(المسند) أي الحديث المرفوع المتصل إذ معنى المسند كما تقدم هو المرفوع المتصل سنده يعني أن هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ متصل سنده، وأشار الشارح إلى أن المراد بالمسند هو صحيح مسلم.
وحاصل المعنى أن العلة تقع بقلة في المتن دون الإسناد، مثاله حديث نفى قراءة البسملة في الصلاة الذي انفرد به مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: " صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في آخرها " ثم رواه من رواية الوليد عن الأوزاعي أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنساً يذكر ذلك وروى مالك في الموطأ عن حميد عن أنس قال: " صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقراء بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وزاد فيه الوليد بن مسلم عن مالك " صليت خلف رسول الله ﷺ وقد تكلم الناظم رحمه الله تعالى في علل هذا الحديث في التدريب وأطال، وملخصها أن لهذا الحديث تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب، والاضطراب في لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صحابيه، ومخالفته لما رواه عدد التواتر، قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وقول ابن الجوزي إن الأئمة اتفقوا على صحته فيه نظر فهذا الشافعي والدراقطني والهبيهقي وابن عبد البر لا يقولون بصحته أوَلَا يقدح كلام هؤلاء في الاتفاق الذي نقله.
ثم إن الحاكم ﵀ نوع في كتابه معرفة علوم الحديث أجناس العلل فذكر ذلك بقوله:
٢٢٨ - وَنَوَّعَ الْحَاكِمُ أَجْنَاسَ الْعِلَلْ ... لِعَشْرَةٍ، كُلٌّ بِهَا يَأْتِي الْخَلَلْ
(ونوع) أي قسم (الحاكم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ
стр. 247
النيسابوري المشهور بابن البيع في كتابه معرفة علوم الحديث (أجناس العلل) أي أنواع علل الحديث التي إذا وجدت منها واحدة فيه يسمى معلاً (لعشرة) أي إلى عشرة أنواع (كل) مبتدأ خبره قوله: يأتي أي كل واحد من تلك الأنواع (بها) أي بسبب وجودها في الحديث متعلق بقوله: (يأتى الخلل) أي يوجد القدح في صحته.
وحاصل المعنى: أن الحاكم قسم أجناس العلل إلى عشرة أنواع أجملها في النظم، وتفصيلها بأمثلتها أن نقول " الأول ": أن يكون السَّند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه كحديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من جلس مجلساً فكثر لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك " فروي أن مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: هذا حديث مليح إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قولهُ (١) وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل فقام إليه مسلم وقبل يده.
وقال الحافظ العراقي: هكذا أعل هذا الحديث بهذه الحكاية،
والغالب على الظن عدم صحتها، وأنا أَتهمُ بها أحمد بن حمدون القصار راويها عن مسلم فقد تكلم فيه. وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ويبعد أن البخاري يقول أنه لا يعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة وهم أبو برزة الأسلمي ورافع بن خَدِيج وجبير بن مطعم والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وعائشة وقد بينت هذه الطرق كلها في تخريج أحاديث الإحياء للغزالي اهـ.
стр. 248
" الثاني ": أن يكون الحديث مرسلًا من وجه رواه الثقات الحفاظ ويسنده من وجه ظاهره الصحة كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعاً " أرحم أمتى أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر " الحديث قال فلو صح إسناده لأخرج في الصَّحِيح إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلاً.
" الثالث ": أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه مرفوعاً " إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة " قال: هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا ظن أنه من شروط الصَّحِيحين، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زَلَقوا إنما الحديث محفوظ من رواية أبي بردة عن الأغر المزنى.
" الرابع ": أن يكون محفوظاً عن صحابي ويروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته بل ولا يكون معروفاً من جهته كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ " يقرأ في المغرب بالطور " قال: أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في الوُحْدان وهو معلول، أبو عثمان لم يسمع من النبي ﷺ ولا رآه، وعثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وإنما هو عثمان بن أبي سليمان.
(الخامس): أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة كحديث يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار " أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فرمي بنجم فاستنار " الحديث قال وعلته أن يونس مع جلالته قصر به وإنما هو عن ابن عباس، حدثني رجال هكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري.
(السادس) أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن
стр. 249
بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: " قلت يارسول الله مالك أفصحنا " الحديث قال وعلته ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن واقد، بلغني عن عمر فذكره.
(السابع): الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله كحديث الزهري عن سفيان الثَّوري عن حجاج بن فرافصة عن يَحْيَى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً " المؤمن غِرّ (١) كريم والفاجر خِبّ (٢) لئيم " قال: وعلته ما أسند عن محمد بن كثير حدثنا سفيان عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة فذكره.
قال المحقق ابن شاكرٍ: قول السيوطي كحديث الزهري خطأ غريب من مثله فإن الزهري أقدم جداً من الثَّوري ولم يذكر أحد أنه روى عنه، والصواب كحديث أبي شهاب عن سفيان الثَّوري وأبو شهاب هو الحَنَّاط بالنون، واسمه عبد ربه بن نافع الكناني والحديث عنه في المستدرك للحاكم جـ ١ ص ٤٣ فاشتبه الاسم على السيوطي وظنه ابن شهاب فنقله بالمعنى وجعله الزهري وهذا من مدهشات غلط العلماء الكبار ﵏ ورضي الله عنهم - اهـ.
قلت في معرفة علوم الحديث للحاكم مذكور على الصواب حدثنا أبو شهاب عن سفيان الثَّوري.
وقال المحقق أيضاً ما معناه أن التعليل المذكور غير صحيح لأن أبا شهاب لم ينفرد عن الثَّوري بتسمية يَحْيَى بن أبي كثير.
فقد تابعه عليه عيسى بن يونس وَيَحْيَى بن الضريس وله أيضاً شاهد فرواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يَحْيَى بن أبي كثير بإسناده اهـ.
стр. 250
(الثامن): أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه كحديث يَحْيَى بن أبي كثير عن أنس أن النبي ﷺ " كان إذا أفطر عند أهل بيت قال أفطر عندكم الصائمون " الحديث قال فيَحْيَى رأى أنساً وظهر من غير وجه أنه لم يسمع منه هذا الحديث، ثم أسند عن يَحْيَى قال حدثت عن أنس فذكره.
(التاسع): أن تكون طريق معروفة يروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق بناء على الجادة فيقع من رواه من تلك الطريق في الوَهَم كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر " أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم وبحمدك " الحديث قال أخذ فيه المنذر طريق الجادة، وإنما هو من حديث عبد العزيز حدثنا عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبد الله بن أبي رافع عن علي.
(العاشر): أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه وموقوفاً من وجه كحديث أبي فروة يزيد بن محمد حدثنا أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً " من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء " قال: وعلته ما أسند وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال سئل جابر فذكره.
ثم قال الحاكم فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلتها مثالاً لأحاديث كثيرة معلولة ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم اهـ معرفة علوم الحديث ص ١١٩.
ونظم الشارح الترمسي هذه الأنواع فقال بعد بيت الناظم:
أولها ما ظاهرُ الإسناد له ... صحتُهُ وباطناً من نقله
لم يُعرَفِ السماعُ ممن قد رَوَى ... ثم الذي أرسَلَ مَن حفظا حَوَى
стр. 251
وهو صحيح مُسنَد في الظاهر ... ثالثها مروى صحب فاخبُرِى
إن كان هذا عن سواه يُؤثَر ... بخُلفِ بُلدانِ الرواةِ يُذكَرُ
ورابعٌ ما كان مَحفوظاً عَنِ ... صَحابةٍ وَوَاهِم مَن يَقْتَنِي
بِمَا اقَتَضَى الصحةَ مع أنه لا ... يكون عُرْفاً جِهَةً فِيمَا انجَلَى
خامسها معنعن فقد سقط ... رَاوٍ بالاتضاحِ لِلَّذِي انضبط
سَادِسُها اختلاف نَحوِ السَّنَدِ ... لِرَجُلٍ مُقَابَل ذُو العَمَدِ
ثم اختلاف شيخه عليه ... اسماً كذا تجهيلُهُ لَدَيهِ
يَلِيه أن يكون مَن رَوَى سَمِع ... عَنِ الذي أدركَ لكن ما سَمِعْ
عنه الأحاديثَ التي قَد عُيِّنَتْ ... فَإِن بِلَا وَسْطٍ فَعِلَّةٌ وَفَتْ
تَاسِعُهَا كون الحديث قد عُرِفْ ... طريقُهُ فواحِدُ مِمَن ألِفْ
رَوَى حديثاً مِن سِوَى طريقٍ ... قَد وَهِمَ الباني عَلَى الطَّرِيق
ثُمَّةَ ما رَفْعاً وَوَقْفاً عَاشِرٌ ... وَبَقِيَتْ هُنَاكَ مَا لاَ نَذْكُرُ
ثم إنه تقدم لنا أن العلة تنقسم إلى أقسام فمنها ما يقدح في صحة الإسناد والمتن كالتعليل بالوقف والإرسال، ومنها ما يقدح في صحة الإسناد فقط وإليه أشار بقوله:
٢٢٩ - وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِقَادِحٍ، كَأَنْ ... يُبْدِلَ عَدْلاً بِمُسَاوٍ، حَيْثُ عَنْ
(ومنه) أي العلة ذكر الضمير باعتبار أنه سبب، وهو خبر مقدم عن (ما) أي العلة التي (ليس) ذكر الضمير نظراً للفظ ما، أو لما ذكرنا (بقادح) أي منتقص في صحة المتن وذلك (كأن يبدل) الراوي (عدلاً) في السَّند (بـ) راو (مساو) له في الحفظ والإتقان (حيث عن) أي ظهر متعلق بمساو، أي أنه يساويه في الحفظ والإتقان في جميع شيوخه وإنما قيده به لأن بعض الرواة يكون ضابطاً لحديث بعض شيوخه دون بعض.
