تعريف موجز بالمؤلف والكتاب
راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ: ١٢٩٨، وأزهار الرياض ٣: ١٦٧، ٢٨٣، ووفيات الأعيان ١: ٨٧ وطبقات الشافعية ٤: ٤٣ وشذرات الذهب ٤: ٢٥٥ ومرآة الزمان ١: ٣٦١ والأنساب واللباب في مادة " السلفي ".
اسمه: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفه.
كنيته: أبو طاهر.
لقبه: صدر الدين.
نسبته: السلفي، نسبة إلى جدة إبراهيم سلفه (بكسر السين وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء) وقيل إن سلفه لقب لجده أحمد. وسلفه لفظ أعجمي أصله " سي لبة " يعني ثلاث شفاه، لأن إحدى شفتيه كانت مشقوقة. وقال بعضهم سلفة: قرية بالمشرق، لكن ياقوتاً لم يذكرها في معجمه، ولم يفسر السمعاني معنى هذه النسبة.
стр. 2
بلده: أصبهان، من محلة فيها تدعى جرارواءان ولذلك يقال له: الجراواءاني.
مولده: قال عن نفسه: اذكر مقتل نظام الملك في سنة ٨٥؛ وكان لي من العمر حدود عشر سنين (وفي رواية: عشر سنين دون ذكر لفظة حدود) . وحدث عن نفسه أنه حدث سنة ٤٩٢ وعمره سبع عشرة سنة، وروي عن أنه قال: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ٤٧٨ (وفي رواية أخرى ٤٧٢) . والأرجح أنه ولد في حدود سنة ٤٧٨ ولهذا الاختلاف في عام مولده ظهر الاختلاف في تقدير عمره بين ٩٨؟ ١٠٦ سنوات.
زواجه: تزوج المرأة الصالحة: " ست الأهل " ابنة أبي عبد الله بن أبي موسى الخولاني، وتوفيت في حياته، ولعلها هي نفس المرأة التي تزوجها في الإسكندرية وتصفها المصادر باليسار.
وفاته: توفي على وجه اليقين صبيحة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ٥٧٦.
طلبه العلم:
٤٨٨: - بدأ السماع في اصبهان على علماء بلده.
٤٩٢: - أخذ الناس يكتبون عنه وهو ما يزال في دور الطلب. وفي هذا الدور عمل معجماً لشيوخه الاصبهانيين وهم أزيد من ستمائة شيخ.
٤٩٣: - ارتحل إلى بغداد فدخلها في رابع شوال وكان همه أن يلقى ابن البطر أحد علمائها، وكان شيخاً عسراً، فقال له لدى وصوله: " قد رحلت من اصبهان إليك؟ أي لأجلك؟ فقال
стр. 3
اقرأ؟ وجعل بدل الراء غيناً؟ فقرأت عليه وأنا متكئ لأجل دماميل بي، فقال: أبصر ذا الكلب، فاعتذرت إليه بالدماميل وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة عشر حديثاً وخرجت ثم قرأت عليه نحو من خمسة وعشرين جزءاً، ولم يكن بذاك ". ثم قرأ على عدد من علماء بغداد، وعمل معجماً للشيوخ الذين لقيهم ببغداد وصف بأنه معجم كبير.
٤٩٧: - (أو ٤٩٩) ذهب إلى الحج وسمع في طريقه بالكوفة، كما سمع بمكة والمدينة، وكان أمير الحاج اسمه خمارتكين.
٥٠٠: - كان في البصرة وفيها سمع طائفة من علمائها.
٥٠٠ -؟ ٥٠٩: نقله التطواف إلى مدن الجبال والدينور وقزوين وساره ونهاوند وذربيجان، ودخل آمد وخلاط ونصيبين، وقرى كثيرة في تلك المناطق. وفي سنة ٥٠٧ كان في سلماس، وآخر بلد أقام فيه غقامة غير قصيرة قبل أن يرتحل إلى دمشق هو ثغر آمد. وفي كل هذه الرحلة كان ينزل في الأربطة.
٥٠٩: - دخل دمشق وقضى فيها قرابة عامين يطلب الحديث.
٥١١: - كان في صور وسمع من علمائها والعلماء المقيمين فيها.
٥١٧: - سافر بحراً إلى الإسكندرية واتخذها دار إقامة.
٥١٧: - سافر إلى مصر " القاهرة " سفرته الوحيدة فقطع بها رتابة الحياة التي آثرها في الإسكندرية، وروى عن علماء فيها، واشترى كتباً كثيرة من ابن الموقفي.
٥١١، - ٥٧٦: إقامة دائمة في الإسكندرية؛ بعد أن كان يفكر أن
стр. 4
ارتحاله إليها تتمة لرحلته في الطلب يعود بعدها إلى اصبهان وطنه؛ ومن اجل ذلك كان قد أنفذ تعليقاته من سماعات وأجزاء إلى اصبهان فلما لم تتفق له عودة إليها عهد إلى أبي العباس أحمد بن مروان بن محمد الشاطبي بأن يحملها إليه. كذلك خلف كثيراً من مقيداته في البلدان التي زارها، فأما ما قيده في آمد وديار بكر فقد تركه في ثغر آمد؛ وترك في ثغر سلماس ما قيده في أذربيجان وأرانيه وشروان وباب الأبواب وغيرها، وكان قد خرج من سلماس على نية الرجوع إليها.
