليس للأم الرجوع به، ولا للأب أيضًا بعد أن تعلقت رغبة الزوج وزوجت على ذلك (٤) .
ومن وهب لابنه هبة ثم تصرف فيها فادعى أنه ملكه تضمن ذلك الرجوع؛ لأنه أقر إقرارًا لا يملك إنشاءه (٥) .
ومن اشترى عبدًا فوهبه شيئًا حتى أثرى، ثم ظهر أنه كان حرًا فله أن يأخذ منه ما وهبه لما كان ظانًا أنه عبده (٦) .
стр. 862
لو تباريا وكان لأحدهما دين مكتوب فادعى استثناءه بقلبه ولم يبرئه منه قبل قوله. ولخصمه تحليفه. ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ (١) .
فصل
ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم، وهو مذهب أحمد، مسلمًا كان الولد أو ذميًا.
ولا يجب على المسلم التسوية بين أولاده من أهل الذمة، ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام والإخوة مع وجود الأب. ويتوجه في ولد البنين التسوية كآبائهم. فإن فَضَّل - حيث منعناه- فعليه التسوية أو الرد، وينبغي أن يكون على الفور. وإذا سوى بين أولاده في العطاء فليس له أن يرجع في عطية بعضهم.
والأحاديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضًا، وهو في ماله، ومنفعته التي ملكهم، والذي أباحهم كالمسكن، والطعام.
ثم هنا نوعان: نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك. فتعديله بينهم فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه. ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
ونوع يشتركون في حاجتهم إليه: من عطية أو نفقة أو تزويج فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه. وينشأ بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة: مثل أن يقضي عن أحدهم دينًا وجب عليه
стр. 863
من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة ونحو ذلك ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر.
وتجهيز البنات بالنحل أشبه، وقد يلحق بهذا. والأشبه أن يقال في هذا: أنه يكون بالمعروف فإن زاد على المعروف فهو من باب النحل. ولو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر أنفق عليه قدر كفايته. وأما الزيادة فمن النحل. فلو كان أحد الأولاد فاسقًا فقال والده لا أعطيك نظير إخوتك حتى تتوب فهذا حسن يتعين استتابته. وإذا امتنع من التوبة فهو الظالم لنفسه، فإن تاب وجب عليه أن يعطيه. وأما إن امتنع من زيادة الدين لم يجز منعه. فلو مات الوالد قبل التسوية الواجبة فللباقين الرجوع، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن بطة وأبي حفص.
وأما الولد المفضل فينبغي له الرد بعد الموت قولاً واحدًا. وهل يطيب له الإمساك؟ إذا قلنا لا يجبر على الرد فكلام أحمد يقتضي روايتين، فقال في رواية ابن الحكم: وإذا مات الذي فُضِّل لم أطيبه له، ولم أجبره على رده. وظاهره التحريم، ونقل عنه أيضًا.
قلت: فترى على الذي فضل أن يرده؟ قال: إن فعل فهو أجود وإن لم يفعل ذلك لم أجيره. وظاهره الاستحباب.
وإذا قلنا برده بعد الموت فالوصي يفعل ذلك. فلو مات الثاني قبل الرد والمال بحاله رد أيضًا.
لكن لو قسمت تركة الثاني قبل الرد أو بيعت أو وهبت فههنا فيه نظر؛ لأن القسمة والقبض تقرر العقود الجاهلية، وهذا فيه تأويل، وكذلك لو تصرف المفضل في حياة أبيه ببيع أو هبة واتصل بهما القبض ففي الرد نظر، إلا أن هذا متصل بالقبض في العقود الفاسدة (١) .
стр. 864
وللأب الرجوع فيما وهبه لولده ما لم يتعلق به حق أو رغبة، فلا يرجع بقدر الدين وقدر الرغبة، ويرجع فيما زاد.