وحاصل المعنى: أن العلة قد توجد في السَّند من غير أن تقدح في متن الحديث كما تقدم في حديث " البيعان بالخيار " فإنه أبدل فيه عدل وهو
стр. 252
عبد الله بن دينار بعدل نظيره وهو عمرو بن دينار، فالسَّند معل غير صحيح، والمتن صحيح، وهذا البيت يتعلق بقول وغالباً وقوعها في السَّند، فكان الأولى ذكره عقيبه، فكأنه يقول إن العلة التي يحكم بها المجتهد بالضعف أو يتوقف تقع غالباً في السَّند فتقدح فيه وفي متن الحديث إلا إذا كان القدح بسبب إبدال راو ثقة بثقة مثلِهِ فحينئذ يقدح في المسند فقط. ثم إن العلة تطلق على غير مقتضاها الذي قدمناه من الأسباب القادحة وإليه أشار بقوله:
٢٣٠ - وَرُبَّمَا أُعِلَّ بِالْجَلِيِّ ... كَالْقَطْعِ لِلْمُتَّصِلِ الْقَوِيِّ
٢٣١ - وَالْفِسْقِ وَالْكِذْبِ وَنَوْعِ جَرْحِ ... .................
(وربما) للتقليل كما هو الغالب في استعمالها عند البعض، وعبر العراقي بقوله: وَكَثُرَ التَعْلِيلُ، نظراً لكثرته في نفسه فلا ينافي كون الغالب في استعمال العلة هو الإطلاق على الأسباب القادحة (أُعِلَّ) بالبناء للمفعول وفي نسخة الشارح يعل، وقوله (بالجلي) نائب فاعله، أي الأمر القادح الظاهر الذي لا غموض فيه.
والمعنى: أنه ربما يعل المحدثون بغير ما مر من الأمور التي لا غموض فيها بل هي ظاهرة وذلك (كالقطع) أي مثل الإعلال بالانقطاع فالقطع مصدر قُطِعَ مغير الصيغة، وهو عدم الاتصال (للمتصل) أي للحديث الذي اتصل إسناده متعلق بحال محذوف أي حال كون الانقطاع كائناً للمتصل،
وقوله: (القوي) صفة للقطع لا للمتصل، لأنه إنما يعل المتصل بالانقطاع إذا كان أقوى منه، وأصرحُ من هذا عبارةُ العراقي حيث قال:
وَكَثُرَ التعليلُ بالإرسالِ ... لِلْوَصل إن يَقْوَ عَلَى اتِصالِ
وحاصل معنى البيت: أنه ربما يعل المحدثون الحديث المتصل بالانقطاع إن كان قوياً على الاتصال، ومثله الوقف إن كان قوياً على الرفع، وذلك بكون راوي المنقطع والموقوف أضبط أو أكثر عدداً من رواة المتصل والمرفوع، وتوضيحه كما قال ابن الصلاح: إنه كثيراً ما يعللون الموصول
стр. 253
بالمرسل، مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول ويجيء أيضاً بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول، ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جمع طرقه.
(والفسق) بالجر عطف على القطع، أي وكالإعلال بفسق الراوي.
(والكذب) بالجر أيضاً، أي وكالإعلال بكذب الراوي، وهو بكسر الكاف وفتحها وسكون الذال، وهو المتعين للوزن، وإلا فأصله فتح الكاف وكسر الذال فخفف بكسر فسكون، قال بعضهم إذا جاء مع الصدق فالمخفف أولى ليوازن الصدق؛ قال في المصباح: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة والإثم يتبع العمد.
(ونوع جرح) بالجر أيضاً أي وكالإعلال بأي نوع من أنواع الجرح فالتنوين للتكثير، وفي نسخة الشارح الجرح بالتعريف فأل للجنس أي أعلل بأنواع الجرح غير ما ذكر كغفلة الراوي، وسوء حفظه، مما هو قادح ظاهر من الأمور الوجودية.
وحاصل المعنى: أنهم قد يعلون الحديث بأنواع الجرح من الكذب والغفلة وسوء الحفظ وفسق الراوي من الأمور التي يأباها كون العلة خفية، ولهذا صرح الحاكم بامتناع الإعلال بالجرح ونحوه فإن حديث المجروح ساقط وَاهٍ ولا يُعَلُّ الحديث إلا بما ليس للجرح فيه مدخل.
قال السخاوي: ولكن ذلك منهم بالنسبة لما قبله قليل على أنه يحتمل أيضاً أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق آخر ليجبر بها ما في هذا من ضعف فكان المعلل أشار إلى تفرده اهـ.
وحاصل ما أشار إليه الناظم أن ما تقدم في تعريف العلة من أنها عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه إنما هو أغلبي وإلا فقد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة كالإعلال بهذه الأشياء المذكورة هنا.
стр. 254
وقد يعلون أيضاً بما لا يؤثر في صحة الحديث وإليه أشار بقوله:
............... ... وَرُبَّمَا قِيلَتْ لِغَيْرِ الْقَدْحِ
٢٣٢ - كَوَصْلِ ثَبْتٍ، فَعَلَى هَذَا رَأَوْا ... صَحَّ مُعَلٌّ وَهْوَ فِي الشَّاذِ حَكَوْا
(وربما قيلت) أي أطلقت العلة على قلة توسعاً (لغير قدح) أي على شيء غير قادح في صحة الحديث، وذلك (كوصل ثبت) بسكون الباء، يقال: رجل ثَبْت متثبت في أموره وثَبْت الجنان، أي ثابت القلب، ويقال أيضاً: رجل ثبت بفتحتين إذا كان عدلاً ضابطاً والجمع أثبات مثل سبب وأسباب أفاده في المصباح، والمعنى: كوصل ثقة ضابط حديثاً أرسله من هو دونه أو مثله ولا مرجح، وهذا الإطلاق منقول عن الشيخ أبي يعلى الخليلي، قال في كتابه الإرشاد: إن الحديث على أقسام: معلول صحيح، ومتفق على صحته، أي لا علة فيه، ومختلف فيها، أي بالنظر للاختلاف في استجماع شروطها، وإلى هذا أشار بقوله: (فعلى هذا) أي الإطلاق المذكور من أنه تقال العلة لغير قادح متعلق بقوله: (رأوا) أي المحدثون المطلقون (صح معل) صفتان لمحذوف أي حديث صحيح معل. والمعنى أنهم وصفوا الحديث الواحد بالصفتين باعتبار إطلاقهما عليه فيقولون حديث صحيح لاستجماع شروطه معل لوجود صورة العلة فيه.
مثاله حديث مالك ﵀ في الموطأ أنه بلغه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " للملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " فقد أورده معضلاً ورواة عنه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام موصولاً، أي عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، قال الخليلي: فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحاً يعتمد عليه، قيل وذلك عكس المعل فإنه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال فلما فتش تبين وصله قاله في التدريب.
(وهو) أي نظير الإطلاق المذكور وهو إطلاق الصَّحِيح على غير ما
стр. 255
تقدم في بحث الصَّحِيح (في الشَّاذ حكوا) أي العلماء حيث يقولون من الصَّحِيح صحيح شاذ. والجملة خبر هو. وحاصل المعنى: أن بعض العلماء أطلق الصَّحِيح على الشَّاذ كما أطلقوا المعل فيما تقدم فقالوا من الصَّحِيح ما هو صحيح شاذ، وهذا القول منقول عن الخليلي والحاكم، وذلك كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، وحديث النيات، وغيرهما، ومن أغرب ما ذُكِرَ من الإعلال جعل النسخ علة كما فعله الترمذي وإلى ذلك أشار بقوله:
٢٣٣ - وَالنَّسْخُ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْعِلَلِ ... التِّرْمِذِيْ، وَخَصَّهُ بِالْعَمَلِ
(والنسخ) مبتدأ خبره جملة قد أدرجه، أو منصوب على الاشتغال، أي نسخ الحديث (قد أدرجه) أي أدخله (في) أقسام (العلل) الحديثية (الترمذي) بسكون الياء للوزن فاعل لأدرج.
