اكثر منه ونسبته إليه وحساب قدره من قدره.
واما الغرض المقصود بالاضافة في هذا المكان فهو نسبة شيئين متجانسين ثبات كل واحد منهما بثبات الآخر يدور عليه ولا ينافيه. ومعنى قولنا متجانسين أي انهما تحت جنس واحد من المقولات العشر التي قدمنا انها اجناس الاجناس. والمضافان هما الشيئان اللذان لا يثبت واحد منهما الا بثبات الآخر. وبالجملة فان الاوائل لما رأوا شيئين لا يثبت احدهما الا بثبات الآخر، وان ضم كل واحد منهما إلى صاحبه [نتج] معنى ثالث غيرهما فعجلوا ذلك [٢٦و] المعنى رأسا من رؤوس المقولات وهو الاضافة، فتكلموا عليه مجردا، وان كان لا يتجرد، لكن كما تكلموا على الكيفية مجردة وعلى الكمية مجردة، وعلى الجوهر مجردا، وان كان الجوهر لا يخلو أبدا من كيفية وكمية وزمان ومكان، ولا تخلو الكيفية من جوهر يحملها، ولا تخلو الكمية من معدود، ولا الزمان من ساكن أو متحرك، ولا المكان من متمكن، لكن لتخلص الاشياء المتغايرات ويتبين لكل طالب للعلم حكم كل شيء على انفراده، فإنما أتت البلية في الآراء والديانات من قبل امتزاج الكلام والضعف عن تخليص حكم كل شيء ما هو مخصوص به دون غيره.
والمضاف ينقسم لنظير ولغير نظير؛ فالنظير هو الذي يتفق فيه المضافان بالاسم والاضافة معا، كقولك: المصادق أو الجار أو الاخ أو المعادي فانه لا يكون احد مصادقا لأحد الا وذلك الآخر مصادق له وكذلك المعادي والاخ والجار. وأما الذي من باب هذه الاضافة فالصديق والعدو فقد يكون المرء صديقا لمن ليس له صديقا؟ أي محبا - وكذلك العدو فقد يعادي الإنسان من يحبه ككثير من الابناء لآبائهم وبعض الازواج لبعضهم. واما غير النظير فينقسم قسمين: احدهما ما كانت فيه ذات كل احد من المضافين موجودة قبل الاضافة، مثل المالك والمملوك والزوج والزوجة فان المملوك قد يكون موجودا قبل ان يكون مملوكا وكذلك مالكه. والقسم الثاني ما كانت فيه ذات احد المضافين موجودة قبل الاضافة وقبل المضاف الآخر وذلك كالاب والابن فان ذات
стр. 72
الاب قد كانت موجودة قبل ان يكون ابا، وقبل ان توجد ذات الابن، وان كانا معا في الاضافة، أي انه كان موجودا فلم يكن ابا حتى وجد الابن. وبالجملة فاستحقاق احد المضافين لاسم الاضافة بينهما سواء، لا يتقدم احدهما الآخر فيها، وذلك لأنه إذا ذكر احد المضافين بالاسم الذي يقضي الاضافة دل ذلك على وجود الآخر ضرورة، وهكذا كل مضاف. وكذلك لا يجوز ان نقول ضعف الا ووجب مضعوف، والمضعوف هو نصف لعدد يسمى النصف الثاني إذا اضيف إلى هذا النصف ضعفا له، وهكذا القول في الصغير والكبير والقليل والكثير والخفيف والثقيل والرخو والمكتنز [٢٦ ظ] والمساوي والمثل وغير ذلك مما يقتضي مضافا إليه. والاضافة تقع في جميع المقولات إذا اصبت في ادارتها وايقاع حكمها فانك تقول في الكيفية: الهيئة هيئة للمتهيء بها والمتهيء بالهيئة ذو هيئة والجعد جعد بالجعودة والجعودة جعودة للجعد؛ وكذلك العلم يقتضي عالما والعالم فيما بيننا يقتضي علما؛ وكذلك سائر الكيفيات. وكذلك جميع الكميات: فالعدد يقتضي معدودا والمعدود يقتضي عددا. وكذلك المكان يقتضي متمكنا والمتمكن يقتضي مكانا. وكذلك ذو الزمان يقتضي زمانا والزمان يقتضي ذا زمان. وكذلك القيام والقعود والملك والفعل والانفعال. وإنما تكون الاضافة صحيحة إذا اصبت في لفظ ايقاعها وادارتها. وكذلك قالت الاوائل ان الاضافة موجودة في المقولات كلها بالعرض لا بالطبع، أي انها ليست موجودة في اقتضاء اللفظ لها على كل حال لأنك إذا قلت: الطائر بالجناح طائر كان غير مستقيم لأنك تجد ذا جناح لا يطير كالنعام وتجد ما قد ذهب جناحه بآفة يسمى طائرا، ولكن ان قلت: ذو الجناح بالجناح ذو جناح والجناح لذي الجناح جناح كان قولا صحيحا صوابا فتحفظ من مثل هذا في مناظرتك وفي طلبك الحقائق فانك ربما ألزمت في شيء انه يقتضي شيئا آخر فتجيب إليه وذلك غير واجب عليك والا لزم لك؟ على ما قدمنا - وهذا من أغاليط الارذال الممخرقين وذلك نحو قول بعض الكذابين: الفاعل من اجل فعله جسم، فهذا فاسد جدا لما قد بينا لك لأنه ليس من اجل ان الفاعل فاعل وجب ان
стр. 73
يكون جسما، لكن الصواب في القضية ان نقول: الفاعل بالفعل فاعل أو ذو فعل فهذه قضية صحيحة تعلمها النفس بأول العقل. وقد غالط بعضهم: السميع بالسمع سميع والحي بالحياة حي فأرادوا ان يوجبوا للباري تعالى حياة وسمعنا تعالى عن ذلك علوا كبيرا؛ ونحن لم نسم الباري تعالى حيا من اجل وجود الحياة له فيلزمنا إضافة الحياة إليه، وكذلك التسمية له تعالى بأنه بصير؛ وإنما سميناه حيا وسميعا وبصيرا اتباعا للنص لا للمعنى أوجب وليس شيء من ذلك مشتقا من عرض فيه، تعالى الله عن أقوال الجهلة الملحدين، أو يقع تحت الأجناس والأنواع أو عن [٢٧و] حمل الاعراض فكل هذا تركيب لا يكون الا في محدث وإنما هذه أسماء أعلام للباري تعالى فقط. وكذلك القول في ان المجداف للسفينة مجداف والسفينة بالمجداف سفينة خطأ لكن الصواب ان تقول المجداف للمجدوف مجداف والمجدوف بالمجداف مجدوف. وكذلك لو قال إنسان: الرأس بالإنسان راس والإنسان بالراس إنسان لكان خطأ، إذ قد يكون ذو راس ليس إنسانا لكن الصواب ذو الرأس بالراس ذو رأس والرأس لذي الرأس رأس فهذه الرتبة في غاية الصحة والإضافة. فهذه الرؤوس الأربعة والست البواقي منها مركبات على ما يقع في ابوابها ان شاء الله تعالى.
٥ - القول على الزمان
قدمنا في باب الكمية ما الزمان وما نعنى هذه اللفظة وانها مدة وجود الجرم ساكنا أو متحركا فلو لم تكن مدة، ولو لم تكن مدة لم يكن جرم. وقد ذكرنا في باب الإضافة وجه كون الزمان مضافا، والله جل وتعالى ليس جرما ولا محمولا في جرم فلا زمان له ولا مدة، تعالى الله عن ذلك، ولو كانت له تعالى مدة لكان معه اول آخر غيره، ولو كان ذلك لوقع العدد عليهما ودخلا بعددهما تحت نوع من أنواع الكمية. ولو كان ذلك لكان تعالى محصورا محدثا، تعالى الله عن ذلك. وهو تعالى لا يجمعه مع خلقه عدد إذ لا يكون الشيئان معدودين بعدد واحد الا باجتماعهما في معنى واحد ولا معنى لجمع الخالق والخلق أصلاً.
стр. 74
والزمان ينقسم ثلاثة اقسام: احدها مقيم وهو الذي يسميه النحويون فعل الحال ثم ماض ثم آت وهو الذي يسميه النحويون الفعل المستقبل. وقد اكثروا في الخوض في ايها قبل وإنما ذلك للجهل بطبائع الاشياء وحقائقها. وهذا امر بين وهو ان الحال وهو الزمان المقيم اولها كلها لان الفعل حركة أو سكون يقعان في مدة فإذا كان زمان الفعل اولا لغيره من الازمان، فالفعل الذي فيه اول لغيره من الافعال ضرورة، والزمان المقيم اول الازمنة كلها لأنه قبل ان يوجد مقيما لم يكن موجودا البتة ولا كان شيئا أصلاً، وما كان بشيء فإنما هو عدم فلا وجه للكلام فيه باكثر من انه عدم ولا شيء. ثم لما وجد كان ذلك اول مراتبه في الحقيقة، ثم انقضى وصار ماضيا وصح الكلام فيه لأنه قد كان حقا [٢٧] موجودا. وإنما غلط من غلط في هذا لباب لوجهين: احدهما انه رأى حال نفسه فلما وجد نفسه مستقبلة للامور قبل كونها وللزمان قبل حلوله وقبل مضي كل ذلك، قدر ان الزمان المستقبل قبل المقيم وقبل الماضي وهذا غلط فاحش وجهل شديد، لأنه موافق لنا من حيث لا يفهم. ألا ترى انه إنما جعل الأول في الرتبة كونه مستقبلا لما لم يأت وهذا هو الزمان المقيم على الحقيقة، وفعله ذلك هو فعل الحال لأنه غيره، وهو الذي قلنا فيه قبل اول الازمنة والمقدم من الافعال، ثم جاء ذلك الزمان المستقل والفعل المنتظر معه بعد ذلك. والماضي اشد تحققا من المستقبل لان الماضي قد كان موجدودا ومعنى صحيحا لحسن الاخبار عنه وتقع الكمية عليه والكيفية، والمستقبل بخلاف ذلك كله.
واعلم ان الموجود من هذه الازمنة هو المقيم وحده، والموجود من الافعال هو المسمى حالا الذي هو في الزمان المقيم، لأن الماضي إنما موجود وثابتا وصحيحا وحقيقة وشيئا إذ كان مقيما، ثم لما انتقل عن رتبة كونه مقيما عدم وبطل وتلاشى. والمستقبل إنما يوجد ويصح ويثبت ويصير حقيقة وشيئا إذا كان مقيما واما قبل ذلك فليس شيئا وإنما هو عدم وباطل. فتدبر هذا بعقلك تجده ضروريا يقينا لا محيد عنه ولا سبيل إلى غيره الا لمن كابر حسه وناكر عقله، نعوذ بالله من ذلك. والوجه الثاني ان الذي لم يحقق النظر لما لم يقدر على امساك الزمان
стр. 75
وقتين تفلت عليه ضبط الزمان ولم يكد يتحقق ذلك بحسه. فلتعلم ان الزمان لا يثبت وإنما هو منقض ابدا شيئا بعد شيء والزمان المقيم هو الآن. فان قولك الآن هو فضل موجود ابدا بين الزمان الماضي والزمان الآتي؛ والآن هو الموجود في الحقيقة من الزمان ابدا، وما قبل الآن فماض وما بعد الآن فمستقبل؛ الا ان العبارة في اللغة العربية عن الزمان المقيم والزمان المستقبل بلفظ واحد وهو في اللغة الاعجمية بصيغتين مختلفتين وذلك اوضح في البيان والافهام. الا ان في اللغة العربية إذا اردت تخليص المستقبل محضا ورفع الاشكال عنه أدخلت عليه السين أو سوف فقلت سيكون اوسوف يكون فأتى المستقبل مخلصا مجردا. وام شئت زدت لفظا غير هذا [٢٨ و] وهو مثل قولك غدا أو بعد ساعة أو فيما يستأنف وما أشبه ذلك من الألفاظ التي تحدد معنى الاستقبال مخلصا بلا اشكال. والزمان مركب من جرم ومن كيفية في سكونه أو من حركته ومن عدد أجزاء سكونه أو أجزاء حركاته فلذلك لم يكن رأسا مع الاربع المقولات المتقدمات. والقبل والبعد واقع في الزمان باضافة بعضه إلى بعض.
٦ - القول في المكان
هو ما كان جوابا في السؤال باين: فتقول اين محمد؟ فيقول المجيب: في المسجد أو بالقصر أو في منزله وما أشبه ذلك. والمكان لا يكون البتة إلا جرما، لا يجوز غير ذلك. وإنما تركب المكان من جرم اضيف إلى جرم بمعنى انه لاقى أحد سطوح المكان احد سطوح المتمكن أو بعضها أو جميعها على حسب تمكن المتمكن في المكان. والمتمكن مع المكان ينقسم قسمين: احدهما ان يكون المتمكن متشكلا بشكل المكان الذي هو فيه وذلك مثل كل شيء مائع الاجزاء أو منثورها، في كل جامد الاجزاء أو مجموعها، كالماء في الخابية فانه يتشكل بشكل الخابية حتى لو تمثلته قائما لرأيته في صفة الخابية نفسها، وترى ذلك عيانا إذا جمد الماء فيها بعد ميعانه وانكسرت الخابية، وكالبر والدقيق في الاناء
стр. 76
المربع أو المثلث وغير ذلك من الاشكال فانك ترى كل ذلك أيضاً متشكلا بشكل إنائه أو البيت الذي هو فيه على ما قدمنا، فهذا قسم.