وعن الإمام أحمد فيما إذا تصدق على ولده: هل له أن يرجع؟ فيه روايتان؛ بناء على أن الصدقة نوع من الهبة، أو نوع مستقل.
وعلى ذلك ينبني ما لو حلف لا يهب فتصدق: هل يحنث؟ على وجهين (١) .
ويرجع الأب فيما أبرأ منه ابنه من الديون على قياس المذهب، كما للمرأة على إحدى الروايتين الرجوع على زوجها فيما أبرأته به من الصداق.
ويملك الأب إسقاط دين الابن عن نفسه (٢) .
ولو قتل ابنه عمدًا لزمته الدية في ماله، نص عليه الإمام أحمد وكذا لو جنى على طرفه لزمته ديته (٣) .
وإذا أخذ من مال ولده شيئًا ثم انفسخ سبب استحقاقه بحيث وجب رده إلى الذي كان مالكه مثل أن يأخذ صداقها فتطلق أو يأخذ الثمن ثم ترد السلعة بعيب أو يأخذ المبيع ثم يفلس الولد بالثمن ونحو ذلك فالأقوى في جميع الصور أن للمالك الأول الرجوع على الأب.
وللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء ما لم يتعلق به حق كالرهن والفلس. وإن تعلق به رغبة كالمداينة والمناكحة وقلنا يجوز الرجوع في الهبة ففي التمليك نظر.
وليس للأب الكافر تملك مال ولده المسلم، لا سيما إذا كان الولد
стр. 865
كافرًا فأسلم، وليس له أن يرجع في عطيته إذا كان وهبه إياها في حال الكفر فأسلم الولد. فأما إذا وهبه في حال إسلام الولد ففيه نظر.
وقال أبو العباس في موضع آخر: فأما الأب والأم الكافران فهل لهما أن يتملكا من مال الولد المسلم أو يرجعا في الهبة؟ يتوجه أن يخرج فيه وجهان على الروايتين في وجوب النفقة مع اختلاف الدين؛ بل يقال: إن قلنا لا تجب النفقة مع اختلاف الدين فالتملك أبعد. وإن قلنا تجب النفقة فالأشبه ليس لهما التملك. والأشبه أنه ليس للأب المسلم أن يأخذ من مال ولده الكافر شيئًا؛ فإن أحمد علل الفرق بين الأب وغيره بأن الأب يجوز أخذه من مال ابنه، ومع اختلاف الدين لا يجوز (١) .
والأشبه في زكاة دين الابن على الأب أن يكون بمنزلة المال التاوي كالضال فيخرج فيه ما خرج في ذلك. وهل يمنع دين الأب وجوب الزكاة والحج وصدقة الفطر والكفارة المالية وشراؤه العبد ليعتقه؟ يتوجه ألا يمنع ذلك لقدرته على إسقاطه. ويتوجه أن يمنع لأن وفاءه قد يكون خيرًا له ولولده.
وعقوبة الأم والجد على مال الولد قياس قولهم أنه لا يعاقب على الدم والعرض ألا يكون عليهما حبس ولا ضرب للامتناع من الأداء. وقوله ﵊: «أنت ومالك لأبيك» يقتضي إباحة نفسه كإباحة ماله، وهو نظير قول موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [٢٥/٥] وهو يقتضي جواز استخدامه، وأنه يجب
على الولد خدمة أبيه. ويقويه منعه من الجهاد والسفر ونحو ذلك فيما
стр. 866
يفوت انتفاعه به؛ لكن هذا يشترك فيه الأبوان. فيحتمل أن يقال: خص الأب بالمال. وأما منفعة البدن فيشتركان فيها.
وقياس المذهب جواز أن يؤجر ولده لنفسه مع فائدة فيشتركان فيها.
وقياس المذهب جواز أن يؤجره لنفسه مع فائدة الولد مثل أن يتعلم صنعة أو حاجة للأب، وإلا فلا.