والمعنى أن الإمام الحافظ أبا عيسى الترمذي صاحب الجامع سمى النسخ علة من علل الحديث، ومعنى كلامه هذا أنه يريد أنه علة في الحديث للعمل به لا لصحته كما أشار إليه بقوله (وخصه) فعل أمر أي خص أيها المحدث عموم قول الترمذي هذا (بالعمل) أي بكونه علة في العمل بالحديث لا أنه يريد بذلك العلة الاصطلاحية بدليل أن الترمذي نفسه يصحح كثيراً من المنسوخ في جامعه وكذا وقوعه في الصَّحِيحين وغيرهما.
(تنبيه): قد ألف العلماء في العلل فمنهم ابن المديني وابن أبي حاتم والخلال وأجمعها كتاب الدارقطني وقد طبع قريباً.
وقد صنف الحافظ فيه الزَّهرَ المطلول في الخير المعلول، ولكنه ما طبع إلى الآن ولو طبع لفاق الجميع لأن الشيخ واسع الاطلاع بصير بالفن رزقنا الله من يتولى طبعه.
(تَتِمَّة): الزيادات قوله: والوجه في إدراكها جمع الطرق إلخ، وقوله:
стр. 256
ونوع الحاكم البيت. ولما أنهى الكلام على المعل الذي شَرطُ الحكم به ترجيح جانب العلة ناسب أن يردفه بذكر ما لم يظهر فيه ترجيح وهو المضطرب ولذا قال:
стр. 257
(المضطرب)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الثالث والثلاثون من أنواع علوم الحديث.
وهو في اللغة اسم فاعل من الاضطراب وهو اختلال الأمر وفساد نظامه واختلافه كلمة القوم، وأصله اضطراب الموج لكثرة حركته وضرب بعضه بعضاً، وقال بعضهم: ولو كان المضطرب بفتح الراء لكان اسم مكان للاضطراب، ولكان ذلك أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي لأن الحديث عند التحقيق موضع يظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة اهـ.
واصطلاحاً ما أشار إليه بقوله:
٢٣٤ - مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ ... مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَتْنًا أَوْ سَنَدْ
٢٣٥ - وَلا مُرَجِّحَ: هُوَ الْمُضْطَرِبُ ... ..................
(ما) موصولة مبتدأ أي الحديثُ الذي اختلفت (وجوهه) أي طرقه بأن يروى على وجوه مختلفة متقاربة (حيث ورد) أي الاختلاف المفهوم من اختلفت (من واحد) أي راو واحدٍ بأن رواه مرة على وجه وأخرى على آخر مخالف له (أو فوق) من الظروف المبنية على الضم لقطعه عن الإضافة ونية معناها معطوف على واحد أي أوْ وَرَدَ من فوق واحد بأن اختلف فيه راويان فأكثر (متناً) منصوب على التمييز أي من حيث متنه (أو سند) معطوف منصوب وقف عليه على لغة ربيعة أي أو من حيث سنده (و) الحال أنه (لا
стр. 258
مرجح) لإحدى الروايتين أو الراويات على الأخرى إذ لو وجد ذلك لانتفى الاضطراب كما سيأتي وكذا إذا أمكن الجمع كما صرح به غيره.
(هو) ضمير فصل (المضطرب) خبر ما وهو بكسر الراء كما هو المشهور، وتقدم عن بعضهم أنه أشار إلى صحة الفتح أيضاً بأنه على الحذف والإيصال أي مضطرب فيه.
وحاصل المعنى: أن المضطرب هو الذي اختلف كلام راويه فيه وَاحِداً كان بأن رواه مرة على وجه ومرة على وجه آخر مخالف له، أو أكثر بأن اختلف راويان فأكثر فرواه كُلٌّ على وجه مخالف للآخر بشرط أن لا يترجح بعضها على بعض، وقد يكون في المتن وفي السَّند. قال الحافظ نقلاً عن الحافظ العلائي: إِن الاختلاف تارة يكون في المتن وتارة في السَّند: فالذي في السَّند يتنوع أنواعاً " أحدها " تعارض الوصل والإرسال " وثانيها " تعارض الوقف والرفع " ثالثها " تعارض الاتصال والانقطاع " رابعها " أن يَرِويَ الحديثَ قوم مثلاً عن رجل تابعي عن صحابي ويرويه ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه " خامسها " زيادة رجل في أحد الإسنادين " سادسها " الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف. ثم ذكر تفاصيل ذلك كله. ثم قال وأما الاختلاف الذي يقع في المتن فقد أعَل به المحدثون والفقهاء كثيراً من الأحاديث، وأمثلة ذلك كثيرة نقلها الصنعاني في التوضيح ج ٢ ص ٤٠ بالبسط فانظره.
والحاصل أن الاضطراب قد يكون في المتن فقط أو في السَّند فقط وهذا الاخلاف هو الأكثر الأغلب وربما يكون فيهما معاً قاله السخاوي.
وقال في النزهة لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون السَّند. مثال الاضطراب في الإسناد حديث أبي بكر أنه قال " يا رسول الله أراك شِبْت قال شيبتني هود وأخواتها " قال الدارقطني: هذا حديث مضطرب فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من
стр. 259
رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر.
ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ في نضح الفرج بعد الوضوء قد اختلف فيه على عشرة أقوال، فقيل: عن مجاهد عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن الحكم غير منسوب عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه، وقيل عن مجاهد عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان بلا شك، وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم، وقيل عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ ذكره الناظم في التدريب.
ومثال المضطرب في المتن على ما اختاره الناظم حديث البسملة المتقدم في المعل، قال: فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب والمضطرب يجامع المعل لأنه قد تكون علته ذلك ثم ذكر حكمه بقوله:
............... ... وَهْوَ لِتَضْعِّيفِ الْحَدِيثِ مُوجِبُ
(وهو) أي الاضطراب المفهوم من المضطرب مطلقاً سواء كان في السَّند أو في المتن مبتدأ خبره موجب (لتضعيف الحديث) أي الحكم على الحديث بالضعف متعلق بـ (موجب) بكسر الجيم اسم فاعل من أوجب الشيء إذا أثبته يعني أنه سبب لضعف الحديث فلا يعمل به لإشعاره بعدم ضبط الراوي الذي هو شرط في الصحة والحسن.
لكن هذا الحكم ليس على إطلاقه بل هو مقيد بما إذا لم يكن الاضطراب بسبب اختلاف في اسم ثقة أو اسم أبيه أو نسبته أو نحو ذلك وإلا فلا يضر في صحة الحديث وإلى ذلك أشار بقوله:
стр. 260
٢٣٦ - إِلاَّإِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمٍ أَوَ اْبْ ... لِثِقَةٍ فَهْوَ، صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ
(إلا إذا ما) زائدة (اختلفوا) أي الرواة (في اسم) أي تعيين اسم راو (أَوَ اْبْ) بنقل حركة الهمزة إلى الواو وحذفها للوزن، أي أو تعيين اسم أبِ رَاوٍ وقوله (لثقة) صفة لاسم وأب، أي كائنين لثقة يعني أنهم إذا اختلفوا في اسم ثقة أو أبيه وكذا في نسبه أو نحو ذلك فإنه لا يضر في صحة الحديث مع الاضطراب ولذا قال (فهو) أي الحديث الذي وقع فيه ذلك الاختلاف (صحيح) لكون راويه ثقة (مضطرب) للاختلاف فيه.
والحاصل أن الاضطراب قد يجامع الصحة وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطرباً، وفي الصَّحِيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره فقال: فقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصَّحِيح والحسن. وإلى هذا أشار بقوله:
٢٣٧ - الزَّرْكَشِيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنْ ... وَالاِضْطِرَابُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ
(الزركشي) مبتدأ حذف خبره تقديره قائل، أو فاعل لفعل محذوف أي قال والأول أولى.
وهو العلامة محمد بن عبد الله بن بَهَادِر أبو عبد الله بدر الدين قال الحَافِظ ابن حجرٍ: كان الزركشي ﵀ منقطعاً في منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وكان يطالع في حانوت الكتب طول نهاره ومعه أوراق يعلق فيها ما يعجبه ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه، وقال ابن العماد نقلاً عن البرماوي: كان منقطعاً إلى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشيء وله أقارب يكفونه أمر دنياه فزهد ﵀ عن الدنيا وعف فيها ألف تآليف عديدة أكثر من خمسة وأربعين كتاباً في مختلف الفنون من علوم القرآن والحديث ومصطلحه والفقه والقواعد والأصول وغيرها، ولد ﵀ في مصر سنة ٧٤٥ هـ من أسرة تركية، وكان أبوه مملوكاً، وتوفي يوم الأحد
стр. 261
ثالث رجب ٧٩٤ هـ ودفن بالقرافة الصغرى بمصر، والزركشي نسبة إلى الزركش وهي كلمة فارسية مركبة من زر أي الذهب وكش أي ذو. والمقصود بها نسج الحرير بالذهب ولقب به لأنه تعلم هذه الصناعة في بداية عمره واشتغل بها فترة.