أسباب إقامته في الإسكندرية:
اجتذبته الإسكندرية للإقامة فيها:
(١) لأنه تزوج فيها امرأة ذا يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف، ووجد الاستقرار أروح لنفسه.
(٢) كان قد شبع من التطواف، وكان موقع الإسكندرية يهيء له لقاء الكثيرين دون الرحلة إليهم، فوجد نفسه في مركز العالم الإسلامي قادراً على الإفادة والاستفادة دون عناء الرحلة.
(٣) بنى له العادل بن السلار مدرسة، وكان العادل قد ولي الإسكندرية مدة قبل أن يتولى الوزارة، فأصبح الاستقرار أمراً ضرورياً إذ كان السلفي هو شيخ هذه المدرسة يدرس فيها وفي المدرسة الصالحية الحديث ومسائل الخلاف وفقه الشافعي.
ومن ثم يمكن أن ترى في حياة السلفي مرحلتين: مرحلة التنقل قبل الإسكندرية ثم مرحلة الاستقرار وهي أطولهما، وفيها نال السلفي مكانة عالية، وقصده الناس من كل صوب، وتعرف إلى فئات متفاوتة من
стр. 5
البشر، وقيد كثيراً مما سمعه؛ وكانت الإسكندرية " محطة " الحجاج من الأندلس والمغرب، وملتقى الأفواج الجالية عن أوطانها من شرق وغرب، فالحروب الصليبية دفعت كثيرين من سكان البلاد المقدسة لاختيار الإسكندرية وطناً لهم، واحتلال النورمان لصقلية أخرج الصقليين عن وطنهم فوجدوا الأمن في الإسكندرية، والهزات المتلاحقة التي أصابت المدن الأندلسية جعلت كثيراً من أهلها يهاجرون إلى الإسكندرية، هذا إلى الجوابين من طلاب العلم، وأصحاب الأسفار البعيدة من طبقات التجار والمغامرين. ولقي السلفي كثيراً من هؤلاء، وقيد عنهم، وبعضهم كان ينزل في رحاب المدرسة العادلية، وبعضهم كان يلقاه مادحاً بأبيات من الشعر فينال جائزته، ولم يكن السلفي يقتصر على لقاء العلماء والمتعلمين بل كان كنفه رحباً لمختلف الطبقات، وكان شغفه بالتقييد يدفعه إلى تسجيل الفوائد أياً كان مصدرها، وكثيراً ما يخبرنا أنه قيد هذه الفائدة أو تلك لغرابة في اسم صاحبها. ولم يصطدم السلفي بالدولة وإن خالفها في المذهب، والعصر عصر الفاطميين والخليفة هو الحافظ، لسببين: أولهما خليقة السلفي على السهولة واليسر، وثانيهما ميل الدولة نفسها إلى شيء من التسامح، لحظه السلفي نفسه ونوه به.
حرصه على الإجازات:
ولم يكتف السلفي بالرحلة ولقاء العلماء والسماع منهم، بل كان؟ على عادة العلماء في عصره؟ يشال من بعدت داره أن يجيزه، كما كان هو نفسه يجيز من يسأله ذلك. فمن مشهور من أجازهم السلفي على البعد القاضي عياض، وكلف أبا الحسن علي بن إبراهيم بن يوسف الأنصاري السرقسطي أخذ إجازات الأندلسيين له سنه ٥١٢، أي العام التالي
стр. 6
لحلوله في الإسكندرية، فأخذ له السرقسطي إجازات ابن عتاب وأبي بحر وابن طريف ونظرائهم بقرطبة، وابن أبي تليد وابن جحدر بشاطبة، وخليص ببلنسية. وتمكنت الصلة بين السلفي والأندلسيين، وزادها الراحلون قوة واستمراراً، حتى يمكن أن نعده أستاذاً لعشرات منهم. ولا يمثل المذكورون إلا نسبة ضئيلة ممن رووا عن السلفي وحدثوا عنه أو نالوا إجازته، ومن شاء أن يستكمل صورة العلاقة بين السلفي والأندلسيين فعليه أن يراجع كتاب التكملة لابن الأبار، وصلة الصلة لابن الزبير، والذيل والتكملة لعبد الملك المراكشي.
ومن الأحداث النموذجية التي تتصل بالإجازات، ما قام به السلفي نفسه حين أرسل إلى الزمخشري رسالة يطلب إليه فيها أن يجيزه، ويقول: " إن رأى الشيخ الأجل العالم العلامة؟ أدام الله توفيقه؟ أن يجيز جميع سماعاته وإجازاته ورواياته وما ألفه في فنون العلم وأنشأه من المقامات والرسائل والشعر لأحمد بن محمد بن أحمد السلفي الاصبهاني، ويذكر مولده ونسبه إلى أعلى أب يعرفه، ويثبت كل ذلك بخطه تحت الاستدعاء، مضافاً إليه ذكر ما صنفه وذكر شيوخه الذين أخذ عنهم، وما سمع عليهم من أمهات المهمات، حديثاً كان أو لغة أو نحواً أو بيتاً، فعل مثاباً. وإن تمم إنعامه بإثبات أبيات قصار ومقطوعات في الحكم والأمثال والزهد وغير ذلك من نظمه ومما أنشده شيوخه من قبلهم أو كم قبل شيوخهم بعد تسمية كل منهم، وإضافة شعره إليه، والشرط في كل هذا أن يكون بالإسناد المتصل إلى قائله، كان له الفضل.. ".
