وآخرين بقرطبة، وعلى أبي بكر بن عطية بغرناطة. قال: وقرأت كتاب سيبويه بها على ابن دري.
ولوالده أبي القاسم ترسل جيد وتصرف في الآداب ورواية للشعر.
- ١٩ -
سمعت الفقيه أبا الربيع سليمان بن عبد العزيز بن أسد الاشبيلي الأندلسي ويعرف بابن لولوة بالإسكندرية يقول: رأيت عندنا بالأندلس تفاحاً أحمر، دور كل تفاحة ثلاثة أشبار وثلث (١) ، جلب إلينا من مدينة يقال لها شنترة من مدن الأندلس أيضاً، قال: وهذا يعلمه أهل ناحيتنا. فسألت غير واحد من الأندلسيين سواه فصدقوه في ذلك.
أبو الربيع هذا فقيه على مذهب مالك ومقرئ مجود حافظ للقراءات جاءني بالإسكندرية بعد رجوعه من الحج، واثنى عليه أهل ناحيته بالفضل والصلاح، وسمع مني أجزاء ونسخها، منها كتاب " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " لابن خلاد الرامهرمزي.
стр. 37
- ٢٠ -
سمعت أبا الحسن طارق بن موسى بن يعيش البلنسي (١) بالثغر يقول: سمعت الشيخ ابن الحرار، وكان من صلحاء أهل المرية بالأندلس يقول: كنت بمكة عند فقيه من أصحابنا المالكية، فجلس إلينا رجل لا نعرفه، فإذا ريحه كأنها القطران، فرادعناه في ذلك فقال بعد تمنع: قد كنت رجلاً أبغض أبا بكر وعمر واسبهما وتغالي في حب علي، فرأيته ليلة في المنام وكأني ظمآن، فقلت يا أمير المؤمنين: إني من شيعتك فاسقني، فأشار إلى كوز فشربت منه، ولم يكلفني، فأصبحت وأنا على هذه الحالة، فجيت إلى بيت الله الحرام تائباً مما كنت عليه، واحب منكم المعاونة بالدعاء فربما يزيل الله تعالى عني ما أنا فقيه فقد شبعت من حياتي، فدعونا له، وقام عنا باكياً.
стр. 38
طارق هذا كان من أهل الصلاح، وقد أقام بالإسكندرية مدة مديدة وسمع على جماعة من شيوخها بقراءتي وبقراءة غيري، وكتب كني كثيراً، وكان حسن التلاوة للقرآن متصاوناً، ثم رجع إلى الأندلس، وروى بها ما سمعه عليّ وعلى غيري، وقدم الثغر بعد ذلك بسنين حاجاً، وقد كبر وضعف، وبلغنا انه توفي بمكة، رحمه الله تعالى.
стр. 39
- ٢١ -
حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد بن ملوك التنوخي الفليشي بالإسكندرية بعد رجوعه من مكة؟ وفليش قرية من قرى لرقة بشرقي الأندلس؟ قال (١) : غاب أبو عمران الفليشي موسى بن محمد بهيج الكفيف المربي عن عشائره مدة بالمشرق، فعمل بمصر موشحاً أوله:
يا منجمينا ... هل للغرب سبيل
نحو الظاعنينا ... فالقلب منه عليل
لا يلفي معينا ... إلا دموعاً تسيل
ويجريها هتوناً ... من جفنه ويديل ومنه:
حكى نوح المستهام ... بما به سمن غرام
стр. 40
نوحاً كنوح الحمام ... على ذرى الاكمام
غدا يجري بانسجام ... دمعاً كصوب الغمام
يشكو لكل الأنام ... ما بالحشا من كلام ابن ملوك هذا رجل صالح سمع عليّ: " رسالة أبي محمد بن أبي زيد " في فقه مالك بالإسكندرية، بعد قفوله من الحجاز، وكتاب " الشبهات " للقاضي القضاعي وغير ذلك. وكان يحفظ القرآن ويدوام على تلاوته. وفليش التي هي مسقط رأسه قرية لرقة؟ كما ذكرته آنفاً؟ بشرق الأندلس.
стр. 41
- ٢٢ -
سمعت أبا محمد عبد الله بن الحسن بن علي العذري بالثغر يقول: سمعت المنصور بن مدافع الزناتي بإفريقية يقول: حضر دليل من العرب عند ابن مجاهد صاحب دانية وانظارها بالأندلس (١) ليبعثه دليلاً مع جيش له إلى نائية، فقال: أأنت الخريت؟ فاستشاط غضباً وظن غيرما أراده الأمير وانه يستخف به فقال: وأنت الفسيت؟ فأخجله جداً واحتمله لجهلة، وأمر بصرفه.