ومقول القول جملة قوله (القلب) الآتى في الباب التالي، مبتدأ (والشذوذ) المتقدم عطف عليه (عن) بتشديد النون إلا أنها خففت هنا للوزن أي ظهر خبر المبتدإ، ووحد الضمير بتأويل المذكور (والاضطراب) الذي نحن في مبحثه وهو مبتدأ خبره محذوف أي كذلك، وقوله في (الصَّحِيح والحسن) متعلق بعن.
والمعنى أن القلب والشذوذ والاضطراب وجد في قسم الصَّحِيح والحسن فعلى هذا فقولهم إِن الاضطراب موجب لضعف الحديث إنما هو في الأغلب.
ثم ذكر مفهوم قوله ولا مرجح فقال:
٢٣٨ - وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ ... بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُوذُهُ وَضَحْ
(وليس) الحديث الذي اختلفت وجوهه (منه) أي من المضطرب المحكوم عليه بالضعف (حيث بعضها) أي الوجوه وكذا الوجهان (رجح) أي زاد قوة على غيره إما بالأحفظية وإما بأكثرية الملازمة للمروي عنه أو غيرهما من وجوه الترجيجات.
فاسم ليس ضمير يعود إلى ما في قوله ما اختلفت، و " منه " خبرها، و " حيث " ظرف متعلق بليس لأنها بمعنى انتفى، والمعنى أن ما اختلفت وجوهه إذا ترجحت منه إحدى الروايتين، أو الروايات بمرجح من المرجحات لا يكون في قسم المضطرب المردود بل الحكم للراجح لأن المرجوح كالعدم كما أشار إليه بقوله (بل نكر ضد) أي منكرٌ ضِدُّهُ، والنكر بضم فسكون وزان قفل المنكر، وهو كلام إضافي خبر لمحذوف: أي هو
стр. 262
منكر الضد. وقوله: (أو شذوذه) أي الضد، مبتدأ خبره قوله (وضح) أي ظهر.
والمعنى: أن ذلك الراجح لا يكون مضطرباً بل الحكم له وأن ضده المرجوح إما منكر أو شاذ.
وكذا إذا أمكن الجمع بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبراً باللفظين فأكثر عن معنى واحد أو يحمل كل منهما على حالة لا تنافي الأخرى فلا يكون مضطرباً.
مثال الأول: حديث الواهبة نفسها فإنه قد اختلفت الرواية في اللفظة الواقعة منه ﷺ ففي رواية " زوجتكها " وفي أخرى " أنكحتكها " وفي أخرى " ملكتها " وفي أخرى " أملكتكها " وفي أخرى " مكناكها " وأكثرها في الصَّحِيحين، وتأويل هذه الألفاظ سهل فإنها راجعة إلى معنى واحد. ومثال الثاني كحديث الترمذي " إن في المال حقاً سوى الزكاة " مع حديث ابن ماجه " ليس في المال حق سوى الزكاة " فالحق المثبت في الأول هو المستحب والمنفي في الثاني هو الواجب على أنهما ضعيفان من قبل ضعف راويه شيخ شريك، وقد صنف الحافظ كتاباً سمَّاه " المقترب في بيان المضطرب " التقطه من العلل للدارقطني وزاد عليه غير أنه لم يطبع.
(تَتِمَّة): الزيادة قوله إلا إذا ما اختلفوا إِلى آخر البيتين.
ولما كان الاضطراب يقع في الإسناد والمتن ناسب ذكر القلب بعده لكونه كذلك ولذا قال:
стр. 263
(المقلوب)
وفي نسخة المحقق: القلب أي هذا مبحثه وهو النوع الرابع والثلاثون من أنواع علوم الحديث.
وهو لغة اسم مفعول من قلب من باب ضرب، يقال قلب فلان الشيء إذا صرفه عن وجهه. وأما اصطلاحاً فقال بعض المحققين لايمكن تعريف أنواع المقلوب كلها في تعريف واحد لأنها أنواع مختلفة لا يمكن جمعها في حقيقة واحدة فإذا كان كذلك فاولى أن نقسم المقلوب إلى أنواعه المختلفة ثم نبين حقيقة كل نوع على حدة اهـ.
وسيذكر ذلك الناظم وعرفه السخاوي بأنه تغيير من يعرف بروايةٍ ما بغيره عمداً أو سهواً.
٢٣٩ - الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ وَفِي الإِسْنَادِ قَرْ ... إِمَّا بِإِبْدَالِ الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ
٢٤٠ - بِوَاحِدٍ نَظِيرِهِ لِيُغْرِبَا ... أَوْ جَعْلِ إِسْنَادِ حَدِيثٍ اجْتَبَى
٢٤١ - لآخَرٍ وَعَكْسُهُ إِغْرَابًا اْوْ ... مُمْتَحَِنًا، كَأَهْلِ بَغْدَادَ، حَكَوْا
(القلب) أي قلب الحديث بتقديم وتأخير مبتدأ خبره جملة قوله " قَرْ " (في المتن وفي الإسناد) أي متن الحديث أو إسناده متعلق بقوله (قَرْ) أي ثبت وخففت راؤه للوزن، والمعنى أن القلب ثبت في متن الحديث أو في إسناده.
والحاصل أنه ينقسم القلب إلى قسمين: قسم في المتن، وهو قليل بالنسبة إلى قلب الإسناد.
стр. 264
وحقيقته كما قال السخاوي: أن يعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر.
ونحوه قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه. مثاله حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه ففيه " ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله " فإنه مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه كما في الصَّحِيحين قاله الحافظ وله أمثله كثيرة.
والقسم الثاني: في الإسناد وهو كثير وقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه كأن يقول كعب بن مرة بدل مرة بن كعب، وقد ألف الخطيب في هذا كتاباً سماه رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب.
ومنه أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ من الرواة فيقلبه الراوي بنظيره لغرض وإليه أشار بقوله (إما) بالكسر حرف تفصيل (بإبدال) الراوي (الذي اشتهر به) أي بالحديث متعلق باشتهر (بواحد) من الرواة متعلق بإبدال (نظيره) بالجر عطف بيان أو بدل. أي مماثل له في الطبقة كحديث مشهور عن سالم جُعِلً عن نافع، أو عن مالك جعل عن عبيد الله بن عمر (لِيُغْرِبَا) بالبناء للمفعول، والفاعل ضمير يعود إلى الراوي المبدل، والألف للإطلاق، من الإغراب يقال أغرب فلان إذا جاء بشيء غريب أي لأجل أن يأتي بحديث غريب لا يعرفه النَّاس إذ الغريب يرغب فيه النَّاس، وممن كان يفعل ذلك من الوضاعين حماد بن عمرو النصيبي، وأبو اسماعيل إبراهيم بن أبي حية اليَسَع، وبهلول بن عبيد الكندي، مثاله حديث رواه عَمْرُو بن خالد الحراني عن حماد النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً " إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام " الحديث فهذا حديث مقلوب قلبه حماد فجعله عن الأعمش فإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة والثَّوري وجرير بن
стр. 265
عَبدالحميد، وعبد العزيز الدراوردي كلهم عن سهيل، قال أبو جعفر العقيلي: لا يحفظ هذا من حديث الأعمش إنما هو من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنه قلما يصح منها. أفاده العراقي في شرح ألفيته.
ومن أقسام قلب الإسناد أن يؤخذ إسناد متن فيركب على متن آخر وبالعكس وإليه أشار بقوله (أو) بمعنى الواو أي إما (بجعل حديث اجتبى) بالبناء للفاعل أي اختاره لقلب إسناده، والجملة صفة لحديث وقوله (لآخَرٍ) متعلق بجعل وصرف للوزن أي لمتن آخر، ويحتمل أن يكون اجتبى مفعولاً ثانياً لجعل ولآخر متعلق به أي مجتبى لمتن آخر بأن يجعل سند هذا لمتن هذا (وعكسه) مبتدأ حذف خبره أي كذلك، أو خبر لمحذوف، أي مثله عكسه، ويجوز جره عطفاً على إسناد، ونصبه مفعولاً لمحذوف أي وفعل عكسه بأن يجعل إسناد هذا الآخر لذلك المتن. ثم أشار إلى الغرض الباعث عليه فقال: (إغراباً) مفعول لأجله أي فعل هذا لأجل الإغراب على النَّاس كما يقصد ذلك بالقسم الأول فيكون ذلك باعتبار القصد كالوضع، (أو مُمْتَحَِنًا) بصيغة اسم المفعول مصدر معطوف على إغراباً أي أو امتحانه أو بصيغة اسم الفاعل أي فعله حال كونه ممتحناً لحفظ المحدث، ومختبراً له هل اختلط أم لا؟ وهل يقبل التلقين أم لا؟ فإن فطن له عرف حفظه فأخذ عنه، وإن خفي عليه عرف ضعفه فلم يعتمد عليه، وهذا يفعله كثير من المحدثين وهو كما قال الحافظ: محرم إلا بشرط أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة.
ثم ذكر من أمثلة القلب للامتحان قصة امتحان أهل بغداد للإمام البخاري ﵀ فقال: (كأهل بغداد) خبر لمحذوف أي مثال ذلك كامتحان أهل بغداد للإمام البخاري ﵀.