وانتم الثاني ان يكون المكان متشكلا بشكل المتمكن فيه وذلك معكوس القسم الذي ذكرنا وهو كون كل جامد الاجزاء أو مجتمعها في كل مائع الاجزاء أو منثورها ككون الجرم في الماء أو في الهواء فان مكانه فيها متصور بصورته، ويمثل ذلك بجرم بيضة أو عود ادخلته في ماء فجمد الماء حواليهما بعد ان كان مائعا فانك تجده متشكلا بشكل ما هو فيه أي متصور بصورته وهيئته. وكذلك كون الحجر في الدقيق أو البر فان مكانه متشكل بشكله. والهواء جرم من الاجرام ذو جهات ست قابل للمتضادات من الحر والبرد والرطوبة واليبس الا انه لم يكن ملونا لم تقع عليه حاسة البصر فلم ير. وانت تعلم انه جرم بحركتك يدك أو المروحة أو إذا عدا بك فرس سريع فانك تجد جرما ملاقيا لك تحسه حسا قويا لا ينكره إلا جاهل سخيف أو معاند. وكون الاجرام فيه متمكنة وهو مكان لها ككون الحيوان المائي في الماء، متى انتقل [٢٨ ظ] جرم من الاجرام التي في الهواء أو الماء من المكان الذي كان فيه إلى مكان آخر انتقل ما كان في مكانه إلى الذي صار إليه من الهواء ومن الماء إلى المكان الذي خرج عنه؛ والخلاء باطل وتفسيره مكان لا متمكن فيه، إذ المكان من باب الاضافة، فلا يكون متمكن الا في مكان ولا مكان إلا لمتمكن؟ والبرهان على بطلان الخلاء لذكره مكان غير هذا - إلا أنا ندل منه على طرف كاف ان شاء الله لنتم الكلام في طبيعة المكان وهو ما يراه من فعل الاناء المتخذ للهو الصبيان المسمى سارقة الماء وفعل الزرافة والمحسجة فان هذه الاشياء تستحيل بها الاشياء الثقال التي من طبعها الرسوب، عن طبائعها في السفل إلى الارتفاع والتصعد لولوج الهواء من هذه الاشياء أو الماء ولو لم يستخلف مكان كل ذلك جرما آخر لكان ذلك المكان خاليا، ولو كان ذلك لصح الخلاء، فلما لم يكن ذلك أصلا بوجه من الوجوه علمنا ان الخلاء معدوم لا سبيل إليه. وفي هذا كفاية. فان قال قائل: واذا كان جرم يقتضي
стр. 77
مكانا وكان كل مكان جرما فكل مكان يقتضي مكانا ابدا. وأراد بهذا ان يثبت ان لا نهاية لجرم العالم فهذا شغب فاسد، وقد اوضحنا تناهي جرم الفلك والعالم في " كتاب الفصل " فاغنى عن ترداده الا انا نذكر ها هنا منه طرفا ليتم الغرض ان شاء لله. وإنما نورد في هذا الكتاب ما يلق بمعناه المقصود فيه. بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى نتأيد: ان الجرم واقع تحت الكمية نذرعه؟ على ما قدمنا - وكره العالم جرم قد ظهر بالفعل، فالعدد واقع على مساحته ضرورة، ولا يقع العدد الا على محصور به أي معدود به، وقد قدمنا انه لا عدد الا وله اعداد أخر إذا اجتمعت كانت له مساوية، ولا تقع المساواة الا في متناه ضرورة وكل ما وقع عليه الاحصاء بالعدد والكمية فمتناه ولا بد، وايضا فكل عدد خرج إلى حد الفعل فذو أجزاء كنصف وثلث وما اشبه ذلك وكل هذا يوجب النهاية يقينا وهذا من باب الاضافة، فالفلك الذي هو محيط بالعالم كله متناه ضرورة. فان قال قائل: فان الفلك له مكان قيل له، وبالله تعالى التوفيق: كل جزء منه فالجزء الملاصق له هو مكان له غيره لا مكان له البتة وحركته دورية لا ينتقل عن مكانه لكن يصير كل جزء حيث كان الذي يليه فقط، الا ان الصفحة العليا منه لا يلاصقها من اعلاها شيء بوجه من الوجوه لا خلاء ولا ملاء، ولا فوقه لا مكان ولا متمكن ولا مساحة [٢٩ و] ولا يقع عليه الوهم كوجه من الوجوه. وقد قدمنا ان كل جرم فذو ستة سطوح: فوق واسفل ويمين وشمال وامام ووراء، والفوق والاسفل قد يقع في الاضافة لأنه توجد اشياء هي فوق اشياء اخر وقد لا يقعان أيضاً في باب الاضافة من هذا لوجه فان صفحة الفلك العليا فوق ولا فوق له أصلاً، فليست تحتا لشيء البتة، ومركزه كرة الارض تحت له أصلاً فليس فوقا لشيء البية. والمركز المذكور مبدأ من قبلنا وصفة الفلك العليا نهاية لذلك المبدأ أي موقف لا تمادي وراءه. ولسنا نعني بهذا اثبات ان له وراء، بل إنما نعني انه متناهي الذرع لا وراء له ولا فوق ولا بعد أصلاً. وهذا مرادنا في قولنا ان زمانا سابقا لم يكن قبله زمان إنما مرادنا بذلك انه ذو مبدأ قبل فيكون قد تقدم زمان. وصفحة الفلك العليا مبدأ من قبل الطبيعة الكلية أي وجود الاشياء
стр. 78
وعمومها واحاطتها. والمركز المذكور نهاية لذلك المبدأ أي موقف لا تمادي بعده، فجعل الخلق الأول لا اله الا هو. والمكان مركب من كيفية وجوهر مع جوهر.
٧ - باب النصبة
النصبة كيفية صحيحة لا شكل فيها وهي نوع من الانواع الا انهم خصوا بها الاسم فمعنى النصبة هيئة المتمكن في المكان كقيامه فيه أو قعوده أو بروكه واضطجاعه وما اشبه ذلك.
٨ - باب الملك
الملك إضافة صحيحة الا انهم خصوا بهذا الاسم؟ يعني الملك - ما كان من الاضافة متملكا للجوهر كالاموال وما اشبهها وهذا حقيقة الملك. وهو مركب من جوهر مع جوهر واضافة الا ان بعض الاوائل ادخلوا في الملك قولك: لفلان يد ورجل وبه حرارة وما اشبه ذلك، وهذا عندنا قضاء فاسد فلا وجه للاوجه للاشتغال به إذ غرضنا الحقائق وما قام به برهان أو جزء من برهان يوصل إلى معرفتها، وبالله تعالى التوفيق لا اله الا هو.
٩ - باب الفاعل
الفعل تأثير يكون من الجرم المختار أو المطبوع في جرم اخر، اما ان يحيله إلى طبعه فيخلعه عن نوعه ويلبسه نوع نفسه، واما ان يحيله عن بعض [٢٩ظ] كيفياته إلى كيفيات اخر، واما ان يفعل فعلا مجردا كالمحرك والقائم والمفكر وما اشبه ذلك.
واما القسمان الاولان فالاول منها كفعل النار في الماء والهواء فانها تخلعهما عن صفات انواعهما الجوهرية أي تحيلهما نارا. وكالأكل فانه يحيل طبيعة ما اكل إلى نوعه.
واما الثاني فكفعل السكين والحجر والقاطع بها فانهما يحيلان عن الاجتماع
стр. 79
إلى الافتراق، مثل ذلك كثير، وكطبع العناصر المركب منها الإنسان في ان يحيل كل قوي منها ما لاقى من سائرها إلى نوعه ووجد ذلك في كل ما تركب منها فكل امرئ يريد التكثر بغيره في اعراضه، تبارك المدبر لا إله الا هو. والفعل ينقسم قسمين: اما فعل يبقى أثره بعد انقضائه كفعل الحراث والنجار والزواق، واما فعل لا يبقى اثره بعد انقضائه كالسابح والماشي والمتكلم وما اشبه ذلك. والفاعل والمنفعل مركبان من جوهر وجوهر وكيفية.
١٠ - باب المنفعل
المنفعل هو المتهيء لقبول الفعل الذي ذكرنا كالمحترق والمستحيل بالنار والمنقطع بالسكين والمخيط بالابرة وما اشبه ذلك؛ وهذه الاشياء كلها وان كانت إنما تكون بمعاونة غيرها فلولا قبول التأثير في طباعها لم يمكن الفاعل فيها ان يفعل شيئا غيها البتة؛ فان لم يكن ذلك كذلك فليخيط بقناة أو بموزة أو يحرق بنفخه أو يقطع برجله. وهذه المعارضات شغب وسفسطة من المعترضين بها القائلين: لم تحرق النار وإنما احرق بها الإنسان ولا قطعت السكين وإنما قطع الإنسان بها فاردنا بيان ان السكين قوة وفي النار كذلك لولاهما ما امكن الإنسان ان يفعل بهما فعلا مما يحدث عنهما.
واعلم أيضا أن المنفعل يؤثر في الفعل لا بد من ذلك الا انه اقل تأثيرا فانك لو ادمنت الارادة بضابط حديد ذكر صقيل في رق املس رطب لأثر ذلك مع الطول في الضابط تأثيرا يظهر إلى كل من له ادنى حس ظهورا لائحا واضحا. وهكذا كل مؤثر في العالم ولا تحاش شيئا أصلاً وان بعد عن حسك فان مع الطول والتمادي ومرور الدهور المتواترة يظهر ظهورا جليا ولو انه جر اصبع على حديد، فسبحان المؤثر الحق الذي لا يؤثر فيه شيء لا اله إلا هو. وهذه مرتبة تقضى وجود الخالق المؤثر الذي ليس [شيء] مؤثرا فيه [٣٠ و] ضرورة على ما بينا في كتاب الفصل. وذكر الاوائل ان اسطقسين من الاسطقسات الاربع فاعلان وهما: الحرارة والبرودة، وأن اسطقسين منهما منفعلان (١) وهما:
стр. 80
الرطوبة واليبوسة، وهذا حكم صحيح ومرادهم بذلك ان الحرارة والبرودة إذا لقيا شيئا ما رداه إلى طبعهما ولا تفعل ذلك الرطوبة ولا اليبوسة. فان قال قائل: قد ترطب الرطوبة ما قابلت، وتيبس اليبوسة ما لقيت، فالجواب وبالله تعالى التوفيق: إن القضايا التي يوثق بها هي التي تصدق أبدا، لا التي تصدق مرة وتكذب أخرى؛ وليس كل شيء يرطب بملاقاة الرطب. ولا كل شيء يبس بملاقاة اليابس. فلو ألقيت حديد في ماء وأبقيتها فيه ما شاء الله أن تبقى لم ترطب ولا ييبس الماء من أجل ملاقاة الحديد، وأما الحر إذا لقي شيئا فلا بد ان يحره ضرورة، وكذلك البارد لا يلقى شيئا الا برده وبالله تعالى التوفيق.
انتهى الكلام في المقولات العشر والحمد لله كثيرا.
د - الكلام على الغير والمثل والخلاف والضد
والمنافي والمقابلة والقنية والعدم وتفسير
معاني هذه الأسماء
قد قدمنا مرادنا بقولنا شخص وأشخاص، وأخبرنا أنا لا نعني بذلك الجرم وحده لكن كل جزء مجتمع منفرد من جرم أو عرض محمول في جرم. فنقول: شخص سواد هذا الثوب حالك أو مصقول، وشخص حركة هذا المتحرك من هاهنا إلى ها هنا، وشخص هذه المسألة محكم وما أشبه ذلك، اتفاقا منا ليقع بذلك الافهام لمرادنا، ان شاء الله . ولا بد لأهل كل علم وأهل كل صناعة من ألفاظ يختصون بها للتعبير عن مراداتهم وليختصروا بها معاني كثيرة [فنقول] وبالله تعالى نتأيد:
كل شخصين وكل شيئين جمعهما اسم واحد أو اسمان مختلفان لا يخص شيئا دون شيء، فهما متغايران ضرورة، على كل حال، أي أن كل واحد منهما غير الآخر؛ فزيد غير عمرو، وعلم زيد غير علم عمرو، وثوب زيد غير ثوب خالد، وطول زيد غير طول عمرو، وبياض خالد غير بياض محمد، وهكذا كل شيئين أيضا قطعا، وكل موجودين. والخالق تعالى غير خلقه، ولو لم يكن هذا الشيء غير هذا الشيء لكان إياه وهو نفسه، ولا سبيل إلى قسم ثالث؛ وهكذا
стр. 81
كل لفظين فاما أن يكون معنياهما متغايرين (١) ، أي مسمى كل [٣٠ ظ] لفظ من ذينك اللفظين غير المسمى باللفظ الآخر ولا سبيل إلى قسم ثالث بوجه من الوجوه، ولا يتشكل في الوهم ولا يعقل ولا يكون أبدا لفظان معنياهما لاهما متغايران ولاهما لا متغايران، إذ من أشنع المحال أن يكون معنى هذا الاسم ليس هو معنى هذا الاسم ليس هو معنى هذا الاسم الثاني، ولا هو معنى آخر غيره؛ ومن المحال الممتنع الباطل أيضا أن يكون معنى هذا الاسم هو معنى هذا الاسم الثاني وهو أيضا غيره، فهذا يؤدي إلى أن هذا هو هذا، وهذا فساد ظاهر، إذ لا يجوز أن يراد بالاسمين إلا معنى واحدا أو اكثر من واحد. وما عدا هذا فوسواس ونحمد الله تعالى على ما وهب من العقل.