- ٢٣ -
أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الكناني الحشمي من أهل بياسة؟ مدينة بالأندلس -، قدم علينا الثغر، لنفسه،
стр. 42
والعهدة عليه:
وألبست من سوسان ثوب معصفر ... وجردت عن ثوب من الورد أحمر
وآلفت الحمى لجسمي تعشقاً ... كما ألفت بثن جميل بن معمر
فلو أنني مكنت منها قتلتها ... كقتلة هارون الرشيد لجعفر عبد الله هذا أنشدني مقطعات من الشعر وقال: قرأت النحو على ابن طراوة المالقي، ورأيت ابن عتاب بقرطبة وحضرت مجلسه، وقرأت على أبي إسحاق الخفاجي كثيراً من شعره، وأبي كان يقال له صاحب الحشم.
فذكرت ما ذكره لأبي العباس أحمد بن يوسف بن نام اليعمري البياسي، وكان صدوقاً، فقال: فقال: عبد الله كذاب لا يعول عليه في شيء.
стр. 43
- ٢٤ -
سمعت الفقيه أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الحاكم الرعيني يقول: كتب أديب من أدباء الأندلس إلى الفقيه أبي عبد الله المازري (١) بالمهدية:
ربما عارض القوافي رجال ... بقواف فتنثني وتلين
طاوعتهم عين وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون وابن لي ما طاوعهم وما عصاهم. فأجابه نثراً: طاوعهم العجمة والعي والعجز، وعصتهم اللسان والبيان والجنان.
стр. 44
- ٢٥ -
أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الكناني البياسي (١) ، قدم علينا الثغر حاجاً، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الجزيري (٢) بالأندلس، لعبد الكريم بن فضال الحلواني أحد شعراء أفريقية (٣) .
يا طالب الحج وهو ذو صغر ... عجلت فاستأنه إلى الكبر
إن كنت تبغي مثوبةً فعسى ... تحمل لي قبلةً إلى الحجر
شوإن رميت الجمار فارم بها ... كل فؤاد عليك لم يطر
فقال دعني وزمزماً فعسى ... أغسل جفني من دم البشر عبد الله هذا يعرف بابن صاحب الحشم، وله شعر حسن، ومنه ما أنشدنا:
وبركةٍ ماؤها كالسيف رونقه ... قد اكتسى دفوها بالثلج أبردها
الريح صائغة والماء فضتها ... مهما جرت صنعت في الماء ازرادا
стр. 45
- ٢٦ -
أنشدني أبو محمد عبد الله بن عبد الحق بن تيفاو الحلواني التونسي بالإسكندرية، قال أنشدني عبد الجبار بن حمديس الصقلي لنفسه (١) :
يا عقرب الصدغ المعنبر طيبها ... قلبي لسبت فأين من يرقيك
وحللت في القمر المنير فكيف ذا ... وحلوله أبداً أراه فيك
لا تحسبني أشتكي لعواذلي ... آلاك قلبي منك، لا وأبيك عبد الله هذا كان مائلاً إلى الأدب قليل البضاعة فيه وكان كثيراً ما يحضر عندي ويسمع ما يقرأ.
стр. 46
- ٢٧ -
انشدني (١) أبو محمد عبد الله بن محمد بن معدان الركاني اليحصبي - وركان (٢) مدينة لطيفة من نظر بلنسية بالأندلس؟ بالإسكندرية، قال: أنشدني أبو بكر يحيى بن الحكم بن بقي السرقسطي (٣) بالمرية لنفسه:
من ظن أن الدهر ليس يصيبه ... بالحادثات فإنه مغرور
فالق الزمان مهوناً لخطوبه ... وانجر حيث يجرك المقدور
وإذا تقلبت الأمور ولم تدم ... فسواء المحزون والمسرور أبو محمد هذا من أهل الأدب وله به عناية تامة، وينظم شعراً جيداً، وقد علقت عنه شيئاً منه، وكان عفيفاً، وحج
стр. 47
حجات، وكتب عني مقطعات من شعري. ومما أستحسنه من كلامه قوله حين سالته عن ابن بقي: هو سرقسطي النسب، اشبيلي الأدب، سلوي النشب، وادشي العطب، يعني أن أصله من سرقسطة، وتأدب بأشبيلية، واكتسب المال بمدينة سلا من العدوة، وتوفي بوادي آش من مدن الأندلس.