ويستثنى ما للأب أن يأخذه من سرية الابن إن لم تكن أم ولد (١) فإنها تلحق بالزوجة ونص عليه الإمام أحمد في أكثر الروايات. وعنه ألحقنا سرية العبد بزوجته في إحدى الروايتين في أن السيد لا ينتزعها (٢) .
وسأله ابن منصور وغيره: يأكل من مال ابنه؟ قال: نعم، إلا أن يفسده فله القوت، ولا يصح تصرفه فيه قبل تملكه على الأصح. وقال شيخنا: ويقدح في أهليته لأجل الأذى سيما بالحبس (٣) .
فصل
في تبرعات المريض
ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المخوفة. وليس الهلاك فيه غالبًا ولا مساويًا للسلامة. وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت فيضاف إليه ويجوز حدوثه عنده. وأقرب ما يقال: ما يكثر الموت منه، فلا عبرة بما يندر
стр. 867
الموت منه. ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة؛ لكن يبقى ما ليس مخوفًا عند أكثر الناس والمريض قد يخاف منه، أو هو مخوف والرجل لم يلتفت إلى ذلك فيخلط (١) ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفًا عند جمهور الناس (٢) .
ذكر القاضي: أن الموهوب له لا يقبض الهبة ويتصرف فيها مع كونها موقوفة على الإجازة. وهذا ضعيف. والذي ينبغي: أن تسليم الموهوب إلى الموهوب له لم يذهب لعلة حيث شاء.
وإرسال العبد المعتق أو إرسال المحابي لا يجوز؛ بل لا بد أن يوقف أمر التبرعات.
ويملك الورثة أن يحجروا على المريض إذا اتهموه بأنه تبرع بما زاد على الثلث: مثل أن يهب ويتصدق ويهب ويحابي ولا يحسب ذلك، أو يخافون أن يعطي بعض المال لإنسان تمتنع عطيته، ونحو ذلك. كذلك لو كان المال بيد وكيل أو شريك أو مضارب وأرادوا الاحتياط على ما بيده بأن يجعلوا معه يدًا أخرى لهم فالأظهر أنهم يملكون ذلك أيضًا.
وهكذا يقال في كل عين تعلق بها حق الغير كالعبد الجاني والتركة.
فأما المكاتب فللسيد أن يثبت يده على ماله. فيمكن الفرق بينه وبين هذا بأن العبد قد ائتمنه بدخوله معه في الكتابة؛ بخلاف المريض. وأما وكيله فإن الورثة لم يأتمنوه. ودعوى المريض فيما خرج عن العادة ينبغي أن تعتبر من الثلث. ومنافعه لا تحسب من الثلث.
стр. 868
وإسراف المريض في الملاذ والشهوات: ذكره القاضي وجوازه محل وفاق.
وقال أبو العباس: يحتمل وجهين، ولو قال لعبده يا سالم: إذا أعتقت غانمًا فأنت حر، وقال أنت حر في حال إعتاقي إياه، ثم أعتق غانمًا في مرضه ولم يحتملهما الثلث -قياس المذهب- وهو الأوجه أن يقرع بينهما فإذا خرجت القرعة لسالم عتق دون غانم. نعم لو قال: إذا أعتقت سالمًا فغانم حر، أو قال: إذا أعتقت سالمًا فغانم حر بعد حريته. فبهذا يعتق سالم وحده؛ لأن عتق غانم معلق بوجود عتقه لا بوجود إعتاقه (١) .
ولو أوصى لوارث أو لأجنبي بزائد على الثلث فأجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي صحت الإجازة بلا نزاع. وكذلك قبله في مرض الموت. وخرجه طائفة من الأصحاب رواية من سقوط الشفعة بإسقاطها قبل البيع. وإن أجاز الوارث الوصية وقال: ظننت قيمته ألفًا فبانت أكثر قبل وكذا لو أجاز، وقال: أردت أصل الوصية (٢) .