فان اعترض قوم بما ذكر الاوائل من ان الشيء إنما يكون غير الشيء إذ كان جوهره مخالفا لجوهره، فانهم قد قالوا أيضاً: الإنسان هو الحمار بالجنسية أي انهما تحت جنس واحد ولم يريدوا ما نحن فيه. والذي نريد نحن إنما هو ان يكون الشيء لا يغاير هذا الشيء أصلاً بذاته أو يغايره، فان قال قائل: فالجزء هو الكل أو هو غيره فالحقيقة أنه غيره لأن الجزء قد يبطل ولا يبطل الكل فلو لم يكن غيره لما وجد دونه، وإنما الكل لفظة تسمى بها هذه الابعاض كلها في حال اجتماعها، والأبعاض هي الأجزاء، والا فكل بعض غير البعض الآخر. والكل ينقسم قسمين: أحدهما كل يسمى كل جزء من اجزائه باسم كله، وذلك إنما يقع في أشخاص النوع، أو فيما لم يركب من اشياء مختلفة، كأجزاء الماء فكلها تسمى ماء، وأجزاء النار كذلك، وكذلك كل شخص من الإنسان الكلي يسمى إنسانا. والقسم الثاني قسم لا يسمى شيء من اجزائه باسم كله وذلك هو في المركب من عناصر مختلفة، كأعضاء الإنسان، فليس شيء منها يسمى إنسانا، وكذلك الباب فانه مركب من خشب ومن مسامير، والخشبة والمسامير لا تسمى بابا. فمن ناظرك ها هنا فكلفه ان يجد لك معنى التغاير ومعنى الهوية ثم كلمه حينئذ، فان قال قائل: إذا كان بعض الشيء غير الشيء وكل بعض من ابعاضه هو غير كله، والشيء كله إنما هو ابعاضه كلها ليس هو
стр. 82
شيء غيرها أصلا، فالشيء غير نفسه، والبعض غير نفسه، فهذا تمويه لأن الكل إنما هو اسم يقع على الابعاض كلها إذا اجتمعت ولا يقع على شيء منها على انفراده. الا ترى أن [٣١و] البعض إذا فني لا يفنى الكل بفنائه ولا يحد هو بحد كله فإنما اسم " كل " بمنزله اسم إنسان، واليد ليست إنسانا، والرأس ليس إنسانا، والرجل ليست إنسانا، والمعدة ليست إنسانا، فإذا اجتمع كل ذلك حدث له حينئذ اسم الإنسان لا قبل ذلك. وهكذا هو الكل مع اجزائه، إلا أننا في السؤال بيانا ولا ندع للمتحير معنى يتحير فيه فتقول: كل اسمين فانهما لا يخلوان من احد وجهين ضرورة لا ثالث لهما: إما أن يقعا جميعا على شيء واحد أو على اكثر من شيء واحد فلا بد للمسؤول حينئذ من ان يصير إلى احد هذين المعنيين، والا بان انقطاعه وصح حينئذ ان معنى اللفظين معنى واحد، كل واحد من اللفظين يعبر به عن مسمى واحد، وان كل واحد من اللفظين يعبر به عن غير معنى اللفظ الآخر، وان كان معنياهما مغايرين فكل واحد منهما غير الآخر.
ثم نعود، وبالله تعالى التوفيق، فنقول: ثم تنقسم الاشياء بعد التغاير أقساما: فمنها أغيار أمثال كسواد هذا الغراب وسواد هذا الثوب وكالدينار والدينار وكل ما يقع تحت نوع واحد من الانواع التي تلي الاشخاص من جرم أو غيره، ومنها أغيار خلاف كالدينار والدرهم والبياض والحمرة والقيام والاتكاء وكالدينار والحمرة وكل ما وقع تحت نوعين مختلفين أو تحت جنسين مختلفين. الا ان كل ما ذكرنا وان كانت خلافا كما قلنا فهي أيضاً امثال من وجه آخر لاتفاقهما في الرأس الاعلى الذي هو جنس الاجناس، أو لاتفاقهما في الانقسام وان لم يجمعهما جنس اجناس، وفي الحدوث وفي التأليف. واما الباري فخلاف لخلقه كله من كل وجه لا تماثل بينه تعالى وبين جميع خلقه، ولا بينه تعالى وبين شيء من خلقه بوجه من الوجوه البتة. واللفظ الأول وهو التغاير يقع في كل مسميين. وهذان القسمان يقعان في الجواهر والاعراض، وهذا القسم الثاني، أعني المخالفة يقع بين كل موجودين وسواء كانا (١) تحت نوعين مختلفين أو تحت جنسين مختلفين اوكان احدهما مما يقع تحت الاجناس والآخر مما لا يقع تحت الاجناس، ولا بد في كل موجودين ضرورة من ان يكونا مختلفين أو
стр. 83
متماثلين؛ ثم قسمان باقيان لا يقعان الا في الكيفيات، احدهما: أغيار اضداد كالسود والبياض والثاني اغيار متنافية كالحياة والموت والسكون والحركة وما اشبه ذلك. والاضداد هي كل لفظتين اقتسم معنياهما طرفي البعد، وكانا واقعين تحت مقولة واحدة [٣١ ظ] وكان بينهما وسائط؛ فاما تحت نوعين مختلفين تحت جنس واحد كالسواد والبياض اللذين هما واقعان تحت جنس اللون، أو كالجود والشح اللذين هما نوعان واقعان تحت جنسين مختلفين، وهما الفضيلة والرذيلة، واما كالفضيلة والرذيلة اللذين هما جنسان جامعان لما ذكرنا وتجمعهما الكيفية؛ وكل ضدين فهما إنما يدركان بحاسة واحدة لا يجوز غير ذلك، اما ان يدركا معا بالعقل معا بالبصر وما أشبه ذلك من لمس وذوق وشم فتأمل هذا بعقلك تجده يقينا. وكل ضدين فان احدهما ان كان في النفس فان الثاني فيها أيضاً وان كان احدهما في الجرم فان الثاني فيه أيضاً، لا يجوز الا هذا، لأن الاضداد أيضاً تتعاقب على حاملها كالبياض والسواد اللذين في الجسم، والحلم والطيش اللذين في النفس وكذلك سائر اخلاق النفس من العلم والجهل والعدل والجور والورع والفسق والغضب (١) والرضا وسائر اخلاقها. وكذلك سائر الاضداد المتعاقبة على الجرم المركب: من الحر والبرد واليبس والرطوبة، فالمتضادة هي إذا ما وقع احدهما ارتفع الآخر وبينهما وسائط. والمتناهية هي ما اقتسما أيضاً طرفي البعد ولا وسائط بينهما وكان إذا ارتفع احدهما وقع الآخر، وذلك مثل الحياة والموت والاجتماع والافتراق وصحة العضو ومرضه وما اشبه ذلك. وقولنا في هذا المكان: " الحياة والموت " إنما هي مشاحة لا تحقيق، وإنما اردنا بذلك اجتماع النفس مع الجسد المركب من العناصر ففي هذا عبرنا بالحياة، وأردنا بقولنا الموت مفارقة النفس للجسد المذكور، فهذا الاجتماع والافتراق هما المتنافيان وأما الحياة التي هي الحس والحركة الارادية فهي جوهرية في النفس لا تفارق النفس أبدا، وإذ ذلك كذلك فلا ضد للحياة على الحقيقة، لان الضد مع ضده أبدا واقعان متعاقبان أبدا على كل شيء واحد، وكذلك المتنافيان. والمواتية أيضاً على الحقيقة هي عدم الحس والحركة الارادية وإنما هذا في الجمادات. فالموت إذا جوهري أيضاً غير مفارق لها بوجه من الوجوه، فلا ضد للمواتية أيضاً على
стр. 84
الحقيقة على هذا الوجه ولا منافي لها أيضاً ولا للحياة. والجسد المركب من الطبائع الاربع مواتي ابدا لا حياة له بوجه من الوجوه أصلاً [٣٢ و] وإنما الحياة للنفس المتخللة له، ولكنا اضطررنا إلى التعبير بالحياة والموت عن اجتماعهما مع الجسد المذكور ومفارقتهما إياه لعادة الناس لهذين العبارتين عن هذين المعنيين فاردنا التقريب والافهام كما ترى. فمتى رأيت في كتابنا هذا أن الموت ضد الحياة فهذا الذي أردنا فلا تظن بنا خطأ في هذا المعنى، وقد قال بعض أهل الشريعة: إن العلم مضاد الموت، وهذا كلام فاسد، لان النفس بعد مفارقتها الجسد هي أثبت ما كانت قط علما، والجسد المركب لا يعلم شيئا.
والفرق بين المنافي والمضاد أن الضدين بينهما وسائط ليست من احد الضدين كالحمرة والصفرة والخضرة التي بين السواد والبياض وكحال الاعتدال الذي بين الجود والشح على ما نبين في كتابنا في أخلاق النفس (١) ان شاء الله ،
والمنافيان هما اللذان ليس بينهما وسائط فان الحياة والموت فيما يكونان فيه ليس بينهما وسيط لا يكون حياة ولا موة؛ كذلك صحة العضو ومرضه لا يجوز ان يكون العضو صحيحا مريضا، ولا لا صحيحا ولا مريضا. والصحة هـ تصرف العضو في فعله الطبيعي، والمرض هو ضعفه عن ذلك. وكذلك الجور في العدل والحكم: لا يجوز أن يكون حكم لا عدلا ولا جورا ولا عدلا جورا. ولما كان هذان الأمران؟ أعني التضاد والنافاة - معنيين مختلفين احتجنا في العبارة عنهما إلى اسمين متغايرين لئلا يقع الاشكال؛ وقد حد قوم الضد بأنه الذي إذا وقع ارتفع الآخر، وهذا خطأ، لان هذا قول يوجب ان يكون الاتكاء ضد القعود والخضرة ضد الحمرة وهذا خطأ، وإنما هذا من الخلاف والتغاير لا من التضاد، وحد الضد على الحقيقة هو ما عبرنا به آنفا. وأما حال الجسم التي تنفي الضدين معا من بعض الاضداد وبعض المتنافيين فلا يعرف [لها] اسم في الاكثر من مواضعها، كحال نفس الطفل فانه لا يسمى برا ولا فاجرا ولا عالما ولا جاهلا بل كل من هذه الأحوال منفية عنه بلفظة " لا " فنقول: الطفل لا يعلم شيئا ولا يطلق عليه اسم الجهل الا مع امكان العلم، ويقال الطفل ليس برا ولا فاجرا فإذا قوي واحتمل الامرين وقع عليه احدهما على حسب ما يبدو منه، وكالحجر لا يقال عنه حي ولا ميت لكن ننفي عنه كلا الامرين
стр. 85
بلفظة " لا " أو " ليس " فنقول: الحجر ليس حيا ولا ميتا. والميت حيا والأسود أبيض والأبيض أسود وليس ذلك لازما لكن على حسب ما يكون ولكنه ممكن في الأغلب ومتوهم؟ لو كان -[٣٢ ظ] كيف كان يكون في الجملة. وقد يدخل في الامتناع بالفعل لضروب من النصبة المانعة منه في العادة.
أما التقابل فهو ينقسم قسمين: تقابل في الطبع وتقابل في القول فالذي في القول هو الايجاب والسلب، نعني بالايجاب اثبات شيء بشيء كقولك زيد منطق والخمر حرام والزكاة واجبة على مالك مقدار كذا وكذا من المسلمين والعالم محدث ومحمد رسول الله وما أشبه ذلك. والسلب نفي شي عن شيء كقولك زيد ليس أميرا ومسيلمة ليس نبيا والربا ليس حلالا والعالم ليس أزليا وما أشبه ذلك؛ وقد يأتي لفظ الايجاب والسلب كذبا إذا أوجبت الباطل ونفيت الحق. وإنما الفرق بين الايجاب والسلب إدخال الفاظ النفي وهي لا أو ليس أو ما أو الحروف التي تجزم في اللغة العربية الأفعال، بغير معنى الشرط، أو تنصيبها وهي " لم " واخواتها " ولن " وما اشبهها، فيكون نفيا، أو إخراجا فيكون ايجابا.