وبغداد اسم بلد يذكر ويؤنث والدال الأولى مهملة، وأما الثانية ففيها ثلاث لغات، حكاها ابن الأنباري، وغيره: دال مهملة، وهو الأكثر، والثانية
стр. 266
نون، والثالثة وهي الأقل ذال معجمة. بناها أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين لما تولى الخلافة سنة (١٣٦). اهـ المصباح باختصار،
وقوله (حكموا) جملة مستأنفة بين بها أن هذه القصة مشهورة تداول العلماء نقلها ودونوها في دواوينهم، أو حال من المضاف المقدر أي حال كونها محكية من الحفاظ.
وحاصل القصة ما رواه الخطيب، حدثني ابن أبي الحسن الساحلي أنا أحمد بن حسن الرازي سمعت أبا أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخرَ، وإسنادَ هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوه إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقُون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فَهِم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة وسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه، فلم يزل يلقى عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد
стр. 267
إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها فأقرَّ النَّاس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
ذكره العراقي في شرح ألفيته.
قال الحافظ نقلاً عن العراقي: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته، وإنما العجب منه في كونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة قاله في التوضيح.
وقال السخاوي: ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي في الإسناد فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم اهـ. ثم أشار إلى أن هذا النوع يسمى بالسرقة فقال:
٢٤٢ - وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَهْ ... ...................
(وهو) أي القلب الواقع في السَّند (يسمى) بالبناء للمفعول (عندهم) أي المحدثين (بالسرقة) أي سرقة الحديث، يعني أن فاعل هذا يطلق عليه أنه يسرق الحديث، وربما قيل في الحديث نفسه مسروق.
قال السخاوي: وفي إطلاق السرقة علىِ ذلك نظر إلا أن يكون الراوي المبدل به عند بعض المحدثين منفرداً به فسرقهُ الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كره أهل الحديث تتبع الغرائب اهـ.
مثاله ما تقدم من حديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا لقيتم المشركين " الحديث.
ثم إن ما ذكر كله يكون عن قصد لغرض من الأغراض، وقد يقع عن غير قصد بل غلطاً وإليه أشار بقوله:
............... ... وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوًاً أَطْلَقَهْ
(وقد يكون القلب) المذكور بنوعيه أي متناً أو إسناداً (سهواً) أي غلطاً من الراوي الثقة لا قصداً كما يكون من الوضاعين، فالقلب اسم يكون
стр. 268
وسهواً خبرها أي ذا سهو، وقوله (أطلقه) جملة حالية من القلب أي حال كون الراوي مُطْلِقَهْ، ويحتمل كون يكون تامة والقلب فاعل وسهواً مفعول لأجله، أو حال.
وحاصل المعنى: أنه قد يقع القلب حال كون الراوي مطلقاً له أي ذاكره لأجل سهوه أي غلطه من غير قصد.
مثاله ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " قال إسحاق بن عيسى فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال: وَهِمَ أبو النضر يعني جرير بن حازم إنما كنا جميعاً في مجلس ثابت وحجاج (١) بن أبي عثمان معنا فحدثنا حجاج الصواف عن يَحْيَى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يَحْيَى بن أبي كثير، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يَحْيَى.
(تنبيه): قال السخاوي ﵀: ومن هذا القسم ما يقع الغلط فيه بالتقديم في الأسماء والتأخير كمرة بن كعب، فيجعله كعب بن مرة، ومسلم بن الوليد، فيجعله الوليد بن مسلم، ونحو ذلك مما أوهمه كون اسم أحدهما اسم أبي الآخر، وقد صنف كل من الخطيب والحافظ في هذا القسم خاصة، فأما الخطيب ففيما كان من نمط المثال الأخير، يعني تقديم الأسماء وتأخيرها فقط، وسماه " رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب " وهو مجلد ضخم، وأما الحافظ فإنه أفرد من علل الدارقطني مع زيادة كثير ما كان من نمط المثالين الذين قبله وسماه " جلاء القلوب في
стр. 269
معرفة المقلوب " وقال: إنه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه بحيث أدى الإخلال به إلى عد الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في الصحابي، ويوجد ذلك في كلام الترمذي فضلاً عمن دونه، حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه. اهـ كلام السخاوي بتغيير يسير.
(تَتِمَّة): الزيادة قوله: القلب في المتن، وقوله وهو يسمى عندهم بالسرقة.
ولما كان الإدراج يشبه القلب من حيث أنه يكون في المتن وفي الأسناد، ومن حيث أن بعضه يكون لغرض صحيح فيكون جائزاً، وبعضه لغير ذلك فيكون حراماً ناسب ذكره بعده فلذا قال:
стр. 270
(المدرج)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الخامس والثلاثون من أنواع علوم الحديث، وهو لغة اسم مفعول من الإدراج، يقال أدرجت الكتاب إذ طويته، وأدرجت الميت في القبر إذا أدخلته فيه، وأدرجت الشيء في الشيء إذ أدخلته فيه، وضمنته إياه، ومنه قول الصرفيين الإدغام إدراج أول المثلين في الآخر، واصطلاحاً: ما كانت فيه زيادة ليست منه، ثم هو ينقسم إلى قسمين: مدرج المتن، ومدرج الإسناد، وكل واحد منهما ينقسم إلى أقسام أشار إلى ذلك بقوله:
٢٤٣ - وَمُدْرَجُ الْمَتْنِ بِأَنْ يُلْحَقَ فِي ... أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطٍ أَوْ طَرَفِ
٢٤٤ - كَلامُ رَاوٍ مَّا بِلا فَصْلٍ، وَذَا ... يُعْرَفُ بِالتَّفْصِيلِ فِي أُخْرَى، كَذَا
٢٤٥ - بِنَصِّ رَاوٍ أَوْ إِمَامٍ، وَوَهَى ... عِرْفَانُهُ فِي وَسْطٍ اْوْ أَوَّلِهَا
(ومدرج المتن) كلام إضافي مبتدأ، ومدرج بصيغة اسم المفعول والإضافة بمعنى في أي الشيء الذي أدرج أي أدخل في متن الحديث، وليس منه (بأن يلحق) الباء للتصوير والفعل مبني للمفعول ونائب فاعله: كلام راو ما، والجار والمجرور خبر المبتدإ، والتقدير ومدرج المتن مصور بإلحاق كلام رواه (في أوله) أي أول المتن، مثل أن يتكلم الصحابي بأمر يذهب إليه، ثمَّ يحتج عليه بلفظ حديث، ثم يقول هكذا قال رسول الله ﷺ وهو يعني ما احتج به لا ما احتج عليه فيتوهم السامع أن الجميع مرفوع،
стр. 271
قاله في التنقيح. (أو وسط) للمتن أي في أثنائه، مثل أن يروى حديث ومذهب فيسمعهما سامع فيحسبهما حديثين فيرويهما على هذه الصورة اهـ تنقيح (أو طرف) له في آخره، مثل أن يزاد في آخر الحديث من قول بعض الرواة من غير فصل، فيلتبس على من لا يميز الكلام النبوي من غيره فيحسب الجميع حديثاً فيرويه. اهـ تنقيح. (كَلامُ رَاوٍ مَّا) ما زائدة لتأكيد العموم، أي أيَّ راو كان، صحابياً، أو غيره، وقوله (بلا فصل) حال من كلام أي حال كونه غير مفصول عن الحديث.
وحاصل المعنى: أن مدرج المتن هو ما أدرج في أول الحديث، أو وسطه، أو آخره من كلام بعض الرواة صحابياً كان، أو من دونه من غير تمييز وتفرقة بين المدرج والحديث بما يدل على مغايرتهما فيلتبس على من لا يعلم الحال، فيحسب الجميع موصولاً فيرويه متصلًا فيتوهم أنه من الحديث.
مثاله في أول المتن وهو نادر جداً ما رواه الخطيب من طريق أبي قَطَن وشبابة في روايتهما عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النَّارِ " فقوله أسبغو الوضوء مدرج من قول أبي هريرة، كما بين من رواية البخاري في صحيحه عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: " أسبغوا الوضوء " فإن أبا القاسم ﷺ قال: " ويل للأعقاب من النار " قال الخطيب وَهِمَ أبو القطن عمرو بن الهيثم، وشبابة بن سَوَّار في روايتهما هذا الحديث عن شعبة على ما سقناه، وذلك لأن جماعة من الحفاظ رووه عن شعبة فجعلوا الأول من كلام أبي هريرة، والثاني من كلام النبي ﷺ . اهـ باختصار، قال الصنعاني: على أن قوله: " أسبغوا الوضوء " قد ثبت من كلام النبي ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو في الصَّحِيح، قال الحافظ: وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج ومقدار ما زدت عليه فلم أجد له مثالاً آخر، إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة من رواية محمد بن دينار عن هشام بن حسان. اهـ توضيح.