وقد رد الزمخشري بما يفيد أنه زهد في الدنيا ونقل كتبه إلى مشهد أبي حنيفة ولم يبق له إلا كتاب الله يطالعه ولاذ بحرم الله المعظم.
стр. 7
ولكن يبدو أنه أجاز له ما طلبه. فكتب إليه السلفي رسالة ثانية من الإسكندرية بعد عام من الرسالة الأولى وفيها طلبات محددة، وعاد الزمخشري يلوذ بالتواضع والاعتذار ثم يوضح في نهاية الرسالة شيئاً مما طلب السلفي توضيحه.
صورة من شخصية السلفي:
كان السلفي سمح الطبع متحملاً حليماً لا تبدو منه جفوة لأحد، فإذا جلس في مجلس الدرس أخذ نفسه بالشدة فلم يشرب الماء ولم يتورك ولم تبد له قدم. وكان على سهولة عشرته آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، أزال من جواره منكراً كثيراً وتاب على يديه عدد ممن يشربون الخمر.
وكان يقضي أكثر وقته في التدريس والعبادة والمطالعة. أقام خمساً وستين سنة في الإسكندرية لم يسافر خلالها إلا مرة واحدة، بل إنه لم يكن يخرج في الإسكندرية إلى متنزه أو متفرج. وما أبعد البون بين السلفي الذي قضى المرحلة الأولى من حياته دائب التنقل وبين السلفي الذي عاش ما عاش في الإسكندرية؟ في المرحلة الثانية؟ دون أن يرى منارة الإسكندرية إلا من طاقة بيته.
وكان شغوفاً بجمع الكتب، ينفق في ذلك أموالاً طائلة، وتجمعت لديه خزائن لم يتفرغ للنظر فيها، فعفنت وتلصقت بسبب الرطوبة فكانوا يخلصونها بالفأس حتى تلف أكثرها.
منزلته في العلم:
جمع السلفي بين علو الإسناد وعلو الانتقاد فهو من كبار المحدثين في عصره، وكان دقيقاً ضابطاً لما يحسن، يكتب خطاً سريعاً إلا أنه
стр. 8
صحيح، ولم يكن يحدث إلا من أصل كتبه وكان يقول: متى لم يكن الأصل بخطي لم أفرح به. ولذلك شهد له العلماء بالتقدم في علم الحديث فقال ابن المفضل: كان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث، وقال السمعاني: أبو طاهر ثقة ورع ثبت فهم حافظ. وقال ابن شافع: السلفي شيخ العلماء. ولذلك فلا غرابة إذا قصده طلاب الحديث من كل صوب.
أما منزلته في غير الحديث فإنها دون ذلك. فكان ذا حظ من العربية وله رسائل وينظم الشعر، وما وصلنا من شعره يدل على إيثاره للنواحي التعليمية والأخلاقية، وكان يؤثر رواية هذا اللون منه، ويحب ما اندرج في باب الزهد والحكمة. وكان متقناً للقراءات، قرأ بحروف متعددة، وحصل هذا العلم في دور مبكر (عام ٤٩١) . وأما في الفقه فلم يصلنا من آرائه إلا اليسير. فنحن نعلم مثلاً أنه كان ينكر القراءة بالألحان ويراها بدعة، مخالفاً بذلك من يرون جوازها. وفي زمنه رفع اليهود إلى صلاح الدين يسألونه أن يتحاكموا إلى مقدم شريعتهم وأن يتوارثوا حسب شرعهم من غير أن يعترضهم في ذلك معترض، فألقى صلاح الدين هذه المسألة على الفقهاء من المالكية والشافعية ليفتوه فيها فكتب السلفي: " الحكم بين أهل الذمة إلى حاكمهم إذا كان مرضياً باتفاق منهم كلهم، وليس لحاكم المسلمين النظر في ذلك إلا إذا أتاه الفريقان ". ولما ناقش السبكي (والد صاحب الطبقات) هذه الفتيا قال في التعليق عليها: " وأما السلفي فهو محدث جليل حافظ كبير وماله وللفتوى، وما رأيت له قط فتوى غير هذه، وما كان ينبغي له أن يكتب فإن لكل عمل رجالاً ".