وأما الذي في الطبع فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها مقابلة الأضداد والمتنافيات، والثاني مقابلة المضاف، والثالث مقابلة القنية والعدم. وقد تكلمنا قبل في الأضداد وفي المتنافيات والاضافة بما كفى.
واعلم ان الضدين ثبات كل واحد منهما بنفسه، وكذلك المتنافيان واما المضافان فثبات كل واحد منهما بثبات الآخر، على ما بينا هنالك. ولذلك لا يدور كل واحد من الضدين على الآخر وكذلك المتنافيان. وأما المتضادان فكل واحد منهما يدور على صاحبه فنقول: ضعف النصف ونصف الضعف ولا نقول جور العدل ولا عدل الجور ولا بياض السواد ولا سواد البياض ولا شر الخير ولا خير الشر. ومعنى التقابل هو كون شيئين في طرفين معينين يقتضي احدهما وجود الآخر على الرتب التي ذكرنا، فكأنه يقابل احدهما الآخر. واما مقابلة القنية والعدم فذلك كالبصر (١) وعدمه الذي هو العمى، فان أحد هذين يدور على
стр. 86
الآخر ولا يدور الآخر عليه، ومعنى الدوران هو الاضافة فنقول عمى البصر ولا نقول بصر العمى.
واعلم ان القنية هي التي لا تدور على العدم أي لا تضاف إليه والعدم يدور على القنية أي يضاف إليها (١) . والعدم ليس معنى لكنه ذهاب الشيء وبطلانه ولا يعد عادما إلا من يحتمل وجود ما هو عادم له، ألا ترى ان الحجر لا يسمى عادما وكان هذا عندنا معنى [٣٣ و] ي اتبعت فيه اللغة اليونانية؟ وأما اللغة العربية فكل حال لم يكن فيها شيء ما فانه يطلق فيه اسم عدم ذلك الشيء، وسواء كان موجودا قبل ذلك أو لم يكن. وكذلك أيضا يسمى فيها بالعدم كل ما لم يكن، وسواء توهم كونه أو لم يتوهم؛ إلا ان الفرق بين الضدين وبين العدم والوجود ان كل الضدين لهما إنية ومعنى ذلك أنهما موجودان، والوجود له إنية أي أنه موجود والعدم لا إنية له أي لا وجود له.
واعلم أن السلب والايجاب إنما يقعان في الاخبار وبذلك يكون الصدق والكذب، وذكر الفلاسفة ها هنا شيئا (٢) سموه " كون الشيء في الشيء " وليس يكاد ينحصر عندنا وإن كان محصورا في الطبيعة، فلم نر وجها للاشغال به إذ ليس إلا من تشقيق الكلام فقط كقولهم: النوع في الجنس والجنس في النوع وما أشبه ذلك مما لا قوة في إدراك الحقائق وإقامة البراهين وكيفية الاستدلال الذي هو غرضنا في هذا الكتاب. وكذلك ذكروا أيضا شيئا رسموه " بكون الشيء مع الشيء " ورتبوه على ثلاثة أقسام: أحدها كون الشيء مع الشيء في زمن، وهو المعهود في استعمال اللغة إذ كل شيئين كانا في زمان واحد فهما معا أي كل واحد منهما مع الآخر، ورتبوا في ذلك أيضا كون المضافين أحدهما مع الآخر أي مع النصف ضعفا ومع الضعف نصفا، ورتبوا في ذلك أيضاً كون النوعين معا جنس واحد أي مستويين فيه كالفرس والحمار تحت جنس الحي وكل هذه الأقسام ترجع إلى الزمان ولا تخرج عنه. وذكروا شيئا سموه " القدمة "، وهذه لفظة استعملها أهل اللغة العربية فيما تقدم زمانه زمان غيره
стр. 87
كقولهم: الشيخ أقدم من الغلام، ودولة بني أمية أقدم من دولة بني العباس، وما أشبه ذلك، وأما أهل الكلام فانهم استعملوها في الخبر عن المخلوقات والخالق تعالى فسموا الواحد الأول قديما ونحن نمنع من ذلك ونأباه ولا نزيل القديم والقدم عن موضعهما في اللغة العربية ولا نصف به الخالق البتة. وقد قال : " كالعرجون القديم. " يريد البالي الذي مرت عليه ازمنة مختلفة له بتطاولها، ونضع مكان هذه العبارة لفظة " الأول "، والاخبار بانه تعالى لم يزل، وأن جميع ما دونه؟ وهي كل المخلوقات - لم تكن ثم كانت، وان كل شيء سواه تعالى محدث مخلوق، وهو خالق أول واحد حق لا اله الا هو. وذكر الاوائل أشياء في المقدمة ليست صحيحة منها: أن الجنس أقدم من النوع بالطبع [٣٣ ظ] من أجل أنه مذكور في الرتبة قبله، وهذا لا معنى له لأن الجنس هو جملة أنواعه نفسها، فلا يكون الشيء أقدم من نفسه، ولا يجوز أن يكون الكل أقدم من اجزائه.
وذكروا أيضاً ان المدخل إلى العلوم أقدم من العلوم وهذا خطأ لأن العلم موجود في الطبيعة، أي بالقوة فيها، قبل دخول الداخل إلى طلبه.
وذكروا أيضا قدمه الشرف وهذا فاسد البتة الا ان كان ذلك في اللغة اليونانية، واغتر بعضهم في ذل اللغة العربية في قولهم: " فرس عتيق " أي قديم، وليس كذلك، لان العتق في اللغة العربية من الأشياء المشتركة فيقع على القديم كقولهم: " شراب عتيق " ويقع على الحسن الجيد كقولهم: " عتيق الوجه "، و " فلان ظاهر العتق " أي ظاهر الحسن، فعلى هذا المعنى قالوا: فرس عتيق، ويقع أيضا على البراءة مع الملك فيقولون: اعتق فلان عبده والعبد عتيق أي مبرأ من الملك. واما العلة والمعلول فمن باب الاضافة ولا يجوز أن تسبق العلة المعلول أصلا، ولو سبقته لوجد وقتا ما غير موجبة له، ولو كان ذلك لم تكن علة
стр. 88
إذ العلة ليست شيئا أصلا الا القوة الموجبة لوجود ما يجب بوجودها، وبالله تعالى التوفيق.
هـ - باب الكلام على الحركة
الحركة تنقسم ستة اقسام: قسمان اولان وهما حركتا الكون والفساد وهما في الجوهر، ومعنى الكون: " خروجه من الامكان والعدم إلى الوجوب والوجود " وهذه حركة للجوهر الخارج لا لمبدعه المخرج له ؛ ومعنى الفساد: " خروجه من الوجود والوجوب إلى البطلان والعدم "، وذلك واجب في الأعراض ومتوهم على الأجرام إن شاء خالقها تعالى فيما شاء منها. والفساد عندنا على الحقيقة افتراق الجسم على اشياء كثيرة وذهاب أعراضه وحدوث أعراض أخر عليه، وأما الأجرام كلها فغير معدومة الأعيان أبدا بوجه من الوجوه، ولكنها منتقلة من صفة إلى صفة كما قال تعالى: ﴿خلقا من بعد خلق﴾ (٦ الزمر ٣٩) ومن مكان إلى مكان ومن عالم إلى عالم حتى تستقر المتعبدة منها في دار النعيم أو العذاب في عالم الجزاء بلا نهاية. وهاتان الحركتان تقعان في الأعراض كلها لأنها كائنات فاسدات.
ثم قسمان آخران وهما حركة الربو والاضمحلال [٣٤ و] وهما من الكمية، فالربو هو: " تباعد (١) نهايات الجرم عن مركزه " والاضمحلال هو: " تقارب نهايات الجرم من مركزه "، وهذان لا يكونان الا في النوامي، فيكون الربو بغذاء يستحيل إلى نوعها وينبسط من وسطها إلى طرفيها، ويكون الاضمحلال بأخذ الجزء من رطوباتها اكثر مما يقبله الجرم من الغذاء، فترى الشجرة والحي والنبت المركب يتغذى فيستحيل الغذاء أجزاء المتغذي به، ففي الحيوان يستحيل دما ولحما وشحما وعظما وعروقا وشرايين وعصبا وشعرا وهلبا وريشا وجلدا، فيمتد ذلك الجسم ويطول ويعرض ويضخم؛ ويستحيل الغذاء للشجرة من الماء والرطوبات من الارض والدمن عودا ولحاء وورقا وزهرا وطعما وصمغا وخوصا وعساليج، ويمتد ويعظم كما ذكرنا، وكذلك
стр. 89
في النبت، ثم إذا ابتدأ كل ذلك يضمحل بتناهي أمره الذي رتبه له خالقه من رطوبات الأجرام التي ذكرنا اكثر مما يقبله من الغذاء حتى ييبس الشجر والنبات ويموت الحي وتفترق أجزاؤه وترجع نفسه إلى عالمها الذي شاهدنا فيه الصادق المنبعث من الخالق ، النبي، ﷺ ، حين جولانه وتصرفه في عالم الافلاك بالقدرة الالهية التي خص بها وهو ما بين مبدأ الافلاك الذي هو فلك القمر، وبين تناهي أبعد العناصر الاربع، جعل الله لنا في ذلك الفوز والنجاة والراحة وتخلصنا مما يقع فيه العصاة الآثمون. وتفترق سائر العناصر الجسدية إلى مستقرها الذي رتبها تعالى فيه إلى أن يجمعها كلها يوم المبعث ويعيدها كما بدأها، لا اله الا هو، وتتفرق أيضا أجزاء الشجر والنبات إلى مقرها أيضا من العناصر الاربعة التي هي النار والهواء والماء والارض، فبحان المبدع المركب المتمم المدبر، لا اله الا هو، ﴿ان في ذلك لآية لقوم يعلمون﴾ ؤ (٥٢ النمل: ٢٧) ﴿وكأين من آية في السماوات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون.﴾ (١٠٥ يوسف: ١٢) .
ثم قسمان باقيان وهما الاستحالة والنقلة، فالاستحالة كاستحالة الخمر خلا، فان الخمر لم ترب ولا اضمحلت ولا حدثت عينها ولا عين الخل ولا عدم واحد منهما ولا انتقل من مكان إلى مكان، وكذلك استحالة النار إلى الهواء والهواء إلى النار وبعض العناصر إلى بعض، وقد نجد المربع يزيد عليه مربعا فينمو ويربو ولا يستحيل عن التربيع. وأما النقلة فهي [٣٤ ظ] الحركة العامة الظاهرة وهي تبدل الاماكن، وهذان القسمان كيفية، ومنافي كل حركة سكون المتحرك بها، فالسكون بالجملة ينافي الحركة بالجملة.
والحركة المكانية النقلية تنقسم قسمين: اختيارية وطبيعية. والاختيارية تنقسم قسمين: أحدهما تحريك الباري ما شاء من أجرام الجو حيث شاء تعالى من ريح أو مطر وما اشبه ذلك، وهي حركة حالة في الاشياء المذكورات وتأثير فيها. والثاني تحريك النفس لما هي من الاجسام صعدا وسفلا، وأمام ووراء، ويمينا ويسارا، وتحريك كل جسم مختار بجبلته.
والطبيعية تنقسم ثلاثة أقسام: حركة من الوسط بمعنى لو كالنار والهواء
стр. 90
الآخذين أبدا في الارتفاع، ولا يأخذان سفلا إلا بالقسر والقهر؛ وحركة إلى الوسط كحركة الماء والأرض فلا يأخذان أبدا إلا سفلا يطلبان المركز ولا يأخذان علوا الا بالقسر والقهر؛ وحركة حوالي الوسط، وهي حركة الافلاك وكل ما فيها من الاجرام الجارية على رتبة معهودة طبيعية وهي حركة استدارة، وهذه الحركة تنقسم قسمين إما من شرق إلى غرب كالفلك الاعلى في ذاته، وإما من غرب إلى شرق كالشمس والقمر والكواكب وأفلاكها، ثم هي أيضاً تختلف في حال سرعتها وبطئها، فتبارك الخالق المدبر، لا اله إلا هو.
تم كتاب قاطاغورياس، وهو كتاب الاسماء المفردة، بحوله وقوته
وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وسلم.