ولا تصح إجازتهم ولا ردهم إلا بعد موت الموصي. وعنه تصح إجازتهم قبل الموت في مرضه. قال في القاعدة الرابعة: الإمام أحمد شبهه بالعفو عن الشفعة فخرجه المجد في شرحه على روايتين، واختارها صاحب الرعاية والشيخ تقي الدين (٣) .
قال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب: أنه ليس للإنسان يتملك من مال ابنه في مرض موت الأب ما يخلف تركة؛ لأنه بمرضه قد
стр. 869
انقطع السبب القاطع لتملكه، فهو كما لو تملك في مرض موت الابن (١) .
ويصح معاوضة مريض بثمن مثله. وعنه مع وارث بإجازة اختاره في الانتصار؛ لفوات حقه من المعين. وقال الشيخ تقي الدين: فيمن أجر الموقوف لأجنبي كفضولي (٢) .
стр. 870
كتاب الوصايا
فإن جرح جرحًا موصيًا صحت توبته، والمراد مع ثبات عقله لصحة وصية عمر وعلي ... وذكر الشيخ وغيره: أن حكم من ذبح أو أبينت حشوته وهي أمعاؤه لا خرقها وقطعها فقط فهو كميت (١) .
ولا يجوز لوارثه بثلثه ولا بأكثر منه لغيره نص عليه. وفي التبصرة: يكره. وعنه: في صحته من كل ماله. نقله حنبل. ويصح على الأصح بإجازة الورثة لهما بعد موت الموصي كالرد. وعنه وقبله في مرضه خرجها القاضي أبو حازم من إذن الشفيع في الشراء، ذكره في النوادر واختاره صاحب الرعاية وشيخنا (٢) .
ومن أجازها بجزء مشاع وقال: ظننت قلة المال قبل ... قال شيخنا: وإن قال: ظننت قيمته ألفًا فبان أكثر قبل، وليس نقضًا للحكم ببينة أو إقرار. قال: وإن أجاز وقال: أردت أصل الوصية قبل (٣) .
ونقل حرب فيمن وصى لأجنبي وله قرابة لا يرثه محتاج يرد إلى قرابته. وذكر شيخنا رواية: له ثلثاها وللموصى له ثلثها (٤) .
стр. 871
باب الموصى له
وتصح الوصية للحمل. وقياس المنصوص في الطلاق: أنها إذا وضعته لتسعة أشهر استحق الوصية إذا كانت ذات زوج أو سيد يطأ. ولأكثر من أربع سنين إن اعتزلها وهو الصواب (١) .
وإن وصف الموصى له أو الموقوف عليه بخلاف صفته مثل أن يقول: على أولادي السود وهم بيض أو العشرة وهم اثنا عشر. فههنا: الأوجه إذا علم ذلك أن يعتبر الموصوف دون الصفة. وقد يقال ببطلان الوقف والوصية كمسألة الإبهام، وقد يقال: يصح في مسألة القدر ويعطى العشرة إما بتعيين في الوصية بالقرعة في الوقف. والذي يقتضيه المذهب أن الغلط في الصفة لا يمنع الورثة صحة العقد (٢) .
إذا أوصى لولده في دخول ولد بنيه حكم الوقف قاله في الفروع وغيره. وأشار الشيخ تقي الدين إلى دخولهم في الوقف دون الوصية؛ لأن الوقف يتأبد والوصية تمليك للموجودين فيختص بالطبقة العليا الموجودة (٣) .
إذا أوصى أن يحج عنه بألف فقال رجل: أنا أحج بأربعمائة وجب إخراج جميع ما أوصى به إن خرج من ثلثه، وإن لم يخرج لم يجب على الورثة إخراج الزائد على الثلث؛ إلا أن يكون واجبًا بحيث لا يحصل حجة الإسلام إلا به (٤) .
وإذا أوصى لأخته كل يوم بدرهم واتسع ماله كل يوم لدرهم أعطيت إن كان ثلث ماله يتسع أو أجازه الورثة. ولو لم يخلف إلا عقارًا
стр. 872
أعطيت من مغله أقل الأمرين من ثلث المغل أو من الدراهم الموصى بها (١) .
