فإذا وعت المؤسسات التربوية هذه الخاصية وربت المتربين على ذلك غرست فيهم هذه الجوانب التي تعتبر ثمرة وفائدة إبداعية تربوية.
ومن خلال بيان تلك الفقرات يتضح عناية الإسلام بمنهجية الإبداع التربوي، الذي يحقق تلك الفوائد التي تنعكس على نتاج الأعمال الإبداعية، فتحقق فيها فوائد عظيمة تعود بالنفع المبين على الفرد والمجتمع، بل والبشرية أجمع. وهذا ما تفقده وتفتقر إليه التربيات الأخرى.
стр. 37
العقل في منظور التربية الإسلامية
مفهوم العقل
...
المبحث الثاني العقل في منظور التربية الإسلامية
يعتبر العقل في الإنسان المحور الذي من خلاله تلج المناهج التربوية والأساليب التربوية إليه، لتفتق أذهان التلاميذ نحو الإبداع المعرفي، وبقدر معرفة الجهات التربوية للعقل وأهميته توليه اهتمامها وعنايتها، ولذلك جاء هذا المبحث ليلقي الضوء على هذا الجانب في النقاط التالية:
مفهوم العقل:
العقل: هو "القوة المتهيئة لقبول العلم"١ وأصل العقل الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بالعقال٢ وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك٣.
والعقل من حيث الاستفادة منه نوعان:
١- عقل إدراك:
وهو العقل الذي عند كل أحد ما لم يكن مسلوباً بجنون، أو قاصراً لصغر السن، وهو الذي يميز به الناس بين الأشياء في الكثرة والقلة والأعداد، والأحجام، ونحو ذلك. وهذا عند المسلم والكافر وليس له علاقة بالديانة.
стр. 38
٢- عقل رشد:
وهو الذي يعلم به صاحبه فيعمل، وهو العقل الصحيح الذي يقبل الحق إذا علمه، ويبعد عن الشر إذا عرفه، فالذي يعلم الحق ولا يعمل به ليس لديه عقل رشد، وإنما لديه عقل إدراك، حيث أدرك به العلم، ولم يسترشد بذلك ويرشد، قال ابن تيمية رحمه الله١: فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم، ولهذا قال أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢. وأيضا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٤.
فهؤلاء الكفار لديهم عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، ولكنهم فقدوا عقل الرشد بسبب عدم اتباعهم الحق بعد أن تبين لهم.
стр. 39
مكان العقل:
وأما مكان العقل من البدن، فهل هو متعلق بالدماغ، أم متعلق بالقلب؟ فإننا نجد أن الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية تدل على أن مكانه القلب، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ١ فجعل عقل الشيء وتدبره في القلب، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٢. قال المفسرون: أي عقل، وعبر عنه بالقلب لأنه محل استقراره٣. وقال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ٤.
وخُص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وسائر الأعضاء حجبة له، توصل إليه من الأخبار ما لم يكن يأخذه بنفسه، فالعين والأُذن وحاسة الشم، وحاسة اللمس، توصل إليه ما لا يدركه إلا بها، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على صلاحه٥.
وقال الخطيب البغدادي: "وأما العقل فهو ضرب من العلوم الضرورية، محله القلب"٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه غريزة، والحكمة فطنة،
стр. 40
وقيل إنه ضرب من العلوم الضرورية، وكلاهما صحيح، فإن العقل في القلب مثل البصر في العين١ وقيل لابن عباس ﵄ بماذا نلت العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول٢. فدل ذلك على أهمية القلب وعلى أنه هو الذي يعقل به الإنسان، وهذا إذا ما أُريد بالقلب المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقاً، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة واللوزة، فإذا أُريد بالقلب هذا، فالعقل متعلق بدماغه أيضاً، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ، كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ٣.
والعقل يُراد به العلم والعمل كما مر معنا، وأصلهما من الإرادة، والإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريداً إلا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصوراً، ويكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة للدماغ، وكلا القولين له وجهة صحيحة٤.
ومن ذلك يمكن القول بأن هناك ارتباطاً بين الدماغ والقلب في إدراك الأشياء وعقلها، فالدماغ يُدرك الأشياء بالحواس، أو بالتفكير فيها، ثم يعقلها القلب فيرفضها أو يقبلها، فترجع للدماغ مرة أخرى محملة بالقرار من القلب، ويرسل الإشارة اللازمة بسلوك معين، أو بقرار معين، بحسب ما جاء من القلب،
стр. 41
ولذلك فإن الإنسان إذا فكر كثيراً فإنه يشعر بالألم أو التعب في دماغه الواقع في الرأس، وإذا ضرب على رأسه اختل تفكيره وإدراكه، فإذاً هناك ارتباط قوي بين القلب والدماغ، وأن مكان العقل هو القلب، والدماغ وسيط. والله تعالى أعلم.
стр. 42
العقل الفطري والمكتسب:
أساس العقل أنه فطري مطبوع في الإنسان، وهو العقل الذي يعقل ويدرك به، ويعقل به العلم، وبالعلم والدربة يحصل العقل المكتسب، فالعقل الغريزي وسيلة لحصول العقل المكتسب، ولا يمكن أن يكتسب الإنسان عقلاً وهو فاقد العقل الغريزي، قال عبد الله بن المعتز: "العقل كشجرة، أصلها غريزة، وفرعها تجربة، وثمرتها حمد العاقبة، والاختيار يدل على العقل، كما يدل توريق الشجرة على حسنها، وما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدها الهوى"١.