стр. 9
معجم السفر:
لم يصلنا من المعاجم الثلاثة التي ألفها السلفي إلا هذا المعجم الذي خصصه لمن لقيهم من الناس ما عدا علماء أصبهان وبغداد. وهذا كتاب بالغ القيمة يدل على دقة الملاحظة عند مؤلفه وشغفه بالتقييد ويقدم لنا صورة دقيقة، في جوانب كثيرة، عن حياة القرن السادس في النواحي العلمية والاجتماعية. وهو يتميز بضبط رجل متمرس بالحديث وعلم الرجال، ولذلك كان مصدراً هاماً للذين كتبوا في البلدان والتراجم، فاعتمده ياقوت اعتماداً كبيراً في معجم البلدان، كما كان منبعاً يستقي منه القفطي في أنباه الرواة. وقد رتبه مؤلفه على حسب حروف المعجم معتمداً الاسم الأول في السند. إلا أن السلفي لم يقم؟ في ما يبدو؟ بوضعه في صورة نهائية، وإنما كان ما تبقى منه على شكل جذاذات جمعت ورتبت من بعده، فجاء الكتاب ناقصاً في عدة مواضع، ومن دقق في ترتيبه على حسب الحروف وجد فيه تقديماً وتأخيراً، كما سقط من أوله جميع الأسماء التي تقع قبل " أحمد ". ويشهد معجم البلدان أن مؤلفه اطلع على نسخة أتم من الكتاب ونقل منها مواد لم تصلنا في أصولها.
ولدينا من الكتاب؟ حسب ما أعلم؟ نسختان إحداهما مصورة بدار الكتب المصرية وهي ذات أوراق مضطربة تنتظر ترتيباً جديداً، والثانية نسخة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة (رقم المخطوط فيها ١٧٦ حديث) وهي حديثة النسخ حسنة الترتيب كتبها عبد الحفيظ بن محمد صالح حمادة سنة ١٢٣٩، وأصلها منقول عن جذاذات بخط المؤلف وتقع في ٢٣٩ ورقة، وهي مكتوبة بخط واضح قليل الخطأ، وفي الصفحة الواحدة منها عشرون سطراً ويتراوح عدد كلمات السطر والواحد بين
стр. 10
١٠ -؟ ١٢ كلمة؛ وهذه هي النسخة التي اعتمدتها في إعداد هذه المجموع من تراجم الأندلسيين وأخبارهم، وكان معهد المخطوطات بالجامعة العربية قد حصل منها على فلم رقمه: ٢٨ وعن طريق المعهد حصلت على صور منها، لذا أتوجه بالشكر الجزيل إلى صديقي الأستاذ محمد رشاد عبد المطلب لتلطفه في إرسالها إليّ.
إن من تمام الفائدة أن يظهر " معجم السفر " كاملاً، ولكن حال دون ذلك ما في النسخة من نقص كثير، وعسى أن يتاح لنا العثور على نسخة أوفى، والله الموفق.
بيروت في ٢٥ نيسان (أبريل) ١٩٦٣.
إحسان عباس
стр. 11
- ١؟
أنشدني أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عمر الغساني الإشبيلي (١) وآخران، قالوا أنشدنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن صارة الشنتريني (٢) لنفسه بالأندلس:
أودت بذات يدي فرية أرنب ... كفواد عروة في الضنا والرقة
لو أن ما أنفقت في ترقيعها ... يحصى لزاد على جبال الرقة
إن قلت: بسم الله بين رقاعها ... قرأت علي: إذا السماء انشقت
فترى مرقعها يقاسي دهره ... بعد المشقة في قريب الشقة
стр. 12
- ٢؟
أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد بن مالك الأنصاري السرقسطي (١) بالثغر، قال أنشدني أبو الوليد محمد بن مالك الكاتب بالأندلس، قال أنشدني أبو العباس التطيلي الأعمى (٢) لنفسه بقرطبة يصف رمحاً (٣) :
جرى الدم في متنيه بدءاً وعودةً ... كما كان يجري فيهما الماء من قبل
فأصبح مياداً ومغرسه الكلى ... كما كان مياداً ومنبته الرمل أبو كر هذا من أهل الأدب ويخاطب خطاب الوزراء وذوي الحسب، يعد في قطره من الرؤساء، وله شعر فائق، وترسل رائق، وقد كتب عني فوائد وعلقت عنه جملة صالحة من شعره وشعر من رآه من شعراء الأندلس، ثم توجه إليها وانقطع عني خبره.