ولو وصى بفكاك الأسرى أو وقف مالاً على فكاكهم صرف من يد الموصي ووكيله، ولوليه أن يقترض عليه ثم يوفيه منه. وكذلك في سائر الجهات.
ومن افتك أسيرًا غير متبرع جاز صرف المال إليه. وكذا لو اقترض غير الوصي ما لا فك به أسيرًا جازت توفيته منه. وما احتاج إليه الوصي في افتكاكهم من أجرة صرف من المال.
ولو تبرع بعض أهل الثغور بفدائه واحتاج الأسير إلى نفقة الإياب صرف من مال الأسرى. وكذلك لو اشترى من المال الموقوف على افتكاكهم أنفق منه عليه إلى بلوغ محله (٢) .
قال أبو بكر الخلال: لو قال الموصي: أعتق عبدًا نصرانيًا فأعتق مسلمًا أو ادفع ثلثي إلى نصراني فدفعه إلى مسلم ضمن. قال أبو العباس: وفيه نظر (٣) .
والأخ من الأب والأخ من الأم سواء. والأخ من الأبوين أحق منهما. وقال في الفروع: ويتوجه رواية أنه كأخيه لأبيه لسقوط الأمومة كالنكاح. قلت: واختاره الشيخ تقي الدين (٤) .
قال الشيخ تقي الدين: لو جعل الكفر أو الجهل شرطًا في الاستحقاق لم يصح؛ فلو وصى لأجهل الناس لم يصح (٥) .
стр. 873
باب الموصى به
قال أبو العباس في تعاليقه القديمة: ويظهر لي أنه لا تصح الوصية بالحمل، نظرًا إلى علة التفريق؛ إذ ليس النهي عن التفريق يختص بالبيع؛ بل هو عام في كل تفريق؛ إلا العتق وافتداء الأسرى (١) .
وتصح الوصية بالمنفعة أبدًا. ويكون تمليكًا للرقبة، ولا يستحق الورثة منه شيئًا. وإن قصد مع ذلك إبقاء الرقبة للورثة والإيصاء بها لآخر بطلت؛ لامتناع أن تكون المنافع كلها لشخص والرقبة لآخر ولا سبيل لترجيح أحد الأمرين فيبطلان.
أما إن وصى في وقت بالرقبة لشخص وفي وقت بالمنافع لغيره فهو كما لو وصى بعين لاثنين في وقتين (٢) .
إذا نمى الموصى به بوقفه بعد الموت وقبل إيقافه فأفتى الشيخ تقي الدين بأن يصرف مصرف الوقف؛ لأن نماءه قبل الوقف كنمائه بعده (٣) .
إذا نقص الموصى به في سعر أو صفات فقال في «المحرر» : إن قلنا بملكه بعد الموت اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدنى صفاته من يوم الموت إلى القبول. وإن قلنا بملكه من حين القبول اعتبرت قيمته يوم القبول سعرًا وصفة. اهـ قال في القواعد: والمنصوص عن الإمام أحمد في رواية ابن منصور وذكره الخرقي أنه تعتبر قيمته يوم الوصية ولم يحك في المغني فيه خلافًا، فظاهره أنه تعتبر قيمته بيوم الموت على الوجوه كلها. قال الشيخ تقي الدين: هذا قول الخرقي وقدماء الأصحاب. قال: وهذا أوجه من كلام المجد (٤) .
стр. 874
وفي دخول المتجدد بعد الوصية وقبل موت الموصي روايتان. وذكر القاضي فيمن وصى لمواليه وله مدبرون وأمهات أولاد أنهم يدخلون، وعلل بأنهم أموال حال الموت، والوصية تعتبر بحال الموت وخرج الشيخ تقي الدين على الخلاف في المتجدد بين الوصية والموت قال: بل هنا متجدد بعد الموت فمنعه أولى (١) .