أفرأيت الرجل الذي لا يتقن حرفة معينة، فإنه لا يستطيع أن يبدع فيها ويفكر في أحسن الطرق لأدائها، ولكن بعد أن يتعلمها ويتمرسها، قد يبدع فيها، فما حصل له من خبرة ومن كشف أحسن الطرق لأدائها هو ما يسمى بالعقل المكتسب، أي هو نتيجة تنمية القوى العقلية الغريزية.
فالعقل عقلان: عقل غريزيّ وهو أب العلم ومربيه وثمرته، وعقل مكتسب مستفاد، وهو ولد العلم وثمرته ونتيجته، فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واستقام له أمره، وأقبلت عليه جيوش السعادة من
стр. 43
كل جانب، وإذا فقد أحدهما فالحيوان البهيم أحسن حالاً منه، وإذا انفرد انتقص الرجل بنقصان أحدهما.
وأما آفة فقدهما، أن صاحب العقل الغريزي الذي لا علم ولا تجربة عنده آفته التي يؤتى منها الإحجام، وترك انتهاز الفرصة، لأن عقله يعقله عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها.
وأما صاحب العقل المكتسب فيؤتى من الإقدام بما ليس عند سابقه، فإن علمه بالفرص وطرقها، يلقيه على المبادرة إليها، وعقله الغريزي لا يطيق رده عنها، فإذا رُزق العقل الغريزي عقلا إيمانيا مستفادا من مشكاة النبوة لا عقلاً معيشياً نفاقياً، فإن صاحبه يكون على نقيض أهل العقول المعيشية النفاقية الذين يرون العقل أن يُرضوا الناس على طبقاتهم ويستجلبوا مودتهم على حساب الدين١.
стр. 44
علاقة الإبداع بالعقل:
إن العلاقة بين الإبداع والعقل مترابطة جداً، فالعقل هو الجهاز الذي يفكر به الإنسان، والتفكير هو محور الإبداع، لذلك فإن العلاقة بينهما قوية، كما أن مجالات الإبداع تتنوع بحسب القدرات العقلية المتعددة مثل: "القدرة على الإدراك، والقدرة على التذكر، والقدرة على التخيل، والقدرة على الاستنباط والاستنتاج، والقدرة على التحليل، والقدرة على التركيب، والقدرة
стр. 45
على الاستقراء، والقدرة اللغوية، والقدرة العددية أو الحسابية، والقدرة العملية، ونحوها"١.
ولذلك نلاحظ أن البعض لديه القدرة على الحفظ، لكنه ضعيف مثلا في جانب التحليل، والبعض لديه مهارة وقدرة في الجوانب الحسابية، لكنه ضعيف في جانب آخر، والبعض قد وفقه الله تعالى بأن جمع له قدرات متعددة.
ولما أن العقل غريزي ومكتسب، فإن محور عمل التربية يتركز على تنمية العقل المكتسب، من خلال المناهج الدراسية، وأساليب طرق التدريس التي تحرك عقل المتعلم نحو التفكير الجيد البناء، وأن لا يكون أداة للاستماع فقط، فإذا نجحت التربية في هذا استطاعت أن تسهم في تنمية الجوانب الإبداعية لدى المتعلمين.
стр. 46
أهمية العقل:
إن العقل نعمة عظيمة من الله تعالى، وله أهمية كبيرة في حياة الإنسان وذلك لاعتبارات عديدة يمكن تلخيصها فيما يلي:
١- أن العقل مناط التكليف في الإسلام كما جاء في الحديث من قول علي لعمر ﵄: "أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ"٢. فكونه مناط التكليف يدل على أهميته إذ يترتب على وجوده المسئولية والمساءلة من الله تعالى.
стр. 47
٢- أن العقل أحد الضروريات الخمس التي حافظ عليها الشرع، "فإنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة، صيانة لعقولها"١.
٣- أنه وسيلة الإدراك والتعلم والتفكير، حيث إن "القلب للعلم كالإناء للماء، والوعاء للعسل، والوادي للسيل"٢ وقال ابن مسعود ﵁: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف، وينكر به المنكر"٣. فمن ضعف نقده ووهن تمييزه، وقل تفكيره، استسهل السهل لسهولته وإن كان فيه هلكته، واستثقل الثقيل لثقله على نفسه وإن كان فيه فوزه ونجاته في حياته ومعاده.
٤- أن سلوك الإنسان وتصرفاته نتيجة أفكاره، وتصوراته، وإدراكه، لأن أصل الخير والشر من قبل التفكير، فإن التفكير مبدأ الإرادة والطلب في الزهد، والترك والحب والبغض، وأنفع الفكر، الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها٤.
وخير وسيلة لتصحيح الفكر والتصورات التزود بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتدبرهما.
стр. 48
٥- أن العقل أحد أسس الإبداع، فمن ضعف عقله ووهن تفكيره، قل إدراكه وضاقت تصوراته، فقل إبداعه، ومن نمّا فكره وقوي إدراكه، اتسعت تصوراته فكثر إبداعه، وزاد ونما.