стр. 272
ومثاله في الوسط: ما رواه الدارقطني في سننه من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان مرفوعاً " من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ " قال الدارقطني كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين، والرفغ، فجعلهما من المرفوع، والمحفوظُ أن ذلك من قول عروة وكذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب السختياني، وحماد بن زيد، وغيرهما.
ومثاله في الآخر حديث ابن مسعود ﵁، وقوله بعد التشهد " فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد " أخرجه أبو داود، فقوله: فإذا فعلت إلى آخره من كلام ابن مسعود، وقد أدرجه زهير بن معاوية أبو خيثمة كما قال الحاكم والبيهقي والخطيب قال النووي في الخلاصة: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة. اهـ ويدل لإدراجها رواية شبابة بن سوار عنه ففصله، وبين أنه من قول ابن مسعود، قال: قال عبد الله فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، رواه الدارقطني، وقال: شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث، وجعله من قول ابن مسعود، وهو أصح من رواية من أدرج آخره، ورواه غير شبابة أيضاً، وفصله وبين أنه من قول ابن مسعود، أفاده في التوضيح.
وحاصل أقسام مدرج المتن ثلاثة: الأول: ما كان في أوله.
والثاني: ما كان في وسطه.
والثالث: ما كان في آخره.
ثم ذكر ما يعرف به الإدراج، وهي ثلاثة أمور على ما ذكره فقال (وذا) أي المدرج مبتدأ وجملة قوله (يعرف) بالبناء للمفعول خبره أي يدرك (بالتفصيل) أي تبيين كونه مدرجاً (في) رواية (أخرى) مُبَيِّنَةٍ لذلك، يعني أن مدرج المتن يعرف بأمور منها ورود رواية أخرى مفصلة للمدرج من كلام بعض الرواة عن الحديث المرفوع، كما في حديث التشهد المذكور ففي رواية شبابة عن أبي خيثمة فصله بقوله: قال عبد الله: إذا قلت ذلك إلخ، فجعله من كلام ابن مسعود،
стр. 273
قال: الدارقطني وهو أصح من رواية من أدرج، وأشبه بالصواب، لأن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحُرِّ كذلك مع اتفاق من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن ابن مسعود على ذلك، ومنها تصريح الراوي به وإليه أشار بقوله (كذا) يعرف المدرج (بنص راو) أي تصريح راوي الحديث نفسه بأنه لم يسمعه من النبي ﷺ ، كحديث ابن مسعود سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من جعل لله نداً دخل النار " قال وأخرى أقولها ولم أسمعها منه " من مات لا يجعل للهِ نداً أدخله الجنة " ومنها تصريح بعض الأئمة المطلعين بذلك، وإليه أشار بقوله (أو) نص (إمام) من أئمة الحديث المطلعين على علل الحديث، والعارفين بالزائد والناقص، على أنه مدرج كما تقدم في الأنثيين والرفغ فقد صرح الدارقطني، والخطيب أن ذلك من قول عروة فعروة لما فهم من لفظ الخبر " من مس ذكره فليتوضأ " أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر، فنقله مدرجاً فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال ففصلوا قاله في التدريب، وحاصل ما ذكره مما يعرف به المدرج ثلاثة أشياء الأول: ورود رواية مفصلة من طريق أخرى.
الثاني: تصريح الراوي بأنه لم يسمع من النبي ﷺ ذلك المدرج.
الثالث: نص إمام من أئمة الحديث على ذلك، وبقي عليه مما يعرف به الإدراج.
الرابع: وهو استحالة كون النبي ﷺ يقول ذلك.
مثال ذلك حديث أبي هريرة في الصَّحِيح مرفوعاً " للعبد المملوك أجران والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك " فقوله والذي نفسي بيده إلخ من كلام أبي هريرة لأنه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرق، ولأن أمه لم تكن إذ ذاك موجودة حتى يبرها.
(تنبيهان): الأول: أن أسباب الإدراج كثيرة، منها أن يقصد الراوي أن يبين حكماً أو نحو ذلك، ويريد أن يستدل عليه بقول النبي ﷺ ، وهذا في الإدراج قبل المتن، ومنها أن يريد بيان حكم يستنبط من كلام
стр. 274
النبي ﷺ وهذا قد يكون في الإدراج في وسط المتن بعد ذكر ما يستنتج منه ذلك الحكم، وقد يكون في الإدراج عقب المتن كله.
ومنها: أن يريد تفسير بعض الألفاظ الغريبة في الحديث النبوي.
" الثاني " أن الحكم بالإدراج إذا وردت رواية أخرى مفصلة للمدرج عن المرفوع يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب القطع، بخلافه فيما إذا استحال صدوره عن النبي ﷺ وفيما صرح الصحابي بعدم سماعه منه ﵊ فإنه يكون قطعاً أفاده الحافظ.
ثم أشار إلى أن الحكم بالإدراج في الوسط أو الأول ضعيف بقوله (ووهى) أي ضعف (عرفانه) بكسر فسكون مصدر عرف إذا علم بحاسة من الحواس الخمس قاله في المصباح، أي معرفة الإدراج (في وسط) بفتح فسكون بمعنى بَيْنَ، أي في أثناء الأحاديث (أو) في (أولها) أي الأحاديث.
والمعنى: أن معرفة الإدراج والحُكمَ به في أول الحديث أو في وسطه ضعيف قال ابن دقيق العيد: والطريق إلى الحكم بالإدراج في الأول أو الأثناء صعب لا سيما إن كان مقدماً على اللفظ المروي، أو معطوفاً عليه بواو العطف، وقال أيضاً إنما يكون الإدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللفظ السابق اهـ.
قال السخاوي: وكان الحامل لهم على عدم تخصيص ذلك بآخر الخبر تجويز كون التقديم والتأخير من الراوي لظنه الرفع في الجميع واعتماده على الرواية بالمعنى فبقى حينئذ في أول الخبر وأثنائه بخلافه قبل ذلك.
قال: وإلى ذلك أشار العراقي في شرح الترمذي، وقال: إن الراوي رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، وصار الموقوف لذلك أول الخبر، أو وسطه، ولا شك أن الفاصل معه زيادة علم فهو أولى، وبالجملة
стр. 275
فقد قال شيخنا يعني الحافظ ابن حجرٍ: إنه لا مانع من الحكم على ما في الأول أو الآخر أو الوسط بالإدراج إذا قام الدليل المؤثر غلبة الظن.
وقد قال أحمد: كان وكيع يقول: في الحديث يعني كذا وكذا وربما طرحِ يعني وذكر التفسير في الحديث وكذا كان الزهري يفسر الأحاديث كثيراً وربما أسقط أداة التفسير فكان بعض أقرانه دائما يقول له: افصل كلامك من كلام النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من الحكايات اهـ.
ثم ذكر القسم الثاني وهو مدرج الإسناد ومرجعه كما قال المحقق ابن شاكر في الحقيقة إلى المتن وهو ثلاثة أقسام فقال:
٢٤٦ - وَمُدْرَجُ الإِسْنَادِ مَتْنَيْنِ رَوَى ... بِسَنَدٍ لِوَاحِدٍ، أَوْ ذَا سِوَى
٢٤٧ - طَرْفٍ بِإِسْنَادٍ فَيَرْوِي الْكُلَّ بِهْ ... أَوْ بَعْضَ مَتْنٍ فِي سِوَاهُ يَشْتَبِهْ
٢٤٨ - أَوْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَلِفَا ... فِي سَنَدٍ، فَقَالَ هُمْ مُؤْتَلِفَا
(ومدرج الإسناد) كلام إضافي مبتدأ، والإضافة بمعنى في كما تقدم، أي الشيء الذي أدرج في الإسناد، أو من إضافة الصفة للموصوف، والحذف والإيصال، أي الإسناد المدرح فيه، وقوله (متنين) مفعول مقدم لـ (روى) وهو بتقدير حرف مصدر أي أنْ روى وهو في تأويل المصدر خبر المبتدإ، وتقدير الكلام ومدرج الإسناد رواية متنين مختلفين بإسنادين مختلفين وقوله (بسند) متعلق بروى وقوله (لواحد) صفة له أي رواهما بسند أحدهما مقتصراً عليه، وحاصل المعنى أن مدرج الإسناد أقسام: " أحدها " أن يكون عنده متنان مختلفان بإسنادين مختلفين فيرويهما بإسناد أحدهما كحديث " إنما الأعمال بالنيات " وحديث " بني الإسلام على خمس " كل منهما بإسناد خاص به فرواه بإسناد أحدهما.
" وثانيها " أن يكون عنده الحديث بإسناد إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسناد آخر فيجمع الراوي عنه طرفي الحديث بإسناد الطرف الأول ولا يذكر
стр. 276
إسناد الطرف الثاني، وإليه أشار بقوله (أو ذا) الحديث مبتدأ (سوى طرف) منصوب على الاستثناء، والطرف محركة: الناحيةُ، والمراد به هنا الجزء،
وسكن راءه للوزن، وقوله: (بإسناد) خبر المبتدإ أي كائن بإسناد، يعني أن هذا الحديث عنده بسند آخر (فيروي) بالبناء للفاعل، راوٍ عنه (الكل) أي الحديث والطرف (به) أي بسند الحديث الأول، وحاصل المعنى: أن يكون متن الحديث عندَ رَاوٍ بسند إلا طرفاً منه فإنه عنده بسند آخر، فيرويه راوٍ عنه تاماً بالإسناد الأول.