стр. 91
كتاب الأخبار
وهو الأسماء المجموعة إلى غيرها وتسمى " المركبة " وهو المسمى
باللغة اليونانية " باري ارمينياس "
١ - رسم الاسم
الاسم صوت موضوع باتفاق لا يدل على زمان معين، وان فرقت أجزاؤه لم يدل على شيء من معناه، نريد بقولنا " موضوع باتفاق " اصطلاحا من أهل اللغة على ما يختصرون به المعاني الكثيرة بلفظ مختصر يدل عليها كاتفاق العرب على أن سمت الراعي الطويل العنق، الاحدب الظهر، العالي القوائم، القصير الذنب، المتخذ للحمل والركوب " بعيرا " واتفاق العجم على ان سمته باسم آخر. وكل تلك الاسماء دالة على الحيوان الذي ذكرنا [٣٥ و] دلالة واحدة وهكذا كل مسمى وضع له اسم وقولك بعير لا يدل على زمان معين، لا حال ولا ماض ولا مستقبل. وانت إذا قسمته فقلت::بعي " لم يدل على معنى البعير. وقد ظ قوم جهال أن من الاسماء ما يدل شيء من أجزائه على شيء من معناه، كقولك: " عبد الله "، فان عبدا يدل على معنى، فاعلم ان المعنى الذي يدل عليه " عبد " غير المعنى يدل عليه " عبد الله " أي انه لا يدل على المعنى الذي قصد [من] تسمية لرجل عبد الله. الا ترى انك تقول فيمن اسمه عبد الرحمن ليس هذا عبد الرحمن، أو هذا خالد فيمن اسمه
стр. 92
خالد وتكون صادقا مصيبا؛ ويكون مسميه عبد الله كاذبا مخطئا، فلو كان المراد في التسمية الاخبار بأنه عبد الله لكان وعبد الله أيضا سواء، ولكنت في نفيك انه عبد الله أيضا كاذبا، ولكان من سماه عبد الله في الشهادة عليه والاخبار عنه صادقا ولا شك في كذبه، وصح ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.
وقد لاح بالحقيقة التي بينا أن الاوصاف والاخبار كلها إنما تقع على المسميات لا على الاسماء وأن المسميات هي المعاني والاسماء هي عبارات عنها، فثبت بهذا ان الاسم غير المسمى، ووضح غلط من ظن غير ذلك من اصحابنا الذين يقولون بالكلام غير محققين له: ان الاسم هو المسمى، وقد احتج بعضهم في خطائه ذلك بقول الله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الاعلى﴾ (١: الاعلى: ٨٧) وهذا منهم سقوط شديد، وإنما بيان ذلك ان المسميات لما لم يتوصل إلى الاخبار عنها أصلا الا بتوسط العبارات المتفق عليها عنها جعلت المسميات عين تلك العبارات وإنما المراد المعبر بها عنها. ولما لم يكن سبيل إلى الثناء على الله الا بذكر الاسم المعبر به عنه لم يقدر على ايقاع الثناء والمدح والتسبيح له تعالى الا بتوسط الاسم: فأمرنا تعالى بما نقدر عليه لا بما لا نقدر عليه أصلا، والمراد بالتسبيح هو تعالى، لا الصوت الفاني المنقطع المعدوم اثر وجوده، الواقع تحت حد الكمية في نوع القول كما قدمنا، فاعلم هذا. ومن الاسماء معرف وهي الخصوص كقولك زيد وعمرو والرجل الذي تعرف وغلام زيد وغلام الرجل وغلامي. ومنها نكرات وهي العموم كقولك رجل ما وحما ما، والاسماء التي تنوب عنها معروفة في اللغات بعضها للخاص متكلم (١) وبعضها للحاضر المتكلم وبعضها للمخبر عنه وبعضها للمشار [٣٥ ظ] إليه كقولك: أنا وأنت وهي وهذا. وهذه هي المسميات عند اهل النحو الضمائر والمبهمات والكنايات وقد قدمنا انها غاية الخصوص وأعرف المعارف.
٢ - القول على الكلمة
يعني الفلاسفة بهذه اللفظة الشيء الذي يسميه النحويون: " النعوت " والذي
стр. 93
يسميه المتكلمون " الصفات " واذا رسمه النحويون قالوا: هو اسم مشتق من فعل مثل صح يصح فهو صحيح وما أشبه ذلك. وقال الاوائل: انه يدل على زمان معين لأنك تقول صح يصح فهو صحيح فهذا إخبار عن حاله الآن، وذلك فعل ماض ومستقبل، وهذه الكلمة صوت موضوع باتفاق أيضاً على ما قدمنا في الاسم لا يدل بعض اجزائه على معناها الا انها تدل على زمان مقيم كما ذكرنا. وذكروا في قولك الصحة أنها اسم لا كلمة وهذا الذي يسميه النحويون المصدر وهو على الحقيقة اسم للسلامة من العلل الا انه ينقسم قسمين: فمنه ما يكون فعلا لفاعل وحركة لنتحرك كالضرب من الضارب، ومنه ما يكون صفة لموصوف كالصحة للصحيح فانها محمولة فيه وصفة من صفاته. واما الصحيح والضارب فاسما المبرأ من العلة والمتحرك بالضرب استحقهما بمحموله وتأثيره، وإنما ذكرنا هذين اللفظين لأنهما موضوع الخبر ومحمولة فهما جزءان للخبر، وكذلك كقولك فعل وقعد اشياء موضوعة للعبارة عن التأثير الظاهر من الأجرام أو فيها وهي أيضاً جزء من أجزاء الخبر كقولك: قام زيد أو كقولك: زيد صحيح وعبد الله منطلق، فالخبر يقوم من اسمين احدهما اسم مميز للمخبر عنه من غيره وهو الموضوع والثاني صفة مميزة للاخبار عنه من غيره وهو المحمول.
٣ - القول على القول
أراد الاوائل بلفظة القول هاهنا كل خبر قائم بنفسه وأقل ذلك اسم وصفة على ما قدمنا. والخبر المذكور يدل كل جزء منه على شيء من معناه بخلاف الألفاظ المفردات؛ إذا قلت محمد نبي دلك محمد على بعض مرادك بقولك: محمد نبي. وللخبر توابع سمتها الاوائل " لواحق وربطا "، فاللواحق أشياء زائدة في البيان والتأكيد مقل قولك: العقل الحسن لزيد، والشعر الطويل الجيد [٣٦ و] لفلان، والقوم أجمعون أتوني، فان قولك: العقل الحسن اسمان لم يتم بهما تمامه، كقولك زيد قائم، فلم يكن اجتماع هذين اللفظين الناقصين كحكم اجتماع اللذين تم المعنى بهما. الألف واللام الداخلان على اللغة العربية للتعريف أو ما مقامهما في سائر اللغات هي من اللواحق
стр. 94
أيضاً لان كل ذلك بيان لاحق بالمبين فلذلك سميت هذه بزوائد لواحق. واما الربط فهي التي يسميها النحويون حروفا (١) في المعنى، وهي ألفظ وضعت للمعاني الموصلة بين الاسم والاسم، وين الاسم والصفة، وبين المخبر عنه والخبر، كقولك: زيد في الدار، وزيد لم يقم، وهي مثل حروف الخفض ك: في وعن ومن وسائرها وكحروف الاستفهام مثل: هل وكيف وما أشبه ذلك، فانك تقول: هل قام زيد؟ وكذلك سائر الحروف الموصلة للمعاني. ومنفعة هذه الحروف في البيان عظيمة فينبغي تثقيف معانيها في اللغة، إذ لا يتم البيان إلا بها، وتنوب عن تطويل كثير. ألا سوى انك تقول اخوتك وأعمالك أتوني، فلولا الواو احتجت إلى افراد كل واحدة من الجملتين والاخبار عنها بانهم أتوك. وقد يكون القول مركبا من لفظين ولا يكون تاما كقولك: إن جئتني أو كقولك: إذا مات زيد، فان قلت ان جئتني اكرمتك كان كلاما [تاما] ، أو إذا مات زيد انقطعت حركته كان كلاما تاما.
والخبر كما قدمنا إما إيجاب وإما نفي، والموجب إما أن يكون كذبا وإما أن يكون صدقا، والمنفي أيضاً كذلك. فالخبر إذا تم كما ذكرنا سمى قضية فاما صادقة وإما كاذبة، فاحفظ هذا واذكره فانه سيمر بك كثيرا إن شاء الله تعالى.
والقضية النافية والموجبة تنقسم كل واحدة (٢) منهما قسمين: إما معلقة بشرط وإما قاطعة. فالمعلقة كقولك: من بدل دينه بغير الاسلام لزمه القتل، وقولك: ان كان متحركا بارادة فهو حي، وكقولك: إذا غابت الشمس كان الليل. واعلم أن متى وما واذا ما وكل هذه الحروف موجب حكمها واحد في الشرط وتعليق المحمول بالموضوع فيها، فان أردت أن تجعل هذه القضايا بلفظ النفي قلت: من بدل دينه لم يجز أن يستبقى إلا أن يسلم، وان كان متحركا بارادة فليس ميتا [٣٦ ظ] وان غابت الشمس لم يكن نهارا. واما القاطعة فان تقول: كل إنسان جوهر، أو أن تقول: الصلوات الخمس فرض على من خوطب بها، والنفي يكون بادخال لا أو ليس أو ما أو
стр. 95
الحروف التي ذكرنا أنها تجزم الأفعال بغير الشرط أو تنصبها، فإذا أدخلت شيئا من هذه الحروف على قضية كاذبة صار النفي حقا. " الاه غير الله " قضية كاذبة، " لا إله غير الله " صدقت. واذا ادخلت هذه الحروف على قضية صادقة كنت كاذبا فهذا الذي سمته الاوائل " السلب والايجاب " لان هذه الحروف تسلب ما أوجبت في لفظك الذي ادخلتها عليه. ولكل موجبة سالبة واحدة وليس ذلك الا بادخال حرف من حروف النفي التي ذكرنا أو اخراجه فقط، وبالله تعالى التوفيق.
واعلم أن كل قضية وقع في أول عقدها استثناء فهي شرطية، والشرطية تكون على وجهين: اما متصل واما مقسم فاصل. فالمتصل هو ما اوجب ارتباط شيء بشيء آخر لا يكون الا بكونه؛ وهو يكون على وجهين: اما موجب كقولك: ان غابت الشمس كان الليل، وإما ناف (١) كقولك: ان لم تطلع الشمس لم يكن نهارا الا ترى انك ربطت كون النهار يكون طلوع الشمس ووصلته به، وربطت كون الليل [بكون] مغيب الشمس ووصلته به. وأما المقسم الفاصل فهو ما جاء بلفظ الشك وان لم يكن شكا لكنه حكم للموضوع باحد أقسام المحمولات وذلك مقل قولك: العالم إما محدث وإما لم يزل، وان شئت أتيت بلفظة أو؛ إلا أن لفظة إما إذا قطعت وقسمت أبين من لفظة أو، واذا كنت مقررا مستفهما، فان شئت أتيت بلفظة ان، وإن شئت بلفظة أو، فتقول: أمحدث العالم أو لم يزل، وان شئت قلت: أم لم يزل. وقد تكون اقسام هذا النوع أعني الفاصل اكثر من قسمين، وذلك على قدر توفية القسمة جميع ما تحتمله في العقل، وهذا موضع يعظم فيه الغلط إذا وقع في القسمة اختلال ونقص، فتحفظ منه اشد التحفظ، فان كنت مسؤولا فتأمل هل أبقى سائلك قسما من أقسام سؤاله فنبه عليه، فلا بد لك من الخطأ ضرورة إذا أجبت. وان كنت سائلا فلا ترض لنفسك بهذا فانه الجهال أو الوضعاء الاخلاق المغالطين لخصومهم القانعين بغلبة الوقت دون إدراك الحقائق.
واعلم [٣٧ و] ان المحمول إذا كان واحدا والموضوعات كثيرة فهي قضايا كثيرة كقولك: الملك والانس والجن أحياء. فهذه ثلاث قضايا، وإذا
стр. 96
كان الموضوع واحدا والمحمولات كثيرة فهي قضية واحدة كقولك: نفس الإنسان حية ناطقة ميتة مشرقة على جسد يقبل اللون منتصب القامة؛ فان فرقت كل ذلك كانت قضايا متغايرة.
واعلم ان الكلام لا يسمى قضية حتى يتم، وسواء طال أو قصر، كقولك الإنسان المركب من جسد يقبل اللون ونفس حية ناطقة ميتة يحرك يده بجسم محدد الطرف، وفي طرفه جسم مائع مخالف للون سطح جسمه في يده، يخط في ذلك السطح خطوطا يفهم معانيها، فكل هذا مساو لقولك إنسان كاتب.
واعلم أن القضايا إما اثنينية وهي المركبة من موضوع ومحمول كما قدمنا، وإما أكثر من اثنينية وهي ان تزيد صفة أو زمانا فتقول: محمد كان أمس وزيرا وعمرو رجل عاقل، وقد تزيد أيضاً على هذا بزيادتك فائدة أخرى وهو أن تزيد في القضية: إما وجوبها ولا بد، وإما إمكانها، وإما أنها محال لا تكون. وانت إذا زدت على القضية التي هي مخبر عنه وخبر صفة أخرى كما ذكرنا جاز ذلك، وكانت الزيادة التي زدت هي غرضك في الخبر، يعني أنها تصير هي المحمول والخبر معا وكان المحمول والموضوع اللذان كانا هما المخبر عنه والخبر معا موضوعا ومخبرا عنه فقط، كقولك: زيد منطلق فإذا زدت فقلت زيد المنطلق كريم أو زيد منطلق كريم فيصير قولك زيد منطلق موضوعا أي مخبرا عنه ويصير قولك كريم هو المحمول، أي هو الخبر، وهكذا القول في النفي ولا فرق.