٦- أن العقل يُفرق به بين الإنسان والحيوان، حيث إن الحيوان لا يعقل ولا يدرك، وقد شبه الله تعالى من لا يفقه ويتبصر، ويستخدم حواسه وعقله في إدراك الحق كالأنعام، بل أضل من ذلك، لأن الأنعام معذورة لعدم توفر العقل الذي هو وسيلة الإدراك، ولم تكلف، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
стр. 49
النظرة البشرية للعقل:
لقد تشعب الناس إلى طوائف من حيث نظرتهم لمكانة العقل وأهميته، وبناء على ذلك جاءت تصرفاتهم واهتماماتهم بحسب نوعية وجودة الغذاء المعرفي، وترتب على ذلك أن ظهرت تربيات متنوعة بحسب تباين المفاهيم، ويمكن بيان تلك الأقسام على النحو التالي:
١ - نوع من الناس ألّه العقل التابع لهواه، وجعله هو المرجع الرئيس والحاكم على الأشياء، والقائد والمشرع، والموجه والمنظم لحياة الإنسان، وعطله عن معرفة الحق وإدراكه، فهؤلاء يعيشون لشهواتهم، وهؤلاء هم أهل
стр. 50
الكفر بجميع أصنافه، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ ٢.
قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموه على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه٣.
وهذا النوع من الناس هم الذين الَّهوا العقل، وجعلوه حاكماً على قضاياهم وأعمالهم ونتاجهم.
وهذا النوع من الناس ورثوا هذا المنهج الضال عن إبليس لعنه الله، فهو أول من عارض أوامر الله تعالى بالعقل وقدمه عليه، فإن الله تعالى عندما أمره بالسجود لآدم، عارض أمر ربه بقياس عقلي مركب من مقدمتين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٤. وهاتان المقدمتان هما:
стр. 51
١- إحداهما قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ وتقدير ذلك أنا الفاضل فكيف أسجد للمفضول.
٢- والثانية: معلومة من أساس التفاضل التي اعتمد عليها على حد زعمه، وهي المادة التي خُلِق منها، فمن خلق من نار فهو أفضل، فكيف يسجد لمن خُلُق من طين.
فهما قياسان متداخلان، وباطلان أيضاً، من عدة وجوه، كما وضح ذلك ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى١:
- أنه قياس في مقابلة النص، والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياساً باطلا.
- أنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ وهذا كذب، ومستنده في ذلك باطل، إذ لا يلزم من تفضيل مادة على مادة، تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى.
فالعبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خير وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم، وأن صالحي البشر أفضل من الملائكة، وإن كانت مادتهم نورا، ومادة البشر تراباً، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
أن التراب أفضل من النار لعدة اعتبارات، منها:
- أن طبع النار الطيش والخفة، والأرض الثقل والرزانة.
- أن طبع النار العلو والإفساد، وطبع الأرض الخشوع والإخبات، والله لا يحب المفسدين، ويحب المخبتين.
стр. 52
- أن الأرض مادة الحيوان والنبات والأقوات، والنار بخلافه، فهي حارقة لذلك.
- أن الأرض تعطيك من البركة أضعاف ما تودعه من الحب والنوى، والنار تحرقه. والمعتزلة، والمدارس العقلانية تقدم العقل على النقل، فضلت وأضلت.
٢ - وصنف عطل العقل، فلا يتدبرون ولا يتفكرون، وإنما حياتهم حياة بهيمية، لا يتدبرون آيات الله المبثوثة في الكون وفي أنفسهم ولا يتفكرون في مآلهم ونهاية حياتهم قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٢.
٣ - وأمة من الناس قدمت الشرع على العقل، وأصبح الشرع بمثابة ضوء الشمس للعين، وتحقق عندهم لصحة عقولهم وصفاء منهجهم عدم تعارض
стр. 53
العقل السليم والنقل الصحيح١. وهؤلاء هم أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، عرفوا قدر الشرع وأهميته، وحاجة الناس إليه فاتبعوه، وعرفوا أهمية العقل فلم يعطلوه٢.
وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه٣.
стр. 54
جوانب التربية العقلية والإبداعية
مدخل
...
المبحث الثالث جوانب التربية العقلية والإبداعية
وسائل حفظ وتربية العقل:
أن هناك مفسدات مادية وثقافية تواجه الإنسان وتفتك بعقله وتحرفه عن الصواب، مما يؤكد حاجة الإنسان لما يحفظ عقله من الزيغ والضلال، وينميه، حتى ينتج ويبدع، وهذا يتطلب بيان ما يأتي:
١ - وسائل حفظ العقل.
٢ - وسائل تربية العقل.
٣ - المفسدات العقلية
стр. 55
أولاً: وسائل حفظ العقل:
إن هناك حاجة ماسة لحفظ العقل البشري من وسائل الهلاك والدمار التي تواجهه من خلال وسائل مختلفة، وفي جوانب متعددة، تهوي به في الاتكالية على جهود الآخرين، أو تعطله عن مهامه بإشغاله فيما يضره ولا ينفعه، كوسائل اللهو المكثفة، والمخدرات المتنوعة، والبث المباشر الذي تسلل للبيوت، فانشغل الإنسان بالباطل عن الحق، وبالضار عن النافع، وبالمفضول عن الفاضل، مما يجعل المهام الملقاة على كاهل التربية ضخمة المسؤولية، من خلال المسجد والمدرسة والمنزل، والهيئات التربوية الأخرى.