- ٢٨ -
أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن مرزوق اليحصبي الظاهري (١) ، أندلسي سكن مصر، أنشدني أبو بكر عبد الباقي بن محمد [بن] (٢) بريال الحجاري لنفسه بالمرية، من مدن الأندلس:
لا يؤثر العلم إلا راغب فيه ... ليستضيء بنور الله برايه
فيعلم الحق بالقرآن يبرزه ... حتى يصير يقيناً عند واعيه
стр. 48
وحسبنا فعل ما حد الرسول لنا ... ومن يصدقه فالله يهديه
والصدق فعل وقول لازم لهما ... عقد صحيح به الرحمن يدنيه
دينوا جميعاً بما جاء الرسول به ... تنجوا، ومن لم يدن فالله يخزيه أبو محمد هذا كان من صلحاء المسلمين، وفي أمور دينه من المنتبهين، وفي أحوال الدنيا من المغفلين، وكانت له عناية عظيمة بتحصيل كتب أبي محمد ابن حزم الظاهري ورسائله. وقد كتبت أنا من نسخة جملة صالحة؛ وكان ظاهري المذهب، وكذلك شيخه ابن بريال، وأبو محمد ابن حزم شيخ ابن بريال.
وكنت استأنس به مدة إقامتي بمصر، ويقابل معي ما اكتبه واقرؤه على الشيوخ، ثم رأيته بالإسكندرية أيضاً، وتوفي على ما بلغني بدمشق، رحمه الله تعالى. ومولده بسرقسطة من مدن الأندلس سنة ست وخمسين وأربعمائة، قال: وهي السنة التي توفي فيها أبو محمد ابن حزم، وكان مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. قال: وأحصيت تآليفه فبلغ عدد أوراقها ثمانين الف ورقة في كل فن، ومن جملتها " الإيصال في شرح كتاب الخصال " أربعون مجلداً؛ وما خرج من داره صغره حتى
стр. 49
التحى، وكان والده وزيراً، وكذلك هو، تركها وأقبل على العلم وإفادته.
- ٢٩ -
٢٩ -؟ أنشدني أبو محمد، أنشدني عبد الباقي، أنشدنا أبو محمد القاسم ابن فتح بن يوسف ابن الريولي (١) الحافظ الحجاري لنفسه بوادي الحجارة (٢) :
إلى كم تقول ولا تفعل ... وتغفل والموت لا يغفل
أأملت خلداً فهيهات أن ... يرى المرء يدرك ما يأمل
стр. 50
أم الدهر غرك إمهاله ... ولو قد تحققت ما يمهل
أليس يجزيك أجزاءه ... وذلك من فعله الأعدل
ومن رام من ربه منزلاً ... بغير التقى خانه المنزل
كتاب عزيز به ناطق ... وحسبكم الحكم الفيصل
стр. 51
- ٣٠ -
أنشدني أبو محمد عبد الله بن أبي سعيد النحوي الأندلسي قال أنشدني عبد الحليم بن عبد الواحد السوسي (١) الكاتب بصقلية لنفسه في سهم ردمذبة (٢) :
لليالي في عكس حالي عظات ... ليس تخفى على ذوي الألباب
صرت في الخوص بعد لبس الخوافي ... واعتمامي بأزرق كالشهاب
بعد ذب الكماة عن حرم العز ... تنقلن بي لذب الذباب
стр. 52
وأنشدني هذه الأبيات غير عبد الله عن عبد الحليم وقد أنشدنيها قبلهما أبو علي محمد بن علي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع اللغوي بمصر، أنشدني أبي قال: أنشدني عبد الحليم.
أبو محمد هذا أندلسي فاضل في النحو، وكانت له في جامع عمرو حلقة للقراء، وشعره كثير، ويعرف بالكاسات (١) توفي في سنة عشرين وخمسمائة في صفر، فيما كتب به إليّ ابن موهوب، من مصر، وحكاه لي غيره.