стр. 13
- ٣ -
أنشدني أبو جعفر أحمد بن الوليد بن مهدي التطيلي، أنشدنا أبو الحسين سليمان بن محمد بن طراوة المالقي (١) لنفسه بالأندلس:
وقائلةٍ وأتكلف بالغواني ... وقد أحضى بمفرقك النهار
فقلت لها: حثثت على التصابي ... " أحق الخيل بالركض المعار " - ٤ -
أنشدني أبو العباس احمد بن يوسف بن نام اليعمري البياسي، أنشدني أبو عبد الله القفال البياسي بها لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان القيسي المعروف بابن الحداد (٢) المروي ابتداء قصيدة:
أربرب بالكثيب الفرد أم نشأ ... ومعصر في اللثام الورد أم رشأ
كأن قلبي سليمان، وهدهده ... لحظي، وبلقيس لبني، والهوى النبأ
стр. 14
أبو العباس هذا (١) شاعر مفلق، وأديب محقق، وكان كثير الحفظ لشعر شعراء الأندلس المتأخرين خاصة ولشعر غيرهم من المتقدمين من كل إقليم، ومال بعده إلى الآخرة، وباع كتبه عازماً على الجهاد، راغباً في الشهادة، فخرج بنية الغزو وانقطع عنا خبره، فسبحان العالم بحاله، وقد علقت عنه مقطعات كثيرة من شعره وشعر غيره، وقلت له: أنشدني من مخترعاتك، وهات من مخبآتك، فقال مرتجلاً:
من سيئاتي مخبآتي ... فخل عني وقول هات
فكلها إن بحثت عنها ... مشبهات بترهات وأنشد يوماً آخر، وقد علقت عنه من شعره وشعر غيره ما يستحسن جداً:
فوائد قد أتتك على آرتجال ... سلبت بهن ألباب الرجال
فإن أنشدتها يوماً بحفلٍ ... ملأت بها السجال إلى السجال
стр. 15
- ٥ -
سمعت أبا العباس أحمد بن يوسف بن نام اليعمري البيارسي بالثغر يقول (١) ، سمعت فاخر بن فاخر القرطبي بالأندلس يقول: مدح عبد الجليل بن وهبون المرسي المعروف بالدمعة، المعتمد بن عباد بقصيدة فيها تسعون بيتاً فأجازه بتسعين ديناراً فيها دينار مقروض، فلم يعرف العلة في ذلك إلى أن تأملها، وإذا هو قد خرج من العروض الطويل في بيت إلى العروض الكامل، فعرف حينئذ السبب.
- ٦ -
سمعت أبا الحسين أحمد بن علي بن هاشم الكتبي المعروف بابن الموقفي بمصر (٢) ، وجرى ذكر كرامات يا الأولياء، فقال: كان في جواري
стр. 16
شيخ أندلسي صالح كثيرة الصلاة بالليل والنهار كثير القراءة للقرآن فبعث إليّ يوماً فدخلت عليه فقال، وهو قاعد ليس به مرض شديد: أنا أموت غداً، ولهذه المرأة؟ وأشار إلى امرأته؟ عليّ عشرون درهماً بقية مهرها، وليس لي سوى هذه العشرة الدراهم، وهي عند رأسي إذا نمت؟ وأشار إليها؟ وهذه الأجزاء ربما تساوي عشرين درهماً، وأحب منك أن تواريني وتوفي ما عليّ، فقلت: ما أنت إلا بخير، والله تعالى يهب لك العافية. وخرجت وأنا متهاون بقوله؛ فلما كان في اليوم الثاني جاء من اخبرني بوفاته فذهبت إليه، فإذا هو قد نزل من غرفته إلى المسجد، ونام مستقبل القبلة وقبض؛ فقام عليّ شعر بدني، واهتممت بغسله ودفنه، وعلمت أن لله تعالى أولياء لا يطلع عليهم وعلى أحوالهم إلا من شاء متى شاء.
стр. 17
- ٧ -
سمعت أبا العباس أحمد بن مروان بن محمد الشاطبي التاجر بالإسكندرية يقول: يقال بالأندلس لمن يعمل الكمررانات واغمدة السيوف والسكاكين: الصناع.
أبو العباس هذا أندلسي صالح وله علي يد لاجتهاده في إيصاله ما حمل إليّ من اصبهان من سماعاتي واجزائي التي كتبتها بكل قطر وأنفذت بها إلى اصبهان طمعاً في الرجوع إليها، ولم يتفق، فأحببت أحياء ذكره والترحم عليه، ﵀، وقد كان متميزاً وله ترسل لا بأس به، وتوفي بالعراق، نفعه الله بالعلم.
стр. 18
- ٨ -
أنشدني أبو الحسن الخضر بن محمد بن عبد الله الغساني المربي بديار مصر، قال أنشدني أبو العباس الزاهدي بالأندلس لشاعر مقدم:
يا من أناجيه في سر وإعلان ... وأرتجيه لإفضالٍ وإحسان
اغفر لعبد مسيءٍ خائفٍ وجلٍ ... من هول يوم له شان من الشان الخضر هذا قدم الثغر حاجاً، وكاتبني في معناه الفقيه [.......] (١)
- ٩ -
أنشدني أبو الفضل أحمد بن عبد الكريم بن مقاتل الصنهاجي المقرئ، قدم علينا الاسكندرية، قال: أنشدني أبو محمد عبد الحبار
стр. 19
ابن أبي بكر بن حمديس الصقلي الأزدي لنفسه بتونس (١) :
لما كبرت أتتني كل داهيةٍ ... وكل ما كان مني زائد نقصا
أصافح الأرض أن رمت الجلوس بها ... وإن مشيت ففي كفي اليمين عصا
стр. 20
- ١٠؟
أنشدني أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى وكيل التجيبي الأندلسي (١) بالثغر، قال:
أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد (٢) اللغوي لنفسه بالأندلس:
قل لقوم لا يتوبون ... وعلى الإثم يصرون
خففوا ثقل المعاصي ... أفلح القوم المخفون
لن تنالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون أبو العباس هذا يعرف بالأقليشي (٣) ، وكان من أهل المعرفة باللغات والأنحاء والعلوم الشرعية، محمود الطريقة نصيحاً ومن أهل الأدب
стр. 21
والورع والمعرفة بعلوم شتى، ومن جملة أساتيذه أبو محمد البطليوسي وأبو الحسن بن سبيطة الداني وأبو محمد القلني (١) وآخرون. وله شعر جيد ومؤلفات حسنة، قدم علينا الإسكندرية سنة ست وأربعين وخمسمائة، وقرأ علي كثيراً وكتب عني فوائد وتوده إلى الحجاز، وبلغنا أنه توفي بمكة، ﵀.