واعلم أن القضايا إما مهملة وإما مخصوصة وأما ذوات أسوار. فالمخصوصة ما كانت خبرا عن شخص واحد أو عن اشخاص باعيانهم لا عن جميع نوعهم بنفي أو إيجاب، كقولك: زيد غير منطلق، وإخوتك لا كرام، وفلان خليفة، وعمرو حي.
واعلم ان هذا القسم الذي سميناه مخصوصا لا يقوم منه برهان عام فتحفظ من ذلك وسيأتي بيان هذا القول في الكتاب الذي يتلو هذا الكتاب ان شاء الله .
وأما ذوات الأسوار فهي تنقسم قسمين في الايجاب وقسمين في النفي. فقسما الايجاب اما كلي واما جزئي، فالكلي ما وقع بلفظ [٣٧ ظ] عموم كقولك: كل أو جميع أو لا واحد وما اشبه. والجزئي ما وقع بلفظ
стр. 97
تبعيض كقولك: بعض أو جزء أو طائفة أو طائفة أو قطعة وما أشبه ذلك؛ وقسما النفي ادخال حروف النفي على هذين القسمين. وهذه الأسماء [التي] تعطي العموم المتيقن أو التبعيض المتيقن هي المسماة اسوارا لأنها كالسور المحيط بها في دائرته أو سائر شكله، ومن هذا؟ اعني ذوات الاسوار - يقوم البرهان الصحيح على ما يأتي بعد هذا ان شاء الله ، وبها يقع الالزام الذي به تبين الحقائق كقولك: إنسان حي، وجميع الناس أحياء أو لا واحد من الناس نهاق ولا واحد من الناس صهال أو قولك: بعض الناس كاتب أو طائفة من المسلمين أطباء وما أشبه ذلك وكقولك في النفي لا بعض الناس حجر وما أشبه ذلك.
وأما المهملة فهي التي يكون عليها شيء من الاسوار التي ذكرنا وقد تنوب، في اللغة العربية، المهملة مكان ذوات الأسوار، وذلك أنها لفظة تقع على الجنس أو النوع كقولك: الحي حساس، أو كقولك: الإنسان حي، فان هذه لفظة إذا لم تعن بها واحدا بعينه فلا فرق بين قولك الإنسان حي، وبين قولك كل إنسان حي، والحقيقة في ذلك عند قوة البعث ان تتأمل القضية المهملة فتنظر في محمولها فان لم يمكن إلا ان يكون عاما فالموضوع كلي، وان لم يكن ان يكون عاما فالقضية جزئية. ومما يبين هذا أنك إن لفظت بالمهمل فقلت: الإنسان حي ناطق ميت، الإنسان ضحاك، لم ينكر ذلك احد، ولو قلت الإنسان طبيب بالفعل، الإنسان حائك بالفعل لأنكر ذلك عليك كل سامع ولكذبوك، لان الصفة جزئية، وكذلك لو قلت الاطباء محسنون لكذبك كل سامع لأن الاطباء عموم. والمحسنون هم بعض الاطباء بلا شك فلما حملت على المهمل صفة جزئية أنكرتها النفوس.
واعلم ان السور لا يجوز ان يوضع الا قبل الموضوع أي قبل المخبر عنه لا قبل المحمول، وهو الخبر، لأنك إذا قلت: كل إنسان حي صدقت، واذا قلت: الإنسان كل حي، كذبت؛ وإنما يجوز ان تقرن السور الكلي بالمحمول إذا كان حدا أو رسما كقولك نفس الإنسان كل حية ناطقة منه ذات جسد ملون، واذا قلت: الإنسان كل ضحاك، أو إذا كان السور جزئيا مقل قولك: الإنسان بعض الحي.
стр. 98
٤ - باب العناصر
[٣٨و] اعلم ان عناصر الاشياء كلها، أي اقسامها، في الاخبار عنها، ثلاثة اقسام لا رابع لها: إما واجب وهو الذي قد وجب وظهر، أو ما يكون مما لا بد من كونه، كطلوع الشمس كل صباح، وما اشبه ذلك. وهذا يسمى في الشرائع: " الفرض واللازم ". واما ممكن وهو الذي قد يكون وقد لا يكون، وذلك مثل توقعنا أن تمطر إذا وما اشبه ذلك، وهذا يسمى في الشرع: " الحلال والمباح ". واما ممتنع وهو الذي لا سبيل إليه كبقاء الإنسان تحت الماء يوما كاملا، أو عيشة شهرا بلا اكل أو مشية في الهواء بلا حيلة وما اشبه ذلك، وهذه التي إذا ظهرت من إنسان علمنا انه نبي وهذا القسم يسمى في الشرائع: " الحرام والمحظور ".
ثم الممكن ينقسم اقساما ثلاثة لا رابع لها: ممكن قريب كامكان وقوع المطر عند تكاثف الغيم في شهري كانون وغلبة العدد الكبير من الشجعان العدد اليسير من الجبناء؛ وممكن بعيد وهو كانهزام العدد الكثير من الشجعان عند عدد يسير من جبناء وكحجام يلي الخلافة وما أشبه ذلك؛ وممكن محض وهو يستوي طرفاه، وهو كالمرء الواقف إما يمشي واما اشبه ذلك. وكذلك نجد هذا القسم المتوسط في الشرائع ينقسم اقساما ثلاثة: فمباح مستحب ومباح مكروه ومباح مستو لا ميل له إلى احد الجهتين.
فاما المباح المستحب فهو الذي إذا فعلته أجرت واذا تركته لم تأثم ولم تؤجر، مثل صلاة ركعتين نافلة تطوعا.
واما المباح المكروه فهو الذي إذا فعلته لم تأثم ولم تؤجر واذا تركته أجرت وذلك مثل الاكل متكئا ونحوه.
واما المباح المستوي فهو الذي [إذا] فعلته أو تركته لم تأثم ولم تؤجر وذلك مثل صبغك ثوبك أي لون شئت، وكركوبك أي حمولة شئت ونحوه.
وقد يأتي اللفظ الذي يعبر به عن الممكن على وجود، فمنه ما يأتي بلفظ الايجاب كقولك: ممكن ان يموت هذا المريض، وقد يأتي بلفظ الشك فتقول: هذا المريض إما يموت واما يعيش، وهذا الرمان اما حلو واما حامض. وقد يأتي
стр. 99
بلفظ النفي فتقول: هذا المريض لا ممتنع ان يبرأ.
واعلم ان كل ممكن فانك تصفه بالضدين معا احدهما بالقوة والآخر بالفعل كقولك: القاعد قائم أي انه قاعد بالفعل قائم بالامكان.
واعلم ان الواجب قبل الممكن لان الواجب هو الموجود واما الممكن فلم يأت بعد واما الممتنع فهو باطل لأنه لا يكون ولا يظهر.
واعلم ان الواجب ينقسم قسمين: احدهما [٣٨ظ] ما كان معلوما قبل كونه انه لا بد من كونه، كطلوع الشمس غدا، أو كل لم يزل ملازما واجبا مذ وجد كملازمة التأليف للاجسام. والثاني ما كان قبل وجوب غير مقطوع على انه يكون كصحة المريض أو موته.
واعلم ان الممتنع ينقسم اقساما اربعة: أحدها الممتنع بالاضافة وهو إما في زمان دون زمان، أو في مكان دون مكان، أو من جوهر دون جوهر، أو في حال دون حال، كوجوب كون الفيلة فاشية في الهند وكونها إلى الآن ممتنعة من ان تكون فاشية في أرض الصقالبة، وكوجوب المرودة في خلال استيفاء المرء اربعة عشر عاما أو امتناع اللحية في تلك المدة ووجوبها بعد وجودها وكوجوب رفع المرء الذي لا يجود بنفسه أو ليس مغمى عليه ارطالا يسيرة وامتناع حمله الف رطل، وكامتناع حمل الضعيف خمس مائة رطل، ووجوب حمل القوي لها، وكامكان الذكي ان يغوص على الغامضة، ويعمل الشعر الجيد وامتناع ذلك من الغبي البليد (١) الابله الطبع فهذا وجه. والثاني ممتنع في العادة قطعا وهو متشكل في حس النفس ومحلها لو كان كيف يكون، كانقلاب الجماد حيوانا، واختراع الاجسام دون تولد، ونطق الجماد، وهذا القسم به تصح نبوة النبي ﷺ ، إذا ظهرت منه ولا سبيل إليها لغيره. والثالث الممتنع في العقل ككون المرء قائما قاعدا في حال واحدة، وككون الجسم في مكانين، وكانقلاب الذي لم يزل محدثا، أو المحدث لم يزل؛ أو وجود أشياء كثيرة لم تزل، وهذا بالجملة كل ما ضاد الأوائل المعلومة بأول العقل، وهذا ما لا سبيل إلى وجوده أصلا، ولا يفعله الخالق ابدا، ولا يكون ذلك أصلا، وفيه فساد بنيه العالم وانخرام رتب العقول التي هي اسباب معرفة الحقائق. وتمت كلمات
стр. 100
ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته. والرابع المنطلق مثل كل سؤال أوجب على ذات الباري تغيرا، فهذا هو الممتنع الذي ينقض بعضه بعضا ويفسد أوله آخره، وهذا مثل سؤال من يسأل هل يقدر الله تعالى ان يخلق مثله ونحو هذا، فاعلمه لأنه لا يحدث أولا على الاطلاق.
واعلم أنه لا قسم لقضايا العالم غير ما ذكرنا أصلا.
وقد يأتي أيضاً اللفظ الذي يعبر به عن الواجب بلفظ النفي، وبلفظ الإيجاب وقد يأتي اللفظ الذي يعبر به عن الممتنع بلفظ النفي، وقد يأتي أيضاً بلفظ الايجاب، ولا سبيل إلى ان يأتيا بلفظ شك فتقول: واجب ان تطلع الشمس غدا، وممتنع ان لا تطلع غدا، وتقول: واجب ان لا يوجد في النار برد، وممتنع [٣٩ و] ان يوجد في النار برد.
وقد قال قوم ان العناصر اثنان وهما واجب وممتنع فقط. قالوا: ولا ممكن البتة لأن الشيء الذي تسمونه ممكنا هو قبل وجوده ممتنع، وهو بعد وجوده واجب، فلا ثالث. قالوا: وما غاب عنا فاما أنه في علم الله تعالى يكون وإما انه لا يكون، فان كان الله علم أنه سكون، فهو الآن واجب ان يكون، وان كان تعالى علم انه لا يكون فهو الآن ممتنع أن يكون. ونحن نقول: إن هذا حكم فاسد.
أما حجتهم الآن من أن الشيء قبل كونه ممتنع فخطأ، بل في القوة وفي الظن ربما قد كان وربما لم يكن؛ وأما حجتهم بعلم الله تعالى فان الله تعالى قد أمر ونهى، فلو لم يكن الشيء الذي أمر الله به بعد متوهما كونه في المأمور به لم يكن للأمر معنى، فالمتوهم كونه هو الممكن، وأفعال المختارين قبل كونها داخلة في قسم الممكن، بخلاف أفعال الطبيعة.
ثم نقول: ان الحس والعقل قد ثبت فيهما أن بين مشي القاعد الصحيح الجوارح والجسم الغير ممنوع وبين مشي المقعد المبطل الساقين فرقا، وهذا فرق بين الممكن والممتنع. وكذلك فيهما أن بين قعود الصحيح الذي ذكرنا الذي إذا شاء تركه تركه، وبين قعود المقعد الذي لو رام جهده تركه لم يقدر، فرقا واضحا، وهذا فرق بين الممكن والممتنع. والواجب ان نلزم من قال
стр. 101
بخلاف قولنا ان لا يتأهب للجوع إذا اصابه باكل الطعام لأنه ان كان انتهى اجله فواجب ان يموت، وان كان لم ينته اجله فممتنع ان يموت، وينبغي ان يقتحم النيران إذا كان في المغيب انه لا يحترق فممتنع ان يحترق فيلزم مخالفنا أن تأهبه وفكرته وسعيه فيما يدفع به نفسه البرد والعطش والأذى كتأهبه لدفع حركة الفلك أو لمنع الشمس من الطلوع. ونحن إنما نناظر الناس حتى نردهم إلى موجب العقل أو الحس أو نلزمهم ان يخرجوا عن رتب العقل والى مكابرة الحس، فإذا خرجوا إلى ما ذكرنا فقد كفونا التعب معهم، ولزمنا الاعراض عنهم وتركهم يتمنون الاضاليل ويفرحون بالأباطيل كالسكارى والصبيان المغرورين باحوالهم، المسرورين بافعالهم، ونشتغل بما يلزمنا من تبين الحقائق لطلابها، فإنما نتكلم مع النفوس العاقلة المميزة، لا مع الألسنة فقط، ولا مع النفوس السخيفة.