ومن جملة شعره وأنشدناه:
تزود وما زاد اللبيب سوى التقوى ... عساك على الهول العظيم بها تقوى
فمن لم يعمر بالتقى جدثاً له ... فمنزله في خلده منزل أقوى
стр. 53
- ٣١ -
قال لي القاضي أبو محمد عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب الشلبي (١) حين قدم الإسكندرية حاجاً سنة سبع وعشرين وخمسمائة، ولم يقدم علينا من الأندلس مثله: وصاني أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن المرخي اللخمي (٢) لما ودعني بقرطبة أن آخذ له منك الإجازة، فأجزت له.
قال ابن أبي حبيب: وهو من أهل المعرفة بالحديث وليس بالأندلس الآن مثله.
قال: وابن عمه أبو بكر بن المرخي (٣) من الكتاب الكبار، وله شعر وترسل مدون، وليس عند سلطان المغرب الملثم مثله ومثل أبي
стр. 54
مروان بن أبي الخصال القرطبي؟ هذا آخر كلام ابن أبي حبيب.
وأبو جعفر فقد روى عن أبي عبد الله بن الطلاع وابي مروان بن سراج وابي الحجاج الأعلم وآخرين.
وابن أبي حبيب فقد كان من رؤساء الأندلس وله من كل علم الحظ الوافرن الشرعيات والأدبيات. وسمع علي جزءاً من تخريجاتي، وتوجه إلى مكة، وجرت له هناك خصومات مع من كان يتعاطى الفقه ورد عليه أحسن رد، وسافر إلى العراق ودخل خراسان، وتوفي هناك، ﵀ ورضي عنه.
стр. 55
- ٣٢ -
سمعت أبا محمد عبد الله بن تويت بن الوران اللمتوني بالثغر يقول؟ وجربته وكان ثقة يتحرى الصدق؟ سمعت أخي الأمير أبا يعقوب ينتان بن تويت الفقيه وغيره من المرابطين الثقات بالمغرب يقولون: ولد في بني نورت؟ بطن من الملثمين؟ جسمان كاملان برأس واحد، فعاشا زماناً ثم مات أحدهما وثقل الآخر، فراموا قطعه منه، فشاوروا الفقهاء، فقل لهم: يصبر أياماً، فلم يمض قليل حتى مات الآخر.
قال أبو محمد: وولد بالأندلس في أيامنا مولود برأسين، وكان ابن غلاب السوسي حاضراً فقال: الذي بلغنا أنه ولد بالمغرب مولود برأس واحد له وجهان.
قال أبو محمد: وقد رأيت بحمص الأندلس امرأة ولدت أول ولادتها ولداً ثم في المرة الثانية ولدين، وفي الثالثة ثلاثة، وفي الرابعة أربعة، وفي الخامسة خمسة، وفي السادسة ستة، وفي المرة السابعة في بطن
стр. 56
واحد وآيست من روحها واشرفت على الهلاك، ثم امتنعت عن زوجها وأبت أن تطاوعه، واشتهر أمرها عند الناس بأقطار الأندلس.
أبو محمد هذا رجل صالح من أمراء المرابطين قدم المشرق للحج وطلب العلم وكان يحضر عندي ويقرأ، ومن جملة ما قرأه " الملخص " لابن القابسي، وأما أخوه ينتان فكان فقيهاً. وذكر لي أخوه أبو محمد أنه توفي بزبيد من مدن اليمن وأنه كان قد قرأ على ابن عتاب وأبي بحر ابن رشد وآخرين بقرطبة وعلى ابن أبي جعفر بمرسية. قال: وتويت اسمه محمد ولكن غلب عليه لقبه هذا وتفسيره: صيّاح.
стр. 57
- ٣٣ -
أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن سلامة الأنصاري المناري (١) ، ومنار من ثغور سرقسطة بالأندلس، كان يحضر عندي لسماع الحديث سنة ثلاثين وخمسمائة بالثغر، بعد رجوعه من الحجاز، وذكر لي أنه قرأ بقراءة نافع على أبي الوليد يونس بن أبي علي الأبدي بها، وهو علي ابن محمد بن شريح الرعيني، وقرأ أيضاً على أبي محمد المناري صاحب أبي عبد الله المغامي، وسمع الموطأ وغيره بالمغرب.
قال: واليزيد بن بكر العمري الأبدي ولي قضاء أبدة، وكان قبل من الفقهاء المشاورين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن مالك الأبدي، ولي القضاء بها، وكان قبل القضاء من الفقهاء المشاورين.
والأبدي مستفاد مع الأندي، وأبده وأنده مدينتان بالأندلس (٢) .