ومن شعره، أنشدني أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى بن وكيل التجيبي الأندلسي لنفسه، وكتب بخطه:
كان حقي ألا أذكر غيري ... وأنا ما كفيت شري وضيري
غير أني برحمة الله ربي ... ارتجي أن يفيدني كل خير وأنشدني لنفسه:
تتحدر العبرات من أحداقه ... فترى لها في خده آثارا
ولربما امتزجت دماً من قلبه ... حتى كأن الدمع يطلب ثارا
стр. 22
- ١١ -
أنشدني أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوثر الغرناطي (١) بديار مصر، قال أنشدني أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف النحوي (٢) لنفسه بالأندلس في كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي النحوي (٣) :
أضع الكرى لتحفظ الإيضاح ... وصل الغدو لقهمه برواح
هو بغية المتعلمين ومن بغى ... حمل الكتاب يلجه بالمفتاح
لأبي علي في الكتاب إمامة ... شهد الرواة لها بفوز قداح
يفضي على أسراره بنوافذ ... من علمه بهرت قوى الأمداح
стр. 23
فيخاطب المتعلمين بلفظه ... ويحل مشكلة بومضة واح
مضت العصور وكل نحو ظلمة ... وأتى فكان النحو ضوء صباح
أوصي ذوي الإعراب أن يتذاكروا ... بحروفه في الصحف والألواح
فإذا هم سمعوا النصيحة أنجحوا ... إن النصيحة غبها لنجاح ابن كوثر هذا كان من أعيان أهل غرناطة ومموليها بالأندلس، قدم الإسكندرية بعد ما جرى على بلده ما يجل عن الصوف من القتل والنهب وخراب أملاكه وذهاب أمواله، ورأيت له معرفة جيدة بالنحو، وكتب عني شيئاً يسيراً من الحديث، ثم توجه إلى الحجاز بنية الإقامة إلى حين الوفاة، فبلغني أنه توفي بمصر سنة خمس وخمسين وخمسمائة بعد أن حج وزار، رحمه الله تعالى وإيانا إذا صرنا إلى ما صار إليه.
стр. 24
- ١٢ -
أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد بن حصن الخزرجي البلنسي بالثغر، قا أنشدني أبو بكر محمد بن المهلب ... الكاتب المرسي بالأندلس لخلف ابن فرج اللبيري المعروف بالسميسر الشاعر (١) :
بلنسية بلدة جنة ... وفيها عيوب متى تختبر
فخارجها زهر كله ... وداخلها برك من قذر أبو بكر هذا من أعيان بلدة بلنسية من مدن الأندلس، ومن كبار كتابها وتنائها، قدم علينا الإسكندرية حاجاً سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وسمع علي كثيراً وكتب، وكان حسن الخط جيد الضبط ديناً ورعاً، ومع ديانته وسمعته كان طيب الخلق كثير المداعبة؛ سمعته يقول على رأس السفرة ونحن نأكل، قال حكيم من الحكماء: يكفيك
стр. 25
من الفجل الورق، ومن لحم البقر المرق. وسمعته أيضاً يقول: دعي بعض الأعراب إلى دعوة وقدمت إليه قصعة فيها عظم كثير ولحم قليل فقلب العظام وقال: يا وجوه العرب، طبختم قدركم بالشطرنج. وسمعته يقول: تزوج أحد تلامذة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ببغداد، فلما بنى بها وحضر عنده سأله عن حاله، وقال له كيف وجدت أهلك؟ قال: فيها من الجنة خصلتان، البرد والسعة، فضحك رحمه الله تعالى.
وسألني في كتب شيء له بخطي، فكتبته وسمعه علي، وذلك سنة خمسمائة.
стр. 26
- ١٣ -
أخبرني أبو بكر أحمد بن مجاهد بن جعفر العثماني المقرئ بديار مصر، أخبرنا أبو بكر غالب بن عبد الرحمن المحاربي بالأندلس، أخبرنا أبو عثمان سعيد بن خلف بن جعد الكلابي، حدثنا أبو عبد الله بن الناشئ التجيبي، حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله الليثي، حدثني عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي حدثنا يحيى أبي يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس عن ابن [] عن أبي عبد الرحمن بن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
ابن مجاهد هذا قدم الإسكندرية سنة ثلاثين وخمسمائة حاجاً، وقال لي: قد رأيت ابن الطلاع الفقيه وأبا مروان بن سراج اللغوي، وأبا علي الحياني الحافظ بقرطبة، وأبا داود المؤيدي بدانية، وبها مولدي، وابن أبي جعفر بمرسية، وسكناي الآن بغرناطة، وأعرف هناك بمؤدب
стр. 27
الشبان، وسمعت على ابن عطية بها الموطأ وصحيح البخاري وغير ذلك. وكان من الصالحين ومن أهل الإتقان في القراءات، كبير السن، مجتهداً مع علو سنه في طلب العلم، وسمع علي كثيراً، وسألني في الإجازة له ولابنه، فأجزت لهما.