وإزاء هذه التحديات التي في صراع مع منابع التربية يتأكد أهمية الوقوف على وسائل حفظ هذا العقل ليؤدي مهامه المطلوبة منه، فضلاً عن الإبداع المأمول، ويمكن إيضاح ذلك في النقاط التالية.
стр. 56
١- الأخذ بكل ما تضمنه القرآن الكريم والسنة النبوية، دون قيد أوشرط، والإيمان بهما والعمل بمقتضاهما، دون الرجوع إلى أي منهج آخر للاحتكام إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١. وهذا أمر قطعي لابد من الإيمان والعمل به، ويقتضي هذا عدم تقديم العقل على الشرع، لأن العقل محدود، ناقص، وقد أثبت الله تعالى كمال الشرع وحاكميته عليه، ولا يصح تقديم الناقص حاكماً على الكامل، لأنه خلاف المعقول والمنقول، بل ضد القضية، وهو الموافق للأدلة، فلا معدل عنه٢.
وكان الصحابة ﵃ إذا رأوا رأياً ووجدوا أن سنة النبي ﷺ خلاف ذلك عدلوا عن رأيهم ورجعوا للسنة٣.
والتربية القائمة على هذا المبدأ تغرس في أفرادها الانقياد للشريعة الإسلامية، والإذعان لتوجيهاتها، مما ينمي في الفرد جوانب إبداعية من أبرزها:
- الدقة في التعامل مع نتائج الحضارات وفق النصوص الشرعية.
- صحة الفهم لمقاصد الشريعة التي تجعل المبدع يسخر إنتاجه لخدمة البشرية وصلاحها، لا لدمارها وإفسادها.
- سلامة المعلومات وصحتها من عدم تعارضها مع ما قررته الشريعة.
стр. 57
- بذل الوسع في التحقق من صحة الاستنباطات والاستنتاجات.
- صدق التحليل والتفسير للظواهر والوقائع والحوادث الكونية والتاريخية في منأى عن الهوى والنزعات الشخصية.
٢ - أن لا يكون العمل إلا بدليل شرعي فيما يخص الأعمال العقدية والتعبدية، والمعاملات، ولا يكون توجه الإنسان واجتهاده في حياته وأعماله العامة والخاصة إلا وفق المنهج الإسلامي.
وهذا يجسد عند المسلم أهمية البحث العلمي وفق قواعده المعتبرة، مما ينعكس على إنتاجه الذي يرقى به إلى الدقة.
٣ - محاربة البدع والشبه، عن محيط المجتمع الإسلامي، وتوعية الأمة بالعلم الصحيح، حتى لا ترتكس في بؤرة الجهل الذي يحجبها عن العمل الصحيح. فما انحطاط كثير من المجتمعات الإسلامية إلا لكثرة البدع والشبه، وتفشي الجهل الذي حط بظلامه وركابه بينهم.
٤ - محاربة المسكرات والمخدرات بجميع أنواعها، واختلاف مسمياتها، لأنها حجاب فولاذي عن العمل والتفوق.
٥ - أن يعرف الإنسان محدودية عقله، وأن لعقله حدوداً لا يستطيع أن يتجاوزها، قال الشاطبي ﵀ "إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبلاً إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان، وما يكون ومالا يكون إذ لو كان كيف كان يكون؟ فمعلومات الله تعالى لا تتناهى، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوي مالا يتناهى"١.
стр. 58
وهذه الحقيقة قاعدة تربوية عظيمة الأثر، إذ تؤكد أن الإنسان وإن كان مبدعاً في جانب، فلا يعني تفوقه في كل الجوانب، وإذا كان قاصراً في جانب، فقد يكون مبدعاً في جانب آخر، لو بحث عنه لتفوق فيه، وهذا ما يجهله كثير من الناس، حيث يُرَاد من الكل أن يتفوقوا في جانب معين، أو جوانب محددة، فمن أخفق فيها حُكِم عليه بالغباء.
٦- احتضان وتنمية المواهب والقدرات العلمية في جميع المجالات سواء ما يتعلق بأمور التقنية الحديثة، أو التخصصات العلمية، في الطب والهندسة، أو سواها من التخصصات التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية. لأن عدم احتضانها وتنميتها وتوجيهها قد يؤول بها إلى الانحراف، نتيجة غياب التوجيه، وما انحراف كثير من الدراسات عن جادة الطريق إلا لسوء توجيه الدارسين.
стр. 59
وسائل تربية العقل
...
ثانياً: وسائل التربية الإبداعية والعقلية:
إذا تم الحفاظ على العقل، فثمة أمر آخر، وهو القيام بتنميته ليكون مثمراً مبدعاً، وهذه الوسائل قد تشتمل على ما يساعد على حفظه أيضاً، وذلك لصعوبة الفصل بينها فصلاً دقيقاً، ويمكن عرض ذلك فيما يلي:
١- تدبر آيات الله القرآنية:
إن تدبر آيات الله القرآنية عبادة وفقه وتنمية للعقل على الخير، كما أن في ذلك حفظاً لعقل الإنسان من طرق الهلاك والضلال، وقد أمر الله تعالى بتدبر القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ١.