стр. 58
- ٣٤ -
سمعت أبا محمد عبد الله بن حسن بن عشير العبدري اليابسي النحوي بالثغر يقول (١) : قرأت على أبي الحسين سليمان بن محمد بن طراوة السبائي المالقي النحوي بالأندلس ولم أر مثله، وكان يعظمه جداً.
أبو محمد هذا كان مصدراً في جامع الإسكندرية لإقراء القرآن والنحو وأنشدني كثيراً من شعره وتوفي [ليلة السبت العشرين من المحرم] سنة [٥٢٥] (٢) . وكان قد وصى بأن أصلي عليه، وكان يوماً بارداً، وقد وقع برد عظيم، فصليت عليه، ودفن بمثبرة باب البحر، ولم يحضر كثير ناس، فالحول تحول، ونزول الأمطار، يمنع عن قضاء الأوطار.
стр. 59
- ٣٥ -
سمعت أبا محمد عبد الله بن جابر بن عبد الله العكي المالقي بالإسكندرية، قال: كان بين أبي الحسن علي بن عبد الغني القيرواني (١) وأبي الحسين سليمان بن محمد بن طراوة المالقي منافرة ومناقرة ويهجو كل واحد منهما الآخر، فمما قال الحصري فيه:
ولابن الطراوة نحو طري ... إذا شمه الناس قالوا خري ومما قاله هو في الحصري:
إذا الحصري اللئين انتخى ... وظل بهذا الورى ساخرا
وأنسي ما كان فاذكر له ... علي بن بكار الشاعرا عبد الله هذا وأخ له قدماً الثغر للحج وسمعا علي كثيراً وكانا من أهل العلم والخير.
стр. 60
- ٣٦ -
سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خاطب الباجي يقول: توفي أبو الوليد الحفيد القرطبي (١) سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة بالمدينة، وكان قد ترك الدنيا عن قدرة، وجاور بمكة والمدينة سنين.
- ٣٧ -
سمعت أبا حفص عمر بن الحسن بن عبد الرزاق البيراني التفزي (٢) قدم الثغر حاجاً قال: رأيت أبا الحسن علي بن عبد الغني الحصري القيرواني (٣) بدانية من مدن الأندلس وبطنجة من مدن العدوة جميعاً، ومات بطنجة. وسمعته وقد بعث من يشتري له لحماً فقال:
стр. 61
اللحم والشحم لا العظاما ... إياك إياك أن تضاما أبو حفص هذا سمع علي كثيراً، وكان شيخاً كبيراً فقال لي: ولدت ببيران، قرية من نظر دانية.
وأما نفزة فقبيلة كبيرة منها بنو عميرة وبنو ملحان المقيمون بشاطبة. مضى وحج، وتوفي بعد رجوعه بالصعيد الأعلى سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وكان أبو عبد الله المقرئ المعروف بابن الفرس الداني يثني عليه ويصفه بالخير الوافر، رحمهما الله.
стр. 62
- ٣٨ -
أنشدني أبو حفص عمر بن أحمد بن عيسون التوزري الأنصاري (١) بالثغر لأبي القاسم أحمد بن محمد بن عمر بن ورد التميمي الفقيه الأندلسي (٢) :
سكنى الفنادق ذل ... والبيت منها أذل
إن كان لابد منها ... فحجرة لا أقل أبو حفص هذا كان من أهل الفضل وقد حج وأقام بديار مصر ولم يرجع إلى المغرب وكان لي به أنس لدماثة أخلاقه.
стр. 63
- ٣٩ -
سمعت أبا محمد عبد الحميد بن محمد بن [عبد] الحميد الأموي البلغي بالثغر يقول (١) : سمعت أبا العباس أحمد بن البني الأبدي بجزيرة ميورقة يقول: قدمت حمص الأندلس فاجتمعت مع شعرائها في مجلس، فأرادوا امتحاني فقال من بينهم أبو محمد عبد الله بن سارة الشنتريني، وكان مقدمهم:
هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها الأزهار فقلت:
فكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والإضرار
فإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار
فلأجل ذلة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام ويبسم النوار
стр. 64
عبد الحميد هذا قدم الثغر متوجهاً إلى الحجاز لأداء فرضه، وكان يحضر عندي فسألته عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وثمانين وأربعمائة، بمدينة بلغي بشرقي الأندلس ثم انتقلت إلى العدوة بعد استيلاء العدو على البلد فصرت خطيب مدينة تلمسان، وقرأت القرآن بروايات على أصحاب أبي عبد الله المغامي وأبي داود المؤيدي صاحبي أبي عمرو الداني، وسمعت الحديث على شيوخ الوقت، ورأيت أبا العرب الصقلي بجزيرة ميورقة وآخرين من الشعراء، وصحبت كثيراً من الفقهاء وأخذت عنهم، وأنا عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد بن سلمة، وأعرف بابن بربطير البلغي.