٥ - الكلام في الايجاب والسلب؟ وهو النفي - ومراتبه ووجوهه
النفي المفيد معنى والذي تنفي به ما أوجب خصمك إنما حكمه أن يكون للمحمول لا [٣٩ ظ] للموضوع لأنك تثبت الاسم ثم توجب له صفة أو تنفيها عنه. ولو نفيت الموضوع وهو الاسم المخبر عنه لكنت لم تحصل على معنى تخبر عنه كقولك: لا زيد منطلق لأن ظاهر هذا اللفظ نفي زيد ونفي الانطلاق معه. والأوائل يسمون مثل هذا " قضية غير محصلة "، وإنما الصواب أن تقول: زيد غير منطلق، أو ليس منطلقا، فتكون قد أثبت زيدا ونفيت عنه الانطلاق. والأوائل يسمون هذه " قضية ميلوبة " و " متغيرة في المحمول " لأنك غيرتها عن الايجاب، فتحفظ في هذا المكان، فأقل ما في ذلك ان تجيب عن أحد وجهي الكلام اللذين هما إما نفي المخبر عنه جملة وإما نفي الصفة منه فتكون مجيبا قبل تحقيق السؤال وتصحيحه، فيلزمك نقص الفهم والجور في الحكم.
واذا اردت نفي ما اوجب خصمك نفيا تاما صحيحا فلا بد لك من انك إنما تريد نقص بعضه أو نقض كله، فان اردت نقض بعضه فبين ذلك، وان
стр. 102
اردت نقض كله فلا من ان يجمع كلامك ثمانية شروط والا فليس نقضا تاما احدها: ان يكون الموضوع فيما اوجب هو وفيما نفيت انت واحدا، فان كان اثنين وقع الشغب، وذلك مثل قول القائل: الموجود محدث، فيقول الآخر: الموجود ليس محدثا، فهذا فساد في بنية الكلام، وليس احد الكلامين نقضا للآخر، لأن الباري موجود، وليس محدثا، والعالم موجود وهو محدث، ونحو ذلك عرض لاصحابنا من اهل السنة والمعتزلة فانهم اكثروا التنازع والخوض حتى كفر بعضهم بعضا، فقالت المعتزلة: القرآن مخلوق، وهم يعنون علم الباري . والثاني: ان يكون المحمول الذي اوجب احد كما هو المحمول الذي نفى الآخر لا غيره أصلاً، وذلك مثل قول قائل: زيد عالم، فقال مخالفة: زيد ليس بعالم، فان عنى أحدهما عالما بالنحو، وعنى الآخر عالما بالفقه لم تتناقض قضيتاهما. الثالث: ان يكون الجزء الذي استقر الحكم من الموضوع واحدا في كلتا القضيتين لا غيره كقائل قال: زيد اسود، يريد اسود الشعر، فيقول الآخر: زيد ليس باسود، يريد اللون أو العين. والرابع: ان يكون الجزء من المحمول في القضيتين واحدا لا متغاير كقول قائل: زيد ضعيف، فيقول الآخر: زيد ليس بضعيف، يريد احده ضعف الجسم بالبنية الكلية، والآخر نفي ضعف الجسم بالمرض الذي هو جزء من أجزاء [٤٠ و] الضعف. والخامس: ان يكون الزمان الذي أثبت فيه أحدهما ما أثبت هو الزمان الذي نفى فيه الآخر ما أثبت هذا لا غيره، كقائل قال: زيد كاتب؟ أي قد كتب - فيقول [الآخر] : زيد ليس الآن يكتب. والسادس: ان يكون الحال التي أثبت فيها ما أثبت، هي الحال التي نفى فيها الآخر ما أثبت هذا لا غيرها، كقائل قال: الطفل فارس، يريد الامكان والاحتمال في البنية، فيقول الآخر: الطفل ليس بفارس يريد بالفعل في حال الطفولة. والسابع: ان تكون اضافة الشيء الذي أثبت هو واضافة الشيء الذي نفي خصمه إلى شيء واحد لا إلى شيئين، كقائل قال: زيد عبد فيقول الآخر: زيد ليس عبدا، يريد احدهما لله ، ويريد الآخر نفي انه متملك لإنسان، ونحو ذلك: ونحو ذلك: السيف يقطع، خصمك: السيف ليس يقطع، واراد هذا اللحم، واراد هذا الحجارة. والثامن ان تكون القضيتان
стр. 103
مستويتين في الجوهر أو في العرض، لا مختلفتين، كقائل قال: زيد ينتقل، فقال خصمه: زيد لا ينتقل، وهما يخبران جميعا [عن] قاعد في سفينة تسير، فهو ينتقل بالعرض، أي بنقل السفينة إياه وهو منتقل بذاته بل هو ساكن. وبالجملة فتش كلام خصمك فان كان في كلامك الذي تريد ايجابه أو نفيه معنى يخالف ما حكم هو فيه بايجاب أو نفي فبينه ولا تخالف شيئا من معانيه الا بحرف النفي فقط والا كنت شغيبا معنتا أو جاهلا، فهذه شروط النقيض. والنفي الكلي؟ وهو نفيك الصفة عن جميع النوع، أو نفيك جميع الصفة عن بعض النوع، تنطق [به] بلفظ يشبه في ظاهره الجزئي لأنك إن اردت النفي الكلي، وهو العام، قلت ليس واحدا من الناس صهالا وليس أحد من الناس صهالا وليس واحدا من الخيل ناطقا وليس شيء من النطق في هذا الفرس. والنفي الجزئي، وهو نفيك الصفة عن بعض النوع لا عن كله، تنطق به بلفظ جزئي وبلفظ كلي لأنك تقول [ليس] بعض الناس كاتبا [؟] (١) ومعنى هذين اللفظين واحد لا اختلاف فيه، احدهما ظاهرة العموم والثاني ظاهره الخصوص.
والايجاب الكلي وهو اثباتك الصفة لجميع النوع لا يكون الا بلفظ كلي اما بسور كما قدمنا، واما مهمل يقصد به العموم كقولك: كل إنسان حي، أو كقولك: جميع الناس أحياء، أو تقول: الإنسان حي، وانت لا تريد شخصا واحدا بعينه، أو تقول: الناس أحياء وأنت لا تريد بعضا منهم.
والايجاب لجزئي وهو إثباتك الصفة لبعض النوع لا يكون أصلا إلا بلفظ جزئي كقولك: بعض الناس كاتب، فافهم هذه الرتبة وتثبت فيها.
وقد قال [٤٠ ظ] بعض المتقدمين ان القائل إذا أتى بقضية مهملة فقال: الإنسان كاتب، ان الاسبق إلى النفس أن مراده بذلك بعض النوع لا كله. وأما نحن فنقول: إن هذا القول غير صحيح وان هذه المهملات يعني الألفاظ التي تأتي في اللغة، مرة للنوع كله، ومرة للشخص الواحد، ومرة لجماعة من النوع، فانها إن لم يبين المتكلم بها أنه اراد شخصا واحدا من النوع، أو لعض النوع دون بعض، أو لم يقم على ذلك برهان ضروري، أو مقبول، أو متفق عليه من الخصمين، فلا يجوز أن يحمل على عموم النوع كله لأن الألفاظ
стр. 104
إنما وضعت للافهام لا للتلبيس. وكل لفظة فمعبرة عن معانيها ومقتضية لكل ما يفهم منها، ولا يجور أن يكلف المخاطب فهم بعض ما يقتضيه اللفظ دون بعض، إذ ليس [ذلك] في قوة الطبيعة ألبتة، بل هذا من الممتنع الذي لا سبيل إليه ومن باب التكهن، الا باتفاق منهما أو بيان زائد، والا فهي سفطسة وشغب وتطويل بما لا يفيد ولا يحقق معنى.
وسمى بعض المتقدمين قول القائل: كل إنسان حي، وقول المخالف: ليس كل إنسان حيا، " ضدا "، وسمى قول القائل: كل إنسان حي وقول الآخر لا بعض الناس حي، " نقيضا " وذكر أن النقيض أشد مباينة من الضد، واحتج بأن قال بان القضيتين الاولين اللتين سميناهما ضدا كلتاهما كلية، الواحدة موجبة والاخرى نافية، والقضيتان الاخريان اللتان سميناهما نقيضا، الواحدة كلية والثانية جزئية، والواحدة موجبة والثانية نافية، وإنما اختلفت الاوليان في جهة واحدة وهي الكيفية فقط أي في الايجاب والنفي، وهما متفقتن في الكمية أي ان كلتيهما كلية، واختلفت الاخريان في جهتين: إحداهما الكيفية، أي الايجاب والنفي كاختلاف قضية الضد، والثانية الكمية وهي ان الواحدة كلية والثانية جزئية. قال: فما اختلف من جهتين أشد تباينا مما اختلف من جهة واحدة. ونحن نقول: ان هذا خطأ وان القائل إنما راعى ظاهر اللفظ دون حقيقة المعنى، وان قضاء هذا القائل وان كان صادقا في عدد وجوه الاختلاف، فهو قضاء كاذب في شدة الاختلاف، ولو كان قال: فكان اشد [أو] اكثر لكان حقا. بل نقول: ان التي تسمى ضدا فنحن نسميها " نفيا عاما " أو ان شئت: " نقيضا عاما " [وهي] اشد تباينا من [٤١و] الاخرى التي نسميها " نقيضا خاصا " أو ان شئت " نفيا خاصا " لان قائل الأول نفى جميع ما اوجبه الآخر وكذبه في كل ما حكى ولم يدع معنى من معاني قضيته الا وخالفه فيها وباينه في جميعها. واما الثانية فان قائلها إنما نفى بعض ما اوجب الآخر وأمسك عن سائر القضية فلم ينفها ولا اوجبها ولا خالفه فيها ولا وافقه وإنما باينه في بعض قضيته لا في كلها والمباين في الجميع اشد خلافا من المباين في البعض.
وإذا أتاك خصمك بمقدمة مهملة فقرر معه معناها هل العموم أراد أو الخصوص، أي على الكل يحملها أو بعض ما يقتضيه اللفظ الذي تكلم به
стр. 105
وتحفظ من إهمال هذا الباب، واذا قضيت قضية فنفاها خصمك فتأمل فان كان ما أوجبت ونفى هو من ذوات الوسائط فحقق عليه في ان يبين ما أراد كقولك: زيد أبيض، فيقول هو: ليس زيد بأبيض، فانه لا يلزمه بهذا القول أن يكون زيد أسود، ولعله أراد انه أحمر أو أصفر. ومثال هذا في الشرائع أن تقول: أمر كذا حرام فيقول خصمك ليس بحرام أو تقول أمر كذا واجب، فيقول خصمك: ليس بواجب، فانه في قوله ليس بحرام ليس يلزمه أنه واجب ولا في قوله إنه ليس واجبا إنه حرام، بل لعله أراد أنه مباح فقط. وأما غير ذوات الوسائط فلا تتالي (١) عن هذا لأنك إن قلت: زيد حي فقال خصمك: هو غير حي فقد أوجب أنه ميت ضرورة، ولا واسطة ها هنا، وقد لزمه الموت بقوله فانظر انه قد يكون معنى النفي بلفظ الايجاب الا ان ذلك ليس شرطا عاما تثق النفس به بل هو في مكان دون مكان لأنك تقول: فلان ميت فيقول خصمك: فلان يكتب أو فلان حي فهذا معنى صحيح في نفي الموت ولكن لا تثق بهذا؛ فانك إذا قلت: فلان متكئ فيقول خصمك: فلان جالس فقد تكونان معا كاذبين بان يكون المخبر عنه قائما، وحقيقة النفي هو ما صدق احدهما وكذب الآخر، فان اردت حقيقة النفي ورفع الاشكال فلا بد من أحد حروف النفي التي قدمنا ذكرنا فتأمن من الغلط، ولهذا قال المتقدمون: ان لكل موجبة سالبة واحدة، ولكل سالبة موجبة واحدة، أي ان ذلك لا يكون الا بادخال حرف النفي فقط.