مثاله ما رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك ورواه النسائي من رواية سفيان بن عيينة كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله ﷺ وقال فيه " ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت النَّاس عليهم جُلُّ الِثّيَابِ تَحَركُ أيديهم تحت الثياب " قال موسى بن هارون الحمال ذلك عندنا وهم، فقوله ثم جئتهم ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل، وهكذا رواه مُبيَّناً زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب، وفصلاها من الحديث، وذكر إسنادها كما ذكرناه، قال موسى بن هارون الحمال، وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير، وشجاع بن الوليد، وهما أثبت له رواية ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل؛ وقال ابن الصلاح: إنه الصواب قاله في التنقيح.
قال السخاوي: ونحو هذا القسم أن يكون المتن عند راويه عن شيخ له إلا بعضه فإنما هو عنده بواسطة بينه وبين ذاك الشيخ فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، كحديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس في قصة العُرَنِيِّينَ أن النبي ﷺ قال لهم: " لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها " فإن لفظة وأبوالها إنما سمعها حميد عن قتادة عن أنس كما بينه محمد بن أبي عدي ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون، وآخرون إذ
стр. 277
رووه عن حميد عن أنس بلفظ فشربتم من ألبانها، فعندهم قال حميد قال قتادة عن أنس وأبوالها، فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج يتضمن تدليساً اهـ.
" وثالثها " أن يدرج في الحديث بعض حديث آخر مخالف له في السَّند وإليه أشار بقوله (أو بعض متن) بالنصب مفعول لمحذوف أي أو أدرج بعض متن حديث (في سواه) أي في حديث غيره مخالف له في السَّند، ويحتمل أن يكون معطوفاً على متنين، و " في " بمعنى " مع " أي أو روى بعض حديث مع حديث آخر مخالف له سنداً.
وحاصل المعنى: أن يروي أحدهما بإسناده الخاص به، ويزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول، وقوله (يشتبه) أي يتناسب ذلك البعض المدرج مع الحديث معنى، وهو حال من سواه، أي حال كونه متناسباً معه في المعنى.
مثاله حديث رواه ابن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تَبَاغَضُوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا " الحديث. فقوله: ولا تنافسوا مدرج في هذا الحديث أدرجه ابن أبي مريم فيه من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا ". وكلا الحديثين من طريق مالك، وليس في الأول " ولا تنافسوا " وهي في الحديث الثاني، وهكذا الحديثان عند رواة الموطأ: عبد الله بن يوسف، والقعنبي وقتيبة، وَيَحْيَى بن يَحْيَى، وغيرهم.
قال الخطيب: وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك عن ابن شهاب وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد.
(تنبيه): قال المحقق ابن شاكر وهذا المثال فصله بعضهم عن الذي
стр. 278
قبله وجعلهما قسمين والصواب ما صنعا يعني جعله قسماً واحداً لأنهما من نوع واحد. اهـ.
قلت: وجعلهما قسمين هو الذي جرى عليه ابن الصلاح والعراقي وغيرهما وهو الواضح فتأمل.
" ورابعها " أن يروي بعض الرواة حديثاً عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فيجمع الكل على إسناد واحد، فيرويه على الاتفاق، وإليه أشار بقوله (أو قاله) أي روى الحديث (جماعة) من الرواة (مختلفاً) يحتمل أن يكون بكسر اللام اسم فاعل، أي حال كون الحديث مختلفاً، أو بفتح اللام اسْمَ مفعول، أو مصدراً ميمياً، حال من المفعول، أيضاً، وعلى الأخير يقدر مضاف أي ذا اختلاف وقوله (في سند) متعلق به يعني أنه اختلف الرواة في سند ذلك الحديث بأن خالف بعضهم بعضاً بزيادة أو نقص (فقالهم) أي ذكر هؤلاء الجماعة المختلفين بعض الرواة (مؤتلفا) بفتح اللام مصدر حال من الضمير على حذف مضاف، أي ذوي ائتلاف، وإنما لم نجعله اسم فاعل لأنه مفرد وصاحب الحال جمع. وحاصل المعنى: أن يروي بعض الرواة حديثاً عن جماعة وبينهم في إسناده اختلاف فيجمع الكل على إسناد واحد مما اختلفوا فيه ويدرج رواية من خالفهم معهم على الاتفاق.
مثاله ما رواه الترمذي، عن بندار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثَّوري، عن واصل ومنصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: قلت يارسول الله: أي الذنب أعظم الحديث، وهكذا رواه محمد بن كثير العبدي، عن سفيان فيما رواه الخطيب فرواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش لأن واصلًا لا يذكر فيه عمراً بل يجعله عن أبي وائل عن عبد الله، هكذا رواه شعبة ومهدي بن ميمون، ومالك بن مِغْول وسعيد بن مسروق عن واصل كما ذكره الخطيب.
وقد بين الإسنادين معاً يَحْيَى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان،
стр. 279
وفصل أحدهما من الآخر رواه البخاري في صحيحه في كتاب المحاربين، عن عمرو بن علي، عن يَحْيَى، عن سفيان، عن منصور، والأعمش كلاهما عن أبي وائل، عن عمرو، عن عبد الله. وعن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله من غير ذكر عمرو بن شرحبيل، قال عمرو بن علي فَذُكِرَ لعبد الرحمن، وكان حدثنا عن سفيان، عن الأعمش ومنصور وواصل عن أبي وائل، عن أبي ميسرة يعني عمراً فقال: دعه دعه.
قال السخاوي: قوله: دعه يحتمل أنه أمر بالتمسك بما حدثه به وعدم الالتفات لخلافه، وبحتمل أنه أمر بترك عمرو من حديث واصل لكونه تذكر أنه هو الصواب أو لكونه كان عنده محمولاً على رفيقيه فلما سأل عنه بانفراده أخبره بالواقع لكن يعكر عليه رواية بندار عن ابن مهدي عن الثَّوري عن واصل وحده بإثباته اهـ.
(تنبيهان): الأول: أن أقسام مدرج الإسناد على ما ذكره الناظم أربعة، وزاد الحافظ قسمين: الأول ما تقدم في كلام السخاوي وهو أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفاً منه فإنه لم يسمعه من شيخه بل بواسطة فيدرجه بعض الرواة عنه، وهو مما يشترك فيه الإدراج والتدليس، ومثاله: ما تقدم في قصة العرنيين.
" الثاني ": أن لا يذكر المحدث متن الحديث بل يسوق إسناده فقط ثم يقطعه قاطع فيذكر كلاماً فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد.
مثاله: ما رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي، عن ثابت بن موسى العابد الزاهد، عن شريك، عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " قال الحاكم دخل ثابت على شريك، وهو يملي، ويقول حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله ﷺ ، وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " وقصد بذلك ثابتاً
стр. 280
لزهده، وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد فكان يحدث به، وقال ابن حبان: إنما هو قول شريك قاله عقيب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم " فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك.
قال المحقق: وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع الموضوع، وجعله شبه وضع من غير تعمد، وتبعه على ذلك النووي، والناظم فيما سيأتي، وذِكْرُهُ في المدرج أولى وهو به أشبه كما صنع الحافظ ابن حجر اهـ.
" الثاني ": قد صنف في هذا النوع أي الإدراج بأقسامه الخطيب كتاباً سماه " الفصل للوصل المدرج في النقل "، وقد لخصه الحافظ ورتبه على الأبواب والمسانيد وَزَادَ عليه أكثر من القدر الذي ذكر وسماه تقريب المنهج بترتيب المدرج، واختصره الناظم في كتاب سماه المَدْرَج إلى المُدْرَج اهـ.
ثم ذكر الناظم حكمه فقال:
٢٤٩ - وَكُلُّ ذَا مُحَرَّمٌ وَقَادِحُ ... وَعِنْدَيَ التَّفْسِيرُ قَدْ يُسَامَحُ
(وكل ذا) أي الإدراج بأقسامه، مبتدأ خبره (مُحَرَّمٌ) أي جميع أنواع الإدراج حرام بإجماع أهل الحديث، والفقه، والأصول، وغيرهم، إذا حصل عن عمد لما يتضمن من عَزْوِ الشيء لغير قائله، وأسوأ هـ ما كان في المرفوع مما لا دخل له في الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط، قاله السخاوي، (وقادح) أي جارح لفاعله سواء كان عمداً أو خطأ، وكَثُرَ.