فإن المعرضين عن كتاب الله تعالى، لو تدبروا القرآن الكريم لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية٢ ومن يمتلئ قلبه بالإيمان والإيقان ويعرف طريق الخير، وطريق الشر، يتوجه للخير، وفعل الخير على أحسن وجه.
وفي تدبر آيات الله القرآنية تفتيح للعقول، وهداية وتوفيق وعون لها نحو التفوق. والمرء بأمس الحاجة إلى توفيق الله وعونه ليحقق مبتغاه في علمه ومهنته وإدارته، وفي جميع شؤونه.
стр. 60
٢ - تدبر آيات الله الكونية:
إن الإنسان يستطيع أن يشاهد ويلاحظ ما تستطيع حواسه أن تدركه من آيات الله الكونية المبثوثة في الكون، كالجبال والسهول والأودية والأشجار والنجوم، وغيرها من آيات الله الكونية، وهي آيات عظيمة تدل على عظمة الخالق ﵎، فتربي الإنسان على صحة التوجه وسعة النظر، وكلما تأمل المؤمن في مخلوقات الله تعالى ازداد إيمانه واتسعت آفاقه وتفكيره، وقد بين ﵎ أن آياته تدل على الحق، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١.
فليتأمل الإنسان مثلاً: الحكمة البديعة في تيسيره على عباده ما هم أحوج إليه، فكل ما كانوا أحوج إليه كان أكثر وأوسع، وكلما استغنوا عنه كان أقل، وإذا توسطت الحاجة توسط وجودها، فاعتبر هذا بالأصول الأربعة: التراب والماء والهواء والنار، وتأمل سعة ما خُلِقَ منها وكثرته، فتأمل سعة الهواء وعمومه ووجوده بكل مكان، ولولا كثرته وسعته وامتداده في أقطار العالم لاختنق العالم من الدخان والبخار المتصاعد، وتأمل حكمة ربك في أن سخر لها الرياح، فإذا تصاعد أحاله سحاباً أو ضباباً، فذهب عن العالم شره، فسل الجاحد من الذي دبر هذا التدبير؟ وهل يقدر العالم لو اجتمعوا أن يحيلوا ذلك سحاباً ويذهبوه عن الناس؟ ولو شاء الله تعالى لحبس الرياح فاختنق من على وجه الأرض٢.
стр. 61
فهذا التدبر إذا وسعته المناهج الدراسية أحدثت عند المتربي بُعْد النظر، وسعة الأفق، وحُسن الاستنتاج والاستنباط، وسلامة التحليل والتفسير، وربط الأسباب بالمسببات، وبخالق الأسباب ومدبر الأحوال.
٣ - تدبر العواقب:
مما يساعد الإنسان على نمو الجانب التفكيري وحسن الإبداع تعقل الأمور وتدبر عواقب ما يريد أن يقدم عليه، فينظر ما هي عواقبه ونتائجه عليه في دار معاده ومعاشه، وهل هي لذة وقتية يتبعها ألم دائم وحسرة قد لا تنقطع، أو ضد ذلك؟
فمثلاً: من طبيعة "الفضائل أنها مستحسنة مستثقلة، والرذائل مستقبحة ومستخفة"١ فمن ضعف تفكيره ووهن تميزه وقل نقده استسهل السهل لسهولته وإن كان فيه هلكته، واستثقل الثقيل لثقله على نفسه وإن كان فيه فوزه ونجاته.
كما أن في تدبر العواقب تدريباً للذهن على القياس، وربط نتائج الصور المتشابهة، واستنتاج القواعد من الحوادث المتماثلة، وفي هذا تدريب للعقل على التفكير والإبداع.
٤- حسن النقد والتمييز:
إن من أهداف التربية تهذيب الإرادة، وتنمية التفكير ليميز الغث من السمين، والحسن من القبيح، واختيار الفضائل وتجنب الرذائل حتى لا يكون
стр. 62
عبد شهوته من جهة، وإمعة من جهة أخرى، ويغتر بكل قول، ويجذبه كل ناعق، وقد جاء في الحديث أن يوطن الإنسان لنفسه، قال ﷺ : "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا"١.
وتصرفات الإنسان هي وليدة أفكاره "وأصل الخير والشر من قبل التفكير، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض، وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها"٢.
لذلك على المربين أن يشجعوا الأبناء على ممارسة التقويم الذاتي بأنفسهم، حتى تكون لديهم قدرة الاعتماد على النفس واختيار الأفضل والأحسن في ضوء المنهج الإسلامي.
وهذا يربي فيهم سلامة التفكير، وحُسن المنطق، والقدرة على الاستفادة من الأوقات.
٥- تدبر الماضي التاريخي:
إن التاريخ حصيلة تجارب الأمم، وعبرة يعتبر بها الإنسان، ويستفيد منها، وقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية استشراف التاريخ، والتعرف على السنن
стр. 63
الطبيعية والاجتماعية، والإفادة من ذلك في الاعتبار، وبناء الحضارة، والمحافظة عليها من السقوط.