وأنشدني، قال أنشدني أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي (١) لنفسه بالأندلس (٢) :
إذا لم يكن في السمع مني تصاون ... وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما ... وإن قلت إني صمت يوماً فما صمت
стр. 28
- ١٤ -
سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن طالوت البلنسي بالثغر يقول (١) : سمعت أبا القاسم بن رمضان المالطي بها يقول: كان القائد يحيى صاحب مالطة قد صنع له أحد المهندسين صورة يعرف بها أوقات النهار بالصنج، فقلت لعبد الله بن السمتي (٢) المالطي أجز هذا المصراع:
جارية ترمي الصنج ... فقال: بها النفوس تبتهج
كأن من أحكمها ... إلى السماء قد عرج
فطالع الأفلاك عن ... سر البروج والدرج أنشدني ابن طالوت قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن بشر السفاقسي
стр. 29
بالمهدية لنفسه:
قالت أما راعك المشيب فقد ... أطل والشيب ثالث الحفظه
فملت عن قولها إلى هذرٍ ... لم يعدم الرشد لافظ لفظه
أعله حالك البياض كمن ... سود بالنقس وجه من وعظه ابن طالوت هذا شاب يتوقد ذكاء وله معرفة بالآداب والطب وعلوم الأوائل وكان أكثر ميله إليها، وله شعر جيد ومولده بشبرب وهي من نظره بلنسية (١) . وكان يحضر عندي مستفيداً ... وقد علقت عنه فوائد مغربية ثم تظاهر بالتطبيب وخرج عن الثغر وانقطع عنا خبره ... ومما أنشدني من شعره:
من عاذلي من ذا الزمان السفيه ... يعلي جهولاً ويحط النبيه
قد ألبس الدين حلى ذلةٍ ... فيرهب الراهب فيه الفقيه
стр. 30
- ١٥ -
سمعت الشيخ الأديب أبا الفضل جعفر بن إسماعيل النحوي بالإسكندرية، يقول: سمعت سابي بمصر يقول، سمعت أبا الحسين يحيى ابن نجاح الواعظ الأندلسي بمكة يقول: إذا ذكرت شيئاً فخذوه بقبول واحفظوه فأني لا اعود اذكره إن سئلت عنه.
وسمعته يقول: كان يحيى بن نجاح الواعظ الأندلسي (١) مصنف " الخيرات " إذا وعظ وزهره الناس له قال: كان والدي عبداً لفلان، وأمي جارية اشتريت بكذا وكذا ديناراً فلا يغرك يا يحيى مدح هؤلاء، قال: وهو مصنف " جامع سبل الخيرات " نفعه الله بذلك.
стр. 31
- ١٦ -
أنشدني أبو العباس أحمد بن علي بن عمار النابلي (١) بالثغر لأبي عبد الله محمد بتن شرف القيرواني (٢) ابتداء قصيدة:
كم قد وشت لكن كفيت لسانها ... عين وفت للدمع حتى خانها
أودعتها سر الهوى فوشت به ... ما كل من السرائر صانها أحمد هذا كان من أهل القرآن والخير، قدم الإسكندرية حاجاً،
стр. 32
وقد كتب عني شيئاً من الحديث، وسألته عن نابل فقال: إقليم من أقاليم أفريقية بين تونس وسوسة (١) ، قال: ومن أهلها ممن يروي الحديث محمد بن عبد الحميد النابلي وأبوه عبد الحميد، وعبد المنعم بن عبد القادر وأبوه.
стр. 33
- ١٧ -
أنشدني أبو القاسم ذوبان بن عتيق بن تميم الكاتب المهدوي، ويسمى كذلك عبد الرحمن، وبذوبان يعرف، قال أنشدني أبو حفص العروضي الزكرمي (١) بأفريقية مما قاله بالأندلس، وقد طولب بمكس كان يتولاه يهودي:
يا أهل دانية لقد خالفتم ... حكم الشريعة والمروة فينا
مالي أراكم تأمرون بضد ما ... أمرت، ترى نسخ ألا له الدنيا
كنا نطالب لليهود بجزيةٍ ... وأرى اليهود بجزيةٍ طلبونا
стр. 34
ما إن سمعنا مالكاً أفتى بذا ... (١) لا لا ولا من بعده سحنونا
هذا ولو أن الأئمة كلهم ... حاشاهم بالمكس قد أمرونا
ما واجب مثلي يمكس عدله ... (٢) لو كان يعدل وزنه قاعونا
ولقد رجونا أن ننال بمدحكم ... رفداً يكون على الزمان معينا
فالآن نقنع بالسلامة منكم ... لا تأخذون منا ولا تعطونا [ذوبات] كان كثير الحفظ وقد صحب شعراء أفريقية وعلقت عنه من شعرهم مقطعات.