الموصى إليه
قال الشيخ تقي الدين ﵀ فيمن أوصى إليه بإخراج حجة أو ولاية إخراجها والتعيين للناظر الخاص إجماعًا. وأن للولي العام الاعتراض لعدم أهليته أو فعله محرمًا (٢) .
ويجب على الوصي تقديم الواجب على المتبرع به، فلو وصى بتبرعات لمعين أو غير معين فمنع الورثة أو جحدوا الدين. قال أبو العباس: أفتيت بأن الوصي يخرج الدين مما قدر عليه مقدمًا على الوصية. وإن اعتقد الورثة أنه نصيب الوصية. وليس هذا مثل غصب المشاع.
وإذا قال: اصنع في مالي ما شئت أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت ونحو ذلك من ألفاظ الإباحة لا الأمر. قال أبو العباس: له أن يخرج ثلثه وله ألا يخرجه فلا يكون الإخراج واجبًا ولا محرمًا، بل هو موقوف على اختيار الوصي.
ولو قال: يدفع هذا إلى يتامى فلان فإقرار بقرينة، وإلا فوصية.
ويجوز للوصي صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عينها الموصي (٣) .
стр. 875
كتاب الفرائض
أركان الإرث، وأسبابه، وموانعه
وذكر الشيخ في فتاويه: إن خرجت حشوته ولم تبن ثم مات ولده ورثه.
وإن أبينت فالظاهر يرثه؛ لأن الموت زهوق النفس وخروج الروح ولم يوجد. ولأن الطفل يرث ويورث بمجرد استهلاله وإن كان لا يدل على حياة أثبت من حياة هذا.
وقد ذكر الشيخ في ميراث الحمل أن الحيوان يتحرك بعد ذبحه شديدًا وهو كميت (١) .
أسباب التوارث: رحم، ونكاح، وولاء عتق إجماعًا.
وقد ذكر عند عدم ذلك كله موالاته، ومعاقدته، وإسلامه على يديه، والتقاطه، وكونهما من أهل الديوان. وهو رواية عن أحمد (٢) .
وقيل يرث عبد سيده عند عدم الورثة واختاره الشيخ تقي الدين (٣) .
ولو قال السيد لعبده: أنت حر مع موت أبيك ورثه لسبق الحرية الإرث.
стр. 876
وإن قال: أنت حر عقب موته أو إذا مات أبوك فأنت حر فهذا يتخرج على وجهين؛ بناء على أن الأهلية إذا حدثت مع الحكم هل يكفي ذلك، أم لا بد من تقدمها (١) ؟
وعنه: أنها عصبة ولد الزنا والمنفي بلعان: اختاره أبو بكر والشيخ تقي الدين وصاحب الفائق (٢) .
والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى الضمان (٣) .
وفي رد شيخنا على الرافضي: أن آية المواريث لم تشمله ﷺ ، واحتج بالسياق قبلها وبعدها. فقيل له: فلو مات أحد من أولاد النبي ﷺ ورثه كما ماتت بناته الثلاث في حياته ومات ابنه إبراهيم؟ فقال: الخطاب في الآية للموروث دون الوارث فلا يلزم إذا دخل أولاده في كاف الخطاب لكونهم مورثين أن يدخلوا إذا كانوا وارثين.
فقيل له: ففي آية الزوجين قال: ﴿وَلَكُمْ﴾ ﴿وَلَهُنَّ﴾ فقال: لم تمت إلا خديجة بمكة قبل نزولها وزينب الهلالية بالمدينة، ومن أين يعلم أنها كانت نزلت وأنها خلفت مالاً. ثم لا يلزم من شمول أحد الكافين له شمول الأخرى (٤) .
стр. 877
الجد والإخوة
والجد يسقط الإخوة من الأم إجماعًا، وكذا من الأبوين أو الأب، وهي رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو مذهب الصديق وغيره من الصحابة ﵃ (١) .