ولكن كشف هذه السنن المطردة لا يمكن أن يتم إلا بالاستقراء التاريخي، ودراسة أحوال الأمم الماضية، والوقوف على عوامل تقدمها، وأسباب سقوطها١.
والآيات القرآنية التي تحث على الاعتبار كثيرة٢ ومن ذلك حثه على الاعتبار من عاقبة الأمم التي كذبت الرسل، وكانوا أصحاب أموال وقوة وعمران، فلما بغوا جاءهم العذاب فلم تنفعهم قوتهم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ٣.
وأما أسلوب عرض الوقائع والأحداث التاريخية دون استجلاء العبر والسنن الإلهية في التمكين والنصر وفي الهزيمة، فلا يزيد شيئاً في الجانب التفكيري، وفي تقوية الجانب الإيماني، وفي الاعتبار والاستفادة، ولذلك فإن الدراسات التاريخية تحتاج إلى هذا النوع البناء من استجلاء العبر، وربط السنن الكونية بالسنن الشرعية الواردة في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
стр. 64
إضافة إلى إبراز مظاهر الحضارة الإسلامية وعمقها، وما أنتجته وأسهمت به في تقدم الأمم، لأن في ذلك باعثاً للهمم نحو التطلع لتحقيق المجد التليد، والاقتداء بِسِيَرِ الأولين في الجد والاجتهاد.
стр. 65
٦- أن تكون التفسيرات للأحداث في ضوء الشرع:
إن تفسير الحوادث الكونية والتاريخية والاجتماعية في معزل عن الشرع يُحدث تصدعاً في البنية المعرفية عند الإنسان، ويتبعها نظرة معملية لذلك، فيفقد بها المتربي المعرفة الشرعية، وربط الأسباب بمسبباتها، وربط ذلك كله بإرادة الله وحكمته وكمال تدبيره ، فينعكس ذلك على الجانب الاعتقادي.
وبالتالي يحجم تفكيره عن الإبداع وسبر غور الأحداث، خاصة في المجال التاريخي والاجتماعي.
ومثال ذلك "السنن الاجتماعية التي أوضحها الله تعالى في القرآن الكريم، أن فشو الظلم وغياب العدل من الأسباب الموجبة لهلاك الأمم، وسقوط الحضارات"١. قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ ٢.
فإذا دُرس سقوط الأمم من خلال العثرات الاقتصادية التي وقعت فيها، وأودت بهلاكها، أو بالهزائم العسكرية وحدها، دون النظر إلى الأسباب الشرعية التي كانت أساساً للأسباب المادية كانت تلك الدراسة التاريخية مادية، لا تبني في صاحبها ولا في القارئ بُعد النظر الذي هو شعلة الإبداع المعرفي.
стр. 66
٧- عدم الاتكالية:
إن الاتكال على الآخرين في كل شيء، والاعتماد عليهم في التنظيم والتخطيط وإيجاد الحلول والبدائل، يجعل عقل الإنسان عقيماً، بعيداً عن التفكير البناء، ويعيق نشاط الذهن الذي يثمر الإبداع الجيد الصحيح.
وعدم الاتكالية إحدى خطوات البحث العلمي الواعي، وهذا الأمر ليس مطلقاً، لأن الآخرين إما نقطة نبدأ منها للبناء، أو للهدم، أو نستعين بها، ولكن الخطأ في الاتكال الكلي دون أن يبذل الإنسان ما في وسعه. ولذلك اشْتُرِط للعمل الإبداعي أن يتحقق فيه أحد الشروط التالية:
- أن يكون النتاج الفكري جديداً، وذا قيمة.
- أن يتضمن تغييراً للأفكار السابقة، إذا كانت خاطئة.
- أن يكون النتاج الفكري عميقاً، أو فيه إثارة شديدة.
- أن تكون صياغة المشكلة مزيلة للغموض١.
وهذه الشروط تؤكد أهمية الابتكار في الإبداع.
٨- تعلم العلم:
إن العلم لقاح العقول، ينميها ويربيها وينير فيها روح الإبداع والبحث العلمي الواعي الرشيد، وأنفع العلوم في لقاح العقول وأكملها علم الشريعة، ثم العلوم التي يحتاجها الإنسان في بناء أمته ومجتمعه، كالاقتصاد والعلوم الزراعية والصناعية والتجارية والإدارية والطبية، وغيرها من العلوم النافعة، فكلما ازداد
стр. 67
الإنسان معرفة في مهنته ازداد إبداعاً وتألقاً في ميدان تخصصه، إذا واكب ذلك رغبة وتطلعاً للأحسن والأكمل.
ومن الأمور المعينة على الإبداع في مجال العلم والتعلم ما يلي:
أ- الاستقراء:
وهي الطريقة التي ينقل بها المعلم ذهن المتعلم من المعلوم إلى المجهول، ومن المحسوس إلى المعنوي، ومن الملموس إلى غير الملموس، وذلك بتدرجهم في الانتقال من الجزء إلى الكل، حتى يستطيع المتعلم أن يصل من الحقائق الجزئية إلى التعميم، أي بتمكين المتعلم باستقرائه للحقائق الجزئية إلى استنباط المبدأ العام، أو القاعدة الكلية١.
ب- الطريقة الكلية:
وهي عكس الطريقة السابقة، حيث ينتقل بذهن المتلقي من القاعدة إلى جزئياتها الأصلية، ومن الكل إلى الجزء، مثل دراسة تعريف معين عن طريق تفتيت مركباته وعناصره الأصلية.