قال السمعاني من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين، وما وقع خطأ فلا حرج على المخطئ إلا إن كثر خطؤه، فيكون جرحاً في ضبطه وإتقانه ذكره المحقق، ثم إن هذا التحريم مخصوص بغير التفسير، ولذا قال تبعاً للحافظ وغيره (وعندي) بفتح الياء لغة في إسكانها متعلق بيسامح (التفسير) أي المدرج
стр. 281
لتفسير غريب الحديث، مبتدأ خبره جملة (قد يسامح) بالبناء للمفعول، أي يغتفر فلا يمنع منه، والمعنى أن ما أدرج لتفسير شيء من معاني الحديث لا يحرم، ولذلك فعله كبار المحدثين كالزهري وغيره كما في الحديث الصَّحِيح حديث عائشة في بدء الوحي في قولها: " وكان يخلوا بغار حراء فيتحنث فيه " وهو التعبد، فقوله: وهو التعبد مدرج من كلام الزهري أفاده في الفتح.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الكتاب قوله أو وسط، وقوله يعرف إلى قوله أولها، وقوله متنين روى بسند لواحد، وقوله وقادح إلى قد يسامح، ولما كان الإدراج نوعاً من الوضع ولذا يتجاذبان بعض الأمثلة ناسب ذكر الموضوع بعده ولذا قال:
стр. 282
(الموضوع)
أي هذا مبحثه، وهو النوع السادس والثلاثون من أنواع علوم الحديث.
وأورده في أنواع الحديث مع أنه ليس بحديث نظراً إلى زعم واضعه، ولتعرف طرقه التي يتوصل بها لمعرفته لينفى عنه القبول.
وهو اسم مفعول من وضع الشيء يضعه بفتح الضاد فيهما يأتي لمعان منها الإسقاط، ومنها الترك، ومنها الافتراء، تقول فلان وضع الشيء عن عاتقه مثلا أسقطه، ووضع شيئاً تركه ووضع هذا الكلام افتراه واختلقه.
وقال ابن دحية: الموضوع من وضع فلان على فلان كذا ألصقه به فالموضوع في اللغة يكون بمعنى المُسقَط وبمعنى المتروك وبمعنى المفترى وبمعنى الملصق، واصطلاحاً: هو الكلام الذي اختلقه بعض النَّاس ونسبه إلى النبى ﷺ ، سمي به لأنه مسقط من قسم الحديث، ومتروك ومفترى على النبي يرو، وملصق به وليس من كلامه.
قال الحافظ وكونه من الإلصاق أليق بهذه الحيثية اهـ.
قال رحمه الله تعالى:
٢٥٠ - الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ ... وَذِكْرَهُ لِعَالِمٍ بِهِ احْظُرِ
стр. 283
٢٥١ - فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ إِلاَّ وَاصِفَا ... لِوَضْعِهِ، وَالْوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا
٢٥٢ - إِمَّا بِالاِقْرَارِ، وَمَا يَحْكِيهِ ... وَرِكَّةٍ، وَبِدَلِيلٍ فِيهِ
٢٥٣ - وَأَنْ يُنَاوِي قَاطِعًا وَمَا قُبِلْ ... تَأْوِيلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقِل
٢٥٤ - حَيْثُ الدَّوَاعِي ائْتَلَفَتْ بِنَقْلِهِ ... وَحَيْث ُلا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِهِ
٢٥٥ - وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ اْوْ وَعِيدُ ... عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدُ
٢٥٦ - وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ ... أُحْكُمْ بِوَضْعِ خَبَرٍ إِنْ يَنْجَلِي
٢٥٧ - قَدْ بَايَنَ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنْقُولا ... خَالَفَهُ أَوْ نَاقَضَ الأُصُولا
٢٥٨ - وَفَسَّرُوا الأَخِيرَ: حَيْثُ يَفْقِدُ ... جَوَامِعٌ مَشْهُورَةٌ وَمُسْنَدُ
(الخبر الموضوع) أي الخبر المكذوب على النبي ﷺ من غير أن يصدر منه مبتدأ خبره قوله (شر الخبر) أي أقبح أنواع الخبر المردود، لأن المراد المردود، لإضافة شر إليه إذ المقبول لا شر فيه أصلاً، وعبارة ابن الصلاح وسبقه الخطابي: اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضَّعِيفة.
وحاصل المعنى: أن الخبر الموضوع أي المكذوب، ويقال له المختلق، والمصنوع بالصاد، لأن واضعه اختلقه وصنعه شر أنواع الأحاديث الضَّعِيفة، ثم ذكر حكمه فقال (وذكره) بالنصب مفعول مقدم لاِحْظُرِ، أو مبتدأ خبره جملة احظر بتقدير رابط أي احظره. (لعالم به) أي بكونه موضوعاً متعلق بـ (احظر) أي امنع أيها المحدث، وكسر الراء للقافية (في أي معنى) خبر مقدم لـ (كان) والجملة حال من ذكره أي امنع ذكر الموضوع لمن علم بوضعه حال كونه كائناً في جميع الأبواب سواء كان في الأحكام أو القصص أو الفضائل، أو الترغيب، أو الترهيب، أو غيرها.
والحاصل: أن من علم وضع حديث من الأحاديث لا يحل أن يرويه منسوباً إلى رسول الله ﷺ (إلا) حال كونه (واصفاً) أي مبينا (لوضعه) أي لكونه موضوعاً، لحديث سَمُرَةَ بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال
стр. 284
رسول الله ﷺ " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " رواه مسلم. قوله يرى بضم الياء وفتحها روايتان، وقوله الكاذبين بكسر الباء وفتحها بلفظ الجمع والمثنى.
وسواء علم بوضعه بنفسه إن كان عالماً بذلك، أو أخبره به عالم ثقة.
قال السخاوي ﵀: وكفى بهذه الجملة يعني قوله أحد الكاذبين وعيداً شديداً في حق من روى الحديث وهو يظن أنه كَذِبٌ فضلًا عن أن يتحقق ذلك، ولا يبينه لأنه ﷺ جعل المحدث بذلك مشاركاً للكاذب في وصفه، وقد روى الثَّوري عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال من روى الكذب فهو الكذاب، ولذا قال الخطيب: يجب على المحدث أن لا يروي شيئا من الأخبار المصنوعات والأحاديث الباطلة فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين، ودخل في جملة الكذابين، وكتب البخاري على حديث موضوع: " من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل "، اهـ.
فأما إذا بَيَّنَ حالَه فلا بأس بذكره لأن البيان يزيل من ذهن السامع ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى النبي ﷺ .
والمراد بالبيان هو الصريح كأن يقول هذا كذب أو باطل ونحوهما، ولا يقتصر على قوله موضوع لأنه ربما يوجد من لا يعرف معنى الموضوع، كما حكى السخاوي أن بعض العجم أنكر على العراقي قوله في حديث سئل عنه: إنه كذب، محتجاً بأنه في كتاب من كتب الحديث ثم جاء به من الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، وكذا لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية كالطبراني، وأبي نعيم، وابن منده. وقال الخطيب: ومن روى حديثاً موضوعاً على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به والتعجب منه والتنفير عنه ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبان عنه. اهـ كلام السخاوي باختصار.
стр. 285
ثم ذكر ﵀ مما يعرف به كون الحديث موضوعاً أموراً: أشار إلى الأول بقوله (والوضع فيه) أي الخبر، مبتدأ خبره جملة (عرفا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق (إِما) بالكسر: حرف تفصيل حذف نظيرها من المعطوفات (بالإقرار) متعلق بعرف، ونقلت حركة الهمزة إلى اللَّامِ، وحذفت للوزن، أي إقرار الواضع على نفسه أنه وضع الحديث الفلاني.
وحاصل المعنى: أنه يعرف الوضع بأمور: منها إقرار الواضع به كاعتراف ميسرة بن عبد ربه الفارسي بوضعه فضائل القرآن الآتي، وأبي عصمة نوح بن أبي مريم الملقب بالجامع على ابن عباس ﵁ في فضائل القرآن سورة سورة، وكما روى البخاري في التاريخ الأوسط حدثني يَحْيَى بن الأشكري، عن علي بن حدير، قال سمعت عُمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبة النبي ﷺ .
وقد استشكل ابن دقيق العيد ﵀ الحكم بالوضع بإقرار من ادعى وضعه لأن فيه عملاً بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع قال وهذا كاف في رده لكن ليس بقاطع فى كونه موضوعاً لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه، قيل (١) وهذا ليس باستشكال منه إنما هو توضيح وبيان وهو أن الحكم بالوضع بالإقرار ليس بأمر قطعي موافق لما في نفس الأمر لجواز كذبه في الإقرار على حد ما تقدم أن المراد بالصَّحِيح والضَّعِيف ما هو الظاهر لا في نفس الأمر، ونحا البلقيني في محاسن الاصطلاح قريباً من ذلك قاله في التدريب.
ثم أشار إلى الثاني بقوله (و) إما بـ (ما يحكيه) أي يشابه الإقرار مما ينزل منزلته، قال في القاموس: يقال: حكيت فلاناً وحاكيته إذا شابهته اهـ.
وفي المصباح وحكى يحكي حكاية إذا أتى بمثل الشيء يائي، وفيه لغة أخرى، وهي حكا يحكو واوياً اهـ.