أحوال الأم
والإخوة لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس إلا إذا كانوا وارثين غير محجوبين بالأب، فللأم في مثل أبوين وأخوين الثلث (٢) .
الجدات
ولا يرث غير ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وإن علون أمومة وأبوة. إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم (٣) .
التعصيب
ويرث مولى من أسفل عند عدم الورثة، وقاله بعض العلماء: فيتوجه من ذلك أنه ينفق على المنعم ومنقطع السبب عصبة عصبة أمه، وإن عدمته فعصبتها، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار أبي بكر، وقول ابن مسعود وغيره (٤) .
باب الرد
ولو خلفت المرأة زوجًا وبنتًا وأمًا. فهذه الفريضة تقسم على أحد
стр. 878
عشر للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان. وهذا على قول من يقول بالرد كأبي حنيفة وأحمد.
وعلى قول من لا يقول بالرد كمالك والشافعي فيقسم عندهم على اثني عشر سهمًا: للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة، وللأم سهمان والباقي لبيت المال (١) .
ميراث ذوي الأرحام
يورث ذوي الأرحام جمهور السلف وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وطوائف من أصحاب الشافعي. وقول مالك إذا فسد بيت المال.
والقول الثاني: يرث بيت المال، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية (٢) .
الغرقى ومن عمي موتهم
وخرج أبو بكر ومن بعده منع توارث بعضهم من بعض. وهذا التخريج من المصنف عن الإمام أحمد ﵀ فيما إذا اختلف ورثة كل ميت في السابق منهما ولا بينة، واختاره المصنف والمجد وحفيده الشيخ تقي الدين (٣) .
ميراث أهل الملل
قال ابن القيم ﵀: (فصل) وأما توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثير منهم إلى أنه لا يرث، كما لا يرث الكافر المسلم، وهذا هو المعروف عن الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت
стр. 879
طائفة منهم: بل يرث المسلم الكافر دون العكس. وهذا قول معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا، كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نسائنا.
قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي ﷺ كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورثون (١) .
وأما أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر» المراد به الحربي؛ لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي، إلى أن قال:
قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأن المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي أن الاعتبار في الإرث بالمناصرة، والمانع هو المحاربة.
إلى أن قال: فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك عقيل لنا من دار» .
قال الشيخ: وهذا الحديث قد استدل به طوائف على مسائل فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في الحديث أنه باعها.
إلى أن قال ابن القيم: وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة: وهي توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، وتوريث المعتق عبده بالولاء، وتوريث المسلم قريبه الذمي، وهي مسألة نزاع بين الصحابة
стр. 880
والتابعين. وأما المسألتان الأخيرتان فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع؛ بل المنقول عنهم التوريث.
قال شيخنا: والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع؛ فإن المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة: بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم، وأموالهم، وفداء أسراهم (١) .
وقال الشيخ تقي الدين: يرث المسلم من قريبه الكافر الذمي؛ لئلا يمتنع قريبه من الإسلام، ولوجوب نصرتهم ولا ينصروننا (٢) .
وعند شيخنا يرث (المنافق) ويورث؛ لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ولا جعله فيئًا، فعلم أن الميراث مداره على النظرة الظاهرة. قال: واسم الإسلام يجري عليهم في الظاهر (ع) وعند شيخنا وغيره قد يسمى من فعل بعض المعاصي منافقًا (٣) .
والمرتد إذ قتل في ردته أو مات عليها فماله لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو المعروف عن الصحابة، ولأن ردته كمرض موته.
والزنديق منافق يرث ويورث، لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ... (٤) .
ميراث المطلقة
ومن طلق امرأته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث ورثته إذا كان الطلاق رجعيًا إجماعًا. وكذا إن كان بائنًا عند جمهور أئمة