وفي هذه الطريقة يعرض المعلم على المتعلم الحادثة التاريخية - مثلاً - على نحو كلي شمولي، ثم يوضحها ويفسر أجزاءها، وتفصيلاتها بالدليل والبرهان، أو بتحليل الحوادث، أو بضرب الأمثلة٢.
стр. 68
ج- القياس:
هو تسوية فرع بأصل في الحكم١ لوجود علة جامعة بينها "وهو أحد الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية"٢ في الفقه الإسلامي.
والقياس لا ينحصر في الأدلة والأحكام الشرعية بل في كثير من فنون العلم والمهارات. وسواء كان في مجال الفقه أو في مجال الأمور العامة، فإنه وسيلة للإبداع، وحاجة يحتاج إليها الإنسان، فإن تربية المتعلمين على هذا الجانب، يقوي لديهم ربط وقياس الأمور المتشابهة بعضها ببعض، إذا وجدت العلة الجامعة بين الفرع والأصل، أو بين المقيس والمقاس عليه.
د- الحفظ:
ومن الأمور الجديرة بالاهتمام عملية الحفظ والاستذكار، حيث تجعل العلم في متناول الحافظ، يسير معه أين ما حل وارتحل، بعكس الذي يعتمد على الكتب فقط، فإنه يصبح أسيراً لها، لا يفكر إلا بوجودها.
والحقيقة إن هذا لا يعني التقليل من أهمية الكتاب، وإنما القصد أن يتمكن الإنسان بمحفوظه، وأن يتحرر من قيود ارتباطه بالكتاب في كثير من المواقف الطارئة، والمواقف التي لا يتوفر فيها الكتاب.
وفي الحفظ تدريب الذاكرة على ذلك مع سرعة الاسترجاع، وهذا في حد ذاته إبداع، يُعين المرء على التحليل والاستنتاج والقياس، والاستقراء دون
стр. 69
ارتباط مباشر بالكتاب. قال أبو هلال العسكري "وإذا كان ما جمعته من العلم قليلاً وكان حفظاً كثرت المنفعة به، وإذا كان كثيراً غير محفوظ قلت منفعته"١.
وأما من زعم من الناس أن الحفظ ليس له قيمة ولا أثر على الإبداع، وأنه يجعل من الإنسان كتاباً ناطقاً، فإنها دعوة باطلة غير صحيحة، ودليل ذلك أن السلف كانوا يهتمون بالحفظ اهتماماً بليغاً حتى برز منهم مبرزون في الحفظ، فكان لهم قدم علم وفقه، مثل: الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسعيد ابن المسيب وسليمان بن داود الطيالسي وأبي داود وسفيان الثوري وغيرهم٢.
وقد بين السلف أهمية الحفظ في كسب العلم، حيث تطالع ذلك في مصنفاتهم مثل كتاب الحث على الحفظ لابن الجوزي.
كما أنه لا بد أن يلازم الحفظ الفهم السليم الذي يولد الوعي وحُسن الإدراك عند المتلقي، ويرتقي بدرجة حفظه إلى ما يقود للإبداع المعرفي.
٩- الحوار والمناقشة:
إن للأسلوب الحواري في تصحيح المعلومات الخاطئة، والتصورات الباطلة أثراً كبيراً في تقبل صحيح المعلومات والتصورات، وإزالة الملابسات، والمتعلقات الذهنية الخاطئة، لأن فيه قرع الحجة بالحجة، وتفتيح الذهن، وفك ما غلق واستصعب من الفهم والإدراك.
стр. 70
وقد اشتمل القرآن الكريم على آيات كثيرات مبنية على الحوار، وكذا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم١.
وأما أسلوب فرض المعلومات والآراء والأفكار على الآخرين فقد يقبلونها ولكن على غير رضى واقتناع، إما رهبة من عاقبة رد ذلك أو هيبة لذي السن والجاه، ولكن هذا الأسلوب يقتل الإبداع، ويميت حسن التفكير.
١٠- ضرب الأمثال:
إن ضرب الأمثال وتعقلها يثير الجانب الذهني عند الإنسان بتوسعة أفقه، لأن في ضرب الأمثال تقريب المعنى للأذهان وتدريباً على حُسن القياس، وقد اشتمل القرآن الكريم والسنة النبوية على الكثير من الأمثال ألتي جاءت مؤثرة لقوة بيانها ووضوحها وترابط الممثل به والممثل عليه، ومثال ذلك:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
ومثال ذلك من السنة النبوية قوله ﷺ : "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن
стр. 71
يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة"١.
فتلك بعض الوسائل التربوية التي تساعد على حفظ العقل من الزيغ والضلال، وتعمل على تربيته وزيادة مقدرته في الفهم وحسن الإنتاج والإبداع، وهذا الأمر لا تكفي فيه الجهود الفردية، بل يتطلب الأمر أن تكثف جهود البيئات التربوية: كالمدرسة والأسرة وكافة الجهات التربوية الأخرى لبناء الإنسان المسلم بناء صحيحاً، يحقق أهداف التربية الإسلامية، المتمثل في تحقيق العبودية لله تعالى، وعمارة الكون بما يرضي الله ﵎.