стр. 65
- ٤٠ -
أنشدنا أبو محمد عبد الملك بن محمد بن عبد الله اليمني بمكة، أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي النحوي الجاحظ لابن الأنباري (١) :
أهلاً وسهلاً بالذين أودهم ... وأحبهم في الله ذي الآلاء
أهلاً بقوم صالحين ذوي تقى ... خير الرجال (٢) وزين ملاء
يسعون في طلب الحديث بعفة ... وتوقر وسكينة وحياء
لهم المهابة والجلالة والتقى ... وفضائل جلت عن الإحصاء
ومداد ما تجري به أقلامهم ... أزكى وأفضل من دم الشهداء
يا طالبي علم النبي محمد ... ما أنتم وسواكم بسواء عبد الملك هذا مشهور بمكة بخدمة أبي عبد الله الجاحظ الأندلسي وصحبته والقراءة عليه.
стр. 66
- ٤١ -
سمعت أبا مروان عبد الملك بن عبد الأنصاري الشريوني بالثغر يقول (١) [....]
عبد الملك هذا كتب عني كثيراً، وكان يتفقه في مذهب مالك على أبي يوسف الزناتي (٢) وقد كتب بالحجاز والغرب الحديث.
وشريون؟ على ما قاله لي؟ حصن من حصون بلنسية بالأندلس.
- ٤٢ -
أنشدني أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن خلف المقري الأنصاري بدمشق، قال انسدني أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الطليطلي (٣)
стр. 67
الواعظ المعروف بابن العسال (١) لنفسه من قصيدة بالأندلس:
أيا من غدا جاهلاً ناسكا ... إن أحببت ألا ترى هالكا
فأم إمام الهدى مالكا ... ولا تك مذهبه تاركا
فمذهبه ناشر من كفن ... لمن كان في جهله قد دفن
إلا هي يا من إليه القضا ... عبيدك يأمل منك الرضا
ويستغفر الآن عما انقضى ... فهبه له واغتفر ما مضى
وخلصه من موبقات الفتن ... لدى حشره مع أهل السنن
стр. 68
- ٤٣ -
سمعت أبا حفص [عمر بن عبد العزيز بن عبيد الطرابلسي] المالكي يقول: سمعت ... يكنول بن الفتوح الفاسي (١) بطرابلس المغرب يقول: سمعت يوسف بن عبد العزيز بن عديس المالكي بفاس يقول: الوقشي (٢) كان أضبط للحديث من ابن عبد البر وأعرب منه لساناً، وكان فقيهاً في العلوم.
- ٤٤ -
سمعت أبا حفص يقول، سمعت يكنول بن الفتوح الزناتي
стр. 69
بطرابلس المغرب يقول: سمعت أبا الحجاج يوسف بن عبد العزيز عديس الفقيه المالكي بفاس (١) يقول: لولا أن أبا عمر يوسف بن عبد البر شيخي لنقضت عليه أكثر تواليفه قال: وكان يقول: ليس له طريقة إلا الموطأ ولا يحسن سواه وما يتعلق به من الكلام عليه.
قال عمر وليس: الأمر كما قال ابن عديس فإن ابن عبد البر كان يحسن كل فن.
- ٤٥ -
حدثني أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن عبيد الطرابلسي بالإسكندرية، أنبأنا أبو علي الحسين بن علي بن مناس القيرواني بطرابلس الغرب، أنبأني أبو القاسم أحمد بن سليمان الباجي قال: سمعت أبي القاضي أبا الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي
стр. 70
بالأندلس يقول: قال لنا أبو ذر عبد بن أحمد بن عفير الهروي بمكة، كنا في حلقة الحاكم أبي عبد الله بن الربيع الحافظ بنيسابور إذا أخرج عن السدي في الصحيح نتغامز عليه، وذلك أنه روى حديث الطير ولم يتابعه أحد عليه، وكان ينسب إلى التشيع.