[٤١ ظ] ٦ - باب اقسام القضايا الصدق والكذب واذا قد ذكرنا أن عناصر الاخبار ثلاثة أي انقسلمها ثلاثة وهي: واجب أو ممكن أو ممتنع فلنذكر ان شاء الله بتوفيقه لنا وجوه أقسام القضايا الموجبات والنوافي للصدق والكذب في هذه الاقسام فنقول، وبالله تعالى نستعين:
ان النفي العام والايجاب العام ينقسمان إلى الصدق والكذب ضرورة في
стр. 106
عنصر الوجوب، والموجبة صادقة حق، والنافية أبدا كاذبة باطل، مثل قولك: كل إنسان حي، فهذا حق ونفيه كذب، إذا قلت: ولا واحد من الناس حبي فهذا امر لا يخونك ابدا، فاضبطه. وكذلك أيضا في عنصر الامكان. فان قولك: كل إنسان كاتب، إذا عنيت بالقوة، وأما إذا عنيت بالفعل فالقضيتان العامتان الموجبة والنافية كاذبتان فيه ابدا، كقولك: كل إنسان كاتب أي محسن للكتابة أو قولك ولا واحد من الناس كاتب، فكلتاهما كذب. وأما في عنصر الامتناع فالنافية ابدا صادقة، والموجبة ابدا كاذبة، كقولك: كل إنسان نهاق فهذا كذب، واذا قلت ليس احد من الناس نهاقا فهذا صدق.
ثم لنتكلم على النفي الخاص والايجاب الخاص ان شاء تعالى، فتقول وبالله نتأيد بان قضيتي النفي الخاص والايجاب الخاص في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة لأنك تقول: بعض الناس حي فذلك حق ونفيه لا بعض الناس حي كذب. واما في عنصر الامتناع فنهما أيضاً يقسمان الصدق والكذب في ان قولك بعض الناس حجر كذب ونفيه بعض الناس لا حجر صدق فتصدق النافية ابدا في هذا، القسم وتكذب الموجبة فيه. واما في عنصر الامكان فكلاهما صادقة ضرورة وذلك قولك: بعض الناس كاتب؟ تريد بالفعل - حق، ونفيه بعض الناس لا كاتب؟ تريد بالفعل - حق.
ثم لنتكلم على الايجاب العام والنفي الخاص، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن قضيتي الايجاب العام والنفي الخاص في عصر لايجاب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة، فان قولك: كل الناس حي صدق، ونفيه: لا كل الناس حي ولا بعض الناس حي كذب، فتصدق الموجبة أبدا وتكذب النافية. واما في عنصر الامكان فانهما أيضا يقسمان الصدق والكذب، فان قولك كل الناس كاتب، تريد بالفعل، كذب، ونفيه لا كل الناس [٤٢ و] كاتب أو لا بعض الناس كاتب، تريد بالفعل، صدق، فتكذب الموجبة وتصدق النافية. واما في عنصر الامتناع فانهما أيضا يقسمان الصدق والكذب ضرورة، كقولك: كل إنسان نهاق كذب، ونفيه لا كل الناس نهاق أو لا بعض الناس نهاق صدق فتكذب الموجبة وتصدق النافية.
ثم لنتكلم على الايجاب الخاص والنفي العام، وبالله تعالى نتأيد:
стр. 107
إن قضيتي الايجاب الخاص والنفي العام في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرور. فان قولك بعض الناس حي حق، ونفيه: ليس واحد من الناس حيا كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. واما في عنصر الامكان فكذلك أيضاً، لأن قولك: بعض الناس كاتب حق، ونفيه لا واحد من الناس كاتب كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. واما في عنصر الامتناع فكذلك أيضاً، لان قولك: بعض الناس حجر كذب، ونفيه لا واحد من الناس حجر صدق، فتصدق النافية وتكذب الموجبة، فتدبر هذه القسمة فانك ترى رتبة حسنة لا تخونك ابدا فاضبط:
اننا عنينا بقولنا؟ فيما تقدم لنا - " عام " انه الذي تسميه الاوائل " كليا " والذي قلنا فيه " خاص " فهو الذي تسميه الاوائل " جزئيا ".
واعلم ان العموم في النفي والايجاب في عنصر الامكان صادقان ابدا.
واعلم ان الموجبة العامة في عنصر الوجوب صادقة ابدا!
واعلم ان النافية العامة في عنصر الوجوب كاذبة ابدا.
واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الوجوب صادقة ابدا،
واعلم ان النافية الخاصة في عنصر الوجوب كاذبة ابدا.
واعلم ان الموجبة العامة في عنصر الامكان كاذبة ابدا.
واعلم ان النافية العامة في عنصر الامكان كاذبة ابدا.
واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الامكان صادقة ابدا.
واعلم ان الموجبة العامة في عنصر الامتناع كاذبة ابدا.
واعلم ان النافية العامة في عنصر الامتناع صادقة ابدا.
واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الامتناع كاذبة ابدا.
واعلم ان النافية الخاصة في عنصر الامتناع صادقة ابدا.
واندرج لنا فيما ذكرنا آنفا أمر غلط فيه جماعة من الناس فعظم فيه خطاهم وفحش جدا. وذلك أنهم قدروا أن القائل: ليس بعض الناس نهاقا، انه قد أوجب لسائرهم النهيق [٤٢ ظ] ، فظنوها قضية كاذبة، وهذا كذب منهم وظن فاسد رديء باطل ينتج لهم نتائج عظيمة الفحش، لأنه لم يخبر عن سائرهم بخبر أصلا بانهم ينهقون، ولا بانهم لا ينهقون، ولا ندري لو اخبر لكان يخبر
стр. 108
بكذب أو بصدق حتى يخبر، فندي حينئذ صفة خبره، لكنه الآن قد صدق في نفيه النهيق عن بعضهم صدقا صحيحا متيقنا، وسكت عن سائرهم، وليس يلزم من أخبر عن بعض النوع بخير يعمه ويعم سائر نوعه أن يخبر ولا بد عن سائر النوع إلا ان شاء ان يخبر، والسكوت ليس كلاما؛ ومن سكت لم يتكلم؛ ولا تقض على احد بسكوته انه قضاءا لا يعلم الا بالكلام الا حيث أمضت الشريعة القضاء به فيما صار خارجا بالامر عن المعهود المعلوم فقط، وليس ذلك الا في موضعين فقط لا ثالث لهما، احدهما اقرار الرسول ﵊ على ما رأى. والثاني صمات البكر، ومن تكلم فلم يسكت، الا ترى ان من قال نفس زيد حية ناطقة ميتة فهو صادق، فلو كان رأى هذا الظان الذي ابطلنا غلطه حقا لكان القائل نفس زيد حية ناطقة ميتة كذبا، لا نه على حكم هؤلاء الجهال كان يكون موجبا لسائر أنفس الناس على ما اخبر به عن نفس زيد، وهذا ما لا يظنه ذو عقل؛ ولو كان هذا لكانت القضايا المخصوصة كلها كواذب، أي ان كل خبر عن شخص كان يكون كاذبا، إذ ينطوي فيه عندهم ان سائر نوع بخلاف ذلك، فما كان هذا مكبرة للحس صح ما قلنا اولا من ان المخبربان بعض الناس ليس حمارا صادق، يكن النفي لما هو منفي أولى بالصدق فيه من الا يجب لما هو موجب ولم يلزمه ان يظن به انه اوجب الحمارية لسائر من سكت عنه من باقي النوع، لكن سائر النوع موقوف على ما هو عليه أي له من الحكم ما قد وجب بعد له بغير هذه القضية التي قضيت على بعضه، وهذا الذي غلط فيه كثير ممن تكلم في علم الشريعة " بدليل الخطاب " وقضوا به القضايا الفاسدة؛ وكذلك من أخبر بممكن فقال: بعض الناس كاتب أو ليس زيد كاتبا فليس فيه ان سائر الناس لا كتاب ولا ان من عدا زيدا كاتب، ولا يوجب قوله ما ذكرنا شيئا مما سكت عنه أصلا، وإنما يؤخذ حكم سائرهم من دلائل أخر وقضايا غير هذه، ولو كان ما ظنه هؤلاء المغفلون لوجب ضرورة ان قوا [٤٣و] القائل: زيد كاتب كذب، إذ ذلك يوجب على حكم هؤلاء ان جميع الناس حاشاه كتاب. فلما كان كلا الامرين باطلا بطل الحكم لجميع ما ذكروه، ولما
стр. 109
صدق القائل: ليس زيد كاتبا، والقائل: عمرو كاتب، والقائل: خالد حي والقائل: ليس عبد الله حجرا، ولم يوجب كل ذلك حكما على غير من ذكر لا بموافقة ولا بمخالفة، صح ما قلنا من ان القضية إنما تعطيك مفهومها خاصة وان ما عداها موقوف على دليله، وبطل قول من قال: ان عداها خارج عن حكماء، وبطل أيضاً قول من قال: إن عداها داخل في حكمها، وبالله تعالى التوفيق.
ولا يظن ظان ان هذا نقض لما قلنا في كتبنا في احكام الدين ان الحكم الذي حكم به الواحد الأول تعالى على لسان الذي ابتعثه رسولا الينا في شخص من نوع انه لازم لجميع النوع الا ان يبين انه خص به ذلك الشخص، وقلنا أيضاً انه غير لازم لغير ذلك النوع أيضاً أصلاً الا ببيان وارد بانه فيما سواه من الانواع، فمن ظن في كلامنا هذا الظن فقد غاب عن فهم قولنا. وبيان ذلك ان عدد الاشخاص غير متناه عندنا، على ما قدمنا في اول هذا الديوان، فلا سبيل إلى عموم كل شخص منها بخطاب يخصه إذ هم حادثون جيلا بعد جيل، والرسول ﵇ مبتعث ليحكم في كل شخص وعلى كل شخص يحدث أبدا إلى انقضاء عالم الاختبار، فإذا حكم، ﷺ ، في شخص بحكم ولم يعلمنا انه خص به ولا انفرد به ذلك الشخص بكلام يخصه به كان كحكمه على البعض الذي في عصره وكان ذلك جاريا بالمقدمات المقبولة على كل حادث من الاشخاص ابدا. ويكفي من بطلان هذا الاعتراض انه لا شيء من كلامه، ﵇، أتى مفردا الا وقد جاء معه بيان واضح عام لمن سوى ذلك الشخص ولما سواه ابدا. وليس هذا مكان الكلام في ذلك، وإنما نبهنا عليه لئلا يتحير فيه من صدم به ممن يقول بقولنا، وبالله تعالى التوفيق.
واعلم ان قولك: كل الناس حي وقول الذي يناظرك: بع الناس حي ليس خلافا لقولك؛ وكذلك لو قال: زيد حي، لكن هذا تتال في الايجاب لأنه تلاك فصوب بعض قولك ولم يخالفك في سائره ولا وافقك لكنه امسك عنه؛ وكذلك إذا قلت: كل الناس لا حجر، فقال هو: بعض الناس لا حجر، فلم يخالفك لكنه تتال في النفي أي تتابع. وإنما يكون خلافا إذا قلت: كل الناس احياء، وقال هو ولا واحد من الناس حي، وقال: ليس بعض الناس
стр. 110
حيا فهذا خلاف [٤٣ظ] احدهما نفي عام والثاني نفي خاص.
واما القضايا المخصوصة وهي التي يخبر بها عن شخص واحد فانها تقتسم الصدق والكذب ابدا في الواجب والممكن والممتنع؛ اما في الواجب فتصدق الموجبة ابدا وتكذب النافية، كقولك، زيد حي لا حي. واما ف الممتنع فتكذب الموجبة ابدا وتصدق النافية كقولك: زيد حجر لا حجر. واما في الممكن فكيف ما ولفق حقيقة الخبر في صفة الشخص المخبر عنه مثل قولك: زيد طبيب زيد ليس طبيب، فان التي توافق صفته تصدق اما الموجبة واما النافية والتي تخالف صفته تكذب، إما الموجبة واما النافية.
٧ - باب ذكر موضع النفي
واعلم أنه واجب أن تراعي إذا أردت أن تنفي صفة ما أين تضع حرف النفي، فأصل الحكم فيه إذا اردت البيان ورفع الاشكال ان تضع حرف النفي قبل الخبر لا قبل المخبر عنه، فيقول خصمك: زيد حي فتقول: زيد لا حي. واعلم ان الاوائل إذا وضعوا حرف النفي قبل الموضوع الذي هو المخبر عنه، كان معه خبرا أو لم يكن معه خبر، فحينئذ يسمونه " غير محصل " [و] إذا وضعوه قبل الموضوع، وضعوه ثانية أيضاً قبل المحمول الذي هو الخبر سموه " غير محصل ومتغيرا " ولو وضعوه قبل المحمول فقد سمي " متغيرا " فقط. وذكروا انه قد يقع في المهمل الذي لا سور عليه، وفي المخصوص وهو الاخبار عن شخص واحد وفي ذوات الاسوار. واذا وضعوه قبل المحمول في القضية ذات السور سموه: " مسلوبا "، واذا وضعوه قبل السور سموه " نقيضا "، واذا وضعوه في كل موضع من هذه المواضع جمعوا له الاسماء الثلاثة المذكورة.
وكل قضية لم يكن حرف النفي قبل موضوعها الذي هو المخبر فهي تسمى " بسيطة " نافية كانت أو موجبة ذات سور كانت أو غير ذات سور، وانت إذا قلت: لا إنسان حجر فانك لم تحصل شيئا تخبر عنه. وتأمل عظيم