стр. 72
ثالثاً: المفسدات العقلية:
إن صاحب العقل السليم يستطيع أن يستفيد من هذه النعمة الكريمة الكبيرة التي تميزه عن سائر الكائنات الحية، لكن بعض الناس اجتالتهم مفسدات العقل، فعطلت عقولهم، وغيرت وجهتهم الحسنة إلى وجهة سيئة، فانعكس ذلك على سلوكهم وتصرفاتهم، ويمكن إيضاح تلك المفسدات المهلكات فيما يلي:
١- مفسدات فكرية:
وهي أن يتصور الإنسان الأمور الغيبية من غير منهج الله تعالى، وأن يتلقى الأوامر والنواهي المتعلقة بتوجيه الجانب العقدي والتعبدي، ونشاطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي من غير منهج الله تعالى١.
ومما يفسد العقل فكراً وتصوراً، إثارة الشبه بين الناس، وإشغالهم، وافتتانهم بها، وكذا الترويج للشعوذة والكهانة، والنظريات الباطلة في التربية والسياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، ونشر اللهو عن طريق وسائل متعددة: كالكتاب والمجلة والصحيفة والمسرح والقصص والسينما والرائي والمذياع، وغير ذلك من الوسائل ذات التأثير الفاعل.
وهذه المفسدات العقلية تنحو بفكر الإنسان منحى يبعده عن مساره الصحيح الذي يحقق فيه الجدية المعرفية أو المهنية التي هي روح الإبداع.
стр. 73
٢- مفسدات حسية:
وهي تلك المفسدات المادية كالخمور والمخدرات والمسكرات بجميع أنواعها، وقد حرمها الإسلام بنصوص شرعية كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ١.
وقوله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة" ٢.
وهذه المفسدات تقوم بتعطيل العقل عن دوره، وحجبه عن مصالحه، وتعتيم الأمور عليه، حتى لا يدرك الخير من الشر، وبالتالي ينحرف بتصرفاته عن مواصفات الرجل العاقل المتزن الذي يقيم الأمور ويعالجها بحكمة وروية.
ومن أهم ما تحجبه عنه معرفة الحق وإدراكه والأخذ به، فتبعده عن طاعة الله تعالى التي خُلِقَ الإنسان من أجل تحقيقها.
كما تبعده عن التفكير في منافعه الدنيوية، والتوجه بجهده العقلي والبدني نحو تنمية قدراته ومواهبه نحو الإبداع والتفوق في المجال الذي يعمل فيه، سواء كان في الإدارة، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الهندسة، أو نحو ذلك.
٣ - المعاصي والهوى:
ومما يفسد العقل الانغماس في المعاصي، واتباع الهوى، فينشغل بذلك عن معرفة مصالحه في دار معاشه ومعاده. وقد حذر الله تعالى من اتباع من اتبع
стр. 74
هواه وذلك لفساده وفساد منهجه، فقال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ١.
والذي يحول بين القلب وبين الحق في غالب الأحوال اشتغال القلب بغير الحق من مفاتن الدنيا، ومطالب الجسد، وشهوات النفس، فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا يمكنها مع ذلك أن ترى الهلال.
أو هو يميل إليه فيصده عن اتباع الحق، فيكون كالعين التي فيها غذى لا يمكنها رؤية الأشياء.
ثم الهوى قد يعترض له قبل معرفة الحق فيصده عن النظر فيه، وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه٢.
وفي الجوانب العامة من مطالب الحياة، قد يفتن الهوى صاحبه، فلا يفكر في مصالحه ليبدع فيها، وإنما ينصب تفكيره في حسد الآخرين، والتطلع إلى ما عندهم، فينشغل بغيره عن ما ينفعه في دار معاشه ومعاده.
стр. 75
الخاتمة
مما سبق يتضح أهمية الإبداع في التقدم والتطور في كثير من المجالات، وقد اهتمت التربية الإسلامية بالجانب الإبداعي، مع توجيهه التوجيه الصحيح، وتحديد إطاره الذي يسير فيه.
ولما أن هناك علاقة بين الإبداع والجانب العقلي الذي هو مناط التكليف، وهو القوة التي يدرك بها الإنسان الأمور، وهو عامل أساسي في الجانب الإبداعي، فقد اهتمت التربية الإسلامية بهذا الجانب اهتماماً كبيراً، حفظاً وتنمية، وحذرته ومنعته من كل ما يحجبه عن معرفة الحق، أو يعيقه ويعطله عن دوره، بل جعلت حفظه أحد الضروريات الخمس التي لا يستغني عنها الإنسان.
كما أنها حددت للعقل مساره الصحيح، والحدود التي لا ينبغي له أن يتجاوزها، وجعلت الشرع نبراسه ونوره، وهو يسير خلفه وفي ضوئه، ويستنير بتوجيهاته.
وهي بذلك تقدم أصولاً تربوية عميقة الفائدة، لمن يسبر غورها، ففاقت جميع التربيات، وأصبح الإنسان مفتقراً إليها غاية الافتقار، ولا سعادة له في دار الدنيا والآخرة إلا بها.
هذا وأحمد الله تعالى على فضله وتوفيقه وامتنانه، واستغفره من أخطائي وتقصيري، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.