كتب إليّ أبو بحر الأسدي وآخرون من الأندلس قالوا، أنبأنا أبو الوليد الباجي قال: سمعت أبا ذر الهروي بمكة يقول كنا في حلقة الحاكم، الحكاية إلى آخرها.
стр. 71
- ٤٦ -
أنشدني أبو الخطاب عمر بن محمد بن يعمر المريي (١) قدم علينا الثغر وكان من الأذكياء لأبي الحسن علي بن محمد بن ثابت الخولاني المعروف بالحداد المهدوي (٢) :
قالت وأبدت صفحةً ... كالشمس من تحت القناع بعت الدفاتر وهي آخر ما يباع من المتاع ...
فأجبتها ويدي على ... كبدي، وهممت بانصداع
لا تعجبي مما رأيت ... فنحن في زمن الضياع
стр. 72
- ٤٧ -
أنشدني أبو الخطاب عمر بن محمد بن عتيق بن يعمر المريي بالإسكندرية، قال أنشدني عبادة بن محمد بن عبادة القزاز بالأندلس (١) ، قال أنشدني أبي هذه الموشحة في المعتضم محمد بن معن بن صمادح (٢) .
هل يتاح للرواح ... من ظباك يا سفاك
أن تراح أو ترتاح ... عن رضاك في مرآك ومنها:
يا أقاح يا فواح ... من حماك عن مضناك
وأباح صرف الراح ... من لماك للمسوك أبو الخطاب هذه أبوه كان محتسب المرية من بلاد الأندلس، قدم
стр. 73
علينا بعد موت أبيه وكتب عني وعلقت عنه وكتب لي بخطه فوائد، وكان حسن الأخلاق متأدباً، وله شعر ومن جملته ما أنشدني أبو الخطاب عمر ابن محمد بن عتيق بن يعمر المروي بالثغر لنفسه:
أبيت أراعي النجم طوراً وتارة ... أغمض أجفاني حياء من النجم
من اجل غزال لحظ جوذر ... وخداه روض قطفها بيد الوهم عمر هذا كان قد تقدم له طلب وقراءة بالمغرب وقدم المشرق وقد تهذب، ويحضر عندي لسماع الحديث وكتب عني كثيراً وعلقت أنا عنه فوائد، وكتب لي بمصر جزءاً، وكان حسن الخط، حسن الأخلاق، وأبوه كان محتسب المرية، وإنما قدم المشرق هو بعد موته، وكان حفظة، ومن الذكاء على طبقة.
стр. 74
- ٤٨ -
سمعت أبا حفص عمر بن سهل بن محمد الغساني الغرناطي بعد قفوله من الحجاز وتوجهه إلى الأندلس يقول: لما عزل الأمير علي بن يوسف ابن تاشفين سلطان المغرب أبا الحسن بن أضحى الغرناطي (١) عن قضاء المرية كتب إلى أهلها كتاباً أوله بعد السملة: " كتابنا زكى الله أعمالكم، وكفر عنكم سيئاتكم وأصلح بالكم، من حضرة مراكش؟ حرسها الله؟ بعد أن نمي إلينا وتقرر لدينا أن الجهول ابن أضحى أجهل بأحكام القضاء من العلجوم، إذ قد أظهر فيكم أحكاماً يترحم فيها على سدوم، وقد جعلنا شهب العزلة لشياطينه كالرجوم، وقلدناه خطة الشوم، ونبذناه دون أن تدركه نقمة من ربه بالعراء وهو مذموم. ولعل متعسفاً يتعسف، وجائراً لا ينصف، يلومنا في تقديمه، وينالنا من العتب بأليمه، ولا قدح فقد اختار رسول الله ﷺ لوحي الله لعين بن سرح، وقد
стр. 75
اغتر عثمان بحمران، ولسنا أول من خانه القياس، ومن لم يأته من الغوير بأس، والله يعصمنا من الناس، إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو حفص هذا من أهل العلم والصلاح، وكان يحضر عندي لسماع الحديث في المساء والصباح، وقد علقت عنه فوائد أدبية، ثم سافر إلى المغرب.
- ٤٩ -
أنشدني أبو حفص عمر بن عتيق بن أبي الخمائر القلعي بالإسكندرية قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن لب المرسي لنفسه بالناصرية (١) ، كتبها من الجزائر إلى وزير العزيز:
رحلت فأمشينا مع الدهر في عتب ... نحن ونستعدي على البعد بالقرب