стр. 35
- ١٨ -
أنشدني أبو الحسن رباح بن أبي القاسم بن عمر بن أبي رباح الخزرجي الرباحي، قدم علينا الإسكندرية، قال: أنشدني أمي مريم بنت راشد ابن سليمان اللخمي الينشتي بالأندلس، قالت: أنشدني أبي أبو الحسن راشد (١) ، وكان كاتب ابن ذي النون، لنفسه (٢) :
يا حاسد الأقوام فضل يسارهم ... لا ترض رأياً لم يزل ممقوتاً
بالمصر ألف فوق قوتك قوتهم ... وبه ألوف ليس تملك قوتا
لو قسمت أرزاقهم بسويةٍ ... لم تعط شيئاً فوق ما أعطيتا أبو الحسن رباح هذا من أعيان الأندلس، ومولده على ما ذكره لي بقرطبة، وأصله من قلعة رباح (٣) ، ولديه معرفة بعلوم شتى منها علم الطب. قال: وقد سمعت الحديث على ابن عتاب وأبي بحر البلنسي
стр. 36
وآخرين بقرطبة، وعلى أبي بكر بن عطية بغرناطة. قال: وقرأت كتاب سيبويه بها على ابن دري.
ولوالده أبي القاسم ترسل جيد وتصرف في الآداب ورواية للشعر.
- ١٩ -
سمعت الفقيه أبا الربيع سليمان بن عبد العزيز بن أسد الاشبيلي الأندلسي ويعرف بابن لولوة بالإسكندرية يقول: رأيت عندنا بالأندلس تفاحاً أحمر، دور كل تفاحة ثلاثة أشبار وثلث (١) ، جلب إلينا من مدينة يقال لها شنترة من مدن الأندلس أيضاً، قال: وهذا يعلمه أهل ناحيتنا. فسألت غير واحد من الأندلسيين سواه فصدقوه في ذلك.
أبو الربيع هذا فقيه على مذهب مالك ومقرئ مجود حافظ للقراءات جاءني بالإسكندرية بعد رجوعه من الحج، واثنى عليه أهل ناحيته بالفضل والصلاح، وسمع مني أجزاء ونسخها، منها كتاب " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " لابن خلاد الرامهرمزي.
стр. 37
- ٢٠ -
سمعت أبا الحسن طارق بن موسى بن يعيش البلنسي (١) بالثغر يقول: سمعت الشيخ ابن الحرار، وكان من صلحاء أهل المرية بالأندلس يقول: كنت بمكة عند فقيه من أصحابنا المالكية، فجلس إلينا رجل لا نعرفه، فإذا ريحه كأنها القطران، فرادعناه في ذلك فقال بعد تمنع: قد كنت رجلاً أبغض أبا بكر وعمر واسبهما وتغالي في حب علي، فرأيته ليلة في المنام وكأني ظمآن، فقلت يا أمير المؤمنين: إني من شيعتك فاسقني، فأشار إلى كوز فشربت منه، ولم يكلفني، فأصبحت وأنا على هذه الحالة، فجيت إلى بيت الله الحرام تائباً مما كنت عليه، واحب منكم المعاونة بالدعاء فربما يزيل الله تعالى عني ما أنا فقيه فقد شبعت من حياتي، فدعونا له، وقام عنا باكياً.
стр. 38
طارق هذا كان من أهل الصلاح، وقد أقام بالإسكندرية مدة مديدة وسمع على جماعة من شيوخها بقراءتي وبقراءة غيري، وكتب كني كثيراً، وكان حسن التلاوة للقرآن متصاوناً، ثم رجع إلى الأندلس، وروى بها ما سمعه عليّ وعلى غيري، وقدم الثغر بعد ذلك بسنين حاجاً، وقد كبر وضعف، وبلغنا انه توفي بمكة، رحمه الله تعالى.
стр. 39
- ٢١ -
حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد بن ملوك التنوخي الفليشي بالإسكندرية بعد رجوعه من مكة؟ وفليش قرية من قرى لرقة بشرقي الأندلس؟ قال (١) : غاب أبو عمران الفليشي موسى بن محمد بهيج الكفيف المربي عن عشائره مدة بالمشرق، فعمل بمصر موشحاً أوله:
يا منجمينا ... هل للغرب سبيل
نحو الظاعنينا ... فالقلب منه عليل
لا يلفي معينا ... إلا دموعاً تسيل
ويجريها هتوناً ... من جفنه ويديل ومنه:
حكى نوح المستهام ... بما به سمن غرام
стр. 40
نوحاً كنوح الحمام ... على ذرى الاكمام
غدا يجري بانسجام ... دمعاً كصوب الغمام
يشكو لكل الأنام ... ما بالحشا من كلام ابن ملوك هذا رجل صالح سمع عليّ: " رسالة أبي محمد بن أبي زيد " في فقه مالك بالإسكندرية، بعد قفوله من الحجاز، وكتاب " الشبهات " للقاضي القضاعي وغير ذلك. وكان يحفظ القرآن ويدوام على تلاوته. وفليش التي هي مسقط رأسه قرية لرقة؟ كما ذكرته آنفاً؟ بشرق الأندلس.